← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

جنسٍ، فالعِتْقُ يصادفه (١)، فيعتِقُ عليه، والباقي بالسِّراية. وفي «البلغة»: فيمن يعتق عليه رواياتٌ، الثَّالثة: موقوفٌ، إن تعيَّن سهمه في الرَّقيق عتَقَ، وإلاَّ فلا. وظاهره: لا فرق في المُعتَق أن يكون رجلاً، أو امرأةً، أو صبِيًّا. وصرَّح في «المغني» و «الشرح»: بأنَّ الغانم إذا أعتق رجلاً منها؛ لا يعتِقُ؛ لأِنَّه لا يصير رقيقًا بنفس السَّبيِ، وإنَّما يخيَّر فيه الإمامُ، فيحمل الكلامُ على من يصير رقيقًا بنفس (٢) السبي (٣) كالنِّساء والصِّبيان. (وَالْغَالُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ)، وهو مَنْ كَتَم ما غنمه، أو بعضَه، فيجب أن (يُحْرَقَ رَحْلُهُ كُلُّهُ)، قاله (٤) الحسنُ وجماعةٌ؛ لِمَا رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر حرَّقوا متاعَ الغالِّ» رواه أبو داودَ (٥)، ولحديث عمر بن الخطَّاب: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بذلك» رواه سعيدٌ والأثْرَمُ (٦).

стр. 2382

واختار جماعةٌ: أنَّ ذلك من باب التَّعزير، لا الحدِّ الواجِبِ، فيَجتهِد الإمامُ بحسب المصلحة، قال في «الفروع»: وهو أظْهرُ. فعلى ما ذكره: يختصُّ التَّحريق بالمتاع الَّذي غُلَّ، وهو معه، فلو استحدث متاعًا، أو رجع إلى بلده وله فيه متاعٌ؛ لم يُحرَّق. وكما لو انتقل عنه ببيع أو هبة في الأشهر. وهذا إذا كان حيًّا، حرًّا، مكلَّفًا، ملتزِمًا، جزم به صاحب «الوجيز» والأدمي البغداديان، ولو أنثى أو ذِمِّيًّا. وظاهره: أنَّه لا يُنْفَى، نَصَّ عليه (١)، بل يُضرَب؛ للخبر (٢). وفي السَّارق: لا يُحرَق متاعُه. وقيل: بلى، جزم به في «التَّبصرة». (إِلاَّ السَّلَاحَ)، فإنَّه يحتاج إليه في القتال. (وَالمُصْحَفَ)؛ لحرمته، وشمل الجِلدَ والكيس، وما هو تابِعٌ له. وقيل: يباع ويُتَصدَّق بثمنه؛ لقول سالم: «بعه وتصدَّق بثمنه» (٣). والأصحُّ: وكُتُبَ العلم؛ لأنَّه ليس القَصْدُ الإضرارَ به في دينه، بل في بعض دنياه.

стр. 2383

(وَالْحَيَوَانَ)؛ «لنَهْيه ﵇ أنْ يُعذِّبَ بالنَّار إلاَّ ربُّها» (١)، وعدم دخولهم (٢) في مسمَّى المتاع المأمور بإحراقه، وكذا آلتها، نصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه يُحتاج إليها، وكذا نفقته؛ لأنَّه لا تحرق عادةً، وكسهمه وثيابه التي عليه، لئلاَّ يترك (٤) عُرْيانًا، وقيل: ساتِرُ عورته، جزم به في «الوجيز». وظاهِرُه: أنَّه لا يُحرم سهمُه؛ لعدم ذكره في أكثر الرِّوايات. وعنه: بلى، اختاره الآجُرِّيُّ، ولم يَسْتَثْنِ إلاَّ المصحفَ والدَّابَّة، وأنَّه قول أحمد. فرعٌ: ما أبْقت النَّارُ من حديدٍ ونحوِه؛ فهو له. فإذا تاب قبل القِسمة؛ ردَّ ما أخذه في الغنيمة، وبعدها؛ يُعطِي الإمامَ خُمسَه، ويتصدَّق بالباقي، وقال الشَّافِعِيُّ: (لا أعرف للصَّدقة وجهًا) (٥). قال الآجُرِّيُّ: يأتي به الإمامُ فيَقْسِمه في مصالح المسلمين. ومن ستر على الغالِّ (٦)، أو أخذ ما أُهْديَ له منها، أو باعه إمامٌ وحاباه (٧)؛ فهو غالٌّ. (وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ)؛ أي: من فدية الأسارى، فهو غنيمةٌ، بغير خلافٍ نعلمه (٨)؛ لأنَّه «﵇ قسم فداء أُسارى بدْرٍ بين الغانمين» (٩)،

стр. 2384

ولأِنَّه مال (١) حصل بقوَّة الجيش، أشْبَهَ السِّلاحَ. (أَوْ أَهْدَاهُ الكُفَّارُ)، أوْ واحدٌ منهم (لِأَمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ)، جمْعُ قائِدٍ؛ وهو نائبه؛ (فَهُوَ غَنِيمَةٌ)؛ أي: للجيش، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه فَعَلَ ذلك خَوْفًا من الجيش، فيكون غنيمةً؛ كما لو أخذه بغيرها، وشرطه (٣): أن يكون ذلك في دار الحرب. وعنه: هو للمُهْدَى إليه. وقيل: فَيْءٌ؛ لأِنَّه مالٌ لم يُوجَفْ عليه بخيل ولا ركابٍ. فلو كانت بدارنا؛ فهي لمن أُهْديتْ إليه؛ لأِنَّه ﵇ قَبِلَ هديَّةَ المقوقس (٤)، واختصَّ بها. وقيل: فَيْءٌ (٥). واقْتَضى ذلك: أنَّ الهديَّة لأحَدِ الرَّعيَّة في دارهم؛ يَخْتَصُّ بها، كما لو أُهْدِيَ إليه إلى دار الإسلام. وقال القاضي: هو غنيمةٌ، وفي «الشرح» احتِمَالٌ: إن كان بينهما مُهاداةٌ قبل ذلك؛ فهي له، وإلاَّ فهي للمسلمين؛ كهديَّة القاضي، والله أعلم.

стр. 2385

(بَابُ حُكْمِ الْأَرَضِينَ المَغْنُومَةِ) (وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ): (أَحَدُهَا: مَا فُتِحَ عَنْوَةً)؛ أي: قهْرًا وغلَبةً، وهو مِنْ عنا يعنو؛ إذا ذلَّ وخَضَعَ، وشَرْعًا: (هِيَ مَا أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا بِالسَّيْفِ)، وهو نَوْعانِ: أحدهما: ما استَأْنَف المسلمون فتْحَه عَنْوةً؛ (فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا) على الغانمين كالمنقول، (وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِينَ (١)؛ أي: على جميعهم؛ لأنَّ كلًّا (٢) ورد فيه خبرٌ، فإنَّ «رسول الله ﷺ قَسَم نصْفَ خَيبَر، وَوَقَفَ نصفَها لنوائبه» رواه أبو داودَ من حديث سهل بن أبِي حثمة (٣)، «وَوَقَفَ عمرُ الشَّامَ ومصرَ والعراقَ وسائِرَ ما فتحه»، وأقرَّه الصحابة ومَنْ بعدَهم على ذلك، وعن عمرَ قال: «أمَا والذي نفسي بيده، لولا أنْ أترك (٤) آخِرَ الناس بَبَّانًا (٥) -أي (٦): لا شيء لهم- ما فُتِحَت عليَّ قريةٌ إلاَّ قَسَمْتُها كما قَسَمَ رسولُ الله ﷺ خَيبرَ، ولكنِّي أتْرُكُها لهم خزانةً يقتسمونها (٧)» رواه البخاريُّ (٨).

стр. 2386

فيَلزَم الإمامَ فِعْلُ الأصْلَح؛ كالتَّخيير في الأسارى. فإنْ قَسَمها لم يَحْتَجْ إلى لفظ، ويضرب عليها خَراجًا؛ لأنَّها ملك أربابها، وتصير أرض عُشْرٍ. وإن وقفَها اعتُبر تلفظه به. وفي «المغني» و «الشَّرح»: لا يَحتاج إلى النُّطق به، بل لو تركها للمسلمين جاز (١)؛ كالقسمة، وحينئذ: (يَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ) في كلِّ عامٍ؛ لفعل (٢) عمرَ (٣)، (مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ)؛ أي: من تقر (٤) معه من (٥) مسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ؛ كالأجرة، ولا يسقط خراجُها بإسلام أربابها، ولا بانتقالها إلى مسلِمٍ؛ لأنَّه بمنزلة أجرتها. وفي «المجرد»: أو يُملِّكها لأهلها أو غيرهم بخَراجٍ، فدلَّ كلامهم أنَّه لو ملَّكها بغير خراجٍ، كما فعل النَّبيُّ ﷺ في مكة؛ لم يَجُزْ، وقاله أبو عُبَيدٍ؛ لأِنَّها مسجِدٌ لجماعة المسلمين، وهي مَناخُ مَنْ سبق، بخلاف بقيَّة البلدان. (وَعَنْهُ: تَصِيرُ وَقْفًا (٦) بِنَفْسِ الاِسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا (٧)؛ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيدٍ في كتاب «الأمْوال»، عن الماجشون: قال بِلالٌ لعُمرَ بن الخطَّاب في القرى التي افْتَتَحوها عنوة: «اقْسِمْها بَيْنَنا، وخُذ خُمُسَها»، فقال عُمَرُ: «لا، ولكنِّي أحبسها (٨) فيَجْرِي عليهم وعلى المسلمين»، فقال بلال وأصحابه: «اقْسِمْها»،

стр. 2387

فقال عمر: «اللَّهُمَّ اكْفِني بِلالاً وذَوِيه»، فما حالَ الحَولُ ومنهم عَينٌ تَطرُف (١). قال القاضي: ولم يُنقَلْ عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا أحدٍ من الخلفاء أنَّه قَسَمَ أرْضًا أُخِذتْ عَنْوةً، إلاَّ خَيبَرَ، ولأِنَّه أنفعُ لِلْمسلِمين، وتكون أرضَ عُشرٍ. (وَعَنْهُ: تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ)؛ لأِنَّه ﵇ فَعَلَهُ (٢)، وفِعْلُه أَوْلَى من فِعْلِ غيره، يؤيِّده عمومُ قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ … ﴾ الآيةَ [الأنفَال: ٤١]، فأضاف الغنيمة إليهم من غير تعيينِ جنس المال؛ فدلَّ على التَّسوية بالمنقول. تنبيهٌ: ما فعلَه الإمامُ من وقف، وقسمة؛ فليس لأحدٍ نقضُه، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»، ويأتي حكمُ البيع. (الثَّانِي: مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا (٣) خَوْفًا) وفَزَعًا مِنَّا، (فَتَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا)؛ لأِنَّها لَيستْ غنيمةً فتُقْسَم، فيكون حكمُها حُكْمَ الفَيْءِ؛ أيْ: للمسلمين كلِّهم. (وَعْنْهُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَنْوَةِ)؛ لأِنَّه مالٌ ظهر عليه المسلمون بقوَّتهم، فلا

стр. 2388

يكون وقْفًا بنفس الاِسْتيلاء، كالمنقول، فعلى هذه: تجري فيها الرِّوايات السَّابقة، قاله ابنُ المنَجَّى. لكن لا يصير وقْفًا إلاَّ بوقْف الإمام لها، صرَّح به الجماعةُ؛ لأِنَّ الوقْفَ لا يَثْبُتُ بنفسه. فعلى هذا: حكمها قبل وقْف الإمام؛ كالمنقول، يجوز بَيعُها، والمعاوَضة بها، وعلى الأولى يَمْتَنِعُ. (الثَّالِثُ: مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ): (أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا، وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، فَهَذِهِ تَصِيرُ وَقْفًا أَيْضًا)؛ لأِنَّه «﵇ فَتَحَ خَيبرَ، وصالَح أهلَها أن يُعمِروا أرضها، ولهم نصفُ ثمرتها» (١)، فكانت للمسلمين دونَهم، قاله في «الشَّرح»، وهو شبيهٌ بفِعْل عمر في أرض السَّواد (٢)، فيكون حكم (٣) هذه كالتي قبلها، هل تصير وقْفًا بنفس الصُّلْح، أم بِوَقْف الإمام مع الفوائد؟ وهما دار إسلام (٤)، تجب الجزية ونحوها. (الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَهُمْ (٥) عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ، وَلَنَا الخَرَاجُ عَنْهَا)، فهو صُلْحٌ صحيحٌ لا مُفسِد فيه، (فَهَذِهِ مِلْكٌ لَهُمْ)؛ أي: لأِربابها، وتصير دارَ عَهْدٍ، (خَرَاجُهَا كَالْجِزْيَةِ) التي تُؤخَذُ على رؤوسهم ما دامت بأيديهم. (إِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ)؛ لأِنَّ الخراجَ الذي ضُرِب عليها إنَّما كان لأجْل كُفْرِهم، فيسقُط بالإسلام كالجزية، وتبقى الأرضُ ملْكًا لهم بغير خراجٍ،

стр. 2389

يتصرفون فيها كيف شاؤوا (١). (وَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِمٍ؛ فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه قُصِد بوضْعه الصَّغار، فوجب سقوطُه بالإسلام، كالجزية. فإن صارت لذِمِّيٍّ؛ فوجهان: أحدُهما، وهو ظاهِرُ كلامِهم: لا يَسْقُط؛ لأِنَّه بالشِّراء رَضِيَ بدُخوله فيما دَخَل عليه البائِعُ، فكأنَّه الْتَزَمَه. والثَّاني: يَسْقُط؛ لعدم الْتِزامه به. وعنه: لا يَسقُط خراجها بالإسلام (٢) ولا غيرِه؛ لأِنَّه حَقٌّ على رقبة الأرض، فهو كالخراج الذي ضَرَبَه عمرُ. وكذا في «التَّرغيب»، وذكر فيما صالحناهم على أنَّه لنا، ونُقِرُّه معهم بخراج: لا يسقط خراجه بإسلام، وعنه: بلى؛ كَجِزْيةٍ. (وَيُقَرُّونَ فِيهَا)؛ أي: في الأرض التي صُولِحُوا على أنَّها لهم، (بِغَيْرِ جِزْيَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ التِي قَبْلَهَا)؛ أيْ: لا يُقَرُّون في الأرض التي صُولِحوا على أنَّها لنا إلاَّ بجِزْيةٍ؛ لأِنَّ الدَّارَ دارُ إسلام، فلا بُدَّ فيها من التِزام الجِزْيةِ. (وَالمَرْجِعُ فِي الخَرَاجِ وَالجِزْيَةِ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ)، قال الخَلاَّلُ: رواه الجماعةُ (٣)، وعليه مشايِخُنا، لأِنَّه مَصْروفٌ في المصالح، فكان مفوَّضًا إلى اجْتِهاد الإمامِ، (عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ)، فيُضرَب على كلِّ أرض وإنسانٍ ما يُطيقه ويحتمِلُه؛ لأِنَّ ذلك يختلِف.

стр. 2390

(وَعَنْهُ: يُرْجَعُ إِلَى مَا ضَرَبَهُ عُمَرُ ﵁ (١)، لَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ)؛ لأِنَّ اجْتهادَ عمرَ أَوْلَى من قولِ غيره كيف كان (٢)، ولم يُنكِرْه أحدٌ من الصَّحابة مع شهرته؟! فكان كالإجماع. (وَعَنْهُ: تَجُوزُ (٣) الزِّيَادَةُ) في الخَراج (دُونَ النُّقْصَانِ (٤)؛ لِمَا رَوَى عمرو بن مَيمونٍ: أنَّه سَمِعَ عمرَ يقول لِحُذَيفةَ وعُثمانَ بنِ حُنَيفٍ: «لعلَّكما حمَّلتما الأرضَ ما لا تُطيقُ؟»، فقال عثمان: «واللهِ لو زِدتَّ عليهم

стр. 2391

لأجهدتهم» (١)، فدلَّ على إباحة (٢) الزِّيادة ما لم يُجهِدْهم، ولأِنَّه ناظرٌ في مصالح المسلمين كافَّةً، فجاز فيه دون النُّقصان. وعنه: جوازُهما في الخَراج دون الجزية، اختارها الخِرَقِيُّ والقاضي، وقال: نقله الجماعةُ (٣)، وصحَّحه في «المحرَّر»؛ لأِنَّ الخَراج في معنى الأجرة، بخلاف الجِزْية، فإنَّ المقصودَ منها الإذْلالُ، فهي في معنى العقوبة، فلم تتغير (٤) كالحدود. وعنه: جوازُهما فيهما، إلاَّ جِزية أهل اليَمَن، لا تَخرُج عن الدِّينار فيها، اختاره أبو بكرٍ؛ لأِنَّه «﵇ قرَّرها عليهم كذلك» (٥). (قَالَ أَحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ) القاسِمُ بنَ سَلاَّمٍ (٦): (أَصَحُّ وَأَعْلَى (٧) حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عمرو بْنِ مَيْمُونٍ؛ يعني: أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ

стр. 2392

دِرْهَمًا وَقَفِيزًا)؛ أيْ: على جَرِيبِ الزَّرْعِ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا من طعامه (١)، وعلى جَرِيب النَّخل ثمانيةَ دَراهِمَ، وعلى جَرِيب الكَرْم عشرةَ دَراهِمَ، وعلى جَرِيب الرُّطبة سِتَّةَ دَراهِمَ، هذا هو الذي وَظَّفَه عُمَرُ في أصحِّ الرِّوايات عنه (٢). ورَوَى عنه أبو عُبَيدٍ: «أنَّه بعث عُثْمانَ بن حُنَيفٍ لمساحة (٣) أرض السَّواد، فضرب على جَرِيب الزَّيْتون اثْنَيْ عشر دِرْهمًا، وعلى جَرِيب الكَرْم عشرةَ دَراهِمَ، وعلى جَرِيب النَّخل ثمانيةَ دَراهِمَ، وعلى جريب الرطبة ستةَ دَراهِمَ، وعلى جَرِيب الحِنْطة أربعةَ دَراهِمَ، وعلى جَرِيب الشَّعير دِرْهَمَينِ» (٤). والرِّواياتُ مختلِفةٌ في ذلك، فالأَخْذُ بالأعلى والأصحِّ أَوْلَى. (وَقَدْرُ الْقَفِيزِ: ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْمَكِّيِّ)، نَصَّ عليه (٥)، واختاره القاضِي؛ لأِنَّ الرِّطْلَ العِراقِيَّ لم يكن، وإنَّما كان المكِّيُّ، وهو رِطْلانِ، (فَيَكُونُ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلاً) بالعراقي. وقال أبو بكرٍ: قد قيل: قدْرُه (٦) ثلاثون رطْلاً.

стр. 2393

وقدَّم في «المحرَّر»: أنَّ القَفيزَ ثمانيةُ أرْطالٍ، صاعُ عمرَ قَفِيزُ الحَجَّاج، نَصَّ عليه (١)، وذلك ثمانيةُ أرْطالٍ بالعِراقِيِّ؛ لأِنَّه هو القَفيزُ الذي كان معروفًا بالعِراق، وهو المسمَّى بالقَفِيز الحَجَّاجِيِّ. وينبَغِي أن يكون من جنس ما تُخرِجُه الأرضُ؛ حِنْطةً أو شعيرًا، ذَكَرَه في «الكافي» و «الشَّرح». (وَالْجَرِيبُ: عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي عَشْرِ قَصَبَاتٍ)؛ أي: مائةُ قصبَةٍ مكسَّرةٍ، ومعنى الكَسْر: ضرب (٢) أحد العدَدَينِ في الآخر، فيَصيرُ أحدُهما كَسْرًا للآخر. والقَصَبَةُ: هي المقدارُ المعلومُ الذي يمْسَح به المزارِعُ، كالذِّراع للبَزِّ (٣)، واختير القَصَبُ على غيره؛ لأِنَّه لا يَطُولُ ولا يَقْصُرُ، وهو أخفُّ من الخشب. (وَالْقَصَبَةُ: سِتَّةُ أَذْرُعٍ) بالذراع العُمَرِيَّة؛ أيْ: بذراع عمر (٤)، وهو ذراع وَسَطٌ، والمعروف بالذِّراع الهاشِمِيَّة، سمَّاه المنصور به (٥). (وَهُوَ ذِرَاعٌ وَسَطٌ)؛ أيْ: بيد الرجل (٦) المتوسِّط الطُّول، (وَقَبْضَةٌ، وَإِبْهَامٌ قائمِةٌ)، وهو معروفٌ بين النَّاس. (وَمَا لَا يَنَالُهُ المَاءُ)؛ أيْ: ماءُ السَّقْي (ممَّا (٧) لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ؛ فَلَا (٨) خَرَاجَ عَلَيهِ)؛ لأِنَّ الخَراجَ أُجْرةُ الأرض، وما لا منفعة فيه لا أجرة له.

стр. 2394

وعنه: يجب على ما أمكن زرعه بماء السَّماء؛ لأنَّ المطر يربِّي زرعَها في العادة. قال ابن عَقِيلٍ: وكذا إن (١) أمكن سقيُها بالدَّواليب، وإن أمكن (٢) إحياؤه فلم يفعل، -وقيل: أو زرع ما لا ماء له-؛ فروايتان، وفي «الواضح»: روايتان فيما لا ينتفع به مطلقًا. والمذهب: أنَّ الخراج لا يجب إلاَّ على ماءٍ له يَسْقي (٣) وإن لم يزرع. (فَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ؛ وَجَبَ نِصْفُ خَرَاجِهِ فِي كُلِّ عَامٍ)؛ لأِنَّ نَفْعَ الأرض على النِّصف، فكذا الخراج، لكونه (٤) في مقابلة النَّفْع، وهو معنى كلامه في «المحرر»: ما زرع عامًا وأُرِيح آخر عادةً، وفي «الترغيب» ك «المحرَّر»، وفيه: يُؤخَذ خراج (٥) ما لم يزرع عن (٦) أقلِّ ما يزرع، وإنَّ البياض بين النَّخل ليس فيه إلاَّ خَراجها. فإن ظُلِمَ في خراجه؛ لم يَحتَسِبه من العشر؛ لأنَّه ظلمٌ. وعنه: بلى؛ لأِنَّ الآخِذَ لهما واحدٌ، اختاره أبو بكرٍ. فرعٌ: إذا يَبِس الكرْم بجرادٍ أو غيره؛ سقط من الخراج حسبما (٧) تعطَّل من النَّفع، وإذا لم يمكن النَّفع به ببيعٍ أو إجارة أو غيرهما (٨)؛ لم تجز (٩)

стр. 2395

المطالبَةُ، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١). (وَالْخَرَاجُ) يجب (عَلَى المَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ)؛ لأِنَّه على الرَّقَبة، وهي للمالك، كفطرة العبد. وعنه: على المستأجِر؛ كالعشر. (وَهُوَ كَالدَّيْنِ)، قال أحمد: يؤدِّيه، ثمَّ يزكِّي ما بَقِيَ (٢)، (يُحْبَسُ بِهِ الْمُوسِرُ)؛ لأِنَّه حقٌّ عليه، أشْبَهَ أجرةَ المساكنِ، (وَيُنْظَرُ بِهِ الْمُعْسِرُ)؛ لِلنَّصِّ (٣). (وَمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أَرْضِهِ؛ أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أَوْ رَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا)، فيَدْفَعُها إلى مَنْ يَعْمُرُها ويقوم بخَراجِها؛ لأِنَّ الأرضَ للمسلمين، فلا يجوز تعطيلُها عليهم، ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهما محصِّلٌ للغرض، فلا معنى للتعيين. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا كانت في يده أرضٌ خَراجِيَّةٌ؛ فهو أحقُّ بها بالخراج، كالمستأجِر، وتنتقل (٤) إلى وَارثِه كذلك، فلو آثَر بها أحدًا؛ صار الثَّاني أحقَّ بها. وظاهِرُه: أنَّه لا خَراجَ على المسَاكن (٥)، وجزم به أكثر (٦) الأصحاب، وإنَّما يجب على المَزارع، وإنَّما كان أحمدُ يمسح دارَه ويخرِج عنها (٧)؛ لأنَّ أرضَ بغدادَ حين فُتِحت كانت مزارع. تنبيهٌ: إذا كان بأرض الخراج يومَ وقْفِها شجر؛ فثمرة المستقبل لمن تقر

стр. 2396

في يده، وفيه عُشْرُ الزَّكاة؛ كالمتجدِّد فيها. وقيل: هو للمساكين بلا عُشرٍ، جزم به في «التَّرغيب»، ولعلَّه مبنيٌّ على أنَّ الشَّجر لا يَتْبَعُ الأرضَ في البيع، فكذا هنا، فيبقى ملك المسلمين بلا عُشرٍ؛ لأِنَّه لا يجب على بيت المال. (وَيَجُوزُ لَهُ)؛ أي: لصاحب الأرض (أَنْ يَرْشُوَ الْعَامِلَ، وَيُهْدِي لَهُ؛ لِيَرْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فِي خَرَاجِهِ)؛ لأِنَّه يَتوصَّل بذلك إلى كفِّ اليد العادية عنه. فالرِّشْوة: ما أعطاه بعد طَلَبه، والهديَّةُ ابْتِداءً، قاله في «التَّرغيب». (وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِيَدَعَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا)؛ لِمَا فيه من إبطال الحق؛ فحرم (١) على الآخِذ والمعطِي؛ كرِشْوة الحاكم. (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي إِسْقَاطِ الْخَرَاجِ عَنْ إِنْسَانٍ؛ جَازَ)؛ لأِنَّه متصرِّفٌ بالمصلحة، أشْبَهَ المنَّ على العدوِّ، وفي «المحرَّر» و «الفروع»: للإمام وضعه عمَّن له دفعه إليه. وظاهِرُه: أنَّ غيرَ الإمام ليس له ذلك، قال (٢) أحمدُ: لا يَدَعُ خَراجًا، ولو تركه أميرُ المؤمنين كان هذا، فأمَّا مَنْ دونَه فلا. فرع: مصرف (٣) الخراج؛ كفيء، وما تركه (٤) من العشر، أو تركه الخارص؛ تصدَّق بقدره.

стр. 2397

(بَابُ الْفَيْءِ) أصْلُه: من الرُّجوع، يقال: فاء الظِّلُّ؛ إذا رجع نحو المشرق، وسُمِّيَ المالُ الحاصِلُ على ما يذكره فيئًا؛ لأنَّه رجع من المشركين إليهم. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ … ﴾ الآيتين [الحَشر: ٦ - ٧]. (وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ (١) بِغَيْرِ قِتَالٍ)، يُحْتَرَزُ به عن الغنيمة؛ (كَالْجِزْيَةِ، وَالْخَرَاجِ، وَالْعُشُرِ، وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا) من المسلمين، (وَخُمُسُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَمَالُ مَنْ مَاتَ وَلَا (٢) وَارِثَ لَهُ) من أهل الذِّمَّة، ويَلْحَق به: المرتدُّ إذا هلك. (فَيُصْرَفُ (٣) فِي الْمَصَالِحِ)؛ أيْ: مصالحِ المسلمين؛ للآيتين، ولهذا لَمَّا قرأ عمرُ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ … ﴾ الآية [الحَشر: ٨] قال: «هذه استوعبت (٤) المسلمين» (٥)، وقال أيضًا: «ما مِنْ أحدٍ من المسلمين إلاَّ له في هذا المالِ

стр. 2398

نصيبٌ، إلاَّ العبيدَ» (١)، وذكر أحمدُ الفَيءَ، فقال: (فيه حقٌّ لكلِّ المسلمين، وهو بين الغَنيِّ والفقير) (٢)، ولأِنَّ المصالحَ نفعُها عامٌّ، والحاجةُ داعيةٌ إلى فعلها تحصيلاً لها. واختار أبو حكيم والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣): لا حقَّ فيه لرافضةٍ، وذَكَرَه في «الهدي» عن مالكٍ وأحمدَ (٤). وقيل: يَختصُّ بالمقاتِلة؛ لأِنَّه كان لرسول الله ﷺ في حياته؛ لحصول النُّصرة، فلمَّا مات صارت بالجند ومَنْ يَحتاج إليه المسلمون. (وَيُبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالأَهَمِّ)، من المصالح العامة لأهل الدار الَّتي بها حِفْظُ المسلمين وأمْنُهم من العدوِّ، (مِنْ سَدِّ الثُّغُورِ) بأهل القُوَّة من الرِّجال والسِّلاح، (وَكِفَايَةِ (٥) أَهْلِهَا)؛ أي: القيام بكفايتهم، (وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ) من غير أهل الثُّغور، (مِمَّنْ (٦) يَدْفَعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ)؛ لأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، ودَفْع الكفار هو المقصود، فلذلك (٧) قدِّم على غيره. (ثُمَّ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنْ سَدِّ الْبُثُوقِ)، جَمْع بَثْقٍ، وهو المكان المنفتح في

стр. 2399

جانبي النَّهر، (وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ)، أيْ: تعزيلها، (وَعَمَلِ الْقَنَاطِرِ)، وهي الجُسور، (وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ) العلماءِ، (وَغَيْرِ ذَلِكَ)؛ كالفقهاء والأئمَّة والمؤذنين ونحوهم، ممَّا للمسلمين فيه نَفْعٌ، ولأِنَّ ذلك من المصالح العامَّة، أشبه الأوَّلَ. (وَلَا يُخَمَّسُ) في ظاهر المذهب، وقاله الأكثرُ؛ لأِنَّ الله تعالى أضافه إلى أهل الخُمُس، كما أضاف خُمُس الغنيمة، فإيجاب الخُمُس فيه لأهله دون باقيه مَنْعٌ لِمَا جعله الله تعالى لهم بغير دليلٍ، ولو أُرِيد الخُمُسُ منه لذَكَرَه الله تعالى، كما ذَكَرَه في خُمُس الغنيمة، فلمَّا لم يَذكرْه ظهر إرادةُ الاِسْتِيعاب. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُخَمَّسُ)، هذا رواية (١)، واختاره أبو محمد يوسف الجَوْزيُّ؛ لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ … (٧)﴾ الآية [الحَشر: ٧]؛ لأنَّها اقْتضت أن يكون جميعُه لهؤلاء الأصناف، ولا شكَّ أنَّهم أهلُ الخُمُس، والآيةُ السَّابقةُ، وما ورد عن عمر وغيره (٢) يدلُّ (٣) على اشتراك جميع المسلمين فيه، فوجب الجمع بينهما للتَّناقُض والتَّعارُض، وفي إيجاب الخُمُس فيه جَمْعٌ بين الأدلَّة، فإنَّ خُمُسَه لِمَنْ ذُكِر، وسائرُه لجميع المسلمين، ولأنَّه مالٌ مظهورٌ عليه، فوجب تخميسه كالغنيمة. (فَيُصْرَفُ خُمُسُهُ إِلَى أَهْلِ الْخُمُسِ، وَبَاقِيهِ لِلْمَصَالِحِ)؛ لِمَا ذكرْنا، لكن قال القاضي: لم أجِدْ لما (٤) قال الخرقي نَصًّا فأحكيه، وإنَّما نَصَّ على أنَّه غير مخموسٍ.

стр. 2400

قال ابنُ المنذِر: ولا يُحفَظ عن أحدٍ قبْلَ الشَّافِعيِّ (١). واختار (٢) الآجري: أن النبي ﷺ (٣) قَسَّمَه خمسةً وعشرين سهْمًا، فله أربعةُ أخْماسٍ، ثُمَّ خُمُس الخُمُس أحدٌ وعشرون سهمًا في المصالح، وبقية خُمُس الخُمُس لأهل الخُمس (٤)، وذكر ابن الجَوزِيِّ في (٥) «مسند عمر»: كان ما لم يُوجَفْ عليه ملكًا لرسول الله ﷺ خاصَّةً (٦)، واختاره أبو بكرٍ. (وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ؛ قُسِمَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ)؛ للآية، ولأنَّه (٧) مالٌ فَضَلَ عن حاجتهم، فقسم بينهم لذلك. وظاهِرُه: أنَّ الغني كالفقير على المذهب؛ لأنَّه مالٌ استَحَقُّوه بمعنًى

стр. 2401

مشترَكٍ، فاستَوَوْا فيه كالميراث. وعنه: يُقدَّم المحتاجُ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (هي أصحُّ عنه) (١)؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [الحَشر: ٨]، ولأنَّ المصلحةَ في حقِّه أعظمُ منها في حقِّ غيره؛ لأنَّه لا يتمكَّنُ من حفظ نفسه من العدوِّ بالعُدَّة، ولا بالهرَب لفقره، بخلاف الغَنِيِّ. ويُستَثْنَى منه العبيدُ، فإنَّه لا شَيءَ لهم منه، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّه، مالٌ فلا حظَّ لهم فيه كالبهائم (٣). وأعْطَى الصدِّيقُ العَبِيدَ (٤)، ذَكَرَه الخَطَّابِيُّ.

стр. 2402

فرعٌ: ليس لولاة الفَيء أن يستأثِرُوا منه فوق الحاجة كالإقْطاعِ يصرفوه فيما لا حاجةَ إليه، أو إلى من يَهْوَوْنَه، ذَكَرَه الشَّيخُّ تقيُّ الدِّين وغيره (١). (وَ) يُستحَبُّ أنْ (يَبْدَأَ بِالمُهَاجِرِينَ)، جمع مهاجِرٍ، اسم فاعلٍ من هاجر، بمعنى: هجر، ثمَّ غلب على الخروج من أرضٍ إلى أخرى، وتطلق الهجرة: بأن يترك الرَّجلُ أهلَه ومالَه، وينقطعَ بنفسه إلى مهاجَره، ولا يرجع من ذلك بشيء، وهِجْرةُ الأعراب: وهو أن يدَعَ البادية ويغزو مع المسلمين، وهي دونَ الأوَّل في الأجر، والمراد هنا: أولاد المهاجرين الَّذين هجروا أوطانَهم، وخرجوا إلى رسول الله ﷺ ، وهم جماعةٌ مخصوصون. (ثُمَّ الأَنْصَارِ)، وهم الحَيَّان: الأوسُ والخَزْرجُ، وقُدِّموا على غيرهم؛ لسابِقَتِهم وآثارهم الجميلة. (ثُمَّ سَائِرِ المُسْلِمِينَ)؛ ليَحصُلَ التَّعْميم بالدفع، وصرَّح في «الشَّرْح»: بأنَّ العرب تُقدَّم على العَجم والموالي. (وَهَلْ يُفَاضَلُ بَيْنَهُمْ) بالسَّابِقة؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: يسوَّى بينهم، وجزم بها في «الوجيز»، وهي مذهب أبي بكرٍ وعليٍّ ﵄؛ لأِنَّ الغنائمَ تُقْسَم بين مَنْ حضر بالسَّويَّة، فكذا الفَيءُ، لكنْ أبو بكرٍ أعْطَى العَبِيدَ، ومَنَعَهُم علِيٌّ (٢).

стр. 2403

والثَّانية: يجوز التَّفاضُلُ بينهم، وهي مذهبُ عمرَ وعثمانَ ﵄ (١)، قال عمر: «لا أجعلُ (٢) من قاتَل على الإسلام كمن قُوتِل عليه» (٣)، ولأِنَّه ﵇ قَسَم النَّفَل بين أهله متفاضِلاً على قدر غَنائِهم (٤)، وهذا في معناه.

стр. 2404

وصحَّح في «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ ذلك مفوَّضٌ إلى اجتهاد الإمام بحسب (١) المصلحة، وقد «فرض عمر لكلِّ واحدٍ من المهاجرين من أهل بدر: خمسةَ آلافٍ، ومن الأنصار: أربعةَ آلافٍ» (٢). والعَطاءُ الواجِبُ لا يكون إلاَّ لبالغ، عاقلٍ، حُرٍّ، بصيرٍ، صحيحٍ، يُطيقُ القتال، فإن حدَث به مرضٌ غير مرجُوِّ الزوال؛ كزَمانةٍ ونحوها؛ فلا حقَّ له في الأصحِّ. (وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ؛ دُفِعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقُّهُ)؛ لأنَّه مات بعد الاِسْتِحْقاقِ، وانتقل حقُّه إلى ورثتِه؛ كسائر الموْروثات. (وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ المُسْلِمِينَ؛ دُفِعَ إِلَى امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ كِفَايَتُهُمْ)؛ لِمَا فيه من تطييب قلوب المجاهِدين، لأِنَّهم إذا عَلِموا أنَّ عيالَهم يُكْفَوْن المؤنة بعد موتهم توفَّروا على الجهاد، بخلاف عَكْسه. فإن تزوَّجت المرأةُ، أو واحدةٌ من البنات؛ سَقَطَ فَرْضُها؛ لأِنَّها خرجت عن عيالِ الميت. (فَإِذَا بَلَغَ ذُكُورُهُمْ) وكانوا أهْلاً للقتال، (فَاخْتَارُوا أَنْ يَكُونُوا فِي المُقَاتِلَةِ؛ فُرِضَ لَهُمْ)؛ لأِنَّهم أهلٌ لذلك، ففُرض لهم كآبائهم، وفي «الأحكام السُّلْطانيَّة»: مع الحاجة إليهم. (وَإِنْ لَمْ يَخْتَارُوا؛ تُرِكُوا)؛ لأِنَّ البالِغَ لا يُجبَرُ على خلاف مراده إلاَّ الواجب عليه، ولا شكَّ أنَّ دخولَهم في دَيوان المقاتِلة ليس بواجبٍ.

стр. 2405

تنبيهٌ: بيتُ المال ملكٌ (١) للمسلمين، فيضمنه مُتْلِفُه، ويَحرُم التَّصرُّف فيه إلاَّ بإذن الإمام، ذَكَرَه في «عيون المسائل» و «الانتصار». وذكر القاضِي وابنُه: أنَّ المالِكَ غيرُ مُعيَّنٍ. وفي «المغني» كالأول. وللإمام تعيينُ مصارِفه وترتيبها، فافْتَقَر إلى إذنه.

стр. 2406

(بَابُ الْأَمَانِ) الأَمانُ ضِدُّ الخَوف، وهو مصدر أمِن أمْنًا وأمانًا (١). والأصْلُ فيه: قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التّوبَة: ٦]، وقوله ﵇: «ذِمَّةُ المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم» متَّفقٌ عليه من حديث عليٍّ (٢). وإذا أُعْطُوا الأَمانَ؛ حرم (٣) قتلهم، وأخذ مالهم (٤)، والتَّعرُّض إليهم (٥). (يَصِحُّ أَمَانُ المُسْلِمِ (٦) المُكَلَّفِ)؛ أي: البالِغ العاقِل، فلا يصِحُّ مِنْ كافِرٍ وإن كان ذِمِّيًّا؛ للخبر (٧)، ولأِنَّه متَّهمٌ على الإسلام وأهلِه، فلم يَصِحَّ منه كالحربيِّ. ولا من طفل ومجنون؛ لأنَّ كلامَه غيرُ معتبَرٍ، فلا يَثْبُت به حُكْمٌ. ومَنْ زال عقلُه بنوم أو سكر (٨)، أو إغماءٍ هو كالمجنون؛ لأنَّه لا يَعرِف المصلحةَ من غيرها. (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى)، نَصَّ عليه (٩)؛ لقوله (١٠) ﵇: «قد أَجَرْنا مَنْ أجَرْتِ

стр. 2407

يا أمَّ هانِئٍ» رواه البخاريُّ (١)، و «أجارتْ زينبُ بنت رسولِ الله ﷺ أبا العاص ابنَ الرَّبيع، فأجازه النبي ﷺ » (٢). (حُرَّا)، اتِّفاقًا، (أَوْ عَبْدًا)، في قَول أكثر العلماء؛ لقول عمرَ: «العَبْدُ المسلِمُ رجلٌ من المسلمين يجوز أمانُه» رواه سعيدٌ (٣)، ولقوله ﵇: «يَسْعى بها أدْناهُمْ» (٤)، فإنْ كان كذلك؛ يصح (٥) أمانُه بالحديث، وإن كان غيرُه أدْنَى منه؛ فيصحُّ منه (٦) من باب أَوْلى، ولأنَّه مسلِمٌ مكلَّفٌ، فصح منه كالحُرِّ، (مُطْلَقًا)، سواءٌ كان مأْذونًا له في القتال أوْ لَا.

стр. 2408

(أَوْ أَسِيرًا)، نَصَّ على ذلك (١)، وللعموم (٢). وبعضُهم شَرَطَ فيه: أن يكون مختارًا. ولا حاجَةَ إليه؛ لأِنَّ المسلمَ الحُرَّ المطلَقَ لو أُكْرِه على الأَمان؛ لم يصحَّ، فلا حاجةَ إلى (٣) اختصاص الأسير به. (وَفِي أَمَانِ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ): إحداهما: لا يَصِحُّ؛ لعدم تكليفه، كالمجنون. والثَّانية: يَصِحُّ، وهي المذهبُ، قال أبو بكرٍ: رواية واحدةً، وحمل الأوَّل على غير المميِّز؛ لعموم الخبر (٤)، ولأنَّه عاقِلٌ، فصَحَّ منه كالبالِغ، بخلاف المجنون. وظاهِرُه: أنَّه يَصِحُّ منجَّزًا ومعلَّقًا بشرْطٍ. ومِنْ شَرْطِ صِحَّته: أن يكون مختارًا، ولم يصرح به للعلم به، وعدم الضَّرَر علينا، وألاَّ تزيد (٥) مدَّتُه على عشر سنين، قاله في «الترغيب». وفي جواز إقامتهم بدارنا هذه المدَّةَ بلا جِزيةٍ وجْهانِ. وشرط (٦) في «عيون المسائل» لصحَّته: معرفةُ المصلحة فيه، وذَكَرَ جماعةٌ الإجماعَ في المرأة بدون هذا الشَّرْطِ. (وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ)؛ لأِنَّ ولايته عامَّةٌ. (وَأَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ)؛ أي: بحذائه؛ لأِنَّ له الولايةَ عليهم

стр. 2409

فقط، فدلَّ على (١) أنَّه كآحاد المسلمين في حقِّ غيرهم. (وَأَمَانُ أَحَدِ الرَّعِيَّةِ) -قال الجَوهريُّ: الرَّعية: العامَّة (٢) - (لِلْوَاحِدِ، وَالْعَشَرَةِ، وَالْقَافِلَةِ)، كذا ذكره معظمُهم؛ لعموم الخبر. فقيل: لقافلة (٣) صغيرة وحصنٍ صغيرٍ، وجزم به في «الشَّرح»؛ لأِنًّ «عمر أجاز أمانَ العبد لأهل الحصن» (٤). فعلى هذا: لا يَصِحُّ لأهل بلدةٍ كبيرةٍ، ولا رُسْتاقٍ وجمْعٍ كبيرٍ؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى تعطيل الجهاد، والاِفْتِيات على الإمام. وأطْلق في «الرَوضة»: كحِصْنٍ أو بلدٍ، وأنَّه يُستحَبُّ ألاَّ يُجار على الأمير إلاَّ بإذْنه. وقيل: لمائةٍ. فرعٌ: يَصِحُّ أمانُ غير الإمام للأسير بعد الاِسْتِيلاء عليه، فيعصمه من القتل، نَصَّ عليه (٥)؛ لقصَّة زينبَ في أمانها زوجَها (٦). وقال القاضي في «المجرد»: لا يَصِحُّ إلاَّ من الإمام؛ لأنَّ أمر الأسير إليه، فلا يجوز الافتيات عليه. (وَمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ: أَنْتَ آمِنٌ)؛ فقد آمنه؛ لقوله ﵇ يوم فتْح مكة: «مَنْ دخل دار أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ» (٧)، كقوله: لا خوف عليك، ولا تَذهَل، وكما

стр. 2410

لو أمَّن يدَه أو بعضَه، (أَوْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ)؛ لأنَّ عمر لمَّا قال للهرمزان (١): «لا بأس عليك»، قالت له الصحابة: «قد (٢) أمنته، لا سبيلَ لك عليه» رواه سعيد (٣)، (أَوْ: أَجَرْتُكَ)؛ لقوله ﵇: «قد أجرْنا من أجرْتِ يا أمَّ هانئٍ» (٤)، (أَوْ: قِفْ)؛ كقُمْ، (أَوْ: أَلْقِ سِلَاحَكَ)؛ لأِنَّ الكافرَ يعتقده أمانًا، أشبه ما لو سلَّم عليه، (أَوْ: مَتَرْس)، ومعناه: لا تَخَفْ، وهو بفتح الميم والتَّاء، وسكون الرَّاء، وآخره سينٌ مهمَلةٌ، ويجوز سكون التاء (٥) وفتح الرَّاء، وهي كلمةٌ أعجميَّةٌ؛ (فَقَدْ أمَّنَهُ)؛ لقول ابنِ مسعودٍ: «إنَّ الله يعلم كلَّ لسانٍ، فمن كان منكم أعجميًّا فقال: مَتَرْس؛ فقد أمَّنه» (٦).

стр. 2411

والإشارةُ كالقول، قال عمر: «لو أنَّ أحدكم أشار بأصبعه إلى السَّماء إلى مشركٍ، فنزل إليه فقتله؛ لقتلته به (١)» رواه سعيدٌ (٢)، وقال أحمد: (إذا أشير إليه بشيءٍ غير الأمان، فظنَّه أمانًا؛ فهو أمانٌ، وكلُّ شيءٍ يرى العلج أنَّه أمانٌ؛ فهو أمانٌ) (٣)، وقال: (إذا اشتراه ليقتله فلا يقتله؛ لأنَّه إذا اشتراه فقد أمنه) (٤). فإن قلت: كيف صحَّ الأمانُ بالإشارة مع القدرة على النُّطق، بخلاف البيع والطَّلاق؟ قلت: تغليبًا لحقْن الدَّم، مع أنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى الإشارة؛ لأِنَّ الغالبَ فيهم عدمُ فهم كلام المسلمين؛ كالعكس. وشرط انعقاد الأمان: ألاَّ يردَّه الكافرُ؛ لأِنَّه إيجاب حقٍّ، فلم يصِحَّ مع الرَّدِّ كالبيع. وإن قبله (٥)، ثمَّ ردَّه؛ انتقض؛ لأنَّه حقٌّ له، فسقط (٦) بإسقاطه؛ كالرقِّ. فرعٌ: يُقبَل قولُ عدْلٍ: إنِّي أمَّنْتُه، في الأصحِّ؛ كإخبارهما أنَّهما أمَّناه؛ لأنهما غير متَّهمَين؛ كالمرضعة على فعلها.

стр. 2412

وإذا أمَّنه؛ سرى إلى ما معه من أهلٍ ومالٍ، إلاَّ أن يقول: أمَّنتك نفسك فقط. (وَمَنْ جَاءَ بِمُشْرِكٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَهُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ أي: قول المنكر المُسلِم، هذا هو المجزوم به؛ لأنَّ الأصلَ إباحةُ دم الحربيِّ، وعدَمُ الأمان. (وَعَنْهُ: القَوْلُ (١) قَوْلُ الْأَسِيرِ)، اختاره أبو بكرٍ؛ لأِنَّ صدقَه محتَملٌ، فيكون (٢) قوله شبهة (٣) في حقْن دَمِه. (وَعَنْهُ: قَوْلُ مَنْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ)؛ لأِنَّ ظاهِرَ الحال قرينةٌ تدُلُّ على الصِّدق، فعلى هذا: إن كان الكافر ذا قوَّةٍ، ومَعَهُ سلَاحُه (٤)؛ فالظَّاهرُ صدقُه، وإن كان ضعيفًا مسلوبًا سلاحَه؛ فالظَّاهر كَذِبُه؛ فلا (٥) يُلتَفَتُ إليه؛ لأنَّه قد تنازع الحكمَ أصلان: أحدهما: مخالفةُ الأصل للدَّعوى الموجب، والثَّاني: احتِمالُ الصِّدق في الدَّعوى المانِع، فوجب التَّرجيحُ بالقرينة. قال في «الفروع»: ويتوجَّه مثلُه: أعلاج استقبلوا سريَّة دخلت بلد الرُّوم، فقالوا: جئنا مستأمِنين، قال في رواية أبي داود: إن استدلَّ عليهم بشَيءٍ، قلت: وُقفوا (٦) فلم يَبْرَحوا، ولم يُحَدَّدوا بسلاحٍ! فرأى لهم الأمانَ (٧). فرعٌ: إذا طلب الكافِرُ الأمان ليسمع كلام الله ويَعرف شرائع (٨) الإسلام؛

стр. 2413

لزم إجابته، ثمَّ يُرَدُّ إلى مأمَنه، بغير خلافٍ نعلمه (١)، للنَّصِّ، قال الأوزاعيُّ: (هي إلى يوم القيامة) (٢). (وَمَنْ أُعْطِيَ أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا، فَفَتَحَهُ)، أو أسلم واحدٌ منهم (وَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا؛ حَرُمَ قَتْلُهُمْ)؛ نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَحتَمِلُ صِدْقُه، واشْتَبَهَ المباح (٤) بالمحرَّم فيما لا ضرورة إليه، فوجب تغليبُ التَّحريم، كما لو اشْتَبه زانٍ مُحصَنٌ بمعصومِينَ، (وَاسْتِرْقَاقُهُمْ)؛ لأِنَّ استرقاق من لا يَحِلُّ استرقاقُه محرم (٥). وعُلِم منه: أنَّ المسلمين إذا حاصروا حصنًا، فطلب واحِدٌ منهم الأمانَ ليفتَحه لهم؛ جاز أن يعطوه أمانًا؛ لقول الأشعث بن قيس (٦). (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ)، وصاحب «التَّبصرة»: (يُخْرَجُ وَاحِدٌ بِالْقُرْعَةِ)؛ لأِنَّ الحقَّ لواحدٍ منهم غير معيَّنٍ، فيخرج صاحب الأمان بها، (وَيُسْتَرَقُّ الْبَاقُونَ)، كما لو أعتق عبدًا من عبيده، ثمَّ أشكل، بخلاف القتل، فإنَّه يُدرأ بالشُّبهة.

стр. 2414

قال في «الفروع»: (ويتوجَّه مثله لو نُسي، أو اشتبه من لزمه قود؛ فلا قَوَدَ، وفي الديَة بقرعةٍ الخلاف). (وَيَجُوزُ عَقْدُ الْأَمَانِ لِلرَّسُولِ، وَالمُسْتَأْمِنِ)؛ لأِنَّه ﵇ كان يؤمِّن رسل المشركين، ولَمَّا جاءه رسل مُسَيْلِمةَ قال: «لولا أنَّ الرُّسُلَ لا تقتل لقَتَلْتُكم» (١)، ولأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، إذ لو (٢) قتل لفاتت مصلحة المراسَلة. وظاهره: جوازُ عقْدِ الأمان لكلٍّ منهما، مطلقًا ومقيَّدًا، بمدة (٣) قصيرةٍ وطويلةٍ، بخلاف الهدنة، فإنَّها لا تجوز إلاَّ مقيَّدةً؛ لأِنَّ في جوازها مطلقًا تَرْكًا للجهاد. (وَيُقِيمُونَ مُدَّةَ الْهُدْنَةِ)؛ أي: الأمان (بِغَيْرِ جِزْيَةٍ)، نَصَّ عليه (٤)، وقاله القاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه كافِرٌ أبيح له الإقامةُ في دارنا من غير التِزامِ جِزْيةٍ، فلم تلزمه؛ كالنِّساء. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُقِيمُونَ سَنَةً إِلاَّ بِجِزْيَةٍ)، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التّوبَة: ٢٩].

стр. 2415

وأجيب: بأنَّ معناه؛ أي: يلتَزِمونها، ولم يُرِدْ حقيقةَ الإعطاء، ولأنَّها تخصَّصت بما دون الحول اتِّفاقًا (١)، فيقاس على المحلِّ المخصوص. (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ؛ قُبِلَ مِنْهُ)؛ لأِنَّ ما ادَّعاه ممكِنٌ، فيكون شبهةً في درء القتل، ولأنَّه تتعذر إقامة البيِّنة على ذلك. وفيه دلالةٌ على أنَّه لا يُتعرَّض إليه، وصرَّح به الأصحاب، أمَّا الرَّسول فلِمَا سبق، وأمَا التاجر؛ فلأنَّه إذا جاء بماله ولا سلاح معه، دلَّ على قصده الأمانَ. ولم يَشترِطْ المؤلِّفُ هنا: أن تكون العادةُ جاريةً به، والمذهبُ اشتراطُه؛ لأِنَّ العادةَ جاريةٌ مجرى الشَّرْط، فإذا انتفت، ودخل بغير أمانٍ؛ وجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة. وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يكن معه تجارةٌ؛ لا يُقبَل منه إذا قال: جئت مستأمِنًا؛ لأِنَّه غيرُ صادِقٍ. (وَإِنْ كَانَ جَاسُوسًا)، وهو صاحب سرِّ الشَّرِّ، وعكسه الناموس (٢)؛ (خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ كَالْأَسِيرِ)، وهو قولُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لأِنَّه كافِرٌ قَصَدَ نِكاية المسلمين، فخُيِّر الإمامُ فيه بعد القدرة عليه. (وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، أَوْ حمَلَتْهُ الرِّيحُ فِي مَرْكَبٍ إِلَيْنَا؛ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ) على المذهب؛ لأِنَّه مباحٌ، ظُهِر عليه بغير قتالٍ في دار الإسلام، فكان لآخِذه كالصَّيد، وكذا لو شرد إلينا دابَّةٌ من دوابِّهم، أو أَبَق رقيقٌ. وظاهِرُه: أنَّه لآخذه غير مخموسٍ، وصرَّح به في «المحرَّر».

стр. 2416

(وَعَنْهُ: يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ)؛ لأِنَّه مالُ مشرك ظهر عليه بغير قتالٍ، أشبه ما لو تركوه فزعًا. وعنه: إن دخل قريةً وأخذوه؛ فهو لأهلها؛ لأنَّه إنما تَمكَّن بأخذه بقوَّتهم. تنبيهٌ: يَحرُم دخوله إلينا بلا إذْنٍ. وعنه: يجوز رسولاً وتاجرًا، اختاره أبو بكرٍ. وفي «التَّرغيب»: دخوله لسفارةٍ، أو لسماع قرآنٍ؛ آمِنٌ بلا عقد، لا لتجارة على الأصحِّ فيها بلا عادة. فإذا دخل إلينا بأمان منَّا، فخان؛ انتقض أمانه؛ لأنَّ ذلك غدر (١)، ولا يصلح في ديننا. ولو دخل دار الحرب رسولٌ، أو تاجرٌ بأمانهم؛ فخيانتهم محرمة عليه، وإن لم يذكر؛ لأنَّ المعنى يدلُّ عليه (٢). (وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ مَالَهُ مُسْلِمًا، أَوْ أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ) مُقيمًا، أو نقض ذمِّيٌّ عهدَه ولَحِق بدار الحرب، أو لم يلحق؛ (بَقِيَ الْأَمَانُ فِي مَالِهِ)، هذا هو المشهورُ؛ لأِنَّه لمَّا دخل دار الإسلام بأمانٍ ثبت لماله، فإذا بطل في نفسه بدخوله إليها؛ بقي في ماله الَّذي لم يدخل؛ لاختصاص (٣) المبطل بنفسه. لا يقال: إذا بطل في المتبوع فالتابع كذلك؛ لأنَّه لم يثبت فيه تبعًا، وإنَّما ثبت فيهما جميعًا، فإذا بطل في أحدهما بقي الآخر، ولو سُلِّم فيجوز بقاء

стр. 2417

حكم التَّبع وإن زال في المتبوع؛ لأنَّ أم (١) الولد يثبت (٢) لولدها حكم الاستيلاد تبعًا لها، ويبقى حكمه له بعد موتها. وقيل: ينتقِض فيه، ويصير فَيئًا، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لأنَّه مال حربيٍّ قُدِر عليه بغير حربٍ، فيكون فيئًا، كمالِ من لا وارث له منهم. وظاهر كلام أحمد: أنَّه ينتقض في مال الذِّمِّيِّ دون الحربيِّ، وصحَّحه في «المحرر»؛ لأنَّ الأمان يثبت في مال الحربيِّ بدخوله معه، فالأمان ثابت فيه على وجه الأصالة، كما لو بعثه مع وكيل أو مضارب، بخلاف مال الذمي فإنه يثبت له تبعًا؛ لأنَّه مكتسب بعد عقد ذمة. وقولنا: «مقيمًا» يخرج به ما لو خرج إليها لتجارةٍ أو رسالةٍ، فإنَّ أمانه باقٍ؛ لأنَّه لم يخرج به عن نية الإقامة بدار الإسلام. وعلى الأوَّل: (يُبْعَثُ إِلَيْهِ إِنْ طَلَبَهُ)؛ لأِنَّه ملكه، فلو تصرف فيه صحَّ. (فَإِنْ مَاتَ) بدار الحرب؛ (فَهُوَ لِوَارِثِهِ)؛ لأِنَّ الأمانَ لم يَبطُل فيه، وينتقل إليه على صفته من تأجيلٍ ورهنٍ، فكذا هنا. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ؛ فَهُوَ فَيْءٌ)؛ لأِنَّه مال كافرٍ لا مستحق (٣) له، فصار فيئًا، كما لو مات في دارنا. وذكر القاضي: أنَّه إذا كان له وارث في دار الإسلام لم يرثه؛ لاختلاف الدَّارين. فلو لم يمت حتى أُسِر واستُرِقَّ، فقيل: يصير فيئًا، اختاره المجد. والأشْهر: أنَّه يُوقَف، فإن عتق أخذه؛ لأنَّه مال لمالك لم يوجد (٤) فيه

стр. 2418

سبب الانتقال، فيوقف (١) حتى يَتحقَّق السَّبب. وإن مات قِنًّا؛ ففَيءٌ؛ لأنَّ الرَّقيق لا يُورَث، وقيل: لوارثه؛ لأنَّ بموته على الرِّق تبيَّنَّا بطلانَ ملكه من (٢) حين استرقاقه، فيكون لورثته. (وَإِنْ أَسَرَ الْكُفَّارُ مُسْلِمًا، فَأَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً)، أو أبدًا، قاله في «المحرَّر» و «الفروع»؛ (لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُّمْ﴾ [النّحل: ٩١]، ولقوله ﵇: «المسلمون على شروطهم» (٤)، فعليه: ليس له أن يهرب، وقيل: بلى. (وَإِنْ) أطلقوه، و (لَمْ يَشْتَرِطُوا (٥) شَيْئًا، أَوْ شَرَطُوا كَوْنَهُ رَقِيقًا) ولم يؤمِّنوه؛ (فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَيَسْرِقَ وَيَهْرُبَ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّه لم يَصدُر منه ما يَثبُت به الأمانُ؛ لأِنَّ الإطلاق من الوثاق لا يكون أمانًا، ومع الرِّق ينتفي الأمان، لكن قال أحمد: (إذا أطلقوه فقد أمَّنوه) (٧). فلو أحلفوه مكرهًا؛ لم ينعقد. وفي «الشرح»: احتمال لا تلزمه الإقامة (٨). فإن أطلقوه وأمَّنوه (٩)؛ فله الهرب، لا الخيانة، ويَرُدُّ ما أَخذ منهم؛ لأنَّهم صاروا بأمانه في أمانٍ منه، فإذا خالَف فهو غادِرٌ.

стр. 2419

(وَإِنْ أَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَالاً) باختياره؛ لزمه إنفاذ المال إليهم إذا قدر عليه؛ لأِنَّه عاهدهم على أداء مالٍ، فلزمه الوفاءُ به كثمن البيع. (وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ عَادَ إِلَيْهِمْ؛ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ) نَصَّ عليهما (١)، ولأِنَّ في الوفاء مصلحةً للأسارى، وفي الغدر مَفْسَدَةً في حقِّهم؛ لكونهم لا يأمنون بعده، والحاجةُ داعيةٌ إليه. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةٌ؛ فَلَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]، ولأِنَّ في رجوعها تسليطًا لهم على وطئها حرامًا. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ أَيْضًا)، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقاله الحسنُ والنَّخَعِيُّ والثَّوريُّ؛ لأِنَّ الرُّجوعَ إليهم والبقاءَ في أيديهم معصيةٌ، فلم يلزم بالشَّرط؛ كالمرأة، وكما (٢) لو شرط قَتْل مسلِمٍ. والأوَّلُ المذهبُ؛ لأِنَّه «﵇ لمَّا عاهد قريشًا على ردِّ مَنْ جاء مسلِمًا، فردَّ أبا جَنْدَلٍ إلى أبيه سُهَيلٍ» (٣)، ولم يأت (٤) أحدٌ من الرِّجال في تلك المدَّة إلاَّ ردَّه. فإنْ تعارَضَ فِداءُ عالِمٍ وجاهِلٍ؛ بُدِئَ بالجاهل؛ للخَوف عليه، وقيل: بالعالِم لشَرَفه، وحاجتِنا إليه، وكثرة الضَّرر بفتنته. ولو جاء العِلْجُ بأسيرٍ على أن يفادي بنفسه، فلم يجد، قال أحمد (٥): يفديه المسلمون إن لم يُفْدَ من بيت المال، ولا يُرَدُّ.

стр. 2420

مسألةٌ: إذا اشتراه مسلمٌ بإذنه؛ لزمه ما اشتراه به (١)؛ لأِنَّه كنائبه (٢) في شراء نفسه، وكذا إن كان بغير إذنه، والمراد: ما لم يَنْوِ التَّبرُّعَ، فلو اختلفا في قدر الثَّمن؛ قُدِّم قولُ الأسير بالأصل. ويجب فداءُ أسارى المسلمين مع الإمكان؛ لقوله: «وفكُّ العاني» (٣). وكذا شراء أسرى أهل الذمة، وقاله الخرقي؛ لأنَّا قد التزمنا حفظهم (٤) بأخذ جزيتهم، فلزمنا الدَّفع من (٥) ورائهم. وقال القاضي: لا يجب إلاَّ إذا استعان بهم الإمامُ في قتالهم. فيبدأ بفداء أسارى المسلمين قبلهم؛ لحرمتهم.
следующие страницы →