← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

(وَعَنْهُ: يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ)؛ لأِنَّه مالُ مشرك ظهر عليه بغير قتالٍ، أشبه ما لو تركوه فزعًا. وعنه: إن دخل قريةً وأخذوه؛ فهو لأهلها؛ لأنَّه إنما تَمكَّن بأخذه بقوَّتهم. تنبيهٌ: يَحرُم دخوله إلينا بلا إذْنٍ. وعنه: يجوز رسولاً وتاجرًا، اختاره أبو بكرٍ. وفي «التَّرغيب»: دخوله لسفارةٍ، أو لسماع قرآنٍ؛ آمِنٌ بلا عقد، لا لتجارة على الأصحِّ فيها بلا عادة. فإذا دخل إلينا بأمان منَّا، فخان؛ انتقض أمانه؛ لأنَّ ذلك غدر (١)، ولا يصلح في ديننا. ولو دخل دار الحرب رسولٌ، أو تاجرٌ بأمانهم؛ فخيانتهم محرمة عليه، وإن لم يذكر؛ لأنَّ المعنى يدلُّ عليه (٢). (وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ مَالَهُ مُسْلِمًا، أَوْ أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ) مُقيمًا، أو نقض ذمِّيٌّ عهدَه ولَحِق بدار الحرب، أو لم يلحق؛ (بَقِيَ الْأَمَانُ فِي مَالِهِ)، هذا هو المشهورُ؛ لأِنَّه لمَّا دخل دار الإسلام بأمانٍ ثبت لماله، فإذا بطل في نفسه بدخوله إليها؛ بقي في ماله الَّذي لم يدخل؛ لاختصاص (٣) المبطل بنفسه. لا يقال: إذا بطل في المتبوع فالتابع كذلك؛ لأنَّه لم يثبت فيه تبعًا، وإنَّما ثبت فيهما جميعًا، فإذا بطل في أحدهما بقي الآخر، ولو سُلِّم فيجوز بقاء

стр. 2417

حكم التَّبع وإن زال في المتبوع؛ لأنَّ أم (١) الولد يثبت (٢) لولدها حكم الاستيلاد تبعًا لها، ويبقى حكمه له بعد موتها. وقيل: ينتقِض فيه، ويصير فَيئًا، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لأنَّه مال حربيٍّ قُدِر عليه بغير حربٍ، فيكون فيئًا، كمالِ من لا وارث له منهم. وظاهر كلام أحمد: أنَّه ينتقض في مال الذِّمِّيِّ دون الحربيِّ، وصحَّحه في «المحرر»؛ لأنَّ الأمان يثبت في مال الحربيِّ بدخوله معه، فالأمان ثابت فيه على وجه الأصالة، كما لو بعثه مع وكيل أو مضارب، بخلاف مال الذمي فإنه يثبت له تبعًا؛ لأنَّه مكتسب بعد عقد ذمة. وقولنا: «مقيمًا» يخرج به ما لو خرج إليها لتجارةٍ أو رسالةٍ، فإنَّ أمانه باقٍ؛ لأنَّه لم يخرج به عن نية الإقامة بدار الإسلام. وعلى الأوَّل: (يُبْعَثُ إِلَيْهِ إِنْ طَلَبَهُ)؛ لأِنَّه ملكه، فلو تصرف فيه صحَّ. (فَإِنْ مَاتَ) بدار الحرب؛ (فَهُوَ لِوَارِثِهِ)؛ لأِنَّ الأمانَ لم يَبطُل فيه، وينتقل إليه على صفته من تأجيلٍ ورهنٍ، فكذا هنا. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ؛ فَهُوَ فَيْءٌ)؛ لأِنَّه مال كافرٍ لا مستحق (٣) له، فصار فيئًا، كما لو مات في دارنا. وذكر القاضي: أنَّه إذا كان له وارث في دار الإسلام لم يرثه؛ لاختلاف الدَّارين. فلو لم يمت حتى أُسِر واستُرِقَّ، فقيل: يصير فيئًا، اختاره المجد. والأشْهر: أنَّه يُوقَف، فإن عتق أخذه؛ لأنَّه مال لمالك لم يوجد (٤) فيه

стр. 2418

سبب الانتقال، فيوقف (١) حتى يَتحقَّق السَّبب. وإن مات قِنًّا؛ ففَيءٌ؛ لأنَّ الرَّقيق لا يُورَث، وقيل: لوارثه؛ لأنَّ بموته على الرِّق تبيَّنَّا بطلانَ ملكه من (٢) حين استرقاقه، فيكون لورثته. (وَإِنْ أَسَرَ الْكُفَّارُ مُسْلِمًا، فَأَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً)، أو أبدًا، قاله في «المحرَّر» و «الفروع»؛ (لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُّمْ﴾ [النّحل: ٩١]، ولقوله ﵇: «المسلمون على شروطهم» (٤)، فعليه: ليس له أن يهرب، وقيل: بلى. (وَإِنْ) أطلقوه، و (لَمْ يَشْتَرِطُوا (٥) شَيْئًا، أَوْ شَرَطُوا كَوْنَهُ رَقِيقًا) ولم يؤمِّنوه؛ (فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَيَسْرِقَ وَيَهْرُبَ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّه لم يَصدُر منه ما يَثبُت به الأمانُ؛ لأِنَّ الإطلاق من الوثاق لا يكون أمانًا، ومع الرِّق ينتفي الأمان، لكن قال أحمد: (إذا أطلقوه فقد أمَّنوه) (٧). فلو أحلفوه مكرهًا؛ لم ينعقد. وفي «الشرح»: احتمال لا تلزمه الإقامة (٨). فإن أطلقوه وأمَّنوه (٩)؛ فله الهرب، لا الخيانة، ويَرُدُّ ما أَخذ منهم؛ لأنَّهم صاروا بأمانه في أمانٍ منه، فإذا خالَف فهو غادِرٌ.

стр. 2419

(وَإِنْ أَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَالاً) باختياره؛ لزمه إنفاذ المال إليهم إذا قدر عليه؛ لأِنَّه عاهدهم على أداء مالٍ، فلزمه الوفاءُ به كثمن البيع. (وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ عَادَ إِلَيْهِمْ؛ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ) نَصَّ عليهما (١)، ولأِنَّ في الوفاء مصلحةً للأسارى، وفي الغدر مَفْسَدَةً في حقِّهم؛ لكونهم لا يأمنون بعده، والحاجةُ داعيةٌ إليه. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةٌ؛ فَلَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]، ولأِنَّ في رجوعها تسليطًا لهم على وطئها حرامًا. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ أَيْضًا)، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقاله الحسنُ والنَّخَعِيُّ والثَّوريُّ؛ لأِنَّ الرُّجوعَ إليهم والبقاءَ في أيديهم معصيةٌ، فلم يلزم بالشَّرط؛ كالمرأة، وكما (٢) لو شرط قَتْل مسلِمٍ. والأوَّلُ المذهبُ؛ لأِنَّه «﵇ لمَّا عاهد قريشًا على ردِّ مَنْ جاء مسلِمًا، فردَّ أبا جَنْدَلٍ إلى أبيه سُهَيلٍ» (٣)، ولم يأت (٤) أحدٌ من الرِّجال في تلك المدَّة إلاَّ ردَّه. فإنْ تعارَضَ فِداءُ عالِمٍ وجاهِلٍ؛ بُدِئَ بالجاهل؛ للخَوف عليه، وقيل: بالعالِم لشَرَفه، وحاجتِنا إليه، وكثرة الضَّرر بفتنته. ولو جاء العِلْجُ بأسيرٍ على أن يفادي بنفسه، فلم يجد، قال أحمد (٥): يفديه المسلمون إن لم يُفْدَ من بيت المال، ولا يُرَدُّ.

стр. 2420

مسألةٌ: إذا اشتراه مسلمٌ بإذنه؛ لزمه ما اشتراه به (١)؛ لأِنَّه كنائبه (٢) في شراء نفسه، وكذا إن كان بغير إذنه، والمراد: ما لم يَنْوِ التَّبرُّعَ، فلو اختلفا في قدر الثَّمن؛ قُدِّم قولُ الأسير بالأصل. ويجب فداءُ أسارى المسلمين مع الإمكان؛ لقوله: «وفكُّ العاني» (٣). وكذا شراء أسرى أهل الذمة، وقاله الخرقي؛ لأنَّا قد التزمنا حفظهم (٤) بأخذ جزيتهم، فلزمنا الدَّفع من (٥) ورائهم. وقال القاضي: لا يجب إلاَّ إذا استعان بهم الإمامُ في قتالهم. فيبدأ بفداء أسارى المسلمين قبلهم؛ لحرمتهم.

стр. 2421

(بَابُ الهُدْنَةِ) وأصلُها السُّكون، وشرعًا: هي عَقْدُ إمامٍ أو نائبه على ترك القتال مدَّةً معلومةً لازِمةً. وتُسمَّى مهادنةً، وموادَعةً، ومعاهدةً، ومسالَمةً. والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التّوبَة: ١]، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفَال: ٦١]، والسُّنَّة: ما رَوَى مروانُ بنُ الحَكَم، والمِسْوَر بن مخرمة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صالح قريشًا على وَضْع القتال عَشْرَ سِنِين» (١)، والمعنى؛ لأنَّه قد يكون بالمسلمين ضعفٌ، فيُهادِنُهم حتَّى يَقْوَوْا. (وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْهُدْنَةِ وَالذِّمَّةِ إِلاَّ مِنَ الْإِمَامِ)؛ لفعله ﵇ (٢)، (أَوْ نَائِبِهِ)؛ لأِنَّه نائب (٣) عنه، ومنزَّلٌ (٤) منزلتَه، وهو يتعلَّق بنظرٍ واجْتِهادٍ، وليس (٥) غيرهما محَلًّا لذلك؛ لعدم ولايتهم، ولو جُوِّزَ ذلك للآحاد؛ لَزِم تعطيلُ الجهاد. وفي «التَّرغيب»: لآحاد الولاة عقده مع أهل قرية. فعلى الأوَّل: لو هادنهم غيرُ الإمام أو نائبه لم يَصِحَّ، فلو دخل بعضهم بهذا الصُّلْح دارَ الإسلام؛ كان آمِنًا لاِعتقاده، ولا يُقَرُّ في دار الإسلام، بل يُرَدُّ إلى دار الحرب، ولو مات الإمامُ أو نائبه بعد العقد أو عزل؛ لم ينتقض عهده.

стр. 2422

وعلى الثَّاني: يلزمه إمضاؤه؛ لئلاَّ يُنقَضَ الاجتهادُ بالاجتهاد. ويستمر ما لم يَنقضْه الكفَّارُ بقتالٍ أو غيره. (فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ)، إمَّا لضعف المسلمين عن القتال، وإمَّا بإعطاء مالٍ منَّا ضرورةً؛ لأِنَّه مصلحةٌ للمسلمين لِيَتَقَوَّوْا به على عدوِّهم؛ (جَازَ لَهُ عَقْدُهَا)؛ لأِنَّه « ﷺ هادَنَ قُرَيشًا» (١). (مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَإِنْ طَالَتْ)؛ لأِنَّ ما وجب تقديرُه وجب أن يكون معلومًا، كخيار الشَّرْط. وفيه وجْهٌ: كالخيار؛ إذ لا محذورَ فيه. وظاهِرُه: أنَّها (٢) تجوز في الطَّويلة كالقصيرة على المذهب؛ لأِنَّها تجوز في أقلَّ من عشْرٍ، فجازت في أكثرَ منها؛ كمدة (٣) الإجارة، ولِأَنَّه إنَّما جاز عقدُها للمصلحة، فحيثُ وُجِدتْ جازت؛ تحصيلاً للمصلحة. (وَعَنْهُ: لَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ)، قال القاضي: هو ظاهِرُ كلام أحمدَ، واختاره أبو بكرٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ … ﴾ الآية [التّوبَة: ٥]، خُصَّ منه العَشرُ؛ لفعله ﵇، فيبقَى ما عداه على مقتضى العموم، (فَإِنْ (٤) زَادَ عَلَى عَشْرٍ (٥)؛ بَطَلَ فِي الزِّيَادَةِ)؛ لأِنَّه ممنوعٌ منها، (وَفِي الْعَشْرِ رِوَايَتَانِ)، مبنيَّتانِ على تفريق الصَّفقة، والأصحُّ: عدَمُ البطلان. وظاهِرُه: أنَّه إذا عقدها مجَّانًا مع قوَّة المسلمين واستظهارهم؛ لا يجوز؛ لعدم المصلحة، إلاَّ أن تكون المصلحةُ رجاءَ إسلامهم، فيجوز في روايةٍ؛

стр. 2423

لأِنَّه «﵇ صالح أهلَ الحُدَيْبية على غير مالٍ» (١)، بل لمصلحة ترك قتالهم في الحرم؛ تعظيمًا لشعائر الله. والثَّانية: المنْعُ؛ لأِنَّه تركٌ للقتال (٢) من غير حاجةٍ، ولا بدَل. وفي «الإرشاد» و «المبهج» و «المحرَّر»: على المنْع نحو أربعة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التّوبَة: ٢]، وفيما فوقها، ودون الحول وجهان. فأمَّا الحول؛ فلا يجوز، قال بعضهم: وجهًا واحدًا. تنبيهٌ: لا يجوز عقدُها بمال منَّا إلاَّ لضرورةٍ شديدةٍ، مثل أن يحاط بطائفة من المسلمين، وفي «الفنون»: لضعفنا مع المصلحة، وقال أبو يَعْلَى الصَّغيرُ: لحاجة، وكذا قاله أبو يَعْلَى في «الخلاف» في المؤلَّفة، واحتجَّ: «بِعَزْمه ﵇ على بذل شطر نخل المدينة» (٣).

стр. 2424

(وَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقًا؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّ إطلاقَ ذلك يقْتَضِي التَّأبيد، وذلك يُفْضِي إلى تَرْك الجهاد بالكُلِّيَّة، وهو غيرُ جائِزٍ. (وَإِنْ شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا؛ كَنَقْضِهَا مَتَى شَاءَ)؛ لأِنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العَقْد؛ إذْ هو عَقْدٌ مؤقَّتٌ، فكان تعليقه على المشيئة باطلاً؛ كالإجارة. وكذا إن قال: هادنتكم ما شئنا، أو شاء فلانٌ؛ لم يَصِحَّ في الأصحِّ؛ لقوله: «نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله تعالى» (١). واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: صحَّتَه (٢). وهي جائزةٌ، ويُعمَلُ بالمصلحة. وأخَذَ صاحِبُ «الهدي» (٣) من قوله: «نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله»: جوازَ إجْلاءِ أهلِ الذِّمَّة من دار الإسلام إذا استُغْنِيَ عنهم، وقد أجْلاهم عمرُ (٤)، وهو قولُ ابنِ جَريرٍ. (أَوْ رَدِّ النِّسَاءِ) المسلماتِ (إِلَيْهِمْ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]، ولقوله ﵇: «إنَّ الله قد مَنَع الصُّلْحَ في النِّساء» (٥)، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أنْ تفتن (٦) في دينها، ولا يمكنها أن تغزو.

стр. 2425

كذا شرط ردِّ صبيٍّ مسلِمٍ عاقِلٍ؛ لأِنَّه بمنزلتها في ضعف العقل، والعجز عن التخلص والهرب، بخلاف الطِّفل الَّذي لا يَصِحُّ إسلامه، فيجوز (١) شرط ردِّه. (أَوْ صَدَاقِهِنَّ) على الأصحِّ؛ لأِنَّ بُضْعَ المرأة لا يدخل في الأمان. والثَّانية: يَصِحُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]، ولأنَّه ﵇ ردَّ المَهْرَ (٢). وأُجِيب: بأنَّه شُرِط رد النِّساء، وكان شرْطًا صحيحًا، ثمَّ نسخ، فوجب ردُّ البدل (٣) لصِحَّة الشَّرط، بخلاف حكم مَنْ بعدَه، فإنَّ ردَّ النِّساء نسخ، فلم يَبْقَ صحيحًا. ونصر في «المبهج» الأولى (٤)؛ كما لو لم يُشتَرط. وفي لزوم مسلمٍ تزوَّجها ردُّ مهرها الَّذي كان دفعه إليها (٥) زوجٌ كافرٌ إليه؛ روايتان، وقدَّم في «الانتصار»: ردَّ المهر مطلقًا إن جاء بعد العدَّة، وإلاَّ رُدَّتْ إليه، ثمَّ ادَّعى نسخَه، وأنَّ نَصَّ أحمدَ لا يَردُّه.

стр. 2426

(أَوْ) ردِّ (سِلَاحِهِمْ)، وكذا إعطاؤهم شيئًا من سلاحنا، أو من آلات الحرب. (أَوْ إِدْخَالِهِمُ الْحَرَمَ)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التّوبَة: ٢٨]. (بَطَلَ الشَّرْطُ) في الكُلِّ. (وَفِي الْعَقْدِ وَجْهَانِ)، مبنيَّان على الشُّروط الفاسدة في البيع، لكنْ في «المغني» و «الشَّرح»: إذا شَرَط أنَّ لكلِّ واحِدٍ نقضها (١) متى شاء؛ فإنَّه يَنْبغِي ألاَّ يَصحَّ وجْهًا واحدًا؛ لأِنَّ طائفةَ الكفَّار يَبْنُون على هذا الشَّرْط، فلا يحصل إلاَّ من الجِهَتَين، فيفوت معنى الهُدْنة. (وَإِنْ شَرَطَ) -هذا شروع في الشَّرط الصَّحيح، وقدَّم الفاسِدَ عليها؛ لأِنَّها أقربُ إلى العدم- (رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الرِّجَالِ مُسْلِمًا؛ جَازَ)؛ لأِنَّه ﵇ فعل ذلك (٢). وظاهِرُه: وإن (٣) لم يكن له عشيرة تحميه. ومحلُّه عند الحاجة، صرَّح به الجماعةُ، فأمَّا مع استظهار المسلمين وقوَّتهم فلا. (وَلَا يَمْنَعُهُمْ أَخْذَهُ)؛ لأِنَّ أبا بَصِيرٍ جاء إلى النَّبيِّ ﷺ في صلح الحُدَيْبِية فجاؤوا في طلبه، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «إنَّا لا يَصلُح في ديننا الغَدْرُ، وقد عَلِمْتَ ما عاهَدْناهم عليه، ولعلَّ الله أن يجعلَ لك فَرَجًا ومخْرَجًا»، فرجع مع الرَّجُلَين، فقتل أحدَهما، ورجَع فلم يلمه النَّبيُّ ﷺ (٤).

стр. 2427

(وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ)؛ لأِنَّه ﵇ لم يُجْبِرْ أبا بَصِيرٍ، ولأِنَّ في إجباره (١) على المضيِّ معهم إجبارًا (٢) له على ما لا يجوز. (وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ) سِرًّا (بِقِتَالِهِمْ، وَالْفِرَارِ مِنْهُمْ)؛ لأنَّه رجوعٌ إلى باطلٍ، فكان له الأمْرُ بعدمه، كالمرأة إذا سمعت طلاقها، وفي «التَّرغيب»: يُعرِّض له ألاَّ يرجع. (وَعَلَى الْإِمَامِ حِمَايَةُ مَنْ هَادَنَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ) لأِنَّه أمَّنهم (٣) ممَّن هو في قبضته وتحت يده. وكذا يلزمه حمايةُ أهلِ الذِّمَّة من أهل الذِّمَّة، صرَّح به أكثرُ الأصحاب، وتركه المؤلف لظهوره؛ لأنَّه إذا وجبت حمايتهم من المسلمين؛ فلَأَنْ يَجِبَ من أهل الذِّمَّة بطريق الأَوْلَى. فعلى هذا: لو أتلف من المسلمين (٤)، أو أهل الذِّمَّة عليهم (٥) شَيئًا؛ فعليه (٦) ضمانُه. (دُونَ غَيْرِهِمْ)؛ أي: ليس (٧) عليه حمايتُهم من أهل الحرب، ولا حمايةُ بعضهم بعضًا؛ لأِنَّ الهدنةَ الْتِزامُ الكَفِّ عنهم فقط.

стр. 2428

(وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارٌ آخَرُونَ)؛ بأنْ أغاروا عليهم، أو سَبَى بعضُهم بعضًا؛ (لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ) في الأصحِّ؛ لأنَّ الأمانَ يقتضي رفع الأذى عنهم، وفي استرقاقهم أذًى لهم بالإذْلال بالرِّقِّ؛ فلم يَجُزْ كَسَبْيِهمْ، والواحِدُ كالكُلِّ. وظاهِرُه: أنَّه لا يَلزَم الإمامَ استنقاذُهم. وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين روايةً منصوصةً: لنا شراؤهم من سابِيهِمْ (١)، وذَكَرَه في «الشَّرح» احتِمالاً؛ لأِنَّه لا يجب عليه الدَّفع عنهم، فلا يَحرُم اسْتِرْقاقُهم، بخلاف أهل الذِّمَّة. وينبني عليهما: لو ظهر المسلمون على الذين أسروهم، وأخذوا مالَهم، واستنقذوا ذلك منهم؛ لم يلزمه ردٌّ على الثَّاني، لا الأوَّلِ. ويجوز لنا شراءُ ولدهم وأهلهم منه إذا باعه؛ كحرب (٢). وعنه: يحرم كذمَّةٍ، ولأِنَّهم في أمانٍ منَّا، وكما لو سَبَى بعضُهم بعضًا فباعه منَّا، بخلاف ما إذا سَبَى بعضُهم ولدَ بعضٍ، وباعه، فإنَّه يصِحُّ. (وَإِنْ خَافَ نَقْضَ الْعَهْدِ مِنْهُمْ؛ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ)، بخلاف أهل الذِّمَّة، فيقول لهم: قد نبذت عهدكم، وعُدْتم حربًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفَال: ٥٨]؛ يعني: أعْلِمْهم بنقض العهد حتَّى تصير أنت وهم سواءً في العلم، ويَجِب إعلامُهم قبل الإغارة. وفي «الترغيب»: إن صدر منهم خيانة؛ فإن علموا أنَّها خيانةٌ؛ اغتلناهم؛ وإلاَّ فوجهان. فلو نقضه وفي دارنا منهم أحدٌ؛ وجب ردُّه إلى مأمنه؛ لأنَّهم دخلوا بأمانٍ، وإن كان عليهم حقٌّ اسْتُوفِيَ.

стр. 2429

وينتقض عهد نساءٍ وذريَّةٍ تبعًا لهم. وفي جواز قتل رهائنهم بقتلهم رهائننا روايتان.

стр. 2430

(بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ) قال أبو عبيد (١): الذِّمَّةُ الأَمَانُ؛ لقوله ﵇: «يسعى بذمَّتهم أدْناهم» (٢). والذِّمَّةُ: الضمان والعهدُ، وهي فِعْلَةٌ من أَذَمَّ يُذِمُّ: إذا جعل له عهدًا. ومعْنى عقْدِ الذِّمَّة: إقرارُ بعض الكفَّار على كفره، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملَّة. (لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا إِلاَّ) من الإمام أو نائبه في الأشهر، وحينئِذٍ: يَجِب عَقْدُها إذا اجتمعت شروطُها، ما لم يَخَفْ غائلةً منهم. وصفة عقدها: أقررتكم بجزيةٍ، أو يبذلونها، فيقول: أقررتكم (٣) على ذلك. والجِزيةُ: مال يُؤخَذ منهم على وجه الصَّغار كلَّ عام، بدلاً عن قتلهم وإقامتهم بدارنا. (لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُمُ: الْيَهُودُ)، واحدهم يهوديٌّ، حذفوا ياء النسبة (٤) في الجمع؛ كزنج وزِنْجِيٍّ، وفي تسميتهم بذلك أقوالٌ (٥)؛ لأنَّهم هادوا عن عبادة العجل؛ أي: تابوا، أو لأِنَّهم مالوا عن دين الإسلام، أوْ لأنَّهم (٦) يتهوَّدون عند قراءة التَّوراة؛ أي: يتحرَّكون، أوْ لِنِسبتهم إلى يهوذ بن يعقوب، بالمعجمة (٧)، ثمَّ عرب (٨) بالمهملة، (وَالنَّصَارَى)، واحدُهم نَصْرانِيٌّ، والأنثى

стр. 2431

نصرانيَّة، نسبةٌ إلى قريةٍ بالشَّام، يُقالُ لها: نصرانُ، وناصِرةُ، (وَمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي التَّدَيُّنِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ كَالسَّامِرَةِ)، وهي قبيلة (١) من بني إسرائيل، نُسِب إليهم السَّامريُّ، ويقال لهم في زمننا: سَمَرَة، بوزن شجرة، وهم طائفةٌ من اليهود يتشدَّدون في دينهم، ويخالِفونهم في بعض الفروع، (وَالْفَرَنْجِ)، وهم الرُّوم، ويقال (٢) لهم: بنو الأصفر، والأشْبه أنَّها مولَّدة، نسبة إلى فَرَنْجة، بفتح أوله وثانيه وسكون ثالثه، وهي جزيرة من جزائر البحر، والنِّسبة إليها فَرَنجيٌّ، ثمَّ حذفت. والأصلُ فيه: قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله … ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقول المغيرة بن شعبة (٣) لعامِلِ كِسْرى: «أمرَنا نبيُّنا ﷺ أن نقاتلكم حتَّى تعبدوا الله وحده، أو تُؤدُّوا الجِزيةَ» رواه أحمدُ والبخاريُّ (٤). والإجْماعُ على قبول الجزية ممَّن بذلها من أهل الكتاب، ومن يَلحَق بهم، وإقرارهم بذلك في دار الإسلام. (وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ؛ كَالْمَجُوسِ)؛ لأِنَّ عمرَ لم يأخذها (٥) منهم حتى شهد عندَه عبدُ الرَّحمن بنُ عَوْفٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخذَها من مجوس هَجَر» رواه البخاريُّ (٦)، وفي رواية: أنَّه ﵇ قال: «سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب» رواه الشَّافِعيُّ (٧).

стр. 2432

وإنَّما قيل: لهم شبهة (١) كتابٍ؛ لأنَّه روي أنَّه كان لهم كتابٌ، فرُفِع (٢)، فصار لهم بذلك شُبْهةٌ أوجبت حَقْنَ دمائهم وأخْذَ الجزية منهم، ولم يَنْتَهِضْ في إباحة نسائهم وحِلِّ ذبائحهم. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ عَقْدُهَا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ، إِلاَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ)؛ لِمَا رَوَى الزُّهريُّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صالَحَ عَبَدَة الأوثان على الجزية، إلاَّ مَنْ كان من العرب» (٣). وفي «الفنون»: لم أجِدْ أصحابَنا ذكروا أنَّ الوثَنِيَّ يُقَرُّ بجِزيةٍ. ثمَّ ذكر: أنَّه وجد روايةً بخطِّ أبي سعد البرداني (٤): أنَّ عَبَدَةَ الأوثان

стр. 2433

يُقَرُّون بجزيةٍ، فيُعطِي هذا أنَّهم يقرون على عمل أصنام يعبدونها في بيوتهم، ولم يسمع بذلك في سيرةٍ من سِيَر السَّلَف وبعدها. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أخْذها من الكلِّ (١). ومقتضى ما ذكره: أنَّ عَبَدَة الأوثان من العرب لا تُقبَل منهم؛ لكونهم من رهط النَّبيِّ ﷺ ، وشَرُفوا به، فلا يقرون على غير دينه، وغيرهم يُقَرُّ بالجزية؛ لأنَّه يرق (٢) بالاسترقاق؛ كالمجوس. (فَأَمَّا الصَّابِئُ؛ فَيُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنِ انْتَسَبَ إِلَى أحَدِ (٣) الْكِتَابَيْنِ؛ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ)، وقاله جمع؛ لأنَّه قد صار مشارِكًا لأهله في ذلك الكتاب، وإن سُمُّوا باسمٍ آخَرَ؛ لأِنَّ الموافقةَ في الدِّين توجب الموافقة في الحكم. والمذهب: أنَّهم جنسٌ من النَّصارى، ورُوِي عن أحمدَ أنَّه قال: (إنهم يُسْبِتون) (٤)، وهو قول عمر (٥)، وقال مجاهد: (هم بين اليهود والنَّصارى). (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي: إن لم ينتسب إلى ذلك؛ فليس من أهل الكتاب؛ لأنَّه روي أنَّهم يقولون: إنَّ الفلكَ حيٌّ ناطِقٌ، وإن الكواكب السَّبعة آلهة (٦)،

стр. 2434

وحينئِذٍ فهم كعبدة الأوثان. (وَمَنْ تَهَوَّدَ، أَوْ تَنَصَّرَ)، أو تمجَّس (بَعْدَ بَعْثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (١) ﷺ ؛ فالمذهبُ: أنَّه يُقَرُّ عليه، ويكون كالأصلي في قبول الجزية؛ لأنَّه ﵇ كان يقبلها منهم من غير سؤالٍ، ولو اختلف الحكم بذلك (٢) لسأل عنه، ولو وقع لنُقِل. وعنه: لا يُقبَل منه إلا (٣) الإسلامُ أو القتل؛ لأنَّه بتركه الدِّين الأوَّل هو مُقِرٌّ ببطلانه، فلا يُقَرُّ على دينٍ باطلٍ غيرِه. وعنه: يُقَرُّ على غير المجوسيَّة؛ لأِنَّ التَّمَجُّسَ لم يَرِدْ به نَصٌّ، فيبقى على الأصل. وعُلِم منه: أنَّ الانتقال (٤) إليها قبل البعثة يكون من أهلها؛ لأنَّ الإسلام أتى وهو على أصل الدين. وفي «المُذهب» و «التَّرغيب» و «المستوعِب»، وذكره (٥) أبو الخطَّاب: قبل البعثة بعد التَّبديل كبعد البعثة، وقدم في «التَّبصرة»: ولو قبل التَّبديل. (أَوْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا)؛ كولد الوثني من كتابيَّةٍ؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: أنَّها تُقبَل منه الجزيةُ إذا اختار دِينَ الآخر؛ لعموم النَّصِّ فيهم، ولأنَّه اختار أفضل الدِّينَينِ، وأقلَّهما كفرًا. والثَّاني: لا يُقبَل منه سوى الإسلام؛ لأنَّه تعارَض فيه القَبول وعدمه،

стр. 2435

فيرجع (١) إلى الأصل (٢). (وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ) بنِ وائِلٍ من العرب من ولد ربيعةَ بنِ نِزارٍ، فإنَّهم انتقلوا في الجاهليَّة إلى النَّصرانيَّة، فدعاهم عُمَر إلى بذل الجزية، فأبوا، وقالوا: نحن عربٌ خُذْ منَّا كما يأخذ بعضُكم من بعضٍ باسم الصَّدقة، فقال عمر (٣): «لا آخذ (٤) من مشرِكٍ صدقةً»، فلَحِق بعضهم بالرُّوم، فقال النُّعمان بن زرعة (٥): يا أمير المؤمنين، إنَّ القومَ لهم بأْسٌ وشِدَّةٌ، وهم عرَبٌ يأنفون من الجزية، فلا تُعِنْ عليك عدوَّك بهم، وخُذْ منهم الجِزيةَ باسم الصَّدقة، فبعث عمر في طلبهم فردَّهم (٦).

стр. 2436

(وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِثْلَيْ مَا تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)؛ لأنَّ تمامَ حديثِ عمرَ: «أنَّه ضعَّف عليهم من الإبل في كلِّ خمسٍ شاتان، وفي (١) كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعان، وفي كلِّ عشرين دينارًا دينارٌ، وفي كلِّ (٢) مائَتَيْ درهمٍ عشرةُ دراهمَ، وفيما سَقَت السَّماءُ الخُمُسُ، وفيما سقي بنضْحٍ أو دولاب العُشر» (٣)، واستقرَّ ذلك من قوله، ولم يُنكَر؛ فكان كالإجماع. وفي عبارته تسامُحٌ، والأَوْلى أن يقال: ويُؤخَذُ عِوَضُ الجزية منهم مِثْلَا

стр. 2437

زكاة المسلمين. (وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَصِبْيَانِهِمْ، ومَجَانِينِهِمْ)، وكذا مَكافِيفُهم، وشيوخُهم؛ لأنَّ اعتبارها بالأنفس سقط، وانتقل إلى الأموال بتقريرهم، فيُؤخَذَ من كلِّ مالٍ زكوي، سواءٌ كان صاحبُه من أهل الجزية أو لم يكن، ولأنَّ نساءهم وصبيانهم صِينوا عن السبي بهذا الصُّلح، ودخلوا في حكمه، فجاز أن يدخلوا في (١) الواجب به، كالرِّجال العقلاء. فعلى هذا: من كان فقيرًا، أو له مالٌ غير زَكَوِيٍّ؛ فلا شَيءَ عليه، كما لا تجب على أهل الزَّكاة من المسلمين، وحينئِذ يتقيَّد بالنِّصاب. (وَمَصْرِفُهُ (٢) مَصْرِفُ الْجِزْيَةِ) في الأَشْهَر (٣)؛ لأنَّه مأخوذٌ من مشركٍ، فكان جزيةً، وغايته: أنَّه جزيةٌ مسمَّاةٌ بالصَّدقة، ولذلك قال عمر: «هؤلاء حَمْقى، رَضُوا بالمعنى وأبَوا الاسم» (٤). (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ)، هذا رواية، واختارها جمْعٌ؛ لأنه مسمَّى بالصدقة، فكان مصرفُه مصرفَها. والأوَّلُ أقْيَسُ؛ لأنَّ المعنى أخصُّ من الاسم، ولو كان صدقةً على الحقيقة؛ لجاز دفعها إلى فقراء من أخذت منهم؛ كصدقة المسلمين.

стр. 2438

(وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِيٍّ غَيْرِهِمْ)، نَصَّ عليه (١)، لقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التّوبَة: ٢٩]، ولقوله ﵇ لِمعاذٍ لمَّا بعثه إلى اليمن: «خُذ من كلِّ حالمٍ دينارًا» (٢). وهم عربٌ، قال الزُّهريُّ: (أول من أعطى الجزية أهل نجران، وكانوا نصارى) (٣)، وأخذها من أُكَيْدِر دومة وهو عربيٌّ (٤)، وحكمُها ثابتٌ في كلِّ كتابي، عربيًّا كان أو غيره، إلاَّ ما خُصَّ به بنو تغلِبَ؛ لمصالحة عمر إيَّاهم، فيبقى ما عداهم على مقتضى العموم (٥)، ولا يصحُّ قياس غيرهم عليهم؛ لأَوْجُهٍ. (وَقَالَ الْقَاضِي: تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ)؛ لأِنَّهم من العرب، أشبهوا بني تَغْلِبَ. وذكر هو وأبو الخطَّاب: أنَّ من تنصَّر من تَنُوخَ، وتهوّد من كِنانةَ، وتمجَّس من تميمٍ؛ حكم بني تَغْلِبَ سواءً. وقيل: لا، واختاره المؤلِّف، وحكاه نَصَّ أحمدَ (٦). فرعٌ: للإمام مصالحة مثلهم من العرب إذا خشي ضرره بقوَّة شوكته، وأباها إلاَّ باسم الصدقة (٧)، مضعَّفةً، نَصَّ عليه (٨).

стр. 2439

(وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ)؛ لأِنَّ قتْلهم ممتَنِعٌ؛ لأِنَّهم ليسوا من أهل القتال؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا﴾ [التّوبَة: ٢٩]، والمقاتَلة إنَّما تكون من اثنين، وكتب عمر إلى أمراء الأجناد: «أنِ اضربوا الجِزْيةَ، ولا تضربوها على النِّساء والصِّبيان» رواه سعيدٌ (١). (وَلَا امْرَأَةٍ)؛ لِمَا ذكرْنا، فإن بذلتها أُخبرت بأنَّها لا تجب عليها، فإن تبرَّعت بها قُبلت، وتكون هِبَةً تلزم بالقبض، فإن شرطته على نفسها، ثمَّ رجعت؛ فلها ذلك، فإن (٢) بذلتها لدخول دارنا؛ مُكِّنت بغير شَيءٍ، لكن يشترط أن تلتزم أحكام الإسلام، ويعقد لها الذِّمَّة. وفي الخنثى المشكل وجهان، جزم في «الشرح»: بأنَّها لا (٣) تجب؛ لأنَّه لا يعلم كونه رجلاً. فإن بان رجلاً؛ فللمستقبل، ويتوجَّه: وللماضي. (وَلَا مَجْنُونٍ)؛ لأنَّه في معنى الصَّبِيِّ. (وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى)، ولا شَيخٍ فانٍ، ولا من هو في معناهم؛ كمن به داءٌ لا يستطيع القتال معه، ولا يرجى زواله؛ لأن الجزية لِحَقْن (٤) الدَّم، وهؤلاء دماؤهم محقونةٌ بدونها؛ كالنِّساء.

стр. 2440

(وَلَا عَبْدٍ)؛ لقوله ﵇: «لا جِزيةَ على عبدٍ» (١)، وعن ابن عمر مثلُه (٢)، ولأِنَّه مالٌ، فلم تجب عليه كسائر الحيوانات. ولا فرق بين أن يكون لمسلمٍ؛ لأنَّ إيجابها عليه يؤدِّي إلى إيجابها على المسلم (٣)؛ لكونه يؤدِّي عنه، أو لكافر، نَصَّ عليه (٤)، وهو قول أكثر العلماء. وعنه: تلزمه (٥)، وتسقط بإسلام أحدهما. وظاهره: ولو كان مكاتَبًا، قال أحمد: المكاتَبُ عبدٌ (٦). فرعٌ: إذا أُعْتِق العبدُ؛ لزِمتْه الجزيةُ لِمَا يستقبل، سواءٌ كان مُعتِقُه مسلِمًا أو كافرًا. وعنه: يُقَرُّ بغير جزيةٍ، وضعَّفها الخلاَّلُ. وعنه: لا جزيةَ عليه إن كان معتقُه مسلِمًا؛ لولايته عليه، كالرِّق. فإن كان مُعْتَقًا بعضُه؛ فتلزمه بقدر حريته؛ كالإرث في قياس المذهب. (وَلَا فَقِيرٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]،

стр. 2441

ولأنَّها مالٌ يجب بحلول الحول، فلم يلزم (١) الفقير؛ كالزَّكاة، (يَعْجِزُ عَنْهَا)؛ لأِنَّ الجِزْيةَ خَراجُ الرُّؤوس، وإنَّما يؤخذ الخراج بقدر الغَلَّة، وإذا لم يكن له غلة؛ لم تجب؛ كالأرض التي لا تنبت شيئًا. وظاهره: أنَّه لو كان لا يعجز عنها؛ وجبت؛ لأنَّه في حكم الأغنياء. وفي الفقير العاجز عنها احتمالٌ بالوجوب؛ كالفقير المعتمِل على الأصحِّ. تنبيهٌ: لا تلزم راهبًا بصَوْمَعةٍ، ولم يقيِّده في «المحرَّر» و «الوجيز» بها. وفيه وجْهٌ: تجب؛ لأنَّ عمر بن عبد العزيز فرضها على الرُّهبان، على كلِّ راهِبٍ دِينارَين. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ولا يبقى في يده من المال إلاَّ بُلْغَتُه، وفي اتجاره أو زراعته (٢)، وهو مخالِطٌ لهم، فيلزمه (٣) إجماعًا (٤). (وَمَنْ بَلَغَ، أَوْ أَفَاقَ، أَوِ اسْتَغْنَى)، أو عتَق؛ (فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا)؛ أي: من أهل الجزية (بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ)، ولا يُحتاجُ إلى استِئْناف عقدٍ له؛ لأنَّه لم يُنقل تجديدُه لمن ذُكر؛ لكون أن العقد يقع مع سادتهم، فيدخل فيه سائرهم. وقال القاضي: يخيَّر بين التزام العقد وبين أن يُرَدَّ إلى مأمنه فيجاب إلى ما يختار. فعلى الأوَّل: (تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ)؛ لأِنَّ الجزية للسنة، (بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ)، فعليه: إن صار أهلاً من (٥) أوَّل السَّنة؛ أُخِذت منه في آخره، وإن كان

стр. 2442

في نصفه؛ فنصفها على هذا الحساب، ولا يترك حتَّى يُتِمَّ حولاً من حين وُجد سببُه؛ لأنه يُحتاج إلى إفراده بحولٍ، وضبط كلِّ إنسانٍ بحَولٍ يَشُقُّ ويتعذَّر. (وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ؛ لُفِّقَتْ إِفَاقَتُهُ)؛ لأِنَّه أمكن من غير مشقَّةٍ، (فَإِذَا بَلَغَتْ) إفاقتُه (حَوْلاً؛ أُخِذَتْ مِنْهُ)؛ لأِنَّ حَولَه لا يَكمُل إلاَّ حينئِذٍ. (وَيَحْتَمِلُ) -هذا قولٌ في المذهب-: (أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ (١) بِقَدْرِ إِفَاقَتِهِ مِنْهُ)؛ لأِنَّها تؤخذ في كلِّ حَولٍ، فوجب الأخذ بحسابه؛ كالمعتق بعضُه. وقيل: يُعتَبَر الغالِبُ؛ لأِنَّ الأكثرَ له حكمُ الكلِّ. وقيل: فيمن لا يَنضَبِط أمره خاصَّةً؛ لأِنَّ مراعاةَ ذلك غير ممكِنٍ. (وَتُقْسَمُ الْجِزْيَةُ بَيْنَهُمْ)؛ أي: بين (٢) أهل الكتاب ومَن في معناهم، (فَيُجْعَلُ عَلَى الغَنِيِّ: ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا)، وهي أربعةُ دنانيرَ، (وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ)، وهي ديناران، (وَعَلَى الْفَقِيرِ: اثْنَا عَشَرَ)، وهي دينارٌ؛ لفعل عمر ذلك بمَحْضَر من الصَّحابة (٣)، ولم يُنكَر، فكان كالإجماع. ويُجاب عن قوله ﵇ لمعاذٍ: «خُذْ من كلِّ حالمٍ دِينارًا» (٤): بأنَّ الفقير كان في أهل اليمن أغلب، ولذلك قيل لمجاهِدٍ: ما شأْنُ أهل الشَّام عليهم أربعة دنانيرَ، وأهل اليمن عليهم دينارٌ؟ قال: (جعل ذلك من أجل اليَسَار) (٥). وبأنَّ الجزية يُرجَع فيها إلى اجتهاد الإمام، وليس التقدير واجبًا؛ لأِنَّها وجَبَتْ صَغارًا وعقوبةً، فاختلفت (٦) باختلافهم، وليست عِوَضًا عن سكنى

стр. 2443

الدَّار، وإلاَّ لوجبت على النساء (١) ومَن في معناهنَّ. فرع: يجوز أخْذُ القيمة، نَصَّ عليه (٢)؛ لقوله ﵇: «أو عَدْلَه معافر (٣)» (٤)، ولتغليب حقِّ الآدَمِيِّ فيها. ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم؛ لأنَّه من أموالهم التي نُقرهم على اقتنائها؛ كثيابهم. (وَالْغَنِيُّ فِيهِمْ: مَنْ عَدَّهُ النَّاسُ غَنِيًّا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)؛ لأِنَّ المقادير تَوْقِيفِيَّةٌ، ولا توقيف هنا، فوجب ردُّه إلى العُرف؛ كالقَبْض والحِرْز. وقيل: من ملك نصابًا -وحُكِي روايةً- فهو غنيٌّ؛ كالمسلم. وعنه: مَنْ مَلَك عشرةَ آلافِ دِينارٍ فهو غنِيٌّ. (وَمَتَى بَذَلُوا الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ؛ لَزِمَ قَبُولُهُ)؛ لقوله ﵇ لمعاذ: «ادْعُهم إلى أداء الجزية، فإن أجابوك؛ فاقْبَل منهم وكُفَّ عنهم» (٥)، (وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ)؛ لأِنَّ الله تعالى جعل إعْطاءَ الجِزْية غايةً لقتالهم، ويَحرُم التَّعرُّض إليهم بأخذ المال. (وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ؛ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفَال: ٣٨]، وقولِه ﵇: «الإسلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَه» (٦)، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لَيْسَ على المسلم

стр. 2444

جِزْيةٌ» رواه أبو داودَ والتِّرْمذِيُّ (١)، ولأنَّها عقوبة سببها (٢) الكفرُ، فسقطت بالإسلام. وفي «الإيضاح»: لا تَسقُط به؛ كسائر الدُّيون. وظاهِرُه: أنَّه إذا أسْلَم قبل الوجوب؛ لا تؤخذ (٣) منه بطريق الأَوْلى. وقيل: تجب بقسطه. (وَإِنْ (٤) مَاتَ؛ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) على المذهب؛ لأِنَّها دَينٌ، فلم تسقط به؛ كدَين الآدَمِيِّ، وكما لو طرأ مانِعٌ في الأصحِّ. (وَقَالَ الْقَاضِي: تَسْقُطُ)؛ لأِنَّها عقوبةٌ، فسقطت به كالحدِّ. وجوابه: بأنَّه إنَّما سقط الحدُّ؛ لفوات محلِّه بالموت، وتعذر اسْتِيفائِه. (وَإِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ؛ اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا)، ولم تتداخَل؛ كدَين الآدَمِيِّ، ولأِنَّها حَقُّ مالٍ يجب في آخر كلِّ حَوْلٍ، فلم (٥) تتداخل كالدِّية.

стр. 2445

(وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ فِي آخِرِ الْحَوْلِ)؛ لأِنَّها مالٌ يتكرَّر بتكرر الحَول، فلم تؤخذ قَبْلَه كالزكاة. ولا يَصِحُّ شرْطُ تعجيله، ولا يقتضيه الإطْلاقُ، قال الأصحاب: لأنَّا لا نأمن مِنْ (١) نقض أمانه، فيسقط حقُّه من العِوَض. وعند أبي الخطَّاب: يصحُّ، ويقتضيه الإطْلاق. (وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا) منهم، (وَيُطَالُ قِيَامُهُمْ، وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ)؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التّوبَة: ٢٩]. وظاهِرُه: أنَّ هذه الصفة مستحقَّةٌ، فلا يقبل (٢) إرسالُها؛ لزوال الصَّغار، كما لا يجوز تَفْرِقَتُها بنفسه، ولا يَصِحُّ ضمانها. وقيل: مستحبة (٣)، فتنعَكِسُ الأحكامُ. قال في «الشَّرح»: (وقيل: الصَّغار: الْتِزام الجزية وجَرَيَانُ أحكامنا عليهم). وظاهره: أنهم لا يُعذَّبون في أخذها، ولا يُشْتَطُّ عليهم (٤)، صرح (٥) به في «الشَّرح» وغيره. (وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ (٦) عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّه ﵇ ضَرَبَ على نصارى أيْلة ثلاثمائةِ دِينارٍ، وكانوا ثلاثَمِائة نفْسٍ، وأن يضيفوا من مرَّ بهم من المسلمين» (٧)، وعن عُمَرَ: «أنَّه قضى

стр. 2446

عليهم ضيافةَ ثلاثةِ أيَّامٍ، وعَلَفَ دوابِّهم، وما يُصلِحُهم» (١)، ولأِنَّ في هذا ضَرْبًا من المصلحة. (وَيُبَيِّنُ أَيَّامَ الضِّيَافَةِ، وَقَدْرَ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ، وَالْعَلَفِ، وَعَدَدَ مَنْ يُضَافُ)، كذا في «المحرَّر»، وقاله القاضي، واقتصر في «الوجيز» على الأوَّلَينِ؛ لأنَّ (٢) الضِّيافَةَ حَقٌّ وجب فعلُه، فوجب بيانُه كالجزية. فلو شَرَط الضِّيافة، وأطلق؛ جاز، ذكره في «الكافي» و «الشَّرح»؛ لأنَّ عمر لم يقدِّر ذلك، وقال: «أطعموهم ممَّا تأكلون» (٣). وقال أبو بكرٍ: الواجِبُ يومٌ وليلةٌ كالمسلمين. ولا يُكلَّفون إلاَّ من (٤) طعامهم وإدامهم؛ لكن قال القاضي: لا يَلزَمُهم

стр. 2447

الشَّعير مع الإطلاق، والظاهر: بلى (١) للخَيل؛ لأِنَّ العادةَ جاريةٌ به، فهو كالخبز للرَّجل. مسألةٌ: تُقسَم الضِّيافة بينهم على قدر جزيتهم، فإنْ جَعَل الضِّيافة مكانَ الجزية جاز؛ ويُشتَرط أن يبلغ قدرها أقل الجزية إذا قلنا: هي مقدَّرةٌ؛ لئلاَّ يَنقُص خراجُه عن أقلِّها. (وَلَا تَجِبُ) الضِّيافةُ (مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ)، ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّها أداءُ مالٍ، فلا يلزمهم بغير رضاهم؛ كالجزية. (وَقِيلَ: تَجِبُ) بغير شرطٍ؛ لوجوبها على المسلمين، فالكافر أَوْلَى، فعلى هذا: تجب ليوم (٢) وليلةٍ، صرَّح به في «المحرَّر». وإن شرطها عليهم، فامتنعوا من قَبولها؛ لم تُعقَدْ لهم الذِّمَّةُ. فلو قبلوا، وامتنع البعض من القيام بالواجب؛ أُجْبِر عليه، كما لو امتنع الجميعُ، فإن لم يمكن إلاَّ بالقتال؛ قُوتِلوا، فإن قاتلوا؛ انتقَض عهدُهم. (وَإِذَا (٣) تَوَلَّى إِمَامٌ، فَعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهِم وَمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ؛ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ الخلفاء أقرُّوهم على ذلك، ولم يجدِّدوا لِمَنْ كان في زمنهم عقْدًا، ولأنَّه عقدٌ لازمٌ كالإجارة، وعُقد (٤) بالاجتهاد فلا ينقض. قوله: (فعرف (٥) إمَّا بمباشرته من قبلُ، أو قامت به بيِّنة، أو ظهَرَ، واعْتَبر في «المستوعب» ثبوتَه. (فَإِنْ (٦) لَمْ يَعْرِفْ) ذلك؛ (رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ) في وجهٍ؛ لأنَّه لا يمكن

стр. 2448

معرفتُه إلاَّ من جهتهم، والظَّاهِرُ صدْقُهم، فإن اتَّهمهم؛ فله تحليفهم لزوال التُّهمة. (فَإِنْ بَانَ)، أو ظهر (لَهُ كَذِبُهُمْ)، ببيِّنةٍ أو إقرارٍ؛ (رَجَعَ عَلَيْهِمْ) بالنَّقص؛ لوجوبه عليهم بالعَقْد الأوَّل، فكان للإمام المتجدِّد أخْذُه كالأوَّل. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْعَقْدَ مَعَهُمْ)؛ لأِنَّه لا سبيلَ إلى معرفته إلاَّ من جهتهم، وليسوا بمأمونين، ولا من جهة غيرهم؛ لعدم العلم به، فوجب استِئْناف العقد باجتهاده، كما لو لم يكن عقدٌ سابق. وأطلق الخلاف في «المحرَّر» و «الفروع». (وَإذَا (١) عَقَدَ الذِّمَّةَ؛ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ)، فيقول: فلان بن فلانٍ، (وَحِلَاهُمْ)، جمع حِلْيةٍ، والمراد بها: الحِلية الَّتي لا تختلف من طولٍ وقِصَرٍ، وسُمْرةٍ وبياضٍ، أدْعَج العين، أقْنَى الأنف، مقرون الحاجبين ونحوها، (وَدِينَهُمْ) أي: يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسِيًّا. (وَجَعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا)، وهو القيِّم بأمور القبيلة أو الجماعة، (يَكْشِفُ حَالَ مَنْ بَلَغَ)؛ لأِنَّ الجزية تتجدَّد به (أَوِ اسْتَغْنَى (٢)، أَوْ أَسْلَمَ (٣)؛ لأنَّهَا تسقط به، (أَوْ سَافَرَ (٤)؛ لتعذُّر أخْذها مع السَّفر، (أَوْ نَقَضَ (٥) العَهْدَ)؛ أي: الذِّمَّة المعقودة له، (أَوْ خَرَقَ (٦) شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ)، ليفعل (٧) فيه الإمامُ ما يَجِب فعله، والحاجةُ داعيةٌ إلى معرفة ذلك كلِّه.

стр. 2449

خاتمةٌ: ليس للإمام تغييرُ عقْد الذِّمَّة؛ لأِنَّه عقدٌ مؤبَّدٌ، وقد (١) عَقَدَه عمرُ معهم كذلك (٢). واختار ابن عَقيل جوازه؛ لاختلاف المصلحة باختلاف الأزمنة. وجعله جماعةٌ: كتغيير خَراج وجزية، وكلام المؤلِّف يقتضي الفرق، وسبق ما يدلُّ عليه. فائدة: مَنْ أُخِذت منه الجزيةُ؛ كُتبت له براءة؛ لتكون حجَّة له إذا احتاج إليها.

стр. 2450

(بَابُ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ) وأحكامُهم: ما يجب عليهم، أو يجب لهم بعد عقْد الذمة مما يقتضيه عقدُها لهم. (يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ)، فلو قَتَلَ، أو قطع طرَفًا؛ أُخِذ به كالمسلم، (وَالْمَالِ)، فلو أتلف مالاً لغيره؛ ضمِنه، (وَالعِرْضِ)، وسيأتي؛ لأنَّ الإسلامَ نسخ (١) كلَّ حكمٍ يُخالِفه. (وَ) يَلزَمه (إِقَامَةُ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ)؛ كالسَّرقة والقَذْف؛ لِمَا في «الصَّحيح» عن ابن عمر: «أنَّ النَّبي ﷺ أُتِي برجلٍ وامرأةٍ من اليهود زَنَيَا، فرجمهما» (٢)، ولأنَّه محرَّمٌ في دينهم، وقد التزَموا حكم الإسلام، فثبت في حقِّهم كالمسلم. وعنه: إن شاء لم يُقِم حدَّ زنى بعضهم من بعضٍ، اختاره ابنُ حامِدٍ. ومثلُه قَطْعُ سَرِقةِ بعضهم من بعضٍ. (دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ)؛ كشُرْب الخمر، وأكْل الخنزير، ونكاح ذوات المحارِم للمجوس؛ لأنَّهم يُقَرُّون عليه؛ لأنهَّ يُقال: أقرَّهم على ذلك بإعطاء (٣) الجزية، ولأِنَّهم يُقَرُّون على كفرهم، وهو أعظم إثْمًا من ذلك، فلَأن يُقَرُّوا على ما ذكرنا بالطريق الأَوْلى، إلاَّ أنَّهم يُمنَعون من إظهاره بين المسلمين؛ لأنَّهم يَتأذَّوْن به. (وَيَلْزَمُهم التَّمْييزُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ) في أمورٍ، منها: (فِي شُعُورِهِمْ، بِحَذْفِ مَقَادِمِ رُؤُوسِهِمْ، وَتَرْكِ الْفَرْقِ)؛ أي: يَحلِقون

стр. 2451

مقادِمَ رُؤوسهم، ولا يَفْرُقون شعر الرَّأس فِرقَتين كما يفعله الأشرافُ. (وَكُنَاهُمْ، فَلَا يتكنَّون (١) بِكُنَى (٢) الْمُسْلِمِينَ؛ كَأَبِي الْقَاسِمِ)، فإنَّها كنية النَّبيِّ ﷺ ، (وَأَبِي عَبْدِ اللهِ)، فإنَّها كُنْيةُ كثيرٍ من علماء المسلمين وأئمَّتهم، وكذا ما في معناهما؛ كأبي بكرٍ، وأبي الحسن، ممَّا هو في الغالِب في المسلمين. ودلَّ على أنَّهم لا يُمنَعون من التَّكنِّي مطلقًا، قال أحمد لطبيبٍ نصرانيٍّ: يا أبا إسحاق (٣)، واحتجَّ بفعل (٤) النَّبيِّ ﷺ وفعل عمرَ، ونقل أبو طالِبٍ: لا بأس به؛ لأنَّ (٥) النَّبيَّ ﷺ قال لِأُسْقُفِّ نَجْرانَ: «يا أبا الحارث أسْلِمْ تَسْلَمْ» (٦)، وعمر قال: «يا أبا حسَّانَ» (٧).

стр. 2452

وفي «الفروع»: يتوجَّه احتمال: يجوز للمصلحةِ، وقاله بعض العلماء، ويحمل ما رُوِي عليه. فرعٌ: يُمنَعون من اللَّقب؛ كعزِّ الدِّين ونحوه، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١). (وَرُكُوبِهِمْ)، فلا يركبون الخَيلَ؛ لأنَّها عزٌّ، وهي من آلة الحرب، وأفضل المراكيب، ولهم ركوبُ غيرها، (بِتَرْكِ الرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوجِ)، وظاهِرُه: ولو على حمارٍ، (وَرُكُوبِهِمْ عَرْضًا)، رجلاه إلى جانبٍ وظهرُه إلى آخر، (عَلَى الْأُكُفِ)، جمع إِكافٍ، وهي البَراذِع؛ لِمَا روى الخَلاَّل: «أنَّ عمر أمرهم بذلك» (٢)، وظاهِرُه: قربت المسافة أو بعُدت. (وِلِبَاسِهِمْ، فَيَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُخَالِفُ) سائِر (ثِيَابِهِمْ؛ كَالْعَسَلِيِّ) لليهود (٣)، (وَالأَدْكَنِ)، هو لباس يَضرِب لونُه إلى السَّواد، كالفاخِتيِّ للنَّصارى. (وَشَدِّ الْخِرَقِ فِي قَلَانِسِهِمْ (٤) وَعَمَائِمِهِمْ)، وتكون الخرقة مخالِفةً لهما؛ لتتميز (٥) مع الثَّوب المخالِف. (وَيُؤْمَرُ النَّصَارَى بِشَدِّ الزُّنَّارِ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ)؛ لأنَّهم إذا شدُّوه من داخل لم يُرَ، فلم يكن له فائدةٌ، لكنَّ المرأةَ تَشُدُّه فوق ثيابها تحت الإزار؛ لأنَّه لو شدته (٦) فوقه لم يثبت، وغيارها في الخفَّين باختلاف لونهما، فإن أبَوا الغيار لم يجبروا، ونغيِّره نحن. (وَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ خَوَاتِيمُ الرَّصَاصِ، أَوْ جُلْجُلٌ)، وهو الجرس الصغير، (يَدْخُلُ مَعَهُمُ الْحَمَّامَ)؛ ليَحصُل الفرْقُ.

стр. 2453

وظاهِرُه: جوازُ دخولها الحمَّام مع المسلمات، وسيأتي. واقتضى (١) ذلك أنَّ لهم لُبسَ الطَّيالِسَة، وهو المذهب؛ لأنَّهم لا يمنعون من فاخر الثِّياب، والتَّمييز حصل بالغِيار والزُّنَّار. وعنه: المنع، اختاره أبو الخطَّاب؛ لأنَّ المقصود لبس ما فيه الذِّلة والانكسار، لا ضدُّه. أصل: يَلزَم تمييزُ قبورهم عن قبور المسلمين تمييزًا ظاهرًا؛ كالحياة وأَوْلى، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). (وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ)؛ لأنَّ فيه تعظيمًا لهم، وفي معناه: القيامُ لهم. (وَلَا بَدَاءَتُهُمْ بِالسَّلَامِ)؛ لِمَا روى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا: «لا تبدؤوا اليهود ولا النَّصارى بالسَّلام، وإذا لَقِيتُموهم في طريقٍ فاضْطرُّوهم إلى أضْيَقها» متَّفقٌ عليه، وقد عزاه في «الشَّرْحَين» إلى التِّرمذيِّ فقط (٣). وفي الحاجة احتِمالٌ. ومثله: كيف أنت؟ وكيف أصبحت؟ أو كيف (٤) حالك؟ نَصَّ عليه (٥)، وجوَّزه الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٦)، ويتوجَّه: بالنِّيَّة؛ كما قال له إبراهيم الحربِيُّ:

стр. 2454

يقول له (١): أكرمك الله؟ قال: نعم؛ يعني: بالإسلام (٢). فإن سلَّم، ثمَّ عَلِم أنَّه ذَمِّيٌّ؛ اسْتُحِبَّ قوله له: رُدَّ عليَّ سَلامِي. (فَإِنْ (٣) سَلَّمَ (٤) أَحَدُهُمْ؛ قِيلَ لَهُ: وَعَلَيْكُمْ)؛ لِمَا رَوَى أنسٌ مرفوعًا: «إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم» متَّفقٌ عليه (٥)، ولأحمد: بغير واوٍ (٦)، وهو مخيَّرٌ بين إثباتها وحذفها (٧). واختلف الأصحابُ في الأَوْلى. وعند الشَّيخ تقيِّ الدِّين: يرد (٨) تحيَّته، وأنَّه يجوز: أهلاً وسهلاً (٩). فإن عطس؛ لم يشمِّتْه. وقال القاضي: يُكرَه، وهو ظاهر (١٠) كلام أحمد (١١) وابن عَقيلٍ. فإن شمَّته كافِرٌ أجابه. (وَفِي) جواز (تَهْنِئَتِهِمْ، وَتَعْزِيَتِهِمْ، وَعِيَادَتِهِمْ؛ رِوَايَتَانِ)، كذا في «المحرَّر»: والأشهر (١٢)، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»: أنَّه يَحرُم؛

стр. 2455

لأنَّ ذلك يُحصِّل الموالاةَ ويُثبت المودَّة، وهو منهيٌّ عنه للنَّصِّ (١)، ولِمَا فيه من التَّعظيم. والثَّانية: الجواز؛ لِما رَوَى أنسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ عاد يهوديًّا، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النَّار» رواه البخاريُّ (٢)، ولأِنَّه من مكارم (٣) الأخلاق. والثالثة (٤): يجوز لمصلحةٍ راجحةٍ؛ كرجاء إسلامه، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥)، ومعناه اختيار الآجُرِّيِّ، وأنَّه قول العلماء، يُعاد، ويُعرَض عليه الإسلام. وعلى الجواز: يُدعى له بالبقاء، وكثرة المال والولد، زاد جماعة: قاصدًا كثرة الجزية؛ لأنَّه لا يجوز أن يَقصِد تكثيرَ أعداء المسلمين. فائدةٌ: كَرِه أحمدُ الدُّعاء لكلِّ أحدٍ بالبقاء ونحوه؛ لأنَّه شَيءٌ فُرغ منه (٦)، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٧). ويَسْتعْمِله ابنُ عَقيلٍ وغيره، وذكره بعض أصحابنا هنا، وقد صحَّ: «أنَّه ﵇ دعا لأنسٍ بطول العمر» (٨)، وقد روى أحمد وغيره من حديث ثوبان: «لا يردُّ القدر إلاَّ الدُّعاء، ولا يَزِيد في العُمُر إلا البر» إسناده ثقاتٌ (٩).
следующие страницы →