← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

مقادِمَ رُؤوسهم، ولا يَفْرُقون شعر الرَّأس فِرقَتين كما يفعله الأشرافُ. (وَكُنَاهُمْ، فَلَا يتكنَّون (١) بِكُنَى (٢) الْمُسْلِمِينَ؛ كَأَبِي الْقَاسِمِ)، فإنَّها كنية النَّبيِّ ﷺ ، (وَأَبِي عَبْدِ اللهِ)، فإنَّها كُنْيةُ كثيرٍ من علماء المسلمين وأئمَّتهم، وكذا ما في معناهما؛ كأبي بكرٍ، وأبي الحسن، ممَّا هو في الغالِب في المسلمين. ودلَّ على أنَّهم لا يُمنَعون من التَّكنِّي مطلقًا، قال أحمد لطبيبٍ نصرانيٍّ: يا أبا إسحاق (٣)، واحتجَّ بفعل (٤) النَّبيِّ ﷺ وفعل عمرَ، ونقل أبو طالِبٍ: لا بأس به؛ لأنَّ (٥) النَّبيَّ ﷺ قال لِأُسْقُفِّ نَجْرانَ: «يا أبا الحارث أسْلِمْ تَسْلَمْ» (٦)، وعمر قال: «يا أبا حسَّانَ» (٧).

стр. 2452

وفي «الفروع»: يتوجَّه احتمال: يجوز للمصلحةِ، وقاله بعض العلماء، ويحمل ما رُوِي عليه. فرعٌ: يُمنَعون من اللَّقب؛ كعزِّ الدِّين ونحوه، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١). (وَرُكُوبِهِمْ)، فلا يركبون الخَيلَ؛ لأنَّها عزٌّ، وهي من آلة الحرب، وأفضل المراكيب، ولهم ركوبُ غيرها، (بِتَرْكِ الرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوجِ)، وظاهِرُه: ولو على حمارٍ، (وَرُكُوبِهِمْ عَرْضًا)، رجلاه إلى جانبٍ وظهرُه إلى آخر، (عَلَى الْأُكُفِ)، جمع إِكافٍ، وهي البَراذِع؛ لِمَا روى الخَلاَّل: «أنَّ عمر أمرهم بذلك» (٢)، وظاهِرُه: قربت المسافة أو بعُدت. (وِلِبَاسِهِمْ، فَيَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُخَالِفُ) سائِر (ثِيَابِهِمْ؛ كَالْعَسَلِيِّ) لليهود (٣)، (وَالأَدْكَنِ)، هو لباس يَضرِب لونُه إلى السَّواد، كالفاخِتيِّ للنَّصارى. (وَشَدِّ الْخِرَقِ فِي قَلَانِسِهِمْ (٤) وَعَمَائِمِهِمْ)، وتكون الخرقة مخالِفةً لهما؛ لتتميز (٥) مع الثَّوب المخالِف. (وَيُؤْمَرُ النَّصَارَى بِشَدِّ الزُّنَّارِ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ)؛ لأنَّهم إذا شدُّوه من داخل لم يُرَ، فلم يكن له فائدةٌ، لكنَّ المرأةَ تَشُدُّه فوق ثيابها تحت الإزار؛ لأنَّه لو شدته (٦) فوقه لم يثبت، وغيارها في الخفَّين باختلاف لونهما، فإن أبَوا الغيار لم يجبروا، ونغيِّره نحن. (وَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ خَوَاتِيمُ الرَّصَاصِ، أَوْ جُلْجُلٌ)، وهو الجرس الصغير، (يَدْخُلُ مَعَهُمُ الْحَمَّامَ)؛ ليَحصُل الفرْقُ.

стр. 2453

وظاهِرُه: جوازُ دخولها الحمَّام مع المسلمات، وسيأتي. واقتضى (١) ذلك أنَّ لهم لُبسَ الطَّيالِسَة، وهو المذهب؛ لأنَّهم لا يمنعون من فاخر الثِّياب، والتَّمييز حصل بالغِيار والزُّنَّار. وعنه: المنع، اختاره أبو الخطَّاب؛ لأنَّ المقصود لبس ما فيه الذِّلة والانكسار، لا ضدُّه. أصل: يَلزَم تمييزُ قبورهم عن قبور المسلمين تمييزًا ظاهرًا؛ كالحياة وأَوْلى، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). (وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ)؛ لأنَّ فيه تعظيمًا لهم، وفي معناه: القيامُ لهم. (وَلَا بَدَاءَتُهُمْ بِالسَّلَامِ)؛ لِمَا روى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا: «لا تبدؤوا اليهود ولا النَّصارى بالسَّلام، وإذا لَقِيتُموهم في طريقٍ فاضْطرُّوهم إلى أضْيَقها» متَّفقٌ عليه، وقد عزاه في «الشَّرْحَين» إلى التِّرمذيِّ فقط (٣). وفي الحاجة احتِمالٌ. ومثله: كيف أنت؟ وكيف أصبحت؟ أو كيف (٤) حالك؟ نَصَّ عليه (٥)، وجوَّزه الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٦)، ويتوجَّه: بالنِّيَّة؛ كما قال له إبراهيم الحربِيُّ:

стр. 2454

يقول له (١): أكرمك الله؟ قال: نعم؛ يعني: بالإسلام (٢). فإن سلَّم، ثمَّ عَلِم أنَّه ذَمِّيٌّ؛ اسْتُحِبَّ قوله له: رُدَّ عليَّ سَلامِي. (فَإِنْ (٣) سَلَّمَ (٤) أَحَدُهُمْ؛ قِيلَ لَهُ: وَعَلَيْكُمْ)؛ لِمَا رَوَى أنسٌ مرفوعًا: «إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم» متَّفقٌ عليه (٥)، ولأحمد: بغير واوٍ (٦)، وهو مخيَّرٌ بين إثباتها وحذفها (٧). واختلف الأصحابُ في الأَوْلى. وعند الشَّيخ تقيِّ الدِّين: يرد (٨) تحيَّته، وأنَّه يجوز: أهلاً وسهلاً (٩). فإن عطس؛ لم يشمِّتْه. وقال القاضي: يُكرَه، وهو ظاهر (١٠) كلام أحمد (١١) وابن عَقيلٍ. فإن شمَّته كافِرٌ أجابه. (وَفِي) جواز (تَهْنِئَتِهِمْ، وَتَعْزِيَتِهِمْ، وَعِيَادَتِهِمْ؛ رِوَايَتَانِ)، كذا في «المحرَّر»: والأشهر (١٢)، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»: أنَّه يَحرُم؛

стр. 2455

لأنَّ ذلك يُحصِّل الموالاةَ ويُثبت المودَّة، وهو منهيٌّ عنه للنَّصِّ (١)، ولِمَا فيه من التَّعظيم. والثَّانية: الجواز؛ لِما رَوَى أنسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ عاد يهوديًّا، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النَّار» رواه البخاريُّ (٢)، ولأِنَّه من مكارم (٣) الأخلاق. والثالثة (٤): يجوز لمصلحةٍ راجحةٍ؛ كرجاء إسلامه، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥)، ومعناه اختيار الآجُرِّيِّ، وأنَّه قول العلماء، يُعاد، ويُعرَض عليه الإسلام. وعلى الجواز: يُدعى له بالبقاء، وكثرة المال والولد، زاد جماعة: قاصدًا كثرة الجزية؛ لأنَّه لا يجوز أن يَقصِد تكثيرَ أعداء المسلمين. فائدةٌ: كَرِه أحمدُ الدُّعاء لكلِّ أحدٍ بالبقاء ونحوه؛ لأنَّه شَيءٌ فُرغ منه (٦)، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٧). ويَسْتعْمِله ابنُ عَقيلٍ وغيره، وذكره بعض أصحابنا هنا، وقد صحَّ: «أنَّه ﵇ دعا لأنسٍ بطول العمر» (٨)، وقد روى أحمد وغيره من حديث ثوبان: «لا يردُّ القدر إلاَّ الدُّعاء، ولا يَزِيد في العُمُر إلا البر» إسناده ثقاتٌ (٩).

стр. 2456

(وَيُمْنَعُونَ تَعْلِيَةَ البُنْيَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ)؛ لأنَّ الإسلام يَعْلُو ولا يُعلى عليه (١)، ولأنَّ فيه ترفُّعًا عليهم، فمُنِعوا منه؛ كالتَّصدير في المجالس، والمنْع منه إنَّما هو على المجاوِر له؛ لأنَّ الضَّرر يَلحَق به سواءٌ لاصقه أو لا. وظاهره: ولو رضي الجار؛ لأنَّه حقُّ الله تعالى، زاد ابن الزَّاغونيِّ: يدوم على دوام الأوقات، ورضاه يُسقِط حقَّ مَنْ يأتي بعده. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ولو كان البناء لمسلمٍ وذمِّيٍّ؛ لأنَّ ما لا يتمُّ اجتناب المحرَّم إلاَّ باجتنابه فمحرَّم (٢). فلو كانت دارُه في طرف البلد، حيث لا جار، أو كان لهم محلَّةٌ مفرَدةٌ؛ فلا معنى للمطاولة (٣)، ولا يُمنَع من التَّعلية، قاله في «البُلْغة» وغيرها. (وَفِي مُسَاوَاتِهِمْ وَجْهَانِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: يجوز، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه لا يُفْضي إلى علوِّ الكفر، ولا إلى اطِّلاعهم على (٤) عوراتنا. والثَّاني: المنْع؛ لأنَّه لا يجوز مساواتهم للمسلمين في (٥) اللِّباس، فكذا

стр. 2457

في البنيان. (وَإِنْ مَلَكُوا دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ) بشِراءٍ أو غيره؛ (لَمْ يَجِبْ نَقْضُهَا)؛ لأِنَّهم مَلَكوها بهذه الصِّفة، ولم تُعْلَ شَيئًا (١)، وفيه وَجْهٌ؛ لقوله: «ولا نَطَّلِع (٢) عليهم في منازلهم» (٣). وظاهِرُه: أنَّها إذا مُلِكت من كافرٍ أنَّه يَجِب نَقْضُها؛ لِما ذكرنا. فلو كان للذِّمِّيِّ دارٌ عاليةٌ، فملك المسلم دارًا إلى جانبها، أو بنى المسلمُ إلى جنب داره دارًا دونها؛ لم يَلزَمْه هدمها في الأصحِّ. فرعٌ: إذا انهدمت العاليةُ؛ لم تُعَدْ عاليةً، جزم به في «الوجيز»، زاد في «المحرَّر» و «الفروع»: إلاَّ إذا (٤) قلنا: تعاد البِيَعة؛ لأنَّه ليس بإحداثٍ، والمنهدم منها ظلمًا كهدمه بنفسه، ذكره القاضي. وقيل: تعاد (٥)، واختاره المجْدُ، قال في «الفروع»: (وهو أَوْلى، فلو سقط هذا البناءُ الَّذي تجب (٦) إزالته على شيءٍ أتلفه، فيتوجَّه الضَّمان، وأنَّه مقتضَى ما ذكروه). (وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ)، واحدُها كنيسةٌ، وهي مَعْبَدُ النَّصارى، (وَالْبِيَعِ)، قال الجَوهَريُّ: هي للنَّصارى (٧)، فهما حينئِذٍ مترادفان (٨)، وقيل: الكنائس لليهود، والبِيَع للنَّصارى، فهما متبايِنان، وهو الأصل؛ أي: يمنعون

стр. 2458

من إحداثهما في دار الإسلام إجماعًا (١)؛ لحديث عبد الرَّحمن بن غَنم (٢)، ولقول ابن عبَّاسٍ: «إنَّما (٣) مصر مصرته العربُ، فليس لهم أن يبنوا فيه بِيعةً» رواه أحمد، واحتجَّ به (٤). زاد في «المحرَّر» و «الفروع»: إلاَّ فيما شرطوه فيما فُتِح صُلْحًا على أنَّه لنا، نصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه فعل استحقُّوه بالشَّرط، فجاز لهم فعله، كسائر الشروط (٦).

стр. 2459

وبالجملة فأمصار المسلمين ثلاثةٌ: أحدها: ما مصَّره المسلمون، كالبصرة، وبغداد، وواسط، فلا يجوز إحداث شيءٍ من ذلك، ولو صُولِحوا عليه. الثاني: ما فتحه المسلمون عنوة فكذلك؛ لأنَّها صارت للمسلمين، وفي وجوب هدم الموجود وجهان، والمجزوم به عند الأكثر: إقرارهم عليها -وهما في «الترغيب» - إن لم يقرَّ به أحدٌ بجزيةٍ، وإلاَّ لم يَلزَم. الثَّالث: ما فتحوه صُلْحًا، وهو نوعان: أحدهما: أن نصالحهم على أنَّ الأرض لهم، ولنا الخراج عنها؛ فلهم إحداثُ ما شاؤوا. والثَّاني: أن نصالحهم على أنَّ الدار للمسلمين؛ فالحكم فيها على ما يَقَع عليه الصُّلْحُ. (وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ (١) رَمِّ شَعَثِهَا)؛ لأنَّهم يُقَرُّون على بقائها، والمنع من (٢) ذلك يُفْضِي إلى خرابها بالكُلِّيَّة؛ إذ البناء لا مقام له على الدَّوام بدون (٣) مرمتها (٤)، أشبه تَطْيين أسطحتها. (وَفِي بِنَاءِ مَا اسْتَهْدَمَ مِنْهَا رِوَايَتَانِ): إحداهما: المنْعُ؛ لأنَّه بناء كنيسة في دار الإسلام، فمنعوا منه؛ كابتداء بنائها. والثَّانية: يجوز؛ لأنَّه كرمِّ الشَّعث. وقدَّم في «المحرَّر»: جواز رمِّ شَعثها دون بنائها، وهو ظاهر «الوجيز» و «الفروع».

стр. 2460

وعنه: منعُهما، اختاره الأكثر، قاله ابنُ هُبَيرة؛ كمَنْع الزِّيادة، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ولو في الكَيفيَّة، لا أعلى ولا أوسع، اتِّفاقًا (١). وقيل: إن جاز بناؤها؛ جاز بناءُ بِيعةٍ منهدِمةٍ ببلدٍ فتحناه. والمذهب: أنَّ الإمام إذا فتح بلدًا فيه بِيعةٌ خرابٌ؛ لم يَجُز بناؤها؛ لأنَّه إحداثٌ لها في حكم الإسلام. (وَيُمْنَعُونَ) وجوبًا (إِظْهَارَ الْمُنْكَرِ)؛ كالخمر والخنزير؛ فإن فعلوا أتْلَفْناهما، وإلا فلا (٢)، نَصَّ عليه (٣)، وإظهارَ عِيدٍ، وصَلِيبٍ، ونكاح مَحرَمٍ، (وَضَرْبِ النَّاقُوسِ)، ونَصَّ أحمدُ: أنَّهم لا يَضرِبون بناقوس (٤)، ومرادُه: إظْهارُه؛ لأِنَّ في الشُّروط: «ألاَّ نضرب (٥) بنواقيسنا إلاَّ ضَرْبًا خفيًّا في جَوْف كنائسنا» (٦). (وَالجَهْرِ (٧) بِكِتَابِهِمْ)؛ أي: بالتوراة والإنجيل، وظاهره: ولو في الكنائس. وكذا رَفْع أصواتهم على موتاهم. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ومثلُه إظْهارُ أكْلٍ في رمضان؛ لِمَا فيه من المفاسِد (٨). وظهر أنَّه (٩) ليس لهم إظهار شَيءٍ من شعائر دينهم في دار الإسلام، لا وقت الاستسقاء، ولا لقاء الملوك، ولا غير ذلك، وقاله (١٠) الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١١).

стр. 2461

(وَإِنْ صُولِحُوا فِي (١) بِلَادِهِمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ)، أو الخراج (٢)؛ (لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ)؛ لأِنَّ بلدهم ليس ببلد إسلامٍ؛ لعدم ملك المسلمين، فلا يمنعون من إظهار دينهم فيه كمنازلهم، بخلاف أهل الذِّمَّة، فإنَّهم في دار الإسلام، فمُنِعوا منه. (وَيُمْنَعُونَ دُخُولَ الْحَرَمِ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التّوبَة: ٢٨]، والمراد: حَرَم مكَّةَ (٤)، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التّوبَة: ٢٨] يريد ضررًا بتأخير الجلب عن الحرم، دون المسجد، يؤيده (٥) قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسرَاء: ١]؛ أي: من الحرم؛ لأنَّه أُسْرِيَ به من بيت أمِّ هانئٍ، لا من نفْس المسجد (٦). وإنَّما مُنِع منه دون الحجاز؛ لأنَّه أفضلُ أماكن العبادات للمسلمين وأعظمها؛ لأنَّه محلُّ النُّسُك، فوجب أن يمتنع منه من لا (٧) يؤمن به.

стр. 2462

وظاهره: مطلقًا؛ أي: سواءٌ أُذِن له أو لا، لإقامة أو غيرها. وقيل: يجوز لضرورةٍ. وقيل: لهم دخوله، أومأ إليه في رواية الأثرم (١)؛ كحرم المدينة في الأشهر. قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتِمالٌ: يُمنع من المسجد الحرام لا الحرم؛ لظاهر الآية). وعلى الأوَّل: إذا أراد دخوله ليُسْلِم فيه، أو لتجارةٍ معه ليبيعها؛ مُنِع منه. (فَإِنْ قَدِمَ رَسُولٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ؛ خَرَجَ إِلَيْهِ)؛ لأنَّ الكافِرَ ممنوعٌ من دخول الحرم، فتعيَّن ذلك؛ لأجل الاجتماع، (وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ) في دخوله؛ لأنَّ الإمام ليس له أن يَأْذَن في الممنوع منه، وإن لم يكن بُدٌّ من لقائه؛ بعث إليه من يسمع كلامَه. (فَإِنْ دَخَلَ؛ عُزِّرَ)؛ لفتكه الحرم بدخوله، ومحلُّه: ما إذا كان عالِمًا بالمنع، فإن كان جاهلاً؛ (وَهُدِّدَ) (٢) وأخرج. (فَإِنْ مَرِضَ بِالحَرَمِ (٣)، أَوْ مَاتَ؛ أُخْرِجَ)؛ لأنَّه إذا (٤) لم يَجُزْ إقْرارُه في حياته؛ ففي مرضه ومماته أَوْلى؛ لأِنَّ حرمةَ الحرَم أعظمُ منه. (وَإِنْ دُفِنَ؛ نُبِشَ)؛ لأِنَّه وسيلةٌ إلى إخراج الميت الكافر من الحرم، أشبه ما لو لم يُدفَنْ، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ)؛ لأنَّه مع ذلك يتعذر نقلُه؛ لأنَّ جيفته حصلت بأرض الحرم (٥)، فترك للمشقَّة، ولم يَسْتَثْنه في «التَّرغيب». فرعٌ: إذا صالَحهم الإمامُ بِعِوَضٍ على الدُّخول إليه؛ لم يَصِحَّ، فإن

стр. 2463

استوْفاه أو بعضه؛ ملكه. وقيل: يَرُدُّه عليهم؛ لأنَّ ما استَوْفَوْه لا قيمة له، والعقد لم يوجب العوض؛ لبطلانه. (وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالْحِجَازِ)، قيل: هو ما بين اليمامة والعَروض، وبين اليمن ونَجْدٍ، وسُمِّيَ به؛ لأنَّه حَجَزَ بين تِهامةَ ونَجْدٍ؛ (كَالْمَدِينَةِ)، وقيل: نصفها (١) تهامِيٌّ، ونصفها (٢) حجازيٌّ، (وَالْيَمَامَةِ)، وتسمى: العَروض، وكان اسمُها حَجْرًا (٣)، فسمِّيت اليمامةَ باسم امرأةٍ، وقال ابن الأثير: (اليمامة: الصُّقْع المعروف شرقيَّ الحجاز) (٤)، وهذا يقتضي أن لا تكون من الحجاز، وفيه تكلُّف (٥)، (وَخَيْبَرَ)، شرقيِّ المدينة؛ لِمَا رَوَى أبو عُبيدةَ بن الجرَّاح: أنَّ آخر ما تكلَّم به النَّبيُّ ﷺ قال: «أخْرِجوا اليهودَ من الحجاز» رواه أحمد (٦)، وقال عمر: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «لَأُخْرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارى من جزيرة العرب، فلا أتْرُك فيها إلاَّ مُسْلِمًا» رواه التِّرمذيُّ، وقال: حَسَنٌ صحيحٌ (٧)، والمراد: الحجاز، بدليل: أنَّه ليس أحدٌ من الخلفاء أخرج أحدًا من اليمن وتيماء، قال أحمدُ: (جزيرةُ العرب: المدينةُ وما والاها) (٨). وكذا اليَنْبُع وفَدَك، ومَخاليفُها معروفةٌ باليمن تسمى بها القرى المجتمعة؛ كالرُّستاق في غيرها.

стр. 2464

وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: منه (١) تبوك ونحوها، وما دون المنحنَى، وهو عقبة الصَّوَّان من الشَّام كمَعان (٢). ولهم دخوله، والأصحُّ: بإذن إمامٍ لتجارة. (فَإِنْ دَخَلُوا لِتِجَارَةٍ؛ لَمْ يُقِيمُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)، قاله القاضي؛ لأنَّ الزائد على الأربعة حدٌّ يُتِمُّ به المسافر، فصار كالمقيم. والمذهب: أنَّهم لا يقيمون (٣) فوق ثلاثة أيَّامٍ؛ لأنَّ «عمر أذن لمن دخل تاجِرًا إقامة (٤) ثلاثة أيَّامٍ» (٥)، فدلَّ على المنْع في الزَّائد. فإن كان له دَينٌ حالٌّ؛ أُجْبِر غريمُه على وفائه، فإن تعذَّر؛ جازت الإقامةُ لذلك، فإن كان مؤجَّلاً؛ لم يُمَكَّنْ ويوكِّلُ.

стр. 2465

(وَإِنْ (١) مَرِضَ؛ لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى يَبْرَأَ)؛ لأِنَّ الاِنتقالَ يَشقُّ على المريض فهو مقيمٌ ضرورةً. (وَإِنْ مَاتَ؛ دُفِنَ بِهِ)؛ لأِنَّه موضِعُ حاجةٍ. وفيه وجْهٌ: كالحرم. (وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَيْمَاءَ، وَفَيْدٍ)، بفتح الفاء وياء مثناة بعدها دال (٢)، وهي من بلاد طَيِّئٍ، (وَنَحْوِهِمَا)؛ لما مرَّ: أنَّ أحدًا من الخلفاء لم يُخرِجْ واحدًا من ذلك. (وَهَلْ لَهُمْ دُخُولُ المَسَاجِدِ)؛ أي: مساجد الحلِّ (٣) (بِإِذْنِ مُسْلِمٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما -وهي المذهب-: المنْعُ؛ لأِنَّ «علِيًّا بَصُر بمجوسِيٍّ، وهو على المنبر في المسجد، فنزل وضربه وأخرجه» (٤)، وهو قول عمر (٥)، ولأنَّ حدَث الجنابة والحيض يمنع، فالشرك أَوْلى. والثَّانية: يجوز بإذن مسلِمٍ، صحَّحها في «الكافي» و «الشَّرح»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لما روى أحمد (٦) بإسنادٍ جيِّدٍ، عن الحسن، عن

стр. 2466

عثمانَ بن أبي العاص: «أنَّ وفد ثَقِيفٍ قَدِموا على النَّبيِّ ﷺ ، فأنزلهم المسجدَ قبل إسلامهم» (١)؛ ليكون أرقَّ لقلوبهم، وكاستئجاره لبنائه، ولا سيما لمصلحة. وظاهر كلام القاضي: يجوز؛ ليسمعوا الذِّكر، فتَرِقَّ قلوبُهم، ويُرْجَى إسلامُهم. وقال أبو المعالي: إن شُرط المنْع في عقد ذِمَّتهم مُنِعوا. وإن كان جنبًا؛ فوجهان. فلو قصدوها بأكل ونومٍ؛ مُنِعوا، ذكره في «الأحكام السلطانية». وقد روي ما يدلُّ على التَّفرقة بين الكتابيِّ وغيره. تذنيبٌ: تجوز (٢) عمارةُ كلِّ مسجدٍ، وكسوته، وإشعاله بمال كلِّ كافرٍ، وأن يبنيَه بيده، ذكره في «الرعاية» وغيرها، وهو ظاهر كلامهم في وقفه عليه ووصيته (٣) له. فيكون على هذا: العمارة في الآية: دخوله وجلوسه فيه، يدلُّ عليه خبر أبي سعيدٍ مرفوعًا: «إذا رأيتم الرَّجل يعتاد المسجد؛ فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ … ﴾ اللآية [التّوبَة: ١٨]» رواه أحمد وغيرُه (٤).

стр. 2467

وفي «الفنون»: واردة على سبب، وهي عمارة المسجد الحرام، فظاهره: المنْع فيه فقط؛ لشرفه. وذكر ابن الجَوزيِّ في «تفسيره»: أنه يمنع من بنائه وإصلاحه، ولم يَخُصَّ مسجدًا، بل أطلق، وقاله طائفةٌ من العلماء.

стр. 2468

(فَصْلٌ) (وَإِنِ اتَّجَرَ ذِمِّيٌّ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ) لِبَيعٍ أوْ شِراءٍ، (ثُمَّ عَادَ؛ فَعَلَيْهِ) في تجارته: (نِصْفُ الْعُشْرِ) على المذهب؛ لِمَا رَوَى أنسٌ قال: «أمرني عمر أنْ آخذ من المسلمين (١) رُبُعَ العُشْر، ومن أهل الذمة نصفَ العُشر» رواه أحمدُ (٢)، وروى أبو عُبيدٍ: «أنَّ عمر بعث عثمان بن حُنَيف إلى الكوفة، فجعل على أهل الذِّمَّة في أموالهم الَّتي يختلفون فيها في كلِّ عشرين درهمًا درهمًا» (٣)، وهذا كان بالعراق، واشتهر وعُمِل به، ولم يُنكَر، فكان كالإجماع. وعنه: يلزمهم العُشر، جزم به في «الواضح». وظاهره: ولو كانت امرأةً، وهو أحد الوجهين، قدَّمه في «المحرر»؛ لأنَّه حقٌّ واجبٌ، فاستويا فيه كالزَّكاة. وقال القاضي: لا عُشر عليها؛ لأنَّها محقونة الدَّم، لها المقام في دار الإسلام بغير جزيةٍ، فلم تعشَّر تجارتها كالمسلم، إلاَّ أن تكون تجارتها بالحجاز، فتعشَّر كالرَّجل.

стр. 2469

وردَّه المؤلف: بأنَّ هذا لا يُعرف عن أحمد، ولا يقتضيه مذهبه. وعنه: يلزم التَّغلبي، جزم به في «الترغيب» (١)، ويؤخذ منه ضِعْفُ ما يؤخذ من أهل الذِّمَّة. وقدَّم في «المحرَّر»: لا شَيءَ عليه؛ لأنَّ نصف العُشر وجب في أموالهم بالشَّرط، فلا يؤخذ مرَّةً أخرى؛ كسائر أهل الذِّمَّة. وظاهره: أنَّه لا شَيءَ عليه في غير مال التِّجارة، فلو مرَّ بالعاشر منهم منتقل معه أمواله وسائمته؛ فلا شَيءَ عليه، نَصَّ عليه (٢)، إلاَّ أن تكون الماشية للتِّجارة فيؤخَذ منها. (وَإِنِ اتَّجَرَ حَرْبِيٌّ إِلَيْنَا؛ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ)؛ لأِنَّ «عمرَ أخذ من أهل الحرب العُشْرَ» (٣)، واشتهر، ولم يُنكَرْ، وعَمِل به الخلفاء بعده. وقيل: نصفه. وكذا حكم المستأمن إذا اتَّجر إلى بلد الإسلام. (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ)، نَصَّ عليه (٤)، وهو اختيار المعظَم؛ لأنَّه مالٌ يجب فيه حقٌّ بالشرع، فاعتُبِر له النِّصاب؛ كزكاة الزَّرع. ثمَّ بيَّن مقدارَه وهو عشَرةٌ؛ لأِنَّ ذلك مالٌ يبلغ واجبه نصف دينارٍ، فوجب كالعشرين (٥) في حقِّ المسلم. وعنه: نصابه عشرون دينارًا؛ لأِنَّ الزكاة لا تَجِبُ في أقلَّ منها، فلم يجب على الذِّمِّيِّ شَيءٌ كاليسير.

стр. 2470

وقيل: يؤخذ منه وإن قلَّ. ونقل (١) صالح: العشرين للذِّمِّيِّ، والعشرة للحربِيِّ (٢)؛ لأِنَّه أوَّلاً أقل مال له نصف عشرٍ صحيحٌ، وثانيًا أقلُّ مالٍ له عُشرٌ صحيحٌ، فوجب ألاَّ ينقص عنهما كالجزية. وقال أبو الحسين: يعتبر للذِّمِّيِّ عشرة، وللحربِيِّ خمسةٌ. فرْعٌ: يَمنَعُ الدَّين أخْذه؛ كالزكاة (٣)، إن ثبت ببيِّنةٍ. وفي تصديقه بجارية مرَّ بها (٤) بأنَّها بنته، أو أهله؛ روايتان. وفي «الرَّوضة»: لا عُشْر عن زوجته وسُرِّيَّته. (وَيُؤْخَذُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً)؛ نَصَّ عليه (٥)؛ لِما رُوِي: أنَّ نَصْرانيًّا جاء إلى عمر فقال: إنَّ عامِلَك عشَّرني (٦) في السَّنة مرَّتَينِ، قال: «ومن أنت؟» قال: أنا الشَّيخ النَّصرانيُّ، فقال عمر: «وأنا الشَّيخ الحنيف»، ثمَّ كتب إلى عامله: «ألاَّ تعشِّر في السَّنة إلاَّ مرَّةً» رواه أحمد (٧)، ولأنَّ الجزيةَ والزَّكاةَ إنَّما تُؤخَذ في السنة (٨) مرَّةً، فكذا هذا.

стр. 2471

وذكر ابنُ هُبَيرةَ عنه: ما لم يشرط أكثر. وفي «الواضح»: الخُمس. وذكر المؤلِّف: للإمام تَرْكُه إذا رأى المصلحةَ فيه. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ) والآمِدِيُّ: (يُؤْخَذُ مِنَ الْحَرْبِيِّ كُلَّمَا (١) دَخَلَ إِلَيْنَا)؛ لأنَّ سببَه الدُّخولُ إلينا، والشيء يتكرَّر بتكرُّر سببه. وقال القاضي: لا يُؤخَذ منه شَيءٌ من ميرة (٢) محتاجٍ إليها؛ لأنَّ في دخولهم نفعًا للمسلمين. تنبيهٌ: يستثنى من أموال التجارة: ثَمن الخمر والخنزير، فإنَّه لا يُؤخَذ عُشْرُه؛ لأنَّه ليس بمالٍ في حقِّنا. ونقل الميمونيُّ: بلى (٣)، جزم به في «الرَّوضة» و «الغُنْيَة»، وأنَّه يؤخذ عُشْر ثمنه في قول (٤) عمرَ، رواه أبو عُبَيدٍ، وجوَّد (٥) أحمدُ إسنادَه (٦).

стр. 2472

وقال ابن حامدٍ: ويتخرَّج تعشير ثمن الخمر دون الخنزير؛ لأنَّ الخمرة مباحةٌ في سائر الشَّرائع غير الإسلام. وذكر القاضي في شرحه الصَّغير: (الذِّمِّيُّ غير التَّغلبي تؤخذ منه الجزية، وفي غيرها روايتان: إحداهما: لا شيء عليهم غيرها، اختاره شيخنا. والثَّانية: عليهم نصف العُشر في أموالهم، وعلى ذلك هل يختصُّ بالأموال الَّتي يتَّجِرون فيها إلى غير بلدنا؟ على روايتين: إحداهما: يختصُّ بها. والثَّانية: تجب في ذلك، وفيما لم يتَّجروا به في (١) أموالهم وثمارهم ومواشيهم). قال: (وأهل الحرب إذا دخلوا إلينا بأمان تجَّارًا أُخذ منهم العُشر دفعةً واحدةً، سواءٌ عشَّروا أموالَ المسلمين إذا دخلت إليهم أم لا. وعنه: إنْ فَعَلوا ذلك بالمسلمين؛ فُعِل بهم، وإلاَّ فلا). (وَعَلَى الْإِمَامِ حِفْظُهُمْ، وَالْمَنْعُ مِنْ أَذَاهُمْ)؛ لأِنَّهم بذلوا الجِزية على ذلك، (وَاسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ)؛ لأِنَّه جرت عليهم أحكامُ الإسلام، وتأبَّد عهدهم، فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين. وظاهره (٢): ولو لم يكونوا في معونتنا. وقال القاضي: إنَّما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الإمام في قتالٍ فسُبُوا.

стр. 2473

وبكلِّ حال: يبدأ بفداء المسلمين قبلهم؛ لأنَّ حرمة المسلم أعظم. (وَإِنْ تَحَاكَمُوا إِلَى الْحَاكِمِ مَعَ مُسْلِمٍ؛ لَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ)؛ لِما فيه من إنصاف المسلم من غيره، أو رَدِّه عن ظلمه، وذلك واجبٌ، ولأنَّ في ترك الإجابة إليه تضْيِيعًا للحقِّ. (وَإِنْ تَحَاكَمَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، أَوِ اسْتَعْدَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؛ خُيِّرَ بَيْنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ) في الأشهر عنه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المَائدة: ٤٢]، ولأنَّهما كافِرانِ، فلم يَجِب الحُكمُ بينهما؛ كالمستأْمِنِين. وعنه: يلزمه الحكمُ والإعداء، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المَائدة: ٤٩]، ورفع الظُّلم عنهم واجبٌ، وطريقُه الحُكمُ. وعنه: مع اختلاف ملَّتهما؛ لأنَّه لا يمكن إنصافُ أحدهما من الآخَر بدون الحكم. وعنه: يُخيَّر إلاَّ أن يتظالمَا في حقوق الآدميِّين، قال في «المحرَّر»: وهو الأصحُّ عندي؛ لأنَّ عليه رفع (١) الظُّلم عنهم كالمسلمين. ومتى خيرناه؛ جاز (٢) أن يُعدِّيَ ويحكم بطلب أحدهما. وعنه: لا يجوز إلاَّ باتَّفاقهما؛ كالمستأمِنين. (وَلَا يَحْكُمُ إِلاَّ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المَائدة: ٤٢]، فإذا حكم؛ لزمهم حكمُنا لا شريعتنا. وظاهِرُه: أنَّهم إذا لم يتحاكَموا إلينا؛ فليس للحاكم أن يتَّبع شَيئًا من

стр. 2474

أمورهم، ولا يُدْعَوْن إلى حكمنا، نَصَّ على الكُلِّ (١). فرعٌ: لا يُحضِر يهوديًا يوم سبت، ذكره ابن عقيل؛ أي: لبقاء تحريمه عليه، وفيه وجهان، أو مطلقًا؛ لضرره بإفساد سبته. وقال ابن عَقيلٍ: يحتمل أنَّ السَّبت مستثنًى من (٢) عملٍ في إجارةٍ. (وَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوعًا)، أو تعاقدوا (٣) عقودًا (فَاسِدَةً)؛ كخمر ونحوه، (وَتَقَابَضُوا) من الطَّرَفين، ثمَّ أسلموا، أو أتونا (٤)؛ (لَمْ يُنْقَضْ فِعْلُهُمْ)؛ لأنَّه قد تمَّ بالتَّقابُض، ولأنَّ فيه مشقَّةً وتنفيرًا (٥) عن الإسلام بتقدير إرادته. (وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا)، سواءٌ كان من الطَّرَفين أو أحدهما؛ (فَسَخَهُ)؛ لأنَّه لم يتمَّ، فنقض؛ لعدم صحَّته، (سَوَاءٌ كَانَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَاكِمُهُمْ أَوْ لَا)؛ أي: لو ترافعوا إلى حاكمهم فألزمهم بالتقابض (٦)؛ لا يلزم إمضاء حكمه؛ لأنَّه لَغْوٌ؛ لعدم شرطه وهو الإسلام. وقيل: إن ارتفعوا بعد أن ألزمهم حاكمهم بالقبض؛ نفذ، وهذا لالتزامهم بحكمه؛ لا لزومه لهم. وعنه: لا يُنقض (٧) في الخمر خاصَّةً إذا قبضت دون ثمنها؛ لأنَّها (٨) مالٌ بالنِّسبة إليهم، فيصحُّ بيعُها كالأمتعة، فيلزم المشتري دفعه إلى البائع أو وارثه، بخلاف خنزيرٍ؛ لحرمة عينه.

стр. 2475

فإن أسلم الوارث؛ فله الثَّمَن، قاله في «المستوعب» وغيره؛ لثبوته قبل إسلامه، ونقله أبو داودَ (١). مسألةٌ: إذا كان لذمي (٢) على مثله خمرٌ بقرض أو غصب؛ فأيهما أسلم فلا شيءَ له بها، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه إن كان ربُّها لم يكن له أخْذُها؛ لأنَّها محرَّمةٌ عليه، وإن كان الآخَر سقطت من ذمَّته؛ لعدم ماليتها بالنسبة إلى المسلم. وقيل: إذا لم يُسْلِم ربُّها؛ فله قيمتُها؛ لأنَّها مالٌ كان ثابتًا في ذمته قبل الإسلام، فلا يسقط به كغيره من الدُّيون. ولو كانت عليه من سَلَمٍ؛ لم يكن لربِّها إلاَّ رأس ماله. أخرى: إذا تبايعوا بِرِبًا في أسواقنا؛ مُنِعوا منه؛ لأنَّه عائدٌ بفساد نقدنا. وكذا إن أظهروا بيع مأكولٍ في نهار رمضان كشواء (٤)، ذكره القاضي. وأنَّه لا يجوز أن يتعلَّموا الرَّمي. (وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ؛ لَمْ يُقَرَّ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلاَّ (٥) الْإِسْلَامُ، أَوِ الدِّينُ الذِي كَانَ عَلَيْهِ)، هذا إحدى الرِّوايات، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ الإسلام دينٌ بحق، والدين الذي كان عليه دِينٌ صُولِح عليه، فلم يُقبَلْ منه غيرُهما؛ لاعترافه بأنَّ ما انتقل إليه دينٌ باطلٌ، فلم يقرَّ عليه، أشبه ما لو انتقل إلى المجوسيَّة. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلاَّ الْإِسْلَامُ)، هذا رواية؛ لأنَّ الدين الذي كان

стр. 2476

عليه قد اعترف ببطلانه، والدين الذي انتقل إليه كان معترفًا ببطلانه، فلم يبق غير الإسلام، فيجبر عليه. (فَإِنْ أَبَى) من فعل الواجب عليه؛ (هُدِّدَ وَحُبِسَ)، ولم يقبل في ظاهر المذهب؛ لأنَّه لم يخرج عن دين أهل الكتاب، فلم يقبل؛ كالباقي على دينه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُقْتَلَ)، هذا رواية (١)؛ لعموم قوله ﵇: «من بدَّل دِينَه فاقْتُلوه» (٢)، ولأنَّه انتقل إلى دينٍ لا يقرُّ عليه، أشبه المسلم إذا ارتدَّ. وفي استتابته وجهان. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقَرُّ)، هذا ظاهر الخِرَقِيِّ، واختاره الخلاَّل وصاحبُه؛ لأنَّه دين أهل الكتاب، فأُقِرَّ عليه كأهله. فرعٌ: إذا كذَّب نصرانيٌّ بموسى؛ خرج من النَّصرانيَّة؛ لتكذيبه بعيسى (٣)، ولم يُقَرَّ، لا يهوديٌّ بعيسى. وإن تزندق الذِّمِّيُّ؛ لم يقتل (٤)؛ لأجل الجزية، نقله ابن هانِئٍ (٥). (وَإِنِ انْتَقَلَ) الكتابي (٦) (إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوِ انْتَقَلَ الْمَجُوسِيُّ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لَمْ يُقَرَّ)؛ لأنَّه انتقل إلى دينٍ لا يُقَرُّ عليه بالجزية؛ كعَبَدَة الأوثان، (وَأُمِرَ أَنْ يُسْلِم)؛ لأِنَّ كلَّ أحدٍ مأمورٌ بذلك، لا سيما مَنْ لا كتاب له، ولا شبهة كتاب. والمنصوص (٧)، واختاره الخَلاَّل وصاحبه: أنه لا يُقبَل منه إلاَّ

стр. 2477

الإسلام (١)؛ لأنَّ غيرَه أديانٌ باطلةٌ، فلم يُقَرَّ عليها لإقراره ببطلانها؛ كالمرتدِّ. (فَإِنْ أَبَى؛ قُتِلَ) لأِنَّه انتَقَل إلى أدْنَى من دينه. وعنه: لا يُقبَل منه إلاَّ الإسلام أو الدِّين الذي كان عليه؛ لأنَّه أُقِرَّ عليه أوَّلاً، ولم يَنتَقِلْ إلى خَيرٍ منه، فنقرُّه إن رجع إليه. وفي ثالثةٍ: أو دِين أهل كتاب؛ لأنَّه دِينٌ يُقَرُّ عليه كغيره (٢). (وَإِنِ انْتَقَلَ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ) كالمجوسيِّ (إِلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ أُقِرَّ) على المذهب؛ لأِنَّه أعلى وأكمل من دينه؛ لكونه يُقَرُّ عليه أهله، وتُؤكَل ذبائُحهم، وتَحِلُّ مُناكَحَتُهم. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلاَّ الْإِسْلَامُ)، هذا روايةٌ؛ لأِنَّه أَقَرَّ ببطلان دينه بعد أن كان مُقِرًّا ببطلان ما سواه. وفي ثالثةٍ: لا يُقبَل منه إلاَّ الإسلامُ، أو الدِّين الذي كان عليه؛ لِمَا تقدَّم. (وَإِنْ تَمَجَّسَ الْوَثَنِيُّ فَهَلْ يُقَرُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يُقَرُّ، وذكر في «الشَّرح» أنَّها الأَوْلى؛ لأِنَّه انتقَل إلى دِينٍ أفضلَ من دينه، أشْبَهَ الوثَنيَّ إذا تَهَوَّد. والثَّانية: لا يُقَرُّ؛ لأِنَّه انتَقَل إلى دينٍ لا تحلُّ ذبائُحهم ولا تُنكَحُ نساؤهم، أشْبَهَ ما لو انتقل إلى عبادة الشَّمس، والفَرْقُ ظاهِرٌ. تنبيه: مَنْ جُهِلَ حالُه وادَّعى أحدَ الكتابَينِ؛ أُخِذت منه الجِزيةُ في الأصحِّ. وعنه: وتحل (٣) مُناكَحَته وذبيحته، كمن أَقرَّ بتهوُّدٍ أو تنصُّرٍ متجدِّدٍ.

стр. 2478

(فَصْلٌ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ) (وَإِذَا امْتَنَعَ الذِّمِّيُّ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ)، أو الصَّغار، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١)، (أَوِ التِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ؛ انْتَقَضَ عَهْدُهُ)؛ لأِنَّ الله تعالى أمر بقتالهم حتَّى يُعطُوا الجِزيةَ ويَلْتَزِموا أحكام الملَّة الإسلاميَّة؛ لأِنَّها نَسَخَت كلَّ حكمٍ يُخالِفُها، فلا يجوز بقاء العهد مع الاِمْتِناع. زاد في «المغني» و «الشَّرح»: إذا حكم بها حاكِمٌ. ولم أرَه في غيرهما. وسواء شُرِط عليهم ذلك أو لا. وكذا إذا قاتلَنا، والأَشْهَر: أو لَحِق بدار الحرب مقيمًا؛ لأِنَّه صار حَرْبًا لنا؛ لدخوله في جُمْلة أهل الحرب. (وَإِنْ تَعَدَّى عَلَى مُسْلِمٍ بِقَتْلٍ)، وقيَّده أبو الخطَّاب في «خلافه الصَّغير»: بالعمد، (أَوْ قَذْفٍ، أَوْ زِنًى) بمسلمة، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ولو لم يَثبُت ببيِّنةٍ، بل اشتهر بين المسلمين (٢)، وفيه شَيءٌ، (أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ تَجَسُّسٍ، أَوْ إيواءِ جَاسُوسٍ، أَوْ ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى، أَوْ كِتَابَهُ، أَوْ رَسَولَهُ (٣) بِسُوءٍ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يَنتقِض، اختاره القاضي والشَّريف، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرر» في غير القذْف؛ لِمَا رُوِي عن عمرَ: أنَّه رُفِع إليه ذِمِّيٌّ أراد استكراه مسلمةٍ على الزنى، فقال: «ما على هذا صالَحْناكم»، وأمر به فصُلِب في بيت المقْدِس (٤)، وقيل لابن عمر: إنَّ راهبًا يَشتُم رسولَ الله ﷺ ، فقال:

стр. 2479

«لو سمِعْتُه لقتلْتُه، إنَّا لم نُعْطِ الأمانَ على هذا» (١)، ولأنَّ (٢) في ذلك ضرَرًا على المسلمين، أشْبَه الاِمْتِناع من الصَّغار. والثَّانية: لا يَنتقِضُ؛ لأِنَّه لا يَجِب عليهم تَرْكُه، فلم يَنتقِض بفِعله، قاله ابن المنجَّى، وفيه نظرٌ. فعلى هذا: يُقام عليه الحدُّ فيما يُوجِبُه، ويُقتَصُّ منه فيما يُوجِب القِصاصَ، ويُعزَّر فيما سوى ذلك؛ لأِنَّ ما يقتضيه العهدُ باقٍ. ونَصُّه فِيمَنْ قذف مسلِمًا، أو آذاه بسحر في تصرُّفاته؛ كإبطال بعض أعضائه: أنَّه لا يَنتقِض (٣)؛ لأِنَّ ضرَرَه لا يَعُمُّ المسلمين، أشبه ما لو لَطَمَه، بخلاف ما سبق، فإنَّ فيه غَضاضةً على المسلمين، خصوصًا سبَّ (٤) الله ودِينه ورسوله.

стр. 2480

والمذهَبُ: أنَّه إذا فتَنَ مسلِمًا عن دينه، أو أصاب المسلمةَ باسم نكاحٍ؛ أنَّه يَنتَقِض. وذكر جماعةٌ الخلافَ السَّابِقَ مع الشَّرط. (وَإِنْ أَظْهَرَ مُنكَرًا، أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِكِتَابِهِ)، أو رَكِب الخَيلَ؛ (لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ)؛ لأِنَّ العَقْدَ لا يَقْتَضيهِ، ولا ضَرَر على المسلمين فيه، ولكن يُعزَّر؛ لاِرْتِكابه المحرَّم في نفسه. (وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ)، وجزم به في «الوجيز»: (أَنَّهُ يَنْتَقِضُ إِنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ)؛ لحديث عبد الرَّحمن بن غنم (١)، ولأِنَّه عَقْدٌ بشرْطٍ، فزال بزواله، كما لو امْتَنَع من بَذْل الجِزْيةِ. (وَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ بِنَقْضِ عَهْدِهِ)، نَقَلَه عبد الله (٢)، وجزم به جماعةٌ؛ لأِنَّ النَّقْضَ وُجِد منه دونَهم، فاختَصَّ حُكْمُه به. وظاهِرُه: لحقوا بدار الحرب أو لا. وفي «الأحكام السُّلْطانيَّة»: بلى؛ كحادث بعد (٣) نقضه بدار حَرْبٍ، ولم يُقيِّده في «الفصول» و «المحرَّر» بها. وفي «العمدة»: يَنتَقِضُ في ذرِّيَّته إن ألحقهم بدار حرب. ولمن عَلِم منهم بنقضه ولم يُنكِرْ عليه؛ ففيه وجهان. فلو حملت به أُمُّه، وولَدَتْه بعد النَّقض؛ فإنه يُسْتَرَقُّ ويُسبَى؛ لعدم ثبوت الأَمَان له. ومن انتقض عهده في نفسه؛ انتقض عهده في مالِه، وسيأتي.

стр. 2481

(وَإِذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ؛ خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ كَالْأَسِيرِ الحَرْبِيِّ (١)؛ لفِعْل عمر (٢)، ولأِنَّه كافِرٌ لا أَمَانَ له، أشْبَه الأسيرَ، وكما لو (٣) دخل متلصِّصًا. وهذا ظاهِرٌ فيمن نَقَضَه بلحوقه بدار الحرب، ومن نَقَضَه بغيره؛ فنصُّه: يُقتَل (٤)؛ لأِنَّه فَعَلَ ما يُوجِبه لو كان مسلِمًا. وكذا إن كان ذِمِّيًّا؛ فقيل: يتعيَّنُ قتْلُه، قدَّمه في «المحرَّر». والأَشْهر: أنَّه يخيَّر فيه، وعلى ذلك تشرع (٥) استتابته بالعَوْد إلى الذِّمَّة؛ لأِنَّ إقرارَه بها جائِزٌ بعد هذا، لكن لا تَجِبُ استِتابَتُه روايةً واحدةً، فمن أسلم حرُم قتْلُه، ذَكَرَه جماعةٌ، وفي «المستوعب»: ورِقُّه. وإن رَقَّ ثمَّ أسلم؛ بَقِيَ رِقُّه. وقيل: من نقض عهده بغير قتالنا؛ ألحق بمأْمَنه. وقولنا: حرُم قتْلُه، هذا في غير السَّابِّ، فإنَّ ابن (٦) أبي موسى، وابن البنَّاء، والسَّامَرِّيَّ، والشَّيخ تقيَّ الدِّين (٧) قالوا: بأنَّ سابَّ النَّبيِّ ﷺ يُقتَل ولو أسلم، ونصَّ عليه أحمد لأنَّه قذفٌ لميتٍ، فلا يَسقُط بالتَّوبة. (وَمَالُهُ فَيْءٌ (٨) عِنْدَ الْخِرَقِيِّ)، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وجَزَم به في «الوجيز»، واختاره المجْدُ؛ لأِنَّ المالَ لا حُرْمةَ له في نفسه، إنَّما هو تابِعٌ

стр. 2482

لمالكه حقيقةً، وقد انتَقَض عهدُ المالِك في نفسه، فكذا في ماله. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ)؛ لأِنَّ مالَه كان معصومًا، فلا تَزُول عِصْمتُه بنَقْضِه العَهْدَ؛ كذرِّيَّته. فإن لم يكن له وارثٌ؛ فهو فَيْءٌ، واللهُ أعلم (١).

стр. 2483

(كِتَابُ الْبَيْعِ) (١) والأصلُ فيه قَبْلَ الإجماع قولُه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، [البَقَرَة: ٢٨٢] ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٨]؛ أي: في مواسم الحجِّ، قاله ابنُ عبَّاسٍ (٢). ومن السُّنَّة ما رواه رِفاعة: أنَّه خرج مع النَّبيِّ ﷺ إلى المصلَّى، فرأى النَّاسَ يتبايَعون، فقال: «يا معشَرَ التُّجَّار»، فرفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: «إنَّ التُّجَّار يبعثون يوم القيامة فُجَّارًا، إلاَّ من برَّ وصَدَق»، قال التِّرمذيُّ: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) (٣)، والمعنى يقتضيه؛ لأنَّ (٤) حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، ولا يبذله بغير عوضٍ غالِبًا، ففي تجويز البيع طريقٌ إلى وصول كلِّ واحدٍ منهما إلى غَرَضه ودَفْع حاجته. وهو مصدر: باع يبيع، بمعنى: ملك (٥)، وبمعنى: اشترى، وكذا شرى يكون للمعْنَيَيْنِ، وقال الزَّجَّاجُ وغيرُه: باع وأباع بمعنىً (٦). واشتقاقه من الباع في قول الأكثر، منهم صاحب «المغني» و «الشَّرح»؛

стр. 2484

لأنَّ كلَّ واحد يمدُّ باعه للأخذ والإعطاء. ورُدَّ: بأنَّه مصدرٌ، وهي غير مشتقَّةٍ على الصَّحيح. فإن أجيب: بالتزام مذهب الكوفيِّ؛ بأنَّه مشتَقٌّ من الفعل. رُدَّ: بأنَّه الفعل الَّذي منه المصدر لا فعل مصدرٍ آخر، وبأنَّ الباع عينه واوٌ، بخلاف البيع، فإنَّ عينَه ياءٌ، وشرط الاشتقاق: موافقة الأصل والفرع. ويجاب عنه: بأنَّ هذا من الاشتقاق الأكبر (١) الذي يُلحظ (٢) فيه المعنى فقط، مع أنَّ بعض المحقِّقين لم يشترطه؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾ [الشُّعَرَاء: ١٦٨] من الاشتقاق الأكبر؛ لأنَّ «قال» من «القول»، والقالين من «القِلَى»، فالحروف لم تتَّفِقْ، والمعنى لم يتَّحدْ، ومن جهة المعنى بالبيع (٣) في الذِّمَّة؛ لانتفاء مدِّ الباع فيه. وهو في اللُّغة: أخذ شَيءٍ وإعطاء شيءٍ، قاله ابنُ هُبَيرةَ. (وَهُوَ) في الشَّرع: (مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ لِغَرَضِ التَّمَلُّكِ)، فدخل فيه: المعاطاة والقرض؛ لأنَّه وإن قُصد فيه التَّملك؛ لكنَّ المقصودَ الأعظمَ فيه الإرفاق. ويخرج منه الإجارة، وليس بمانعٍ لدخول الرِّبا. وقال القاضي وابن الزاغونيِّ: هو عبارةٌ عن الإيجاب والقَبول إذا (٤) تضمَّن عَينين للتَّملُّك، وأبدل السَّامَرِّيُّ عَينين بمالين؛ ليحترِز عمَّا ليس بمالٍ. وليس بجامع (٥)؛ لخروج بيع المعاطاة منه، ولا مانِعٍ؛ لدخول الرِّبا فيه.

стр. 2485

والأَولى فيه: تمليكُ عَينٍ ماليَّةٍ، أو منفعةٍ مباحةٍ، على التَّأبيد، بعِوَضٍ ماليٍّ، غير رِبًا، ولا قرضٍ. ثمَّ لبيع العين أقسامٌ، ولصحَّته ثلاثة أركانٍ: العاقِدُ، وصيغة العقد، والمعقود عليه. (وَلَهُ صُورَتَانِ)؛ أي: ينعقد بكلٍّ منهما: (إِحْدَاهُمَا (١): الِإْيجَابُ)، وهو الصَّادر من قِبَل البائع، (وَالْقَبُولِ)، بفتح القاف، وحكى في «اللُّباب» (٢): الضَّمَّ، وهو الصَّادر من قِبَل المشْتَرِي. (فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ، أَوْ مَلَّكْتُكَ، وَنَحْوَهُمَا)؛ ك: وَلَّيتُكَه، أو أشركتك، أو أعطيتك، (وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: ابْتَعْتُ، أَوْ قَبِلْتُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا)؛ ك: أخذتُه، أو اشتريته، أو تملكته (٣)؛ لأنَّ الإيجابَ والقَبولَ صريحان فيه، فانعقد بهما كسائر الصَّرائح. وعنه: يتعيَّن: بعت واشتريت فقط؛ لصراحتهما كالنِّكاح. وفُهِم منه: أنَّ القَبولَ يَعْقُب الإيجابَ. (فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الإِيجَابَ (٤)؛ جَازَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ المعنى حاصلٌ به، فجاز كما لو تأخَّر، وهذا إذا وُجد ما يدلُّ على البيع، فلو قال: قبلت ابتداءً، ثمَّ قال: بعتك؛ لم ينعقد. والثَّانية: لا يصِحُّ، اختاره الأكثرُ؛ لأنَّ رتبته التَّأخُّرُ، وكنكاحٍ، نَصَّ عليه (٥)، وذكره في «المحرَّر» روايةً واحدةً، وذكر ابنُ عقيلٍ فيه روايةً.

стр. 2486

وعلى الأُولى: فيه تفصيلٌ ذكره في «المغني» و «الشَّرح» و «الفروع»، إذا تقدَّم بلفظ الماضي؛ ك: ابتعتُ منك؛ فيصحُّ على الأصحِّ، أو (١) الطَّلب؛ ك: بِعني بكذا، فيقول: بعتك؛ فالأشهر الصِّحَّةُ. وعنه: لا ينعقد؛ كما لو تقدَّم بلفظ الاستفهام وفاقًا (٢)؛ لأنَّه ليس بقَبولٍ ولا استدعاءٍ، وهذه الصُّورة ليست بداخلةٍ في كلام المؤلِّف؛ لأنَّه لا يُسمَّى قَبولاً. (وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الِإْيجَابِ؛ صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ) عُرْفًا؛ لأنَّ حالة المجلس كحالة العقد؛ بدليل: أنَّه يُكتفى بالقبض فيه لما يُشترط قبضه، (وَإِلاَّ فَلَا) يصِحُّ فيما إذا تراخى عن الإيجاب حتَّى انقضى المجلسُ؛ لأنَّ العقد إنَّما يَتِمُّ بالقَبول، فلم يتمَّ مع تباعده عنه؛ كالاستثناء. وكذا إذا تشاغلا بما يقطعه؛ لأنَّهما صارا مُعرِضَينِ عن البيع، أشبه ما لو صرَّح بالرَّدِّ (٣). (وَالثَّانِيَةُ: الْمُعَاطَاةُ)، نَصَّ عليه (٤)، وجزم به أكثر الأصحاب؛ لعموم الأدِلَّة، ولأنَّ البيع موجودٌ قبل الشَّرع، وإنما علَّق الشَّرع عليه أحكامًا، ولم يُعيِّنْ له لفظًا، فوجب ردُّه إلى العرف؛ كالقبض والحرْز، ولم (٥) يزل

стр. 2487

المسلمون في أسواقهم وبِياعاتهم (١) على ذلك، ولم يُنقل عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه استعمالُ إيجابٍ وقَبولٍ في بيعهم، ولو استُعمل لنُقِل نقْلاً شائعًا، ولبيَّنه النبي ﷺ ؛ لعموم البلوى به، ولم يَخْفَ حكمُه. (مِثْلَ (٢): أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا، فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ، أَوْ يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ (٣) هَذَا بِدِرْهَمٍ، فَيَأْخُذَهُ)؛ لأنَّ الإيجابَ والقَبولَ إنَّما يُرادان للدَّلالة على التَّراضي (٤)، فإذا وُجد ما يدلُّ عليه من المساومة والمعاطاة؛ قام مقامهما، وأجزأ عنهما؛ لعدم التَّعبُّد فيه. والثَّانية: لا يصحُّ؛ لأنَّ الرضا أمرٌ خفِيٌّ، فأُنيط بالصِّيغة، وكالنِّكاح. ولكن يُستثنى (٥) منه: البيعُ الضَّمين، كما إذا قال: أعتق عبدك على كذا. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ هَذَا إِلاَّ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ)؛ أي: في المحقَّرات خاصَّة، وهو روايةٌ، واختارها ابن الجَوزيِّ؛ لأنَّ اعتبار ذلك في (٦) اليسير يشقُّ، فسقط دفْعًا للمشقَّة. وأصل ذلك: قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٩]؛ هل المعتبر حقيقة الرِّضا، فلا بدَّ من صريح القول، أو ما يدلُّ عليه، فيُكتفى بما (٧) يدلُّ على ذلك؟ فيه قولان للعلماء. قال في «الفروع»: (ومثله: وضع ثمنه عادةً وأخذه)، وظاهره: ولو لم يكن المالكُ حاضِرًا.

стр. 2488

أصْلٌ: حكمُ الهِبة والهديَّة والصَّدقة؛ كذلك، فتجهيز بنته بجهازٍ إلى زوج؛ تمليكٌ في الأصحِّ. فائدةٌ: لا بأْسَ بذوقه حال الشِّراء، نَصَّ عليه (١)، وقاله إبراهيمُ النَّخَعيُّ، وقال سفيانُ: (العِفَّةُ أحبُّ)، نقل حرْبٌ: لا أدري إلاَّ أن يستأذنه (٢).

стр. 2489

(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ إِلَا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ): (أَحَدُهَا: التَّرَاضِي بِهِ)؛ للآية، ولقوله ﵇: «إنَّما البيعُ عن تراضٍ» رواه ابن حبَّانَ (١)، (وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَا بِهِ اخْتِيَارًا)؛ لأِنَّ حقَّ كلِّ واحدٍ منهما يتعلقُّ بماله، فلم يَجُزْ إزالةُ ملْكه عنه بغير رضاه؛ لقوله ﵇: «لا يَحِلُّ مالُ امْرئٍ مسلمٍ إلاَّ عن طِيب نفسه» (٢). ويُستثنى منه: ما لم يكن بيعَ تَلْجِئةٍ وأمانةٍ، أو من هازِلٍ. (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكْرَهًا؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لفوات شَرْطه، (إِلاَّ أَنْ يُكْرَهَ بِحَقٍّ؛ كَالذِي يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ)؛ فيصِحُّ؛ لأنَّه قولٌ حُمِل عليه بحقٍّ، فصحَّ منه؛ كإسلام المرتدِّ. والمشتري كالبائع. فإن أكره على وزن مالٍ، فباع ملكه؛ كُرِهَ الشراء، وصَحَّ، نَصَّ عليه (٣)؛ لعدم الإكراه فيه، وهو بيع المضطرِّ. وعنه: لا يَصِحُّ؛ لقول عليٍّ: «نهى النَّبيُّ ﷺ عن بيع المضطرِّ» رواه أبو داود، من رواية صالح بن عامرٍ، عن شيخٍ من تميمٍ، وهما لا يُعرَفان (٤)،

стр. 2490

وفسَّره أحمد في روايةٍ: بأن يجيئك (١) محتاجٌ، فتبيعه (٢) ما يساوي عشرةً بعشرين (٣).
следующие страницы →