← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وعلى الأُولى: فيه تفصيلٌ ذكره في «المغني» و «الشَّرح» و «الفروع»، إذا تقدَّم بلفظ الماضي؛ ك: ابتعتُ منك؛ فيصحُّ على الأصحِّ، أو (١) الطَّلب؛ ك: بِعني بكذا، فيقول: بعتك؛ فالأشهر الصِّحَّةُ. وعنه: لا ينعقد؛ كما لو تقدَّم بلفظ الاستفهام وفاقًا (٢)؛ لأنَّه ليس بقَبولٍ ولا استدعاءٍ، وهذه الصُّورة ليست بداخلةٍ في كلام المؤلِّف؛ لأنَّه لا يُسمَّى قَبولاً. (وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الِإْيجَابِ؛ صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ) عُرْفًا؛ لأنَّ حالة المجلس كحالة العقد؛ بدليل: أنَّه يُكتفى بالقبض فيه لما يُشترط قبضه، (وَإِلاَّ فَلَا) يصِحُّ فيما إذا تراخى عن الإيجاب حتَّى انقضى المجلسُ؛ لأنَّ العقد إنَّما يَتِمُّ بالقَبول، فلم يتمَّ مع تباعده عنه؛ كالاستثناء. وكذا إذا تشاغلا بما يقطعه؛ لأنَّهما صارا مُعرِضَينِ عن البيع، أشبه ما لو صرَّح بالرَّدِّ (٣). (وَالثَّانِيَةُ: الْمُعَاطَاةُ)، نَصَّ عليه (٤)، وجزم به أكثر الأصحاب؛ لعموم الأدِلَّة، ولأنَّ البيع موجودٌ قبل الشَّرع، وإنما علَّق الشَّرع عليه أحكامًا، ولم يُعيِّنْ له لفظًا، فوجب ردُّه إلى العرف؛ كالقبض والحرْز، ولم (٥) يزل

стр. 2487

المسلمون في أسواقهم وبِياعاتهم (١) على ذلك، ولم يُنقل عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه استعمالُ إيجابٍ وقَبولٍ في بيعهم، ولو استُعمل لنُقِل نقْلاً شائعًا، ولبيَّنه النبي ﷺ ؛ لعموم البلوى به، ولم يَخْفَ حكمُه. (مِثْلَ (٢): أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا، فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ، أَوْ يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ (٣) هَذَا بِدِرْهَمٍ، فَيَأْخُذَهُ)؛ لأنَّ الإيجابَ والقَبولَ إنَّما يُرادان للدَّلالة على التَّراضي (٤)، فإذا وُجد ما يدلُّ عليه من المساومة والمعاطاة؛ قام مقامهما، وأجزأ عنهما؛ لعدم التَّعبُّد فيه. والثَّانية: لا يصحُّ؛ لأنَّ الرضا أمرٌ خفِيٌّ، فأُنيط بالصِّيغة، وكالنِّكاح. ولكن يُستثنى (٥) منه: البيعُ الضَّمين، كما إذا قال: أعتق عبدك على كذا. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ هَذَا إِلاَّ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ)؛ أي: في المحقَّرات خاصَّة، وهو روايةٌ، واختارها ابن الجَوزيِّ؛ لأنَّ اعتبار ذلك في (٦) اليسير يشقُّ، فسقط دفْعًا للمشقَّة. وأصل ذلك: قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٩]؛ هل المعتبر حقيقة الرِّضا، فلا بدَّ من صريح القول، أو ما يدلُّ عليه، فيُكتفى بما (٧) يدلُّ على ذلك؟ فيه قولان للعلماء. قال في «الفروع»: (ومثله: وضع ثمنه عادةً وأخذه)، وظاهره: ولو لم يكن المالكُ حاضِرًا.

стр. 2488

أصْلٌ: حكمُ الهِبة والهديَّة والصَّدقة؛ كذلك، فتجهيز بنته بجهازٍ إلى زوج؛ تمليكٌ في الأصحِّ. فائدةٌ: لا بأْسَ بذوقه حال الشِّراء، نَصَّ عليه (١)، وقاله إبراهيمُ النَّخَعيُّ، وقال سفيانُ: (العِفَّةُ أحبُّ)، نقل حرْبٌ: لا أدري إلاَّ أن يستأذنه (٢).

стр. 2489

(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ إِلَا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ): (أَحَدُهَا: التَّرَاضِي بِهِ)؛ للآية، ولقوله ﵇: «إنَّما البيعُ عن تراضٍ» رواه ابن حبَّانَ (١)، (وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَا بِهِ اخْتِيَارًا)؛ لأِنَّ حقَّ كلِّ واحدٍ منهما يتعلقُّ بماله، فلم يَجُزْ إزالةُ ملْكه عنه بغير رضاه؛ لقوله ﵇: «لا يَحِلُّ مالُ امْرئٍ مسلمٍ إلاَّ عن طِيب نفسه» (٢). ويُستثنى منه: ما لم يكن بيعَ تَلْجِئةٍ وأمانةٍ، أو من هازِلٍ. (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكْرَهًا؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لفوات شَرْطه، (إِلاَّ أَنْ يُكْرَهَ بِحَقٍّ؛ كَالذِي يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ)؛ فيصِحُّ؛ لأنَّه قولٌ حُمِل عليه بحقٍّ، فصحَّ منه؛ كإسلام المرتدِّ. والمشتري كالبائع. فإن أكره على وزن مالٍ، فباع ملكه؛ كُرِهَ الشراء، وصَحَّ، نَصَّ عليه (٣)؛ لعدم الإكراه فيه، وهو بيع المضطرِّ. وعنه: لا يَصِحُّ؛ لقول عليٍّ: «نهى النَّبيُّ ﷺ عن بيع المضطرِّ» رواه أبو داود، من رواية صالح بن عامرٍ، عن شيخٍ من تميمٍ، وهما لا يُعرَفان (٤)،

стр. 2490

وفسَّره أحمد في روايةٍ: بأن يجيئك (١) محتاجٌ، فتبيعه (٢) ما يساوي عشرةً بعشرين (٣).

стр. 2491

(فَصْلٌ) (الثَّانِي (١): أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ)؛ لأنَّ البيع يُشترط له الرِّضا، فاشترط في عاقده جواز التَّصرُّف؛ كالإقرار. (وَهُوَ: الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ)، والمراد به: البالغ العاقل الرَّشيد، فلا يصحُّ بيع طفلٍ، ولا مجنونٍ، ولا سكرانَ، ولا نائمٍ، ولا مُبَرْسَمٍ، ولا شراؤه؛ لعدم المقْتضِي لذلك، سواءٌ أَذِن له وليُّه أم لا. (إِلاَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ، وَالسَّفِيهَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا هو الأصحُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النِّسَاء: ٦]؛ أي: اخْتبِروهم، وإنَّما يُتحقَّقُ بتفويض البيع والشِّراء إليه، فصحَّ تصرُّفه بإذْن وليِّه، وإن كان محجورًا (٢) عليه كالعبد، والسَّفيه مثلُه، ولأنَّه إذا صحَّ في الصَّبيِّ بما ذكرنا؛ فالسفيه (٣) أَوْلى بالصِّحة، إلاَّ في عدم (٤) وقفه (٥)، وقد تضمَّن ذلك جواز الإذن له في التَّصرُّف لمصلحةٍ. والثَّانية: لا يَصِحُّ منه حتَّى يبلغ؛ لأِنَّه غير مكلَّف، أشبه غير المميِّز، ولأنَّه ممَّا يخفى، فضَبَطه الشَّارع بحدٍّ، وهو البلوغُ، والسَّفيهُ محجورٌ عليه؛ لسوء تصرُّفه وتبذيره (٦)، فإذا أَذن له وليُّه؛ فقد أذِن فيما لا مصلحة فيه.

стр. 2492

(وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)؛ لما (١) ذكرنا، (إِلاَّ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ)؛ لأنَّ الحكمة في الحَجْر عليهما (٢): خوف ضياع مالهما بتصرُّفهما، وذلك مفقود (٣) في اليسير، يؤيِّده: «أنَّ أبا الدَّرداء اشترى من صبيٍّ عصفورًا وأطلقه»، ذكره ابن أبي موسى (٤). وفي طريقة بعض أصحابنا في صحة تصرفِ مميزٍ ونفوذه بلا إذن وليه، وإبرائه، وإعتاقه، وطلاقه (٥)؛ روايتان. وفي قبولهم هبةً ووصيةً (٦) بلا إذنٍ أوجه، ثالثها: يجوز من عبد، نصَّ عليه (٧). وعنه: صحة تصرف مميز، ويقف على إجازة وليه، نقل حنبل: إن تزوج الصغير، فبلغ أباه فأجازه؛ جاز (٨).

стр. 2493

قال جماعة: ولو أجازه بعد (١) رُشده؛ لم يَجُز. وعنه: لا يقف، ذكرها الفخر.

стр. 2494

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَالاً)؛ لأنَّه يقابل بالمال، إذ (١) هو مبادلة المال بالمال، (وَهُوَ: مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ). أخرج بالأوَّل: ما لا نفع (٢) فيه كالحشرات. وبالثَّاني: ما فيه منفعةٌ محرَّمة؛ كالخمر. وبالثَّالث: ما فيه منفعةٌ مباحةٌ للضَّرورة؛ كالكلب، ولو عبَّر (٣) بغير حاجةٍ؛ ك «الوجيز» و «الفروع»؛ لكان أَوْلى؛ لأنَّ اقْتِناء الكلب يُحتاج إليه، ولا يُضْطَرُّ إليه، قاله ابنُ المنجَّى. وفي «الشَّرح»: (يحترز بقوله: (لغير ضرورةٍ) من الميتة، والمحرَّمات التي تباح في حال المخمَصة، والخمر يباح لدفع لُقمةٍ غصَّ بها). (فَيَجُوزُ بَيْعُ) العقار، و (الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ)؛ لأنَّ النَّاس يتبايعون ذلك في كلِّ عصر من غير نكيرٍ، فكان كالإجماع، قال في «الهداية»: لا إن نجسا (٤)، والمذهب خلافه. (وَدُودِ الْقَزِّ)؛ لأنَّه حيَوانٌ طاهِرٌ، يجوز اقتناؤه لغرض التَّملُّك لما يخرج منه، أشبه البهائم. وحرَّمه في «الانتصار»؛ كالحشرات. وفيه نظرٌ.

стр. 2495

(وَبِزْرِهِ)؛ لأنَّه يُنتفع (١) به في المآل؛ أشبه ولد الفرس. وفيه وجْهٌ، وجزم به في «عيون المسائل»: كبيض ما لا يُؤكَل. وعلى الأوَّل: لا فرق في بيعه مفردًا أو مع الدُّود. (وَالنَّحْلِ مُفْرَدًا (٢)؛ لأنَّه حيَوانٌ طاهِرٌ، يخرج من بطونه شرابٌ فيه منافع للنَّاس، فجاز بيعه؛ كبهيمة الأنعام، (وَفِي كُوَارَاتِهِ (٣)؛ لإمْكان مشاهدته بفتح رأسها (٤). وقال القاضي: لا يجوز بيعها فيها؛ لأنَّ بعضها غير مرئِيٍّ، وهو أميرها، وأنَّها لا تخلو من عسل يكون مبيعًا (٥)، وهو مجهول. والأوَّلُ المذهبُ؛ لأنَّ خفاء البعض لا يمنع الصِّحَّة؛ كالصُّبْرة، وكما لو كان المبيع في وعاءٍ لا يُشاهد إلاَّ ظاهره، والعسل يدخل تبعًا؛ كأساسات الحيطان. فإن لم يمكن (٦) مشاهدة النَّحل؛ لكونه مستورًا بالأقراص ولم يُعرف؛ لم يَجُزْ بيعه؛ لجهالته، ذكره في «المغني» و «الشَّرح». (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرِّ، وَالْفِيلِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ التِي تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ)؛ كالفهد، والصَّقر، ونحوهما، (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)؛ لِمَا في الصَّحيح: «أنَّ امرأةً دخلت النَّار في هِرَّةٍ لها حبستها» (٧)، والأصلُ في اللاَّم: الملك، ولأنَّه

стр. 2496

حيوانٌ يباح نفعه واقتناؤه مطلقًا، أشْبَهَ البغل (١)، والباقي بالقياس عليه، ولأنَّه لا وعيد في حبسه (٢)، فجاز بيعُه. وعلى هذا: في جواز بيعِ فَرْخه وبَيْضه وجْهان. قوله: (تصلح للصَّيد) يحتمل حالاً؛ أي: تكون معلَّمة (٣)، وبه صرَّح الخِرَقِيُّ، فظاهِرُه: لا يَصِحُّ بَيعُها قبل التَّعليم. ويحتمل: مآلاً؛ أي: تَقبلُه (٤)؛ كالجَحْش الصَّغير، فإن لم يَقبل الفيلُ التَّعليمَ؛ لم يَجُزْ؛ كأسدٍ وذِئْبٍ ودُبٍّ. (إِلاَّ الْكَلْبَ)، لا يجوز بيعه روايةً واحدة، وكذا آلة لَهْوٍ وخمرٍ، ولو كانا ذِمِّيَّيْن، ذكره الأَزَجِيُّ عن الأصحاب، (اِخْتَارَهَا (٥) الْخِرَقِيُّ) والمؤلِّف، وجزم بها في «الوجيز». (وَالْأُخْرَى: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ)، وابن أبي موسى. أمَّا الهِرُّ؛ فلما روى (٦) جابر أنَّه سئل عن ثمنه فقال: «زجر النَّبيُّ ﷺ عنه» رواه مسلِمٌ (٧)، وعنه قال: «نهى النَّبيُّ ﷺ عن ثمن السِّنَّوْر» رواه أبو داود (٨).

стр. 2497

ويُمكن حملُه على غير (١) المملوك منها، أو على ما لا نفع فيه، أو على المتوحِّش، أو كان ذلك في الابتداء لَمَّا كان محكومًا بنجاستها (٢)، ثمَّ لَمَّا حكم بطهارة سُؤْره حَلَّ ثمنه، قال الزَّركشيُّ: وكلُّها محامِلُ ودَعْوَى لا دليلَ عليها. وأمَّا الفيل وسباع البهائم؛ فلأنَّها نجِسةٌ كالكلب. وأجيب: بالفرق، فإنَّه (٣) يجوز اقتناؤها مطلقًا، بخلاف الكلب، فإنَّ جوازه مختصٌّ بأحد أمور (٤) ثلاثةٍ، مع أنَّ اقتناءه للحاجة، بخلاف ما ذكر، وأطلقهما في «الفروع» ك «المحرَّر». (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ)؛ لحصول النَّفع به إلى وقت قتله، وربما رجع إلى الإسلام، فيحصل كمال النَّفع، ولأنَّه يمكنه إزالة المانِع، بخلاف الجاني. (وَالْمَرِيضِ)، بغير خلاف نعلمه، قاله في «الشَّرح»، وقيل: غير مأيوسٍ، والمعتبَرُ الأوَّلُ؛ لأنَّ خشية الهلاك لا تمنع (٥) الصِّحَّة كالمرتدِّ. (وَفِي بَيْعِ الْجَانِي، وَالْقَاتِلِ فِي المُحَارَبَةِ (٦)، وَلَبَنِ الآْدَمِيَّاتِ؛ وَجْهَانِ): أصحُّهما، وهو المنصوص: يجوز بيع العبد الجاني؛ لأنَّه حقٌّ ثبت بغير رضا سيِّده، فلم يَمنَعْ بيعَه؛ كالدَّين. والثَّانِي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تعلَّق برقبته حقُّ آدَمِيٍّ، فمنع (٧) جواز بيعه كالرَّهن.

стр. 2498

والأوَّلُ أَوْلى؛ لأنَّه حقٌّ غير مستقِرٍّ في الجاني يَملِك أداءَه من غيره، فلم يَمنَع البيعَ كالزَّكاة، وفارق الرَّهْن من حيث إنَّه حقٌّ متعيِّنٌ فيه، لا يملك سيِّدُه إبدالَه، ثبت الحقُّ فيه برضاه وثيقة (١) للدَّين. فعلى هذا: لا فرق بين أن تكون الجنايةُ عمْدًا أو خطأً، على النَّفس أو ما دونها. وظاهره: أنَّ الخلاف جارٍ فيه، ولو اشتراه المجنيُّ عليه. الثَّانية: القاتل في المحاربة، فإن تاب قبل القدرة عليه فهو كالجاني (٢)، وإن لم يتب حتَّى قُدِر عليه، وهو المراد بقولهم: وفي المتحتِّم قتْلُه وجهان، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدُهما: وهو قولُ أبي الخَطَّاب، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»، وجزم به في «الوجيز»: أنَّه يجوز بيعُه؛ لأنَّه يُنتفَعُ به إلى حين قَتْله، ويُعتِقه فيجُرُّ ولاء ولده، فجاز كالمريض. والثَّاني، وهو قول القاضي: لا؛ لأنَّه لا نفع (٣) فيه؛ لكونه متحتِّمَ القتل، أشبه الميْتات. والفرقُ ظاهِرٌ؛ لأنَّه لا ينتفع بها أصلاً بخلافه؛ لأنَّه يمكن زوال ما ثبت من الرُّجوع عن الإقرار، أو الرُّجوع من الشُّهود. الثالثة (٤): ظاهر الخِرَقيِّ، واختاره ابنُ حامِدٍ، وصحَّحه في «الشرح» وغيره (٥)، وجزم به في «الوجيز»: أنَّه يَصِحُّ بيع لبنِ الآدميَّة المنفصل منها؛

стр. 2499

لأنَّه طاهر (١) منتفَعٌ (٢) به؛ كلبن الشَّاة، ولأنَّه يجوز أخذ العِوَض عنه في إجارة الظِّئْر، أشبه المنافِعَ. والثَّاني: لا يجوز، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لأنَّه مائِعٌ خرَج من آدميةٍ كالعرق، أو لأنَّه من الآدَمِيِّ، فلم يجز بيعه كسائر أجزائه. وجوابه: أنَّ العرق لا نفع فيه، بدليل أنَّه لا يُباع عرقُ الشَّاة ويباع لبنُها، وحرم بيع العضوِ المقطوع؛ لأنَّه لا نفع فيه. وقيل: يجوز (٣) من الأمة؛ لأنَّ بيعها جائز، فكذا لبنها؛ كسائر أجزائها، دون الحرَّة. لكن قال أحمد: (أكره للمرأة بيع لبنها) (٤)، واحتج ابن شهاب وغيره: «بأنَّ الصحابة قضوا فيمن غُرَّ بأمَةٍ بضمان الأولاد» (٥)،

стр. 2500

ولو كان لِلَّبَن (١) قيمةٌ لذكروه. فرعٌ: المنذور عتقه - قال ابن نصر الله: نذْر تَبرُّرٍ - الأشهر (٢): لا يصحُّ بيعه؛ لأنَّ عِتْقَه وجب بالنَّذر، فلا يجوز إبطالُه ببيعه؛ كالهديَّة المعيَّنة. (وَفِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ، وَكَرَاهَةِ شِرَائِهِ، وَإِبْدَالِهِ؛ رِوَايَتَانِ): أشهرُهما: أنَّه لا يجوز بيعُه، قال أحمد: (لا نعلم في بيع المصحف رخصةً) (٣)، وجزم به في «الوجيز»، قال ابن عمر: «ودِدْتُ أنَّ الأيديَ تقطع في بيعها» (٤)، ولأنَّ تعظيمه واجبٌ، وفي بيعه ابْتِذالٌ له وتركٌ لتعظيمه، فلم يَجُزْ.

стр. 2501

والثانية: يجوز، رُوِي عن الحسن والحكَم؛ لأنَّه يُنتفع به، أشبه كتب العلم. وفي ثالثةٍ: يكره (١)؛ لأنَّ ابن عمرَ وابنَ عبَّاسٍ وأبا موسى كرهوا بيعه (٢)، ولم يُعرف (٣) لهم مخالِفٌ في عصرهم، فكان كالإجماع. وعلى الأولى: يُقطَع بسرقته، ولا يباع في دَينٍ، ولو وصَّى ببيعه نصَّ

стр. 2502

عليه (١)، ويلزم بَذْلُه لحاجةٍ في الأشهر. ويكره شراؤه وإبداله في روايةٍ؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى البيع المتضمِّن إذلال (٢) المصحف. ولا يُكرَه في أخرى، قدَّمها في «المحرَّر»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه استنقاذٌ له، كاستنقاذ الأسير المسلم، وفارق البيع؛ لأنَّه إخراج له عن ملكه. وفي «النهاية»: لا يصحُّ بيع المصحف، ولا شراؤه، ولا إبداله؛ لأنَّ جميع ذلك إذلال، والمصحف محترَمٌ، فتنافيا، وفارق الشِّراء هنا شراء الأسير؛ لأنَّ شراءه تدعو الحاجة إليه، بخلاف المصحف. وظهر منه: أنَّه لا يصحُّ بيعه لكافر؛ لأنَّه إذا نُهي عن المسافَرة به إلى أرضهم مخافة أن تناله أيديهم؛ فهذا أولى. وحكم إجارته كبيعه؛ لأنَّها بيع منفعته. ويجوز وقفه، وهبته، والوصيَّة به، ذكره القاضي واحتجَّ بنصوص أحمد (٣). وظاهره: جواز بيع كتب العلم، ونقل أبو طالبٍ: لا تباع (٤). مسائلُ: الأولى: يجوز نسخه بأجرةٍ، واحتجَّ بقول ابن عباس (٥)، ففيه لمحدث بلا

стр. 2503

حمل ولا مسٍّ روايتان. وكذا كافر، قال أبو بكر: (لا يختلف قول أبي عبد الله أنَّ المصاحف تكتبها النَّصارى، على ما رُوي عن ابن عبَّاسٍ) (١)، ويأخذ الأجرة مَنْ كتبها من المسلمين (٢). وفي «النِّهاية»: يمنع، وهو ظاهِرٌ. الثَّانية: يصِحُّ شراء كتب زندقةٍ ونحوها ليُتلِفها، لا خمر ليُريقها؛ لأنَّ في الكتب ماليةَ الورق. قال ابن عقيلٍ: يبطل بآلة اللَّهو، سقط حكم ماليَّة الخشب. الثَّالثة: يجوز بيع طيرٍ لقصد صوته في قول جماعةٍ، زاد الشَّيخ تقيُّ الدِّين: إن جاز حبسه (٣)، وفيه احتمالان لابن عقيلٍ. وفي «الموجز»: لا تصح (٤) إجارةُ ما قُصِد صَوتُه؛ كديكٍ وقمري. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ)؛ لأِنَّه لا منفعةَ فيها، ويُستثْنَى منه: علقٌ لمصِّ دم، وديدان لصيد سمك، وما يصاد عليه؛ كبومة شَباشًا (٥) في الأشهر.

стр. 2504

(وَالْمَيْتَةِ)؛ لقول جابِرٍ: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ بمكَّة يقول: «إنَّ الله حرَّم بيع الميتة، والخمر، والأصنام» متَّفقٌ عليه (١)، ويُستثْنَى منها: الحُوتُ، والجرادُ. (وَلَا شَيْءٍ مِنْهَا (٢)؛ لأنَّ ما لا يجوز بيع كلِّه؛ لا يجوز بيع بعضه كالخمر. (وَلَا سِبَاعِ الْبَهَائِمِ التِي لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ)؛ كالأسد والذِّئْب؛ لأنَّه لا نفعَ فيها كالحشرات. (وَلَا الْكَلْبِ)؛ لِمَا روى ابنُ مسعودٍ (٣): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن ثمن الكلب» متَّفَقٌ عليه (٤)، وفي لفظ قال: «ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ» رواه مسلمٌ (٥)، وقد روى البَيْهَقيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا يَحِلُّ ثَمَنُ الكَلْب» (٦)، ولأنَّه حيوانٌ نُهِيَ عن اقتنائه في غير حال الحاجة إليه، أو نَجِس العين كالخنزير.

стр. 2505

وظاهِرُه: ولو كان مُعلَّمًا، صرَّح به الخِرَقِيُّ، وإنما نصَّ عليه ثانيًا؛ لأنَّ بعضَ العلماء أجاز بيعَه، ومال إليه بعضُ أصحابنا؛ لأنَّ في رواية أبي هريرة: «إلاَّ كلْبَ صَيدٍ». وأجيب: بضعفه، قاله البَيْهَقيُّ وغيرُه. (وَلَا السِّرْجِينِ النَّجِسِ)؛ لأِنَّه مُجمَعٌ على نجاسته، فلم يَجُزْ بَيعُه كالميتة. وفيه تخريجٌ من دُهْنٍ نَجِسٍ، قال مهنَّى: سألتُ أحمدَ عن السَّلف في البعر والسِّرجين قال: لا بأْسَ (١). وأطلق ابنُ رَزِينٍ في (٢) بيع نجاسة قولين. وظاهره: أنَّه يجوز بيع الطَّاهر منها. (وَلَا الْأَدْهَانِ النَّجِسَةِ (٣)؛ أي: المتنجِّسة، في ظاهر كلام أحمدَ (٤)؛ للأمر بإراقته، ولقوله ﵇: «إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثَمَنَه» (٥)، ولأنَّها نجِسةٌ، فلم يَجُز بيعُها؛ كشحم الميتة. وعلى قول أبي الخطَّاب: يجوز بَيعُ ما يطهر منها بالغسل؛ كالثَّوب النَّجِس.

стр. 2506

وجوابُه: بأنَّ القصد من الدُّهن غالِبًا هو الأكل، وقد زال، وتَعْظُم المشقَّة بتطهيره، بخلاف الثَّوب النَّجِس، فإنَّه يجوز لبسه في غير الصَّلاة، ولا تعظُم المشقَّة بتطهيره، والأَوْلى أنَّ فيه نَهْيًا خاصًّا فهو غير مقدورٍ على تسليمه شرعًا. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُهَا لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا)؛ لأنَّه يعتقد حِلَّ ذلك، ويستبيح أكلَه، قال ابن المنجَّى: (واشترط الكفر لأجل اعتقاد المجوِّز، والعلم بنجاستها المراد به: اعتقاد الطَّهارة؛ لأنَّ نفس العلم بالنَّجاسة ليس شرطًا في بيع الثَّوب النَّجِس، فكذا هنا)، وفيه شيءٌ. وفي «المغني»: يجوز أن يُدفَع إلى كافِرٍ في فكاك مسلمٍ ويعلَمُ بنجاسته؛ لأنَّه ليس ببيعٍ في الحقيقة، وإنَّما هو استِنْقاذ المسلم به. (وَفِي جَوَازِ الاِسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: لا (١)، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه ﵇ نهى عن قُرْبانه (٢)، فيدخل فيه: الاِسْتِصباحُ وغيرُه، ولأنَّه دُهْنٌ نَجِسٌ، فلم يَجُزِ الاِسْتِصْباحُ به؛ كشحم الميتة. والثَّانية: يُباح، روي عن ابن عمر (٣)، واختاره الخِرَقيُّ؛ لأنَّه أمكن

стр. 2507

الانتفاع به من غير ضررٍ، أشبه الانتفاع بالجلد اليابس. فعلى هذا: يُنتفَع به على وجه لا يمسُّه بيده، ولعلَّ المراد في غير المساجد؛ لأنَّه يؤدِّي إلى تنجيسها، لا نجِس العين كالكلب والخنزير. (وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ: جَوَازُ بَيْعِهَا)، كذا ذكره أبو الخَطَّاب؛ لأنَّه يصير منتفَعًا به؛ كالبغل والحمار. فرعٌ: لا يجوز بيع سمٍّ قاتلٍ، سواءٌ كان من الأفاعي أو النَّبات، وقيل: يَقتُل به مسلِمًا (١).

стр. 2508

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ)، حتَّى الأسير، ولا بُدَّ من تقييده: بالتَّام؛ ليَخرُج بَيعُ المبيع قبل قبضه، فإنَّه لا يَصِحُّ، وسيأتي. (أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي بَيْعِهِ) وقت إيجابه وقَبوله؛ لقوله ﵇ لحكيم بن حِزامٍ: «لا تَبِعْ ما ليس عِندَك» رواه ابنُ ماجَهْ والتِّرمذيُّ وصحَّحه (١). فهذا يدلُّ على اشتراط كون المبيع مملوكًا لبائعه، تُرِك (٢) العمل به في المأذون؛ لقيامه مقام مالكه؛ لأنَّه نزَّله منزلةَ نفسه، والحاجة داعيةٌ إلى التَّوكيل؛ لكون الموكِّل غائبًا، أو محبوسًا يتعذَّر معه حضور المشتري معه، وما أشبهه، فلو لم يَقُم مقامَه؛ لأدَّى إلى الحرج والمشقَّة، وهما منتفيان (٣) شرعًا. لا يقال: «لا تَبِعْ (٤) ما ليس عندك» ليس فيه ذكر الملك؛ لأنَّه ذكره جوابًا

стр. 2509

حين سأله أن يبيع الشَّيء ويمضي ويشتريَه ويسلِّمَه. (فَإِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ)، أو طلَّق (١) زوجةَ غيرِه، أو نحوه من التَّصرُّفات؛ (لَمْ يَصِحَّ)، اختاره الأكثرُ؛ لعدم وجود شرطه، والشَّيء يفوت بفوات شرطه. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ)؛ لِمَا روى عُرْوة بن الجَعْد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطاه دينارًا ليشتريَ به شاةً، فاشترى له شاتَينِ، فباع إحداهما بدينارٍ، ثمَّ جاءه بالدِّينار والشَّاة، فدعا له بالبركة في بَيْعِه» رواه أحمدُ والبخاريُّ (٢)، ولأنَّه عَقْدٌ له مجيزٌ في حال وقوعه، فوقف على إجازته؛ كالوصيَّة لأجنبيٍّ بزيادة على الثُّلث، واشْتُرِطت إجازة المالِك؛ دفْعًا للضَّرَر اللاَّحق به، قال بعضهم: ولو لم يكن له مجيزٌ في الحال. وعنه: صحَّة تصرُّف غاصبٍ. والأوَّل المذهبُ؛ لأنَّ حديث عروةَ محمولٌ على أنَّه وكيلٌ مطلَقٌ، بدليل أنَّه سلَّم وتسلَّم، وليس ذلك لغير المالك والوكيل المطلق باتِّفاقٍ. فرعٌ: إذا أُبِيعَ مِلْكُه وهو ساكِتٌ؛ فهو كما لو باعه بغير إذنه، خِلافًا لابن أبي ليلى؛ لأِنَّ سكوتَه إقرارٌ يدلُّ على الرِّضا، كالبكر في النِّكاح. وأجيب: بالفرق، فإنَّ (٣) سكوتها دليلٌ على الحياء المانع من الكلام في حقِّها، بخلافه هنا. (وَإِنِ اشْتَرَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ صَحَّ) على الأصحِّ؛ لأنَّه متصرف (٤)

стр. 2510

في ذِمَّته وهي قابلةٌ للتَّصرُّف، وظاهِرُه: سواءٌ سمَّاه في العقد أو لا، والأشهر: أنَّه يصحُّ إذا لم يسمِّه. (فَإِنْ أَجَازَهُ مَنِ اشْتُرِيَ لَهُ؛ مَلَكَهُ)؛ لأنَّه اشْتُرِيَ لأجله، ونزَّل المشتري نفسه منزلة الوكيل، فملكه من اشتُري له، كما لو أذن له. والأصحُّ: أنَّه يملكه من حين العقد وقبل (١) الإجازة. (وَإِلاَّ لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ)؛ أي: إذا لم يُجِزْه؛ لأنَّه لم يأذن فيه، فتعيَّن كونه للمشتري، كما لو لم يَنْوِ غيرَه. وفي «الرِّعاية»: إن سمَّاه فأجازه؛ لزمه، وإلاَّ بطل، ويحتمل إذًا (٢): يلزم المشتري، وقدَّمه في «التلخيص»؛ إلغاءً للإضافة. وإن قال: بعته من زيد، فقال: اشتريته له؛ بطل. ويحتمل: يلزمه إن أجازه. وإن حكم بصحَّته بعد إجازته؛ صحَّ من (٣) الحُكم، ذكره القاضي. ويتوجَّه كالإجازة، قاله في «الفروع». تنبيهٌ: لا يصحُّ شراؤه بعين ماله ما يملكه غيرُه، ذكره القاضي. واختار (٤) المؤلِّفُ: وقوفه على الإجازة. ومثلُه: شراؤه لنفسه بمالِ غيره. وإن (٥) باع ما يظنُّه لغيره، فبان وارثًا، أو وكيلاً؛ فروايتان، وفي «المحرَّر»: وجهان، وبناهما في شرحه: على عزل الوكيل قبل علمه.

стр. 2511

(وَلَا يَجُوزُ)؛ أي: لا يصحُّ (بَيْعُ (١) معيَّنٍ (لَا (٢) يَمْلِكُهُ لِيَمْضِيَ وَيَشْتَريَهُ وَيُسَلِّمَهُ)، بغير خلافٍ نعلمه (٣)؛ لحديث حكيمٍ (٤)، ولأنَّه غير قادِرٍ على تسليمه، أشبه الطَّير في الهواء، بل موصوف (٥) غير معيَّن بشرط (٦) قبضه أو قبض ثمنه في مجلس العقد؛ كسَلَمٍ. (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا فُتِحَ عَنْوَةً (٧) وَلَمْ يُقْسَمْ؛ كَأَرْضِ الشَّامِ، وَمِصْرَ، وَالعِرَاقِ (٨)، وَنَحْوِهَا)، في ظاهر المذهب، وهو قول عمر (٩)، وعليٍّ (١٠)، وابن عبَّاسٍ (١١)،

стр. 2512

وعبد الله بن عمرَ (١)، قال الأوزاعيُّ: (لم تزل أئمَّة المسلمين يَنهَوْن عن شراء أرض (٢) الجزيرة، ويكرهه علماؤهم) (٣)، قال الشَّعْبِيُّ: اشترى عتبة بن فرقد أرضًا على شاطئ الفرات ليتَّخِذ فيها قصبًا، فقال له عمر: «ممَّن اشتريتها»، قال (٤): من أربابها، فلمَّا اجتمع المهاجرون (٥) والأنصار، فقال: هؤلاء أربابُها، قال: «ارْدُدْها على من اشتريتها منه، وخذ مالَك» (٦)، فقاله بمحضر سادة الصَّحابة وأئمَّتهم، ولم يُنكَر، فكان كالإجماع، ولا سبيل إلى وجود إجماعٍ أقْوَى منه؛ لتعذُّره.

стр. 2513

فإن قيل: قد خالفه ابنُ مسعودٍ، «فإنَّه اشترى من دهقان (١) أرضًا على أن يكفيَه جزيتها» (٢). قلنا: لا نسلِّم المخالَفةَ، و «اشترى» بمعنى: اكترى، قاله أبو عُبَيدٍ (٣)، بدليل: «على أن يكفيه جزيتها»، ولا يكون مشتريًا لها وجِزْيَتُها على غيره. (إِلاَّ الْمَسَاكِنَ)؛ لأِنَّ الصَّحابة اقتطعوا الخِطَط في الكوفة والبصرة في زمن عمر، وبَنَوها مساكن، وتبايعوها من غير نكيرٍ، فكان كالإجماع (٤). وظاهره: ولو كانت آلتها من أرض العَنوة، ولو كانت موجودةً حال الفتح. وقدَّم في «الفروع»: أنَّه يجوز بيع بناءٍ ليس منها، وغرسٍ محدَثٍ فيها. ونقل المرُّوذيُّ، ويعقوبُ: المنْعَ (٥)؛ لأنَّه تبع (٦)، وهو ذريعةٌ.

стр. 2514

وجوَّز ابن عَقِيلٍ بيع الغرس، وفي البناء روايتان. (وَأَرْضًا مِنَ الْعِرَاقِ)، سُمِّيَ عِراقًا؛ لاِمْتِداد أرضه، وخُلُوِّها من جبالٍ مرتفعة وأوديةٍ منخفضةٍ، قاله السَّامَرِّيُّ، (فُتِحَتْ صُلْحًا، وَهِيَ الْحِيرَةُ)، مدينة بقرب الكوفة، بكسر الحاء، والنِّسبة إليها حِيريٌّ، وحارِيٌّ، على غير قياس، قاله الجَوْهريُّ (١)، (وأُلَّيْسُ)، بضمِّ الهمزة، وتشديد اللاَّم، بعدها ياءٌ ساكنةٌ، وبعدها (٢) سينٌ مهمَلةٌ، مدينة (٣) بالجزيرة، (وَبَانِقْيَا)، بزيادة ألف بين الباء (٤) والنُّون، وهي مكسورةٌ، بعدها قافٌ ساكنةٌ، تليها (٥) ياءٌ مثنَّاةٌ من تحت، ناحية بالنَّجَف دون الكوفة، قال ثعلبٌ (٦): سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ إبراهيم ولوطًا نزلاها، وكانت تزلزل، فلم تزلزل تلك اللَّيلة، فاشتراها بغنيمات يقال لها: نِقْيا، وكان شراؤها من أهل بانقيا، (وَأَرْضُ بَنِي صَلُوبَا)، بفتح الصَّاد المهملة، وضمِّ اللاَّم، بعدها واوٌ ساكنةٌ، تليها (٧) باءٌ موحَّدةٌ، فهذه الأماكن فُتِحتْ صُلْحًا لا عَنْوةً؛ فجاز بيعُها. ومثل ذلك: الأرض الَّتي أسلم أهلُها عليها؛ كأرض المدينة، فإنَّها ملك أربابها، قاله في «المغني» و «الشَّرح». ثمَّ بيَّن علَّة المنع فقال: (لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ (٨)؛ لتكون مادَّةً لهم لقتالهم في سبيل الله إلى يوم القيامة، وشهرةُ ذلك تُغْنِي عن نقله؛

стр. 2515

ولأنَّها (١) لو قسمت لكانت للذين افتتحوها، ثمَّ لورثتهم، أو لمن انتقلت (٢) إليه عنهم، ولم تكن مشترَكَة بين المسلمين، ولو جاز تخصيص أحدهما؛ لكان من افتتحها أحقَّ بها. (وَأَقَرَّهَا فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الذِي ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ) عن الأرض، (وَلَمْ (٣) يُقَدِّرْ مُدَّتَهَا؛ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا)، هذا جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّر (٤)، تقديره: أنَّ المأخوذَ منهم أجرةٌ، فيجب (٥) تقدير مدَّتها كسائر الإجارات. فأجاب: بالفرق من حيث إنَّ عموم المصلحة موجود (٦) هنا، بخلاف ما إذا آجَرَ مِلْكَه لإنسانٍ. أو يقال: إنَّها لا تَصِحُّ مجهولةً في أملاك المسلمين، فأمَّا في أملاك الكفَّار، أو في حكم أملاكهم؛ فجائِزٌ، ألا ترى أنَّ الأميرَ لو قال: من دلَّنا على القلعة الفلانيَّة؛ فله منها جاريةٌ، صحَّ وإن كانت بجُعْلٍ مجهولٍ. فإن قيل: لو كانت أجرةً؛ لم تُؤْخَذْ (٧) عن النَّخل والكَرْم؛ لعدم صحَّة إجارة ذلك. فالجواب (٨): أنَّ المأخوذ هناك عن الأرض، إلاَّ أنَّ الأجرة اختلفت لاختلاف المنفعة، فالمنفعة بالأرض التي فيها النَّخل أكثر.

стр. 2516

وإنَّما كره أحمد الدُّخول فيها؛ لِمَا شاهده في وقته؛ لأنَّ السُّلطان كان يأخذ زيادةً على ما وظَّفه عمر، ويضرب، ويحبس، ويصرفه إلى غير مستحقه. وعنه: يصحُّ بيعها، ذكره الحُلوانيُّ، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وقال: جوَّز (١) أحمد إصداقها (٢)، وقاله جدُّه، وتأوَّله القاضي على نفعها. (وتَجُوزُ (٣) إِجَارَتُهَا)؛ لأِنَّها مُؤجَرةٌ في أيدي أربابها، وإجارةُ المُؤْجَر جائزةٌ. وعنه: لا، ذكرها القاضي وغيره؛ كالبيع. (وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَهَا)؛ للاختلاف فيه، ونقل أبو داود: يبيع منه ويحج؟ قال: لا أدري (٤)، فدلَّ على التَّوقُّف، (وَأَجَازَ شِرَاءَهَا)؛ لأِنَّه في (٥) معنى الاسْتِنقَاذ. وعنه: لحاجته وعياله. ونقل حنبل (٦): أمْقُت السواد، والمقام فيه كالمضطر يأكل من الميتة ما لا بد منه. وعلى الصِّحَّة: فإنَّها تكون في يد المشتري على ما كانت في يد البائع، يؤدِّي خراجها (٧)، ويكون الشِّراء بمعنى نقل العين من يدٍ إلى أخرى بعِوَضٍ، إلاَّ ما كان قبل سنةِ مائةٍ، أو مِنْ إقطاع عمر ﵁.

стр. 2517

أصلٌ: إذا أَعْطَى إمامٌ (١) هذه الأرض، أوْ وَقَفَها؛ فقيل: يصِحُّ، وفي «النَّوادر»: لا، واحتجَّ بنقل حنبلٍ (٢): مَثَل السَّواد كمن وقف أرضًا على رجلٍ، أو على ولده؛ لا يَحِلُّ منها شيءٌ إلاَّ على ما وقَف. وفي «المغني» و «الشَّرح»: إن حَكَم بصحَّة البيع حاكِمٌ؛ صحَّ؛ لأنَّه مختلَفٌ فيه؛ كبقيَّة المختلفات، مع أنَّهما ذكرا أنَّ للإمام البيعَ لمصلحةٍ؛ لأنَّ فعلَه كحكم الحاكم. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ)، بكسر الرَّاء، جمع رَبْعٍ، وهو المنزل ودار الإقامة؛ لقوله ﵇: «إنَّ الله حبس عن مكَّة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ» متَّفقٌ عليه (٣)، وفي الصَّحيح: «قد أجَرْنا مَنْ أجَرْتِ يا أمَّ هانِئٍ» (٤). (وَلَا إِجَارَتُهَا)؛ لِمَا روى سعيد بن منصورٍ، عن مجاهِدٍ مرفوعًا: «مكَّةُ حرامٌ بَيعُها، حرامٌ إجارتُها» (٥)، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا أنَّه قال: «مكَّةُ لا تُباع رِباعها، ولا تُكْرَى بيوتُها» رواه الأثْرَمُ (٦)،

стр. 2518

ولأنَّها فُتحت عَنوةً، بدليل أنَّه ﵇ أمر بقتل أربعةٍ، فقتل منهم: ابن خَطَلٍ ومِقْيَس بن ضُبابة (١)، ولو فُتِحت صلْحًا؛ لم يَجُزْ قَتْلُ أهلها، ولم تقسم بين الغانمين، فصارت وقْفًا على المسلمين، فيحرمان كبقاع المناسك. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ)، اختاره (٢) المؤلِّفُ، بناءً على أنَّها فُتحت صلحًا؛ لقوله ﵇: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمِنٌ، ومن ألقى السِّلاح فهو آمِنٌ» (٣)، وإذا فتحت صلحًا كانت ملْكًا لأهلها، فجاز ذلك كسائر الأملاك، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين في البيع، واختاره صاحب «الهدي» فيه (٤)؛ لأنَّ

стр. 2519

«عمر اشترى من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف درهم» (١)، و «اشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة، إحداهما بستِّين ألفًا، والأخرى بأربعين ألفًا» (٢). وجوابه: أنَّ ذلك كان على سبيل الاستنقاذ، مع أنَّ عمر اشترى ذلك لمصلحة، وجعله سجْنًا، يؤيِّده فعله ذلك في أرض السَّواد. وعلى المنع: إن سكن بأجرةٍ؛ فعنه: (٣) لا يأثم بدفعها، جزم به في «المغني». وعنه: بلى، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: هي ساقطة، يحرم بذلها (٤)، وروي: أنَّ سفيان سكن بعض رِباع مكة، وهرب، ولم يعطهم أجرةً، فأدركوه،

стр. 2520

فأخذوها منه، وذُكر ذلك لأحمدَ فتبسَّم (١)، فظاهِرُه أنَّه أعجبه. مسألةٌ: الحرم كمكَّة، نصَّ عليه (٢)، ولا خراج على مزارعها (٣)؛ لأنَّه جزية الأرض. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءٍ عِدٍّ)، بكسر العين وتشديد الدَّال، وهو الذي له مادَّةٌ لا تنقطع (٤)؛ (كَمِيَاهِ الْعُيُونِ، وَنَقْعِ الْبِئْرِ) على المذهب؛ لأنَّه «﵇ نهى أن يباع الماء» رواه الأثرم من حديث جابر (٥)، ولأنَّ الماء لا يُملَك على الصَّحيح؛ لقوله ﵇: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكَلَأ والنَّار» رواه أبو داود وابن ماجه (٦)، ولأنَّه لو كان مملوكًا؛ لم يَجُز للمستأجر إتلافه؛ إذ الإجارة لا يستحقُّ بها إتلاف الأعيان، بل (٧) مشترٍ أحقُّ به من غيره؛ لكونه في ملكه.

стр. 2521

وعنه: يملكه، ويجوز (١)، اختاره أبو بكرٍ؛ لأنَّه متولِّدٌ من (٢) أرضه كالنِّتاج. قوله: (ونقع البئر)؛ أي: الماء المستنقَع (٣) فيها. (وَلَا مَا فِي الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ؛ كَالْمِلْحِ، وَالْقَارِ (٤)، وَالنِّفْطِ)، على الأصحِّ؛ لأنَّ نفعه يعمُّ، فلم يَجُزْ بيعُه؛ كالماء. (وَلَا مَا يَنْبُتُ (٥) فِي أَرْضِهِ مِنَ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. (وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا؛ مَلَكَهُ)، نصَّ عليه (٦)؛ لأنَّه من المباح، فيملكه آخذه، كما لو أخذه من أرضٍ مباحةٍ. واختار ابن عقيلٍ: عدَمه، وخرَّجه رواية من أنَّ النهي يمنع التَّملُّك (٧). وجوابه: أنَّ تعدِّيَه لا يمنع تملُّكه (٨)، كما لو عشَّش في أرضه طائرٌ، أو دخل فيها صيدٌ، أو نضب الماء عن سمك، فدخل إليه وأخذه. (إِلاَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)، جزم به في «الوجيز» وغيره؛ لأنَّه متصرفٌ (٩) في ملك الغير بغير إذنه، كما لو دخل لغير ذلك. ونقل ابن منصورٍ: له الدُّخول لرعي كلأٍ وأخذه، ونحوه - ما لم يَحُط عليها - بلا ضررٍ، قال: لأنَّه ليس لأحدٍ منعه (١٠).

стр. 2522

ونقل المرُّوذيُّ: له ذلك مطلقًا (١). وكرهه في «التَّعليق» و «الوسيلة» و «التَّبصرة». (وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ)؛ لأنَّه خارجٌ من ملكه، فجاز بيعه؛ كسائر الخارج منها. وعلى الأوَّل: المنع منه (٢) قبل حيازته، فأمَّا بعدها؛ فلا ريب أنَّه ملَكه (٣) بذلك؛ لما رُوِي: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع الماء، إلاَّ ما حمل منه» رواه أبو عُبَيدٍ في الأموال (٤)، وعلى ذلك مضت العادة في الأمصار، ببيع الماء في الروايا (٥)، والحطب والكلأ المحازين من غير نكيرٍ، وليس لأحدٍ أن يتصرَّف فيه إلاَّ بإذن مالكه.

стр. 2523

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ)؛ لأنَّ ما لا يُقدَر على تسليمه شبيه (١) بالمعدوم، والمعدوم لا يصحُّ بيعُه، فكذا ما أشبهه. (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الآْبِقِ، وَلَا الشَّارِدِ)؛ لِما روى مسلمٌ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أنَّه نهى عن بيع الغرر» (٢)، وفسَّره القاضي وجماعةٌ: ما تردَّد بين أمْرَيْن ليس أحدُهما أظهرَ، والآبق كذلك؛ لأنَّه متردِّد بين الحصول وعدمه، مع أنَّ فيه نهيًا خاصًّا، رواه أحمد، عن أبي سعيدٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن شراء العبد وهو آبِقٌ» (٣). وظاهره: لا فرق بين أن يُعلَم خبرُه أم لا. (وَلَا الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ)؛ لأنَّه بيع غرر (٤)، وظاهِرُه: ولو كان يألف الرُّجوع؛ لأنَّه غير مقدورٍ عليه، فلم يجز؛ لفوات (٥) شرطه. وقيل: يجوز، واختاره في «الفنون»، وأنَّه قول الجماعة، وأنكره من لم يحقِّقْ. فإن أمكن أخذه وبابه مغلقٌ؛ جاز، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»؛ إناطةً

стр. 2524

بالقدرة على التَّسليم. وشرط القاضي مع ذلك: أخذه بسهولة، فإن لم يُمكن إلا بتعبٍ ومشقَّةٍ؛ لم يَجُز؛ لعجزه في الحال، والجهل بوقت (١) تسليمه. ويَرِدُ عليه الغائب البعيد الذي لا يُمكن إحضاره إلاَّ بمشقَّة، فإنَّه يجوز. ويُفرَّق بينهما: بأنَّ البعيدَ تُعلم الكُلفة الَّتي يَحتاج إليها في إحضاره بالعادة، وتأخير تسليمه (٢) مدَّته معلومةً. (وَلَا السَّمَكِ (٣) فِي الْمَاءِ)؛ لِمَا رَوَى أحمدُ عن ابن مسعودٍ مرفوعًا: «لا تشتروا السَّمك في الماء، فإنَّه غَرَرٌ»، قال البَيْهقيُّ: (فيه انقطاعٌ) (٤)، والمراد به: إذا كان في الآجام (٥)، فلو كان في بركةٍ معدًّا للصَّيد، وعرف برؤية لصفاء الماء فيها، وأمكن اصطياده؛ صحَّ بيعه؛ لأنَّه معلوم ممكنٌ (٦) تسليمُه، أشبه الموضوع في طَسْت.

стр. 2525

نعم؛ إن كان في أخذه كلفةٌ ومشقَّةٌ؛ خرِّج فيه الخلاف السابق، مع أنَّه ذكر في «المغني» و «الشرح»: أنَّ البِرْكةَ إذا كانت كبيرةً، وتطاولت المدَّةُ في أخذه؛ أنَّه لا يجوز بيعه؛ للجهل بوقت إمكان التَّسليم. (وَلَا الْمَغْصُوبِ)؛ لأنَّه لا يُقدَرُ على تسليمه، (إِلاَّ مِنْ غَاصِبِهِ)؛ لأنَّ المانع منه معدومٌ هنا، وعلى الأصحِّ: (أَوْ ممَّن (١) يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ)؛ لعدم الغرر، ولإمكان قبضه. وعنه: يصحُّ بيع آبِقٍ لقادر على تحصيله، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»، وحكاه القاضي في موضع، والأشهر المنعُ، فإن عجز عن استنقاذه؛ فله الفسخ؛ لأنَّه إنَّما صحَّ لظنِّ القدرة على التخليص (٢).
следующие страницы →