← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

وعنه: يملكه، ويجوز (١)، اختاره أبو بكرٍ؛ لأنَّه متولِّدٌ من (٢) أرضه كالنِّتاج. قوله: (ونقع البئر)؛ أي: الماء المستنقَع (٣) فيها. (وَلَا مَا فِي الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ؛ كَالْمِلْحِ، وَالْقَارِ (٤)، وَالنِّفْطِ)، على الأصحِّ؛ لأنَّ نفعه يعمُّ، فلم يَجُزْ بيعُه؛ كالماء. (وَلَا مَا يَنْبُتُ (٥) فِي أَرْضِهِ مِنَ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. (وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا؛ مَلَكَهُ)، نصَّ عليه (٦)؛ لأنَّه من المباح، فيملكه آخذه، كما لو أخذه من أرضٍ مباحةٍ. واختار ابن عقيلٍ: عدَمه، وخرَّجه رواية من أنَّ النهي يمنع التَّملُّك (٧). وجوابه: أنَّ تعدِّيَه لا يمنع تملُّكه (٨)، كما لو عشَّش في أرضه طائرٌ، أو دخل فيها صيدٌ، أو نضب الماء عن سمك، فدخل إليه وأخذه. (إِلاَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)، جزم به في «الوجيز» وغيره؛ لأنَّه متصرفٌ (٩) في ملك الغير بغير إذنه، كما لو دخل لغير ذلك. ونقل ابن منصورٍ: له الدُّخول لرعي كلأٍ وأخذه، ونحوه - ما لم يَحُط عليها - بلا ضررٍ، قال: لأنَّه ليس لأحدٍ منعه (١٠).

стр. 2522

ونقل المرُّوذيُّ: له ذلك مطلقًا (١). وكرهه في «التَّعليق» و «الوسيلة» و «التَّبصرة». (وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ)؛ لأنَّه خارجٌ من ملكه، فجاز بيعه؛ كسائر الخارج منها. وعلى الأوَّل: المنع منه (٢) قبل حيازته، فأمَّا بعدها؛ فلا ريب أنَّه ملَكه (٣) بذلك؛ لما رُوِي: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع الماء، إلاَّ ما حمل منه» رواه أبو عُبَيدٍ في الأموال (٤)، وعلى ذلك مضت العادة في الأمصار، ببيع الماء في الروايا (٥)، والحطب والكلأ المحازين من غير نكيرٍ، وليس لأحدٍ أن يتصرَّف فيه إلاَّ بإذن مالكه.

стр. 2523

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ)؛ لأنَّ ما لا يُقدَر على تسليمه شبيه (١) بالمعدوم، والمعدوم لا يصحُّ بيعُه، فكذا ما أشبهه. (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الآْبِقِ، وَلَا الشَّارِدِ)؛ لِما روى مسلمٌ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أنَّه نهى عن بيع الغرر» (٢)، وفسَّره القاضي وجماعةٌ: ما تردَّد بين أمْرَيْن ليس أحدُهما أظهرَ، والآبق كذلك؛ لأنَّه متردِّد بين الحصول وعدمه، مع أنَّ فيه نهيًا خاصًّا، رواه أحمد، عن أبي سعيدٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن شراء العبد وهو آبِقٌ» (٣). وظاهره: لا فرق بين أن يُعلَم خبرُه أم لا. (وَلَا الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ)؛ لأنَّه بيع غرر (٤)، وظاهِرُه: ولو كان يألف الرُّجوع؛ لأنَّه غير مقدورٍ عليه، فلم يجز؛ لفوات (٥) شرطه. وقيل: يجوز، واختاره في «الفنون»، وأنَّه قول الجماعة، وأنكره من لم يحقِّقْ. فإن أمكن أخذه وبابه مغلقٌ؛ جاز، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»؛ إناطةً

стр. 2524

بالقدرة على التَّسليم. وشرط القاضي مع ذلك: أخذه بسهولة، فإن لم يُمكن إلا بتعبٍ ومشقَّةٍ؛ لم يَجُز؛ لعجزه في الحال، والجهل بوقت (١) تسليمه. ويَرِدُ عليه الغائب البعيد الذي لا يُمكن إحضاره إلاَّ بمشقَّة، فإنَّه يجوز. ويُفرَّق بينهما: بأنَّ البعيدَ تُعلم الكُلفة الَّتي يَحتاج إليها في إحضاره بالعادة، وتأخير تسليمه (٢) مدَّته معلومةً. (وَلَا السَّمَكِ (٣) فِي الْمَاءِ)؛ لِمَا رَوَى أحمدُ عن ابن مسعودٍ مرفوعًا: «لا تشتروا السَّمك في الماء، فإنَّه غَرَرٌ»، قال البَيْهقيُّ: (فيه انقطاعٌ) (٤)، والمراد به: إذا كان في الآجام (٥)، فلو كان في بركةٍ معدًّا للصَّيد، وعرف برؤية لصفاء الماء فيها، وأمكن اصطياده؛ صحَّ بيعه؛ لأنَّه معلوم ممكنٌ (٦) تسليمُه، أشبه الموضوع في طَسْت.

стр. 2525

نعم؛ إن كان في أخذه كلفةٌ ومشقَّةٌ؛ خرِّج فيه الخلاف السابق، مع أنَّه ذكر في «المغني» و «الشرح»: أنَّ البِرْكةَ إذا كانت كبيرةً، وتطاولت المدَّةُ في أخذه؛ أنَّه لا يجوز بيعه؛ للجهل بوقت إمكان التَّسليم. (وَلَا الْمَغْصُوبِ)؛ لأنَّه لا يُقدَرُ على تسليمه، (إِلاَّ مِنْ غَاصِبِهِ)؛ لأنَّ المانع منه معدومٌ هنا، وعلى الأصحِّ: (أَوْ ممَّن (١) يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ)؛ لعدم الغرر، ولإمكان قبضه. وعنه: يصحُّ بيع آبِقٍ لقادر على تحصيله، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»، وحكاه القاضي في موضع، والأشهر المنعُ، فإن عجز عن استنقاذه؛ فله الفسخ؛ لأنَّه إنَّما صحَّ لظنِّ القدرة على التخليص (٢).

стр. 2526

(فَصْلٌ) (السَّادِسِ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) عند المتعاقدين؛ لأنَّ جهالة المبيع غررٌ، فيكون منهيًّا عنه، فلا يصحُّ لذلك. ومعرفة المبيع تحصل: (بِرُؤْيَةٍ) مقارِنَةٍ له، أو لبعضه إن دلَّت على بقيَّته، نَصَّ عليه (١)، فرؤية أحد وجهَيْ ثوبٍ خامٍ؛ تكفي (٢)، لا منقوشٍ، ولأنَّ الرُّؤية متَّفقٌ عليها؛ لأنَّها تُحصِّل العلم بحقيقة المبيع. ويُلحق بذلك: ما عُرف بلمسه، أو شمِّه، أو ذوقه، ذكره القاضي وغيره. وعنه: وتُعرف صفةُ المبيع تقريبًا، فلا يصحُّ شراء غير جوهريٍّ جوهرةً. (أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ)، على الأصحِّ؛ كالصِّفة التي تكفي في السَّلْم؛ لأنَّها تقوم مقام الرُّؤية، والمبيع (٣) يتميَّز بما يصفه العاقد، والشَّرع قاضٍ بالاعتماد على قوله، بدليل قبول قوله: إنَّه ملكه، ولأنَّه مبيعٌ معلومٌ للمتعاقدين، مقدورٌ على تسليمه، فصحَّ كالحاضر. وظاهِرُه: أنَّ البيعَ بالصِّفة مخصوصٌ بما يجوز السَّلم فيه لا غيره، صرَّح به في «المحرَّر» و «الشَّرح» و «الوجيز»، فعلى هذا: يصحُّ بيع أعمى وشراؤه؛ كتوكيله. فرع: لا (٤) يصحُّ بيع الأُنموذج بأن يريَه صاعًا، ويبيعه الصُّبْرة على أنَّها من جنسه.

стр. 2527

وقيل: ضبط الأنموذج كذكر الصفات (١)، نقل جعفرٌ فيمن يفتح (٢) جِرابًا، ويقول: الباقي بصفته (٣): إذا جاءه على صفته ليس له ردُّه (٤). (فَإِنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ رَآهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ، أَوْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ؛ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ) في قول الجمهور؛ لعدم العلم بالمبيع. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ)، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]، ولأنَّ «عثمان وطلحةَ تبايعا داريهما (٦) بالكوفة والمدينة، فتحاكما إلى جُبَير، فجعل الخيار لطلحة» (٧)، وهذا اتِّفاق منهم على صحَّة العقد، ولأنَّه عَقْدُ معاوَضةٍ، يصِحُّ بغير رؤية ولا صفةٍ كالنِّكاح. وهذا إذا ذكر جنسه، وإلاَّ لم يصِحَّ رواية واحدةً، قاله القاضي وغيره.

стр. 2528

(وَ) عليها: (لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) على الأصحِّ؛ لأنَّه رُوِي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنِ اشْترى ما لم يره؛ فهو بالخيار إذا رآه» (١)، والخِيار لا يكون إلاَّ في بيعٍ صحيحٍ. وهو على الفور؛ للخبر. وقيل: يتقيَّد بالمجلس؛ كخياره. وللمشتري فسخ العقد قبل الرُّؤية. وقال ابن (٢) الجوزي: لا، كما لو اختار إمضاء العقد. والمذهب الأوَّلُ؛ لأنَّ الخبر من رواية عمر بن إبراهيمَ الكرديِّ، وهو متروك الحديث، ويحتمل أنَّه بالخيار بين العقد عليه وتركه، ويمكن حمله على ما إذا اشتراه بالصِّفة، ثمَّ وجده متغيِّرًا، ولأنَّه باع ما لم يره، ولم يُوصَف له، فلم يصحَّ؛ كبيع النَّوَى في التَّمر، والآيةُ مخصوصةٌ بما ذكرناه. فرع: لا يَبطُل العقدُ بموتٍ أو جُنونٍ. (وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ)؛ صحَّ البيعُ في ظاهر المذهب؛ لِمَا قلنا. والثَّانية: لا يصِحُّ إلاَّ بالرُّؤية؛ لأنَّ الصِّفة لا تُحصِّل العِلْمَ من كلِّ وجْهٍ، فلم يَصِحَّ البيعُ بها؛ كالذي (٣) لا يَصِحُّ السَّلَم فيه. (أَوْ رَآهُ، ثُمَّ عَقَدَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ ظَاهِرًا؛ صَحَّ فِي أَصَحِّ

стр. 2529

الرِّوَايَتَيْنِ)، وهي قول الأكثر؛ لأنَّ المبيعَ (١) معلومٌ عندهما، أشبه ما لو شاهداه حال العقد؛ إذ الرُّؤية السَّابقة كالمقارِنة. والثَّانية: لا يَصِحُّ حتَّى يراها حالة العقد، روي عن (٢) الحكم وحمَّادٍ؛ لأنَّ ما (٣) كان شرطًا؛ اعتبر وجوده حالة العقد؛ كالشَّهادة في النِّكاح. وجوابه: أنَّها تراد ليحمل (٤) العقد والاستيثاق عليه، بدليل ما لو وقفا في بيتٍ من الدَّار، أو طرف الأرض المبيعة؛ صحَّ بلا خلافٍ (٥) مع عدم مشاهدة الكلِّ. وظاهره: أنَّه إذا كان الزَّمن يتغيَّر فيه المبيعُ؛ أنَّه لا يصحُّ، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّه غير معلومٍ، فإن كان يحتملهما (٦)، وليس الظَّاهر تغيُّره؛ صحَّ بيعه؛ لأنَّ الأصل السَّلامة. (ثُمَّ إِنْ وَجَدَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ فَلَا خِيَارَ لَهُ)، ولزمه البيع، وقاله ابن سيرين وإسحاق؛ لأنَّه تسلَّم المعقود عليه بصفاته، فلم يكن له خيار؛ كالسَّلم. (وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا؛ فَلَهُ الْفَسْخُ)؛ لأنَّه بمنزلة العَيب، وهو على التَّراخي، إلاَّ بما (٧) يدلُّ على الرِّضا من سَومٍ ونحوه، لا بركوبه الدَّابة في طريق الرَّدِّ. وعنه: على الفور. وإن أسقط حقَّه من الرَّدِّ؛ فلا أَرْش في الأصحِّ. (وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: في التَّغيُّر والصِّفة؛ (قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ)؛

стр. 2530

لأنَّ الأصلَ براءةُ الذمة (١) من الثَّمن، فلا يلزمه ما لم يثبت عليه، وفي «الرِّعاية»: وفيه نظَرٌ. وقال المجد: قد ذكر القاضي، وابن عقيلٍ، وأبو الخطَّاب بعموم (٢) كلامه: إذا اختلفا في صفة المبيع؛ هل يتحالفان (٣)، أو قول البائع؟ فيه روايتان. تنبيه: البيع بالصِّفة نوعان: بيع عَينٍ معيَّنةٍ؛ كبعتك عبدي التُّركيَّ، ويَذكُر صفاتِه؛ فينفسخ العقد بردِّه على البائع وتلفه قبل قبضه؛ لكونه معيَّنًا. وبيع موصوفٍ غير معيَّنٍ؛ كبعتك عبدًا تركيًّا، ويستقصي صفات السَّلم، فيصح البيع في وجه؛ اعتبارًا بلفظه. وفي آخر: لا، وحكاه الشَّيخ تقيُّ الدِّين عن أحمد (٤)؛ كالسَّلم الحالِّ. وفي ثالثٍ: يصحُّ إن كان ملكه. فعلى الأوَّل: حكمه حكم السَّلم، يعتبر قبضه أو ثمنه في المجلس في وجهٍ. وقال القاضي: يجوز التَّفرُّق فيه قبل القبض؛ لأنَّه بيعٌ حالٌّ، أشبه بيع المعيَّن. فظاهره: لا يعتبر تعيين ثمنه. وظاهر «المستوعب» وغيره: يعتبر، وهو أَوْلى؛ ليخرج عن بيع دينٍ بدينٍ.

стр. 2531

وجوَّز الشَّيخ تقيُّ الدِّين بيع الصِّفة والسَّلم حالًّا إن كان في ملكه (١). (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ)؛ لِمَا روى سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: «أنَّه نهى عن بيع المضامين والملاقيح» (٢)، قال أبو عُبيدٍ: المضامين ما في أصلاب الفحول، والملاقيح ما في البطون وهي الأجنَّة (٣)، ولأنَّه مجهولٌ لا تُعلم (٤) صفته ولا حياته، فلم (٥) يصحَّ كالمعدوم، وهو غير مقدورٍ على تسليمه بخلاف الغائب. فإن أُبيع مع أمِّه؛ دخل تَبَعًا؛ كأُسِّ الحائط. وعُلم منه: أنَّ بيع (٦) حَبَل الحَبَلة غيرُ صحيحٍ من باب أَوْلى. (وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ)؛ لِما روى ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن يباع لبنٌ في ضرعٍ» رواه ابن ماجه والدَّارَقُطْنِيُّ (٧)، ولأنَّه مجهول الصِّفة والمقدار، أشبه

стр. 2532

الحمل، ولأنَّه بيع عَينٍ لم تُخلَقْ، فلم يصح (١)، كبيع ما تحمل هذه النَّاقة، والعادة فيه تختلف. وأمَّا لبن الظئر؛ فإنَّما جاز للحاجة. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: إن باعه لبنًا موصوفًا في الذِّمة، واشترط كونه من هذه الشَّاة أو البقرة؛ جاز، كما لو قال: أسلمت إليك في عشرةِ أَوْسُقٍ من تمر (٢) هذا الحائط (٣). (وَالْمِسْكِ فِي الْفَأْرِ)، وهو الوعاء الَّذي يكون فيه، ولأنَّه مجهولٌ، فلم يصحَّ بيعُه مستورًا؛ كالدُّر (٤) في الصَّدف. قال في «الفروع»: ويتوجَّه تخريجٌ: يجوز (٥)؛ لأنَّه وعاءٌ له يصونه ويحفظه، واختاره في «الهدي» (٦). وعلى الأوَّل: إن فتح وشاهد ما فيه؛ جاز بيعه، وإلاَّ لم يصحَّ؛ للجهالة. (وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ)؛ لعدم العلم به، ومثله البيض في الدَّجاج، قال في «الشَّرح»: لا نعلم فيهما اختلافًا؛ للجهالة، وكالفجل قبل القلع، نصَّ عليه (٧).

стр. 2533

(وَلَا الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق: «نهى أن يباع صوفٌ على ظَهْرٍ» (١)، أوْ سَمْنٍ في لبنٍ، ولأنَّه متَّصل بالحيوان، فلم يجز إفراده بالعقد؛ كأعضائه. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ (٢) جَزِّهِ فِي الْحَالِ)؛ لأنَّه مشاهَدٌ يمكن تسليمه، أشبه الرَّطبة في الأرض، وفارق الأعضاء؛ لأنَّه لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان، فعليها: لو اشتراه (٣) بشرط الجزِّ، ثمَّ تركه حتَّى طال؛ فحكم الرَّطبة على ما يأتي. مسألةٌ: لا يجوز بيع عسب الفحل؛ للنَّهي عنه من حديث ابن عمر، رواه البخاريُّ (٤)، وهو: ضِرَابه. وكذا إجارته (٥). ولابن عقيلٍ احتمال بجوازها؛ لأنَّها منفعةٌ مقصودةٌ، والغالب حصول النزو (٦)، فيكون مقدورًا عليه. ومنع أحمد أنْ يُعطَى شيئًا على سبيل الهديَّة، وحمله المؤلِّف على الورع (٧)، وجوَّز (٨) دفع الأجرة دون أخذها، وكذا (٩) الدَّفع على سبيل الهديَّة. (وَلَا يَجُوزُ)؛ أي: لا يصحُّ (بَيْعُ المُلَامَسَةِ)؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ

стр. 2534

النَّبيَّ ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة» متَّفقٌ عليه (١)، (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي هَذَا عَلَى أَنَّكَ مَتَى لَمَسْتَهُ فَهُوَ عَلَيْكَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولَ: أَيَّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا)، كذا فسَّره المؤلِّفُ، وهو ظاهر كلام أحمد، ولأنَّ المبيع (٢) مجهولٌ لا يُعلَم. (وَلَا بَيْعُ المُنَابَذَةِ)؛ للخبر، (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَيَّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ)؛ أي: طرحته (إِلَيَّ فَهُوَ عَلَيَّ بِكَذَا)؛ لما في الصَّحيح عن أبي سعيدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع»، والملامسة: لمس الرَّجل ثوب الآخَر بيده، ولا يقلبه (٣)، والمنابذة: أن ينبذ كلُّ رجلٍ منهما ثوبَه إلى الآخر، ويكون ذلك بيعهما من غير نظرٍ ولا تقليبٍ (٤)، فتفسير أبي سعيد للمنابَذة نظرًا إلى اللَّفظ، ولذلك جعل النَّبذ من الطَّرَفين. وفي روايةٍ أخرى: المنابَذة: طَرْح الرَّجل ثوبه بالبيع إلى الرَّجل قبل أن يقلِّبه أو ينظر إليه، والملامسة: لمس الثَّوب لا ينظر إليه، ولأنَّه مجهولٌ لا يعلم، وفي بعضها يجتمع مفسدان: الجهالة والتَّعليق على (٥) شرط، فلو قال: بعتك ما تلمسه، أو ما أنبذه إليك؛ لم يصح؛ لأنَّه غير معين ولا موصوف. (وَلَا بَيْعُ الْحَصَاةِ)؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع الحصاة» رواه مسلم (٦). وهل هو في الأرض، أو الثياب (٧)؟ وقد ذكرهما المؤلِّفُ: (وَهُوَ أَنْ

стр. 2535

يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ، فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ (١) مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ إِذَا رَمَيْتُهَا بِكَذَا)، وكلاهما باطلٌ؛ لما فيه من الغرر (٢) والجهالة. فرعٌ: لا يجوز بيع المعدن وحجارته، والسَّلف فيه، نَصَّ عليه (٣). (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ)؛ لأنَّه غررٌ، فيدخل في عموم النَّهي، وللجهالة. (وَلَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدٍ)؛ لما ذكرنا، ولأنَّه يختلف، فيفضي إلى التَّنازُع، وسواءٌ قَلُّوا أو كثروا. وظاهر كلام الشَّريف، وأبي الخطَّاب: يصحُّ إن تساوت (٤) القيمة. وفي «مفردات أبي الوفاء»: يصحُّ عبدٌ من ثلاثةٍ بشرط الخيار. (وَلَا شَاةً مِنْ قَطِيعٍ، وَلَا شَجَرَةً مِنْ بُسْتَانٍ)؛ للجهالة. (وَلَا هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إِلاَّ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا هَذَا الْقَطِيعَ إِلاَّ شَاةً)، نَصَّ عليه (٥)، وهو قول أكثر العلماء؛ لأنَّ ذلك غررٌ، ويفضي إلى التَّنازع، وكما لو قال: بعتك شاةً من القطيع تختارها (٦). وضابطه: أنَّ كلَّ ما لا يصحُّ بيعه مفرَدًا؛ لا يصحُّ استثناؤه، ويستثنى منه بيع السَّواقط؛ للأثر (٧).

стр. 2536

(وَإِنِ اسْتَثْنَى (١) مُعَيَّنًا مِنْ ذَلِكَ)؛ كقوله: إلاَّ هذا العبد، أو إلاَّ فلانًا (٢)، وهما يعرفانه؛ (جَازَ)؛ لأنَّه «﵇ نهى عن الثُّنْيا إلاَّ أن تُعلم» قال التِّرمذيُّ: (حديثٌ صحيحٌ) (٣)، ولأنَّ المبيع معلومٌ بالمشاهدة؛ لكون المستثنى معلومًا، فينتفي المفسِدُ. (وَإِنْ بَاعَهُ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ؛ صَحَّ)، وكذا في «الفروع»، وزاد: إن علما زيادتها عليه، وهو مرادٌ؛ لأنَّه مَبيعٌ مقدَّرٌ معلومٌ من جملةٍ، فصحَّ بيعها، أشبه ما لو باع منها جزءًا مشاعًا. وشَرط في «المحرَّر» و «الوجيز»: إن كانت متساويةَ الأجزاء، يحترز به من صُبْرةِ بقَّال (٤) القرية، فإنَّه لا يَصِحُّ؛ لكونها مختلفةً، وقيل: بلى. فلو تلفت الصُّبْرةُ إلاَّ قفيزًا؛ فهو المبيع، ولو فرَّق القُفْزان، فباعه أحدهما مبهَمًا؛ فاحتمالان. فائدة: قال الأزهريُّ: (الصُّبْرة: الكُومة المجموعة من الطَّعام، سُمِّيت صُبْرةً؛ لإفراغ بعضها على بعضٍ، ومنه قيل للسَّحاب فوق السَّحاب: صَبِيرٌ) (٥)، ويقال: صَبَرْتُ المتاع، إذا جمعتَه وضمَمْتَ بعضَه على بعضٍ.

стр. 2537

(فَإِنْ (١) بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إِلاَّ قَفِيزًا، أَوْ ثَمَرَةَ الشَّجَرَةِ إِلاَّ صَاعًا)، أو ثمرة البستان (٢) إلاَّ صاعًا؛ (لَمْ يَصِحَّ) في ظاهر المذهب؛ لأنَّ المبيعَ مجهولٌ؛ لأنَّ ما كان معلومًا بالمشاهدة يَخرُج عن كونه معلومًا بالاِستثناء، ودليله الخبر. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ)؛ لأِنَّه «﵇ نهى عن الثنيا إلاَّ أن تعلم» (٣)، وهذه معلومةٌ، وذكره أبو الوفاء المذهبَ في رطل من (٤) اللَّحم، وجزم به أبو محمَّد الجَوْزيُّ في آصُعٍ من بستانٍ؛ كاستثناء جزءٍ مُشاعٍ، ولو فوق ثُلثها، وكمبيع (٥) صبرةٍ بألف (٦) إلاَّ بقدر رُبعه، لا ما يساويه (٧)؛ لجهالته. فرعٌ: إذا استثنى من الحائط شجرةً معيَّنةً صحَّ في الأصحِّ؛ لأنَّه معلومٌ. (وَإِنْ بَاعَهُ أَرْضًا إِلاَّ جَرِيبًا)، (أَوْ) باعه (جَرِيبًا مِنْ أَرْضٍ يَعْلَمَانِ جُرْبَانَهَا؛ صَحَّ) فيهما؛ لأنَّ الأرض إذا كانت عشرةَ أجْرِبةٍ؛ ففي صورة الاِسْتِثْناء: كأنَّه قال: بعتك تسعة أعْشار هذه الأرض، وهو معلومٌ بالمشاهدة، وفي الثَّانية: كأنَّه قال: بعتك عُشرها، (وَكَانَ مُشَاعًا فِيهَا)؛ لإشاعة الجزء المبتاع (٨). (وَإِلاَّ) إذا لم يعلما جُرْبانَ الأرض؛ (لَمْ يَصِحَّ) في الأصحِّ؛ لأنَّ أجزاءَ الأرض تختلف، فإذا لم تتعيَّن (٩)؛ لم يصِحَّ لجهالته، وذكره بعضهم: اتِّفاقَ

стр. 2538

الأئمَّة (١)؛ لأنَّه لا معيَّنٌ ولا مُشاعٌ. وفي بيع خشبةٍ من سقفٍ، وفصٍّ من خاتم؛ الخلافُ. فرعٌ: حكم الثَّوب كالأرض فيما ذكرنا. وقال القاضي: إن نقصه القطعُ فلا؛ لأنَّه غير قادرٍ على التَّسليم إلاَّ بضرَرٍ، كما لو باعه نصفًا معيَّنًا من الحيوان. وجوابه: أنَّه قادرٌ على تسليمه مع الرِّضا، بخلاف ما سبق. مسألة: إذا قال: بعتك من الأرض من هنا إلى هنا؛ جاز؛ لأنَّه معلومٌ. فلو قال: بعتك عشرة أذرعٍ منها، وعيَّن الابتداء، ولم يعيِّن الانتهاء؛ لم يصحَّ، نصَّ عليه (٢). ومثله (٣): بعتك نصف هذه الدَّار الذي (٤) تليني، قاله المجْدُ. وإن قال: بعتك نصيبي، أو سهمي من (٥) هذه الدَّار، وهما يعلمانه؛ صحَّ، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ بَاعَهُ حَيَوَانًا مَأْكُولاً إِلاَّ رَأْسَهُ وَجِلْدَهُ وَأَطْرَافَهُ؛ صَحَّ) في المنصوص (٦)؛ لأنَّه «﵇ لمَّا خرج من مكَّةَ إلى المدينة، ومعه أبو بكرٍ وعامر بن فُهَيرةَ، فمرُّوا براعي غنمٍ، فاشتريا منه شاةً، وشرطا له سلبها (٧)» رواه أبو الخطَّاب (٨)، ولأنَّ المستثنى والمستثنى منه معلومان، فصحَّ، كما لو

стр. 2539

باع حائطًا واستثنى منه نخلةً معيَّنةً. وكونه لا يجوز إفراده بالبيع (١)؛ لا يمنع صحَّة استثنائه؛ كالثَّمرة قبل تأبيرها. فإن امتنع المشتري من ذبحها؛ لم يجبر، ويلزمه قيمته على التَّقريب، نصَّ عليه (٢)، ومحلُّه إذا لم يشترط الذَّبح، فإن اشترطه؛ لزمه ودفع المستثنى؛ لأنَّه إنَّما دخل على ذلك، والتَّسليم عليه مستحقٌّ. وللمشتري الفسْخُ بعيبٍ يختصُّ بهذا (٣) المستثنى، ذكره في «الفنون». قال في «الفروع»: (ويتوجَّه: لا، وأنَّه إن لم يذبحه؛ للمشتري الفسخ، وإلاَّ فقيمته، كما رُوِيَ عن عليٍّ (٤)، ولعلَّه مرادهم). (وَإِنِ اسْتَثْنَى حَمْلَهُ)، سواء كان من أَمةٍ أو حيوانٍ، (أَوْ شَحْمَهُ؛ لَمْ

стр. 2540

يَصِحَّ)؛ لأنَّ ذلك مجهولٌ، وقد «نُهِي عن الثُّنْيا إلاَّ أن تُعلم» (١)، ولأنَّه لا يصحُّ إفرادُه بالبيع، فلم يَصِحَّ استثناؤه؛ كَيَدِها. ونقل ابن القاسم وسندي: صحته في الحمل (٢)؛ لما روى نافعٌ عن ابن عمر: «أنَّه باع جاريةً، واستثنى ما في بطنها» (٣)، ولأنَّه يصحُّ استثناؤه في العتق، فكذا هنا. وجوابه: بأن الصَّحيح في (٤) الرواية: أنَّه أعتق جاريةً واستثنى حملها، مع أنَّه لا يلزم من (٥) الصِّحَّة في العتق الصِّحَّة في البيع؛ لأنَّ العتق لا تمنعه (٦) الجهالة، ولا العجز عن التَّسليم. فرعٌ: إذا باع أمةً حاملة بحرٍّ، فقال القاضي: لا يصِحُّ؛ لأنَّه يُدخِل في

стр. 2541

البيع مستثنًى، والمذهب (١): صحَّتُه؛ لأنَّ المبيعَ معلومٌ، وجهالة الحمل لا تضرُّ (٢)؛ لأنَّه قد يستثنى بالشَّرع ما لا يصحُّ استثناؤه باللَّفظ، كما لو باع أمةً مزوَّجة، فإنَّه يصحُّ، ومنفعة البُضْعِ مستثناةٌ بالشَّرْع. مسألةٌ: يصحُّ بيعُ حيوانٍ مذبوحٍ، أو لحمه، أو جلده. وفي «التَّلخيص»: لا يصحُّ بيعُ لحمٍ في جلدٍ أو معه اكتفاءً برؤية الجلد، بل مع رؤوسٍ وسموط (٣). قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين في حيوانٍ مذبوحٍ: يجوز بيعه مع جلده، كما قبل الذَّبح في قول جمهور العلماء، وجوَّز بيعَ كلٍّ منهما منفرِدًا (٤). مسألةٌ: باع سمسمًا واستثنى الكُسْب (٥)، أو الشيرج (٦)؛ لم يصحَّ. (وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ)؛ كالرُّمان، والبَيض بغير خلافٍ نعلمه (٧)؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك، ولكونه من مصلحته، ويَفسُد بإزالته. (وَبَيْعُ الْبَاقِلَاءِ، وَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ)، والفُسْتق، (فِي قِشْرَيْهِ)؛ لأنَّه «﵇ نهى عن بيع الثِّمار حتَّى يبدُوَ صلاحُها» (٨)، فدلَّ على الجواز بعد بُدُوِّ

стр. 2542

الصَّلاح، سواء كانت مستورةً بغيرها أو لم تكن، ولأنَّه لم يَزَل يباع في أسواق المسلمين من غير نكيرٍ، فكان كالإجماع، ولأنَّه مستورٌ بحائلٍ من أصل الخِلْقة، أشبه الرُّمَّانَ. (وَ) يصِحُّ بيعُ (الْحَبِّ الْمُشْتَدِّ فِي سُنْبُلِهِ)؛ لأنَّه ﵇ جعل الاِشْتِدادَ علَّةً للبيع، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، فوجب زوال المنع.

стр. 2543

(فَصْلٌ) (السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا)؛ لأِنَّه أحدُ العِوَضَين، فاشْتُرِط العلمُ به كالمبيع، وكرأس مال السَّلم، ولأنَّ المبيعَ يَحتمِلُ ردُّه بعيبٍ ونحوه، فلو لم يكن الثَّمنُ معلومًا؛ لتعذَّر الرُّجوع به. (فَإِنْ بَاعَهُ السِّلْعَةَ (١) بِرَقْمِهَا)، هو بمعنى (٢) المرقوم؛ أي: المكتوب عليها، وهما يجهلانه أو أحدهما؛ لم يصحَّ؛ للجهالة. (أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً)؛ لأنَّ مقدار كلِّ واحدٍ من الألف مجهولٌ، أشبه ما لو قال: بمائةٍ بعضُها ذَهَبٌ، وبناه القاضي وغيره على إسلام (٣) ثَمنٍ في جنسين. وصحَّح ابن عقيل إقرارَه بذلك مناصفةً، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه هنا مثلُه). ويجاب عنه: بأنَّه لو أقرَّ بمائةٍ ذهبًا وفضَّةً؛ كان القولُ قولَه في قدر كلٍّ منهما. (أَوْ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ)؛ أي: بما يقف عليه من غير زيادةٍ، (أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ)، هو كنايةٌ عن اسم المحدَّث عنه، وهذا هو الأصحُّ فيهنَّ. وقيل: يصِحُّ، وصحَّحه الشَّيخ تقيُّ الدِّين بثمن المِثْل؛ كنكاحٍ (٤). (أَوْ بِدِينَارٍ مُطْلَقٍ، وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لأنَّ الثَّمَن غير معلومٍ حال

стр. 2544

العقد، والعلم به شرطٌ. وهذا إذا لم يكن فيه نقدٌ غالِبٌ، فإن كان؛ انصرف إليه، وصحَّ على الأصحِّ. وعنه: يصحُّ مطلَقًا وله الوسط. وعنه: الأدنى. (فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْدٌ (١) وَاحِدٌ؛ انْصَرَفَ إِلَيْهِ)؛ لأنَّه تعيَّن بانفراده وعدم مشاركة غيره (٢)؛ كالإقرار والوصيَّة. فرعٌ: يصِحُّ بوزن (٣) صَنْجة (٤) لا يعلمان وزنها، وبصبرة (٥) ثمنًا في الأصحِّ. ومثله: ما يَسَعُ هذا الكيل، ونصُّه: يصحُّ بموضعٍ فيه كيلٌ معروفٌ (٦)، وبنفقة عبده شهرًا، ذكره القاضي، فلو فسخ العقد؛ رجع بقيمة المبيع عند تعذُّر معرفة الثَّمن. (وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ صِحَاحًا، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةٍ مُكَسَّرَةً، أَوْ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ عِشْرِينَ نَسِيئَةً؛ لَمْ يَصِحَّ) في المنصوص (٧)؛ لما روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بَيعتَينِ في بَيعةٍ» رواه أحمد والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وصحَّحه (٨)، وما فسَّره المؤلِّف هو قول أكثر العلماء، وقد جاء مفسَّرًا في

стр. 2545

حديث ابن مسعودٍ (١)، ولأنَّ الثَّمن غير معلومٍ، فلم يصِحَّ، كما لو قال: بعتُكَ أحدَ هذَينِ، ومحلُّه: ما لم يفترقا على أحدهما، ذكره في «الوجيز» و «الفروع». (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَصِحَّ)، هذا تخريجٌ لأبي الخَطَّاب من رواية: إن خِطْتَ هذا الثَّوبَ اليومَ فلك درهمٌ، وإن خِطْتَه غدًا فلك نصف درهمٍ، فيَلحَقُ به البَيْع، فيكون وجهًا في الصِّحَّة. وتردَّد المؤلِّفُ فيه. وفُرِّق: بأنَّ العقد ثَمَّ يمكن صحَّتُه؛ لكونه جُعْلاً له يحتمل فيها الجهالةُ، وأنَّ العمل الذي يستحقُّ به الأجرة لا بدَّ وأن يقع على إحدى الصِّفتَين؛ فتعيَّن الأجرة المسمَّاة عِوَضًا له، فلا يفضي إلى التَّنازع. قال الزَّرْكَشِيُّ: (وفيهما (٢) نَظَرٌ؛ لأنَّ العِلم بالعوض في الجعالة شرطٌ، كما في الإجارة والبيع، والقبول أيضًا في البيع إلاَّ على إحدى (٣) الصِّفتَين،

стр. 2546

فتعيَّن ما سُمِّيَ لها). وفيه شيءٌ؛ إذ العلم به في الجَعالة ليس شرطًا مطلَقًا، بدليل ما لو قال: من دلَّني على قلعة كذا؛ فله منها جاريةٌ. (وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَالْقَطِيعَ كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ، وَالثَّوْبَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ؛ صَحَّ) في الأصحِّ؛ لأنَّ (١) المبيع معلومٌ بالمشاهدة، والثَّمن معلومٌ لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهةٍ (٢) لا تتعلَّق (٣) بالمتعاقدين، وهو الكيل والعدد والذَّرع. وظاهره: وإن لم يعلما قدر الصُّبرة والقطيع والثَّوب، كما لو باع ما (٤) رأس ماله اثنان وسبعون مرابحة، لكلِّ ثلاثة عشر درهمٌ، فإنَّه لا يُعلم في الحال، وإنَّما يُعرف بالحساب. والثَّاني: لا يصحُّ؛ للجهالة في الحال. (وَإِنْ بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ)، وكذا معطوفاه؛ (لَمْ يَصِحَّ) في الأصحِّ؛ لأنَّ «من» للتَّبعيض و «كل» للعدد (٥)، فيكون مجهولاً، بخلاف ما سبق؛ لأنَّ المبيعَ الكلُّ لا البعضُ، فانتفت الجهالةُ. والثَّاني: يصحُّ، قال ابن عقيل: هو الأشبه، كما إذا أجَره كلَّ شهرٍ بدرهمٍ. وفي «عيون المسائل»: إذا باعه من الصُّبرة كلَّ قفيزٍ بدرهمٍ صحَّ؛ لتساوي أجزائها، بخلاف: مِنْ الدَّار كل ذراعٍ بدرهم؛ لاختلاف أجزائها.

стр. 2547

ثمَّ ذكر: أنَّه إذا باعه من هذه الصُّبرة كلَّ قفيزٍ بدرهمٍ، لم يصحَّ؛ لأنَّه لم يبعْهُ كلَّها، ولا قدرًا معلومًا، بخلاف آجرتك داري كلَّ شهرٍ بدرهم، يصحُّ في الشَّهر الأوَّل فقط؛ للعلم به، وبقسطه من الأجرة. مسألةٌ: إذا قال: بعتك هذه الصُّبرة بعشرة دراهم على أن أزيدك قفيزًا، أو أَنْقُصَكَه؛ لم يصحَّ، فإن قال: على أن أزيدك قفيزًا من هذه الصُّبرة، ووصفه بصفةٍ يُعلم بها (١)؛ صحَّ، كأنَّه قال: بعتك هذه الصُّبرة وقفيزًا من الأخرى بعشرة، فإن عَلما جملة الصُّبرة؛ صحَّ، فإن قال: بعتك هذه الصُّبرة على أن أَنْقُصَكَ منها قفيزًا؛ صحَّ. وقال أبو بكر: يصحُّ في المسائل كلِّها على (٢) قياس قول أحمد. ويجوز بيع الصُّبرة جزافًا مع جهل المتبايعين بقدرها، نصَّ عليه (٣). ولا يشترط معرفة رؤية باطنها، بخلاف الثَّوب. وقال أبو بكر: يصحُّ بيعها إذا تساوى موضعها، فإن اختلفت (٤)؛ لم يَجُزْ، إلاَّ أن يكون يسيرًا يُتغابَنُ بمثله. والأكثرون لا يشترطون (٥) ذلك، بل إن ظهر تحتها رَبْوةٌ، أو فيها حجر ممَّا لا يتغابَنُ بمثله في مثلها (٦)، ولم يعلم به المشتري؛ فله الخيارُ، كما لو وجد باطنها رديئًا؛ نصَّ عليه (٧). ولابن عقيلٍ احتمالٌ: يرجع بمثل ما فات إذا أمكن.

стр. 2548

فإن بان باطنُها خيرًا من ظاهرها؛ فلا خيار للمشتري، بخلاف البائع إذا لم يعلم. وإذا علم البائع قدرها؛ لم يجز بيعها جزافًا على الأصحِّ. فرعٌ: يصحُّ بيع دُهْنٍ ونحوه في ظرف معه موازنةً، كل رطل بكذا، مع علمهما بمبلغه، وإلاَّ فوجهان، وصحَّحه المجد (١) إن علما زِنَة الظَّرف. وإن باعه كلَّ رطل بكذا، على أن يَزِن الظَّرف فيحسب بوزنه على المشتري، وليس مبيعًا؛ فيصِحُّ إن علما مبلغه، وإلاَّ فلا؛ لجهالة الثَّمن. وإن باعه جزافًا بظرفه، أو دونه؛ صحَّ. أو (٢) باعه في ظرفه كلَّ رطل بكذا، على أن يطرح منه وزن الظَّرف؛ صحَّ بغير خلافٍ نعلمه (٣). فرعٌ: اشترى سَمْنًا أو زَيتًا في ظرف، فوجد فيه رُبًّا (٤)؛ صحَّ في الباقي بقسطه من الثَّمن، وله الخيار، ولم يلزمه بدل الرُّب، وألزمه شُريحٌ بقدره سَمْنًا. (وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلاَّ دِينَارًا؛ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي)، ومثلُه: بدينارٍ إلاَّ درهمًا، نقله أبو طالبٍ (٥)؛ لأنَّ قيمة المستثنَى مجهولةٌ، ويلزم من الجهل بها الجهل بالثَّمن، والعلم به شرطٌ. (وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) من (٦) الإقرار إذا استثنى عينًا (٧) من وَرِق، أو

стр. 2549

بالعكس: (أَنَّهُ يَصِحُّ) في البيع؛ كسائر الاستثناءات الصَّحيحة، فعلى هذا: يحذف قيمة المستثنى. وصحَّحه ابن عقيلٍ بالمستثنى منه كله. فلو قال: بعتك بمائة درهمٍ إلاَّ قفيز حِنطةٍ؛ لم يصحَّ وجهًا واحدًا؛ لأنَّه (١) استثناءٌ من غير الجنس. واستشكل ابن المنجَّى: تخريج صحَّة البيع من الإقرار، قال: (لأنَّ الأصحاب اختلفوا في العلَّة، فقيل: باتحاد (٢) النَّقدَين، وكونهما قِيَم الأشياء وأروش الجنايات، وقيل: لأنَّ قيمةَ الذَّهب يعلمها كثيرٌ من النَّاس، فإذا استثني أحدُهما من الآخر؛ لم يؤدِّ إلى الجهالة غالبًا، وعلى كليهما لا يجيء صحَّة البيع؛ لأنَّ المفسد له: الجهل في (٣) حال العقد، ألا ترى أنَّه إذا باعه السِّلعة برقمها أنَّه لا يصحُّ للجهالة حال العقد، وإن علم بعده بالثَّمن، بخلاف الإقرار فإنَّه يصِحُّ بالمجهول). وفيه شيءٌ! فرعٌ: إذا أسرَّا (٤) ثمنًا بلا عقدٍ، ثمَّ عقداه بآخَر؛ فالأوَّل هو الثَّمن. ولو عقداه سرًّا بثمن وعلانيةً بأكثر؛ فكنكاحٍ، ذكره جماعةٌ.

стр. 2550

(فَصْلٌ فِي تَفْرِيقِ الصَّفَقَةِ) الصَّفقة: المرَّة من صَفَقَ له بالبيعة والبيع: ضَرَب بيده على يده. وهي: عقد البيع؛ لأنَّ المتبايعين يفعلان ذلك. ومعنى تفريقها؛ أي: تفريق ما اشتراه في عقدٍ واحدٍ. (وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا (١) لَا يَجُوزُ، وَلَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ): (أَحَدُهَا: بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولاً) يتعذَّر علمه، (فَلَا يَصِحُّ) بغير خلاف نعلمه (٢)؛ لأنَّ ما بعضه مجهولاً يكون كله كذلك؛ إذ (٣) الثمن ينقسم على المبيع (٤) بالقيمة، والمجهول لا يمكن تقويمه، فلا طريق إلى معرفة ثمن المعلوم. فلو قال: كلٌّ منهما بكذا؛ فوجهان، بناءً على أنَّ علَّة المنع اتحاد (٥) الصَّفقة، أو جهالة الثَّمن في الحال. قلت: وكذا إذا باعه بمائةٍ ورطلِ خمرٍ؛ فسد؛ لأنَّ الخمر لا قيمة لها في حقِّنا اتِّفاقًا (٦)، وما (٧) لا قيمةَ له لا ينقسم عليه البدل، بل يبقى العقد بالمائة، ويبقى الرَّطل شرطًا فاسدًا. وفي «الانتصار»: يتخرَّج صحَّة العقد فقط على روايةٍ.

стр. 2551

(الثَّانِيَةُ: بَاعَ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالأَجْزَاءِ؛ كَقَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَهُمَا، فَيَصِحُّ فِي نَصِيبِهِ بِقِسْطِهِ) من الثَّمن؛ لأنَّه لا يلزم منه جهالةٌ في الثَّمن؛ لانقسامه هنا على الأجزاء، (فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ)، وهو قول الأكثر؛ لكون الثَّمن معلومًا، وبه يظهر الفرْقُ بينها وبين الصُّورة الأولى. والثَّانية: لا يصح (١)؛ لأنَّ الصَّفْقة جمعت حرامًا وحلالاً؛ فغُلِّب الحرام، ولأنَّه إذا لم يمكن تصحيحُهما في جميع العقود (٢)؛ بطلت في الكل (٣)؛ كالجمع بين الأختين. وجوابه: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما له حكم عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع. وفي «الشَّرح»: هما (٤) وجهان بناءً على نصِّ أحمد فيمن تزوَّج حرَّةً وأمَةً في عقد؛ هل يفسد فيهما، أو يصحُّ في الحرَّة؟ (٥) وليس كذلك، بل هما منصوصتان عن أحمد هنا، كما نقله المعظَمُ. (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ) بين (٦) الفسخ والإمساك (إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا)؛ لأنَّ الشَّركة عَيبٌ، ولهذا تثبت (٧) الشُّفعة في المبيع خوَفًا من سوء المشاركة. وفي «المغني»: له الأَرْش إن لم يكن عالمًا، وأمسك فيما ينقص بالتفريق (٨).

стр. 2552

وظاهره: أنَّه إذا كان عالِمًا؛ لا خيار له؛ لأنَّ إقدامه (١) عليه مع العلم به دليل على الرِّضا. ولا للبائع أيضًا مطلَقًا؛ لأنَّه رَضِيَ بزوال ملكه عمَّا يجوز بيعُه بقسطه. (الثَّالِثَةُ: بَاعَ عَبْدَهُ وعَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ خَلًّا وَخَمْرًا؛ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ)، وكذا في «الكافي»: (أُولَاهُمَا: لَا يَصِحُّ (٢)؛ جزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّ الصَّفقة جمعت حلالاً وحرامًا؛ فغلب، ولأنَّ الثمن مجهول؛ لكونه إنَّما يعلم بالتَّقسيط على القيمة، وهو مجهولٌ في الحال، فلم يصحَّ؛ كالرَّقم المجهول. (وَالْأُخْرَى: يَصِحُّ فِي عَبْدِهِ، وَفِي الْخَلِّ) في ظاهر المذهب؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما له حكمٌ مفرَدٌ، فإذا اجتمعا بَقِيَا على حكمهما، كما لو باع شِقْصًا وسيفًا، (بِقِسْطِهِ)؛ لأنَّ ذلك هو الذي يقابله، وقيل: يصحُّ بالثَّمن، والأَشْهر الأوَّل. والخمر قيل: يقدر خلًّا؛ كالحرِّ عبدًا، وقيل: تعتبر قيمتها عند من لها قيمة عنده. وعند صاحب «التَّرغيب» وغيره: إن علِما بالخمر؛ لم يصحَّ. وعلى الأوَّل: لمشترٍ الخيار. (وَإِنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، بِثَمَنٍ وَاحِدٍ؛ فَهَلْ يَصحُّ؟ عَلَى (٣) وَجْهَيْنِ): أحدهما: لا يصحُّ، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مبيعٌ بقسطه من الثَّمن، وهو مجهولٌ، بخلاف ما إذا كانا لرجلٍ واحدٍ، فإنَّ جملةَ

стр. 2553

المبيع تقابل جملة الثَّمن من غير تقسيطٍ، والعبدُ المشترَكُ ينقسم (١) عليه الثَّمن بالأجزاء؛ فلا جهالة. والثَّاني: يصحُّ، وهو المنصوص (٢)، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأنَّ جملةَ الثَّمن معلومةٌ؛ فصحَّ، كما لو كانا لواحدٍ، فعليه: يُقسَّط على قدر القيمة. ومثلُه: بيع عبدَيْه لاثْنَينِ بثمَنٍ واحدٍ، لكلٍّ منهما عبد، أو اشتراهما منهما، وفيها في «المنتخب» وجهٌ: على عددهما، فيتوجَّه في غيرها. ومثلُها في الإجارة، ذكره في «الفروع». (وَإِنْ جَمَعَ) بِعِوَضٍ واحدٍ (بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَوْ بَيْعٍ وَصَرْفٍ؛ صَحَّ فِيهِمَا)، نصَّ عليه (٣)، وهو المذهب؛ لأنَّهما عينان يجوز أخذ (٤) العوض عنهما منفردَين، فجاز أخذه عنهما مجتمعَين كالعبدين، واختلاف حكمهما لا يمنع الصحَّة، كما لو جمع بين ما فيه شفعةٌ، وما لا شفعة فيه. (وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِمَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لما ذكرنا. والثَّاني: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ حكمَهما مختلِفٌ، وليس أحدُهما أَوْلى من الآخَر، فبطل (٥) فيهما، فإنَّ البيعَ فيه خيارٌ، ولا يشترط فيه التَّقابُض في المجلس، ولا ينفسخ العقد بتلف المبيع (٦)، والصَّرف بخلافه. فلو جمع بين بيع وخلعٍ؛ صحَّ، نصَّ عليه (٧).

стр. 2554

وكذا إذا جمع بين نكاحٍ وبيعٍ، فيصِحُّ النِّكاح في الأصحِّ؛ لأنَّه لا يفسد بفساد العِوَض، وفي البيع وجْهان. (وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ، فَكَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا، صَفْقَةً وَاحِدَةً؛ بَطَلَ الْبَيْعُ) في الأصحِّ، وذكره في «الشَّرح» وجْهًا واحدًا؛ لأنَّه باع ماله لعبده القِنِّ، فلم يصِحَّ، كما لو باعه من غير كتابة (١). (وَفِي الْكِتَابَةِ وَجْهَانِ)، كذا في «المحرر» و «الفروع»: أحدهما: يبطل، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه بطل في بعضه، فبطل في كلِّه، كما تقدم. والثَّاني: يصِحُّ؛ لأنَّ البطلان وُجِد في البيع (٢) فاختص به. وقيل: نصُّه صحَّة البيع والكتابة (٣)، ويُقسَّط (٤) العوض على قيمتهما (٥).

стр. 2555

(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ (١) والشِّراء (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ)، ولو كان أحدُ المتعاقِدَين، أو وجد القَبول (بَعْدَ نِدَائِهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجُمُعَة: ٩]، فنَهَى عن البيع بعد النِّداء، وهو ظاهِرٌ في التَّحريم؛ لأنَّه يَشغَل عن الصَّلاة، ويكون ذريعةً إلى فواتها، أو فوات بعضها، وكلاهما محرَّمٌ، وحينئِذٍ لم يَنعقِدْ؛ لأنَّه عَقْدٌ نُهي (٢) عنه لأجل عبادةٍ، فكان غير صحيحٍ؛ كالنِّكاح المحرَّم. والمراد به: الَّذي بين يدي المنبر؛ لأنَّه كان على عهده ﵇ (٣)، فتعلَّق الحكم به. وعنه: بالأوَّل، وهو الَّذي زاده عثمان، وهو الأول. وعنه: أو الوقت (٤)، قدَّمه في «المنتخب». وفي «عيون المسائل» و «الترغيب»: بالوقت (٥). وكلامُه شامِلٌ لكل (٦) أنواعه، حتَّى الإقالة إن قيل: هي بيعٌ، وكذا

стр. 2556

الإجارة، قاله ابنُ عَقِيلٍ، وأنَّه يَعُمُّ القليلَ، حتَّى شُرْب الماء. ويُسْتَثْنَى منه: ما إذا كان لحاجة (١)؛ كمُضْطَرٍّ إلى طعامٍ أو شرابٍ، وعُرْيانٍ يجد سُتْرةً، وكَفَنِ ميتٍ وتجهيزه إذا خيف عليه الفساد، وشراء أبيه ليعتق (٢) عليه بشرطه، ومركوبٍ (٣) لعاجزٍ أو ضريرٍ لا يَجِد قائدًا، على احتمالٍ لابن عقيلٍ فيه. وقوله: (ممن تلزمه) يحترز به عن المسافر والمقيم في قرية لا جمعة عليهم؛ لأنَّ غير المخاطَب بالسَّعْي لا يتناوله النَّهي. وذكر ابن أبي موسى رواية: بلى (٤)؛ لعموم النَّهي. فظاهره: أنَّه يصِحُّ بعد نداء غيرها، وهو المذهب. وقيل: لا؛ كهي، وإن تَضيَّق (٥) وقتُها فوجهان. وقيل: يصحُّ في الكلِّ؛ لأنَّ النهي (٦) لمعنًى في غيره لا فيه. ويحرم ارتكابه كمساومة ومناداة بعد ندائها. (وَيَصِحُّ النِّكَاحُ، وَسَائِرُ الْعُقُودِ)؛ كالإجارة، والصُّلح، واختيار إمضاء البيع، (فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأنَّ ذلك يَقِلُّ وقوعه، فلا تكون إباحتُه ذريعةً إلى ما ذكر في البيع. والثَّاني: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عقدُ معاوَضةٍ، أشبه البيع. والأوَّلُ أولى؛ لأنَّ النهي مختصٌّ بالبيع، وغيره لا يساويه، فلم يَصِحَّ

стр. 2557

الإلحاق. (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا) قَطْعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المَائدة: ٢]، وهذا معونةٌ على الإثم، فيكون محرَّمًا، ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ على عَينٍ يُقْصَد بها المعصية، أشْبَه إجارةَ الأَمَة للزِّنى أو للغِناء (١). والمذهب: إذا علم؛ أي: تُحُقِّق. وقيل: أو ظن، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). وعلم منه: أنَّ بيع الخمر وشراءَه باطِلٌ إجماعًا (٣)، ولو من وكيل؛ لخبر ابنِ عبَّاس، رواه التِّرمذيُّ (٤). (وَلَا بَيْعُ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ)؛ أي: بين المسلمين؛ لأنَّه ﵇ نهى عنه

стр. 2558

(١)، قاله أحمدُ، قال: وقد يُقْتَلُ به ولا يَقْتِل (٢) به، وإنَّما هو ذريعةٌ له (٣)، (أَوْ لِأَهْلِ الْحَرْبِ)، أو لقُطَّاع الطَّريق؛ لِما فيه من الإعانة على المعصية. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَصِحَّ) في الجميع (مَعَ التَّحْرِيمِ)؛ كما لو دلس العيب، وقاسه ابن المنجَّى على الصَّلاة في الدَّار المغصوبة إذا قيل بصحَّتها. فرعٌ: لا (٤) يصحُّ بيعُ مأكولٍ ومشمومٍ لمن يَشْرَب عليهما المسكر، وأقداحٍ لمن يشرب بها، وجوز وبَيضٍ لقمارٍ، وأمةٍ وأمْردَ لوطء دُبُر أو غناءٍ، قال أحمد في رجل مات وخلَّف جارية مُغنيةً وصغيرًا، وقد احتاج إلى بيعها، فقال: يبيعها على أنَّها (٥) ساذجة (٦)، ولا عبرة بنقص (٧) قيمتها. (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ المُسْلِمِ (٨) لِكَافِرٍ)، نصَّ عليه (٩)؛ لأنَّه ممنوعٌ من استدامة ملكه عليه؛ لأنَّ فيه صَغارًا، فمُنع ابتداؤه كالنِّكاح والاسترقاق. وعنه: يُؤمَر ببيعه أو كتابته. فإن وكَّله مسلمٌ؛ فظاهره المنعُ، وهو وجهٌ، والآخر: يجوز؛ لأنَّه واسطةٌ، وفي ثالثٍ: إن سمى الموكِّل في العقد صحَّ، وفي الواضح: إن كفَّر بعتق؛ وكَّل من يشتريه له ويعتقه.

стр. 2559

(إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) بالشراء (١)، (فَيَصِحُّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، جزم به في «الوجيز» وغيره؛ لأنَّ ملكه لا يستقرُّ عليه، ولأنَّه وسيلة إلى تحصيل حرية (٢) المسلم. والأخرى: لا يصحُّ؛ لأنَّه ثبوت ملكٍ لكافرٍ على مسلمٍ، فلم يصحَّ؛ كما (٣) لو لم يَعْتِقْ (٤) عليه. وأطلقهما في «المحرر» و «الفروع». وعبارته (٥) شاملة لمن علق عتقه بشرائه، وفي شمولها لمن اشتراه بشرط العتق نظرٌ. (وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّيِّ)، سواءٌ كان بيده أو بيد (٦) مشتريه، فردَّه عليه بعيبٍ؛ (أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ) ببَيعٍ، أو هِبةٍ، أو عتق (٧)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ١٤١]، ولأنَّ في إبقائه في ملكه صَغارًا للمسلم. (وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَتُهُ) على المذهب؛ لأنَّ الكتابة لا تزيل ملك السَّيد عنه، بل يبقى إلى الأداء، وهو غير جائزٍ. (وَقَالَ الْقَاضِي)، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الرِّعاية»: (لَهُ ذَلِكَ)؛ لأنَّه سبب لعتقه (٨)، ولأنَّه يزيل يده عنه، أشبه إعتاقه له.

стр. 2560

تنبيهٌ: إذا قال لآخَر: اشترني من فلان فإنِّي عبده، فاشتراه، فبان حرًّا؛ لم تلزمه (١) العهدة، حضر البائع أو غاب، كقوله: اشتر منه عبده هذا، ويؤدَّب هو وبائعه، لكن ما أخذه المقِر غرمه؛ نصَّ عليهما (٢)، وسأله ابن الحكم عن رجل يُقِرُّ بالعبودية حتَّى يباع قال: يؤخذ البائع والمقِرُّ بالثَّمن (٣)، فإن مات أحدهما (٤) أو غاب؛ أُخذ الآخَر بالثمن، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥). فإن كان الغارُّ أنثى؛ حُدَّت ولا مهر؛ نصَّ عليه (٦)، ويلحقه الولد، قال في «الفروع»: فلو أقرَّ أنَّه (٧) عبده فرهنه؛ فيتوجَّه (٨) كبيعٍ. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ)؛ لِما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يبع (٩) الرَّجل على بيع أخيه، ولا يَخطُب على خِطبة أخيه، إلاَّ أن يأذن له» متَّفقٌ عليه (١٠)، ولِمَا فيه من الإضرار بالمسلم وإفساد بيعه، فحرم؛ كشَتْمه. (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ)، هذا تفسير للبيع على بيع أخيه. (وَلَا) يجوز (شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ)؛ لأنَّه في معنى المنهيِّ عنه، وهو أيضًا في معنى الخاطب، والبيع يقع على الشِّراء، ويسمى البائع والمشتري بَيِّعَينِ.
следующие страницы →