← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الإجارة، قاله ابنُ عَقِيلٍ، وأنَّه يَعُمُّ القليلَ، حتَّى شُرْب الماء. ويُسْتَثْنَى منه: ما إذا كان لحاجة (١)؛ كمُضْطَرٍّ إلى طعامٍ أو شرابٍ، وعُرْيانٍ يجد سُتْرةً، وكَفَنِ ميتٍ وتجهيزه إذا خيف عليه الفساد، وشراء أبيه ليعتق (٢) عليه بشرطه، ومركوبٍ (٣) لعاجزٍ أو ضريرٍ لا يَجِد قائدًا، على احتمالٍ لابن عقيلٍ فيه. وقوله: (ممن تلزمه) يحترز به عن المسافر والمقيم في قرية لا جمعة عليهم؛ لأنَّ غير المخاطَب بالسَّعْي لا يتناوله النَّهي. وذكر ابن أبي موسى رواية: بلى (٤)؛ لعموم النَّهي. فظاهره: أنَّه يصِحُّ بعد نداء غيرها، وهو المذهب. وقيل: لا؛ كهي، وإن تَضيَّق (٥) وقتُها فوجهان. وقيل: يصحُّ في الكلِّ؛ لأنَّ النهي (٦) لمعنًى في غيره لا فيه. ويحرم ارتكابه كمساومة ومناداة بعد ندائها. (وَيَصِحُّ النِّكَاحُ، وَسَائِرُ الْعُقُودِ)؛ كالإجارة، والصُّلح، واختيار إمضاء البيع، (فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأنَّ ذلك يَقِلُّ وقوعه، فلا تكون إباحتُه ذريعةً إلى ما ذكر في البيع. والثَّاني: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عقدُ معاوَضةٍ، أشبه البيع. والأوَّلُ أولى؛ لأنَّ النهي مختصٌّ بالبيع، وغيره لا يساويه، فلم يَصِحَّ

стр. 2557

الإلحاق. (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا) قَطْعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المَائدة: ٢]، وهذا معونةٌ على الإثم، فيكون محرَّمًا، ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ على عَينٍ يُقْصَد بها المعصية، أشْبَه إجارةَ الأَمَة للزِّنى أو للغِناء (١). والمذهب: إذا علم؛ أي: تُحُقِّق. وقيل: أو ظن، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). وعلم منه: أنَّ بيع الخمر وشراءَه باطِلٌ إجماعًا (٣)، ولو من وكيل؛ لخبر ابنِ عبَّاس، رواه التِّرمذيُّ (٤). (وَلَا بَيْعُ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ)؛ أي: بين المسلمين؛ لأنَّه ﵇ نهى عنه

стр. 2558

(١)، قاله أحمدُ، قال: وقد يُقْتَلُ به ولا يَقْتِل (٢) به، وإنَّما هو ذريعةٌ له (٣)، (أَوْ لِأَهْلِ الْحَرْبِ)، أو لقُطَّاع الطَّريق؛ لِما فيه من الإعانة على المعصية. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَصِحَّ) في الجميع (مَعَ التَّحْرِيمِ)؛ كما لو دلس العيب، وقاسه ابن المنجَّى على الصَّلاة في الدَّار المغصوبة إذا قيل بصحَّتها. فرعٌ: لا (٤) يصحُّ بيعُ مأكولٍ ومشمومٍ لمن يَشْرَب عليهما المسكر، وأقداحٍ لمن يشرب بها، وجوز وبَيضٍ لقمارٍ، وأمةٍ وأمْردَ لوطء دُبُر أو غناءٍ، قال أحمد في رجل مات وخلَّف جارية مُغنيةً وصغيرًا، وقد احتاج إلى بيعها، فقال: يبيعها على أنَّها (٥) ساذجة (٦)، ولا عبرة بنقص (٧) قيمتها. (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ المُسْلِمِ (٨) لِكَافِرٍ)، نصَّ عليه (٩)؛ لأنَّه ممنوعٌ من استدامة ملكه عليه؛ لأنَّ فيه صَغارًا، فمُنع ابتداؤه كالنِّكاح والاسترقاق. وعنه: يُؤمَر ببيعه أو كتابته. فإن وكَّله مسلمٌ؛ فظاهره المنعُ، وهو وجهٌ، والآخر: يجوز؛ لأنَّه واسطةٌ، وفي ثالثٍ: إن سمى الموكِّل في العقد صحَّ، وفي الواضح: إن كفَّر بعتق؛ وكَّل من يشتريه له ويعتقه.

стр. 2559

(إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) بالشراء (١)، (فَيَصِحُّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، جزم به في «الوجيز» وغيره؛ لأنَّ ملكه لا يستقرُّ عليه، ولأنَّه وسيلة إلى تحصيل حرية (٢) المسلم. والأخرى: لا يصحُّ؛ لأنَّه ثبوت ملكٍ لكافرٍ على مسلمٍ، فلم يصحَّ؛ كما (٣) لو لم يَعْتِقْ (٤) عليه. وأطلقهما في «المحرر» و «الفروع». وعبارته (٥) شاملة لمن علق عتقه بشرائه، وفي شمولها لمن اشتراه بشرط العتق نظرٌ. (وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّيِّ)، سواءٌ كان بيده أو بيد (٦) مشتريه، فردَّه عليه بعيبٍ؛ (أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ) ببَيعٍ، أو هِبةٍ، أو عتق (٧)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ١٤١]، ولأنَّ في إبقائه في ملكه صَغارًا للمسلم. (وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَتُهُ) على المذهب؛ لأنَّ الكتابة لا تزيل ملك السَّيد عنه، بل يبقى إلى الأداء، وهو غير جائزٍ. (وَقَالَ الْقَاضِي)، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الرِّعاية»: (لَهُ ذَلِكَ)؛ لأنَّه سبب لعتقه (٨)، ولأنَّه يزيل يده عنه، أشبه إعتاقه له.

стр. 2560

تنبيهٌ: إذا قال لآخَر: اشترني من فلان فإنِّي عبده، فاشتراه، فبان حرًّا؛ لم تلزمه (١) العهدة، حضر البائع أو غاب، كقوله: اشتر منه عبده هذا، ويؤدَّب هو وبائعه، لكن ما أخذه المقِر غرمه؛ نصَّ عليهما (٢)، وسأله ابن الحكم عن رجل يُقِرُّ بالعبودية حتَّى يباع قال: يؤخذ البائع والمقِرُّ بالثَّمن (٣)، فإن مات أحدهما (٤) أو غاب؛ أُخذ الآخَر بالثمن، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥). فإن كان الغارُّ أنثى؛ حُدَّت ولا مهر؛ نصَّ عليه (٦)، ويلحقه الولد، قال في «الفروع»: فلو أقرَّ أنَّه (٧) عبده فرهنه؛ فيتوجَّه (٨) كبيعٍ. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ)؛ لِما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يبع (٩) الرَّجل على بيع أخيه، ولا يَخطُب على خِطبة أخيه، إلاَّ أن يأذن له» متَّفقٌ عليه (١٠)، ولِمَا فيه من الإضرار بالمسلم وإفساد بيعه، فحرم؛ كشَتْمه. (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ)، هذا تفسير للبيع على بيع أخيه. (وَلَا) يجوز (شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ)؛ لأنَّه في معنى المنهيِّ عنه، وهو أيضًا في معنى الخاطب، والبيع يقع على الشِّراء، ويسمى البائع والمشتري بَيِّعَينِ.

стр. 2561

(وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِتِسْعَةٍ: عِنْدِي فِيهَا عَشَرَةٌ)، هذا تفسيرٌ للشِّراء على شراء أخيه، (لِيَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ). وظاهره: أنَّ ذلك قبل لزوم العقد؛ أي: في مدَّة الخِيارَين، فإذا انبرم (١) فلا. (فَإِنْ فَعَلَ) ما نُهِي عنه؛ (فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ) الثَّاني؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»، وفي «البلغة» روايتان: إحداهما (٢): لا يصِحُّ، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لِمَا روى سَمُرةَ مرفوعًا قال: «أيُّما رجلٍ باع بَيعًا من رجلين؛ فهو للأوَّل منهما» رواه الخمسةُ (٣)، وهو عامٌّ في مدَّة الخيار وبعدَه. والآخَر: يصِحُّ؛ لأنَّ النَّهي لمعنًى في (٤) غير البيع (٥)، أشبه بيع النَّجش. وإن ردَّه، أو بذل لمشترٍ بأكثرَ ممَّا اشتراها؛ فوجهان، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: للمشتري الأوَّل مطالبةُ البائع بالسِّلعة، وأخْذُ الزِّيادة أو عِوَضها (٦).

стр. 2562

فائدة: يَحرُم سَومه على سَوم أخيه؛ لخبر أبي هريرة (١)، مع الرِّضا صريحًا، وقيل: أو ظاهرًا، وقيل: أو تساوى الأمران، وقيل: لا يصحُّ، وفي (٢) «عيون المسائل»: السَّوم كالخِطبة على خِطبة أخيه. وكذا سَوم إجارةٍ، ذكره في «الانتصار» وغيره. وأمَّا (٣) استئجاره على إجارة أخيه؛ فكذلك، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٤). (وَفِي بَيْعِ الْحَاضِرِ)، وهو المقيم في المدن والقُرى، (لِلْبَادِي) وهو المقيم في البادية، والمراد هنا من يدخل البلد من غير أهلها، سواء كان بدويًّا أو قَرَويًّا، قاله في «المغني» و «الشَّرح»، (رِوَايَتَانِ)، كذا في «المحرَّر» و «البلغة»، لا ريبَ أنَّه بيعٌ منهيٌّ عنه؛ لقوله ﵇: «لا يبع حاضِرٌ لبادٍ، دَعُوا النَّاس يرزق الله بعضَهم من بعضٍ» رواه مسلمٌ (٥)، وعن أنَسٍ قال: «نُهِينا أن يبيع (٦) حاضِرٌ لِبادٍ، وإن كان (٧) أخاه لأبيه وأمِّه» متَّفقٌ عليه (٨)، والمعنى فيه: أنَّه لو تُرِك القادمُ يبيع سلعتَه اشتراها الناس منه برخْصٍ، فإذا تولَّى الحاضرُ بيعَها؛ فلا يبيعها إلاَّ بغلاءٍ، فيحصل الضَّرر على أهل المدن. (إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ)؛ لأنَّ النهي عنه كان (٩) في أوَّل الإسلام، فوجب زواله بزواله، أو لأنَّ النَّهي لمعنًى في (١٠) غير المنهي عنه، فلم يَبطُلْ به.

стр. 2563

(وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ (١)، جزم به في «الوجيز»، وعليه الأصحابُ؛ لعموم النَّهي، ولأنَّ ما ثبت في حقِّ الصَّحابة ثبت في حقِّنا، ما لم يقم دليلٌ على اختصاصهم به. وحينئِذٍ: فالخلاف مبنيٌّ على زوال النَّهي أو بقائه، وردَّه الزَّرْكشيُّ: بأنَّهما مستمرَّان على القول بالبقاء. (أَنْ (٢) يَحْضُرَ الْبَادِي)؛ لأنَّه متى لم يقدم إلى موضع آخَر لم يكن باديًا، (لِبَيْعِ سِلْعَتِهِ)؛ لأنَّه إذا حضر لخزنها فقصده (٣) الحاضر، وحضَّه على بيعها؛ كان ذلك توسعةً لا تضييقًا. (بِسِعْرِ يَوْمِهَا)؛ لأنَّه إذا قصد بيعها بسعرٍ معلومٍ كان المنْعُ من جهته لا من جهة الحاضر، زاد بعضهم: أي: يقصد بيعها بسعر (٤) يومها حالًّا لا نسيئةً. (جَاهِلاً بِسِعْرِهَا)؛ لأنَّه إذا عرفه لم يزده الحاضر على ما عنده. (وَيَقْصِدَهُ الْحَاضِرُ)؛ لأنَّه إذا قصده البادي لم يكن للحاضر أثر في عدم التَّوسعة. (وَيَكُونَ (٥) بِالنَّاسِ)، وفي «ابن المنجَّى»: بالمسلمين، (حَاجَةٌ إِلَيْهَا)، لم يذكر أحمد هذا الشَّرط؛ لأنَّهم إذا لم يكونوا محتاجين لم يُوجَد المعنى الَّذي نهى الشرع (٦) لأجله، وظاهره: أنَّه لا يصحُّ ولو رَضُوا به، وصرَّح به في «الفروع» في ظاهر المذهب.

стр. 2564

وأبطله الخِرَقيُّ بثلاثة شروطٍ: أن يكون الحاضر قصد الباديَ، وقد جلب السِّلعة للبيع، فيعرفه السِّعر. وزاد القاضي الشَّرطين الأخيرين (١)، وتبعه جلُّ الأصحاب. وحكى ابن أبي موسى رواية بالبطلان وإن عرف البادي السِّعر. وعنه: أو جهل (٢) الحاضر. وعنه: إن قصده الحاضر، أو وَجَّهَ به إليه ليبيعه، ونقل المرُّوذيُّ: أخاف (٣) أن يكون منهُ (٤)، جزم بها الخلاَّل. (فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ (٥)؛ أي: من الخمسة؛ (صَحَّ الْبَيْعُ)، وزال النَّهي؛ لأنَّ الموقوف على شروط يزول بزوال أحدها. فرعٌ: إذا أشار حاضِرٌ على بادٍ، ولم يتولَّ له بيعًا؛ لم يُكرَه، ويتوجَّه: إن استشاره وهو جاهِلٌ بالسِّعر؛ لزمه بيانه؛ لوجوب النُّصح. وإن لم يَسْتَشِرْه؛ ففي وجوب إعلامه إن اعتقد جهله به نَظَرٌ، بناءً على أنَّه هل يتوقَّف وجوب النُّصح على استنصاحه؟ ويتوجَّه وجوبه، وكلام الأصحاب لا يخالفه، ذكره في «الفروع». (وَأَمَّا شِرَاؤُهُ لَهُ؛ فَيَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأنَّ النَّهي إنَّما ورد عن البيع لمعنًى (٦) يختصُّ به، وهو الرِّفق بأهل الحضر، وهذا غير موجودٍ في الشِّراء للبادي؛ إذ الخلق في نظر الشَّارع سواءٌ.

стр. 2565

ونقل ابن هانئ: لا يشتري له (١)؛ كالبيع، وكرهه طائفةٌ من السَّلف، منهم اللَّيث. مسائلُ: الأولى: يَحرُم التَّسعير على النَّاس، بل يبيعون أموالهم على ما يختارون؛ لحديث أنسٍ (٢)، ويكرَه الشِّراء به، وإن هَدَّد مَنْ خالفه؛ حرُم، وبطل في الأصحِّ. ويَحرُم: بِعْ (٣) كالنَّاس، في الأَشْهَر. وأوجب الشَّيخ تقيُّ الدِّين: إلزامهم المعاوَضَة بثمن المثل، وأنَّه لا نزاعَ فيه (٤). الثَّانية: يحرُم الاحتكار، وهو شراءُ الطَّعام محتكِرًا له للتِّجارة مع حاجة النَّاس إليه، فيضيِّق عليهم، نصَّ عليه في قوت آدمِيٍّ (٥). وعنه: وما يأكله النَّاس. وعنه: أو يضرهم ادِّخاره بشرائه في (٦) ضيق. قال في «المغني»: من بلده، لا جالبًا. والأوَّل نقله القاضي وغيره.

стр. 2566

ويصحُّ شراء محتكَرٍ. وفي «التَّرغيب» احتمالٌ. ويجبر المحتَكِر على بيعه كما يبيع النَّاس، فإن أبى وخِيف التَّلف؛ فرَّقه الإمام ويردُّون مثله، وقيل: قيمته. وكذا سلاحٌ لحاجة (١)، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). وقال (٣): ومن ضمن مكانًا ليبيع ويشتري وحدَه؛ كره الشِّراء منه بلا حاجةٍ، ويحرم عليه أخذ زيادة بلا حقٍّ (٤)، قال أحمد: استغنِ عن النَّاس، لم أرَ مثلَه، الغِنَى من العافية (٥). الثَّالثة: لا يُكرَه ادِّخارُ قوت أهله ودوابِّه، نصَّ عليه، ونقل جعفرٌ: سنةً أو سنتين، ولا (٦) ينوي التِّجارة فأرجو أنْ لا يضيق (٧). (وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ)، أو بثمن لم يقبضه، ذكره الأكثر؛ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا)، وهو قول جماعةٍ من الصَّحابة ومن بعدهم (٨)؛

стр. 2567

لِمَا روى غُندَرٌ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، عن امرأته العالية قالت: دخلت أنا وأمُّ ولد زيدِ بن أرقم على عائشةَ، فقالت أمُّ ولد زيد بن أرقم: إنِّي بعتُ غلامًا من زيد بثمانِمائة درهم إلى العطاء، ثمَّ اشتريتُه منه بستِّمائة درهم نقدًا، فقالت لها: «بئس ما اشتريتِ (١) وبئس ما شريت، أبلغي زيدًا أنَّ (٢) جهاده مع رسول الله ﷺ بطل (٣)، إلاَّ أن يتوب» رواه أحمدُ وسعيدٌ (٤)، ولا تقول (٥) مثل ذلك إلاَّ توقيفًا (٦)، ولأنَّه ذريعةٌ إلى الرِّبا ليستبيح

стр. 2568

بيع (١) ألفٍ بخمسمائةٍ إلى أجلٍ، والذَّرائع معتبرةٌ في الشَّرع، بدليل منع القاتل من الإرث، ولأنَّه تعالى عتب (٢) على بني إسرائيل التَّحيُّل في ارتكاب ما نُهُوا عنه. وظاهره: ولو بعد حلِّ أجله، نقله ابن القاسِم وسندي (٣). وقيَّد الشِّراء بالنَّقد؛ تَبَعًا لأبي الخطَّاب، فدلَّ على أنَّه إذا اشتراها بعَرْض، أو كان بيعُها الأوَّلُ بعَرْض فاشتراها بنقدٍ؛ جاز بغير خلاف نعلمه (٤)؛ لأنَّه لا ربا بين الأثمان والعروض. وظاهره: أنَّه لا يجوز إذا اختلف النَّقد، صحَّحه المؤلِّف؛ لأنَّهما كالشَّيء الواحد في معنى الثَّمنية. وقال الأصحاب: يجوز، وهو المذهب؛ لأنَّهما جنسان لا يحرم التَّفاضل بينهما. وكذا لو اشتراها من غير مشتريه، وظاهره المنع؛ كوكيله (٥). وسُمِّيت عِينةً؛ لأنَّ مشتريَ السِّلعة إلى أجلٍ يأخذ بدلها عَينًا؛ أي: نقدًا حاضِرًا من فوره (٦)، ورُوي: «أنَّ التَّبايُع بها من أشراط السَّاعة» (٧).

стр. 2569

(إِلاَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا)؛ كعبدٍ مرِض، أو ثوبٍ انقطع؛ لأنَّ نقص الثمن (١) لنقص المبيع، لا للتَّوسُّل إلى الرِّبا. وتوقَّف في رواية (٢) مُثَنَّى (٣): فيما إذا نقص من نفسه (٤)، وحمله (٥) في «الخلاف»: على أنَّ نقصه أقل من النَّقص الَّذي اشتراه به، فتكون علَّةُ المنع باقيةً. وكذا يجوز بعد قبض ثمنه، صرَّح به في «الوجيز» و «الفروع». (وَإِنِ اشْتَرَاهَا أَبُوهُ، أَوِ ابْنُهُ)، أو غلامه ونحوه؛ (جَازَ)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم كالأجنبيِّ بالنِّسبة إلى الشِّراء، ما لم يكن حيلةً. فَرْعٌ: إذا باع سلعةً بنقْدٍ، ثمَّ اشتراها بأكثر منه نسيئةً، فهي عكس العِينة، وهي مثلُها، نقله حرْبٌ (٦)، إلاَّ أن تتغيَّر صفتها. ونقل أبو داود: يجوز بلا حيلةٍ (٧). فلو احتاج إلى نقْدٍ، فاشترى ما يساوي مائةً بثمانين؛ فلا بأسَ، نصَّ

стр. 2570

عليه (١)، وهي التَّوَرُّق. وعنه: يُكرَه. وحرَّمه (٢) الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣). نقل أبو داود: إن كان لا يريد بيع المتاع الذي يشتري منك؛ هو أهون، فإن كان يريد بيعَه فهي العِينة (٤). وإن باعه منه؛ لم يَجُزْ، وهي العِينة، نصَّ عليه (٥). (وَإِنْ بَاعَ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا نَسِيئَةً)؛ كالمكيل والموزون والمطعوم، (ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جِنْسِهِ)؛ كما لو باعه غِرارةَ (٦) قمحٍ بمائة درهمٍ، فلمَّا حلَّ، اشترى بها غِرارةَ قمحٍ، (أَوْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ نَسِيئَةً)؛ كما لو اشترى بثمن القمح غِرارةَ شعيرٍ؛ (لَمْ يَجُزْ)، روي عن ابن عمر (٧)، وسعيد بن المسيب، وطاوس؛ لأنَّ بيع ذلك ذريعةٌ إلى بيع الرِّبويِّ بالرِّبويِّ نسيئةً، ويكون الثَّمنُ المعوَّض عنه بينهما كالمعدوم؛ لأنَّه لا أثر له، وعلَّله

стр. 2571

أحمدُ: بأنَّه بيع دَينٍ بدينٍ، وجوَّزه الشَّيخ تقيُّ الدِّين لحاجةٍ (١). قال في «المغني»: والذي يَقْوَى عندي جوازُه إذا لم يفعله حيلةً، ولا قصد ذلك في ابتداء العقد (٢)؛ لقول (٣) عليِّ بن الحسين (٤)، وكما لو كان المبيع (٥) الأول حيوانًا أو ثيابًا. وظاهره (٦): أنَّه إذا اشترى من المشتري طعامًا بدراهم وسلَّمها إليه، ثمَّ أخذها منه وفاءً، أو لم يسلم إليه لكن قاصَّه؛ جاز، صرَّح (٧) به في «المغني» و «الشَّرح». مسألةٌ: يُستحَبُّ الإشهاد في قول الجمهور؛ إذ الأمر فيه محمولٌ عليه. وقال قومٌ وروي عن ابن عبَّاس (٨): هو واجبٌ؛ لظاهر الآية، وكالنِّكاح. وجوابه: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]، قال أبو سعيد: «صار إلى الأمانة» (٩)،

стр. 2572

وفعله ﵇ يفسره (١).

стр. 2573

(بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ) وهي (١) جمع شَرْط، وفسَّره ابن المنجَّى هنا بما ليس في محلِّه، والأَوْلَى: هو إلزام (٢) أحد المتعاقدين الآخَر بسبب العقد ما له فيه منفعةٌ. (وَهِيَ (٣) ضَرْبَانِ: صَحِيحٌ)، وهو ما يوافق مقتضى العقد، وفاسِدٌ، وهو ما ينافيه، وقدَّم الكلام على الشُّروط الصَّحيحة؛ لسلامة العقد، وإن كان ذاك أقرب إلى العدم. (وَهُوَ)؛ أي: الصَّحيح (ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ): (أَحَدُهَا: شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ)؛ أي: مطلوبه (٤)؛ (كَالتَّقَابُضِ، وَحُلُولِ الثَّمَنِ)، فلا يؤثِّر فيه؛ لأنَّه بيانٌ وتأكيدٌ لمقتضى العقد، فوجوده كعدمه، (وَنَحْوِهِ)، مثل: أن يشترط (٥) أن يتصرَّف، أو يسقي الثَّمرة إلى الجَذاذ، قاله في «البلغة». (الثَّانِي: شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ؛ كَاشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الثَّمَنِ؛ كَتَأْجِيلِهِ)، أو بعضه، قاله أحمدُ (٦)، ولا بُدَّ أن يكون إلى مدَّةٍ معلومةٍ كالخِيار، (أَوِ الرَّهْنِ، أَوِ الضَّمِينِ بِهِ)، والمراد: إذا كانا معيَّنين، وليس له طلبهما بعد العقد لمصلحة، ويلزم بتسليم رهن المعيَّن إن قيل يلزم بالعقد. (أَوْ صِفَةٍ فِي المَبِيعِ (٧) مقصودةٍ،

стр. 2574

(نَحْوِ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوْ خَصِيًّا (١)، أَوْ صَانِعًا)، أو فَحْلاً، قاله في «الوجيز» و «الفروع»، (أَوْ مُسْلِمًا، وَالْأَمَةِ بِكْرًا)، أو حائضًا، نصَّ عليه (٢)، فإن لم تَحِضْ؛ فقال ابن شهابٍ: إن كانت صغيرةً فليس بعيبٍ؛ لأنَّه (٣) يرجى زواله، بخلاف الكبيرة؛ لأنَّها إن لم تَحِضْ طَبْعًا؛ ففَقْدُه يمنَع النَّسل، وإن كان لكبر؛ فعَيبٌ؛ لأنَّه ينقص الثَّمن، (وَالدَّابَّةِ هِمْلَاجَةً)؛ أي: ماشيةً؛ إذ الهملجة (٤) مِشْيةٌ معروفةٌ، وهو فارسيٌّ معرَّب، (وَالْفَهْدِ صَيُودًا)، والأرض خراجها كذا، ذكره القاضي، (فَيَصِحُّ) اشتراط ذلك؛ لأنَّ الرَّغبات تختلف باختلاف ذلك، فلو لم يصحَّ اشتراط ذلك؛ لفاتت (٥) الحكمة التي شرع لأجلها البيع، يؤيِّده قوله ﵇: «المسلمون عند شروطهم» (٦). فعلى هذا: يلزم؛ لقوله: (فَإِنْ وَفَى بِهِ؛ وَإِلاَّ فَلِصَاحِبِهِ) وهو المشتري (الْفَسْخُ)؛ لأنَّه شرط وصفًا مرغوبًا فيه، فصار مستحَقًّا، كما لو ظهر المبيعُ معيبًا، فإذًا يرجع بالثَّمن.

стр. 2575

وظاهره: أنَّه لا أَرْش له مع الإمساك، وهو ظاهر الخِرَقيِّ والقاضي والأكثر؛ إلحاقًا له بالتَّدليس. وذكر المجْدُ في «محرَّره»، و «الفروع»: أنَّه إذا أمسك فله أرْش فَقْدِ الصِّفة؛ إلحاقًا له بالعيب. وقيل: مع تعذُّر الرَّدِّ. وفي «المنتخب»: هل يبطل بيع ببطلان رهن فيه؛ كجهالة الثَّمن، أم لا؛ كمهر في نكاحٍ؟ فيه احتمالان. (وَإِنْ شَرَطَهَا ثَيِّبًا كَافِرَةً، فَبَانَتْ بِكْرًا مُسْلِمَةً؛ فَلَا فَسْخَ لَهُ)؛ لأنَّه زاده خيرًا، كما لو شرط الغلام كاتِبًا، فإذا هو أيضًا عالِمٌ، وليس المراد اجتماع الوصفين، بل متى شرط أحدهما فبان بخلافه؛ كفى. (وَيَحْتَمِلُ) - هذا قول في المذهب -: (أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ قَصْدًا) صحيحًا؛ إذ المشتري قد لا يطيق وطء البكر، وطالب الكافرة أكثر لصلاحيتها للمسلمين وغيرهم، وليستريح من تكليفها بالعبادات. وقال أبو بكر: إذا شرطه كافرًا، فلم يكن؛ فلا فسخ؛ كاشتراط الحمق ونحوه. فلو كانت الصِّفة غير مقصودةٍ؛ كما لو شرط في الأمة سَبْطةً فبانت جعدةً، أو جاهلةً فبانت عالمةً؛ فلا خيار له؛ لأنَّه زاده (١) خيرًا، فدلَّ على أنَّه إذا شرطها جعْدةً فبانت سَبْطةً؛ أنَّ له الخيارَ، وقاله في «عيون المسائل»؛ لأنَّه عَيبٌ. تنبيهٌ: يصِحُّ شرط كون الشَّاة لَبونًا، أو غزيرة اللَّبن، لا أنَّها تُحلب (٢) كلَّ

стр. 2576

يوم قدرًا معينًا؛ لأنَّه يختلف. وكذا يصح شرطها حامِلاً؛ لأنَّه يمكن الوفاء به كالصِّناعة. وقال القاضي: قياس المذهب لا يصحُّ. فلو شرطها حائلاً فبانت بخلافه؛ فسَخ في الأمة؛ لأنَّه عَيبٌ، لا في غيرها؛ لأنَّه زيادةٌ. وقيل: ويفسخ في غيرها؛ لأنَّه قد يريدها لسفر (١)، أو لحملِ (٢) شيءٍ لا تتمكَّن (٣) منه مع الحمل، فلو شرط أنَّها لا تحمل؛ فهو فاسِدٌ. (وَإِنْ شَرَطَ الطَّائِرَ مُصَوِّتًا)، أو يَبِيض، أو الدِّيك يُوقِظُه للصَّلاة، (أَوْ أَنَّهُ يَجِيءُ مِنْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ) كمصر والشَّام؛ (صَحَّ)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ في تصويته قصدًا صحيحًا، وهو عادةٌ فيه؛ كالهملاجة، وكذا مجيئه (٤) لنقل الأخبار وحمل الكتب. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ)؛ لأنَّه غير معلومٍ، فصار كالأجل المجهول، ولأنَّه تعذيبٌ له، أشبه ما لو شرط الكبش مناطِحًا. وأطلق الخلاف في «الفروع». وجزم (٥) في «المحرر»: بعدم الصِّحة في الطَّائر إذا شرطه مصوِّتًا. وفي «الشَّرح»: لا يصِحُّ اشتراط كون الدِّيك يُوقِظُه للصَّلاة؛ لأنَّه لا يمكن الوفاءُ به. فرعٌ: لو أخبره البائعُ بالصِّفة، وصدقه بلا شرطٍ؛ فلا خيار له، ذكره

стр. 2577

أبو الخطَّاب في المصرَّاة، ويتوجَّه عكسه، قاله في «الفروع». (الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا فِي الْمَبِيعِ) على الأصحِّ، ويستثنى منه: الوطْءُ، فإنَّه لا يصِحُّ اشتراطه بلا خلافٍ، ويأتي وَطْءُ المكاتَبَة؛ (كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وَحُمْلَانِ (١) الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ)؛ لِمَا روى جابِرٌ: أنَّه كان يسير على جملٍ قد أعيا، فضربه النَّبيُّ ﷺ ، فسار سيرًا لم يَسِرْ مثلَه، فقال: «بِعْنِيهِ»، فبعته، واستثنَيْت حُمْلانه إلى أهلي، متَّفقٌ عليه (٢). يؤيِّده: «أنَّه ﵇ نهى عن الثُّنْيا إلاَّ أن تُعلَم» (٣)، وهذه معلومةٌ، وأكثر (٤) ما فيه: يتأخر (٥) التَّسليم فيه مدَّةً معلومةً؛ فصحَّ، كما لو باعه أمَةً مزوَّجةً، أو دارًا مُؤْجَرةً ونحوهما. وقيل: يلزم تسليمه، ثمَّ يردُّه لبائعه؛ ليستوفيَ المنفعة، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٦)، واحتجَّ في «التَّعليق» و «الانتصار» وغيرهما: بشراء عثمانَ من صهيبٍ أرضًا، وشرط وقْفَها عليه وعلى عَقِبه (٧)، وكحبسه على ثمنه. والثَّانية: لا يصِحُّ؛ لأنَّه « ﷺ نهى عن بَيعٍ وشَرْطٍ» (٨)، ولأنَّه شَرْطٌ ينافي

стр. 2578

مقتضَى العقد، وهو التَّسليم؛ فلم يصِحَّ، كما لو شرط ألاَّ يسلِّمه. وجوابه: بأنَّ أحمدَ أنكر الخبرَ، وقال: لا نعرفه (١) مَرْوِيًّا في مُسنَدٍ. فعلى الأولى: لا يَنتفع بها المشتري على الأشهر، وللبائع إجارةُ ما استثناه، وإعارتُه؛ كعَينٍ مُوْجَرةٍ. ثمَّ إن تَلِفت العَينُ بفعل المشتري، أو تفريطه، كما اختاره في «المغني» و «الشَّرح»؛ ضمنها (٢) بأجرة مثله. وقال القاضي: عليه ضمانُه مطلقًا، وأخَذَه من كلام أحمد إذا تلفت العَينُ: رجع البائع على المبتاع بأجرة المثل (٣). ولو باعها المشتري؛ صحَّ كالمُؤْجَرة، ويثبت (٤) الخيار للمشتري إذا لم يكن عالِمًا. (أَوْ يَشْتَرِطَ (٥) الْمُشْتَرِي نَفْعَ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ؛ كَحَمْلِ الْحَطَبِ وَتَكْسِيرِهِ، وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَتَفْصِيلِهِ)، بشرط أن يكون معلومًا؛ لأنَّ «محمَّد بن مسلمة (٦) اشترى من نَبَطِيٍّ جَرْزَة حَطَبٍ، وشرط عليه حملَها» (٧)، وغايته: أنَّه جمع بَيعًا

стр. 2579

وإجارةً، وهو صحيحٌ. والمراد: أحدُهما لا هما، وصرَّح به في «الوجيز»، فتكون (١) (الواو) بمعنى أو. فرعٌ: إذا تراضيا بعِوَض النَّفع جاز في الأشهر، وهو كأجير (٢) مشتَركٍ، فإن مات، أو تلف، أو استحقَّ؛ فللمشتري عِوَض ذلك، نصَّ عليه (٣). (وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ فِي جَزِّ الرَّطْبَةِ: إِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لَمْ يَصِحَّ) البيعُ، وأورده ابن أبي موسى مذهبًا؛ لأنَّه اشترط العمل في المبيع قبل ملكه، أشبه ما لو استأجره ليَخِيطَ له ثَوبَ زَيدٍ إذا ملكه، (فَيُخَرَّجُ هَهُنَا مِثْلُهُ)، كذا خرَّجه أبو الخَطَّاب وجماعةٌ؛ لأنَّ الشَّرط هنا مثلُه، فيعطَى حكمَه، وكذا قاله المجْدُ تَبَعًا لصاحب «التَّلخيص»، وذكراه روايةً. وقال القاضي: لم أجِدْ بما قال الخِرَقِيُّ روايةً في المذهب، وتردَّد في «المغني» في التَّخريج، فقال: يحتمل أن يقاس عليه ما أشبهه من اشتراط نفع البائع في المبيع، ويحتمل أن يختصَّ البطلانُ بما ذكره؛ لإفضائه إلى التَّنازع؛ لأنَّ البائع يريد قطعَها من أعلاها ليبقى (٤) له منها بقيَّةٌ، والمشتري يريد استقصاءها ليزيد له ما يأخذه، وهو أَوْلى؛ لقوله (٥): (والبيع لا يبطله شرطٌ

стр. 2580

واحدٌ)، وليوافق المذهب. (وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ؛ لَمْ يَصِحَّ) على الأصحِّ؛ لِمَا روى عبد الله بن عمْرٍو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ، ولا شَرْطانِ في بَيعٍ» رواه أبو داود والتِّرمذيُّ وصحَّحه (١). وظاهره كما قال القاضي في «المجرد»: سواء كانا صحيحَينِ أو فاسدَينِ، زاعمًا أنَّه ظاهر كلام أحمد، ومعتمِدًا على إطلاق الخبر. وبَعَّدَ في «الشَّرح» كلامَه. والأَشْهرُ عن أحمدَ (٢): أنَّه فسَّرهما بشرطَين صحيحَين، ليسا من مصلحة العقد، بأن يشتري حُزْمة حطَبٍ، وشرط (٣) على البائع حملَها وتكسيرها، لا ما كان من مصلحته؛ كالرَّهن والضَّمين، فإنَّ اشتراط مثل ذلك لا يؤثِّر، ولا ما كان من مقتضاه، ولا الشَّرطَين الفاسدَين؛ إذ الواحد كافٍ في بطلانه، وهذا اختِيارُ الشَّيخَين، وصاحب «التَّلخيص» و «الشَّرح»، تَبَعًا للقاضي في «شرحه»، وفي «المغني» و «الشَّرح» و «الفروع»: أن ما (٤) كان من مقتضى العقد؛ فلا يؤثِّر فيه بلا خلافٍ (٥).

стр. 2581

وعنه: أنَّه فسَّرهما بشَرْطين فاسِدَينِ، وقاله بعضُ الأصحاب، وضعَّفه صاحب «التَّلخيص»، فإنَّ الواحد مؤثر (١)، فلا حاجة إلى التَّعدد. وجوابُه: بأنَّه مختلَفٌ فيه، بخلاف الشَّرطَين.

стр. 2582

(فَصْلٌ) (الضَّرْبُ الثَّانِي: فَاسِدٌ) يَحرُم اشتراطُه، (وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ): (أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ؛ كَسَلَفٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ قَرْضٍ (١)، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ، أَوْ غَيْرِهِ، فَهَذَا) الشَّرط (يُبْطِلُ الْبَيْعَ) على المذهب؛ للنَّهي عنه، وهو يقتضي الفساد، قال أحمد: هذا بَيْعتانِ في بَيعةٍ (٢)، وكما (٣) لو شرط ألاَّ يسلِّم إليه المَبيعَ، نقل أبو داود: إذا اشتراه بكذا إلى شهرٍ كلُّ جمعةٍ درهمان، قال: هذا بَيعتان في بَيعةٍ (٤)، ولأنَّه شَرَطَ عقْدًا في آخَرَ، فلم يَصِحَّ؛ كنكاح الشِّغار. وحكمته (٥): إذا فسد الشَّرط وجب ردُّ ما في مقابلته من الثَّمن، وهو مجهولٌ، فيصير الثَّمن مجهولاً. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ)، هذا روايةٌ؛ لأنَّ عائشة أرادت أن تشتريَ بَرِيرةَ للعتق، فاشترط أهلُها ولاءَها، فذكرت ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: «اشْتَرِيها واشْتَرِطِي لهم الولاءَ، فإنَّما الولاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» متَّفقٌ عليه (٦)، فصحَّح

стр. 2583

الشِّراء مع إبطال الشَّرط، وأطلق في «المحرَّر» الرِّوايتَينِ. (الثَّانِي: شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، نَحْوُ: أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ وَإِلاَّ رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ، أَوْ إِنْ (١) أَعْتَقَ فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْتَرِطَ (٢) أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا) شَرْطٌ (بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ (٣)؛ لقوله ﵇: «مَنِ اشْتَرط شَرْطًا ليس في كتاب الله فهو باطِلٌ، وإن كان مائةَ شَرْطٍ» متَّفقٌ عليه (٤)، ولأنَّ إطلاق البيع يقتضِي تصرُّف المشتري في المبيع على اختياره؛ لأنَّه إنَّما بذل الثَّمن في مقابَلَة الملك، والملك يقتضي إطلاق التَّصرُّف، فالمنْعُ منه يؤدِّي إلى تفويت الغرض (٥)، فيكون الشَّرْط باطِلاً. (وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «البُلْغةِ»: أنَصُّهما: لا يبطل (٦)، وهو ظاهِرٌ، واختاره في «المغني»، ونصره في «الشَّرح»، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لحديث بَرِيرَةَ، قال ابن المنذر: (هو (٧) ثابِتٌ، ولا نعلم شيئًا يعارِضه، فالقَولُ به يَجِبُ) (٨). لا يقال: المرادُ بقوله: «اشْتَرِطِي لهم الوَلاءَ»؛ أيْ: عليهم؛ لأنَّه ثابِتٌ لها بالإعتاق، فلا حاجةَ إلى اشْتِراطه، ولأنَّهم (٩) امتَنَعُوا من البيع إلاَّ أن

стр. 2584

يُشرط (١) لهم الوَلاءَ، فكيف يأمرها بما عَلِم أنَّهم لا يَقْبَلونه منها، وصيغة الأمر هنا للتَّسوية نحو: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطُّور: ١٦]، ولِعَوْدِ الشَّرْط على غير العاقِدِ، نحو: بِعْتُكَه على ألاَّ ينتفع به فلان - يعني: غير المشتري - ذكره ابنُ عَقِيلٍ وغيره. والثَّانية: يَبْطُل (٢)، نصره القاضي وأصحابه؛ لِمَا تقدَّم، ولأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَطَ عقْدًا آخَرَ، وكجهالة الثَّمن، فلو أسقط الفاسدَ بعد العقد؛ لم يؤثِّر. وعلى الصِّحَّة: للفائت غرضه. وقيل: للجاهل فساد الشَّرط؛ الفسخُ أو أَرْشُ نقص الثَّمن بإلغائه. وقيل: لا أرْش، وذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين ظاهِرَ المذهب (٣). (إِلاَّ إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِي صِحَّتِهِ)؛ أي: صحَّة الشَّرط (رِوَايَتَانِ)، كذا في «الفروع»: (إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ)، صحَّحه في «البلغة»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وهي (٤) المذهب؛ لحديث بَرِيرَةَ، (وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ)؛ لأنَّه عِتْقٌ مستَحَقٌّ لله تعالى؛ لكونه قُرْبَةً التزمه (٥) المشتري، فأُجبر عليه كالنَّذْر. وقيل: هو حقٌّ للبائع (٦)، فيُفْسَخ، فإن أمضى؛ فلا أرْش في الأصحِّ. وهل له المطالبةُ به وإسقاطه؟ فيه خلافٌ.

стр. 2585

والوجْه الثَّاني: لا يُجْبَرُ؛ لأنَّ الشَّرط لا يُوجِب فِعْلَ المشروط، كما لو شرط الرَّهن أو الضَّمين، فعليه: يثبت للبائع خيار الفسخ؛ لأنَّه لم يفِ له بشَرْطِه. والثَّانية: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه شَرْطٌ ينافي مُقْتضَى العقد، أشْبَهَ ما لو شرط ألاَّ يبيعه. وقيل: شَرْط الوَقْف كالعتق. (وَعَنْهُ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ: أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَمَعْنَاهُ - وَاللهُ أَعْلَمُ -: أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ)، رَوَى الْمَرُّوذِيُّ عن أحمدَ أنَّه قال: هو معنى حديث النَّبيِّ ﷺ : «لا شَرْطَانِ في بَيْعٍ» (١)، يعني: أنَّه فاسِدٌ؛ لأنَّه شَرَط أن يبيعه إيَّاه، وشَرَط أن يبيعه بالثَّمن الأوَّل، فهما شَرْطانِ في بَيْعٍ، ولأنَّه ينافي مقتضَى العقد. لكن نقل عليُّ بن سعيدٍ عنه: جواز البَيع والشَّرطَين (٢)، وأطلق ابنُ عقِيل وغيره في صحَّة هذا الشَّرط ولزومه روايَتَينِ. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (عنه نحو عشرين نَصًّا على صحَّة هذا الشَّرط، وأنَّه يحرم الوطء؛ لنقص الملك، وسأله أبو طالِبٍ عمَّن اشترى أمَةً بشرط أن يتسرَّى بها لا للخدمة، قال: لا بأس به) (٣). وحمل القاضي قول أحمد: (لا يَقْرَبْها) (٤) على الكراهة، قال ابن عقيلٍ: وعندي أنَّه إنَّما منع منه لمكان الخلاف في العقد.

стр. 2586

(وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا)، كالخمر؛ فسد؛ لأنَّ الرَّهن وثيقة بالحقِّ ليُرجَع إليه عند الاستيفاء إذا لم يمكن من غيره، وهو ممنوعٌ من بيعه، فلا يمكن الاستيفاء منه، (وَنَحْوَهُ)؛ كخِيارٍ أو أجلٍ مجهولَين؛ (فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»، والمنصوصُ صحَّتُه (١)؛ كما تقدَّمَ. (الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ، نَحْوَ (٢): بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ إِنْ رَضِيَ فُلَانٌ)، فالمذهب: أنَّهما لا يصِحَّان؛ لأنَّ مقتضى البيع نقل الملك حال التَّبايُع، والشَّرط هنا يمنعه (٣). وعنه: صحَّة عقده؛ لما تقدَّم. وعنه: صحَّتُهما، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين في كلِّ العقود الَّتي لم تخالِف الشَّرع (٤)؛ لأنَّ إطلاق الاسم يتناول المنجَّز والمعلَّق، والصَّريح والكناية (٥)؛ كالنَّذر. ويستثنى على الأوَّل: بعتُ، أو قَبِلْتُ إن شاء الله. (أَوْ يَقُولُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ فِي مَحِلِّهِ وَإِلاَّ فَالرَّهْنُ لَكَ؛ فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ)؛ لقوله ﵇: «لا يغلق الرَّهْنُ من صاحبه» رواه الأثرم (٦)، وفسَّره أحمد

стр. 2587

بذلك (١)، وحكاه ابن المنذر عن جماعةٍ من العلماء (٢)، ولأنَّه علَّقه على شرْطٍ مستقبَلٍ كالأولى، وفيه الخلاف المتقدِّم. (إِلاَّ بَيْعَ الْعُرْبُونِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا) بثمَنٍ معلومٍ، (وَيُعْطِيَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا) أو أكثر، (وَيَقُولَ: إِنْ أَخَذْتُهُ) احْتَسِب به من الثَّمن، (وَإِلاَّ)؛ أي: وإن لم آخُذْه (فَالدِّرْهَمُ لَكَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ؛ لأِنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ (٣)؛ لِمَا رَوَى نافِعُ بن عبد الحارث: «أنَّه اشترى لعمر دار السِّجن من صَفْوان، فإن (٤) رضِيَ عمر، وإلاَّ له كذا وكذا» (٥)، فلو دفع إليه درهمًا قبل البيع، وقال: لا تَبِعْه لغيري، وإن لم أشترها منك فهو لك، ثمَّ عقد وحُسِب من الثَّمَن؛ جاز، وحمل في «الشَّرح» فعلَ عمر عليه؛ جمْعًا بين فعله والخبر (٦)، وموافقة القياس.

стр. 2588

(وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَصِحُّ)؛ «لنَهْيه ﵇ عن بَيْعه» رواه ابنُ ماجَهْ (١)، ولأنَّه شَرَط للبائع شيئًا بغير عِوَضٍ؛ فلم يَصِحَّ، كما لو شرطه لأجنبيٍّ، ولأنَّه بمنزلة الخيار المجهول، وفي «المغني» هذا هو القياس. مسائل: الأولى: حكم إجارته كالبيع، ذكره في «الوجيز» و «الفروع». الثَّانية: تعتبر (٢) مقارنة الشَّرط، ذكره في «الانتصار»، ويأتي في النِّكاح. الثَّالثة: يصِحُّ تعليق فسخٍ بشرطٍ. واختار (٣) أبو الخطَّاب والمؤلِّف: لا، قال في «الرِّعاية»: فيما إذا آجَرَه كلَّ شهرٍ بدرهمٍ: إذا مضى شهر فقد فسختها؛ أنَّه يصِحُّ؛ كتعليق الخلع، وهو فسخ على الأصحِّ. الرَّابعة: إذا صحَّحْنا العقدَ دون الشَّرط؛ فلمن فات غَرَضُه منهما، وقيل: للجاهل فساد الشرط؛ الفسخ؛ لأنَّه لم يُسلَّم له ما عقد عليه، أو أرْش نقص الثَّمن بإلغائه؛ كالمعيب، وقيل: لا أرْش، وذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين ظاهر المذهب (٤). (وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ)، زاد في «الشَّرح»: أو مدَّةٍ معلومةٍ، (وَإِلاَّ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا؛ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ (٥)، وهو قول عمر (٦)، واختاره جَمْعٌ، وخصَّه بالثَّلاث؛ لأنَّه علَّق رفع العقد بأمر يَحدُث في

стр. 2589

مدَّة الخيار، فجاز، كما لو شرط الخيار، ولأنَّه نوع بيعٍ، فجاز أن يفسخ بتأخُّر (١) القبض كالصَّرف. فإذا لم يَنقُدْ في المدَّة؛ انفسخ العقد، وقيل: يبطل بفواته. (وَإِنْ بَاعَهُ، وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ)، أو من عيب كذا إن كان به؛ (لَمْ يَبْرَأْ) في ظاهر المذهب؛ لأنَّه خيار يثبت بعد العقد، فلا يسقط قبله كالشُّفعة، ذكره أبو الخطَّاب وجَمْعٌ، أو لأنَّه شَرْطٌ يَرْتَفِق به أحدُ المتعاقدين (٢)، فلا يصِحُّ شرطه كالأجل المجهول. (وَعَنْهُ: يَبْرَأُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ فَكَتَمَهُ)، ومعناه: أنَّه يبرأ مع الجهل لا العلم به؛ لأنَّ عبد الله بن عمر باع عبدًا من زيد بن ثابت بثمانمائة درهم بشرط البراءة، فأصاب به زيدٌ عيبًا، فأراد ردَّه على ابن عمر، فلم يَقْبَلْه، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: «أتحلف أنَّك لم تعلم بهذا العيب؟» فقال: «لا»، فردَّه عليه، ثمَّ باعه ابن عمر بألف درهم، رواه أحمد (٣)، وهذه قضيَّةٌ اشتهرت، ولم تُنكَر فكانت كالإجماع. ونقل ابن هانِئ: إن عيَّنه صحَّ، ومعناه نقل ابن القاسم وغيره، إلاَّ أن يخبره بالعيوب كلِّها (٤)؛ لأنَّه مرفق في البيع كالخيار.

стр. 2590

وعنه: يبرأ مطلقًا، قال في «الانتصار»: وهو الأشبه بأصولنا؛ كبراءة من مجهولٍ. وحيث قيل بفساد الشَّرط؛ فالعقدُ صحيحٌ على المذهب، وفيه رواية. فإن سمَّى العيب وأبرأه منه؛ صحَّ.

стр. 2591

(فَصْلٌ) (وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا)، وفي «المحرَّر» و «الفروع»: أرضًا، وهو أحْسَنُ، أو ثوبًا، (عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ؛ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ)، جزم به ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه لا يمكن إجبار (١) البائع على تسليم الزِّيادة؛ لأنَّه إنَّما باعه عشرة أذْرُعٍ، ولا المشتري على أخذ البعض؛ لأنَّه إنما اشترى الكلَّ، وعليه ضرر (٢) في الشَّرِكة. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ)، قدَّمه في «المحرر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ ذلك نقصٌ على المشتري، فلم يمنع صحَّة البيع؛ كالردِّ بالعيب. وأطلقهما (٣) في «الفروع». (وَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ)؛ لأنِّه لم يَبِعْها. (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ)؛ دَفْعًا لضَرَرِ المشارَكة، ما لم يُعْطِه الزَّائدَ مجَّانًا، ذكره في «المغني» و «الشَّرح» و «الفروع»؛ لأنَّه زاده خَيرًا، وإن أبَى؛ ثَبَتَ للمشتري الخيار بين الفسخ والأخذ بجميع الثَّمن وقسط الزَّائد. فإن رضي بالأخذ، والبائع شريك له (٤) بالزائد؛ فهل للبائع خيار الفسخ؟ على وجهين: أحدهما، وهو ظاهر المتن: أنَّ له الفسخَ؛ لأنَّ عليه ضررًا في المشارَكة. والثَّاني: لا؛ لأنَّه رضي ببيع الجميع بهذا الثَّمن، فإذا وصل إليه مع بقاء

стр. 2592

جزءٍ له فيه؛ كان زيادةً. (وَإِنِ (١) اتَّفَقَا عَلَى إِمْضَائِهِ؛ جَازَ)؛ لأنَّ الحقَّ لهما لا يعدوهما؛ كحالة الابتداء. (وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً؛ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ). (وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ)، وقد ذكرناه (٢)، (وَالنَّقْصُ عَلَى الْبَائِعِ)؛ لأنَّه التزمه بالبيع ولا خيار له؛ إذ لا ضرر عليه فيه، (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ)؛ لنقصه، (وَأَخْذِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ)؛ لأِنَّه يُقَسَّطُ على كلِّ جزءٍ من أجزاء المبيع، فإذا فات جزء استَحقَّ ما قابله من الثَّمن. فإن أخذه بقسطه؛ فلبائع الخيار بين الرِّضا والفسخ. فإن بذل المشتري كلَّ الثَّمن؛ لم يملك الفسخ، أشبه المبيع إذا كان معيبًا فرضيه بجميع الثَّمن. (وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَعْوِيضِهِ (٣) عَنْهُ؛ جَازَ)؛ لأنَّه لا يجبر (٤) أحدُهما على المعاوَضة؛ إذ المعاوَضة يعتبر فيها التَّراضي منهما. فرعٌ: إذا باعه صُبْرةً على أنَّها خمسةُ أقْفِزَةٍ، فبانت ستَّةً؛ ردَّ الزَّائد، ولا خيار للمشتري؛ إذ لا ضرر عليه في ردِّ الزَّائد. وإن بانت أقلَّ؛ أخذها بقسطها من الثَّمن، ولا خيار له؛ لأنَّ نقصان القدر (٥) ليس بعيبٍ في الباقي من المكيل. وقيل: بلى (٦)؛ لنقصانها، وكغيرها، والله أعلمُ.

стр. 2593

(بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ) الخِيَارُ: اسم مصدَرٍ من اختار يختار اختيارًا، وهو: طلب خَير الأمْرَين من إمضائه أو الفسخ. (وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ)، وستأتي (١). (أَحَدُهَا: خِيَاُر الْمَجْلِسِ)، وهو بكسر اللاَّم: موضع الجلوس، والمرادُ به: مكان التَّبايُع. (وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ) في قول أكثر العلماء؛ لِمَا روى ابنُ عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا تَبايَع الرَّجُلان؛ فكلُّ واحد منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا وكانا جميعًا، أو يخيِّر أحدُهما الآخَرَ، فإن خيَّر أحدُهما الآخَرَ، فتبايَعا على ذلك؛ فقد وجب البَيعُ» متَّفقٌ عليه (٢)، وعن عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المتبايِعان بالخِيَار ما لم يتفرَّقا» رواه أحمدُ وأبو داودَ والتِّرمذيُّ وحسَّنه (٣). وقد أنكر كثيرٌ من العلماء على مالك مخالَفَتَه (٤) للحديث مع روايته له عن نافِعٍ، عن ابن عمرَ (٥)، قال الشَّافعي: (لا أدري هل مالِكٌ اتَّهم نفسَه، أو

стр. 2594

نافِعًا، وأُعْظِمُ أَنْ أقولَ عبدَ الله بنَ عمرَ) (١) انتهى. واعْتِراضُ المالكيِّ بعمل أهل المدينة؛ مدفوعٌ بمخالفة (٢) سعيد بن المسيِّب والزُّهريِّ وابن أبي ذِئْبٍ. فإن قيل: هو خبرُ آحادٍ فيما تَعُمُّ به البلوى. فالجواب: بأنَّه مستفيضٌ، فإنَّه روي أيضًا (٣) من (٤) حديث حَكِيم بن حِزامٍ (٥)، وأبي هريرة (٦)، وأبي برزة (٧) الأسلميِّ (٨)، وجابرٍ (٩). فإن قيل: قد روي عن عمر أنَّه قال: «البيع صفقة (١٠) أو خيار» (١١)، ولأنَّه (١٢) عقد معاوَضةٍ، فيلزم بمجرَّده كالنِّكاح، وبأنَّ المراد بالتَّفرُّق في

стр. 2595

الخبر: التَّفرُّق بالأقوال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البَيّنَة: ٤]، ولقوله ﵇: «ستفترق أمَّتي» الخبرَ (١). فالجوابُ: بأنَّ معنى ما روي عن عمر: أنَّ البيع ينقسم إلى بيعٍ شُرِط فيه الخيارُ، وبيع لم يُشْرَط فيه، وسمَّاه صفقةً؛ لقصر مدَّة الخيار، مع أنَّ الجُوزَجانِيُّ روى عنه الأوَّلَ (٢)، ولو سُلِّم فقد خالفه جمْعٌ من الصَّحابة (٣)، مع
следующие страницы →