← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

(فَصْلٌ) (وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا)، وفي «المحرَّر» و «الفروع»: أرضًا، وهو أحْسَنُ، أو ثوبًا، (عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ؛ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ)، جزم به ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه لا يمكن إجبار (١) البائع على تسليم الزِّيادة؛ لأنَّه إنَّما باعه عشرة أذْرُعٍ، ولا المشتري على أخذ البعض؛ لأنَّه إنما اشترى الكلَّ، وعليه ضرر (٢) في الشَّرِكة. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ)، قدَّمه في «المحرر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ ذلك نقصٌ على المشتري، فلم يمنع صحَّة البيع؛ كالردِّ بالعيب. وأطلقهما (٣) في «الفروع». (وَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ)؛ لأنِّه لم يَبِعْها. (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ)؛ دَفْعًا لضَرَرِ المشارَكة، ما لم يُعْطِه الزَّائدَ مجَّانًا، ذكره في «المغني» و «الشَّرح» و «الفروع»؛ لأنَّه زاده خَيرًا، وإن أبَى؛ ثَبَتَ للمشتري الخيار بين الفسخ والأخذ بجميع الثَّمن وقسط الزَّائد. فإن رضي بالأخذ، والبائع شريك له (٤) بالزائد؛ فهل للبائع خيار الفسخ؟ على وجهين: أحدهما، وهو ظاهر المتن: أنَّ له الفسخَ؛ لأنَّ عليه ضررًا في المشارَكة. والثَّاني: لا؛ لأنَّه رضي ببيع الجميع بهذا الثَّمن، فإذا وصل إليه مع بقاء

стр. 2592

جزءٍ له فيه؛ كان زيادةً. (وَإِنِ (١) اتَّفَقَا عَلَى إِمْضَائِهِ؛ جَازَ)؛ لأنَّ الحقَّ لهما لا يعدوهما؛ كحالة الابتداء. (وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً؛ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ). (وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ)، وقد ذكرناه (٢)، (وَالنَّقْصُ عَلَى الْبَائِعِ)؛ لأنَّه التزمه بالبيع ولا خيار له؛ إذ لا ضرر عليه فيه، (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ)؛ لنقصه، (وَأَخْذِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ)؛ لأِنَّه يُقَسَّطُ على كلِّ جزءٍ من أجزاء المبيع، فإذا فات جزء استَحقَّ ما قابله من الثَّمن. فإن أخذه بقسطه؛ فلبائع الخيار بين الرِّضا والفسخ. فإن بذل المشتري كلَّ الثَّمن؛ لم يملك الفسخ، أشبه المبيع إذا كان معيبًا فرضيه بجميع الثَّمن. (وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَعْوِيضِهِ (٣) عَنْهُ؛ جَازَ)؛ لأنَّه لا يجبر (٤) أحدُهما على المعاوَضة؛ إذ المعاوَضة يعتبر فيها التَّراضي منهما. فرعٌ: إذا باعه صُبْرةً على أنَّها خمسةُ أقْفِزَةٍ، فبانت ستَّةً؛ ردَّ الزَّائد، ولا خيار للمشتري؛ إذ لا ضرر عليه في ردِّ الزَّائد. وإن بانت أقلَّ؛ أخذها بقسطها من الثَّمن، ولا خيار له؛ لأنَّ نقصان القدر (٥) ليس بعيبٍ في الباقي من المكيل. وقيل: بلى (٦)؛ لنقصانها، وكغيرها، والله أعلمُ.

стр. 2593

(بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ) الخِيَارُ: اسم مصدَرٍ من اختار يختار اختيارًا، وهو: طلب خَير الأمْرَين من إمضائه أو الفسخ. (وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ)، وستأتي (١). (أَحَدُهَا: خِيَاُر الْمَجْلِسِ)، وهو بكسر اللاَّم: موضع الجلوس، والمرادُ به: مكان التَّبايُع. (وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ) في قول أكثر العلماء؛ لِمَا روى ابنُ عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا تَبايَع الرَّجُلان؛ فكلُّ واحد منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا وكانا جميعًا، أو يخيِّر أحدُهما الآخَرَ، فإن خيَّر أحدُهما الآخَرَ، فتبايَعا على ذلك؛ فقد وجب البَيعُ» متَّفقٌ عليه (٢)، وعن عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المتبايِعان بالخِيَار ما لم يتفرَّقا» رواه أحمدُ وأبو داودَ والتِّرمذيُّ وحسَّنه (٣). وقد أنكر كثيرٌ من العلماء على مالك مخالَفَتَه (٤) للحديث مع روايته له عن نافِعٍ، عن ابن عمرَ (٥)، قال الشَّافعي: (لا أدري هل مالِكٌ اتَّهم نفسَه، أو

стр. 2594

نافِعًا، وأُعْظِمُ أَنْ أقولَ عبدَ الله بنَ عمرَ) (١) انتهى. واعْتِراضُ المالكيِّ بعمل أهل المدينة؛ مدفوعٌ بمخالفة (٢) سعيد بن المسيِّب والزُّهريِّ وابن أبي ذِئْبٍ. فإن قيل: هو خبرُ آحادٍ فيما تَعُمُّ به البلوى. فالجواب: بأنَّه مستفيضٌ، فإنَّه روي أيضًا (٣) من (٤) حديث حَكِيم بن حِزامٍ (٥)، وأبي هريرة (٦)، وأبي برزة (٧) الأسلميِّ (٨)، وجابرٍ (٩). فإن قيل: قد روي عن عمر أنَّه قال: «البيع صفقة (١٠) أو خيار» (١١)، ولأنَّه (١٢) عقد معاوَضةٍ، فيلزم بمجرَّده كالنِّكاح، وبأنَّ المراد بالتَّفرُّق في

стр. 2595

الخبر: التَّفرُّق بالأقوال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البَيّنَة: ٤]، ولقوله ﵇: «ستفترق أمَّتي» الخبرَ (١). فالجوابُ: بأنَّ معنى ما روي عن عمر: أنَّ البيع ينقسم إلى بيعٍ شُرِط فيه الخيارُ، وبيع لم يُشْرَط فيه، وسمَّاه صفقةً؛ لقصر مدَّة الخيار، مع أنَّ الجُوزَجانِيُّ روى عنه الأوَّلَ (٢)، ولو سُلِّم فقد خالفه جمْعٌ من الصَّحابة (٣)، مع

стр. 2596

أنَّه (١) لا تأثير له مع وجود النَّصِّ. والقياسُ مدفوعٌ، فإنَّ النِّكاح لا يَقَعُ إلاَّ بعد تروٍّ ونَظَرٍ، ولِمَا فيه من إذهاب حرمة المرأة وردّها وإلحاقها بالسِّلع المبيعة (٢)، وليس بين المتبايِعين تفرُّقٌ بقولٍ ولا اعتقادٍ، ولأنَّه تبطل (٣) فائدة الحديث، ولأنَّه جَعل لهما الخيارَ بعد تبايعهما. وفسَّره ابن عمر: بأنَّه كان يمشي خطوات ليلزم البيع (٤)، وهو شامِلٌ لجميع أنواعه، والهبة بعوض؛ إذ المغلَّب فيها حكم البيع على الأشهر، والقسمة إن قيل هي بيعٌ. ويستثنى منه: الكتابة، وما تولاَّه واحدٌ؛ كالأب على الأصحِّ، ولا في شراء من يعتق عليه في الأشهر، كما لو باشر عتقه. وفي طريقة بعض أصحابنا رواية: لا يَثْبُت خيارُ مجْلسٍ في بيعٍ وعَقْدِ معاوَضةٍ. (وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ)؛ أي: بمعنى البيع، كما إذا أقرَّ له بدَينٍ أو عَينٍ، ثمَّ صالحه عنه بعِوَضٍ؛ لأنَّه بيع فيدخل في العموم. (وَالْإِجَارَةِ)؛ لأنَّها عقْدُ معاوَضةٍ، فيثْبُت فيها كالبيع. وقيل: لا تلي مدَّتُها العقْدَ. (وَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ) على الأصحِّ؛ لأنَّه يشترط لصحَّته القَبْضُ، وهو بَيعٌ في الحقيقة.

стр. 2597

(وَعَنْهُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِمَا (١)؛ كخيار الشَّرط، ولأنَّه يفتقر (٢) إلى القبض في الحال، وذلك يقتضي (٣) عدم العُلقة بينهما، وهو ينافيه (٤). (وَلَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ)؛ أي: باقي (الْعُقُودِ)، سواءٌ كان لازِمًا من الطَّرَفَينِ كالنِّكاح والخلع؛ لأنَّه يقصد منه الفرقة كالطَّلاق، وكذا القرض والوقْف والضَّمان والهبة الخالية عن عِوَضٍ؛ لأنَّ فاعلَ ذلك دخل فيه على أنَّ الحظَّ لغيره، أو من أحد الطَّرَفَينِ كالرَّهن؛ لأنَّه لو جاز فيه؛ لبقي الحقُّ بلا رَهْنٍ، فيضر بالمرتَهِن، أو جائزًا من الطَّرَفَينِ؛ كالوكالة والشَّركة والجعالة. وأمَّا المتردِّد بين الجواز واللُّزوم؛ فقال: (إِلاَّ فِي (٥) الْمُسَاقَاةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالسَّبْقِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، إذ المساقاةُ والسَّبقُ إجارةٌ في وجْهٍ، والحَوَالَةُ بَيْعٌ. والمذهب: أنَّه لا يَثْبُت في ذلك؛ لأِنَّ المساقاة عقْدٌ جائِزٌ، والحوالة (٦) إمَّا إسقاطٌ، أو عَقْدٌ مستقِلٌّ، والسَّبقُ جعالة. وكذا الخلاف في المزارعة والأخذ بالشُّفعة. (وِلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا) عُرْفًا، ولو طال المجلس بنومٍ، أو تساوقا (٧) بالمشي، أو في سفينةٍ، ولهذا لو أقبضه في الصَّرف، وقال: امْشِ مَعِي (٨) حتَّى أُعطِيَك، ولم يفترقا؛ جاز، نقله

стр. 2598

حربٌ (١)، وهو شامِلٌ إذا حصلت الفرقة بهرب؛ لفعل ابن عمر (٢). والأصحُّ: أنَّه تحرم (٣) الفرقة خشية الاستقالة؛ لظاهر خبر عمرو بن شعيبٍ (٤)، قاله أحمد، أو من غير قصد أو جهل. وكذا بإكراهٍ في وجه؛ إذ الرِّضا في الفرقة غير معتبرٍ، كما لا يعتبر الرِّضا في الفسخ. واختار القاضي، وأورده صاحب «التلخيص» مذهبًا: أنه لا ينقطع خيار المكره، فيكون الخيار في المجلس الَّذي زال عنه الإكراه. وقيل: إن كان يقدر (٥) على كلام يقطع به خياره؛ انقطع، وإلاَّ فلا. وخصَّ في «المغني» و «الشَّرح» الخلاف: بما إذا أُكره أحدهما، فلو أُكرها؛ زال خيارهما. وقال ابن عقيل: يبقى خيارهما، وجعل منه: ما إذا رأيا سَبُعًا أو ظالمًا يؤذيهما، وهو ظاهِرٌ. ويبطل خيارهما بموت أحدهما؛ لأنَّها أعظم الفُرقَتَينِ، لا الجنون، وهو على خياره إذا أفاق. وفي «الشَّرح»: إن خرس ولم تفهم إشارته، أو جُنَّ، أو أُغْمِيَ عليه؛ قام وليُّه مقامه. بيانٌ: المرجِعُ في التَّفرُّق إلى العُرْف؛ لعدم بيانه في الشَّرع، فإن كانا في فضاءٍ واسعٍ؛ مشى أحدهما مستدبِرًا لصاحبه خطوات، قطع به ابن عقيل،

стр. 2599

وقدَّمه في «المغني» و «الشَّرح». وقيل: يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه المعتاد، وجزم به في «الكافي». وإن كانا في دار واسعةٍ؛ فمن بيت إلى آخَرَ، أو مجلس، أو صُفَّة بحيث يُعَدُّ مفارِقًا، وفي صغيرةٍ يصعد أحدهما السَّطح، أو يخرج منها كسفينةٍ صغيرةٍ، وأمَّا الكبيرة؛ فيصعد أحدهما أعلاها وينزل الآخر أسفلها. فائدةٌ: قال الأزهريُّ: سئل ثعلبٌ عن الفرق بين التَّفرُّق والافتراق، فقال: أخبرني ابن الأعرابيِّ عن المفضَّل قال: يقال فرقت بين الكلامَينِ مخفَّفًا فافترقا، وفرَّقت بين اثنين مشدَّدًا فتفرَّقا، فجعل الافتراق في الأقوال، والتَّفرُّق في الأبدان (١). (إِلاَّ أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى (٢) أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا (٣) الخِيَارَ بَعْدَهُ)؛ أي: بعد البيع؛ (فَيَسْقُطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، اختارها ابن أبي موسى، وجزم بها في «الوجيز»، وقدَّمها في «المحرَّر» و «الفروع»، وصحَّحها في «المغني» و «الشَّرح»؛ لقوله ﵇: «فإنْ خَيَّر أحدُهما صاحبَه، فتَبَايَعَا على ذلك؛ فَقَدْ وجَبَ الْبَيْعُ» (٤)؛ أي: لَزِمَ، ولقوله ﵇: «المتبايِعان بالخيار ما لم يتفرَّقا إلاَّ أن يكون البيعُ عن خِيارٍ، فإن كان البيع عن خيارٍ فقد وجب البَيْعُ» (٥). والثَّانيةُ: لا يَسقُط فيهما، وهي ظاهر الخِرَقِيِّ، واختيار القاضي في «تعليقه»، وأبي الخَطَّاب في «خلافه الصَّغير»، وابن عَقِيلٍ؛ لأنَّ أكثر

стр. 2600

الأحاديث «البَيِّعانِ بالخِيار» من غير زيادةٍ، وقول الأكثر ذوي الضَّبط مقدَّم (١) على رواية المنفرد. وجوابه: أنَّ الأخذ بما (٢) تضمنته الزِّيادة أَوْلَى. (وَإِنْ أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمَا؛ بَقِيَ خِيَارُ صَاحِبِهِ)؛ لأنَّه خيار في البيع، فلم يُبطِل حقَّ مَنْ لم يُسقِطُه؛ كخيار الشَّرط، والأصحُّ: أنَّه يبطل خيار القائل؛ لظاهر الخبر.

стр. 2601

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: خِيَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا فِي الْعَقْدِ)، وظاهره: لو اتَّفقا قبله؛ لم يلزم الوفاءُ به، وفي «المحرَّر»: وبعده في زمن الخِيارَينِ، (خِيَارَ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَيَثْبُتُ (١) فِيهَا وَإِنْ طَالَتْ)، وقاله جَمْعٌ من العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المَائدة: ١]، ولقوله ﵇: «المسلمون على شروطهم» (٢)، ولأنَّه حقٌّ مقدَّرٌ يعتمد (٣) الشَّرط، فيرجع في تقديره إلى شرطه (٤) كالأجل، أو مدَّةٍ ملحَقةٍ بالعقد، فجاز ما اتَّفقا عليه كالأجل. وما روي عن محمَّد بن يحيى بن حَبَّان - بفتح الحاء، والباء الموحدة (٥) -: أنَّ جدَّه كان يُغبن (٦) في البيوع، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «إذا بايَعْتَ فقل: لا خِلابةَ، ثمَّ أنت في كلِّ سلعةٍ ابتعتَها بالخيار ثلاث ليالٍ» رواه البخاريُّ في «تاريخه» (٧)، وأصله في «الصَّحيحين»، ولفظ البخاريِّ: «لا خِلابةَ»، ومسلمٍ: «لا خيانةَ»، قيل: هو تصحيفٌ (٨)، وهو ينافي مقتضى العقد؛ لأنَّه يمنع

стр. 2602

الملك واللُّزوم، وإطلاق التَّصرُّف، فجاز في الثَّلاثة للحاجة، فإنَّه خاصٌّ بحَبَّانَ؛ لأنَّه كان أصابه آمَّة في رأسه فكسرت لسانه، وكان يُغبن ويردُّ السِّلع على (١) التُّجَّار، ويقول: الرَّسول جعل لي الخيارَ ثلاثًا، وعاش إلى زمن عثمانَ (٢). وتقديرها بالحاجة لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يمكن ضبط الحكم بها؛ لخفائها. وكلامه شاملٌ ما (٣) لو كان المبيع لا يبقى إلى مضيِّها، كطعام رطْبٍ ونحوه، فإنَّه (٤) يباع ويحفظ ثمنه إلى المدَّة، صرَّح به القاضي، وهو قياس ما ذكر في الرَّهن. وهذا ما لم يكن حيلةً، فإن فعله حيلةً ليربح فيما أقرضه؛ لم يَجُزْ، نصَّ عليه (٥). (وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولاً)؛ كقدوم زيدٍ، أو مجيء المطر، أو الأبد، (فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)؛ لأنَّها مدَّة ملحَقةٌ بالعقد، فلم تَجُزْ مع الجهالة، مع أنَّ شرط الأبد يقتضي المنع من التَّصرُّف فيه، وهو منافٍ لمقتضَى العقد. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ)، وقاله ابن شُبْرُمةَ؛ للخبر (٦)، فعلى هذه: (هُمَا (٧) عَلَى

стр. 2603

خِيَارِهِمَا إِلَى أَنْ يَقْطَعَاهُ، أَوْ تَنْتَهِيَ (١) مُدَّتُهُ) إن كانت معلَّقةً بما تنتهي (٢) به. (وَلَا يَثْبُتُ إِلاَّ فِي الْبَيْعِ)؛ لما مرَّ، ويُستثنَى منه: ما يشترط فيه القبض لصحَّته؛ كالصَّرْف والسَّلَم، (وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ)؛ لأنَّه بيع بلفظ الصُّلح، وقسمة، قاله في «الفروع»، قال ابن عقيل: وإن (٣) كان ردٌّ، وأنَّه يحتمل دخوله في سَلَمٍ روايةً واحدة؛ لعدم اعتبار قبضهما. (وَالْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ)؛ كقوله: استأجرتك لتخيط لي هذا الثَّوب، ونحوه، فيثبت فيه خيار الشَّرط؛ لأنَّه استدراك للغبن، فوجب ثبوته؛ كخيار المجلس، (أَوْ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِي الْعَقْدَ)؛ كما لو أَجَرَه سنةَ خمسٍ في سنةِ أربعٍ. فدلَّ على أنَّها إذا كانت تلي العقد؛ لا يثبت فيها خيار الشَّرط على المذهب؛ لأنَّه يفضي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، أو إلى استيفائها في مدَّة الخيار، وكلاهما غير جائزٍ. وفيه وجْهٌ: أنَّه يصحُّ، ويتصرَّف المستأجر، فإن فسخ العقد؛ رجع بقيمة المنافع المستوفاة. وظاهره: أنه لا يثبت في غير ما ذكر. وقال ابن حامد: يثبت في ضمان وكفالة (٤). وقال ابن الجوزي، ونصر بن عليٍّ صاحب «الرَّوضة» (٥): يثبت كخيار المجلس.

стр. 2604

وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يجوز في كلِّ العقود (١). (وَإِنْ شَرَطَاهُ إِلَى الْغَدِ؛ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمُدَّةِ)؛ لأنَّ «إلى» لانتهاء (٢) الغاية، وما بعدها يخالف ما قبلها؛ كقوله (٣) تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، وكنظائره في الطَّلاق والإقرار. (وَعَنْهُ: يَدْخُلُ (٤)؛ لأنَّها قد تكون بمعنى «مع»، فعليها: لا يسقط الخيار إلاَّ بآخِر الغد. وجوابه: بأنَّ ما تقدَّم هو الأصل فيها، وحملها على المعيَّة إمَّا لدليلٍ، أو لتعذُّرِ حملها على موضوعها الأصليِّ. وإلى الظهر: إلى الزَّوال؛ كالغد، والعشيِّ والعشيَّة: من الزَّوال، وذكرهما (٥) الجوهريُّ: من الغروب إلى العتمة (٦)؛ كالعشاء، وأنَّ قومًا زعموا: أنَّ العشاء من الزَّوال إلى طلوع الفجر. والمساء، والغبوق: من الغروب. والغدوة والغداة (٧): من الفجر إلى طلوع الشَّمس؛ كالصَّبوح. والآصال: من العصر إلى الغروب. فائدة: يقال من الفجر إلى الزَّوال: أصبح عندك فلان، ومن الزَّوال إلى آخر النَّهار: أمسى عندك، والصَّباح خلاف المساء، والإصباح نقيض (٨) الإمساء.

стр. 2605

(وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً؛ فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) على المذهب؛ لأنَّها مدَّةٌ ملحقَةٌ بالعقد، فكان ابتداؤها من حين العقد؛ كالأجل. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ)، وهو وجهٌ؛ لأنَّ الخيارَ ثابتٌ في المجلس حكمًا، فلا معنى لإثباته بالشَّرط، ولأنَّ حالة المجلس كحالة العقد؛ لأنَّ لهما فيه الزِّيادةَ والنُقصانَ. وصحَّح في «المغني» و «الشَّرح» الأوَّلَ؛ لأنَّ الاشتراط سبب ثبوت الخيار، فوجب أن يتعقبه حكمه، كالملك في البيع، مع أنَّها لو جعلت (١) من التفرق؛ لأدى إلى جهالتها، وثبوت الحكم بشيئين (٢) غير ممتنع؛ كالوطء يحرم بالصيام والإحرام. فرعٌ: إذا شرطاه سنة في أثناء شهر؛ استُوفي شهر بالعدد، وباقيها بالأهلة. وعنه: يستوفَى الكلُّ بالعدد، كما يأتي فيما إذا علق بالأشْهُر من إجارة وعدَّةٍ وصومِ كفارةٍ. وإن شرطاه شهرًا، يومًا يثبت ويومًا لا؛ فثالثها لابن عقيل: يصحُّ في اليوم الأوَّل؛ لإمكانه، ويبطل فيما بعده؛ لأنَّه إذا لزم في اليوم الثَّاني لم يعد إلى الجواز. (وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ) وله؛ (جَازَ، وَكَانَ تَوْكِيلاً لَهُ فِيهِ)؛ لأنَّ تصحيحَ الاشتراط ممكنٌ، فوجب حمله عليه؛ صيانة لكلام المكلَّف عن الإلغاء، وصار بمنزلة ما لو قال: أعتق عبدك عنِّي. وإن شرطه لزيدٍ وأطلق؛ فوجهان، وإن قال: له دوني؛ لم يصحَّ؛ لأنَّ

стр. 2606

الخيار شُرِع لتحصيل الحظِّ لكلٍّ من المتعاقدين بنظره (١)، فلا يكون لمن لا حظَّ له. وظاهره: أنَّه يصحُّ، واختاره في «المغني» و «الشَّرح»، ويكون توكيلاً؛ لأنَّه أمكن تصحيحُه، فعليه: لأحدهما الفسخ، وقيل: للموكِّل إن شرطه لنفسه وجعله وكيلاً. (وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا)؛ أي: أحد المتعاقدين، (دُونَ صَاحِبِهِ؛ جَازَ)؛ لأنَّه إذا جاز اشتراطه لهما؛ فلأن يجوز لأحدهما بطريق الأَوْلى، فدلَّ على أنَّه إذا شرط لأحدهما لا بعينه (٢) أنَّه غير جائز؛ لجهالته، كما لو اشترى أحد عبديه، وكما لو جعل الخيار في إحدى السِّلعتين لا بعينها (٣)، بخلاف ما لو اشترى شيئين، وشرط الخيار في أحدهما بعينه (٤) دون الآخر؛ فإنه يصح، ويكون كلٌّ منهما مبيعًا (٥) بقِسطه، ويظهر أثره عند الرَّدِّ. (وَلِمَنْ لَهُ الخِيَارُ الْفَسْخُ)، في قول الأكثر، (مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ، وَلَا رِضَاهُ)؛ لأنَّه عقدٌ جُعل إليه، فجاز مع غَيبة صاحبه وسخطه؛ كالطَّلاق. ونقل أبو طالب: يردُّ الثَّمن، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٦)؛ كالشَّفيع، ولعلَّه (٧) مراد من أطلق؛ لإزالة الضَّرر. وفي «الفروع»: يتخرَّج من عزل الوكيل: لا فسخ في غيبته حتَّى يبلغه في المدَّة.

стр. 2607

(وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفْسَخَا؛ بَطَلَ خِيَارُهُمَا)، ولزم العقد، هذا هو الأصحُّ؛ لأنَّها مدَّةٌ ملحقةٌ بالعقد، فبطلت بانقضائها؛ كالأجل. وقال القاضي: لا يلزم؛ لأنَّه حقٌّ له لا عليه، فلم يلزم بمرور الزَّمان؛ كمضِيِّ الأجل في حقِّ المُولي. وجوابه: أنَّ الحكم ببقائها يفضي إلى بقاء الخيار أكثر من مدَّته المشترطة، وهو لا يثبت إلاَّ بالشَّرط؛ إذ البيع سبب اللُّزوم، لكن تَخلَّف (١) موجَبُه بالشَّرط، فإذا زالت مدَّتُه؛ لزم العقد بموجِبِه؛ لخلوه عن المعارض. قوله: (وَلَمْ يَفْسَخَا) ليس قيدًا فيه، بل لو لم يفسخ أحدهما؛ بطل الخيار، صرَّح (٢) به في «المغني» و «الشَّرح»؛ إذ فسخ أحدهما لا يصدق عليه أنَّهما (٣) فسخا، ولم يحترز عنه؛ لظهور المراد. (وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ) مدَّة الخيارين (إِلَى الْمُشْتَرِي، بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ)، هي المذهب؛ لقوله ﵇: «من باع عبدًا وله مالٌ فماله للبائع إلاَّ أن يشترطه المبتاعُ» (٤)، ووجهه: أنه جعل المال للمبتاع باشتراطه، وهو عام في كلِّ بيع، فيدخل فيه بيع الخيار. والثَّانية: لا ينتقل الملك إلاَّ بانقضاء مدة الخيار؛ لأنَّه عقدٌ قاصرٌ لا يفيد التَّصرُّف، ولا يلزم، أشبه الهبة قبل القبض. والأُولى أصحُّ؛ لأنَّه بيعٌ صحيحٌ، فنُقل الملك عقيبه، كما لو لم يشترطه، ولأنَّ البيع تمليكٌ بدليل أنَّه يصح بقوله: ملَّكتُك، فثبت الملك فيه؛ كالمطلق، ودعوى القصور فيه ممنوعةٌ، وجواز فسخه لا يوجب قصوره، ولا يمنع نقل

стр. 2608

الملك فيه؛ كالمعيب، وامتناع التَّصرُّف لأجل حقِّ الغير لا يمنع ثبوت الملك؛ كالمرهون. فعلى هذا: يَعتق عليه قريبُه، وينفسخ نكاحُه، ويُخرِج فطرتَه، قال أبو الخطاب وغيره: ويأخذ بالشُّفعة. ولا فرق بين أن يكون الخيار لهما، أو لأحدهما، صرَّح به في «المغني» و «الشرح». (فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ؛ فَهُوَ لَهُ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ أَوْ فَسَخَاهُ)؛ لأنَّه نماء ملكه الدَّاخل في ضمانه بقوله: «الخراجُ بالضَّمان»، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ صحيحٌ (١). واحترز بالمنفصل عن النَّماء المتَّصل؛ كالسِّمن ونحوه؛ فإنه يتبع العين مع الفسخ؛ لتعذر انفصاله (٢). قال ابن المنجَّى: (ولا بد أن يلحظ في كون النَّماء المنفصل للمشتري: أنَّه (٣) مبني على القول: بأنَّ الملك ينتقل إليه بنفس العقد، لا على الرواية الثانية، فإنَّه للبائع)، وفيه نظرٌ، فإنَّه مفرَّع على الصَّحيح.

стр. 2609

وعنه: إن فسخ أحدهما فالنَّماء المنفصل - وعنه: وكسبه - للبائع؛ كرواية الملك له. فرعٌ: الحمل وقت العقد مبيعٌ. وعنه: نماء، فيردُّ الأمَّ بعيبٍ بالثَّمن كلِّه، ذكره في «الوسيلة». فعلى الأوَّل: هل هو كأحد عينين، أو تبعٌ (١) للأم لا حكم له؟ فيه روايتان. (وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ (٢) فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ)؛ لأنَّه ليس بملكٍ للبائع فيتصرَّف فيه، ولا انقطعت عنه عُلَقه فيتصرَّف فيه المشتري. وكذا يمنع من التَّصرُّف في العوض، صرَّح به في «الوجيز» و «الرِّعاية»، و «الزَّرْكشي»؛ حِذارًا من إبطال حقِّ الآخَر. (إِلاَّ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ)؛ كركوب الدَّابة لينظر سيرها، وحلب الشَّاة ليعلم قدر لبنها؛ لأنَّ ذلك المقصود من الخيار، وهو اختبار المبيع (٣). (فَإِنْ تَصَرَّفَا)، أو أحدهما (بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، وَنَحْوِهِمَا) ممَّا ينقل الملك، أو يثبت النقل في العقود؛ كالإجارة والرَّهن؛ فهو حرامٌ، (وَلَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا)، كذا أطلقه جماعةٌ؛ لأنَّه تصرُّفٌ لم يصادف محلَّه؛ لأنَّ البائع لا يملكه، والمشتري يفضي (٤) تصرفه إلى إسقاط حقِّ البائع من الخيار واسترجاع المبيع. وقيل: ينفذ تصرُّف البائع إذا قلنا: الملك له والخيار له، وفي «المغني»: أو لهما.

стр. 2610

وعنه: ينفذ تصرُّف المشتري، كما لو كان الخيار له على الأصحِّ. وعنه: موقوفٌ. (وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ (١)، وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي إِسْقَاطًا لِخِيَارِهِ)؛ أي: رضي به، (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ ذلك يحصل بالتَّصريح، فحصل بالدَّلالة عليه كالمعتَقة (٢)، فإنَّ خيارها يسقط بتمكينها الزَّوج من وطئها. والمذهب: أنَّ تصرُّف المشتري، وسومَه، ووطأه، ولمسه بشهوة؛ إمضاء، قال أحمد: وجب عليه حين عرضه (٣). (وَفِي الآْخَرِ: الْبَيْعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا)؛ أي: ليس تصرُّف البائع فسخًا للبيع، نصَّ عليه (٤)، واختاره ابن أبي موسى، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ الملك انتقل عنه، فلم يكن تصرُّفه فسخًا واسترجاعًا، كما لو وجد ماله عند مفلس، وكما لو أنكر شرط الخيار، قاله في «التَّرغيب» وغيره. وأمَّا المشتري: فلا ينفذ تصرُّفه إلاَّ بالعتق، وسيأتي، ولا يبطل خياره إلاَّ بالتَّصريح، فالتَّصرُّف غير صحيحٍ، فوجوده كعدمه. وفي طريقة بعض أصحابنا: له التَّصرُّف، ويكون رضًى بلزومه، وإن سُلِّم، فلأنَّه منع نفسه منه. قال: وإذا قلنا بالملك له؛ قلنا بانتقال الثَّمن إلى البائع، وقاله غيره. فإن تصرَّف مع البائع؛ فروايتان، بناءً على دلالة التَّصرُّف على الرِّضا. فرعٌ: إذا تصرَّف أحدهما بإذن الآخَر، أو تصرَّف وكيلهما؛ فهو نافذٌ في

стр. 2611

الأصحِّ فيهما، وانقطع الخيار (١)؛ لأنَّه يدلُّ على تراضيهما بإمضاء البيع، كما لو تخايرا (٢). (وَإِنِ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ؛ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ فِي أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ (٣)؛ لأنَّ الخدمة لا تختصُّ الملك، فلم تبطل (٤) به؛ كالنَّظر، وظاهره: مطلقًا، وقيَّده في «الوجيز»: بأنَّه إذا كان للاستعلام، وأومأ إليه في «الشَّرح». والثاني (٥): يبطل؛ لأنَّ الخدمة إحدى المنفعتين؛ فأبطلت الخيار كالوطء. وهما روايتان (٦)، أطلقهما (٧) في «المحرر» و «الفروع». (وَكَذَلِكَ (٨) إِنْ قَبَّلَتْهُ الْجَارِيَةُ) ولم يمنعها، نصَّ عليه (٩)؛ لأنَّه لم يوجد منه ما يدلُّ على إبطاله (١٠)، ولأنَّ الخيارَ له لا لها، فلو ألزمناه بفعلها؛ لألزمناه بغير رضاه، بخلاف ما إذا قبَّلها، فإنَّه يدلُّ على الرِّضا. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا)؛ لأِنَّ سكوتَه اسْتِمْتاعٌ بها ودليلٌ على رضاه، أشبه المعتَقة تحت عبد إذا وطئها وهي ساكتةٌ. قال ابن المنجَّى: (ولا بدَّ أن يقيَّد الخلاف بالشَّهوة؛ لأنَّه إذا كان لغير

стр. 2612

شهوةٍ؛ لا يبطل بغير خلاف؛ لأنَّ التَّقبيل لغير (١) شهوةٍ ليس باستمتاعٍ بوجهٍ)، وليس كذلك، بل ما ذكره هو قول في المذهب، وظاهر كلامهم خلافه. (وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي؛ نَفَذَ عِتْقُهُ) على المذهب؛ لأنَّه عتقٌ من مالكٍ جائزِ التَّصرُّف، تامِّ الملك؛ فنفذ، كما لو كان بعد مدَّة الخيار، وقوله ﵇: «لا عِتْقَ فيما لا يملك ابنُ آدمَ» (٢) دالٌّ على نفوذه في الملك، ومِلك البائع الفسخ لا يمنع صحَّته، كما لو وهب ابنه عبدًا فأعتقه، فإنَّه ينفذ مع ملك الأب استرجاعه. وظاهره: أنَّ عتق (٣) البائع لا ينفذ، وهو ظاهر المذهب. (وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا)؛ لأنَّ المشتريَ تصرَّف بما يقتضي اللُّزوم، وهو العتق. (وَكَذَلِكَ إِنْ تَلَفَ الْمَبِيعُ)؛ أي: بعد قبضه، فهو من ضمان المشتري، ويبطل خياره، وهي (٤) اختيار الخِرَقيِّ وأبي بكر؛ لأنَّ التَّالف لا يتأتَّى عليه الفسخ، ولأنَّه خيار فسخ، فبطل (٥) بتلف المبيع، كالردِّ بالعيب إذا تلف المبيع، وحينئذ يلزمه الثَّمن للبائع. (وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ)، أمَّا في العتق؛ فلأنه (٦) لم يوجد منه ما يدل على الرِّضا، وتعذُّر الرُّجوع لا يمنع الفسخ؛ لأنَّه قد يكون فيه مصلحة؛

стр. 2613

لكونه (١) باعه بأقلَّ من ثمن مثله، فإذا فسخ ملك الرُّجوع في قيمته. وأمَّا في التَّلف؛ فقيل: هي أنصُّهما، واختارها الشَّريف وابن عَقيلٍ، وحكاه في موضع عن الأصحاب؛ لعموم: «البيِّعان بالخيار» (٢)، ولأنَّه خيار فسخ، فلم يبطل بتلف المبيع، كما لو اشترى ثوبًا بآخَرَ، فتلف أحدهما، ووجد بالآخَر عيبًا، فإنَّه يردُّه ويرجع بقيمة ثوبه، فكذا هنا، قال الزَّرْكشي: وكان محلُّ التَّردُّد هل النَّظر إلى حال العقد، أو إلى الحالة الرَّاهنة؟ (وَ) عليها: (لَهُ الْفَسْخُ)؛ لأنَّ خياره لم يبطل، (وَالرُّجُوعُ (٣) بِالْقِيمَةِ)؛ لأنَّها بدل ما لا مثل له، أو بمثله (٤) إن كان مثليًّا. (وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وهو الأصحُّ، ومعناه: أنَّه لا ينفذ؛ لأنَّه يتضمن إبطال حقِّ غيره، أشبه وقف المرهون. (وَفِي الآْخَرِ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْعِتْقِ)؛ لأنّه تصرفٌ (٥) يُبطل الشُّفعة، فنفذ كالعتق. وأجاب في «المغني» و «الشَّرح» بالفرق: بأنَّ العتق مبنيٌّ على التَّغليب والسِّراية، ويصحُّ في الرهن، بخلاف الوقف، ولا نسلم أنَّ الوقف يُبطِل الشُّفعة. (وَإِنْ وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ) زمن الخيارَينِ؛ فهو حرامٌ، سواءٌ كان الخيارُ لهما، أو للبائع؛ لتعلُّق حقِّ البائع بها كالمرهونة (٦)، قال في

стр. 2614

«الشَّرح»: لا نعلم فيه خلافًا، ولا حدَّ عليه؛ لأنَّه يدرأ بشبهة (١) الملك فحقيقته (٢) أَوْلى، ولا مهر لها؛ لأنَّها مملوكته. فإن عَلِقت منه، وهو المراد بقوله: (فَأَحْبَلَهَا؛ صَارَتْ أَمَّ وَلَدٍ لَهُ (٣)؛ لأنَّه صادف محلَّه، أشبه ما لو أحبلها بعد انقضاء مدَّة الخيار، (وَوَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ)؛ لأِنَّه من مملوكته. وظاهره: أنَّه لا يلزمه قيمتُه؛ لأنَّه حدث في ملكه، فإن فسخ البائع رجع بقيمتها؛ لأنَّه تعذَّر الفسخ فيها. وعلى الثَّانية: عليه المهْرُ وقِيمةُ الولد. وإن كان عالِمًا بالتَّحريم، وأنَّ ملكَه غيرُ ثابتٍ؛ فولده رقيقٌ، قاله في «الشَّرح». (وَإِنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ وَقُلْنَا: يَنْفَسِخُ) بوَطْئِه؛ (فَكَذَلِكَ (٤)؛ أي: فهو كالمشتري، (وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ؛ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ)؛ لأنَّه وطْءٌ في ملك الغير، (إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ) على روايةٍ، فلا يترتَّب ما ذكره، وحينئِذٍ ولدُه حرٌّ ثابِتُ النسب، ولا يلزمه قيمتُه (٥)، ولا مهر، وتصير أمَّ ولدٍ له. لكن قال أصحابنا: إن علِم التَّحريم؛ فولده رقيقٌ لا يلحقه نسبه، وإن لم يعلم؛ لحقه نسبه، وولده حرٌّ، وعليه قيمته يوم الولادة، وعليه المهر، ولا تصير أمَّ ولدٍ له؛ لأنَّه وطئها في غير ملكه، ذكره في «الشَّرح». (وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)، اختاره ابنُ عَقِيلٍ، وصحَّحه في «المغني»،

стр. 2615

ونصره في «الشَّرح»؛ لأنَّ وطأه إمَّا أن يصادف ملكًا أو شبهةً، فإنَّ العلماء اختلفوا في ثبوت ملكه، وإباحة وطئه. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا)، وعزاه في «الشَّرح» إلى بعضهم: (عَلَيْهِ الْحَدُّ إِذَا عَلِمَ زَوَالَ مِلْكِهِ، وَأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ) عَنْ أَحْمَدَ (١)؛ لأنَّه لم يصادِفْ ملكًا، ولا شبهة ملكٍ. (وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا؛ بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يُورَثْ) على المذهب، قاله ابن المنجَّى؛ لأنَّه حقُّ فسخٍ لا يجوز الاِعْتِياضُ عنه، فلم يُورَث؛ كخيار الرُّجوع في الهبة. وظاهره: مطلقًا، والمذهب: أنَّه يبطل إلاَّ أن يطالِب به الميت، نصَّ عليه (٢)؛ لأنَّ معنى الخيار: تخيره (٣) بين فسخٍ وإمضاءٍ، وهو صفةٌ ذاتيةٌ كالاختيار، فلم يُورَث؛ كعلمه وقدرته. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ) لا يبطل، و (يُورَثَ؛ كَالْأَجَلِ)، حكاه في «الفروع» قولاً، وفي «عيون المسائل»: روايةً؛ لأنَّه حقُّ فسخٍ، فينتقل إلى الورثة؛ كالفسخ بالتحالف (٤) وكخيار قَبول الوصيَّة له. تنبيهٌ: إذا علَّق عِتْقَ عبده ببيعٍ فباعه ولو بشرط الخيار؛ عَتَقَ، نصَّ عليه (٥)؛ كالتَّدبير، ولم ينقل الملك، وتردَّد فيه الشَّيخ تقيُّ الدِّين، قال: وعلى قياس المسألة: تعليق طلاق أو عتق لسبب؛ يزيل ملكه عن الزوجةِ والعبدِ (٦).

стр. 2616

وقيل: يعتق في موضع يُحكم له بالملك، وهو ظاهر. وقيل: يعتق إلاَّ إذا نفيا الخيار في العقد، وصحَّحنا نفيه، فإنَّه لا يعتق.

стр. 2617

(فَصْلٌ) (١) (الثَّالِثُ: خِيَارُ الْغَبْنِ)، وهو بسكون الباء، مصدر غبنه؛ بفتح الباء، يغبِنه؛ بكسرها إذا نقصه، ويقال: غبن رأيه؛ بكسرها؛ أي: ضعف، غَبَنًا؛ بالتَّحريك. (وَيَثْبُتُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ): (أَحَدُهَا: إِذَا تَلَقَّى الرُّكْبَانَ)، جمع راكِبٍ، وهو في الأصل: راكب البعير، ثمَّ اتُّسع فيه فأطلق على كلِّ راكِبٍ، والمراد هنا: القادمون من السَّفر، وإن كانوا مُشاةً، (فَاشْتَرَى مِنْهُمْ)، اقتصر عليه في «الخِرَقِيِّ»، و «المحرَّر»، فيحتمل قصر الحكم عليه، والمذهب عندنا: لا فرق، كما ذكره المؤلِّف، (وَبَاعَ لَهُمْ؛ فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا هَبَطُوا السُّوقَ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ (٢) غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ الْعَادَةِ)، هذا بيعٌ مكروهٌ صحيحٌ في قول الجماهير؛ لِمَا روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فمَنْ تلقَّاه فاشترى منه؛ فإذا أتى السُّوق فهو بالخِيار» رواه مسلمٌ (٣)، وثبوت الخيار لا يكون إلاَّ في صحيحٍ، والنَّهي لا يرجع لمعنىً في (٤) البيع، وإنَّما يعود لضربٍ من الخديعة يمكن استدراكه بالخيار، أشبه المصرَّاة. وقوَّة كلام كثيرٍ من الأصحاب يقتضي الحكم بقصد التَّلقِّي، فلو خرج بغير قصدٍ، فوافاهم واشترى منهم؛ لم يَحرُم ذلك، وهو احْتِمالٌ في «المغني» و «الشَّرح».

стр. 2618

وقال القاضي: لا فرق بين القصد وعدمه، وذكره في «الفروع»: المنصوص. وذكر في «التَّلخيص» و «الفروع»: أنَّه لا فرق بين البائع والمشتري في ذلك، ولكنَّ النَّصَّ عن أحمدَ إنَّما هو في البائع (١)؛ لظاهر الأخبار. فعليه: يَثبت الخيارُ مع الغَبْن؛ لأنَّه إنَّما ثبت لدفع الضَّرر عن البائع، ولا ضرر مع الغبن (٢). وعنه: يَثبت لهم الخيار مع عَدَمه، وهو ظاهرُ الخبر. وقدَّره بما يخرج عن العادة؛ لأنَّ (٣) الشَّرع لم يَرِدْ بتحديده، فيرجع فيه إلى العرف؛ كالقبض. وظاهر الخِرَقِيِّ: يثبت فيه وإن قلَّ، قاله في «الشَّرح»، وفيه شيءٌ؛ لأنَّ مثلَ ذلك يُتسامَحُ به عادةً. وقال أبو بكرٍ وابن أبي موسى: يُقدَّر بالثُّلث؛ لأنَّه كثيرٌ. وقيل: بالسُّدُس؛ لأنَّ الخيار لو ثبت بأقلَّ من ذلك لأدَّى إلى بطلانِ كثيرٍ من العقود. فائدةٌ: مقتضَى النَّهي عن تلقِّي الرُّكبان؛ إمَّا أن يكذب (٤) في سعر البلد فيكون غارًّا غاشًّا، أو يسكت فيكون مدلِّسًا خادِعًا، فلو صدق في السِّعر؛ فهل يثبت للرُّكْبان الخيار لعموم النَّهي، أو لا؛ لانتفاء الخديعة؟ فيه احتمالان.

стр. 2619

(وَالثَّانِيَةُ: فِي النَّجْشِ)، وهو بيعٌ منهيٌّ عنه، ثُمَّ فسَّره بقوله: (وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا؛ لِيَغُرَّ الْمُشْتَرِيَ)، قال ابن أبي أَوْفى: «هو خِداعٌ حرامٌ» (١). وظاهره: يقتضِي أنَّه لا بُدَّ من حِذْق الَّذي زاد فيها؛ لأنَّ تغرير المشتري لا يحصل إلاَّ بذلك، وأنَّ المشتريَ جاهِلٌ، فلو كان عارِفًا واغترَّ بذلك؛ فلا خيار له؛ لعجلته وعدم تأمُّله. (فَلَهُ الْخِيَارُ) على المذهب؛ لأنَّ النَّهي يعود إلى (٢) النَّاجِش، لا إلى العاقد، فلم يؤثِّر في البيع، ولأنَّ النَّهي لِحَقِّ آدَمِيٍّ معيَّنٍ يُمكن تداركه؛ كبيع المدلِّس وتلقِّي الرُّكْبان. وظاهره: يَثْبُتُ سواء كان مواطأةً من البائع، أو لم يكن (٣). وقيل: لا يثبت إلاَّ إذا كان مواطأةً من البائع. وعنه: يقع لازِمًا، فلا فسخ من غير رضًا، ذكرها في «الانتصار». ولو أخْبَر بأكثر من الثَّمن؛ فصدَّقه المشتري، ثمَّ بان كاذبًا؛ ثبت الخيار، وفي «الإيضاح»: يبطل مع علمه. (إِذَا غُبِنَ)؛ كالمسألة قبلها؛ إذ أصْلُ النَّجْش: الاِسْتِتَار والاستخراج، ومنه سمِّيَ الصَّائدُ: ناجشًا (٤)؛ لاستخراجه الصَّيد من مكانه، فالزائد (٥) فيها

стр. 2620

اسْتَخْرَج من المُسْتام فِي (١) ثمن السِّلعة ما لا يريد أن يخرجه. وقيل: أصله: مدْحُ الشَّيء وإطراؤه، فالنَّاجش يَغُرُّ المشتريَ بمدحه ليزيدَ في الثَّمن. (الثَّالِثَةُ: الْمُسْتَرْسِلُ)، وهو اسم فاعل من استرسل، إذا اطمأنَّ واستأنس لغةً، وفسَّره الإمام أحمد: بأنَّه لا يحسن يماكس (٢)، وذكر الشَّيخان والجَدُّ: هو الجاهل بقيمة المبيع، زاد في «المغني» و «الشَّرح»: ولا يحسن المبايعة. (إِذَا غُبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ) على الأصحِّ؛ لأنَّه حصل لجهله بالمبيع، فثبت (٣) له الخيار، كما سبق. وقيل: يقع لازِمًا؛ لأنَّ النُّقصان لا يمنع لزوم العقد؛ كالغبن اليسير. وظاهره: أنَّ غير (٤) المسترسل لا خيار له؛ لأنَّه دخل على بصيرة بالغبن؛ كالعالم بالعيب، وكالمستعجل. وفي «المُذهب»: يثبت إذا جهلها. وعنه: ولمسترسل إلى (٥) البائع لم يماكسه، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وذكره المذهبَ (٦)، قال أحمد: اشْتَرِ وماكِسْ، قال: والمساومةُ أسهلُ من المرابحة؛ لأنَّه أمانةٌ، ولا يأمنُ الهوى (٧). فرعٌ: حُكم الإجارةِ كالبيع، ذكره في «شرح الهداية» عن القاضي، فإن

стр. 2621

فَسخ في أثنائها؛ رَجع عليه بالقِسط من أُجرة المِثل، لا من المسمَّى. وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّه إذا دلَّس مستأجِرٌ على مُؤْجِرٍ وغَرَّه، حتَّى استأجره بدون القيمة؛ فله أَجْر المثل، قال: ويحرم تغريرُ مشترٍ بأن يسومَه كثيرًا؛ ليبذُلَ قريبه (١). مسألةٌ: خيارُ الغَبنُ فيه وجهان في الفوريَّة وعدمها، هما مبنيَّان على الرِّوايتين في خيار العيب. وهل للإمام جَعْلُ علامةٍ تَنفي الغَبن عمَّن يُغبَن كثيرًا؟ فيه احتمالان. ومن قال عند العقد: لا خِلابةَ؛ فله الخيار إذا خُلب (٢). وقال المؤلِّفُ: لا. (وَعَنْهُ: أَنَّ النَّجْشَ وَتَلَقِّيَ الرُّكْبَانِ بَاطِلَانِ)، أمَّا الأوَّل: فلما روى ابن عمر: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن النَّجْش» (٣)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «لا تَناجَشُوا» متَّفقٌ عليهما (٤)، وهو خديعةٌ، وقال النَّبيُّ ﷺ : «الخديعةُ في النَّار» (٥)، وإذا كان منهيًّا عنه؛ كان باطلاً؛ تغليبًا لحقِّ الله تعالى في النَّهي، وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه اختيار أبي بكرٍ، وصرَّح (٦) في

стр. 2622

«التَّنبيه»: بأنَّه (١) لا يجوز. وقيل: إن نجش البائع، أو واطأ على ذلك؛ بطل، قدَّمه في «المحرَّر»، وصحَّحه ابن حمدان، وخرَّجه صاحب «التَّلخيص» من قول أبي بكر في إبطال البيع (٢) بتدليس العيب، ولأنَّ البائعَ أحدُ ركني العقد، فارتكابه النَّهي يفسد البيع، بخلاف الأجنبيِّ. وأمَّا ثانيًا (٣)؛ فاختاره أبو بكرٍ؛ لما روى ابن عبَّاس قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تلقِّي الرُّكبان، ولا يَبِيعُ حاضِرٌ لبادٍ» متَّفقٌ عليه (٤)؛ لأنَّ النهي يدلُّ على الفساد؛ كبيع الحاضر. وجوابه: بأنَّ بيعَ الحاضر للبادي لا يُمكن استدراكُه؛ لأنَّ الضَّرَر ليس عليه، إنَّما هو على المسلمين، بخلاف التَّلقِّي، فإنَّ الضَّرر عليهم، فأمكن تَداركُه بثبوت الخيار لهم، فلا حاجة إلى الإبطال.

стр. 2623

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيسِ)، قال الجوهريُّ: هو كِتْمانُ العيب في السِّلعة عن المشتري (١)، والمراد هنا: (مَا يَزِيدُ بِهِ (٢) الثَّمَنُ)، وإن لم يكن عَيبًا؛ (كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ)، التَّصرية: مصدر صَرِيَ يَصْرَى، كعَلِيَ يَعْلَى، وصَرَى يَصْرِي، كرمَى يرمِي، وأصلها عند الفقهاء: أن يَجمَع اللَّبنَ في الضَّرع اليومين والثَّلاثة حتَّى يَعظُم، فيَظُنَّ المشتري أنَّ ذلك لكثرة اللَّبن، وإِذًا هي: المصرَّاة، والمحفَّلةُ. قال البخاريُّ: أصل التَّصرية: حبس الماء، يقال: صَرَيْتُ الماءَ (٣). واختلف في معناها لغةً، فقال (٤) الشَّافعيُّ: هي أن يَرْبِط أخْلافَ النَّاقة أو الشَّاة اليومين والثَّلاثة، فيزيده المشتري في ثمنها (٥). وقال أبو عُبَيدٍ: هي النَّاقة أو البقرة أو الشَّاة يُصَرَّى اللَّبن في ضرعها؛ أي: يجمع ويحبس، قال: ولو كانت من الرَّبط لقيل فيها: مصرورة، وإنَّما جاءت مصرَّاة (٦)، قال الخطَّابِيُّ: هو حسنٌ، وقول الشَّافعيِّ صحيحٌ (٧). (وَتَحْمِيرُ وَجْهِ الْجَارِيَةِ، وَتَسْوِيدُ شَعْرِهَا، وَتَجْعِيدُهُ)، يقال: شعر جعد؛ أي: بيِّن الجعودة، وهو ضدُّ السَّبط.

стр. 2624

(وَجَمْعُ مَاءِ الرَّحَى وَإِرْسَالُهُ عِنْدَ عَرْضِهَا؛ فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ) أو الإمساك (١)، في قول أكثر العلماء؛ لِمَا روى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النَّظرَينِ بعد أن يحلُبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها وصاعًا من تمرٍ» متَّفقٌ عليه (٢)، ولأنَّه تدليسٌ غَرَّ المشتري به، فكان له الخيار كالنَّجش، والأصحُّ: ولو حصل (٣) بغير قصد. وظاهره: إن دلَّسه بما لا يختلف به الثَّمن؛ كتبييض الشَّعر، وتسبيطه، وتسويد كفِّ عبدٍ، أو ثوبه، وعلف شاةٍ؛ لا خيار للمشتري؛ لأنَّه لا ضَرَر عليه. وقيل: كالأوَّل. وظاهره: أنَّه لا أرْش مع الإمساك، وهو المذهب؛ لأنَّ الشَّارع لم يجعل له فيها أرْشًا، بل خيَّره بين الإمساك والرَّدِّ مع صاع تمرٍ. وفي «التَّنبيه» و «المبهج» و «التَّرغيب»، ومال إليه صاحب «الرَّوضة»: له الإمساك مع الأَرْش، ونقله ابن هانئٍ وغيره (٤)؛ كالعيب. (وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) سليمٍ، ولو زادت قيمته، نصَّ عليه (٥)، وقيل: أو قمح؛ لوروده في بعض الألفاظ (٦).

стр. 2625

وهذا إن حلبها، فلو علم أنَّها مصرَّاةٌ قبل الحلب ببيِّنةٍ أو إقرارٍ؛ فلا؛ لأنَّه لا وجود للبدل مع وجود المبدل. (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ؛ فَقِيمَتُهُ)؛ أي: التَّمر؛ لأنَّ من وجب عليه شيءٌ فعجز عنه؛ رَجع إلى بدلِه، وبدلُ (١) المِثل عند إعوازه هو القيمة (فِي مَوْضِعِهِ)؛ أي: موضع العقد؛ لأنَّه بمنزلة عينٍ أتلفها، فيجب (٢) عليه قيمتُها، قاله في «المغني» و «الشَّرح». (سَوَاءٌ كَانَتْ) المصرَّاةُ (نَاقَةً، أَوْ بَقَرَةً، أَوْ شَاةً)؛ لعموم قوله ﵇: «مَنِ اشْترَى مُصَرَّاةً فهو بالخِيار» رواه البخاريُّ (٣). وقال داود: لا تثبت (٤) في مصرَّاة البقر؛ لحديث أبي هريرة (٥). وجوابُه: بأنَّ الحكمَ ثَبَت فيها بطريق التَّنبيه؛ لأنَّ لبنَها أغزَرُ وأكثرُ. فرعٌ: لو اشترى مصرَّاتَينِ، أو أكثر في عقدٍ، فردَّهن؛ ردَّ مع كلِّ مصرَّاةٍ صاعًا من تمرٍ، وقاله الشَّافعيُّ (٦). وقيل: لا يتعدَّد، بل في الجميع صاعٌ. (فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ رَدَّهُ، وَأَجْزَأَهُ)، اختاره القاضي، وجزم به

стр. 2626

في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ التمر إنَّما وجب عِوَضًا عن اللَّبن، فإذا ردَّ الأصل؛ وجب أن يُجزِئَ؛ كسائر الأصول مع أبدالها، وكما لو ردَّها به قبل الحَلَب. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إِلاَّ التَّمْرُ)، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لأنَّ إطلاق الخبر يدلُّ عليه، ولأنَّ اللَّبنَ في الضَّرْع أحفظُ له. أمَّا إذا تغيَّر؛ فلا يجزئه وجهًا واحدًا؛ لأنَّه نقص في يده بالحموضة، فهو كما لو أتلفه. وقيل: يجزئه، وإن تغيَّر، ولا شيء عليه؛ نظرًا إلى أنَّ البدل إيجابه منوطٌ بعدم المبدل، والمبدل موجودٌ، وإن حصل نقص فبتدليسٍ (١) من البائع. وصرَّح في «الكافي»: بأنَّ الخلاف مع التَّغيُّر. فرعٌ: إذا رضي بها فأمسكها، ثمَّ اطَّلع على عيبٍ؛ ردَّها به؛ لأنَّ رضاه بعيبٍ لا يمنع الرَّدَّ بعَيبٍ آخَرَ. (وَمَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ؛ فَلَهُ الرَّدُّ)، وقاله أبو الخطَّاب؛ لأنَّه عَلِم بسبب الرَّدِّ، فكان له حينئِذٍ، أشبه ما لو علم بالعيب. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا إِلاَّ بَعْدَ ثَلَاثٍ)؛ أيْ: ثلاثة أيَّامٍ، وهذا ظاهر كلام أحمدَ (٢)، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ اللَّبن يختلف باختلاف المكان وتغيُّر العَلف، فإذا مضت الثَّلاثةُ؛ بانَتِ (٣) التَّصرية، وثبت الخيار على الفور. فعلى هذا: ليس له ردُّها قبل مُضِيِّها، ولا إمساكها بعدها. وقيل: يُخيَّر مطلقًا ما لم يَرْضَ؛ كبقيَّة التَّدليس، وقدَّره ابن أبي موسى

стр. 2627

والمجْدُ والجَدُّ: بثلاثة أيَّامٍ؛ لرواية (١) مسلمٍ: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً؛ فهو بالخيار ثلاثةَ أيَّامٍ» (٢)، فعلى هذا: له الخيار في الثَّلاثة أيَّامٍ إلى انقضائها، عكس ما قاله القاضي. وابتداء المدَّة: بتبيُّن التَّصرية، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، وكلامه في «الكافي» يوهم (٣) أنَّ ابتداءها على قول ابن (٤) أبي موسى: من حين البيع، وليس كذلك بل على قول القاضي. (وَإِنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً)، أو زال العَيبُ؛ (لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ)؛ لأنَّ الخيار حصل لدَفْع الضَّرر بالعيب، وقد زال الحكم بزوال عِلَّته، (فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ)؛ أي: قول (٥) الإمام: (إِذَا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ؛ لَمْ يَمْلِكِ) المشتري (الرَّدَّ) (٦)؛ لما (٧) ذكرناه، قال في «الفصول»: لا رجعيًّا، وأنَّ في طلاقٍ بائنٍ فيه عدَّةٌ؛ احتمالين. (وَإِنْ كَانَتِ التَّصْرِيَةُ فِي غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)؛ كالأمَة والأَتَان؛ (فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأنَّ ذلك لا يُعتاض عنه في العادة، ولا يُقصد قَصْد لبنِ بهيمة الأنعام. (وَالآخَرُ (٨): لَهُ الرَّدُّ)، اختاره ابنُ عَقِيلٍ، وقدَّمه في «المحرَّر»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لعموم ما سبق، ولأنَّ الثَّمن يَختلِف بذلك؛ لأنَّ لبنَ المرأة يراد

стр. 2628

للارْتِضاع ويُرْغَبُ فيها ظئرًا، وكذلك لو اشترط كثرة لبنِها مَلَك الفسخَ إذا بانت بخلافه، ولبنُ الأتان يُراد لولدها. (وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ) على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه لا يُباع، ولا يُعْتاض عنه عادةً. (وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ عَيْبِهَا)، ذكره التِّرمذيُّ عن العلماء (١)؛ لقوله ﵇: «مَنْ غَشَّنا فليس مِنَّا» (٢)، ونَهَى عن التَّصرية، وقوله ﵇: «المسلمُ أخو المسلم، لا يَحِلُّ لمسلمٍ باع من أخيه بَيعًا إلاَّ بيَّنَه (٣)» (٤)، وقال: «من باع عَيبًا لم يبيِّنه (٥)؛ لم يَزَلْ في مَقْتٍ من الله، ولم تَزَلِ الملائكةُ تَلْعَنُه» رواهما ابن ماجَهْ (٦)، وفي «الصَّحيح»: «فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما، وإنْ كَذَبا وكَتَما (٧) مُحِقَتْ بركةُ بَيْعِهما» (٨). وذكر أبو الخَطَّاب: يكره كِتْمانُ العيب، وحكاه في «التَّبصرة» نصًّا. وعلى الأوَّل: (فَإِنْ فَعَلَ؛ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ) على المذهب؛ لحديث

стр. 2629

المصرَّاة (١)، فإنَّه ﵇ صحَّحه مع نهيه عنه. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ البَائِعُ (٢) الْعَيْبَ؛ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ)، ونقله حنبل عن الإمام (٣)؛ لأنَّه منهيٌّ عنه، والنَّهيُ يقتضي الفساد. وكذا لو أعلمه به، ولم يعلَما قَدْر غِشِّه، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وأنَّه يجوز عقابه بإتلافه، والتَّصدُّق به، وقال: أفتى به طائفةٌ من أصحابنا (٤). (قِيلَ لَهُ)؛ أي: لأبي بكرٍ: (مَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ (٥)؟ فَلْمْ يَذْكُرْ جَوَابًا)؛ لأنَّ التَّصرية إلزامٌ (٦) صحيحٌ، ليس عنه جوابٌ، فدلَّ على رجوعه، قاله في «الشَّرح». فائدةٌ: لم يَقُل أبو حَنِيفةَ بحديث المصرَّاة، ورُوِي عن مالكٍ (٧)؛ لأنَّه حديثٌ مخالِفٌ لقياس الأصول المعلومة؛ إذ الأصلُ أنَّ ضمان المِثْلِيَّات بالمِثل، والمتقوِّمات بالقيمة، والتَّمر ليس بمثلٍ، ولا قيمة لِلَّبن، وأن يكون المضمونُ مُقدَّرَ الضَّمانِ (٨) بقيمة التَّالف، وذلك يختلف، وهنا قُدِّر بالصَّاع مطلقًا، ولأنَّ اللَّبن إن كان موجودًا عند العقد؛

стр. 2630

فقد ذهب جزءُ المعقودِ عليه من أصل الخِلقة، وذلك مانِعٌ من (١) الردِّ، وإن حدث بعد الشِّراء فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه وإن كان مختلطًا، فما كان موجودًا عند العقد منع الرَّدَّ، وما كان حادثًا؛ لم يَجِبْ ضمانُه، ولأنَّه (٢) يلزم من القول بظاهره (٣) الجمع بين الثَّمن والمثمن للبائع إذا كانت قيمةُ الشَّاة صاعًا من تمرٍ. وجواب الأوَّل: أنَّ الضَّمان لا ينحصر فيما ذكرتموه، فإنَّ الحرَّ يُضمن بالإبل، وليست بمثلٍ ولا قيمةٍ، والجَنينُ بالغُرَّة. وعن الثَّاني: بأنَّ الضَّمان لا يتقدَّر بذلك؛ كالمُوضِحة، فإنَّ أَرْشها مُقدَّرٌ مع اختلافها بالكِبَر والصِّغر. وعن الثَّالث: أنَّ النَّقص حصل لاستعلام العيب، فلا يمنع. وعن الرابع: بأنَّه ورد على العادة، والعادة لا تُباع (٤) شاةٌ بصاعٍ. والأَوْلَى أن يقال (٥): التَّمر بدل اللَّبن لا الشَّاة، فلا يلزم الجمع بين العِوَض والمعوَّض.
следующие страницы →