← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ التمر إنَّما وجب عِوَضًا عن اللَّبن، فإذا ردَّ الأصل؛ وجب أن يُجزِئَ؛ كسائر الأصول مع أبدالها، وكما لو ردَّها به قبل الحَلَب. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إِلاَّ التَّمْرُ)، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لأنَّ إطلاق الخبر يدلُّ عليه، ولأنَّ اللَّبنَ في الضَّرْع أحفظُ له. أمَّا إذا تغيَّر؛ فلا يجزئه وجهًا واحدًا؛ لأنَّه نقص في يده بالحموضة، فهو كما لو أتلفه. وقيل: يجزئه، وإن تغيَّر، ولا شيء عليه؛ نظرًا إلى أنَّ البدل إيجابه منوطٌ بعدم المبدل، والمبدل موجودٌ، وإن حصل نقص فبتدليسٍ (١) من البائع. وصرَّح في «الكافي»: بأنَّ الخلاف مع التَّغيُّر. فرعٌ: إذا رضي بها فأمسكها، ثمَّ اطَّلع على عيبٍ؛ ردَّها به؛ لأنَّ رضاه بعيبٍ لا يمنع الرَّدَّ بعَيبٍ آخَرَ. (وَمَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ؛ فَلَهُ الرَّدُّ)، وقاله أبو الخطَّاب؛ لأنَّه عَلِم بسبب الرَّدِّ، فكان له حينئِذٍ، أشبه ما لو علم بالعيب. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا إِلاَّ بَعْدَ ثَلَاثٍ)؛ أيْ: ثلاثة أيَّامٍ، وهذا ظاهر كلام أحمدَ (٢)، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ اللَّبن يختلف باختلاف المكان وتغيُّر العَلف، فإذا مضت الثَّلاثةُ؛ بانَتِ (٣) التَّصرية، وثبت الخيار على الفور. فعلى هذا: ليس له ردُّها قبل مُضِيِّها، ولا إمساكها بعدها. وقيل: يُخيَّر مطلقًا ما لم يَرْضَ؛ كبقيَّة التَّدليس، وقدَّره ابن أبي موسى

стр. 2627

والمجْدُ والجَدُّ: بثلاثة أيَّامٍ؛ لرواية (١) مسلمٍ: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً؛ فهو بالخيار ثلاثةَ أيَّامٍ» (٢)، فعلى هذا: له الخيار في الثَّلاثة أيَّامٍ إلى انقضائها، عكس ما قاله القاضي. وابتداء المدَّة: بتبيُّن التَّصرية، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، وكلامه في «الكافي» يوهم (٣) أنَّ ابتداءها على قول ابن (٤) أبي موسى: من حين البيع، وليس كذلك بل على قول القاضي. (وَإِنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً)، أو زال العَيبُ؛ (لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ)؛ لأنَّ الخيار حصل لدَفْع الضَّرر بالعيب، وقد زال الحكم بزوال عِلَّته، (فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ)؛ أي: قول (٥) الإمام: (إِذَا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ؛ لَمْ يَمْلِكِ) المشتري (الرَّدَّ) (٦)؛ لما (٧) ذكرناه، قال في «الفصول»: لا رجعيًّا، وأنَّ في طلاقٍ بائنٍ فيه عدَّةٌ؛ احتمالين. (وَإِنْ كَانَتِ التَّصْرِيَةُ فِي غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)؛ كالأمَة والأَتَان؛ (فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأنَّ ذلك لا يُعتاض عنه في العادة، ولا يُقصد قَصْد لبنِ بهيمة الأنعام. (وَالآخَرُ (٨): لَهُ الرَّدُّ)، اختاره ابنُ عَقِيلٍ، وقدَّمه في «المحرَّر»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لعموم ما سبق، ولأنَّ الثَّمن يَختلِف بذلك؛ لأنَّ لبنَ المرأة يراد

стр. 2628

للارْتِضاع ويُرْغَبُ فيها ظئرًا، وكذلك لو اشترط كثرة لبنِها مَلَك الفسخَ إذا بانت بخلافه، ولبنُ الأتان يُراد لولدها. (وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ) على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه لا يُباع، ولا يُعْتاض عنه عادةً. (وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ عَيْبِهَا)، ذكره التِّرمذيُّ عن العلماء (١)؛ لقوله ﵇: «مَنْ غَشَّنا فليس مِنَّا» (٢)، ونَهَى عن التَّصرية، وقوله ﵇: «المسلمُ أخو المسلم، لا يَحِلُّ لمسلمٍ باع من أخيه بَيعًا إلاَّ بيَّنَه (٣)» (٤)، وقال: «من باع عَيبًا لم يبيِّنه (٥)؛ لم يَزَلْ في مَقْتٍ من الله، ولم تَزَلِ الملائكةُ تَلْعَنُه» رواهما ابن ماجَهْ (٦)، وفي «الصَّحيح»: «فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما، وإنْ كَذَبا وكَتَما (٧) مُحِقَتْ بركةُ بَيْعِهما» (٨). وذكر أبو الخَطَّاب: يكره كِتْمانُ العيب، وحكاه في «التَّبصرة» نصًّا. وعلى الأوَّل: (فَإِنْ فَعَلَ؛ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ) على المذهب؛ لحديث

стр. 2629

المصرَّاة (١)، فإنَّه ﵇ صحَّحه مع نهيه عنه. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ البَائِعُ (٢) الْعَيْبَ؛ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ)، ونقله حنبل عن الإمام (٣)؛ لأنَّه منهيٌّ عنه، والنَّهيُ يقتضي الفساد. وكذا لو أعلمه به، ولم يعلَما قَدْر غِشِّه، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وأنَّه يجوز عقابه بإتلافه، والتَّصدُّق به، وقال: أفتى به طائفةٌ من أصحابنا (٤). (قِيلَ لَهُ)؛ أي: لأبي بكرٍ: (مَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ (٥)؟ فَلْمْ يَذْكُرْ جَوَابًا)؛ لأنَّ التَّصرية إلزامٌ (٦) صحيحٌ، ليس عنه جوابٌ، فدلَّ على رجوعه، قاله في «الشَّرح». فائدةٌ: لم يَقُل أبو حَنِيفةَ بحديث المصرَّاة، ورُوِي عن مالكٍ (٧)؛ لأنَّه حديثٌ مخالِفٌ لقياس الأصول المعلومة؛ إذ الأصلُ أنَّ ضمان المِثْلِيَّات بالمِثل، والمتقوِّمات بالقيمة، والتَّمر ليس بمثلٍ، ولا قيمة لِلَّبن، وأن يكون المضمونُ مُقدَّرَ الضَّمانِ (٨) بقيمة التَّالف، وذلك يختلف، وهنا قُدِّر بالصَّاع مطلقًا، ولأنَّ اللَّبن إن كان موجودًا عند العقد؛

стр. 2630

فقد ذهب جزءُ المعقودِ عليه من أصل الخِلقة، وذلك مانِعٌ من (١) الردِّ، وإن حدث بعد الشِّراء فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه وإن كان مختلطًا، فما كان موجودًا عند العقد منع الرَّدَّ، وما كان حادثًا؛ لم يَجِبْ ضمانُه، ولأنَّه (٢) يلزم من القول بظاهره (٣) الجمع بين الثَّمن والمثمن للبائع إذا كانت قيمةُ الشَّاة صاعًا من تمرٍ. وجواب الأوَّل: أنَّ الضَّمان لا ينحصر فيما ذكرتموه، فإنَّ الحرَّ يُضمن بالإبل، وليست بمثلٍ ولا قيمةٍ، والجَنينُ بالغُرَّة. وعن الثَّاني: بأنَّ الضَّمان لا يتقدَّر بذلك؛ كالمُوضِحة، فإنَّ أَرْشها مُقدَّرٌ مع اختلافها بالكِبَر والصِّغر. وعن الثَّالث: أنَّ النَّقص حصل لاستعلام العيب، فلا يمنع. وعن الرابع: بأنَّه ورد على العادة، والعادة لا تُباع (٤) شاةٌ بصاعٍ. والأَوْلَى أن يقال (٥): التَّمر بدل اللَّبن لا الشَّاة، فلا يلزم الجمع بين العِوَض والمعوَّض.

стр. 2631

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: خِيَارُ الْعَيْبِ، وَهُوَ النَّقْصُ)؛ أي: ما نقص ذات المبيع أو قيمتَه عادةً، وفي «التَّرغيب» وغيره: نقيصةٌ يقتضي العرفُ سلامةَ المبيعِ عنها غالِبًا. ثمَّ شرع في تَعْداد ما يَنْقُصُ الثَّمنَ، وليس من فعل العبد: (كَالْمَرَضِ) على جميع حالاته، (وَذَهَابِ جَارِحَةٍ أَوْ سِنٍّ، أَوْ زِيَادَتِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعُيُوبِ الرَّقِيقِ مِنْ (١) فِعْلِهِ؛ كَالزِّنَى وَالسَّرِقِ، وَالإْبَاقِ، وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ إِذَا كَانَ مِنْ مُمَيِّزٍ)، وجزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأنَّ الزِّنى يَنْقُصُ قيمته ويُقلِّل (٢) الرَّغبة فيه، وقولهم: (ويُعرِّضه (٣) لإقامة الحدِّ) ليس بجيِّدٍ، وشرب الخمر ونحوه؛ كالزِّنى، نَصَّ عليه، والباقي عيوبٌ فيمن (٤) جاوز العشر، فكذا ما دونها، وقدَّم في «الفروع»: أنَّ ذلك مختصٌّ بمن بلغ عشْرًا، نَصَّ عليه (٥). وظاهره: سواءٌ تكرَّر منه أو لا. وصرَّح جماعةٌ: لا يكون عَيبًا إلاَّ إذا تكرَّر. وقيل: بول كبيرٍ إذا تكرَّر، وفي «الواضح»: بالغٍ. وعلم منه: أنَّ ذلك ليس بعَيبٍ في الصَّغير؛ لأنَّ وجودها يدلُّ على نقصان عقله، وضَعفِ بِنْيَتِهِ (٦)، بخلاف الكبير، فإنَّه يدلُّ على خُبْثِ طَوِيَّته، والبَولُ

стр. 2632

على داءٍ في بطنه. أصلٌ: العيوبُ منها ما هو من أصل (١) الخِلْقة، ومنها ما هو من غيرها. فالأوَّل: كالجنون، والجذام، والبرص، والعمى، والعَوَر، والعَرَج، والقَرَع، والصَّمَم، والطَّرَش، والخرَس، والبَخَر، والحَوَل، والتَّخنُّث، وكونه خُنْثَى، والخَصِي، والتَّزويج في الأمَة، وتحريمٍ عامٍّ كالمجوسيَّة، وكحمل (٢) الأمة دون البهيمة، وعدم ختانٍ في كبيرٍ للخوف عليه، وفي «المغني» و «الشرح»: ليس من بلد الكفر؛ لأنَّ العادة أنَّهم لا يختَتِنون، وحُمْق، نَصَّ عليه (٣)، وهو من الكبير: ارتكاب الجهل على بصيرةٍ، وفي «المغني» و «الشَّرح»: وحُمْقٌ شديدٌ، واستطالةٌ على النَّاس. وليس عجمةُ اللِّسان، وفأفاءٌ، وتمتامٌ (٤)، وقرابةُ وارثٍ، وألثغُ، وعدمُ حيض في المنصوص فيه عَيبًا (٥)، ومثله: عقيم. وفي الثيوبة، ومعرفة الغناء، والكفر؛ وجهان. وقيل: وفسقٍ باعتقادٍ أو فعلٍ، وتغفيل. والثَّاني: كون الدَّار يَنزِلها الجندُ، قاله في «التَّرغيب» وغيره، وعبارة القاضي: قد نزلها الجند، قالا: أو اشترى قريةً وجد فيها سَبُعًا أو حيَّةً عظيمةً تَنْقُص الثَّمن، وظاهر كلامهم: وبَقٌّ غيرُ معتادٍ، وقرعٌ شديدٌ من كبيرٍ، وكونه أعسر، والمراد لا يعمل باليمين عملها (٦) المعتاد، وإلاَّ فزيادة خيرٍ، وفي

стр. 2633

«المغني» و «الشرح»: ليس بعيب؛ لعمله (١) بإحدى يديه، وكان شريحٌ يردُّ به، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: والجار السُّوء عيب (٢)، وهو ظاهر. (فَمَتَى (٣) اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ)، ثمَّ عَلِم؛ (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ) وأخْذِ الثَّمن، (وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ)، هذا هو المذهب (٤) المشهور، مع أنَّه في «المغني» و «الشَّرح» لم (٥) يذكرا خلافًا. أمَّا الرَّدُّ؛ فلا نِزاعَ فيه؛ إذ مطلق العقد يقتضي السَّلامة، بدليل: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ اشترى مملوكًا، فكتب: هذا ما اشترى محمَّدُ بن عبد الله من العَدَّاء بن خالدٍ، اشترى منه عبدًا أو أَمَةً لا داء به، ولا غائلة، بيعَ المسلمِ المسلمَ» (٦)، وإذًا يثبت (٧) له الخيار بظهور المبيع معيبًا؛ استدراكًا لما فاته، وإزالةً لما يلحقه من الضَّرر في بقائه في ملكه ناقصًا عن حقِّه. وأمَّا الإمساك مع الأرْش؛ فلأنَّ المتبايِعَين تراضيا على أنَّ العِوَض في مقابلة المعوَّض، فكلُّ جزءٍ من العوض مُقابله (٨) جزءٌ من المعوَّض، ومع العيب فات جزءٌ منه، فيَرجِع ببدله، وهو الأرْش.

стр. 2634

وعنه: لا أرْش لممسكٍ له الرَّدُّ، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١)؛ حذارًا من أن يلزم البائع ما لم يرْضَ به، فإنَّه لم يَرْضَ بإخراج مِلكه إلاَّ بهذا العِوض، فإلزامه بالأرْش إلزامٌ له بشيءٍ لم يلزمه، يحقِّقه حديث المصرَّاة. وجوابُه: أنَّ المصرَّاة ليس (٢) فيها عيبٌ، قاله في «المغني» و «الشَّرح»، وإنَّما مَلَك الخيار فيها بالتَّدليس، لا لفوات جزءٍ، فلذلك لا (٣) يستحقُّ أرْشًا، بخلاف المعيب، فإنَّه يستحقُّه عند تعذُّر الرَّدِّ، فلم يصحَّ الإلحاق. وهل يأخذ الأرْش من عين الثمن (٤)، أو حيث شاء البائع؟ فيه احتمالان. وظاهره: لا فرق بين العيب اليسير وغيره، وقاله في «الرَّوضة» وغيرها. وفي «الانتصار»، و «مفردات أبي يعلى الصَّغير»: لا فسخ بعيبٍ يسيرٍ؛ كصداعٍ وحُمَّى يسيرةٍ، وآياتٍ في المصحف؛ للعادة؛ كغبْنٍ يسيرٍ، ولو من وليٍّ، وكذا قاله أبو الوفاء، والقاضي في «جامعه»، قال: لأنَّه لا يسلم عادةً من (٥) ذلك؛ كيسير التُّراب والعقد في البُرِّ (٦). ومحلُّ ذلك: ما لم يُفْضِ إلى الرِّبا؛ كشراء فضَّةٍ بزنتها دراهم ونحوها معيبة (٧)، أو قفيزٍ ممَّا يجري فيه الرِّبا بمثله، فله الرَّدُّ أو الإمساك (٨) مجَّانًا. وظاهره: أنَّه إذا كان عالمًا به؛ لا خيار له بغير خلافٍ نعلمه (٩)؛ لأنَّه

стр. 2635

دخل على بصيرةٍ أشبه ما لو صرَّح به. وفي «الانتصار»: إذا كان عالمًا به، ولم يَرْضَ؛ ثبت له الخيارُ. (وَهُوَ)؛ أي: الأرْش: (قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ وَالمَعِيبِ (١) مِنَ الثَّمَنِ)، نَصَّ عليه (٢)، وذكره عن الحسن البصريِّ، فقال: يرجع بقيمة العيب من الثَّمن يومَ اشتراه، قال أحمدُ: هذا أحسنُ ما سمعتُ (٣). فعلى هذا: يقوَّم المبيعُ صحيحًا، ثمَّ معيبًا، فيؤخذ قسطُ ما بينهما من الثَّمن، كما إذا قُوِّم صحيحًا بعشرةٍ، ومعيبًا بثمانيةٍ، والثَّمن خمسةَ عشر - مثلاً -، فقد نقصه العيبُ: خُمسه، فيرجع بخُمُس الثَّمن، وهو ثلاثةٌ؛ لأنَّ المبيع مضمونٌ على المشتري بثمنه، ففوات جزءٍ منه يُسقِط عنه ضمانَ ما قابله من الثَّمن. ولأنَّا لو ضمَّنَّاه نقص القيمة؛ لأفضى إلى اجتماع الثَّمن والمثمَن للمشتري في صورة ما إذا اشترى شيئًا بعشرةٍ وقيمتُه عشرون، فوجد به عيبًا ينقصه النَّصف، فأخذها، وهذا لا سبيل إليه. (وَمَا كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ)، وحاصله: أنَّه إذا أراد ردَّ المعيب فلا يخلو: إمَّا أن يكون بحاله، أو يزيد، أو ينقص. فإن كان الأوَّلُ؛ فظاهرٌ: أنَّه يردُّه ويأخذ الثَّمن. وإن كان الثَّاني؛ فهو قسمان: أحدهما: أن تكون الزِّيادةُ متَّصلةً؛ كالسِّمَن، وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، والحمل، والثَّمرة قبل ظهورها؛ فيردُّها بنمائها؛ لأنَّه يتبع في العقود والفسوخ، ولعدم

стр. 2636

تصور (١) ردِّها بدونه. وظاهره: أنَّه لا يلزم البائع قيمتها في قول أكثر الأصحاب؛ لئلاَّ يلزمه معاوضةٌ لم يلتزمها. وقال ابن عقيل: القياس: أنَّ للمشتري القيمةَ؛ لحدوثها في ملكه (٢)، وكالصَّداق، وهو روايةٌ، وفي القياس نظرٌ. الثَّاني: أن تكون منفصلةً، وهي نوعان: أحدهما: أن يكون من (٣) غير المبيع؛ كالكسب، والأجرة، وما يُوهَب له، أو يوصى له به، فهذا للمشتري في مقابلة ضمانه؛ لأنَّه لو هلك كان من مال المشتري، وحكاه في «المغني» و «الشَّرح» بغير خلافٍ نعلمه، وفيه روايةٌ، ذكرها في «الكافي» و «الفروع». الثَّاني: أن يكون من المبيع، كالولد، والثَّمرةِ المجدودة، واللَّبنِ المحلوب، فالمذهبُ المعمول به: أنَّه للمشتري أيضًا، ويردُّ الأصل بدونها؛ لقوله: «الخَراجُ بالضَّمان» (٤). (وَعَنْهُ: لَا يَرُدُّهُ إِلاَّ مَعَ (٥) نَمَائِهِ) المنفصل، حكاها القاضي والشَّيخان؛ جَعْلاً للنَّماء كالجزء من الأصل، أو نظرًا إلى أنَّ الفسخ رفعٌ للعقد من أصله حُكمًا. ويَرِدُ عليه: الكسبُ ونحوه، وقد يفرَّق بينهما. وناقش الشَّيخ تقيُّ الدِّين القاضيَ وغيرَه في هذه الرِّواية، فإنَّهم أخذوها

стр. 2637

من رواية ابن منصورٍ (١)، وفي الأخذ نظرٌ، فلو حدث (٢) العقد وهي حامِلٌ، فولدت عنده، ثمَّ ردَّها؛ ردَّ ولدها معها، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّه من جملة المبيع، والولادة هنا نَماءٌ متَّصِلٌ بالمبيع، وهذا ظاهر كلام أحمدَ، واختاره الشَّيخان؛ لأنَّه يحرم التَّفريق بينهما، فمرادهم بالولد هنا ولد البهيمة، لا الأمَة، فإن تَلِف الولدُ؛ فهو كتعيُّب المبيع عنده. وقال القاضي، والشَّريف، وأبو الخطَّاب: له إمساكُ الولد ورَدُّ الأمِّ؛ لأنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، كما لو ولدت حرًّا فباعها دونه. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الجمعَ ممكنٌ بأخْذ الأرْش، أو ردِّهما معًا. وأمَّا النَّقص فسيأتي. (وَوَطْءُ الثَّيِّبِ) إذا اطَّلع على عيبٍ بها (لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ) على الأصحِّ؛ لأنَّه لم يحصل نقصُ جزءٍ ولا صفةٍ، ولم يتضمَّن الرِّضا بالعيب، فلم يمنَعِ الرَّدَّ؛ كالاستخدام، وكما لو كانت مزوَّجةً فوطئها الزَّوج، فعلى هذا: يردُّها مجَّانًا، ولهذا له بيعها مرابحة بلا إخبارٍ (٣)، قاله في «الانتصار». وعنه: يَرُدُّ معها مهرَ مثلها، وقاله ابن أبي موسى، روي عن عمر (٤)؛ لأنه إذا فَسَخ صار واطئًا في ملك الغير، بناءً على أنَّ الفسخ رَفْعٌ للعقد من أصله. (وَعَنْهُ: يَمْنَعُ)، روي عن عليٍّ وغيره (٥)؛ لأنَّ الوَطْء كالجناية؛ لأنه لا

стр. 2638

يخلو في مِلْكِ الغير من عقوبةٍ أو مالٍ، فوجب أن يمنع الرَّدَّ؛ كالبكر. (وَإِنْ وَطِئَ الْبِكْرَ، أَوْ تَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ)؛ كقطع الثَّوب؛ (فَلَهُ الْأَرْشُ)، اختاره أبو بكرٍ وأبو الخطَّاب وابن أبي موسى، وذكر أنَّه الصَّحيح عن أحمدَ، وقدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ العقد اقتضى السَّلامة، فإذا فات منه شيءٌ؛ وجب الرُّجوعُ فيما قابَلَه من الثَّمن، فعلى هذا لا يَملك الرَّدَّ؛ لأنَّه شُرِع لإزالة الضَّرر، وفي الرَّدِّ ضررٌ على البائع، والضَّرر لا يُزالُ بالضَّرر؛ إذ ضرر المشتري ينجبِر بالأرْش فتعيَّن، ولأنَّ وطأها يعيبها عرفًا، وينقصها حسًّا؛ لكونه يذهب جزءًا منها. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ (١) بَيْنَ الْأَرْشِ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَأَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ)، وهذا (٢) اختيار الخِرَقِيِّ، والقاضي أبي الحسين، والمؤلِّف، قال في «التَّلخيص»: وهي المشهورةُ، وعليها الأصحاب؛ لحديث المصرَّاة (٣)، فإنَّه جعل للمشتري الرَّدَّ مع ذهاب جزءٍ من المبيع، وهو اللَّبن، وجعل التَّمرَ بدلاً له. وقد روى الخَلاَّل بإسناده عن ابن سيرين: أنَّ عثمان قال في رجلٍ اشترى ثوبًا ولَبِسه، ثمَّ اطَّلع على عيبٍ: «فرُدُّه وما نقص» (٤)، فأجاز الرَّدَّ مع

стр. 2639

النُّقصان، وعليه اعتمد أحمد (١)، ولأنَّه عَيبٌ حَدَث عند أحد المتعاقدَين، فلم يَمنع الخيارَ المذكور؛ كالعيبِ الحادثِ عند البائعِ قَبل القبضِ. وظاهرُه: ولو أمكنَ عَوْدُه. وفيه روايةٌ: كزوالِه قَبل (٢) ردِّه. وإن زال بعدَه؛ ففي رجوعِ مشترٍ على بائعٍ بما دَفَعه إليه احتمالان. فعليها: إن أمسكَ وأَخَذ أرْشَ العيبِ الموجود قبل البيع؛ فظاهرٌ، وإن ردَّه؛ ردَّ أرْش العيب الحادث عندَه؛ لأنَّ التَّلف حصل في يده، فكان ضمانُه عليه كالآخَر، فإذا كانت بكرًا قيمتُها مائةً، وثيِّبًا ثمانين؛ ردَّ معها عشرين؛ لأنَّه بفسخ العقد يصير مضمونًا عليه بقيمته، بخلاف أرش العيب الَّذي يأخذه المشتري. وعنه: الواجب في وطء البكر: المهر مع أرش البكارة. (قَالَ الْخِرَقِيُّ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ قَدْ (٣) دَلَّسَ الْعَيْبَ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ كَامِلاً)؛ أي: إذا دلَّس البائعُ العيب؛ أي: كتمه وأخفاه، فإنَّ المشتريَيَرُدُّ بلا أَرْشٍ، ويلزم البائعَ ردُّ الثَّمن بكماله، وهذا هو المنصوص (٤)، وبالَغَ ابنُ أبي موسى فقال: له الرَّدُّ قولاً واحدًا، ولا عقد عليه؛ لأنَّه قد ورَّط المشتريَ

стр. 2640

وغرَّه (١)، فصار كالغارِّ بحريَّة أمةٍ، الضَّمانُ عليه. ولا فرق في العيبِ الحادث، سواء كان بفعلِ المشتري؛ كوطء البِكر، أو أجنبيٍّ، كما لو جَنَى عليه، أو بفعل العبد؛ كالإباق والسَّرقة، أو بفعل الله تعالى؛ كالمرض، وسواءٌ كان منقصًا (٢) للمبيع، أو مُذهِبًا لجميعه. ثمَّ أكَّد ذلك بقوله: (قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ الْعَيْبَ؛ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ)، وابن القاسم (٣)، قال الإمام أحمد (٤) في رجل اشترى عبدًا فأَبَقَ من يده، وأقام بيِّنةً أنَّ إباقَه كان موجودًا في يد البائع: يَرجع على البائع بجميع الثَّمن الَّذي أَخَذه منه؛ لأنَّه غرَّه ويتبعُ البائعُ عبدَه حيث كان، ويُحكى عن الحكَم ومالكٍ (٥). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَلْزَمَهُ عِوَضُ الْعَيْنِ إِذَا تَلِفَتْ، وَأَرْشُ البَكَارَةِ (٦) إِذَا وَطِئَهَا)، حكاه المجْدُ روايةً، وذكر في «المغني»: أنَّه مذهب أكثر العلماء؛ (لِقَوْلِهِ ﵇: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ») رواه الخمسةُ، وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن القَطَّان من حديث عائشة، ورواه الشَّافعيُّ، والحاكم وقال: (صحيحُ الإسناد)، وفيه نظرٌ، فإنَّه من رواية مخْلَد بن خُفافٍ، ومسلم بن خالدٍ الزَّنْجيِّ، وقد اختُلِف فيهما (٧)، (وَكَمَا يَجِبُ عِوَضُ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ عَلَى الْمُشْتَرِي) مع كونه قد نُهِي عنها، وإنَّما أوجب على المشتري عوضَ اللَّبن؛ لأنَّه مبيعٌ تعيَّب في يد المشتري بعد تمام مِلكه، فكان مِنْ ضمانِه، كما لو لم

стр. 2641

يدلِّسه، ولأنَّ وجوبَ الضَّمانِ على البائع لا يَثبت إلاَّ بدليلٍ، قال في «المغني» و «الشَّرح»: ولا (١) نَعلم له أصلاً، ولا يُشبه التَّغرير بحريَّة أمةٍ؛ لأنَّه يَرجع على من غرَّه وإن لم يكن سيِّدَها، وههنا لو كان التَّدليس من (٢) وكيل البائع؛ لم يَرجع عليه بشيءٍ. تنبيهٌ: قد شمل ما ذكرنا: كلَّ مبيعٍ كان معيبًا لم يُعلم به، ثمَّ حَدث به آخَر؛ كزنى الأمة ولم يكن ذلك عُرِف منها، وفيه احتمالٌ: ونسيان (٣) صَنْعةٍ وكتابةٍ. وعنه: يردُّه، ولا شيء عليه، وعلَّله القاضي: بأنَّه ليس بنقصٍ في العين، ويُمكن عودُه بالتَّذكير، وكذا لو كان سمينًا فهزل. والعيبُ بعد العقد قبلَ قبض المشتري؛ كالعيب قبلَه فيما ضمانه على البائع. وقال جماعةٌ: لا أرْش إلاَّ أن يتلفَه آدميٌّ فيأخذه منه. وإن كان من ضمان المشتري؛ غَرِمه؛ كالعيب الحادث عنده. وعنه: عُهْدة الحيوان ثلاثة أيَّامٍ. وعنه: سَنةٌ، قال في «المبهج»: (وبعدها)، قال أحمد: (ليس فيه حديثٌ صحيحٌ) (٤)، وقال ابن المنذر: (لا يثبت في العُهْدة حديثٌ) (٥)، والحسن لم يلق (٦) عُقبة (٧)،

стр. 2642

وإجماع المدينة (١) ليس بحجَّةٍ. (وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ (٢)، أَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ)، ثمَّ علم عَيبه؛ (رَجَعَ بِأَرْشِهِ)؛ أي: إذا ظهر المشتري على عيب في السِّلعة المبيعة بعد أن تَلِفتْ تَلَفًا معنويًّا؛ كالإعتاق ونحوه؛ كالوقْف والاستيلاد، أو حِسِّيًّا؛ كالموت وتلف الثَّوب؛ فله الأَرْش روايةً واحدةً؛ لأنَّه كان يملك ذلك، والأصل البقاء؛ إذ التَّخيير بين شَيئين يقتضي تعيين أحدهما عند تعذُّر الآخَر. وخرَّج بعض أصحابنا من (٣) خيار الشَّرط: أن يَفسخَ، ويَرجِعَ بالثَّمن، ويَغرمَ القيمة. وفرَّق صاحب «التَّلخيص»: بأنَّ هذا يعتمد (٤) الرَّدَّ ولا مردودَ، ثمَّ يعتمد الفسخ. ومقتضاه: أنَّ الأرش له، ولا يَلزمه صرفُه في الرِّقاب، وهو الأصحُّ؛ إذ العتق إنَّما صادف الرَّقبةَ، لا الجزءَ الفائت. والثَّانية: بلى؛ لأنَّه عيَّن (٥) الرَّقبة لله تعالى ظانًّا سلامتها، فاقتضى خروجه

стр. 2643

عن هذا الجزء. وحملها المؤلِّف على الاستحباب، والقاضي على ما إذا كان العِتقُ في واجب، فأمَّا التَّبرُّع؛ فالأرشُ (١) له قولاً واحدًا. (وَكَذَلِكَ إِنْ بَاعَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ)، لأنَّ البائع لم يَعرف ما أوجب له العقد، ولم يوجد منه الرِّضا به ناقصًا، فكان له الرُّجوع، كما لو أعتقه. (وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَهُ)، فله أرْشه، جزم به الأكثرُ؛ لأنَّه لم يَستدرك ظُلامته، أشبه الوقف. وعنه: أنَّها كالبيع؛ لأنَّه لم ييأس من إمكان الرَّدِّ؛ لاحتمال رجوع الموهوب إليه. وجوابه: بأنَّ إمكانَ الرَّدِّ ليس بمانعٍ من (٢) أَخْذ الأرْش، كما قبل الهبة. فرعٌ: إذا زال مِلكه عنه غير عالمٍ بعيبه، وقلنا: له الأرْش؛ قُبِل قوله في قيمته، ذكره في «المنتخب». (وَإِنْ فَعَلَهُ)، من (٣) العتق ونحوه، (عَالِمًا بِعَيْبِهِ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ) على الأشهر؛ لأنَّه قد رَضي بالمبيع ناقصًا، فسقط حقُّه من الأرْش؛ كالرَّدِّ بلا نزاعٍ. وفي «المغني»: قياسُ المذهب: أنَّ له الأرْشَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ التَّصرُّف هنا بمنزلة الإمساكِ مع العلم؛ إذ الأرْشُ عِوَضُ الجزءِ الفائت. (وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِيمَنْ بَاعَهُ: لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ)؛ أي: لا أرْش له مطلقًا، وهذا ظاهر الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ امتناع الرَّدِّ كان بفعله، وقد استدرك

стр. 2644

ظلامته ببيعه، أشبه ما لو زال العيب. (إِلاَّ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ، فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ الرَّدُّ أَوِ الْأَرْشُ)؛ لأنَّه إذا عاد ملكه ثبتتِ الخِيَرةُ، كما لو لم يَبِعْه. فرعٌ: لو باعه مشترٍ لبائعه له؛ فله ردُّه على البائع الثَّاني، ثمَّ للثَّاني ردُّه عليه، وفائدته اختلاف الثَّمنَين. (وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ؛ فَلَهُ أَرْشُ الْبَاقِيِ) في ملكه بلا نزاع (١)؛ لأنَّه باقٍ في يده، فات منه جزءٌ اقتضى العقدُ سلامتَه، فكان له عِوضُه، ويكون بالحساب، فإذا باع النِّصْفَ؛ كان له نصفُ الأرْش، أو الرُّبعَ؛ فله ثلاثةُ أرباعه. وليس هذا خاصًّا بالبيع، بل إذا زال ملكه عن بعضه؛ فكذلك، صرَّح به في «الرِّعاية»، وإنَّما نصَّ على البيع (٢) لكثرته. (وَفِي أَرْشِ المَبِيعِ (٣) الرِّوَايَتَانِ)، فيما إذا باع الجميع، ثمَّ عَلِم العيب (٤)، ونَصُّ أحمدَ: أنَّه لا شيء للبائع مع تدليسه (٥). وظاهره: أنَّه ليس له ردُّ الباقي، وهو الأصحُّ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ)، وهو رواية عن أحمد: (لَهُ رَدُّ مِلْكِهِ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ)؛ لأنَّه مبيع (٦) ظهر على عيبه، وأمكنه الرَّدُّ فملكه، كما لو كان جميعه باقيًا، (أَوْ أَرْشُ (٧) الْعَيْبِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ)؛ لما ذكرناه. قال القاضي: سواءٌ كان المبيعُ عَينًا واحدةً أو عَينينِ.

стр. 2645

وخَصَّ في «المغني» و «الشرح» الخلاف بما إذا كان المبيع عينين، ولم يَنْقُصْهما التَّفريق؛ كالعبدين والثَّوبين، فإذا نقصهما التَّفريق؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ، أو كان عَينًا واحدةً؛ فيمتنع الرَّدُّ؛ دفْعًا لضرر البائع؛ لنقصهما بالتَّفريق. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ضرَرَه يندفع بردِّ أرْشِ النَّقص. وحملَا قولَ الخرقي على ما إذا دلَّس البائعُ العيبَ، فإنَّ للمشتري الردَّ مطلقًا؛ لأنَّ نقص المبيع عنده لا أثر له مع التَّدليس، كما مرَّ. (وَإِنْ صَبَغَهُ، أَوْ نَسَجَهُ؛ فَلَهُ الْأَرْشُ)؛ لأنَّه أمكن استدراكُ ظُلامته من غير ضررٍ على البائع، فتعيَّن؛ لما فيه من الجمع بين الحَقَّين، وليس له الرَّدُّ على المذهب؛ لأنَّه شغل المبيع بملكه (١)، فلم يكن له ردُّه؛ لما فيه مِنْ سوءِ المشاركة، وكما لو فَصَّله. (وَعَنْهُ: لَهُ الرَّدُّ، وَيَكُونُ) المشتري (شَرِيكًا بِصَبْغِهِ وَنَسْجِهِ)؛ أي: يكون (٢) شريكًا بقيمة الزِّيادة كالغاصب، وبعَّده في «الشَّرح». ولا يُجبر البائع على بذلِ عِوَض ذلك على الأصحِّ، ولا المشتري على قبوله في الأصحِّ. (وَإِنِ اشْتَرَى مَا مَأْكُولُه فِي جَوْفِهِ، فَكَسَرَهُ، فَوَجَدَهُ فَاسِدًا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةٌ؛ كَبَيْضِ الدَّجَاجِ)، والجَوز، والرُّمَّان، والبطِّيخ؛ (رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ) في ظاهر المذهب؛ لأنَّا تبيَّنَّا فسادَ العقد من أصله؛ لكونه وقع على ما لا نفع (٣) فيه؛ كبيع الحشرات. فإن كان بعضه فاسدًا؛ رَجع بقِسطه من الثَّمن، قاله في «الرِّعاية». وليس عليه ردُّ المبيع إلى بائعه؛ لعدم الفائدة فيه.

стр. 2646

(وَإِنْ كَانَ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةٌ؛ كَبَيْضِ النَّعَامِ، وَجَوْزِ الْهِنْدِ)، والبطِّيخ الذي فيه نَفْعٌ؛ (فَلَهُ أَرْشُهُ) على المذهب، قاله ابن المنجَّى، وفيه نظرٌ، فإنَّه روايةٌ؛ لأنَّه تعذَّر ردُّه بكسره، فتعيَّن الأَرْش. (وَعَنْهُ: يَتَخَيَّرُ (١) بَيْنَ أَرْشِهِ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ مَا نَقَصَهُ وَأَخْذِ الثَّمَنِ)، اختاره الخِرَقيُّ، ورجَّحه جماعةٌ؛ لحديث المصرَّاة (٢)، فإنَّه جعل للمشتري الرَّدَّ مع ردِّ بدل المتلَف بيده من المبيع، وهو اللَّبن مع تدليس البائع وغرره، فهنا أولى. وقال القاضي: إن كسره كسرًا لا يُمكن الاستعلامُ إلاَّ به؛ فله ردُّه؛ استدراكًا لظُلامته، ولا أرش عليه؛ لأنَّ الكسرَ حَصَل ضرورةَ الاستعلام، والبائعُ سلَّطه عليه، وإن كسره كسرًا يُمكن الاستعلام (٣) بدونه؛ فينبني على الرِّوايتين فيما إذا تعيَّب في يده، هل يلزمه ردُّ أرش الكسر المستعلَم به، والرَّدُّ إن زاد على قدر الاستعلام؟ فيه وجهان. (وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ)؛ لأنَّ البائع لم يوجَد منه تدليسٌ ولا تفريطٌ؛ لعدم معرفته بعَيبه، زاد في «المحرر» و «الفروع»: إلا مع شرط سلامته، فإنَّه يتعيَّن. تنبيهٌ: تقدَّم أنَّه إذا اشترى ربويًّا (٤) بجنسه، فبان معيبًا؛ فله الفسخ للضَّرورة دون الأرْش؛ لإفضائه إلى التَّفاضل. وعنه: له الأرش؛ لأنَّه عِوض الفائت. قال بعضهم: من غير جنسه؛ قياسًا على مُدِّ عَجْوة.

стр. 2647

فإن حَدَث به عيبٌ عند المشتري؛ فروايتان: إحداهما: يردُّه ويردُّ أرش العيب الحادث عنده، كما لو (١) جَنى عليه في مِلك صاحبه. والأخرى (٢): يَفسخ الحاكمُ البيعَ، ويرُدُّ البائعُ الثَّمنَ، ويطالِب بقيمة (٣) الحلي - مثلاً -؛ لأنَّه لم يُمكن إهمالُ العيب، ولا أَخْذ الأرش. (وَمَنْ عَلِمَ الْعَيْبَ، فَأَخَّرَ الرَّدَّ؛ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ (٤)؛ لأنَّه خيارٌ لدفع ضررٍ متحقَّقٍ، فلم يبطل بالتَّأخير الخالي عن الرِّضا به؛ كخيار القصاص، (إِلاَّ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، مِنَ التَّصَرُّفِ وَنَحْوِهِ)؛ كالوطء والسَّوم والاستغلال، ذكره مُعظَمُهم؛ لأنَّ دليل الرِّضا منزَّل منزلة التَّصريح به، لكن لو احتلب المبيعَ ونحوَه؛ لم يَمنع الرَّدَّ؛ لأنَّه مِلكه؛ فله أخذه، فيستثنى، قال في «عيون المسائل»: أو ركبها ليسقيها، أو علفها. وفي «المغني» و «الشرح»: إن استخدم لا للاختبار؛ بطل ردُّه بالكثير، وإلاَّ فلا. ومقتضاه: أنَّه يبطل بما ذكرنا، وأنَّه (٥) لا أرْش أيضًا، وهو المذهب. وعنه: له الأرش، قال في «الفروع»: وهو أظهر؛ لأنَّه وإن دلَّ على الرضا؛ فمع الأرش كإمساكه، اختاره الشيخ، قال: وهو قياس المذهب، وقدَّمه في «المستوعب». قال في «التَّنبيه»: والاستخدام والرُّكوب لا يمنع أرش العيب إذا ظهر قبل

стр. 2648

ذلك أو بعده، وأحمد في رواية حنبل: إنَّما نصَّ أنَّه يمنع الردَّ (١)، فدلَّ أنَّه لا يمنع الأرش. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ)؛ لأنَّه خيارٌ ثَبت بالشَّرع لدفع (٢) الضَّرر عن المال، أشْبَهَ الشُّفعة، فعلى هذا متى عَلِم العيبَ وأخَّر الرَّدَّ مع إمكانه؛ بطل خيارُه؛ لأنَّه يدلُّ على الرِّضا؛ كالتَّصرُّف. وجوابه: أنَّ الشُّفعة ثبتتْ لدفع (٣) ضررٍ غير محقَّقٍ، بخلاف الرَّدِّ بالعيب. (وَلَا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ إِلَى رِضًا، وَلَا قَضَاءٍ، وَلَا حُضُورِ صَاحِبِهِ)؛ لأنَّه رَفْع عقْدٍ جُعِل إليه، فلم يعتبر فيه ذلك؛ كالطَّلاق. وظاهره: سواءٌ كان قبلَ القبض أو بعدَه. (وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا، وَشَرَطَا الْخِيَارَ، أَوْ وَجَدَاهُ مَعِيبًا، فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا؛ فَلِلآخَرِ الْفَسْخُ فِي نَصِيبِهِ) في المنصوص (٤)؛ لأنَّ نصيبه جميع ما يملكه بالعقد، فجاز له ردُّه بالعيب تارةً وبالشَّرط أخرى، وكشراء واحدٍ من اثنين، وعلَّله في «المغني»: بأنَّ عقدَ الواحدِ مع الاثنين عقدان، فكأنَّه باع كلَّ واحد منهما نصيبه مفردًا، فردَّ عليه أحدهما جميع ما باعه إيَّاه، فاقتضى ذلك: أنَّها خرجت من ملك البائع مُشقَّصة. (وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ)؛ لأنَّه خَرَج من مِلك البائع دفعةً واحدةً، فإذا ردَّ أحدُهما نصيبَه؛ ردَّه مشترَكًا مشقَّصًا، فلم يكن له ذلك، وكما (٥) لو تعيَّب عنده، أو ورثاه.

стр. 2649

وهذا ظاهر في المعيب، واقتصر في «المحرَّر» عليه، وأمَّا في خيار الشرط فلا، فعلى هذا: له الأرش. وقياس الأوَّل: للحاضر منهما نَقْدُ نصف ثمنه وقبضُ نصفه. وإن نَقَد كلَّه؛ قبض نصفه، وفي (١) رجوعه الروايتان، ذكره في «الوسيلة» وغيرها. وعلى الأوَّل: لو قال: بعتُكُما، فقال أحدهما: قبلتُ؛ جاز. (وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ مَعِيبَيْنِ (٢)، أو طعامًا في وعاءين، ذكره في «التَّرغيب» وغيره، (صَفْقَةً (٣) وَاحِدَةً؛ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ رَدُّهُمَا أَوْ إِمْسَاكُهُمَا)، قاله القاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ في ردِّ أحدهما تفريقًا للصَّفقة على البائع مع إمكان ألاَّ يفرقها (٤)، أشبه ردَّ بعض المعيب الواحد، فعلى هذا: إذا أمسك فله الأرش. وعنه: له ردُّ أحدهما بقِسطه من الثمن، كما لو كان أحدهما معيبًا. وعنه: يتعيَّن. (فَإِنْ (٥) تَلِفَ أَحَدُهُمَا؛ فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي بِقِسْطِهِ) مِنَ الثمن (٦) لأنَّه ردٌّ للمعيب على وجهٍ لا ضرر فيه على البائع، فجاز، كما لو ردَّ الجميع. وفي «المغني»: أنَّ الردَّ هنا مبنيٌّ في ردِّ أحدهما، فعلى هذا: إن قلنا: ليس له (٧) ردُّ أحدهما؛ فليس له ردُّ الباقي إذا تلف أحدهما.

стр. 2650

(وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ (١) التَّالِفِ؛ قَوْلُهُ)؛ أي: قول المشتري، (مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأنَّه منكِرٌ لما يدَّعيه البائع من زيادة قيمته، ولأنَّه بمنزلة الغارم. وقيل: يُقبَل قول البائع. (فَإِنْ (٢) كَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا)، وأبى أخْذَ الأَرْش؛ (فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي بِقِسْطِهِ) مِنَ الثَّمَنِ (٣)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه ردٌّ للمبيع المعيب من غير ضررٍ على البائع، كما سبق. (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لَهُ إِلاَّ رَدُّهُمَا أَوْ إِمْسَاكُهُمَا)؛ لأنَّ في ردِّ المعيب وحدَه تبعيضًا للصَّفقة على البائع، فلم يكن له ذلك، كما لو كان المبيع (٤) ممَّا ينقص بالتَّفريق، ولم يرجِّح في «الفروع» شيئًا. (وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَنْقُصُهُ التَّفْرِيقُ؛ كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، أَوْ زَوْجَيْ (٥) خُفٍّ، أَوْ مِمَّنْ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا؛ كَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا؛ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا)، روايةً واحدةً، بل يتعيَّن إمَّا ردُّهما أو إمساكهما؛ لما فيه من الضَّرر على البائع بنقصِ القيمة وسوءِ المشاركة، وللنهي (٦) الخاص عن (٧) التَّفرقة بين الوالدة وولدِها، وكلُّ ذي رَحِمٍ محرَمٍ كذلك، قال في «الفروع»: ومثلُه بيعُ جانٍ له ولدٌ صغيرٌ، يباعان وقيمةُ الولد لمولاه. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ هَلْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي)، وكان محتملاً لقول كلٍّ منهما، كالخَرْق في الثَّوب ونحوه؛ (فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ

стр. 2651

قَوْلُهُ؟ فِيهِ (١) رِوَايَتَانِ)، وكذا في «الفروع»: إحداهما: يُقبل قولُ المشتري مع يمينه، وهي اختيار الخِرَقيِّ، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ القبض في الجزء الفائت، فكان القولُ قولَ من ينفيه، كما لو اختلفا في قبض المبيع ويمينه على البتِّ، فيحلف أنَّه اشتراه وبه العيب، أو أنَّه ما حدث عنده. والثَّانية: يُقبَل قولُ البائع مع (٢) يمينه، وهي أنصُّهما، واختارها القاضي في الرِّوايتَين، وأبو الخطَّاب، وقدَّمها في «المحرَّر»؛ لأنَّ الأصلَ سلامةُ المبيع وعدم استحقاق الفسخ. ويمينه على حسب جوابه، فإن أجاب: أنَّ العيب لم يكن فيه؛ حلف على ذلك، وإن أجاب: أنَّه ما يستحقُّ على ما يدَّعيه من الرَّدِّ؛ حلف على ذلك. والأشهر: أنَّه يحلف على البتِّ؛ لأنَّ الأيمان كلَّها على البتِّ، إلاَّ على النفي في فعل الغير. وعنه: على نفي العلم. وفي «الإيضاح»: يتحالفان. (إِلاَّ أَنْ لاَّ يَحْتَمِلَ إِلاَّ قَوْلُ أَحَدِهِمَا)؛ كالأصبع الزَّائدة، والجرح المندمل عقيب العقد، والجرح الطِّريِّ الذي لا يحتمل أن يكون قديمًا؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ) من يدَّعيه، (بِغَيْرِ يَمِينٍ)؛ للعلم بصدقه، فلا حاجة إلى استحلافه. وقيل: بلى؛ لأنَّه محتمَلٌ. فرعٌ: إذا اشترى جاريةً على أنَّها بِكْرٌ، وأنكر المشتري بكارتها؛ أُرِيَتِ الثِّقاتِ، ويُقبَل فيه قولُ واحدةٍ.

стр. 2652

فإن وطئها وقال: ما وجدتها بكرًا؛ فوجهان (١) مبنيَّان على الاختلاف في العيب الحادث، ذكره في «المغني» و «الشَّرح». تنبيهان: الأوَّل: إذا وكَّل في البيع، فباع الوكيل، ثمَّ ظهر المشتري على عيبٍ بالمبيع؛ فله ردُّه على الموكِّل. فإن كان العيب ممَّا يُمكن حدوثُه، فأقرَّ به الوكيلُ، وأنكر موكِّلُه، فقال أبو الخطاب: يُقبل إقراره على موكِّله بالعيب؛ لأنَّه أمرٌ يُستحَقُّ به الرَّدُّ، فقبل؛ كخيار الشَّرط. وصحَّح المؤلف: أنَّه لا يقبل؛ لأنَّه إقرارٌ على الغير، فلم يُقبل؛ كالأجنبيِّ، فعليه لو ردَّه على الوكيل؛ لم يَملك ردَّه على الموكِّل؛ لأنَّ ردَّه بإقراره، وهو غير مقبولٍ على غيره. فإن أنكره الوكيل، وتوجَّهت عليه اليمين، فنَكَل عنها، فردَّ عليه بنُكوله؛ فهل له ردُّه على الموكِّل؟ فيه وجهان. الثَّاني: إذا ردَّ المشتري السِّلعة بعيبٍ، وأنكر البائع أنَّها سلعته؛ قُبل قوله، بخلاف ما إذا رُدَّت عليه بخيار شرطٍ، فإن القولَ قولُ المشتري، نصَّ عليهما (٢)؛ لأنَّهما اتَّفقا على استحقاق فسخِ العقد، والرَّدُّ بالعيب بخلافه. مسألةٌ: إذا خرج من يده إلى يد غيره؛ لم يَجُزْ له أن يردَّه، نقله مهنَّى (٣). (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا تَلْزَمُهُ عُقُوبَةٌ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِهِ، يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأنَّه رضي به معيبًا، أشبه سائر المعيبات. (وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الْبَيْعِ؛ فَلَهُ الرَّدُّ) وأخْذُ الثَّمن، أو الإمساك مع (الْأَرْشِ)؛

стр. 2653

لأنَّه عيبٌ، فملك به الخِيَرة؛ كبقيَّة العيوب. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى قُتِلَ؛ فَلَهُ الْأَرْشُ)؛ لأنَّه تعيَّن (١)؛ لتعذُّر الرَّدِّ، وهو قِسْطُ ما بين كونه جانيًا وغير (٢) جانٍ، فيقال: قيمته (٣) غير جانٍ بمائةٍ، وجانٍ بخمسين، فما بينهما النِّصف، فالأرش إذنْ نصفُ الثَّمن. فإن قُطِع فهل يُمنع من ردِّه؟ فيه روايتان. (وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً (٤) لِلْمَالِ)، أو القصاص فعُفِي عنه إلى مالٍ، (وَالسَّيِّدُ)؛ أي: البائع (مُعْسِرٌ؛ قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ)؛ لأنَّ حقَّ الجناية سابقٌ على حقِّ المشتري، فإذا تعذَّر إمضاؤهما؛ قدم (٥) السَّابق. (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ) إذا لم يكُنْ عالِمًا (٦)؛ لأنَّ تمكُّنَ المجني عليه من انتزاعه عيبٌ، فمَلَك به الخيارَ كغيره، فإن فَسَخ رَجع بالثَّمن، وإن لم يَفسخ وكانت الجنايةُ مستوعبةً لرقبة العبد، وأُخِذَ بها؛ رَجع المشتري بالثَّمن أيضًا؛ لأنَّ أرشَ مثلِ ذلك جميعُ الثَّمن، وإن لم تكن (٧) مستوعبةً؛ رجع بقدر أرشه. وظاهره: أنَّه إذا كان عالمًا بعَيبه؛ لا خيار له. (وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا؛ تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِذِمَّتِهِ)؛ لأنَّ الخِيَرة له بين (٨) تسليمه في الجناية وفدائه، فإذا باعه؛ تعيَّن عليه فداؤه؛ لإخراج العبد عن مِلكه، ولأنَّه أزال (٩) ملكه عن عينٍ تعلَّق بها حق المجني عليه، فلزمه

стр. 2654

الأرش، كما لو (١) قتله، (وَالْبَيْعُ لَازِمٌ)؛ لأنَّه لا ضرر على المشتري؛ لرجوع المجني عليه على البائع.

стр. 2655

(فَصْلٌ) (السَّادِسُ: خِيَارٌ يَثْبُتُ (١) فِي التَّوْلِيَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُرَابَحَةِ، وَالْمُوَاضَعَةِ)، هذه أنواعٌ من البيع، واختصَّت (٢) بهذه الأسماءِ كاختصاص السَّلَم، والمشتري قد يكون له غرضٌ في الشِّراء على الوجه الَّذي أوقعه؛ لكونه حالِفًا أو وصيًّا في الشِّراء على هذا الوجه. (وَلَا بُدَّ فِي جَمِيعِهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُشْتَرِي رَأْسَ (٣) الْمَالِ)؛ لأنَّ معرفة الثَّمن متوقِّفةٌ على العلم به، والعلم بالثَّمن شرطٌ، فمتى فات لم يصحَّ؛ لفوات شرطه، وخصَّ المشتري بها؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه لا يَعرفه بخلاف البائع؛ إذ لا فرق بينهما، فمتى جهلاه، أو أحدهما؛ لم يصحَّ، فلو نسي البائعُ رأس ماله؛ لم يجُزْ بيعه مرابحةً بل مساوَمةً؛ لأنَّه متى لم يكن عالِمًا أو ظانًّا بذلك؛ كان كاذبًا. (وَمَعْنَى التَّوْلِيَةِ) في الأصل: تقليد العمل، يقال: ولِيَ فلانٌ القضاءَ، والعملَ الفُلَانِيَّ، ثمَّ استُعْمِلت هنا: في (الْبَيْعِ بِرَأْسِ الْمَالِ، فَيَقُولُ: وَلَّيْتُكَهُ، أَوْ بِعْتُكَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ)، وفي ذلك إشارةٌ على أنَّ التَّولية لفظين: أحدهما: صريحُ لفظِها، والثَّاني: لفظُ البيعِ؛ لأنَّه صريحٌ في معناه. فإذا قال: بعتُكَ (بِمَا اشْتَرَيْتُهُ، أَوْ بِرَقْمِهِ) المعلوم؛ صحَّ، أشبه ما لو عيَّن الثَّمن، قال أحمد: (لا بأس ببيع الرَّقم) (٤)، وهو الثَّمنُ المكتوبُ عليه إذا

стр. 2656

كان معلومًا لهما حال العقد، ويستثنى منه ما لو دفع ثيابًا إلى قصَّار، وأمره برَقْمِها، فَرَقَمَ ثَمَنَهَا عليه (١)؛ لم يَجز بيعُها مرابحةً حتَّى يرقمها بنفسه؛ لأنَّه لا يدري ما فعل القصَّارُ. (وَالشَّرِكَةُ: بَيْعُ بَعْضِهِ بِقِسْطِهِ من الثَّمَنِ، وَتَصِحُّ (٢) بِقَوْلِهِ: أَشْرَكْتُكَ (٣) فِي نِصْفِهِ، أَوْ ثُلُثِهِ)؛ لأنَّه لفظٌ موضوعٌ للشَّركة حقيقةً، فصحَّ به، فلو قال: بعتك نصفه بنصف رأس ماله، صحَّ؛ لإفادته المقصود. تنبيهٌ: إذا اشترى شيئًا، فقال آخَرُ: أشركْني؛ انصرف إلى النِّصف؛ لأنَّها تقتضي التَّسوية بإطلاقها. وقيل: لا يصحُّ. فعلى الأوَّل: إن قاله الآخَر عالِمًا بشركة الأوَّل، فله نصف نصيبه، وهو الرُّبع، وإن لم يعلم؛ فالأصحُّ يصحُّ فيأخذ نصيبه؛ لأنَّه طلب منه نصف المبيع، فأجابه إليه كالبيع. وقيل: نصف نصيبه، وهو الرُّبع. وقيل: ونصف نصيب شريكه إن أجيز على روايةٍ. وعلى الأخيرين: لطالب الشَّركة الخِيارُ؛ لأنَّه إنَّما طلب النِّصف، ولم يحصل له إلاَّ أن نقول (٤) بوقوفه على الإجازة. وقيل: لا تصحُّ هذه الشَّركة، كما لو قال: بعني نصفَ هذا العبد، فقال: بعتُك رُبُعه. ولو قال: أشركاني، فأشركاه معًا؛ ففي أَخْذِ نصفِه، أو ثُلُثه - صحَّحه في «الشرح» - احتمالان.

стр. 2657

وإن شَرِكَه كلُّ واحد منفردًا؛ كان له النِّصف، ولكلٍّ منهما الرُّبع. وإن شَرِكه أحدُهما؛ فنصفُ نصيبِه أو ثُلُثه. (وَالْمُرَابَحَةُ: أَنْ يَبِيعَ (١) بِرِبْحٍ، فَيَقُولَ: رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةٌ، بِعْتُكَهُ بِهَا وَرِبْحِ عَشَرَةٍ)، فهو جائزٌ بلا كراهةٍ، بغير خلافٍ نعلمه (٢)؛ لأنَّ الثَّمن والرِّبح معلومان، (أَوْ عَلَى أَنْ أَرْبَحَ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا)، فيكره ويصحُّ، نصَّ عليه (٣)، واحتجَّ بكراهة ابن عمر وابن عبَّاسٍ (٤). وقال ابن المنجَّى: لا كراهة فيه. وفيه نظرٌ. وقد نقل أبو النضر (٥): هو الرِّبا، واقتصر عليه في «زاد المسافر» (٦)، ونقل أحمدُ بن هاشمٍ: كأنه دراهمُ بدراهمَ؛ لا يصحُّ (٧). وفي «الرعاية»: إن جهل مشترٍ ثمنه عند عقد؛ لم يصحَّ. وإن قال: ده يازده، أو ده دوازده (٨)؛ صحَّ مع الكراهة، قاله أحمد (٩)؛ لأنَّه بيع الأعاجم، ولأنَّ الثَّمن قد لا يعلم في الحال.

стр. 2658

وقد قال أحمد (١): المساومة أسهل عندي من المرابَحة؛ لأنَّ بيع المرابَحة يحتاج فيه إلى الصِّدق واجتناب الرِّيبة. مسائل: إذا باعه السِّلعةَ مرابَحةً، فأخبره أنَّ ثمنها مائةٌ بربح عشرة، ثمَّ علم أنَّه تسعون؛ فالبيع صحيحٌ؛ لأنَّ زيادة الثَّمن لا يمنع صحَّته، وللمشتري الرُّجوع بالزِّيادة، وهو عشرةٌ، وحظُّها من الرِّبح، وهو درهم، فيلزمه تسعة وتسعون. والمنصوص (٢): أنَّ المشتري مخيَّر بين أخذ المبيع برأس ماله وحصته من الربح وبين الرَّدِّ؛ لأنَّه لا يأمن الخيانةَ في هذا الثَّمن أيضًا، وربَّما كان حالِفًا أو وكيلاً. وظاهر «الخرقي»، واختاره صاحب «التَّلخيص»: أنَّه لا خيار له؛ لأنَّه زاده خيرًا؛ لأنَّ من رضي بمائة وعشرة يرضى بتسعة وتسعين. فلو أخبر البائع أنَّ ثمنها أكثر، وأنَّه غلط؛ قُبِل قوله مع يمينه في قول الأكثر؛ لأنَّه لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه، والقول قول الأمين، وله تحليف بائع أنَّه لم يعلم أنَّ وقت بيعها أكثر ممَّا أخبر به، فإن نكل أو أقرَّ قُضي عليه. وعنه: لا يُسمع منه إلاَّ ببيِّنةٍ، اختاره المؤلِّف، وصحَّحه في «الشَّرح». وعنه: يقبل إن كان معروفًا بالصِّدق؛ لترجُّحه إذًا. وعنه: لا يقبل وإن أقام بيِّنةً؛ لتكذيبه لها ظاهرًا، إلاَّ أن يصدِّقه المشتري. ولا يحلف مشترٍ بدعوى بائع عليه علم الغلط، وصحَّح في «المغني» و «الشَّرح» خلافه.

стр. 2659

وبكلِّ حالٍ: إذا صدق المشتري البائع؛ أخذ به، ولا يمين عليه، فإن كذَّبه؛ حلَّفه كغيره من الأمناء، وإن باع بدون ثمنها عالمًا؛ لزمه. (وَالْمُوَاضَعَةُ): المتاركة (١) في البيع، وسُمِّي بالمواضعة؛ لأنَّه يكون بدون رأس المال بخلاف المرابحة، ويكره فيها ما يكره فيها، وهي: (أَنْ يَقُولَ) البائع: (بِعْتُكَهُ بِهَا)؛ أي: برأس ماله (وَوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ)؛ لأنَّه لفظٌ محصِّلٌ لمقصود البيع بدون رأس المال، وهذه الصُّورة مكروهةٌ، بخلاف ما إذا قال: بعتُك هذا به، وأَضعُ لك عشرةً، (فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا) إذا كان رأسُ المال مائةً؛ لأنَّها عَشر عشرات، فإذا سقط من كلِّ عشرةٍ درهمٌ؛ بقي تسعون. وقيل: يلزمه تسعون وتسعةُ أعْشارِ درهمٍ، وحكاه الأَزَجيُّ روايةً. وقيل: يلزمه كالثَّانية (٢)، قال في «الشرح»: (وهو غلط؛ لأنَّه يكون حطًّا من كلِّ أحد عشر، وهو غير ما قاله). (وَإِنْ قَالَ: وَوَضِيعَةِ (٣) دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ؛ لَزِمَهُ تِسْعُونَ وَعَشَرَةُ أَجزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ)؛ لأنَّه اقتضى (٤) أن يكون الحطُّ من غير العشرة، فيكون من كلِّ أحد عشر درهمًا درهمٌ، فيجب أن يُسقَط من تسعةٍ وتسعين تسعةٌ، ومن درهمٍ جزءٌ، فيبقى ما ذُكر، ك: عن كلٍّ. وقال أبو ثور: الحطُّ هنا عشرة كالأولى.

стр. 2660

والفرق واضحٌ، ولا تَضُرُّ الجهالة الموجودة حينئذٍ؛ لأنَّها تزول بالحساب. (وَمَتَى اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، أَوْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حِيلَةً، أَوْ بَاعَ بَعْضَ الصَّفْقَةِ بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ (١)، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فِي تَخْبِيرِهِ بِالثَّمَنِ؛ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ (٢). وفيه مسائلُ: الأولى: إذا اشتراه بثمنٍ مؤجَّلٍ، ولم يبيِّنه للمشتري في تخبيره؛ فله الخيار؛ استدراكًا لظُلامته، ولأنَّ الأجل يأخذُ قسطًا من الثَّمن، فيخيَّر بين أخذه بالثَّمن الَّذي وقع عليه حالًّا أو يفسخ، وهذا ما (٣) لم يكن من المتماثلات المتساوية (٤) كَبُرٍّ ونحوه. وعنه: إن كان المبيع قائمًا؛ خُيِّر بين الفسخ وأخذه بالثَّمن مؤجَّلاً؛ لأنَّه الثَّمن الَّذي اشترى به البائع، والتَّأجيل صفةٌ له، وإن كان تالِفًا؛ حبس الثَّمن بقدر الأجل، وقاله (٥) شريح. والمذهب كما قدَّمه في «المحرر» و «الفروع»: أنَّه إذا بان مؤجَّلاً؛ أخذ به مؤجَّلاً، ولا خيار فيه، نصَّ عليه (٦). الثانية (٧): إذا اشتراه ممَّن لا تُقبَل شهادته له؛ كأحد أبويه، ولم يبيِّنه للمشتري؛ فله الخيار؛ لأنَّه متَّهَمٌ في حقِّهم؛ لكونه يحابيهم ويسمح لهم،

стр. 2661

وكما لو اشتراه من مكاتبه. الثالثة: إذا اشتراه بأكثر من ثمنه حيلةً، ولم يبيِّنه للمشتري في تخبيره؛ فله الخيار، فذلك تدليسٌ، وهو حرامٌ؛ كتدليس العيب. وظاهره: أنَّه إذا لم يكن حيلةً أنَّه يجوز، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّه أجنبيٌّ أشبه غيره. وقال القاضي: إذا باع غلامَ دكَّانِه سلعةً، ثمَّ اشتراها منه بأكثرَ من ذلك؛ لم يَجُزْ بيعُه مرابحةً حتَّى يبيِّن أمرَه؛ لأنَّه متَّهمٌ في حقِّه؛ كمن لا تُقبَل شهادته له. الرَّابعة: إذا باع بعض الصَّفقة بقسطها من الثَّمن، ولم يبيِّن ذلك للمشتري في تخبيره؛ فله الخيار؛ لأنَّ قسمةَ الثَّمن على ذلك تخمينٌ، واحتمال الخطأ فيه كثيرٌ. وعنه: يجوز بيع نصيبه ممَّا اشترياه واقتسماه مرابحةً مطلقًا؛ لأنَّ ذلك ثمنه، فهو صادقٌ. وعنه: عكسه، بل مساومةً. وهذا في المتقوِّمات (١) الَّتي لا ينقسم عليها الثَّمن بالأجزاء، فإن كانت من المتماثلات الَّتي يَنقسمُ عليها الثَّمن بالأجزاء؛ كأكثر المتساويين؛ جاز بيعُ بعضه مرابحةً بقِسطه من الثَّمن بغير خلافٍ نعلمه (٢). (وَمَا يُزَادُ فِي الثَّمَنِ)، أو المثمن، (أَوْ يُحَطُّ مِنْهُ)؛ أي: ينقص (فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ)؛ يلحق بالعقد، ويخبر به في الثَّمن؛ لأنَّ ذلك من الثَّمن، فوجب إلحاقه برأس المال، والإخبار (٣) به كأصله، ومثله خيارٌ وأجلٌ.

стр. 2662

وقيل: إن نقلنا (١) الملك في زمن الخيارَينِ إلى المشتري؛ فلا خيار، قاله ابنُ حَمْدانَ، وقال: لو حطَّ الكلَّ؛ هل يبطل البيع، أو يصحُّ، أو يكون هبةً؟ فيه أوجُهٌ. فرعٌ: إذا وهب مشترٍ لوكيلٍ باعه؛ فهو كالزِّيادة، ومثلُه عكسُه. فإن تغيَّر سعر السِّلعة وهي بحالها؛ فإن غَلَتْ؛ لم يلزمه الإخبارُ بذلك؛ لأنَّه زيادةٌ فيها، وكذا إن رخصتْ، نصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه صادِقٌ بدون الإخبار، وفيه احتمالٌ. فإن أخبره بدون ثمنها، ولم يبيِّن الحالَ؛ لم يَجُزْ؛ لأنَّه كذبٌ. (أَوْ يُؤْخَذُ أَرْشًا لِعَيْبٍ، أَوْ جِنَايَةً عَلَيْهِ؛ يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَيُخْبَرُ (٣) بِهِ)، جزم به في «الوجيز»، وقاله أبو الخَطَّاب في أرْش العيب. فعلى هذا: يحطُّ أرْش العيب من الثَّمن، ويُخبر بالباقي. وقال القاضي: يُخبر به على وجهه. وكذا أرش الجناية؛ لأنَّه أخذ منهما في مقابَلة جزءٍ من المبيع (٤). وأطلق الخلافَ في «الفروع» فيهما (٥). وقيل: لا يُحَطُّ أرْش الجناية. فرعٌ: إذا أخذ نَماءً، أو وطئ، أو استخدم؛ لم يلزمه بيانه. وعنه: بلى؛ لنقصه. (وَإِنْ جَنَى، فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي)؛ لم يلحق بالثَّمن، ولا يخبر به في المرابَحة

стр. 2663

بغير خلافٍ نعلمه (١)؛ لأنَّه لم يزد به المبيع (٢) قِيمةً ولا ذاتًا، وإنَّما هو مُزيلٌ (٣) لنقصه بالجناية، ويلحق به: الأدوية، والمؤْنة، والكسوة، وذكره في «الشَّرح» وجهًا واحدًا. (أَوْ زِيدَ فِي الثَّمَنِ، أَوْ حُطَّ مِنْهُ بَعْدَ لُزُومِهِ)؛ أي: لزوم العقد؛ (لَمْ يُلْحَقْ بِهِ)؛ أي: برأس المال على الأصحِّ؛ كالأجل والخيار، ولأنَّ ذلك هبةٌ من أحدهما للآخَر، فلا يكون عِوَضًا. (وَإِنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ، وَقَصَرَهُ بِعَشَرَةٍ؛ أَخْبَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ)؛ لأنَّه لو ضمَّ ذلك إلى الثَّمن، ثمَّ أخبر به؛ كان كذِبًا وتغريرًا بالمشتري. (وَإِنْ (٤) قَالَ: تَحَصَّلَ عَلَيَّ بِعِشْرِينَ؛ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: أنَّه لا يجوز؛ لأنَّ فيه تلبيسًا. والثَّاني: يجوز؛ لأنَّه صادِقٌ. ومثلُه: أُجْرةُ متاعه، وكَيْله، ووزنه، قاله في «الرِّعاية» و «الفروع»، قال الأزَجِيُّ: وعَلَفُ الدَّابَّة، وخالفه المؤلِّفُ. قال أحمد (٥): إذا بيَّن فلا بأس، ولا يقوِّمه، ثمَّ يبيعه مرابَحةً، وبيع المساومة أسهل منه؛ لأنَّ عليه أن يُبَيِّنَ. (وَإِنْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ عَمَلاً يُسَاوِي عَشَرَةً؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَجْهًا وَاحِدًا)؛ لأنَّه كاذِبٌ؛ لأنَّ عملَه لم يَغرَمْ بسببه شيئًا، كما لو عمل غيره له بغير أُجْرةٍ. وحاصله: أنَّ من أراد البيع مرابَحةً، والسِّلعة بحالها؛ أخْبَر بثمنها، وإن

стр. 2664

تغيَّرت فعلى ضَرْبَينِ: أحدهما: أن تتغيَّر بزيادةٍ، وهو نَوعانِ: أحدهما: أن تزيد (١) لنماءٍ بها (٢) كالسِّمَن وتَعلُّمِ صَنْعَةٍ، أو يَحدُثَ منها نَماءٌ منفصِلٌ؛ كالولد والثَّمرة، فإذا باعها مرابَحةً؛ أخْبر بالثَّمن من غير زيادةٍ؛ لأنَّه الَّذي ابتاعها به، ولو أخذ الزِّيادة المنفصلة، كما سبق. الثاني (٣): أن يعمل فيها عملاً؛ كقَصْر الثَّوب ونحوه، سواءٌ قَصَره بنفسه، أو استأجر مَنْ عَمِلَه في ظاهر كلام أحمدَ، فإن قال: تَحصَّل عليَّ بكذا؛ فالخلاف. الضَّرْبُ الثَّاني: أن تتغيَّر (٤) بنقصٍ؛ كالمرض، والجناية عليه، أو تلف بعضه، أو استغلاله؛ كأخذ صوفه ولبنه؛ فإنَّه يخبر بالحال قولاً واحدًا. (وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ؛ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ)؛ لأنَّه أقربُ إلى الحقِّ، وأبْلغُ في الصِّدق، (وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ؛ جَازَ)، صحَّحه في «المغني»، ونصره في «الشَّرح»؛ لأنَّه صادِقٌ فيما أخبر به، وليس فيه تُهمةٌ، أشْبَهَ ما لو لم يَربَحْ فيه. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحُطُّ الرِّبْحَ مِنَ الثَّمَنِ (٥) الثَّانِي، وَيُخْبِرُ: أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ)، وهو قولُ ابن سِيرينَ، وأَعْجَب أحمدَ قولُه (٦)؛ لأنَّ الرِّبحَ أحدُ نوعي النَّماء، فوجب أن يُخبر به في المرابَحة، كالنَّماء من نفس المبيع، كالثَّمرة

стр. 2665

ونحوها، وحينئِذٍ فيخبر أنَّه اشْتراه بخمسةٍ؛ لأنَّه حطَّ (١) الرِّبح من الثَّمن الثَّاني، لكِنْ قال في «الشَّرح»: (ينبغي أن يقول: تقوَّم عليَّ بخمسةٍ، ولا يقول: اشتريته، فإنَّه كذِبٌ، كما لو ضمَّ إليه أجرةَ القصَّار (٢). وظاهر كلامهم: أنَّه إذا لم يَبقَ شيءٌ؛ أخبر بالحال؛ كمَن اشتراه بعشَرةٍ، ثمَّ باعه بعشرين، ثمَّ اشتراه بعشَرةٍ، وصرَّح به في «المحرَّر» و «الفروع». فإن اشتراه بخمسةَ عَشَرَ، ثمَّ باعه بعشَرةٍ، ثمَّ اشتراه بأيِّ ثمَنٍ كان؛ بيَّنه، ولم يَضُمَّ خسارةً إلى ثَمَنٍ ثانٍ. فرعٌ: إذا اشتراه بثَمنٍ لرغبةٍ تخصُّه؛ لزمه أن يُخبِر بالحال، ويَصير كالشِّراء بثمنٍ غالٍ لأجل الموسم الَّذي كان حال الشِّراء، ذكره في «الفنون» (٣). مسألةٌ: إذا اشترى نصفَ سلعةٍ بعشَرةٍ، واشترى آخَرُ باقيها بعشرين، ثمَّ باعاها مرابَحةً، زاد في «الشَّرح»: أو مواضعة، أو توليةً، بثمنٍ واحدٍ؛ فهو بينهما نصفان، نصَّ عليه (٤). وعنه: على قدر رؤوس أموالهما، وصحَّحها السَّامَرِّيُّ وابنُ حمْدانَ. وعنه: لكلِّ واحدٍ رأسُ ماله، والرِّبح نصفان. فإن باعاها مساومةً بثمنٍ واحدٍ؛ فهو بينهما نصفان بغير خلافٍ نعلمه (٥).
следующие страницы →