← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وكما لو اشتراه من مكاتبه. الثالثة: إذا اشتراه بأكثر من ثمنه حيلةً، ولم يبيِّنه للمشتري في تخبيره؛ فله الخيار، فذلك تدليسٌ، وهو حرامٌ؛ كتدليس العيب. وظاهره: أنَّه إذا لم يكن حيلةً أنَّه يجوز، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّه أجنبيٌّ أشبه غيره. وقال القاضي: إذا باع غلامَ دكَّانِه سلعةً، ثمَّ اشتراها منه بأكثرَ من ذلك؛ لم يَجُزْ بيعُه مرابحةً حتَّى يبيِّن أمرَه؛ لأنَّه متَّهمٌ في حقِّه؛ كمن لا تُقبَل شهادته له. الرَّابعة: إذا باع بعض الصَّفقة بقسطها من الثَّمن، ولم يبيِّن ذلك للمشتري في تخبيره؛ فله الخيار؛ لأنَّ قسمةَ الثَّمن على ذلك تخمينٌ، واحتمال الخطأ فيه كثيرٌ. وعنه: يجوز بيع نصيبه ممَّا اشترياه واقتسماه مرابحةً مطلقًا؛ لأنَّ ذلك ثمنه، فهو صادقٌ. وعنه: عكسه، بل مساومةً. وهذا في المتقوِّمات (١) الَّتي لا ينقسم عليها الثَّمن بالأجزاء، فإن كانت من المتماثلات الَّتي يَنقسمُ عليها الثَّمن بالأجزاء؛ كأكثر المتساويين؛ جاز بيعُ بعضه مرابحةً بقِسطه من الثَّمن بغير خلافٍ نعلمه (٢). (وَمَا يُزَادُ فِي الثَّمَنِ)، أو المثمن، (أَوْ يُحَطُّ مِنْهُ)؛ أي: ينقص (فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ)؛ يلحق بالعقد، ويخبر به في الثَّمن؛ لأنَّ ذلك من الثَّمن، فوجب إلحاقه برأس المال، والإخبار (٣) به كأصله، ومثله خيارٌ وأجلٌ.

стр. 2662

وقيل: إن نقلنا (١) الملك في زمن الخيارَينِ إلى المشتري؛ فلا خيار، قاله ابنُ حَمْدانَ، وقال: لو حطَّ الكلَّ؛ هل يبطل البيع، أو يصحُّ، أو يكون هبةً؟ فيه أوجُهٌ. فرعٌ: إذا وهب مشترٍ لوكيلٍ باعه؛ فهو كالزِّيادة، ومثلُه عكسُه. فإن تغيَّر سعر السِّلعة وهي بحالها؛ فإن غَلَتْ؛ لم يلزمه الإخبارُ بذلك؛ لأنَّه زيادةٌ فيها، وكذا إن رخصتْ، نصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه صادِقٌ بدون الإخبار، وفيه احتمالٌ. فإن أخبره بدون ثمنها، ولم يبيِّن الحالَ؛ لم يَجُزْ؛ لأنَّه كذبٌ. (أَوْ يُؤْخَذُ أَرْشًا لِعَيْبٍ، أَوْ جِنَايَةً عَلَيْهِ؛ يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَيُخْبَرُ (٣) بِهِ)، جزم به في «الوجيز»، وقاله أبو الخَطَّاب في أرْش العيب. فعلى هذا: يحطُّ أرْش العيب من الثَّمن، ويُخبر بالباقي. وقال القاضي: يُخبر به على وجهه. وكذا أرش الجناية؛ لأنَّه أخذ منهما في مقابَلة جزءٍ من المبيع (٤). وأطلق الخلافَ في «الفروع» فيهما (٥). وقيل: لا يُحَطُّ أرْش الجناية. فرعٌ: إذا أخذ نَماءً، أو وطئ، أو استخدم؛ لم يلزمه بيانه. وعنه: بلى؛ لنقصه. (وَإِنْ جَنَى، فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي)؛ لم يلحق بالثَّمن، ولا يخبر به في المرابَحة

стр. 2663

بغير خلافٍ نعلمه (١)؛ لأنَّه لم يزد به المبيع (٢) قِيمةً ولا ذاتًا، وإنَّما هو مُزيلٌ (٣) لنقصه بالجناية، ويلحق به: الأدوية، والمؤْنة، والكسوة، وذكره في «الشَّرح» وجهًا واحدًا. (أَوْ زِيدَ فِي الثَّمَنِ، أَوْ حُطَّ مِنْهُ بَعْدَ لُزُومِهِ)؛ أي: لزوم العقد؛ (لَمْ يُلْحَقْ بِهِ)؛ أي: برأس المال على الأصحِّ؛ كالأجل والخيار، ولأنَّ ذلك هبةٌ من أحدهما للآخَر، فلا يكون عِوَضًا. (وَإِنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ، وَقَصَرَهُ بِعَشَرَةٍ؛ أَخْبَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ)؛ لأنَّه لو ضمَّ ذلك إلى الثَّمن، ثمَّ أخبر به؛ كان كذِبًا وتغريرًا بالمشتري. (وَإِنْ (٤) قَالَ: تَحَصَّلَ عَلَيَّ بِعِشْرِينَ؛ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: أنَّه لا يجوز؛ لأنَّ فيه تلبيسًا. والثَّاني: يجوز؛ لأنَّه صادِقٌ. ومثلُه: أُجْرةُ متاعه، وكَيْله، ووزنه، قاله في «الرِّعاية» و «الفروع»، قال الأزَجِيُّ: وعَلَفُ الدَّابَّة، وخالفه المؤلِّفُ. قال أحمد (٥): إذا بيَّن فلا بأس، ولا يقوِّمه، ثمَّ يبيعه مرابَحةً، وبيع المساومة أسهل منه؛ لأنَّ عليه أن يُبَيِّنَ. (وَإِنْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ عَمَلاً يُسَاوِي عَشَرَةً؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَجْهًا وَاحِدًا)؛ لأنَّه كاذِبٌ؛ لأنَّ عملَه لم يَغرَمْ بسببه شيئًا، كما لو عمل غيره له بغير أُجْرةٍ. وحاصله: أنَّ من أراد البيع مرابَحةً، والسِّلعة بحالها؛ أخْبَر بثمنها، وإن

стр. 2664

تغيَّرت فعلى ضَرْبَينِ: أحدهما: أن تتغيَّر بزيادةٍ، وهو نَوعانِ: أحدهما: أن تزيد (١) لنماءٍ بها (٢) كالسِّمَن وتَعلُّمِ صَنْعَةٍ، أو يَحدُثَ منها نَماءٌ منفصِلٌ؛ كالولد والثَّمرة، فإذا باعها مرابَحةً؛ أخْبر بالثَّمن من غير زيادةٍ؛ لأنَّه الَّذي ابتاعها به، ولو أخذ الزِّيادة المنفصلة، كما سبق. الثاني (٣): أن يعمل فيها عملاً؛ كقَصْر الثَّوب ونحوه، سواءٌ قَصَره بنفسه، أو استأجر مَنْ عَمِلَه في ظاهر كلام أحمدَ، فإن قال: تَحصَّل عليَّ بكذا؛ فالخلاف. الضَّرْبُ الثَّاني: أن تتغيَّر (٤) بنقصٍ؛ كالمرض، والجناية عليه، أو تلف بعضه، أو استغلاله؛ كأخذ صوفه ولبنه؛ فإنَّه يخبر بالحال قولاً واحدًا. (وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ؛ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ)؛ لأنَّه أقربُ إلى الحقِّ، وأبْلغُ في الصِّدق، (وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ؛ جَازَ)، صحَّحه في «المغني»، ونصره في «الشَّرح»؛ لأنَّه صادِقٌ فيما أخبر به، وليس فيه تُهمةٌ، أشْبَهَ ما لو لم يَربَحْ فيه. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحُطُّ الرِّبْحَ مِنَ الثَّمَنِ (٥) الثَّانِي، وَيُخْبِرُ: أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ)، وهو قولُ ابن سِيرينَ، وأَعْجَب أحمدَ قولُه (٦)؛ لأنَّ الرِّبحَ أحدُ نوعي النَّماء، فوجب أن يُخبر به في المرابَحة، كالنَّماء من نفس المبيع، كالثَّمرة

стр. 2665

ونحوها، وحينئِذٍ فيخبر أنَّه اشْتراه بخمسةٍ؛ لأنَّه حطَّ (١) الرِّبح من الثَّمن الثَّاني، لكِنْ قال في «الشَّرح»: (ينبغي أن يقول: تقوَّم عليَّ بخمسةٍ، ولا يقول: اشتريته، فإنَّه كذِبٌ، كما لو ضمَّ إليه أجرةَ القصَّار (٢). وظاهر كلامهم: أنَّه إذا لم يَبقَ شيءٌ؛ أخبر بالحال؛ كمَن اشتراه بعشَرةٍ، ثمَّ باعه بعشرين، ثمَّ اشتراه بعشَرةٍ، وصرَّح به في «المحرَّر» و «الفروع». فإن اشتراه بخمسةَ عَشَرَ، ثمَّ باعه بعشَرةٍ، ثمَّ اشتراه بأيِّ ثمَنٍ كان؛ بيَّنه، ولم يَضُمَّ خسارةً إلى ثَمَنٍ ثانٍ. فرعٌ: إذا اشتراه بثَمنٍ لرغبةٍ تخصُّه؛ لزمه أن يُخبِر بالحال، ويَصير كالشِّراء بثمنٍ غالٍ لأجل الموسم الَّذي كان حال الشِّراء، ذكره في «الفنون» (٣). مسألةٌ: إذا اشترى نصفَ سلعةٍ بعشَرةٍ، واشترى آخَرُ باقيها بعشرين، ثمَّ باعاها مرابَحةً، زاد في «الشَّرح»: أو مواضعة، أو توليةً، بثمنٍ واحدٍ؛ فهو بينهما نصفان، نصَّ عليه (٤). وعنه: على قدر رؤوس أموالهما، وصحَّحها السَّامَرِّيُّ وابنُ حمْدانَ. وعنه: لكلِّ واحدٍ رأسُ ماله، والرِّبح نصفان. فإن باعاها مساومةً بثمنٍ واحدٍ؛ فهو بينهما نصفان بغير خلافٍ نعلمه (٥).

стр. 2666

(فَصْلٌ) (السَّابِعُ: خِيَارٌ يَثْبُتُ لاِخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ)، وهو صورٌ. (فَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ)؛ بأن قال: بعتك بمائةٍ، وقال الآخَر: اشترَيتُ بثمانين، ولا بيِّنةَ بينهما؛ (تَحَالَفَا)، نقله الجماعةُ (١)؛ لِما روى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا قال: «لو يُعطَى النَّاسُ بدعواهم؛ لادَّعى ناسٌ دِماءَ قَوْمٍ وأموالهم، ولكن (٢) اليمين على المدَّعى عليه» متَّفقٌ عليه، ولفظُه لمسلمٍ (٣)، وللبَيْهَقِيِّ: «البيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على مَنْ أنكر» (٤)، ولأنَّ كلًّا منهما مُدَّعٍ ومنكِرٌ صورةً، وكذا حُكْمًا؛ لسماع بيِّنة كلٍّ منهما. قال في «عيون المسائل»: لا تُسمع إلاَّ بيِّنة المدِّعِي باتِّفاقنا، ويُؤكِّدُ ذلك حديث ابنِ مسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا اختلف المتبايِعان والسِّلعةُ قائمةٌ، ولا بيِّنةَ لأحدهما؛ تحالفا» (٥).

стр. 2667

وعنه: يقبل قولُ بائعٍ مع يمينه، ذكره في «التَّرغيب» المنصوص (١)؛ لِمَا روى ابنُ مسعودٍ مرفوعًا قال: «إذا اختلف البائعان، وليس بينهما بيِّنةٌ؛ فالقولُ قولُ صاحب السِّلعة، أو يترادَّان» رواه أحمد (٢)، وكاختلافهما (٣) بعد قبضه وفسخ العقد بعَيبٍ، أو إقالة في المنصوص (٤). وجوابُه: بأنَّه منقطِعٌ، قاله الشَّافعيُّ، لكن قد تعدَّدت طُرُقُه، قال ابن عبد البَرِّ: هو محفوظٌ مشهورٌ، قد (٥) اشتهر بالحجاز والعراق شُهرةً يُستغنى عن الإسناد (٦). وعنه: يُقبَل قولُ مشترٍ مع يمينه؛ لاتِّفاقهما على حصول الملك له، ثمَّ البائع يَدَّعِي عليه عِوَضًا، والمشتري يُنكِر بعضَه، والقولُ قولُ المنكر. ونقل أبو داودَ: يُقبَل قول البائع، أو يترادَّان، قيل: فإن أقام كلٌّ منهما بيِّنةً؟ قال: كذلك (٧). (فَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ)؛ لأنَّه أقوى جَنَبة من المشتري؛ لكون المبيع يُرَدُّ إليه،

стр. 2668

وأكثر الرِّوايات: «فالقول ما قال البائع» (١)، (فَيَحْلِفُ: مَا بِعْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا بِعْتُهُ بِكَذَا، ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي: مَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا)، هذا هو الأشهر، يذكر كلٌّ منهما نفيًا وإثباتًا، الإثبات لدعواه، والنَّفيُ لِمَا ادُّعِيَ عليه، فيبدأ بالنَّفي؛ لأنَّ الأصل في اليمين أنَّها للنَّفي. وعنه: يبدأ بالإثبات. وظاهره: يكفي كلَّ واحدٍ يمينٌ واحدةٌ؛ لأنَّه أقربُ إلى فصل القضاء. (فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا)، سواءٌ كان البائعَ أو المشترِيَ؛ (لَزِمَهُ مَا قَالَ صَاحِبُهُ)؛ لقضاء عُثمانَ على ابن عمر، رواه أحمد (٢)، ولأنَّ النُّكول بمنزلة الإقرار، وظاهره: ولو أنَّه بذل أحد (٣) شِقَّي اليمين، فإنَّه يُعَدُّ ناكِلاً، ولا بُدَّ أن يأتيَ فيها بالمجموع. (وَإِنْ تَحَالَفَا، فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ صَاحِبِهِ؛ أُقِرَّ الْعَقْدُ)؛ لأنَّ الراضي (٤) إن كان البائع؛ فلا خيار للمشتري؛ لأنَّه حصل له ما ادَّعاه، وكذا إن كان المشتري. (وَإِلاَّ)؛ أي: إذا لم يرضَ أحدُهما بقول الآخَر؛ (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ) في ظاهر كلام أحمدَ (٥)، وهو المذهب؛ لأنَّه عَقْدٌ صحيحٌ، فلم ينفسخ باختلافهما وتعارضهما في الحجَّة، كما لو أقام كل منهما بيِّنةً. وقيل: ينفسخ بنفس التَّحالف (٦)، وزعم ابن الزَّاغُوني: أنَّه المنصوص؛

стр. 2669

لأنَّ القصدَ من التَّحالف رفعُ العقد، فاعتُمِد ذلك. وقيل: إن امتنع من الأخذ بقول صاحبه؛ انفسخ، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ. وظاهره: أنَّه لا يَفْتَقِر إلى حُكْمِ حاكِمٍ. وقيل: بلى، وقَطَع به ابنُ الزَّاغُونيِّ؛ لوقوع الخلاف فيه، كالمرأة إذا زوَّجها ولِيَّان. وجوابه: أنَّه فسخٌ؛ لاستدراك الظُّلامة، أشبه ردَّ المعيب، ولا يشبه النِّكاح؛ لاستقلال كلٍّ منهما بالطلاق. (وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ تَالِفَةً)؛ تحالفا؛ (وَرَجَعَا إِلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا)، اختاره الخِرَقِيُّ، وقدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لعموم ما سبق، فيَغرَمُ المشتري القيمةَ؛ لتعذُّر ردِّ العَين، وظاهره ولو كانت مثليَّةً، وفيه شيءٌ. ويُقبَل قول المشتري فيها، نقله محمَّد بن العبَّاس (١). وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ قيمة السِّلعة إن كانت مساويةً (٢) للثَّمن الَّذي ادَّعاه المشتري، فيُقبَل قولُه مع يمينه؛ لعدم الفائدة في يمين البائع وفسخ البيع. وإن كانت أقلَّ؛ فاحتمالان، أحدُهما كما ذكرنا، والآخَرُ: يُشرع التَّحالفُ (٣)؛ لحصول الفائدة للمشتري. (وَإِنِ اخْتَلَفَا في صِفَتِهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأِنَّه غارِمٌ، وسواءٌ كانت الصِّفةُ عَيبًا؛ كالبرص وخَرْق (٤) الثَّوب، أو لا؛ كالسِّمَن والكتابة.

стр. 2670

وقيل: يُقبَل قول بائعٍ في نفي العيب، قدَّمه في «المحرَّر». وغايته: تعارَضَ أصلان، فخُرِّج قولان، فإن كان البائع قَبَض الثَّمنَ وساوى (١) القيمةَ، وكانا من جنس واحدٍ؛ تعارضا وتساقطا، وإلاَّ سقط الأقلُّ، ومثلُه من الأكثر. وظاهر كلام أبي الخَطَّاب: أنَّ القيمة إن زادت على الثَّمن أنَّ المشتريَ لا يلزمه الزِّيادةُ، وقرَّره ابن المنجَّى على وجْهٍ، وليس بظاهرٍ. (وَعَنْهُ: لَا يَتَحَالَفَانِ إِذَا كَانَتْ تَالِفَةً)؛ لمفهوم (٢) قوله ﵇: «والسِّلعةُ قائمةٌ» (٣)، فدلَّ على أنَّه لا يُشرَع عند عدمها، (وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأنَّهما اتَّفقا على نقل السِّلعة إلى المشتري، واختلفا في قدرٍ زائدٍ يدَّعيه البائعُ ويُنكِره المشتري، والقولُ قول المنكر. والأوَّل أَوْلى، قال الإمامُ أحمدُ (٤): لم يَقُلْ فيه: «والمبيع قائِمٌ» إلاَّ يزيد (٥) بن هارون، وقد أخطأ، رواه الخَلْقُ عن المسعوديِّ بغير هذه الزِّيادة (٦)، ولم يرجح في «الفروع» شَيئًا. (وَإِنْ مَاتَا؛ فَوَرَثَتُهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا)؛ لأنَّهم يَقُومون مقامه في أخذ ماله وإِرْث حقوقه، فكذا فيما يلزمه، وكذا إن مات أحدهما. (وَمَتَى فَسَخَ الْمَظْلُومُ مِنْهُمَا)، سواءٌ كان البائع أو المشتري؛ (انْفَسَخَ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا)؛ لأنَّه معذورٌ، (وَإِنْ فَسَخَ الظَّالِمُ)؛ أي: الكاذب عالِمًا بكذبه؛

стр. 2671

(لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا)؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له الفسخُ، فلم يَثْبُت حكمه بالنِّسبة إليه؛ لكونه لا عُذْر له. وظاهره: أنَّه يثبت بالنِّسبة إلى صاحبه، فيباح له التَّصرُّف فيما رجع إليه؛ لأنَّه عاد إليه بحُكمٍ من غير عدوانٍ منه. (وَعَلَيْهِ)؛ أي: الظَّالِم (إِثْمُ الْغَاصِبِ)؛ لأنَّه غاصِبٌ. قال ابنُ المنجَّى: (لم أجِدْ بما قال المؤلِّف نقلاً صريحًا يوافِقُه، ولا دليلاً يقتضيه)، وفيه شَيءٌ، فإنَّه قَوِيٌّ من جهة النَّظر، وهو اختياره هنا. ونقل في «المغني» و «الكافي» تَبَعًا لأبي الخَطَّاب: إن كان البائع ظالِمًا؛ لم ينفسخ العقد باطِنًا؛ لأنَّه يُمكِنه إمضاءُ العقد واستيفاء حقِّه، فلا ينفسخ باطِنًا، ولا يباح له التَّصرُّف في المبيع؛ لأنَّه غاصِبٌ، وإن كان المشتري ظالمًا؛ انفسخ العقد مطلقًا. والمذهب عند الجمهور: أنَّه ينفسخ العقد ظاهِرًا وباطنًا؛ لأنَّه فسخٌ لاستدراك ظُلامته، أشبه الرَّدَّ بالعيب. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ؛ تَحَالَفَا)؛ أي: إذا كان في البلد نقودٌ؛ لأنَّهما اختلفا في الثَّمن على وجْهٍ لا يترجَّح أحدهما، فوجب التَّحالف، كما لو اختلفا في قدره. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ؛ فَيُرْجَعُ إِلَيْهِ)؛ نصَّ عليه (١)؛ لأنَّ الظَّاهر وقوع العقد به. فإن كان ثَمَّ نقودٌ وأحدها غالِبٌ؛ أُخِذ به في ظاهر كلامه. فإن تساوت فأوسطها. وعنه: الأقلُّ. وقال القاضي: يتحالفان. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ، أَوْ شَرْطٍ) صحيحٍ؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ)، جزم به

стр. 2672

في «الوجيز»؛ لأنَّ الأصل عدمه، وكما لو اختلفا في أصل العقد، ويحلف على ذلك؛ لأنَّ قولَ الآخَرِ محتمِلٌ. (وَعَنْهُ: يَتَحَالَفَانِ)، قدَّمه في «المحرر»؛ لأنَّهما اختلفا في صفة العقد، فوجب تحالفهما؛ كالاختلاف في الثَّمن. وهذا الخلافُ جارٍ في الاختلاف في الرَّهن، والضَّمِين، وفي قدر ما وقعا به، وفي قدر الأجل. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَاسِدًا)؛ كما لو قال أحدهما: وقع بخمرٍ، أو خيارٍ مجهولٍ؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) مع يمينه؛ لأنَّ الظَّاهر مِنْ حال المسلِم أنَّه لا يتعاطَى إلاَّ عقْدًا صحيحًا. وعُلِمَ منه: أنَّه يُقبَل قولُ مدَّعي الصِّحَّة دون فساده، فلو قال: بعتُك وأنا صبيٌّ، أو غير مأذونٍ لي في التِّجارة، وأنكره المشتري؛ قُدِّم قوله، نصَّ عليه (١). وفيه وجْهٌ: عكسُه؛ لأنَّه الأصل. وفي «الانتصار»: لو اختلفا في صحَّته وفساده؛ قُبِل قول البائع مدِّعي فساده، انتهى. فإن أقام كلٌّ منهما بيِّنةً؛ قُدِّمت بيِّنةُ المدَّعي. وقيل: يسقطان. (وَإِنْ قَالَ: بِعْتَنِي (٢) هَذَيْنِ) بمائةٍ، (قَالَ: بَلْ أَحَدَهُمَا) بخمسين، أو قال: بعتك هذا العبد بألفٍ، قال: بل هو والعبدَ الآخَرَ؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ) مع يمينه، نصَّ عليه (٣)؛ لأنَّ البائع ينكر القدر الزَّائد، فاختصَّت اليمينُ به، كما لو اختلفا في أصل العقد.

стр. 2673

وعنه: يتحالفان، صحَّحها ابنُ عَقِيلٍ؛ كثمنه، وقدَّمها في «التَّبصرة» وغيرها، قال في «الشَّرح»: وهو (١) أقْيَسُ وأَوْلى. (وَإِنْ قَالَ: بِعْتَنِي (٢) هَذَا، قَالَ: بَلْ هَذَا؛ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَهُ)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يدَّعي عقدًا على مبيعٍ يُنكِره الآخَرُ، فيحلف على ما أنكره، (وَلَمْ يَثْبُتْ بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ الَّذي ادَّعاه المشتري أنكره البائع وحلف عليه، والقولُ قولُ المنكر مع يمينه، والَّذي أقرَّ به البائع لا يدَّعيه المشتري. ونقل ابنُ منصورٍ: يؤخذ بقول البائع (٣)، قدَّمه في «المحرَّر». ثمَّ ما ادَّعاه البائع مبيعًا؛ إن كان بيد المشتري؛ ففي «المنتخب»: لا يُرَدُّ إليه. وفي «المغني»: يُرَدُّ، كما لم يدَّعه، قال: ولا يطلبه إن بذل ثمنه، وإلاَّ فسخ. فإن كان أَمَةً، وأنكر المشتري بيعها؛ لم يطأْها البائع، هي ملك لذلك، نقله جعفر (٤)، قال أبو بكر: لا يبطل البيع بجحوده. فرعٌ: إذا أقام كلٌّ منهما بيِّنةً بدعواه؛ ثَبَت العقدان؛ لعدم تنافيهما. وإن أقام أحدهما بيِّنةً؛ ثبت، ويحلف المنكِر للآخر، ويبطل حكمُه. (وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ، وَالثَّمَنُ عَيْنٌ)، وفي «الشَّرح»: أو عَرْضٌ، وفيه

стр. 2674

شَيءٌ؛ (جُعِلَ بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْهُمَا، وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِمَا (١)، الواو بمعنى «ثُمَّ»، وكذا ذكره في «المحرَّر» وغيره؛ لأنَّهما استويا في تعلُّق حقِّهما بعين الثَّمن والمثمن، فإذا (٢) كان كذلك؛ وجب نَصْب عَدْل يفعل ما ذكر؛ لأنَّ فيه تسويةً بين المتساويات، فيُسلِّم المبيع أوَّلاً، ثمَّ الثَّمن، قدَّمه في «الفروع»، وجزم به في «الوجيز». وقيل: يسلِّمهما معًا، ونقله (٣) ابن منصورٍ (٤)، وهو ظاهر كلامه؛ لتساويهما. قال ابن حمدان: ومن أمكنه منهما التَّسليم الواجب عليه، فأباه؛ ضمِن ما تَلِف به كغاصب. وأيُّهما بدأ بالتَّسليم أُجْبِر الآخَرُ. وأيُّهما يلزمه البَداءة به؟ يحتمل (٥) وجهين. وعنه: يجبر البائع على التَّسليم أوَّلاً. (وَإِنْ كَانَ دَيْنًا)؛ أي: وقع الثَّمن بثمن (٦) في الذِّمَّة (أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ)، نصَّ عليه (٧)، وأنَّه لا يَملِك حبسَ المبيع على قبض ثمنه حالًّا أو مؤجَّلاً. واختار المؤلِّف، وقاله في «الانتصار»: خلافَه؛ لأنَّ في تسليمه بدون ذلك ضررًا عليه.

стр. 2675

(ثُمَّ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهُ)؛ لأنَّ حقَّ المشتري تعلَّق بعَين المبيع، وحقَّ البائع تعلَّق بالذِّمة (١)، فوجب تقديم ما تعلَّق بالعين؛ كتقديم المرتهن على سائر الغرماء. فإن كان عَرْضًا بعرْضٍ؛ لم يجب تسليم البائع بلا خلافٍ في المذهب. (وَإِنْ كَانَ) الثَّمنُ (غَائِبًا بَعِيدًا)؛ أي (٢): في مسافة القصر، (أَوِ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا)، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أو مماطِلاً (٣)؛ (فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ)، ذَكَرَه الأكثرُ؛ لأنَّ عليه ضررًا في تأخير الثَّمن، فكان له الفسخ والرُّجوع في عين ماله؛ كمفلسٍ وكمبيعٍ. نقل (٤) الشَّالَنْجِيُّ: لا يكون مُفلِسًا إلاَّ أن يفلِّسه القاضي، أو يبيِّن أمرَه في النَّاس (٥). وفي «الانتصار»: إن قارن الإفلاسُ العقدَ، ولم يعلم؛ لم يَصِحَّ، وإن قبضه، ثمَّ أفلس فله الفسخ، نَصَّ عليه (٦). (وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ)، أو بيته (٧)؛ (حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مَالِهِ كُلِّهِ)، ومن جملته المبيع، (حَتَّى يُسَلِّمَهُ (٨)؛ لئلاَّ يتصرَّف في ماله تصرُّفًا يضرُّ بالبائع. وإن كان مؤجَّلاً؛ بقي الحجرُ فيه إلى أجله، قاله في «الوجيز». وقال ابن حمدان: ويحتمل أن يباع المبيع. وقيل: وغيره من ماله في

стр. 2676

وفاء ثمنه إذا تعذَّر لإعسار أو بُعْدٍ. (وَإِنْ كَانَ) الثَّمنُ (غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ، قَرِيبًا)؛ أي: دون مسافة القصر؛ (احْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ)؛ لأنَّ في التَّأخير ضررًا عليه. (وَاحْتَمَلَ أَنْ يُحْجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي) حتَّى يسلِّمه؛ لأنَّه في حكم الحاضر. وحكاهما في «المحرَّر» و «الفروع» وجهين من غير ترجيحٍ. والفسخ لا (١) يفتقر إلى حُكم حاكمٍ؛ لأنَّه فسخٌ للبيع (٢) لتعذُّر ثمنه، بخلاف الحجر عليه. مسألة: إذا أحضر المشتري، أو وارثُه، أو وكيلُه نصفَ الثَّمن، فهل يأخذ نصف المبيع، أو كلَّه، أو لا يقبض (٣) شيئًا حتَّى يَزِن الباقيَ، أو يفسخ البيع (٤) ويَرُدُّ ما أخذه؟ فيه أوْجُهٌ. وقيل: لا يَسْتحقُّ مطالبته بثمنٍ ومثمَنٍ مع خيار شرط، ومثله المُؤْجَر بالنَّقد في الحال، ذكره في «الوجيز» و «الفروع». (وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ)، وفيه صورتان: أحدهما: يثبت الخيار، كما لو شرط كونه مسلِمًا أو بكرًا، فبان بخلافه. الثَّانية: أن يشترِط الأدنى فيظهر الأعلى؛ كالكفر، والثُّيوبة ونحوهما. فإذا بان بخلافه؛ فالأشهر: أنَّه لا خيار له؛ لأنَّه زاده خَيرًا. (وَتَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ)؛ أي: إذا رأيا المبيع، ثمَّ عقدا عليه، ثمَّ وجده المشتري متغيِّرًا، (وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ)؛ أي: الخُلْف في الصِّفة مذكورٌ في باب الشُّروط في البيع، وتَغيُّر الرُّؤية مذكورٌ في الفصل السَّادس من البيع بما يُغني عن إعادته.

стр. 2677

(فَصْلٌ) (وَمَنِ اشْتَرَى مَكِيلاً، أَوْ مَوْزُونًا)، وظاهر المذهب: أو معدودًا، وقاله الخِرَقِيُّ، والأشهر: أو مذروعًا، جزم به في «المحرَّر»؛ أي: إذا اشتراه بما ذُكر؛ مَلَكه (١) بالعقد، وذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين إجْماعًا (٢). وفي «الانتصار» روايةٌ: لا. نقل ابن منصورٍ: ملْكُ البائع فيه قائمٌ حتَّى يُوفِّيَه المشتري (٣). وفي «الرَّوضة»: يلزم البيع بِكَيْله أو وَزْنه، ولهذا نقول (٤): لكلٍّ منهما الفسخُ بغير اختيار الآخَر، ما لم (٥) يَكِيلَا أو يَزِنَا. ولم يَرْتَضِه في «الفروع»، ثمَّ قال: فيتَّجِه إِذَنْ في نقل الملك: روايتا الخيار. (لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)، في ظاهر كلام أحمدَ (٦)؛ لأنَّه «﵇ نهى عن بيع الطَّعام قبل قبضه» متَّفقٌ عليه (٧)، وقال ابن عمر: «رأيت الَّذين يشترون الطَّعام مُجازَفةً يُضرَبون على عهد رسول الله ﷺ أنْ يبيعوه حتَّى يُؤْوُوه إلى رحالهم» متَّفقٌ عليه (٨)،

стр. 2678

وكان الطَّعام مستعملاً (١) يومئِذٍ غالِبًا فيما يُوكل (٢) ويُوزَن. والإجارةُ، والهِبةُ ولو بلا عِوَضٍ، والرَّهن ولو قُبِض ثمنُه، والحَوالة عليه؛ كالبيع، فلو تقابضاه جزافًا لعِلْمِهما قدْرَه؛ صحَّ مطلقًا. ويصِحُّ عتقه (٣) قولاً واحدًا. قال أبو يعلى الصَّغير: والوصيَّةُ به، والخلع عليه. (وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ)، وذلك على (٤) ضربين: أحدهما: أن يكون بأمْرٍ سماويٍّ، فهذا ينفسخ فيه العقدُ؛ لأنَّه «﵇ نهى عن ربح ما لم يُضمَنْ» (٥)، والمرادُ به: رِبْحُ ما بِيع قبل القبض؛ لأنَّ ربح ما بيع بعده من ضمان المشتري وِفاقًا (٦). الثاني (٧): أن يكون بغيره، وهو ظاهِرٌ. (إِلاَّ أَنْ يُتْلِفَهُ آدَمِيٌّ، فَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ) والرُّجوع بالثَّمن، (وَبَيْنَ إِمْضَائِهِ وَمُطَالَبَةِ مُتْلِفِهِ بِبَدَلِهِ)؛ أي: بمثله إن كان مثليًّا، وإلاَّ بقيمته؛ لأنَّ الإتْلافَ كالعيب، وقد حصل في موضعٍ يَلزمُ البائعَ ضمانُه، فكان له الخيار؛ كالعيب في المبيع. وقال المجْدُ وجماعةٌ: الواجبُ القيمةُ. فقيل: مرادهم ما تقدَّم، وأرادوا بالقيمة: البدل الشَّرعيَّ.

стр. 2679

ونصر القاضي موفَّقُ الدِّين (١): القيمةَ، على ظاهر كلام المجْد؛ إذ هو في كلامه أظهر منه في (٢) كلام غيره، وعلَّله: بأنَّ الملكَ هنا استقرَّ على الماليَّة، فلذلك وجبت القيمة، والمثليَّة لم يستقرَّ (٣) الملك عليها، فلذلك لم تجب (٤). وشمل كلامه: إتلاف البائع. وقيل: ينفسخ العقد، فيرجع المشتري بالثَّمن لا غير، كما لو تلف بفعل الله تعالى. وفرَّق الأصحابُ بينهما؛ لأنَّ التَّلف بفعل الله تعالى لم يُوجَد فيه مقتضى (٥) الضَّمان، بخلاف ما إذا أتلفه، فإن إتلافه يقتضي الضَّمان بالمِثل، وحكم العقد يقتضي الضَّمانَ بالثَّمن، فكانت الخِيَرة إلى المشتري في التَّضمين بأيِّهما شاء. ويستثنى من ذلك: ما إذا أتلفه المشتري؛ لأنَّ ذلك كالقبض، ويستقرُّ عليه الثَّمنُ، فلو أتلف بعضه قبل قبضه؛ انفسخ في قدره، وخُيِّر المشتري في باقيه، جزم به في «المحرَّر» وغيره. وفي «الفروع»: هل يُخيَّر المشتري في باقيه، أو ينفسخ؟ فيه روايتا تفريق الصَّفقة.

стр. 2680

فرعٌ: إذا باع شاةً بشعير (١)، فأكلته قبل قبضه، فإن كانت في يد المشتري؛ فهو كما لو أتلفه، وكذا إن كانت في يد البائع أو غيره، وإن لم تكن في يد أحد؛ انفسخ؛ لأنَّ المبيع هلك قبل القبض بأمرٍ لا يُنسَب إلى آدَمِيٍّ، فهو كتَلَفِه بفعل الله تعالى (٢). (وَعَنْهُ فِي الصُّبْرَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ؛ فَهِيَ (٣) مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي)، نقلها أبو الحارث والجَوْزَجانيُّ (٤)، واختارها القاضي وأصحابه، وفي «المحرَّر»: هي المشهورة؛ لقول ابن عمر: «مضت السُّنَّة أنَّ ما أدركتْه الصَّفقةُ حيًّا مجموعًا؛ فهو من مال المشتري» (٥)، ولأنَّ التَّعيين كالقبض. قال ابن حمدان: وعنه: أو مشاعًا؛ كنصفه أو ثلثه. والمذهب: أنَّه يجوز التَّصرُّف فيه؛ كأخذه (٦) بشفعةٍ، بخلاف ما إذا كان مبهَمًا يتعلَّق به حقُّ توفيةٍ؛ كقَفِيزٍ من صُبْرةٍ، ورطْلٍ من هذه الزبرة (٧)، فإنَّه يفتقر إلى القبض على المعروف في المذهب. (وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ، وَالْمَوْزُونَ)، وكذا المعدود، والمذروع؛ (يَجُوزُ

стр. 2681

التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ)؛ كالعبد والدَّار على المذهب؛ لقول ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدَّراهم فنأخذ عنها الدَّنانير، وبالعكس، فسألنا رسولَ الله ﷺ فقال: «لا بأسَ أن يأخذ بسعر يومها ما لم تتفرَّقا (١) وبينكما شيءٌ» رواه الخمسةُ، وهو من رواية عطاء بن السَّائب وسِماكٍ، وفيهما كلامٌ، قال التِّرمذيُّ: لا نعرفه مرفوعًا إلاَّ من حديث سِماكٍ، عن سَعِيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عمر (٢). فهذا تصرُّفٌ في الثَّمن قبل قبضه، وهو أحد العِوَضَينِ، ولأنَّه مبيعٌ (٣) لا يتعلَّق به حقُّ تَوْفيةٍ، فصحَّ بيعه؛ كالمال في يد المودَع والمضارِب. (وَإِنْ تَلِفَ؛ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي)؛ لقوله ﵇: «الخَراجُ بالضَّمان» (٤)، وهذا المبيع للمشتري، فضمانه عليه. وهذا إذا لم يَمنعه البائع، نصَّ عليه (٥)، فإنْ مَنَعه منه حتَّى تَلِف؛ ضَمِنَه ضَمانَ غَصْبٍ لا عقد، وليس اللُّزوم من أحكام القبض على الأعرف. وسواءٌ تمكَّن من قبضه أو لا، جزم به في «المستوعب». وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: إذا (٦) تمكَّن من قبضه، وقال: ظاهر المذهب

стр. 2682

الفرق بين ما تمكَّن من (١) قبضه وغيره، ليس هو الفرق بين المقبوض وغيره (٢). وفي كلام الشَّيخَينِ ما يخالفه. (وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي) «الانتصار» (رِوَايَةً أُخْرَى)، واختارها ابنُ عَقيلٍ: (أَنَّهُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي ذَلِكَ)؛ أي: لا يجوز التَّصرُّف فيه قبل قبضه، وأخَذَها أبو الخَطَّاب من (٣) قوله في رواية الأثرم (٤): إنَّ الصُّبَرَ لا تباع حتَّى تُنقَل، قال: وهي معيَّنة كالعبد والثَّوب، لكن رواية مهنَّى في الصَّداق أظهر من هذا، فإنَّه قال فيمن تزوَّج امرأةً على غلامٍ بعينه، ففُقِئتْ عَيْنَا (٥) الغلام، ولم تقبضه (٦)؛ فهو على الزَّوج (٧). فعلى هذا: إذا تلفت (٨) قبل قبضه؛ فهو من (٩) مال البائع. وعنه: أنَّ ما كان مطعومًا؛ لا يجوز بيعُه قبل قبضه، قال ابن عبد البرِّ: هذا هو الأصحُّ عن أحمدَ (١٠)، وفي «الكافي»: إنَّ ذلك مُقتضَى الدَّليل. وعنه: إذا كان مكيلاً أو مَوْزونًا، وهو ظاهر كلام أبي بكرٍ في «التَّنبيه». تنبيهٌ: المبيعُ بصفةٍ أو رؤيةٍ سابقةٍ؛ حكم ما تعلَّق به حقُ توفيةٍ؛ أي: أنَّه

стр. 2683

من ضمان بائعه حتَّى يقبِضه المبتاعُ، ولا يصحُّ تصرُّف مشترٍ فيه قبل قبضه مطلقًا. وثمنٌ ليس في ذمَّةٍ كمُثْمَنٍ، وما في الذِّمة له أخذ (١) بدله لاستقراره. وكلُّ عِوَضٍ يُملك بعقد، ينفسخ بهلاكه قبل القبض؛ لا (٢) يجوز التَّصرُّف فيه قبله. وجوَّز الشَّيخ تقيُّ الدِّين التَّصرُّف فيه؛ لعدم قصد الرِّبح (٣). وما لا ينفسخ بهلاكه قبل القبض؛ يجوز التَّصرُّف فيه قبله، كنكاحٍ، وخُلْعٍ، وعِتْقٍ على مالٍ، وصلْحٍ عن دمِ عَمْدٍ؛ لأنَّ (٤) المقتضي للتَّصرُّف الملك، وقد وجد. وقيل: كبيع، فيجب بتلفه مثله أو قيمته، ولا فسخ. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لهما فسخ النِّكاح؛ لفوت بعض المقصود؛ كعيب مَبيعٍ (٥). ولو تعيَّن ملكه في موروثٍ، أو وصيَّةٍ، أو غنيمةٍ؛ لم يُعتبَر قبضُه بغير خلافٍ (٦)؛ لعدم ضمانه بعقْد معاوَضةٍ، كمَبيعٍ مقبوضٍ وكوديعةٍ ونحوها، بخلاف ما قبْضُه شرطٌ لصحَّة عقده، كصَرْفٍ وسَلَمٍ. (وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ؛ بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ)؛ لِمَا روى عثمان مرفوعًا قال: «إذا بِعْتَ فكِلْ، وإذا ابْتَعْتَ فاكْتَلْ» رواه أحمدُ، وهو

стр. 2684

للبخاريِّ بغير إسْنادٍ (١)، وعن أبي هريرةَ مرفوعًا قال: «من اشترى طعامًا؛ فلا يَبِعْه حتَّى يَكْتالَه» رواه مسلمٌ (٢). وقَبْض ما يُعَدُّ ويذرع (٣)؛ بعدِّه وذَرْعِه؛ نظرًا للعُرْف. وظاهِرُه: أنَّه لا يُشتَرط نقله على المذهب. وشرطُه: حضورُ مستحِقٍّ أو نائبِه، فلو اشترى منه مكيلاً بعينه، ودفع إليه الوعاء، وقال: كِلْه؛ فإنَّه يصير مقبوضًا. قال في «التَّلخيص»: وفيه نظرٌ. وتصحُّ (٤) استنابة من عليه الحقُّ للمستَحِقِّ. وقيل: لا. ونصُّه: أنَّ ظرفه كيَدِه، بدليل تنازعهما فيه، وأنَّه يصحُّ قَبضُ وكيلٍ من نفسه لنفسه (٥). وهل يُكْتَفى بعلم كَيْلِ ذلك قبل شرائه؟ على روايتين، وخصَّهما (٦) في «التَّلخيص» بالمجلس. فإن كان المبيعُ في المكيال، ففرَّغه منه وكاله (٧)؛ فهو قَبْضٌ، وإلاَّ فلا، ذكره جماعةٌ.

стр. 2685

فإن أعلمه بكيله، ثمَّ باعه به؛ لم يَجُزْ، نقله الجماعةُ (١)، وكذا جزافًا، قاله المؤلِّف. وإن قبضه جزافًا لعلمهما قدره؛ جاز، وفي المكيل روايتان. تنبيه: إذا قبضه مشترٍ فوجده زائدًا ما لا يتغابن به؛ أعلمه، ونقل المرُّوذيُّ: يردُّه (٢). وإن قبضه مصدِّقًا لبائعه في كَيله أو وزنه؛ بَرِئَ عن عهدته. وإن (٣) ادَّعى أنه أقلُّ من حقِّه؛ فوجهان، وإن لم يصدِّقه؛ قُبل قوله في قدره. ومُؤْنة كَيَّالٍ، ووزَّانٍ، وعدَّادٍ، ونحوهم على باذله من بائعٍ ومشترٍ. وفي «النِّهاية»: أُجرة نقلِه (٤) بعد قبض البائع له عليه (٥). ومؤْنة المتعيِّن على المشتري إن (٦) قلنا كمقبوضٍ، وأطلقه في «المغني» و «الشرح»؛ لأنَّه لا يتعلَّق به حقُّ توفيةٍ، نصَّ عليه (٧).

стр. 2686

ولا يَضمَن ناقِدٌ حاذِقٌ خطأً، نصَّ عليه. وإتلاف مشترٍ ومتَّهِبٍ بإذنه؛ قبض، لا غصبُه. وغصبُ بائعٍ ثمنًا، أو أخذُه بلا إذنه؛ ليس قبضًا إلاَّ مع المقاصَّة. ويصحُّ قبضُه مشترٍ بغير رضا البائع. (وَفِي الصُّبْرَةِ، وَفِيمَا (١) يُنْقَلُ)؛ كالثِّياب والحيوان؛ (بِالنَّقْلِ)؛ لحديث ابن عمر: «كنَّا نشتري الطَّعام من الرُّكبان جزافًا، فنهانا النَّبيُّ ﷺ أن نبيعَه حتَّى ننقلَه» رواه مسلمٌ (٢). وعُلِم منه: أنَّ المرادَ بالمكيل والموزون؛ ما بِيعَ بهما لا (٣) ما كان مكيلاً أو موزونًا في نفسه، فيُحمل المطْلَق على المقيَّد. فإن (٤) كان حيوانًا؛ فقبضه بمشْيِه من مكانه. (وَمَا (٥) يُتَنَاوَلُ)؛ كالجواهر (٦) والأثمان؛ (بِالتَّنَاوُلِ)، إذ العُرْف فيه ذلك، (وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ)؛ كالعَقار والثَّمرة على الشَّجر؛ (بِالتَّخْلِيَةِ)، إذ القَبضُ مطلقٌ في الشَّرع، فيرجَعُ فيه إلى العُرْف؛ كالحرز والتَّفرُّق، قال الخِرَقيُّ: من غير حائلٍ، وكذا في «المغني» و «التَّرغيب»، ومعناه: أن يفتح له باب الدَّار، أو يسلِّمه مفتاحَها، ونحوه، وإن كان فيها متاعٌ للبائع، قاله الزَّرْكَشِيُّ. (وَعَنْهُ: أَنَّ قَبْضَ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيزِ)، نصره القاضي وجماعةٌ؛ لأنَّه خلَّى بينه وبين المبيع مع عدم المانع، فكان قبضًا له كالعقار. أصلٌ: يَحرُم تعاطيهما بَيْعًا فاسدًا، فلا يُملَك به؛ لأنَّه نعمةٌ، ولا ينفذ

стр. 2687

تصرُّفه؛ لعدم الملك. وخرَّج أبو الخَطَّاب فيه من طلاقٍ في نكاحٍ فاسدٍ. وهو كمغصوب (١)، وقال ابن عقيل وغيره: كمقبوضٍ للسَّوم، ومنه خرَّج ابن الزاغوني: لا يضمنه. ويضمنه بعقدٍ فاسدٍ؛ بقيمته، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لأنَّهم تراضَوْا بالبدل الَّذي هو القيمة، كما تراضَوا في مهر المثل (٢). وذكر أبو بكر: يضمنه بالمسمَّى، لا القيمة؛ كالنِّكاح والخلع. وفي «الفصول»: يضمنه بالثَّمن. والأصحُّ: بقيمته؛ كمغصوبٍ. وفي «المغني» و «التَّرغيب»: أو مثله يوم تَلَفِه. وفي ضمان زيادةٍ وجهان، بناءً على أنَّها أمانةٌ أو لا. وفي «المغني» و «الترغيب»: إن سقط الجنين ميتًا؛ فهدَرٌ. وقال أبو الوفاء: يضمنه، ويضمنه ضاربه، ومتى ضربه أجنبيٌّ؛ فللبائع من الغُرَّة قيمة الولد، والبقيَّة لورثته. وسَوْمُ إجارةٍ؛ كبيعٍ، ذكره في «الانتصار». وولده كهو، لا ولد جانيةٍ وضامنةٍ. (وَالْإِقَالَةُ) مستحبة (٣)؛ لِمَا روى ابن ماجه عن أبي هريرةَ مرفوعًا قال: «من أقال مسلِمًا؛ أقاله الله عثرتَه يومَ القيامة» ورواه أبو داودَ (٤)، وليس فيه ذِكْرُ يوم القيامة.

стр. 2688

وهي (فَسْخٌ) في الأصحِّ؛ إذ هي عبارةٌ عن الرَّفع والإزالة، يقال: أقالك الله عثرتَك؛ أي: أزالها، فكانت فسخًا للعقد، بدليل جوازها في السَّلَم مع إجماعهم على المنْع من بيعه قبل قبضه، مع أنَّه يأتي إذا قلنا: هي بَيْعٌ. (تَجُوزُ (١) فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ)؛ أي (٢): فيما يُعتَبَر له القَبضُ؛ لأنَّه فسْخٌ، والفسخ لا يُعتَبَر فيه القَبْضُ؛ كالرَّدِّ بالعيب. (وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَا شُفْعَةً)؛ لأنَّ المقتضي لها هو البيع، ولم (٣) يُوجَد. (وَلَا تَجُوزُ (٤) إِلاَّ بِمِثْلِ الثَّمَنِ) الأوَّل، قدرًا ونوعًا (٥)؛ لأنَّ العقدَ إذا ارتفع؛ رجع كلٌّ منهما ما كان له، ولا يحتاج إلى استبراء قبل القبض. ويجوز بعد نداء الجمعة. ولا يلزم إعادة كَيلٍ أو وَزْنٍ، وفي «المغني»: أنَّه لا بُدَّ من كَيلٍ ثانٍ؛ إقامةً للفسخ مقام البيع، وفيه نظرٌ، فإنَّه من تمام قول أبي بكرٍ. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا بَيْعٌ)، اختاره أبو بكرٍ في «التَّنبيه»، مع أنَّه حكى في «المغني» و «الشَّرح» أنَّه اختار الأوَّل؛ لأنَّ المبيع عاد إلى بائعه على الجهة الَّتي خرج

стр. 2689

عليها، فكانت بَيعًا كالأوَّل. (فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ)، أي: تنعكس الأحكام السَّابقة، (إِلاَّ بِمِثْلِ الثَّمَنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هذا هو المذهب عند القاضي في «الخلاف»، وصحَّحه السَّامَرِّيُّ؛ لأنَّ مقتضى الإقالة ردُّ الأمر (١) إلى ما كان عليه، واختصَّت بمثل الثَّمن كالتَّولية، كما اختصَّت المرابَحة بالرِّبح، ولا يمنع ذلك كونها بَيعًا. والثَّاني: لا يُشترَط فيها ذلك؛ كسائر البياعات (٢). وأطلقهما (٣) في «المحرَّر» و «الفروع»، وصحَّح في «الشَّرح»: أنَّها لا تجوز إلاَّ بمثل الثَّمن، بَيعًا كانت أو فسخًا. فإن أقال (٤) بأقلَّ أو أكثر منه؛ لم تصِحَّ الإقالةُ، وكان الملك للمشتري؛ لأنَّه شرط التَّفاضُل فيما يعتبر فيه التَّماثُل، فيبطل (٥)؛ كبيع درهم بدرهمين. فوائدُ: منها: أنَّ الإقالة تصحُّ بلفظها وبلفظ المصالحة إن قيل: هي فسخٌ، وإن قلنا: بَيعٌ فلا، ذكره القاضي؛ لأنَّ ما يصلح للحلِّ لا يصلح للعقد، وما يصلح للعقد لا يصلح للحلِّ، وظاهر كلام جماعةٍ: انعقادها بذلك، وتكون معاطاةً. ومنها: إذا (٦) قلنا: هي فسخٌ لم يُشترَط لها شروطُ البيع، وإن قلنا: هي بَيعٌ، فلا، ذكره في «المغني».

стр. 2690

ومنها: لو قال: أقِلْنِي، ثمَّ دخل الدَّار فأقاله على الفور؛ صحَّ إن قيل: هي فسخٌ لا بيعٌ (١)، ذكره القاضي وأبو الخَطَّاب في «تعليقهما»؛ لأنَّ البيع يُشترَط له حضور المتعاقدين في المجلس. وظاهر ما قدَّمه في «الفروع»: لا تصحُّ (٢) مطلقًا، وما نقله أبو الخَطَّاب عن أحمد في صحَّة قَبول الزَّوج للنِّكاح بعد المجلس؛ اخْتُلف في تأويله. ومنها: النَّماء المنفصل؛ إن قيل: هي بيعٌ؛ لم يَتْبَع بغير خلافٍ، وإن قيل: هي فسخٌ؛ فقال القاضي: هو للمشتري، وفي «المستوعب» و «الرِّعاية»: للبائع، مع ذِكرهما أنَّ نماء المعيب للمشتري. وفي «تعليق» القاضي و «المغني»: أنَّها فسخ للعقد من حِينه، وفي «الفروع»: هو أظهرُ. ومنها: لا يَثبُت فيها خيار المجلس إن قيل: هي فسخٌ، وإن قيل: بيعٌ، فذكر في «التَّلخيص»: أنَّه يثبت فيها؛ كسائر البيوعات. ومنها: لو حلف لا يبيع، فأقال؛ انبنى على الخلاف، وكذا لو علق عِتْقًا أو طلاقًا على البيع (٣). ومنها: هل تصحُّ (٤) مع تلف المبيع؛ ففيه طريقان: إحداهما (٥): لا تصحُّ (٦) عليهما. والثَّاني: إن قلنا: هي فسخٌ؛ صحَّت، وإلاَّ فلا، قال القاضي: هو قياس المذهب.

стр. 2691

وتصحُّ مع تَلَف الثَّمن مطلقًا. ومنها: لو تقايَلا في بيعٍ فاسدٍ، ثمَّ حكم الحاكم بصحَّته ونفوذه؛ إن قلنا: هي بَيعٌ؛ فحكمه بصحَّة العقد صحيحٌ؛ لأنَّ العقدَ باقٍ، وقد تأكَّد بترتُّب عقدٍ آخَرَ عليه. وإن قيل: هي فسخٌ؛ لم ينفُذ؛ لأنَّ العقد ارتفع بالإقالة، فصار كأنَّه لم يُوجَد. ويحتمل أن ينفذ وتُلغى (١) الإقالةُ؛ لأنَّها تصرُّفٌ في بيعٍ فاسدٍ قبل الحكم بصحَّته، فلم ينفُذ، ولم يؤثِّرْ فيه شيئًا، ذكره ابن عقيلٍ. ومنها: هل تصحُّ (٢) بعد موت المتعاقدَين؟ ذكر (٣) القاضي في مَوضِعٍ من «خلافه»: أنَّ خيار الإقالة يبطل (٤) بالموت، فلا يصحُّ. وبناه في موضِعٍ آخر على الخلاف؛ إن قيل: هي بيعٌ؛ صحَّت من الورثة، وإن قلنا (٥): فسخٌ؛ فوجهان. ومنها: أنَّ المشتريَ لا يلزمه مُؤْنةُ الرَّدِّ، وهي في يده أمانةٌ كالوديعة، وفي «التعليق»: يضمنه، فيلزمه مؤنةُ الرَّدِّ (٦).

стр. 2692

(بَابُ الرِّبَا وَالصَّرْفِ) الرِّبا مقصورٌ، وهو لغةً: الزِّيادةُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحَجّ: ٥]؛ أيْ: عَلَتْ وارْتَفَعتْ، ولقوله تعالى (١): ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النّحل: ٩٢]؛ أيْ: أكثرُ عددًا. وشرعًا: زيادةٌ في شيءٍ مخصوصٍ. وقد انعقد الإجماعُ على تحريمه (٢)، وسَنَدُه قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: «اجْتَنِبُوا السَّبعَ الموبِقاتِ»، وذَكَر منها: «أكْلَ الرِّبا» متَّفقٌ عليه (٣)، ولحديث جابِرٍ: «أنَّه ﵇ لَعَنَ آكِلَ الرِّبا، ومُوكِلَه، وكاتِبَه، وشاهدَيْه» رواه مسلمٌ (٤)، وقول ابنِ المنجَّى: إنَّه متَّفقٌ عليهما ليس بجيِّدٍ. والصَّرْف: بَيعُ أحدُ النَّقدَين بالآخَر، قيل: سمي به؛ لصريفهما (٥)، وهو تصويتها في الميزان، وقيل: لانصرافهما عن مقتضَى البياعات (٦) في عدم جواز التَّفرُّق قبل القَبْض ونحوه.

стр. 2693

(وَهُوَ نَوْعَانِ: رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ)، وكلاهما محرَّمٌ. إن قيل: الآية لا إجْمالَ فيها؛ إذ الإجماعُ منعقِدٌ على تحريم رِبَا النَّسيئةِ، وعامَّتُهم كذلك في ربا الفضل، لكن وقع في الصَّدْر الأوَّل عن أُسامةَ بنِ زَيدٍ، وزيدِ بن أرْقَم، وابنِ الزُّبير، وابنِ عبَّاسٍ، وعنه اشتهر (١)؛ لقوله ﵇: «لا رِبَا إلاَّ في النَّسيئة» رواه البخاريُّ (٢)،

стр. 2694

وفي روايةٍ: «إنما الرِّبَا (١) في النَّسيئة» (٢)، وعُورِض القائل (٣) به، ورجع إلى قول الجماعة، فصار إجْماعًا (٤)، لكن اخْتُلِف في رجوع ابنِ عبَّاسٍ (٥)، مع أنَّ حديثَ أُسامةَ لا يقاوم (٦) ما ورد من الأدلَّة؛ لصراحتها؛ لأنَّها تدلُّ بالمنطوق، ويحمل (٧) على أنَّه وقع جوابًا لسؤالٍ على الجنسين، أو مطلقًا، فقال: «لا ربا إلاَّ في النَّسيئة»؛ أي: المسؤول عنه، وهو الجنسان، أو أنَّ المراد نفيُ الأغلظ الَّذي ورد النَّصُّ بتحريمه؛ لأنَّ العرب كانت تقول للغريم إذا حَلَّ

стр. 2695

الدَّينُ: إمَّا أن تقضِيَ وإما أن (١) تُربِيَ الدَّينَ؛ أي: تزيد (٢)، وهو الذي نسخه (٣) النَّبيُّ ﷺ يومَ عرفةَ، وقال: «ألا كلُّ رِبًا موضوعٌ، وإنَّ أوَّلَ رِبًا أضَعُه ربا عبَّاسٍ» (٤)، وهذا كما يقال: إنَّما المال الإبل، وإنما الشُّجاع عليٌّ. (فَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ: فَيَحْرُمُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، مِنْ كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا كَتَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ (٥)، وَحَبَّةٍ بِحَبَّتَيْنِ)؛ لِمَا روى عُبادةُ بنُ الصَّامِت: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال (٦): «الذَّهبُ بالذَّهب، والفِضَّةُ بالفِضَّة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعير، والتَّمرُ بالتَّمر، والملح بالملح، مِثْلاً بمثلٍ، يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شِئْتُم، يَدًا بِيَدٍ» رواه أحمدُ ومسلِمٌ، وعن أبي سعيدٍ مرفوعًا نحوُه، متَّفقٌ عليه (٧). وأجْمعوا على جَرَيان الرِّبا في الأعيان السِّتَّة (٨)، ثمَّ اختلفوا: هل هو لمعنًى فيها، أو لأعيانها؟ وهل عُرِف ذلك المعنى أم لا؟ فعن (٩) ابنِ عَقِيلٍ: أنَّه تردَّد في المعنى، ولم يُعَدِّها إلى غير السِّتَّة؛ لتعارُض الأدلة عنده في المعنى. وذهب جمهور العلماء: إلى معرفة العِلَّة، وتعدِّيها إلى غير السِّتَّة، ثمَّ اختلفوا، والأشْهَرُ عن إمامنا، ومختار عامَّة الأصحاب: أنَّ علَّة الرِّبا في

стр. 2696

النَّقدين: كونه موزون جِنْسٍ، وفي الأعيان الباقية: كونه مَكِيل جِنْسٍ. فعليه: يجري الرِّبا في كلِّ مكيلٍ أو موزونٍ بجنسه، مطعومًا كان أو غيره؛ كالحبوب، والأشْنان، والقُطْن، والكَتَّان، والحديد، والنُّحاس؛ لأنَّ الكَيل والوَزن يُسَوِّي بينهما صورةً، والجنس يسوِّي بينهما معنًى؛ فكانا علَّةً. ولا يجري في مطعوم لا يُكال ولا يُوزَن؛ كالمعدودات. فعلى هذا: تباع بيضةٌ وخيارةٌ وبطِّيخةٌ ورُمَّانةٌ بمثليها (١)، نصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه ليس مكيلاً، ولا موزونًا، لكن نقل مهنَّى: أنَّه كَره بَيْعَ بيضةٍ ببيضَتَينِ، وقال: لا يصلح إلاَّ وزْنًا بوزنٍ (٣)؛ لأنَّه طعامٌ. وعلى المذهب: يجوز إسلام أحد النَّقدَين في الموزون، وبه أُبطلت العلَّةُ؛ لأنَّ كلَّ شَيئينِ شمِلهما إحدى علَّتيْ ربا الفضل؛ يَحْرُم النَّساء فيهما، ولهذا جزم بعض أصحابنا: أنَّه لا يصحُّ، ولو سُلِّم فللحاجة. وأجاب القاضي: بأنَّ القياسَ المنْعُ، وإنَّما جاز للمشقَّة، ولها تأثيرٌ، ولاختلاف معانيها؛ لأنَّ أحدَهما ثمنٌ، والآخَرَ مثمَنٌ، وللتَّسامح بهذا دون ذاك، فحصلا في حكم الجنسين. قولُه: (مِنْ (٤) كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ)؛ أي: ما كان جنسه مكيلاً، أو موزونًا، وإن لم يتأتَّ (٥) فيه ذلك؛ كالحَبَّة بالحبَّتَين، والحَفْنة بالحَفْنتين، أو لكثرته؛ كالزُّبرة العظيمة. وهل يَعُمُّ المعمول (٦) من الموزون بأصله، أو بحاله بعد العمل؟ فنصَّ

стр. 2697

أحمد: أنَّه لا يباع فَلْس بفَلْسين، ولا سكِّينٌ بسكِّينين، ولا إبْرة بإبْرتَين، معلِّلاً: بأنَّ أصل ذلك الوزن (١). ونصَّ في رواية جماعةٍ: أنَّه يُباع ثَوبٌ بثَوبين، وكِساءٌ بكساءَين (٢)، فنقل في «المجرَّد» حكم كلٍّ إلى الأخرى، فجعل (٣) فيهما جميعًا روايتين. اختار ابنُ عَقيلٍ وغيره: المنْعَ؛ اعتبارًا بأصله، واختار في «المغني» وغيره: الجوازَ؛ نظرًا للحال، وظاهر «التَّعليق» و «الجامع»: حمل النَّصِّ على اختلاف حالَين. (وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ إِلاَّ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكُلِّ مَطْعُومٍ) للآدَمِيِّ، نقلها جماعةٌ (٤)؛ لِمَا روى معمر (٥) بن عبد الله: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع الطَّعام بالطَّعام، إلاَّ مِثْلاً بمثلٍ» رواه مسلمٌ (٦). فعليها (٧)، وعلى الثَّالثة: العِلَّةُ في النَّقدَين: الثَّمنيَّةُ، وفي غيرهما: كونه مطعومَ جنسٍ، فيختصُّ بالمطعومات؛ لأنَّ (٨) الطُّعْمَ وصْفُ شَرَفٍ؛ إذ به قِوَام الأبدان، والثَّمنيَّة وصفُ شَرَفٍ؛ إذ به قِوَام الأموال، فاقتضى التَّعليل (٩) ذلك؛ إذ لو كانت العِلَّةُ الوزْنَ؛ لَمَا جاز إسلامُها في الموزونات. فعليها: يجري في كلِّ مطعومٍ، قوتًا كان، أو أُدْمًا، أو فاكهةً، أو دواءً،

стр. 2698

ويُسْتَثْنَى منه: الماءُ على ما قطع به الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩]. وجوابُه: بأنَّه لا يجري فيه؛ لإباحته في الأصل، وبأنَّه لا يتموَّل عادة، وفيه نظرٌ؛ إذ العِلَّة عندنا ليست هي الماليَّةَ. (وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ (١) إِلاَّ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا)، اختارها (٢) المؤلِّف والشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣)؛ لِمَا روى سعيدُ بن المسيِّب مرفوعًا: «لا رِبَا إلاَّ فيما كِيلَ أو وُزِنَ، ممَّا يُؤْكَلُ ويُشْرَبُ» رواه الدَّارَقُطْنيُّ، وقال: الصَّحيحُ أنَّه من قَول سعيدٍ، ومن رَفَعَه فقد وَهِم (٤)، ولأنَّ فيه جمْعًا بين الأدلَّة، فنهيُه عن بيع الطَّعام بالطَّعام إلاَّ مِثْلاً بمثلٍ؛ محمولٌ على ما فيه مِعْيارٌ شرعِيٌّ، وهو الكيل أو الوزن (٥)؛ إذ الطُّعْم بمجرَّده لا تتحقَّق (٦) المماثلةُ به، ونهيُه عن بيع الصَّاع بالصَّاعَين؛ محمولٌ على المطعوم. لكن يترجَّح الأوَّلُ؛ بأنَّ الطَّعام بعضُ أفراد الصَّاع، ويجاب بمخالفته (٧) له في المفهوم، وهو مبنيٌّ على اعتبار مفهوم اللَّقَب، وهو (٨) معتبَرٌ عندنا.

стр. 2699

وما تقدَّم من أنَّ العلَّة هي الثَّمنيَّة فيهما؛ علَّةٌ قاصرةٌ لا يصحُّ التَّعليل بها في اختيار الأكثر، ونُقِضتْ طردًا بالفلوس؛ لأنَّها أثْمانٌ، وعكسًا بالحليِّ. وأجيب: لعدم النَّقْديَّة (١) الغالِبة. قال في «الانتصار»: يجب أن يقولوا إذا أنفقت (٢) حتَّى لا يُتعامَل إلاَّ بها: أنَّ فيها الرِّبا؛ لكونها ثمنًا غالبًا. فعليها: لا يجري في مطعومٍ لا يُكالُ ولا يُوزَن؛ كالرُّمَّان، والسَّفَرْجَل، والأُتْرُجِّ، ولا في غير مطعومٍ؛ كالأشنان، والحديد، ويجري في النَّقدين، تِبْرِهما ومضروبِهما، وجيِّدهما ورديئهما في قول الأكثر، كيفما كانا. وعنه: لا تباع (٣) صِحاحٌ بمكسَّرةٍ؛ لزيادته بالصِّناعة، ولا عمل عليها؛ لظواهر الأخبار. (وَلَا يُبَاعُ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيْلاً)؛ لِمَا روى أبو هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الذَّهبُ بالذَّهب، وزْنًا بوزْنٍ، مِثْلاً بمثلٍ، فمن زاد أو اسْتزاد؛ فهو رِبًا» رواه مسلمٌ (٤)، وروى أبو داودَ من حديث عُبادةَ مرفوعًا: «البُرُّ بالبُرِّ مُدَّينِ بمُدَّينِ، والمِلْحُ بالمِلْح (٥) مُدَّينِ بمُدَّينِ، والشَّعيرُ بالشَّعير، مُدَّينِ بمُدَّينِ، والتَّمرُ بالتَّمر مُدَّينِ بمُدَّينِ؛ فمن زاد أو ازداد فقد أَرْبَى» (٦)، فاعتبر الشَّارع المساواة في الموزونات وفي المكيلات

стр. 2700

بالكَيل، فمن خالف ذلك؛ خرج عن المشروع المأمور به؛ إذ المساواة المعتبَرة فيما يحرم فيه التَّفاضُل هي المساواة في معياره الشَّرعيِّ، ولأنَّه متى باع رطْلاً من المكيل برَطْلٍ؛ حصل في الرَّطل الخفيف أكثر ممَّا يحصل من الثَّقيل، فيختلفان في الكيل، وإن لم يُتحقَّق التَّفاضل؛ إذ الجهل بالتَّساوي كالعلم بالتَّفاضُل، وكما لو باع بعضه ببعض جزافًا، إلاَّ إذا علم مساواته في معياره الشَّرعيِّ حالةَ العقد. فرع: إذا باع صُبْرةً بأخرى من جنسها، وقد عَلِما كَيْلَهما، أو تساويهما؛ صحَّ؛ لوجود التَّماثل المشترَط، فلو قال: بِعتُك هذه بهذه، مِثلاً بمثلٍ، فكِيلَتا، فكانتا سواءً؛ صحَّ، فإن زادت إحداهما، فرضي صاحب النَّاقصة بها، أو رضي صاحب الزَّائدة بردِّ الفضل؛ جاز، فإن امتنعا فُسِخ البَيعُ بينهما، ذكره القاضي. (فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ؛ جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَيْلاً، وَوَزْنًا، وَجزَافًا)؛ نَصَّ عليه (١)، وهو قول أكثر العلماء؛ لقوله ﵇: «فإذا اختلفت هذه الأصنافُ؛ فبِيعُوا كيف شِئْتُم، يدًا بيدٍ» (٢)، ولأنَّه يجوز التَّفاضل فيه، فجاز جزافًا؛ كالمكيل بالموزون (٣). ونصُّه: لا (٤)، اختاره جماعةٌ، واحتجَّ القاضي وأصحابه: بنهيه ﵇ في خبر جابِرٍ عن «بَيع الصُّبَر بالصبر (٥) من الطَّعام لا يُدرى ما كيلُ هذا، وما كيل هذا» (٦)؛ أي: مجازَفةً، وقياسًا على الجنس الواحد.
следующие страницы →