← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

النَّقدين: كونه موزون جِنْسٍ، وفي الأعيان الباقية: كونه مَكِيل جِنْسٍ. فعليه: يجري الرِّبا في كلِّ مكيلٍ أو موزونٍ بجنسه، مطعومًا كان أو غيره؛ كالحبوب، والأشْنان، والقُطْن، والكَتَّان، والحديد، والنُّحاس؛ لأنَّ الكَيل والوَزن يُسَوِّي بينهما صورةً، والجنس يسوِّي بينهما معنًى؛ فكانا علَّةً. ولا يجري في مطعوم لا يُكال ولا يُوزَن؛ كالمعدودات. فعلى هذا: تباع بيضةٌ وخيارةٌ وبطِّيخةٌ ورُمَّانةٌ بمثليها (١)، نصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه ليس مكيلاً، ولا موزونًا، لكن نقل مهنَّى: أنَّه كَره بَيْعَ بيضةٍ ببيضَتَينِ، وقال: لا يصلح إلاَّ وزْنًا بوزنٍ (٣)؛ لأنَّه طعامٌ. وعلى المذهب: يجوز إسلام أحد النَّقدَين في الموزون، وبه أُبطلت العلَّةُ؛ لأنَّ كلَّ شَيئينِ شمِلهما إحدى علَّتيْ ربا الفضل؛ يَحْرُم النَّساء فيهما، ولهذا جزم بعض أصحابنا: أنَّه لا يصحُّ، ولو سُلِّم فللحاجة. وأجاب القاضي: بأنَّ القياسَ المنْعُ، وإنَّما جاز للمشقَّة، ولها تأثيرٌ، ولاختلاف معانيها؛ لأنَّ أحدَهما ثمنٌ، والآخَرَ مثمَنٌ، وللتَّسامح بهذا دون ذاك، فحصلا في حكم الجنسين. قولُه: (مِنْ (٤) كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ)؛ أي: ما كان جنسه مكيلاً، أو موزونًا، وإن لم يتأتَّ (٥) فيه ذلك؛ كالحَبَّة بالحبَّتَين، والحَفْنة بالحَفْنتين، أو لكثرته؛ كالزُّبرة العظيمة. وهل يَعُمُّ المعمول (٦) من الموزون بأصله، أو بحاله بعد العمل؟ فنصَّ

стр. 2697

أحمد: أنَّه لا يباع فَلْس بفَلْسين، ولا سكِّينٌ بسكِّينين، ولا إبْرة بإبْرتَين، معلِّلاً: بأنَّ أصل ذلك الوزن (١). ونصَّ في رواية جماعةٍ: أنَّه يُباع ثَوبٌ بثَوبين، وكِساءٌ بكساءَين (٢)، فنقل في «المجرَّد» حكم كلٍّ إلى الأخرى، فجعل (٣) فيهما جميعًا روايتين. اختار ابنُ عَقيلٍ وغيره: المنْعَ؛ اعتبارًا بأصله، واختار في «المغني» وغيره: الجوازَ؛ نظرًا للحال، وظاهر «التَّعليق» و «الجامع»: حمل النَّصِّ على اختلاف حالَين. (وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ إِلاَّ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكُلِّ مَطْعُومٍ) للآدَمِيِّ، نقلها جماعةٌ (٤)؛ لِمَا روى معمر (٥) بن عبد الله: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع الطَّعام بالطَّعام، إلاَّ مِثْلاً بمثلٍ» رواه مسلمٌ (٦). فعليها (٧)، وعلى الثَّالثة: العِلَّةُ في النَّقدَين: الثَّمنيَّةُ، وفي غيرهما: كونه مطعومَ جنسٍ، فيختصُّ بالمطعومات؛ لأنَّ (٨) الطُّعْمَ وصْفُ شَرَفٍ؛ إذ به قِوَام الأبدان، والثَّمنيَّة وصفُ شَرَفٍ؛ إذ به قِوَام الأموال، فاقتضى التَّعليل (٩) ذلك؛ إذ لو كانت العِلَّةُ الوزْنَ؛ لَمَا جاز إسلامُها في الموزونات. فعليها: يجري في كلِّ مطعومٍ، قوتًا كان، أو أُدْمًا، أو فاكهةً، أو دواءً،

стр. 2698

ويُسْتَثْنَى منه: الماءُ على ما قطع به الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩]. وجوابُه: بأنَّه لا يجري فيه؛ لإباحته في الأصل، وبأنَّه لا يتموَّل عادة، وفيه نظرٌ؛ إذ العِلَّة عندنا ليست هي الماليَّةَ. (وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ (١) إِلاَّ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا)، اختارها (٢) المؤلِّف والشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣)؛ لِمَا روى سعيدُ بن المسيِّب مرفوعًا: «لا رِبَا إلاَّ فيما كِيلَ أو وُزِنَ، ممَّا يُؤْكَلُ ويُشْرَبُ» رواه الدَّارَقُطْنيُّ، وقال: الصَّحيحُ أنَّه من قَول سعيدٍ، ومن رَفَعَه فقد وَهِم (٤)، ولأنَّ فيه جمْعًا بين الأدلَّة، فنهيُه عن بيع الطَّعام بالطَّعام إلاَّ مِثْلاً بمثلٍ؛ محمولٌ على ما فيه مِعْيارٌ شرعِيٌّ، وهو الكيل أو الوزن (٥)؛ إذ الطُّعْم بمجرَّده لا تتحقَّق (٦) المماثلةُ به، ونهيُه عن بيع الصَّاع بالصَّاعَين؛ محمولٌ على المطعوم. لكن يترجَّح الأوَّلُ؛ بأنَّ الطَّعام بعضُ أفراد الصَّاع، ويجاب بمخالفته (٧) له في المفهوم، وهو مبنيٌّ على اعتبار مفهوم اللَّقَب، وهو (٨) معتبَرٌ عندنا.

стр. 2699

وما تقدَّم من أنَّ العلَّة هي الثَّمنيَّة فيهما؛ علَّةٌ قاصرةٌ لا يصحُّ التَّعليل بها في اختيار الأكثر، ونُقِضتْ طردًا بالفلوس؛ لأنَّها أثْمانٌ، وعكسًا بالحليِّ. وأجيب: لعدم النَّقْديَّة (١) الغالِبة. قال في «الانتصار»: يجب أن يقولوا إذا أنفقت (٢) حتَّى لا يُتعامَل إلاَّ بها: أنَّ فيها الرِّبا؛ لكونها ثمنًا غالبًا. فعليها: لا يجري في مطعومٍ لا يُكالُ ولا يُوزَن؛ كالرُّمَّان، والسَّفَرْجَل، والأُتْرُجِّ، ولا في غير مطعومٍ؛ كالأشنان، والحديد، ويجري في النَّقدين، تِبْرِهما ومضروبِهما، وجيِّدهما ورديئهما في قول الأكثر، كيفما كانا. وعنه: لا تباع (٣) صِحاحٌ بمكسَّرةٍ؛ لزيادته بالصِّناعة، ولا عمل عليها؛ لظواهر الأخبار. (وَلَا يُبَاعُ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيْلاً)؛ لِمَا روى أبو هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الذَّهبُ بالذَّهب، وزْنًا بوزْنٍ، مِثْلاً بمثلٍ، فمن زاد أو اسْتزاد؛ فهو رِبًا» رواه مسلمٌ (٤)، وروى أبو داودَ من حديث عُبادةَ مرفوعًا: «البُرُّ بالبُرِّ مُدَّينِ بمُدَّينِ، والمِلْحُ بالمِلْح (٥) مُدَّينِ بمُدَّينِ، والشَّعيرُ بالشَّعير، مُدَّينِ بمُدَّينِ، والتَّمرُ بالتَّمر مُدَّينِ بمُدَّينِ؛ فمن زاد أو ازداد فقد أَرْبَى» (٦)، فاعتبر الشَّارع المساواة في الموزونات وفي المكيلات

стр. 2700

بالكَيل، فمن خالف ذلك؛ خرج عن المشروع المأمور به؛ إذ المساواة المعتبَرة فيما يحرم فيه التَّفاضُل هي المساواة في معياره الشَّرعيِّ، ولأنَّه متى باع رطْلاً من المكيل برَطْلٍ؛ حصل في الرَّطل الخفيف أكثر ممَّا يحصل من الثَّقيل، فيختلفان في الكيل، وإن لم يُتحقَّق التَّفاضل؛ إذ الجهل بالتَّساوي كالعلم بالتَّفاضُل، وكما لو باع بعضه ببعض جزافًا، إلاَّ إذا علم مساواته في معياره الشَّرعيِّ حالةَ العقد. فرع: إذا باع صُبْرةً بأخرى من جنسها، وقد عَلِما كَيْلَهما، أو تساويهما؛ صحَّ؛ لوجود التَّماثل المشترَط، فلو قال: بِعتُك هذه بهذه، مِثلاً بمثلٍ، فكِيلَتا، فكانتا سواءً؛ صحَّ، فإن زادت إحداهما، فرضي صاحب النَّاقصة بها، أو رضي صاحب الزَّائدة بردِّ الفضل؛ جاز، فإن امتنعا فُسِخ البَيعُ بينهما، ذكره القاضي. (فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ؛ جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَيْلاً، وَوَزْنًا، وَجزَافًا)؛ نَصَّ عليه (١)، وهو قول أكثر العلماء؛ لقوله ﵇: «فإذا اختلفت هذه الأصنافُ؛ فبِيعُوا كيف شِئْتُم، يدًا بيدٍ» (٢)، ولأنَّه يجوز التَّفاضل فيه، فجاز جزافًا؛ كالمكيل بالموزون (٣). ونصُّه: لا (٤)، اختاره جماعةٌ، واحتجَّ القاضي وأصحابه: بنهيه ﵇ في خبر جابِرٍ عن «بَيع الصُّبَر بالصبر (٥) من الطَّعام لا يُدرى ما كيلُ هذا، وما كيل هذا» (٦)؛ أي: مجازَفةً، وقياسًا على الجنس الواحد.

стр. 2701

والأوَّلُ أصحُّ، ويحمل الخبر على الجنس الواحد؛ جمعًا بين الأدلَّة، ثمَّ (١) هو مخصوصٌ بالمكيل والموزون، فيُقاس عليه محلُّ النِّزاع، وقياسُهم على الجنسِ الواحد فاسِدٌ؛ لاشتراط التَّماثُل فيه بخلاف الجنسَين. (وَالْجِنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا)، فالجنسُ هو الشَّامل لأشياءَ مختلفةٍ بأنواعها، والنَّوعُ: هو الشَّامل لأشياءَ مختلفةٍ بأشخاصها، وقد يكون النَّوعُ جنسًا، وبالعكس، والمراد هنا: الجنس الأخصُّ، والنَّوعُ الأخصُّ، فكلُّ نوعين اجتمعا في اسمٍ خاصٍّ؛ فهو جنسٌ. ثمَّ مثَّله فقال: (كَالذَّهَبِ)، وأنواعُه: المصريُّ والأشرفيُّ، (وَالْفِضَّةِ)، أنواعها: الكاملُ والظَّاهريُّ، (وَالْبُرِّ)، وأنواعُه: الحَورانيُّ والبِقاعِيُّ، (والشَّعِيرِ)، وأنواعه: العربيُّ والرُّوميُّ. وظاهر المذهب: أنَّهما جنسان؛ للنُّصوص. وعنه: جنسٌ واحدٌ؛ لحديث مَعْمَر بن عبد الله (٢)، ولا حجَّةَ فيه، مع أنَّه ينتقض عليهم بالذَّهب والفضَّة. (وَالتَّمْرِ)، وأنواعُه: البَرْنِيُّ والمعْقلِيُّ، (وَالْمِلْحِ)، وأنواعه: البَيْروتِيُّ والحَورانِيُّ، قال (٣) في «الطَّريق الأقرب»: والأبازيرُ جنسٌ. (وَفُرُوعُ الْأَجْنَاسِ أَجْنَاسٌ؛ كَالْأَدِقَّةِ، وَالْأَخْبَازِ، وَالْأَدْهَانِ)؛ لأنَّ الفرع يَتْبَع الأصلَ، فلمَّا كانت أصولُ هذه أجناسًا؛ وجب أن يكون هذه أجناسًا؛ إلْحاقًا للفروع بأصولها. فعلى هذا: دقيق الحنطة جنس، ودقيق الذُّرَة جنسٌ؛ لأنَّهما من جنسَين مختلفَين، وكذا البواقي.

стр. 2702

وذكر في «النِّهاية» تخريجًا: أنَّ الأدهانَ المائعةَ جنسٌ، وأنَّ الفاكهةَ (١)؛ كتُفَّاحٍ وسَفَرْجَلٍ؛ جنسٌ. وحكم الخُلول كالأدهان. وعنه: أنَّ خَلَّ التَّمر وخَلَّ العنب؛ جنسٌ. والأدهان إن اختلفت مقاصدهما؛ كدهن (٢) الورد، والبَنَفْسج، والزنبق (٣)، والياسمين؛ واحدٌ؛ ولأنَّها شيرج، وإنَّما طُيِّبت بهذه الرَّياحين فنُسبت إليها. (وَاللَّحْمُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ)، اختاره الأكثرُ، وهو المذهب؛ لأنَّها فروعُ أصولٍ هي أجناسٌ، فكانت أجناسًا؛ كالأخباز، فعلى هذا: الضَّأنُ والمعْزُ جنسٌ واحدٌ، وفي «المغني» احتمالٌ: أنَّهما (٤) جنسان. (وَعَنْهُ: جِنْسٌ وَاحِدٌ)، اختاره الخِرَقيُّ؛ لأنَّه يشمله اسمٌ واحدٌ، فكان جنسًا كالطَّلْع، ويرجِّحه «نهيُه ﵇ عن بيع الطَّعام بالطَّعام إلاَّ مِثْلاً بمِثْلٍ» (٥)، وهي كلُّها طعامٌ. ويَنْتقض بعسل النَّحل والقَصَب، والحديثُ محمولٌ على ما إذا اتَّفق الجنس، مع أنَّ القاضيَ أنكر هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ. (وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ)، والأصحُّ: أنَّه يَختلف باختلاف أصوله. وقال ابن عقيل: لبنُ البقر الأهليَّة والوحشيَّة جنسٌ واحدٌ على الرِّوايات كلِّها؛ لأنَّ اسم البقر شملهما (٦).

стр. 2703

وفيه نظرٌ؛ لأنَّ لحمَهما جنسان، فكذا (١) لبنهما. (وَعَنْهُ فِي اللَّحْمِ: أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ: لَحْمُ الْأَنْعَامِ، وَلَحْمُ الْوَحْشِ، وَلَحْمُ الطَّيْرِ، وَلَحْمُ دَوَابِّ الْمَاءِ)، اختارها القاضي في روايتَيه، وحمل كلام الخِرَقِيِّ عليه، وفيه بُعْدٌ، واحتجَّ بأنَّ لحم هذه الحيوانات تَختلف المنفعةُ بها، والقصدُ إلى أكلها، فكانت أجناسًا. وضعَّفه في «المغني»؛ لأنَّ كونها أجناسًا لا يُوجِبُ حصْرَها في أربعة أجْناسٍ، ولا نظير له. وظاهِرُه: أنَّها لا تجري في اللَّبن. وزاد في «الفروع» رابعةً: بأنَّها ثلاثة أجناسٍ: لحمُ أنعامٍ وطيرٍ (٢) ودوابِّ الماء، لكن في «الكافي»: أنَّ الرِّوايات الثَّلاث ك «المقنع». ثمَّ قال: وفي الألبان من القولِ مثلُ ما في اللَّحم؛ لأنَّها من الحيوانات يتَّفق اسمها، أشبهت اللَّحم، وظاهر هذا: أنَّ الألبان يَجري فيها خلاف اللَّحم. قال ابن المنجَّى: وهو أظهر؛ لاتِّحادها في المعنى. وفيه شيءٌ لامتناعه في بعضها. تنبيهٌ: الدُّهنُ واللَّبنُ مكيلانِ، وقيل: اللَّبن موزونٌ، وفي جواز بيعه باللِّبَأ وجهان، وخصَّهما (٣) القاضي: بما إذا مسَّت النَّارُ أحدَهما. وذكر المؤلِّف والسَّامَرِّي: أنَّهما جِنسٌ واحدٌ، فيجوز بيع أحدهما بالآخَر متماثِلاً، لا متفاضِلاً، ولا بَعْد (٤) أن تَمَسَّ (٥) النَّارُ أحدَهما.

стр. 2704

(وَاللَّحْمُ، وَالشَّحْمُ، وَالْكَبِدُ)، والقَلْب، والأَلْية: (أَجْنَاسٌ)؛ لأنَّها مختلفةٌ في الاسم والخِلْقة، فكانت أجناسًا؛ كبهيمة الأنعام، فعلى هذا: يجوز بيعُ جنسٍ بآخَر متفاضِلاً. وقال القاضي: لا يجوزُ بيعُ اللَّحم بالشَّحم مطلقًا، إلاَّ (١) أن يتماثَلا. والمذهبُ: الجوازُ؛ لأنَّهما جنسان كالنَّقدَين، فإن مُنع منه لكون اللَّحم لا يخلو من شحمٍ؛ لم يصحَّ؛ لكونه لا يظهر، وإن كان فيه شيءٌ؛ فهو غير مقصودٍ. وقيل: الشَّحم والأَلْية جنسٌ (٢). وأطلق في «الفروع» الخلاف فيهما. مسألةٌ: اللَّحم الأبيض؛ كسمين (٣) الظَّهر، واللَّحم الأحمر؛ جنسٌ واحدٌ على الأشهر، قاله القاضي وابن البنَّاء، وهو ظاهر كلام المؤلِّف. وفي «المغني»: أنَّ ظاهر كلام الخِرَقيِّ: أنَّهما جنسان؛ لقوله: (اللَّحم لا يخلو من شحْمٍ)، قال: ولو لم يكن هذا شحمًا؛ لم يختلط لحمٌ بشحمٍ. وفرَّع هو وصاحب «الشَّرح» على قوله: كلُّ أبيضَ من الحيوان يذوب بالإذابة ويصير دُهنًا جنسٌ واحدٌ، وصحَّحه في «المغني»؛ لقوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعَام: ١٤٦]، فاستثنى ما حملت الظُّهور من الشَّحم؛ لأنَّه يُشبِهُه في لونه وذَوْبه ومقصده؛ فكان شحمًا؛ كالذي في البطن. وهل لحم رأسٍ جنسٌ برأسه كالطِّحال، أو نوعٌ من لحمِ جِنسه؟ فيه وجهان.

стр. 2705

(وَلَا يَجُوزُ)؛ أي: لا يصِحُّ (بَيْعُ لَحْمٍ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ)، لا يختلف المذهب في ذلك، وهو قول الفقهاء السَّبعةِ؛ لِمَا روى مالكٌ، عن زيد بن أسْلمَ، عن سعيد بن المسيِّب: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع اللَّحم بالحيوان»، قال ابن عبد البَرِّ: هذا أحسنُ أسانيده (١)، وقد رُوِيَ مسنَدًا من حديث ثابت بن زُهَيرٍ عن نافع عن ابن عمرَ، لكن قال أبو حاتم الرَّازي: ثابِتٌ منكَر الحديث (٢)، وعن سعيد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع الحيِّ بالميت»، ذكره أحمدُ واحتجَّ به (٣)، ولأنَّه مال ربويٌّ بِيع بما فيه من جنسه مع

стр. 2706

جهالة المقدار؛ كالسِّمْسِم بالشَّيرج، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: إذا كان مقصوده بالحيوان اللَّحم (١). (وَفِي بَيْعِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ؛ وَجْهَانِ)، كذا في «المحرَّر»، و «الفروع»: أحدهما: لا يجوز، وهو ظاهر كلام أحمد والأكثر؛ لظاهر ما سبق، وعن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ جزورًا نُحِرَت، فجاء رجل بعَناق، فقال: أعطوني جزءًا بهذا العَناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا» رواه الشَّافعي (٢)، وقال: لا أعلم مخالِفًا لأبي بكر في ذلك (٣). والثَّاني: الجوازُ، اختاره القاضي؛ لأنَّه مالٌ ربويٌّ بِيع بغير أصله ولا جنسه؛ فجاز، كما لو باعه بنقْدٍ. وبناهما في «الشَّرح»: على الخلاف في اللَّحم؛ هل (٤) هو جنسٌ أو أجناسٌ؟ وعلى الجواز: يَحرُم بيعُه نسيئةً عند جمهور الفقهاء، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥). وهذا إنَّما هو في مأكولِ اللَّحم؛ كلحم بقرٍ بإبلٍ، فأمَّا غيره؛ فقال أبو الخَطَّاب: لا رواية فيه، وفيه وجهان: أظهرهما الجوازُ، صرَّح به القاضي وأبو الخَطَّاب. والمنْعُ أورده ابن عَقِيلٍ في «التَّذكرة» مذهبًا، وهو احتمالٌ في «الفصول»،

стр. 2707

والصَّحيحُ عنده: كقول الأكثر. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ، وَلَا بِسَوِيقِهِ (١)، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مكيلٌ، ويشترط في بيع المكيل بجنسه التَّساوي، وهو متعذِّرٌ هنا؛ لأنَّ أجزاء الحَبِّ تنتشر بالطَّحْن، والنَّار قد (٢) أَخَذت من السَّويق. والثَّانية: الجواز؛ لأنَّ الدَّقيق نفس الحَبِّ، وإنَّما تكسَّرت أجزاؤه، فجاز بيع بعضها ببعضٍ؛ كالحَبِّ المكسَّر بالصِّحاح، فعليه: تعتبر (٣) المساواة وزنًا؛ إذ التَّساوي لا يحصل بالكيل، وعلَّل أحمد المنْعَ: فإنَّ أصله كَيلٌ (٤). قال في «الفروع»: (فيتوجَّه منه: بَيعُ مَكِيلٍ وزنًا وموزونٍ كَيلاً، اختاره شيخنا) (٥). وعلى المنع: ما إذا أُبيع (٦) بجنسه، فإن كان بغيره؛ جاز؛ لعدم اشتراط المماثلة بينهما. وقال ابن أبي موسى: لا يجوز بيع سويق (٧) الشَّعير بالبُرِّ في روايةٍ، ولعلَّه مبنيٌّ على أنَّهما جنسٌ واحدٌ. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ)؛ كالحِنطة بالهَرِيسة (٨)، أو الخبز أو النشاء (٩) ونحوها؛ لأنَّ النَّار تَعْقِد أجزاء المطبوخ وتَنفُخها (١٠)، فلا يحصل التَّساوي.

стр. 2708

فرعٌ: فرع الحنطة إذا جمع غيره؛ كالهريسة، والحريرة، والفالوذج، والسنبوسك؛ لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ، ولا نوع بنوعٍ آخَرَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منها (١) يشتمل (٢) على ما ليس من جنسه، وهو مقصود؛ كاللَّحم في (٣) الهريسة (٤)، والعسل في (٥) الفالُوْذَج، والماء والدُّهن في الحريرة، فلا تتحقَّق المماثلة. فأمَّا بَيعُ الحِنطة، وما صُنِع منها بغيرها من الحبوب؛ فجائِزٌ؛ لعدم اشْتِراط المماثَلة فيهما. (وَلَا أَصْلِهِ بِعَصِيرِهِ)؛ كزَيتون بزَيتٍ - وفيه نقل (٦) مهنَّى: يكره (٧) -، وسِمسمٍ بشيرج، وسائر الأدهان بأصولها، والعصير بأصله؛ كعصير العنب والرُّمَّان به؛ لأنَّه مال ربًا بيع بأصله الذي فيه منه، فلم يَجُزْ؛ كبيع اللَّحم بالحيوان. (وَلَا خَالِصِهِ (٨) بِمَشُوبِهِ)؛ كحنطةٍ فيها شعيرٌ بخالصة، أو لبنٍ مَشُوبٍ بخالصٍ؛ لانتفاء التَّساوي المشترَط، إلاَّ أن يكون الخلط يسيرًا؛ كحبَّات ويسير التُّراب، فإنَّه لا يمنع؛ لأنَّه لا يُخِل بالتَّماثُل. وكذا بَيعُ اللَّبن بالكَشْك، ويتخرَّج: الجواز إذا كان اللَّبن أكثر من الذي في الكشك؛ بناءً على مُدِّ عَجْوةٍ.

стр. 2709

ولا يجوز بيع المشُوب بالمشُوب؛ كمسألةِ مُدِّ عَجْوةٍ. (وَلَا رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ)؛ كبيع الرُّطب بالتَّمر، والعنب بالزَّبيب؛ لِما روى سعد (١) بن أبي وقَّاصٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِل عن بَيْع الرُّطب بالتَّمر، قال: «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِس؟» قالوا: نعم، فنَهَى عن ذلك، رواه مالِكٌ وأبو داودَ، وفي رواية الأَثْرَم قال: «فلا إذَنْ» (٢)، نَهَى وعلَّل بالنُّقصان إذا يَبِس، وهو موجودٌ في كلِّ رطْبٍ بِيعَ بيابسه، ولأنَّه جنسٌ فيه الرِّبا، بِيع بعضه ببعضٍ على وجْهٍ ينفرِد أحدُهما بالنُّقصان، فلم يَجُز؛ كبيع المقليَّة بالنِّيئة، ولا يَلزَمُ بَيعُ الجديد بالعتيق؛ لأنَّ التَّفاوت يسيرٌ. لكِنْ قال الخَطَّابِيُّ: (تكلَّم بعض النَّاس في إسْنادِ حديثِ سعدٍ، فإنَّ فيه أبا عيَّاشٍ، وهو ضعيفٌ، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ مالكًا ذَكَرَه في «موطَّئِه»، وهو لا يَرْوِي عن مَتْروكِ الحديثِ) (٣). (وَيَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ)؛ لتساويهما في الحال على وجْهٍ لا ينفرِد أحدُهما بالنُّقصان في ثانيه، أشْبَهَ بَيعَ التَّمْر بالتَّمْر. وقدَّم في «التَّبْصِرة» خِلافَه؛ لأنَّه يُعتَبَر تساويهما حالة الكمال، وقد فات ذلك بالطَّحْن.

стр. 2710

وعلى الأوَّل: يباع بعضُه ببعضٍ كَيلاً؛ لأنَّ الحنطةَ مكيلةٌ. وذكر القاضِي وزْنًا؛ لأنَّه أضْبطُ. ورُدَّ: بأنَّه سلَّمه في السَّويق، والدَّقيقُ مثلُه، وشَرْطُه التَّساوي في النُّعومة؛ لأنَّهما إذا تفاوتا فيها في الحال؛ تفاوتا في ثانيه، فيصير كبيع الحَبِّ بالدَّقيق. (وَمَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ)؛ كاللِّبَأ، والجُبْن، والأَقِطِ، والسَّمْن، بمثله متساوِيًا. وقيل: إنِ اسْتويا في عمل النَّار. فأمَّا الأَقِطُ بالأَقِطِ؛ فيعتبر تساويهما بالكيل، والجُبنُ ونحوُه بمثله؛ لأنَّه لا يمكن كيله أشبه الخبز. وفيه احتِمالٌ: يباع السَّمْنُ بالكيل كالشيرج. (وَخُبْزِهِ بِخُبْزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النَّشَافِ)؛ لأنَّه إذا كان أحدُهما أكثرَ رطوبةً من الآخَر؛ لا يحصل التَّساوي المشترط، والاستواء في النَّشَاف راجِعٌ إلى المطبوخ والخبز إذا بِيعَ بمثله، وقد صرَّح به في «الشَّرحين». فعلى هذا: يعتبر التَّساوي في الخبز وزنًا؛ كالنَّشاء؛ لأنَّه يقدَّر به عادةً، ولا يمكن كيله، لكن إن يبس ودُقَّ وصار فتيتًا؛ بيع بمثله كيلاً؛ لأنَّه أمكن كيله، فرُدَّ إلى أصله. وقال ابنُ عَقيلٍ: فيه وجْهٌ: يباع بالوزن؛ لأنَّه انتقل إليه. (وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ)؛ لأنَّهما متساويان في الحال على وجْهٍ لا يَنفرِد أحدُهما بالنَّقص، ويعتبر تساويهما في الكيل؛ لأنَّه يقدَّر به عادةً، فلو بيع بغير جنسه؛ جاز مطلقًا؛ لأنَّهما جنسان. فلو باع عصيرَ شَيءٍ من ذلك بثُفْلِه؛ فإن كان فيه بقيَّةٌ من المستخرج (١)،

стр. 2711

كشيرج بكُسب (١) ونحوه؛ لم يَجُزْ إلاَّ على مسألة مُدِّ عَجْوةٍ، وإن لم يبقَ فيه شَيءٌ؛ جاز مطلَقًا. (وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ)؛ كالرطب والعنب بمثله، نصَّ عليه (٢)، وهو المذهب. وعنه: المنع، حكاها ابن الزاغوني، واختارها ابن شهاب وأبو حفص، وحمل عليه كلام الخرقي؛ لنصِّه عليه في اللحم؛ لأنَّه ﵇ علَّل في بيع الرطب باليابس بالنقص (٣)، وهو موجود في الرطبين؛ لأنَّهما ينقصان؛ إذ الجهل بالتساوي هنا كالعلم بالتفاضل. والأول أصحُّ؛ «لنهيه ﵇ عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل» (٤)، والرطبان قد استويا في المثلية، فدخلا في عموم المستثنى، ولأنَّهما استويا في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص، أشبه اللبن بمثله، وخرج منه بيع الرطب بالتمر. وظاهره: أنَّ المعتبر: التساوي في الحال، ولا يضر الجهل به في ثاني الحال. وعلى الثانية: يشترط حالاً ومآلاً. ويُسْتَثْنى عليها: بَيع رُطَبٍ لا يجيء منه تمرٌ، أو عِنَبٍ لا يجيء منه زَبِيبٌ، فإنَّه يجوز بيعُه بمثله قبل جفافه؛ نظرًا إلى أنَّ كمال ذلك في حال رطوبته، وفساده في حال جفافه، قاله في «التَّلخيص». تنبيهٌ: ظاهر كلامه: أنَّه يجوز (٥) بيع اللَّحم باللَّحم رطْبًا، ونصَّ عليه (٦).

стр. 2712

ومَنَع منه الخِرَقِيُّ رطْبًا، اختاره أبو حَفْصٍ. ويعتبر (١) نزع عظمه في قول الأكثر، وصحَّحه في «الفروع»؛ لتتحقَّق (٢) المساواةُ، وكتصفية العسل. واختار المؤلِّفُ خلافَه، وقال: هو ظاهر كلام أحمدَ في رواية حنبل؛ لأنَّ العظم تابِعٌ للَّحم من أصل الخِلْقة، أَشْبَهَ النَّوى في التَّمر، بخلاف الشَّمْع في العسل؛ لأنَّه من فعل النَّحل، لا من أصل الخِلْقة، وعلَّل في «الفروع» بأن قال: الشَّمْعُ مقصودٌ، وإلاَّ فمُدُّ عَجْوةٍ، والنَّوى في التَّمر غيرُ مقصودٍ، فهو كخُبزٍ بخُبزٍ، وخَلٍّ بخَلٍّ، وإن كان في كلٍّ منهما مِلْحٌ وماءٌ. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ)؛ لقول أنسٍ: «نهى النَّبيُّ ﷺ عن المحاقَلة» رواه البخاريُّ (٣)، والنَّهيُ يقتَضِي التَّحريمَ والفسادَ. (وَهِيَ: بَيْعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ)؛ لأنَّ الحبَّ إذا بِيعَ بجنسه لا يُعلَم مِقْدارُه بالكَيل، والجهل بالتَّساوي كالعِلْم بالتَّفاضُل، وقَيَّد في «الفروع» وغيره الحَبَّ بالمشْتَدِّ (٤)، ولم يقيِّده به آخَرون، ويوافِقُه قول أئمة اللُّغة: المحاقَلة: المفاعَلة من الحَقْل، وهو الزَّرع إذا تشعَّب قبل أن يغلظ سُوقُه (٥). (وَفِي بَيْعِهِ بِ) مَكِيلٍ (٦) (غَيْرِ (٧) جِنْسِهِ وَجْهَانِ)، كذا في «الفروع»: أحدُهما، وهو ظاهر «الوجيز»: لا يجوز؛ لعموم الخبر، ولأنَّ بيع زرع

стр. 2713

الحنطة بها إنَّما سُمِّي (١) محاقَلةً؛ لكونه في الحقل، وهذا المعنى موجود (٢) في غيره ممَّا ذكر، يؤيِّده قول الأزهريِّ: الحقل: القَرَاح المزروع (٣). والثَّاني: يجوز (٤)؛ لأنَّ النَّهي لخوف التَّفاضُل المحرَّم، وهو مُنْتَفٍ في الجنسين. (وَلَا) يجوز بَيعُ (الْمُزَابَنَةِ)؛ لقول ابن عمر: «نهى النَّبيُّ ﷺ عن المزابَنة» متَّفَقٌ عليه (٥)، وهي مفاعَلَةٌ من الزَّبْن، وهو الدَّفْع، كأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَزْبن صاحبَه عن حقِّه بما يزداد منه. (وَهِيَ (٦) بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُؤُوسِ (٧) النَّخْلِ)، وقاله (٨) ابن الأثير (٩)، وفي «صحيح مسلمٍ» عن ابن عمر مرفوعًا: «أنَّه نهى عن المزابَنة»، والمزابَنةُ: بيع ثمر (١٠) النَّخل بالتَّمر كَيلاً (١١). وقال صاحب «المطالع»: هي والزَّبْن: بيعُ معلومٍ بمجهولٍ من جنسه، أو بيع مجهولٍ بمجهولٍ من جنسه (١٢)؛ إذ الزَّبن في اللُّغة: الدَّفْع الشَّديد، ومنه وُصفت (١٣) الحرب بالزَّبون؛ لشدَّة الدَّفع فيها، ومنه سُمِّي الشُّرَطيُّ: زبينًا؛

стр. 2714

لأنَّه يدفع النَّاس بشدَّةٍ وعُنْفٍ. (إِلاَّ فِي الْعَرَايَا)، فإنَّها جائزةٌ في قول أكثر العلماء؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّص في العرايا»، وكذا رواه زيد بن ثابتٍ، وسهل (١) بن أبي حَثْمةَ، متَّفقٌ عليهنَّ (٢)، والقياس لا يَعمَل مع وجود النَّصِّ، والرُّخْصةُ استباحة المحظور مع قيام السَّبب الحاظر. واختُلِف في معناها لغةً: فقيل: هي نوعٌ من العطيَّة خُصَّت باسمٍ، لا بَيع. وقال الجوهريُّ: العَريَّة: النَّخلة يعريها (٣) رجلاً محتاجًا (٤) فيجعل ثمرها له عامًا، فَعِيلةٌ بمعنى مفعولةٍ (٥). وقال أبو عبيد: هي اسم لكلِّ ما أُفرد عن جملةٍ (٦)، سواءٌ كان للهِبة، أو للبيع، أو للأكل. وقيل: سُمِّيتْ به؛ لأنها معريَّة (٧) من البيع (٨) المحرَّم؛ أي: مخرَجةٌ (٩) منه.

стр. 2715

(وَهِيَ (١) بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ)، فلو كان على وجْه الأرض؛ لم يَجُز؛ للنَّهي عنه، والرُّخصة وردت في بيعه على أصوله بحكم الأخذ شيئًا فشيئًا؛ لحاجة التَّفَكُّه، وقد رُوِي عن محمود بن لَبِيدٍ قال: قلت لزيد: ما عراياكم هذه؟ فسمَّى رجالاً محتاجين من الأنصار شَكَوْا إلى النَّبيِّ ﷺ أنَّ الرُّطب يأتي (٢) ولا نَقْد بأيديهم يبتاعون به رُطَبًا، وعندهم فضول من التَّمر؛ فرخَّص لهم أن يبتاعوا العرايا بخَرْصها من التَّمر الَّذي في أيديهم يأكلونه رطبًا. متَّفقٌ عليه (٣). (خَرْصًا)، لا أقلَّ ولا أكثرَ؛ لأنَّ الشارع (٤) أقام الخَرْص مقام الكَيْل، فلا يُعْدَل عنه، كما لا يُعْدَل عن الكيل فيما يُشترَط فيه الكيل (٥). (بِمِثْلِهِ مِنَ التَّمْرِ)، فلا يجوز بيعُها بخَرْصها رُطَبًا، ويُشترَط كون التَّمر مثل ما حصل به الخرص، من غير زيادةٍ ولا نُقْصانٍ؛ لِمَا رَوَى التِّرمذيُّ من حديث زَيدٍ: «أنَّه أذِنَ لأهل (٦) العرايا أن يبيعوها بمثل خَرْصها» (٧).

стр. 2716

(كَيْلاً)؛ أي: يكون التَّمرُ المشترَى به كَيلاً لا جزافًا؛ لقوله ﵇: «إنَّه رُخِّص في العرايا أن تباع بخَرصها كَيلاً» (١)، ولأنَّ الأصل اعتبار الكيل (٢) من الجانبين، سقط في أحدهما، وأُقيم الخَرْصُ مقامَه؛ للحاجة، فيبقى الآخَرُ على مقتضى الأصل. (فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ)؛ لِمَا روى أبو هريرة: «أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص في العرايا أن تُباع بخَرْصها فيما دون خمسة أوْسُقٍ - أو خمسة أَوْسُقٍ -» متَّفقٌ عليه (٣)، شكَّ داود بن الحصين أحد رواته، وهذا يَخُصُّ ما سبق من الأخبار. فعلى هذا: لا يجوز في الخمسة في ظاهر المذهب؛ لوقوع الشَّكِّ فيها. وعنه: بلى؛ نظرًا لعموم أحاديث الرُّخصة. وأمَّا ما زاد عليها: فالمعروفُ المجزوم به: أنَّه لا يجوز، وحكاه بعضهم روايةً واحدةً. (لِمَنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ)؛ لأنَّ ما أبيح للحاجة؛ لم يُبَح مع (٤) عدمها؛ كالزَّكاة للمساكين، والرُّخَص في السفر (٥)، (وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ)؛ أي: مع المشتري؛ لقوله: «ولا نقْدَ بأيديهم» (٦).

стр. 2717

وظاهره: أنَّه لا يعتبر حاجة البائع، فإن احتاج إلى أكل التَّمر، ولا ثمن معه إلاَّ الرُّطب؛ فقال أبو بكرٍ والمجْدُ بجوازه، وهو بطريق التَّنبيه؛ لأنَّه إذا جاز مخالفة الأصل لحاجة التَّفكُّه؛ فلحاجة الاِقْتيات أَوْلَى؛ إذ القياس على الرُّخصة جائزٌ إذا فُهِمت العِلَّةُ. وقال ابن عَقِيلٍ: من صُوَر الحاجة ما قاله ابن الزَّاغوني في «الوجيز»: إنَّه لا يُشترَط الأَوْسُقُ إذا كان المشتري هو الواهبَ بأن (١) شقَّ عليه دخول الموهوب له وخروجه في بُستانه، أو كره الموهوب له دخول البستان غيره، وهذا غريبٌ. ونقل المؤلِّف عن القاضي وأبي بكرٍ: اشتراط الحاجة من البائع والمشتري، والذي قاله في «التَّنبيه»: أنَّه يُكتَفَى بالحاجة من أحد الجانبين، والقول باشتراطها من الجانبين قول ابن عقيلٍ. وينبني على ذلك: أنَّه لو باع عَرِيَّتين من رجلين فيهما أكثرُ من خمسة أوْسُقٍ، فإن شرطنا الحاجة من الجانبين؛ لم يَجُز، ومن اكتفى بها من أحد الجانبين؛ ألغى جانب البائع، ولم يَعتَبِر إلاَّ المشتري، فيجوز للبائع أن يبيع خمسين وسْقًا في عقود متعدِّدةٍ بشرطه (٢). ولا يجوز للمشتري أن يشتريَ أكثرَ من خمسة أوْسُقٍ، ولو في صفقتَينِ. (وَيُعْطِيهِ مِنَ التَّمْرِ (٣) مِثْلَ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مَا فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْجَفَافِ)، هذا في معنى الخَرْص، ومعناه: أن ينظر كم يجيء منه تمر، فيبيعها بمثله؛ لأنَّه يخرص في الزَّكاة كذلك، وهذا اختيار الأكثر؛ ارتكابًا لأخفِّ المفسدتين - وهو الجهل بالتَّساوي - دون أعظمهما، وهو العلم بالتَّفاضل.

стр. 2718

(وَعَنْهُ: يُعْطِيهِ مِثْلَ رُطَبِهِ)؛ لظاهر الأحاديث (١)؛ لأنَّ الأصل اعتبار المماثَلة في الحال بالكيل، فإذا امتنع في أحدهما؛ تعيَّن في (٢) الآخَر. ويشترَط مع ذلك: الحلول والقبض في مجلس العقد، نَصَّ عليه (٣)، قال في «الشَّرح»: ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأنَّه بَيع تمرٍ بتمرٍ، فاعتبر فيه جميع شروطه، إلاَّ ما استثناه الشَّارع، ويختلف القبض فيهما، فما على النَّخلة بالتَّخلية، وفي التَّمر باكتياله. فإن سلَّم أحدهما، ثمَّ مشيا وتسلَّم الآخَر؛ جاز. وظاهره: أنَّه لا يشترط فيها (٤) أن تكون موهوبةً لبائعها في قول الأكثر. واختار الخِرَقيُّ وصاحب «التَّلخيص»: تخصيصها بالهبة، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية سِنديٍّ: العريَّة أن يَهَب الرَّجل للجار أو ابن العمِّ النَّخلةَ والنَّخلتَين ما لا تجب فيه الزَّكاة، فللموهوب له أن يبيعها بخرصها تمرًا (٥)؛ للرِّفق. (وَلَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، واختاره الأكثرُ؛ اقْتِصارًا على مَورِد النَّصِّ، وغيرها لا يساويها في الحاجة، وفي «التِّرمذيِّ» من حديث رافعٍ وسَهْلٍ مرفوعًا: «أنَّه نهى عن المزابَنة، التَّمر بالتَّمر إلاَّ أصحاب العَرايا، فإنَّه قد أَذِن لهم، وعن بيع العنب بالزَّبيب» (٦).

стр. 2719

والثَّاني: يجوز في سائر الثِّمار، وقاله القاضي؛ لأنَّ حاجة النَّاس إلى رَطْبِ هذه الثِّمار كحاجتهم إلى الرُّطب، فجاز كالنَّخل. وأطلقهما (١) في «الفروع». قال ابن المنجَّى: والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ الرُّخصة وردت في ثمر (٢) النَّخل، وغيره لا يساويه في كثرة الاِقْتِيات به، وسهولة خرصه (٣)، فيختصُّ الحكمُ به. وقيل: يجوز في العنب؛ لقوَّة شَبَهه بالرُّطب، والاقتيات، والتَّفكُّه، وغيرهما متفرِّقة مستورة بالورق، فلا يتأتَّى خَرْصها، بخلاف الرُّطب والعنب، قال في «الفروع»: وجوَّزها شيخنا في الزَّرع (٤). قال الزَّرْكشيُّ: وخرَّج أبو العبَّاس على ذلك: بيع الخبز باليابس في بَرِّيَّة الحجاز ونحوها، وكذلك بيع الفضَّة الخالصة بالمغشوشة؛ نظرًا للحاجة (٥). (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ جِنْسٍ فِيهِ الرِّبَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَمعَ (٦) أَحَدِهِمَا أَوْ مَعَهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا؛ كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ، أَوْ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ)، هذا ظاهر المذهب، ونَصَّ عليه أحمدُ في مواضِعَ (٧)، وتُسمَّى مسألة مدِّ عَجْوةٍ؛ لِمَا روى فَضالةُ بن عُبيدٍ قال: أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بقِلادةٍ فيها خَرَزٌ وذَهَبٌ ابْتاعَها رجلٌ بتسعة دنانيرَ أو بسبعةٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا، حتَّى تُميِّز (٨) ما بينهما» قال: فردَّه، رواه أبو داودَ، وفي لفظٍ لمسلمٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بالذَّهب الَّذي

стр. 2720

في القِلادة فنُزِع وحدَه، ثمَّ قال لهم: «الذَّهبُ بالذَّهب وَزْنًا بوَزْنٍ» (١)، ولأنَّ الصَّفقة إذا جمعت شَيئَين مختلفَيِ القيمةِ؛ انقسم الثَّمن على قدر قيمتهما، كما لو اشترى شِقْصًا وسيفًا، فإنَّ الشَّفيع يأخذ الشِّقص (٢) بقسطه منه، وهذا يؤدِّي هنا إمَّا إلى العلم بالتَّفاضُل، أو إلى الجهل بالتَّساوي، وكلاهما مبطِلٌ للعقد، فإنَّه إذا باع درهمًا ومُدًّا يساوي درهمين، بمدَّين يساويان ثلاثة دراهمَ؛ كان الدَّرهم في مقابَلة ثلثَيْ مدٍّ، ويبقى مدٌّ في مقابَلةِ مدٍّ وثُلُثٍ، وذلك رِبًا. فلو فُرِض التَّساوي؛ كمدٍّ يساوي درهمًا، ودرهم بمدٍّ يساوي درهمًا ودرهم؛ لم يَجُز، فإنَّ التَّقويم ظنٌّ وتخمينٌ، فلا نتحقَّقُ (٣) معه المساواةَ، والجهلُ بالتَّساوي كالعلم بالتَّفاضُل. فلو كانا من شجرةٍ واحدةٍ، أو زرعٍ واحدٍ ونقدٍ واحدٍ؛ فوجهان: أحدهما: الجوازُ؛ لتحقُّق المساواة. والثَّاني: المنعُ؛ لجواز أن يتغير (٤) أحدهما قبل العقد، فتنقص (٥) قيمتُه وحدَه، وصحَّح أبو الخطَّاب في «انتصاره» هذا الوجه، وعلَّله: بأنَّا لا نُقابِل مُدًّا بمدٍّ ودرهمًا بدرهمٍ، بل نُقابِل مُدًّا بنصف مدٍّ ونصف درهم، بدليل لو خرج مستحَقًّا؛ لاستردَّ ذلك، فالجهل (٦) بالتَّساوي موجودٌ، وهذه هي طريقة القاضي وأصحابه. وضعَّفها الشَّيخ زين الدِّين ابن رجبٍ، فقال: لأنَّ المنقسِمَ هو قيمة الثَّمن على قيمة المثمَن، لا أجزاء أحدهما على قيمة الآخَر.

стр. 2721

وذهب جماعةٌ من أصحابنا: إلى المنع؛ سدًّا لذريعة الرِّبا، فإنَّ اتِّخاذ ذلك حيلةٌ على الرِّبا الصَّريح، كبيع مائة درهمٍ في كيس بمائتين؛ جعْلاً للمائة في مقابلة الكيس، وقد لا يساوي درهمًا. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنَ الذِي مَعَهُ غَيْرُهُ)؛ كمُدَّينِ بمُدٍّ ودرهمٍ، (أَوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ)؛ كمُدٍّ ودرهمٍ بمدٍّ ودرهمٍ؛ جعْلاً لغير الجنس في مقابلة الجنس، أو في مقابَلة الزِّيادة. وشرط السَّامَرِّيُّ وغيره فيها: التَّساوي؛ جعْلاً لكلِّ جنسٍ في مقابَلة جنسه، وهذا أَوْلى من جعل الجنس في مقابَلة غيره، لا سيَّما مع اختلافهما في القيمة، وهذا إذا لم يكن حيلةً على الرِّبا. وللأصحاب طريقةٌ ثانيةٌ، وهو: أنَّه لا يجوز بيع المحلَّى بجنسِ حِلْيته قولاً واحدًا، وفي بيعه بنقدٍ آخَرَ روايتان، ويجوز بيعه بعرْضٍ روايةً واحدةً. فأمَّا ما لا يُقصد عادةً، ولا يباع مفرَدًا؛ كتزويق الدَّار؛ فلا يمنع من البيع (١) بجنسه اتِّفاقًا (٢). (وَإِنْ بَاعَ نَوْعَيْ جِنْسٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ؛ كَدِينَارٍ قُرَاضَةً (٣)؛ أي: قطع الذَّهب، (وَصَحِيحٍ بِصَحِيحَيْنِ؛ جَازَ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ (٤)، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ)، اختاره في «المغني»، و «التَّرغيب»، و «الوجيز»؛ لأنَّ الشَّارعَ اعْتَبَر المثليَّةَ في ذلك، فدلَّ على الإباحة عندها، وهي في الموزون وزنًا، وفي المكيل كَيلاً، والجَودةُ ساقطةٌ هنا، أشبه ما لو اتَّفق النَّوعُ.

стр. 2722

(وَعِنْدَ الْقَاضِي)، وقدَّمه في «المحرَّر»: (هِيَ كَالتِي قَبْلَهَا)؛ أي: كمسألةِ مُدِّ عَجوةٍ؛ لأنَّ الثَّمن ينقسم على عِوَضه على حسب اختلافه في قيمته. والأوَّلُ أصحُّ؛ إذ الثَّمن إنَّما ينقسم على المعوَّض فيما يشتمل على جنسين، أو في غير الرِّبويَّات، بدليل ما لو باع بنوعٍ مشتمِلٍ على جيِّدٍ ورديءٍ. ولم يرجِّح في «الفروع» شيئًا. وعنه: يُمنَع في النَّقد ويجوز في الثَّمن، نقله أحمدُ بن القاسم (١)؛ لأنَّ الأنواع في غير الأثمان، يكثر اختلاطُها (٢) ويشُقُّ تمييزُها، فعُفِي عنها، بخلاف الأثمان. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِمَا نَوَاهُ فِيهِ)؛ لاِشْتِمال أحدهما على ما ليس من جنسه، وكذا لو نَزَع النَّوى، ثمَّ باع النَّوى والتَّمرَ بنوًى وتمرٍ؛ لأنَّ التبعية (٣) قد زالت، فصار كمُدِّ عَجوةٍ، فلو كانا منزوعَي النَّوى؛ جاز، كما لو كان في كلِّ واحدٍ منهما نواةٌ. (وَفِي (٤) بَيْعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ النَّوَى، وَاللَّبَنِ بِشَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ، وَالصُّوفِ بِنَعْجَةٍ عَلَيْهَا صُوفٌ؛ رِوَايَتَانِ): إحداهما: يجوز، نقلها ابنُ منصورٍ (٥)، وقدَّمها في «المحرَّر»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأِنَّ النَّوى في التَّمر غيرُ مقصودٍ، أشْبَهَ ما لو باع دارًا مموَّهٌ سقْفُها بذهبٍ؛ بذهبٍ.

стр. 2723

والثَّانيةُ: المنْعُ، نقلها ابنُ القاسم ومهنَّى (١)؛ لأنَّ النَّوى مَكِيلٌ، فيصير كمدِّ (٢) عَجْوةٍ، والصُّوفُ واللَّبنُ كذلك. ولم يرجِّح في «الفروع» شيئًا، وزاد: إذا باعه درهمًا فيه نُحَاسٌ؛ بنُحاسٍ، أو بمثله. وذَكَر في «الشَّرح»: الجوازَ في الصُّوف واللَّبن عن ابن حامِدٍ، وسواءٌ كانت الشَّاةُ حيَّةً أو مُذَكَّاةً، ثمَّ علَّل المنْعَ: بأنَّه باع مال الرِّبا بأصله فيه منه (٣)، أشْبه بيع اللَّحم بالحيوان. والأوَّلُ أَوْلى، والفرق: أنَّ اللَّحم في الحيوان مقصودٌ، بخلاف اللَّبن والصُّوف. فإن كان اللَّبنُ من غير جنس لبن الشَّاة؛ جاز. ويحتمل عدمه إذا قلنا: هو جنسٌ واحدٌ. فلو كانت الشَّاةُ محلوبةَ اللَّبن؛ جاز بَيعُها بمثلها وباللَّبن وجْهًا واحدًا؛ لأِنَّ اللَّبن لا أثرَ له، ولا يقابله (٤) شيءٌ من الثَّمن، أشْبَهَ الملح في الشيرج، وحبَّات الشَّعير في الحنطة. لكن لو باع بُرًّا بشعيرٍ فيه من جنسه يقصد تحصيله؛ مُنِع على الأصحِّ. فرعٌ: إذا باع نخلةً عليها تمرٌ بتمرٍ، أو بنخلةٍ عليها تمرٌ؛ لم يَجُز عند القاضي، واختار أبو بكرٍ خلافَه. (وَالْمَرْجِعُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ: إِلَى عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِمَا روى عبدُ الملك بن عُمَيرٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المكيالُ مكيالُ المدينة،

стр. 2724

والميزانُ ميزانُ مكَّةَ» (١)، وقوله يُحمَل على تبين (٢) الأحكام، فما كان مكيلاً في زمنه انصرف التَّحريم بتفاضُل الكيل إليه، فلا يجوز تغييرُه، وكذا الموزون. (وَمَا لَا عُرْفَ لَهُ بِهِ)؛ أي: بالحجاز؛ (فَفِيهِ وَجْهَانِ): (أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ عُرْفُهُ فِي مَوْضِعِهِ)، جزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ ما لم يكن له عرفٌ في الشَّرع؛ فيرجع فيه إلى العرف؛ كالقَبض والحِرْز، فإن اختلفت البلاد؛ اعتُبِر الغالب، فإن لم يكن؛ تعيَّن الوجْهُ الآخَرُ. (وَالآخَرُ: يُرَدُّ إِلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالْحِجَازِ)؛ لأنَّ الحوادِثَ تُرَدُّ إلى الأشبه بالمنصوص (٣) عليه، قال في «المغني» و «الشَّرح»: هو القياس. فائدةٌ: لو اقتسم الشُّركاءُ ما أصله الوزن كَيلاً، وبالعكس؛ جاز إن قلنا: هي إفرازُ حقٍّ، وإلاَّ بطل. ويجوز التَّعامُل بكَيلٍ لم يُعهَد، قاله في «النِّهاية» و «التَّرغيب».

стр. 2725

(فَصْلٌ) (وَأَمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ)، يقال: النَّساء بالمدِّ هو التَّأخير، يقال: نسأْتُ الشَّيءَ وأنسأته: أخَّرْتُه. ثمَّ أشار إلى معناه الخاصِّ هنا، فقال: (فَكُلُّ شَيْئَيْنِ)؛ أيْ: جِنسَينِ، (لَيْسَ أَحَدُهُمَا ثَمَنًا)، يحترِز به عمَّا إذا كان أحدُ العِوَضَين من الأثمان والآخَر من غيرهما؛ فإنَّه يجوز النَّساء بينهما بغير خلافٍ (١)؛ لأنَّ الشَّارع أرخص في السَّلَم، والأصلُ في رأس ماله النَّقدان، فلو حُرِّم النَّساء فيه؛ لَانسدَّ بابُ السَّلم في (٢) الموزونات غالِبًا. إلاَّ صرف فلوسٍ نافقةٍ بنقدٍ، فيُشترَط فيه الحلولُ والقَبضُ. ونقل ابنُ منصورٍ: لا (٣)، اختاره ابنُ عَقيلٍ، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤). قال في «الرِّعاية»: في جواز السَّلم فيها بنقدٍ مقبوضٍ وجهانِ. (عِلَّةُ رِبَا الْفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ؛ كَالْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ)، هذا على الصَّحيح من المذهب، ومن جعل العِلَّةَ الثَّمنيَّةَ والطُّعمَ، فيُمثِّل بالطُّعْم، ولم يَحْتَجْ إلى قوله: ليس أحدُهما ثمنًا؛ لأنَّ الثَّمنيَّةَ لا تتعدَّى إلى (٥) غير النَّقدَين، ومن جعلها الوزنَ والطُّعمَ، أو هو والكيل؛ فيمثِّل بالتمر ونحوه.

стр. 2726

(لَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا)، بغير خلافٍ نعلمه، قاله في «الشَّرح»؛ لقوله ﵇ في حديث أبي سعيدٍ: «ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز» (١)، ولقوله (٢) ﵇: «البُرُّ بالبُرِّ ربًا (٣) إلاَّ هاءَ وهاءَ» إلى آخره (٤)، ومعناها على اختلاف لغاتها: خُذْ وهاتِ في الحال؛ ك «يدًا بيدٍ» (٥). (وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ (٦)؛ بَطَلَ الْعَقْدُ)، نَصَّ عليه (٧)؛ لقوله ﵇: «إذا اختلفت هذه الأصناف (٨)؛ فبيعوا كيف شئتم يدًا بيدٍ» (٩)، والمرادُ به القَبضُ، ولأنَّهما مالانِ من أموال الرِّبا، عِلَّتُهما متَّفِقةٌ، فحرم التَّفرق قبل القبض؛ كالصَّرف. (وَإِنْ بَاعَ مَكِيلاً) كالبُرِّ (بِمَوْزُونٍ) كاللّحم؛ (جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ)، روايةً واحدةً، قاله أبو الخَطَّاب؛ لأنَّ عِلَّتَهما مختلفةٌ، فلم يشترط القبض قبل التَّفرُّق؛ كالثَّمن بالمثمن. وظاهر كلام الخرقي: وجوب (١٠) التَّقابُض، وصرَّح به ابن عبدوسٍ على رواية منع النَّساء، وهو ظاهر حديث عُبادةَ. (وَفِي النَّسَاءِ رِوَايَتَانِ)، وكذا (١١) في «الفروع»:

стр. 2727

إحداهما: لا يجوز، اختاره الخِرَقِيُّ وصاحب «الوجيز»؛ لأنَّهما من أموال الرِّبا، ليس أحدهما نقدًا، فحرم النَّساء فيهما؛ كالمكيل بمثله. والثَّانية: يجوز (١)، قدَّمه في «المحرر»؛ لأنَّهما لم يجتمعا في أحد وصفي علَّة ربا الفضل، أشبه الثِّياب بالحيوان. وذكرهما (٢) جماعةٌ فيما إذا اختلفا في العلَّة، أو كان (٣) أحدهما غير ربويٍّ. قال في «الشَّرح»: وعند من يعلِّل بالطُّعم لا يجيزه هنا وجهًا واحدًا. (وَمَا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ؛ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ، يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا) على المذهب؛ «لأِمْر النَّبيِّ ﷺ عبد الله بن عَمْرٍو أن يأخذ على قلائص الصَّدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصَّدقة» رواه أحمدُ، والدَّارَقُطْنيُّ وصحَّحه (٤)، وإذا جاز في الجنس الواحد؛ ففي الجنسين أَوْلَى. قال في «الانتصار»: فإن قيل: لعلَّه ابتاع على بيت المال لا في ذمَّته؛ لأنَّه قضاه من الصَّدقة. قلنا: إنَّما (٥) ابتاع في ذمَّته وللإمام ذلك للمصلحة،

стр. 2728

ويقضيه (١) من بيت المال. وكذا أجاب ابن عَقِيلٍ: أنَّ الدَّين لا يَثْبُت إلاَّ في الذِّمَم، ومتى أطلقت الأعواض تعلَّقت بها، ولو عُيِّنت الدُّيون في أعيان الأموال؛ لم يصحَّ، فكيف إذا أطلقت. فعلى هذا: قال بعض أصحابنا: الجنس شرطٌ محْضٌ، فلم يؤثِّر؛ قياسًا على كلِّ شرطٍ؛ كالإحصان مع الزِّنى. (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ)، اختاره ابن أبي موسى وأبو بكرٍ؛ لِمَا روى الحسنُ عن سَمُرةَ مرفوعًا قال: «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً» رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذيُّ (٢)، ولم يفرِّق بين الجنس والجنسين، ولأنَّه بَيعُ عرْضٍ بعرْضٍ، فحَرُم النَّساء فيهما؛ كالجنسين من أموال الرِّبا. فعلى هذا: تكون علَّة النَّساء الماليَّةَ.

стр. 2729

وضعَّف في «المغني»، وأقرَّه في «الشرح» هذه الرِّواية؛ لأنَّه إثبات حكمٍ يخالف الأصل بغير دليلٍ، مع أنَّ أحمدَ لا يصحِّح سماع الحسن من سَمُرَةَ، قاله الأثرمُ. (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ؛ كَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ، وَيَجُوزُ فِي الْجِنْسَيْنِ كَالثِّيَابِ بِالْحَيَوَانِ)؛ لحديث سَمُرةَ (١)، فإنَّه يدلُّ على المنع في الجنس الواحد بمنطوقه، وعلى الجواز في الجنسين بمفهومه، ولأنَّ الجنسَ أحدُ وَصْفَيْ عِلَّة (٢) ربا الفضل، فمنع النَّساء كالكيل والوزن. وليس بشيءٍ؛ لأنَّ الجنس شرطٌ لجرَيان ربا الفَضْل، أو محلٌّ في ذلك لا وصفٌ في العِلَّة. وفيه رابعةٌ: أنَّه لا يحرم إلاَّ فيما بِيع بجنسه متفاضِلاً، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣)؛ لِمَا روى جابرٌ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَصلُح الحيوانُ بالحيوان اثنان بواحدٍ نسيئةً، ولا بأس به يدًا بيدٍ» رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه (٤)، ومفهومُه: جواز الواحد بالواحد، لكنَّه من رواية الحجَّاج بن أرطاةَ. والأُولى (٥) أصحُّ؛ لموافقتها (٦) الأصل، والأحاديث المخالِفة لها لا يعتمد عليها، قاله أحمد (٧).

стр. 2730

فائدةٌ: حيث حرُم؛ فإن كان مع أحد العَرْضَينِ نقْدٌ، فإن كان وحده مؤجَّلاً؛ جاز؛ إذ لا نَساء بين الثَّمن والمثمن، ولو كان النَّقد حالًّا والعرضان أو (١) أحدهما نسيئة؛ لم يَجُزْ، نَصَّ عليه (٢)؛ حذارًا من النَّسيئة في العروض. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ)، بالهمز فيهما، وبعض الرُّواة يتركه تخفيفًا، (وَهُوَ بَيْعُ الدَّينِ بِالدَّيْنِ)، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (٣)؛ لقوله: «نهى النَّبيُّ ﷺ عن بيع الكالِئ بالكالئ» رواه أبو عبيد في «الغريب» (٤)، وهو بيع ما في الذِّمَّة بثمنٍ مؤجَّلٍ لمن هو عليه.

стр. 2731

(فَصْلٌ) (وَمَتَى افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، أَوِ افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ؛ بَطَلَ الْعَقْدُ)، تقدَّم أنَّ الصَّرف بيع الأثمان بعضها ببعضٍ، والقبض شرطٌ لصحَّة العقد؛ نَصَّ عليه (١)، ذكره الجماعة، وحكاه ابن المنذر إجماع مَنْ يحفظ عنه من أهل العلم (٢)، ولقوله ﵇: «وبِيعُوا الذَّهب بالفضَّة كيف شئْتُم، يدًا بيدٍ» (٣). والمجلِسُ هنا كمجلس الخيار في البيع، فلا يضرُّ طولُه مع تلازمهما، فلو مشيا إلى منزل أحدهما مصطحبَينِ؛ صحَّ. وقبض الوكيل كقَبض موكِّلِه، بشرط قبضه قبل مفارقة موكِّله المجلس؛ لتعلُّقِه (٤) بعينه، فلو فارَق المجلس؛ فسد الصَّرف وإن قبض الوكيل في المجلس، فلو مات أحدهما قبل القبض فسد؛ لعدم تمام العقد. وقول المؤلِّف: (بَطَلَ العَقْدُ) يُوهِم وجود عقد ثُمَّ بطلانَه، وليس كذلك، بل القبض فيه بمنزلة القَبول لا يتِمُّ العقد إلاَّ به، ولهذا قال الخِرَقِيُّ: فلا بَيع بينهما. وأمَّا قبض رأس مال السَّلم؛ فسيأتي في محلِّه. (وَإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ) في المجلس، (ثُمَّ افْتَرَقَا؛ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ فِي أَحَدِ

стр. 2732

الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الآخَرِ (١): يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ (٢)، لا صرف بينهما فيما لم يقبض؛ لفوات شرطه، وما قبض؛ ففيه وجهان، مبنيَّان على تفريق الصَّفقة، والمذهب هنا: البطلان، صرَّح به في «الوجيز». فلو صارف رجلاً دينارًا بعشرة دراهِمَ، وليس معه إلاَّ خمسةٌ؛ لم يَجُزْ تفرقهما قبل قبض العشرة، فإن قبض الخمسة، ثمَّ افترقا؛ فعلى ما سبق، فإن أراد صحَّة العقد؛ فسخا الصَّرف في النِّصف الَّذي ليس معه عِوَضُه، أو يفسخان العقد كلَّه ثمَّ يشتري منه نصف الدِّينار بخمسةٍ ويدفعها إليه، ثمَّ يأخذ الدِّينار كله، فيكون نصفه له، والباقي أمانةً في يده، ثمَّ يفترقان (٣). فرعٌ: إذا تخايرا قبل القبض في المجلس؛ لم يبطل العقد؛ لأنَّهما لم يفترقا قبل القبض. ويحتمل: أن يبطل إن قيل بلزوم العقد؛ لأنَّ العقد لم يَبقَ فيه خيارٌ قبل القبض كالفرقة. وجوابه: أنَّ الشَّرطَ التَّقابُضُ في المجلس، وقد وُجِد. (وَإِنْ تَقَابَضَا ثُمَّ افْتَرَقَا، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ رَدِيئًا فَرَدَّهُ؛ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي

стр. 2733

إِحْدَى (١) الرِّوَايَتَيْنِ)، اختاره الخِرَقِيُّ وجمْعٌ؛ لأِنَّ قبضَ مال الصَّرف في المجلس شَرْطٌ، ولم يُوجَدْ؛ لتفرُّقهما قبل قبض المعقود (٢) عليه. وظاهر المتن (٣): أنَّه يشمل ما إذا كان العيب من جنس المعقود عليه؛ كالسَّواد في الفضَّة، والوضوح في الذَّهب، وما إذا كان من غير جنسه؛ كالرَّصاص في الفضة (٤) ونحوه، والمذهب فيه: البُطْلان، وحمله في «الشَّرح» على الأخير. وشَرَط في «المغني» كونَ العيبِ من الجنس. قال ابن المنجَّى: يجب حمل لفظه هنا على ذلك إذا قلنا: قبض البدل يقوم مقام قبضه في مجلس الرَّدِّ، وإن قلنا: لا يقوم؛ فلا حاجة إلى التَّفصيل؛ لأنَّ البطلان مشترَكٌ بين المعنَيَيْنِ. (وَالْأُخْرَى: إِنْ قَبَضَ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ؛ لَمْ يَبْطُلْ)؛ لأنَّ قبضَ عِوَضِه في مجلس الرَّدِّ يقوم مقام قبضه في مجلس العقد. (وَإِنْ رَدَّ بَعْضَهُ، وَقُلْنَا: يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ؛ فَهَلْ يَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، بِنَاءً على تفريق الصَّفقة. ثمَّ اعْلَم أنَّ الصَّرف يقع على ضَرْبَينِ: أحدُهما: أن يبيع عَينًا بعَينٍ، ولو بوزنٍ متقدِّم، أو خبر صاحبه. الثَّاني: أن يقع على موصوف في الذِّمَّة، كقوله: بعتك دينارًا مصريًّا بعشرة دراهم ناصرية، وقد يكون أحد العوضين معيَّنًا دون الآخَر. وكلُّ ذلك جائزٌ، أمَّا الأوَّل: إذا تقابضا، ثمَّ وجد أحدهما عَيبًا فيما

стр. 2734

قبضه؛ فينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون العيب من غير (١) الجنس؛ فالصَّرف فيه باطلٌ، بناءً على أنَّ المعقود يتعيَّن (٢) بالتَّعيين، وهذا هو المجزوم به عند الأصحاب؛ لأنَّ البدل متعذر (٣)؛ لتعلُّق البيع (٤) بالعين، قال في «المغني»: كقوله: بِعتُك هذا البغل، فإذا هو حمارٌ. وعنه: يصحُّ، وله ردُّه وأخذ البدل. وعنه: يقع لازِمًا، فلا ردَّ ولا بدل؛ تغليبًا للإشارة. وعلى المذهب: إن ظهر البعضُ معيبًا؛ بَطَل العقد فيه، وهل يبطل في غيره؟ فيه قَوْلَا تفريقِ الصَّفقة. الثَّاني: أن يكون من جنسه، فنقل ابن الحكم وجعفر (٥): بطلان العقد (٦)، وجزم به في «الواضح». والأشهر: أنَّه يَثبت له الخيارُ بين الرَّدِّ والإمساك، قال الزَّرْكشي: بغير خلافٍ نعلمه، وفيه شيءٌ. فإن اختار الرَّدَّ؛ بطل العقدُ، ولم يكن له أَخْذ البدل، كما لو كان المبيع عرْضًا؛ لأنَّ المبيع تعلَّق بعينه، فيفوت بفواته. وإن اختار الإمساك؛ فله ذلك، وله أخذ الأرْش، كما نقله الشَّيخان، وصاحب «التَّلخيص»؛ لأنَّ قاعدة المذهب: أنَّه يجوز أَخذ الأرشِ مع القدرة على الرَّدِّ.

стр. 2735

ومنع أبو الخَطَّاب من أخذ الأرش مطلقًا؛ لأنَّه زيادةٌ على ما وقع عليه العقد، سنده: امتناع أخذ الأرْش مع القدرة على الرَّدِّ على روايةٍ. فعلى هذا: المذهب: أنَّه لا يجوز أخذ الأرْش من الجنس الواحد مطلقًا؛ لفوات المماثلة المشترَطة. وخرَّج القاضي وجهًا: بالجواز في المجلس؛ نظرًا إلى أنَّ الزِّيادة طرأت بعد العقد. وأبو الخَطَّاب صرَّح (١) بالجواز مطلقًا، فيدخل فيه الجنس والجنسان، وفي المجلس وبعده، وحكاه ابن عقيل قولاً في صورة تلف أحد العِوَضين. ويجوز في الجنسين مطلقًا؛ أعني: في المجلس وبعده على ظاهر إطلاق الأكثر؛ لأنَّ الأرشَ عوضٌ عن الجزءِ الفائتِ في الثَّمن. وفي «المغني» و «الفروع»: له أخذُ أرشِ العيب في المجلس وكذا بعده إن جَعَلا أرشه من غير جنس الثمن؛ لأنَّه لا يُعتبر قبضه فيه؛ كبيع بُرٍّ بشعيرٍ، فيجد أحدهما عيبًا؛ فيأخذ أرشه درهمًا بعد التَّفرُّق. ونقل جماعةٌ: له ردُّه وبدلُه (٢)، ولم يفرِّق في العيب. الثَّاني: أن يكون على غير عينه، وهو الصَّرف في الذِّمَّة بصحيح (٣)؛ لأنَّ المجلسَ كحالة العقد، فإذا وَجد أحدُهما بما قبضه عَيبًا؛ فله بدله، وله الإمساك؛ إذ قُصاراه الرِّضا بدون حقِّه، وله أخذُ الأرشِ في الجنسين، لا الجنسِ (٤) على المذهب. فإن تفرَّقا، والعيبُ من جنسه، وذكر جماعةٌ: أو غيره:
следующие страницы →