← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

(فَصْلٌ) (وَمَتَى افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، أَوِ افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ؛ بَطَلَ الْعَقْدُ)، تقدَّم أنَّ الصَّرف بيع الأثمان بعضها ببعضٍ، والقبض شرطٌ لصحَّة العقد؛ نَصَّ عليه (١)، ذكره الجماعة، وحكاه ابن المنذر إجماع مَنْ يحفظ عنه من أهل العلم (٢)، ولقوله ﵇: «وبِيعُوا الذَّهب بالفضَّة كيف شئْتُم، يدًا بيدٍ» (٣). والمجلِسُ هنا كمجلس الخيار في البيع، فلا يضرُّ طولُه مع تلازمهما، فلو مشيا إلى منزل أحدهما مصطحبَينِ؛ صحَّ. وقبض الوكيل كقَبض موكِّلِه، بشرط قبضه قبل مفارقة موكِّله المجلس؛ لتعلُّقِه (٤) بعينه، فلو فارَق المجلس؛ فسد الصَّرف وإن قبض الوكيل في المجلس، فلو مات أحدهما قبل القبض فسد؛ لعدم تمام العقد. وقول المؤلِّف: (بَطَلَ العَقْدُ) يُوهِم وجود عقد ثُمَّ بطلانَه، وليس كذلك، بل القبض فيه بمنزلة القَبول لا يتِمُّ العقد إلاَّ به، ولهذا قال الخِرَقِيُّ: فلا بَيع بينهما. وأمَّا قبض رأس مال السَّلم؛ فسيأتي في محلِّه. (وَإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ) في المجلس، (ثُمَّ افْتَرَقَا؛ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ فِي أَحَدِ

стр. 2732

الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الآخَرِ (١): يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ (٢)، لا صرف بينهما فيما لم يقبض؛ لفوات شرطه، وما قبض؛ ففيه وجهان، مبنيَّان على تفريق الصَّفقة، والمذهب هنا: البطلان، صرَّح به في «الوجيز». فلو صارف رجلاً دينارًا بعشرة دراهِمَ، وليس معه إلاَّ خمسةٌ؛ لم يَجُزْ تفرقهما قبل قبض العشرة، فإن قبض الخمسة، ثمَّ افترقا؛ فعلى ما سبق، فإن أراد صحَّة العقد؛ فسخا الصَّرف في النِّصف الَّذي ليس معه عِوَضُه، أو يفسخان العقد كلَّه ثمَّ يشتري منه نصف الدِّينار بخمسةٍ ويدفعها إليه، ثمَّ يأخذ الدِّينار كله، فيكون نصفه له، والباقي أمانةً في يده، ثمَّ يفترقان (٣). فرعٌ: إذا تخايرا قبل القبض في المجلس؛ لم يبطل العقد؛ لأنَّهما لم يفترقا قبل القبض. ويحتمل: أن يبطل إن قيل بلزوم العقد؛ لأنَّ العقد لم يَبقَ فيه خيارٌ قبل القبض كالفرقة. وجوابه: أنَّ الشَّرطَ التَّقابُضُ في المجلس، وقد وُجِد. (وَإِنْ تَقَابَضَا ثُمَّ افْتَرَقَا، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ رَدِيئًا فَرَدَّهُ؛ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي

стр. 2733

إِحْدَى (١) الرِّوَايَتَيْنِ)، اختاره الخِرَقِيُّ وجمْعٌ؛ لأِنَّ قبضَ مال الصَّرف في المجلس شَرْطٌ، ولم يُوجَدْ؛ لتفرُّقهما قبل قبض المعقود (٢) عليه. وظاهر المتن (٣): أنَّه يشمل ما إذا كان العيب من جنس المعقود عليه؛ كالسَّواد في الفضَّة، والوضوح في الذَّهب، وما إذا كان من غير جنسه؛ كالرَّصاص في الفضة (٤) ونحوه، والمذهب فيه: البُطْلان، وحمله في «الشَّرح» على الأخير. وشَرَط في «المغني» كونَ العيبِ من الجنس. قال ابن المنجَّى: يجب حمل لفظه هنا على ذلك إذا قلنا: قبض البدل يقوم مقام قبضه في مجلس الرَّدِّ، وإن قلنا: لا يقوم؛ فلا حاجة إلى التَّفصيل؛ لأنَّ البطلان مشترَكٌ بين المعنَيَيْنِ. (وَالْأُخْرَى: إِنْ قَبَضَ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ؛ لَمْ يَبْطُلْ)؛ لأنَّ قبضَ عِوَضِه في مجلس الرَّدِّ يقوم مقام قبضه في مجلس العقد. (وَإِنْ رَدَّ بَعْضَهُ، وَقُلْنَا: يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ؛ فَهَلْ يَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، بِنَاءً على تفريق الصَّفقة. ثمَّ اعْلَم أنَّ الصَّرف يقع على ضَرْبَينِ: أحدُهما: أن يبيع عَينًا بعَينٍ، ولو بوزنٍ متقدِّم، أو خبر صاحبه. الثَّاني: أن يقع على موصوف في الذِّمَّة، كقوله: بعتك دينارًا مصريًّا بعشرة دراهم ناصرية، وقد يكون أحد العوضين معيَّنًا دون الآخَر. وكلُّ ذلك جائزٌ، أمَّا الأوَّل: إذا تقابضا، ثمَّ وجد أحدهما عَيبًا فيما

стр. 2734

قبضه؛ فينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون العيب من غير (١) الجنس؛ فالصَّرف فيه باطلٌ، بناءً على أنَّ المعقود يتعيَّن (٢) بالتَّعيين، وهذا هو المجزوم به عند الأصحاب؛ لأنَّ البدل متعذر (٣)؛ لتعلُّق البيع (٤) بالعين، قال في «المغني»: كقوله: بِعتُك هذا البغل، فإذا هو حمارٌ. وعنه: يصحُّ، وله ردُّه وأخذ البدل. وعنه: يقع لازِمًا، فلا ردَّ ولا بدل؛ تغليبًا للإشارة. وعلى المذهب: إن ظهر البعضُ معيبًا؛ بَطَل العقد فيه، وهل يبطل في غيره؟ فيه قَوْلَا تفريقِ الصَّفقة. الثَّاني: أن يكون من جنسه، فنقل ابن الحكم وجعفر (٥): بطلان العقد (٦)، وجزم به في «الواضح». والأشهر: أنَّه يَثبت له الخيارُ بين الرَّدِّ والإمساك، قال الزَّرْكشي: بغير خلافٍ نعلمه، وفيه شيءٌ. فإن اختار الرَّدَّ؛ بطل العقدُ، ولم يكن له أَخْذ البدل، كما لو كان المبيع عرْضًا؛ لأنَّ المبيع تعلَّق بعينه، فيفوت بفواته. وإن اختار الإمساك؛ فله ذلك، وله أخذ الأرْش، كما نقله الشَّيخان، وصاحب «التَّلخيص»؛ لأنَّ قاعدة المذهب: أنَّه يجوز أَخذ الأرشِ مع القدرة على الرَّدِّ.

стр. 2735

ومنع أبو الخَطَّاب من أخذ الأرش مطلقًا؛ لأنَّه زيادةٌ على ما وقع عليه العقد، سنده: امتناع أخذ الأرْش مع القدرة على الرَّدِّ على روايةٍ. فعلى هذا: المذهب: أنَّه لا يجوز أخذ الأرْش من الجنس الواحد مطلقًا؛ لفوات المماثلة المشترَطة. وخرَّج القاضي وجهًا: بالجواز في المجلس؛ نظرًا إلى أنَّ الزِّيادة طرأت بعد العقد. وأبو الخَطَّاب صرَّح (١) بالجواز مطلقًا، فيدخل فيه الجنس والجنسان، وفي المجلس وبعده، وحكاه ابن عقيل قولاً في صورة تلف أحد العِوَضين. ويجوز في الجنسين مطلقًا؛ أعني: في المجلس وبعده على ظاهر إطلاق الأكثر؛ لأنَّ الأرشَ عوضٌ عن الجزءِ الفائتِ في الثَّمن. وفي «المغني» و «الفروع»: له أخذُ أرشِ العيب في المجلس وكذا بعده إن جَعَلا أرشه من غير جنس الثمن؛ لأنَّه لا يُعتبر قبضه فيه؛ كبيع بُرٍّ بشعيرٍ، فيجد أحدهما عيبًا؛ فيأخذ أرشه درهمًا بعد التَّفرُّق. ونقل جماعةٌ: له ردُّه وبدلُه (٢)، ولم يفرِّق في العيب. الثَّاني: أن يكون على غير عينه، وهو الصَّرف في الذِّمَّة بصحيح (٣)؛ لأنَّ المجلسَ كحالة العقد، فإذا وَجد أحدُهما بما قبضه عَيبًا؛ فله بدله، وله الإمساك؛ إذ قُصاراه الرِّضا بدون حقِّه، وله أخذُ الأرشِ في الجنسين، لا الجنسِ (٤) على المذهب. فإن تفرَّقا، والعيبُ من جنسه، وذكر جماعةٌ: أو غيره:

стр. 2736

فعنه: له بدلُه، وأخذ الأرشِ بعد التَّفرُّق. وعنه: ليس له بدله، فيَفسخ أو يُمسك الجميع، ولا أرش بعد الفرقة. ويُعتبر قبضُ البدل في مجلس الرَّدِّ، وذكر بعضهم: إن وُجد بعد التَّفرُّق، واختار الرَّدَّ؛ فهل يبطل العقد بردِّه؟ اختاره أبو بكرٍ؛ لوجود التَّفرُّق قبل القبض، أو لا يبطل، وله البدل في مجلس الرَّدِّ، وإن تفرَّقا قبله بطل العقد (١) في اختيار الخِرَقِيِّ، والخَلاَّل، والقاضي وأصحابه؛ لأنَّ القبض وقع صحيحًا؛ إذ بدله يقوم مقامه؟ فيه روايتان. وفيه ثالثة: أنَّ البيع يقع لازمًا، وهو بعيد؛ لأنَّه يلزم منه إلزام العاقد بما لم يلتزمه. فعلى الأولى: إن وجد البعض رديئًا فردَّه؛ بطل فيه، وفي الباقي (٢) قولَا تفريق الصَّفقة. وعلى الثَّانية: له بدلُ المردودِ في مجلس الرَّدِّ، وله الإمساك. لكنْ إن طَلَب معه أخذَ الأرشِ؛ ففي «المغني»، و «الشرح»: له ذلك على الثَّانية لا الأولى، وأمَّا على المحقَّق: فله ذلك في (٣) الجنسين على الرِّوايتين. (وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا هو المعمولُ به عند الأصحاب؛ لأنَّ ذلك عِوَضٌ مشارٌ إليه في العقد، فوجب أن يتعيَّن كسائر الأعواض، ولأنَّه أحد العوضين، فتعيَّن بالتَّعيين كالآخَر، ولأنَّ ما تعيَّن في الغصب والوديعة تعيَّن بالعقد كالعرْض. ومعنى تعيينه (٤) في الغصب: أنَّه إذا طُولِب به لزمه تسليمُه، ولا يجوز

стр. 2737

العدول عنه. وفي بعض روايات حديث عبادة: «عَينًا بعَينٍ» (١)، فيُستَدَلُّ به؛ إذ لو كان الذَّهب والفضَّة في الذِّمَّة؛ لم يكن عَينًا بعينٍ؛ لأنَّه إنَّما يكون بهذا الوصف إذا مُلِكت عينُ كلِّ واحدٍ منهما. وفيه شيءٌ؛ إذ يلزم منه: ألاَّ يُباع الذَّهبُ بمثله إلاَّ عَينًا بعينٍ، وقد حُكِي الإجماعُ على خلافه (٢). (فَلَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا)؛ لأنَّ العقدَ واقِعٌ على عينها. (وَإِنْ وَجَدَهَا مَعِيبَةً؛ خُيِّرَ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالْفَسْخِ)؛ كالعِوَض الآخَر، وظاهره: أنَّه لا أرْش مع الإمساك، وهو كذلك. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يُمْسِكَ وَيُطَالِبَ بِالْأَرْشِ)؛ لأنَّه مَبِيعٌ (٣) أشبه سائر المبيعات. هذا إذا كان العَيبُ من جنس النُّقود، فإن كان من غير جنسها؛ بطل العقد إذا كان في جميعها (٤)، وإن كان في بعضها؛ بطل فيه، وفي الباقي قَوْلَا تفريقِ الصَّفقة، ذكره في «الشَّرح» وغيره. وفي «المغني»: لا أرشَ له مع الإمساك إذا وقع العقدُ على مثله؛ كالدَّراهم بمثلها؛ لأنَّ أخذَ الأرشِ يُفضي إلى التَّفاضُل المحرَّم. وخرَّج القاضي وجهًا بجوازه في المجلس؛ لأنَّها زيادةٌ طَرَأت بعد العقد، وردَّه المؤلِّف.

стр. 2738

وإن وقع على غير مثله؛ كالدَّراهم والدَّنانير؛ فله أخذُ الأرشِ في المجلس، ولم يَحْكِ فيه خلافًا (١)، وعلَّله: بأن أكثر ما فيه حصول زيادة من أحد الطَّرَفَينِ، ولا يمنع ذلك في الجنسين، وإن كان بعد التَّفرُّق لم يَجُز لحصول الفرقة قبل القبض المعتبَر. قال ابن المنجَّى: (فيجب حمل كلامه هنا على ما قاله في «المغني» ليطابِق)، وفيه شيءٌ. (وَإِنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً؛ بَطَلَ الْعَقْدُ)؛ كالمبيع إذا ظهر مستحَقًّا. وإذا تلف قبل القبض تلف من مال البائع، بناءً على المذهب من (٢) أنَّ المتعيِّنَ لا يفتقر إلى قبضٍ. (وَالْأُخْرَى: لَا تَتَعَيَّنُ (٣)، وهي ظاهر نقل أبي داودَ (٤)، وتأوَّلها القاضي، وأبى ذلك الجمهور؛ لأنَّه يجوز إطلاقها في العقد، ولا غرض (٥) في أعيانها، وإنَّما الغرض (٦) في مقدارها، فلم يتعيَّن (٧) به؛ كالمكيال والميزان، وكما لو استأجر أرضًا ليزرعها حنطةً؛ فله زرع ما هو مثلُها، يؤكِّده قولُ الفراء (٨) في قوله تعالى: الآية ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ … (٢٠)﴾ [يُوسُف: ٢٠]: أنَّ الثَّمن ما يَثبُت في الذِّمَّة، ومن قال بالتَّعيين، لم يجعلها تثبُت في الذِّمَّة، وهي ثمنٌ قطْعًا.

стр. 2739

(فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ)؛ أي: فله إبدالها مع عَيبٍ وغصبٍ، وإن تَلِفت قبل قبضها؛ فهي من مال المشتري. مسائل: منها: إذا نذر صدقةً بدرهم بعينه؛ لم يتعيَّنْ، ذكره القاضي وحفيده. وفي «الانتصار»: يتعيَّن، فلو تصدَّق به بلا أمره؛ لم يضمنه، ويضمنه على الأوَّل. ومنها: يجوز اقتضاء أحد النَّقدين من الآخَر على الأصحِّ إن حضر أحدهما والآخر (١) في الذِّمَّة مستقِرٌّ، بسعر يومه، نصَّ عليه (٢)؛ لخبر ابن عمر في بيع الإبل بالبقيع (٣)، ويكون صرْفًا بعينٍ وذمَّةٍ، ومنع منه ابن عبَّاسٍ وجمْعٌ (٤). وهل يشترط حُلولُه؟ فيها وجهان. وإن كانا في ذمَّتَيهما فاصطرفا؛ فنصُّه (٥): لا يصحُّ، واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين جوازَه (٦). ومنها: إذا كان له على آخَر دنانيرُ، فقضاه دراهمَ شيئًا فشيئًا؛ فإن كان يُعطيه كلَّ درهمٍ بحسابه من الدِّينار؛ صح، نصَّ عليه (٧). وإن لم يفعل ذلك، ثمَّ تحاسبا بعد تصارفه بها وقت المحاسبة؛ لم يَجُزْ،

стр. 2740

نصَّ عليه (١)؛ لأنَّه يصير (٢) بيع دَينٍ بدينٍ. وإن قبض أحدُهما من الآخَر ما له عليه، ثمَّ صارفه بعَينٍ وذمة (٣)؛ صحَّ. فلو أعطاه الدَّراهم شيئًا بعد شيء (٤)، ولم يقضِه إيَّاها وقت دفعها إليه، ثمَّ أحضرها وقوَّماها؛ فإنَّه يُحْتَسَبُ بقيمتها (٥) يوم القضاء لا يوم دفعها إليه؛ لأنَّها وديعةٌ في يده، فإن تلِفتْ، أو نقصت كان من ضمان مالكها على المشهور. ومنها: لو كان له عند صَيرَفِيٍّ دنانيرُ، فأخذ منه دراهم إدرارًا ليكون هذه بهذه؛ لم يَجُزْ، فإن أرادا (٦) المصارَفة أحضر أحدهما، واصطرفا بعَينٍ وذِمَّةٍ. ومنها: المقبوض (٧) بعقدٍ فاسدٍ؛ كالمقبوض في عقدٍ صحيحٍ فيما يرجع إلى الضَّمان وعدمه. (وَيَحْرُمُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا يَحْرُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]، ولقوله ﵇: «من زاد أو ازداد؛ فقد أرْبَى» (٨)، وهو عامٌّ، ولأنَّ ما كان محرَّمًا في دار الإسلام؛ كان محرَّمًا في دار الحرب، وكدار البغْيِ؛ لأنَّه لا يَدَ للإمام عليهما.

стр. 2741

وفي «عيون المسائل»: الباغي مع العادل (١)؛ كالمسلم مع الحربيِّ؛ لأنَّ كلًّا منهما لا يضمن مال صاحبه بالإتلاف، فهي كدار حربٍ، وردَّه في «الفروع». ونقل الميمونيُّ: أنَّه محرَّم إلاَّ بين (٢) مسلمٍ وحربيٍّ لا أمان بينهما (٣)، جزم به في «المستوعب» و «المحرَّر»، وهو ظاهر «الوجيز». وعنه: لا يحرم في دار الحرب، ذكرها في «الموجز»، وأقرَّها الشَّيخ تقيُّ الدِّين على ظاهرها (٤)؛ لِما روى مكحولٌ مرفوعًا: «لا ربا بين المسلم وأهل الحرب في دار الحرب» (٥)، ولأنَّ أموالَهم مباحةٌ، وإنَّما (٦) حظرها الأمان في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحًا. ورُدَّ: بأنَّه منتقِضٌ بالحربيِّ إذا دخل دار الإسلام، وبأنه خبرٌ مجهولٌ، لا يجوز أن يُترك به تحريم ما دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة، وهو محرَّمٌ بين المسلمين ما لم يكن بينه وبين رقيقه، ولو مدبَّرًا، أو أمَّ ولدٍ مطلقًا، أو مكاتَبًا في مال الكتابة (٧).

стр. 2742

(بَابُ بَيْع الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ) الأصول: جمع أصْلٍ، وهو ما يتفرع عنه غيره، والمراد به هنا: الأرَضون، والأشجار، والثِّمار: جمع ثَمَرٍ؛ كجبلٍ وجبالٍ، وواحد الثَّمَر: ثَمَرةٌ، وجمع الثِّمار: ثُمُرٌ؛ ككتابٍ وكُتُبٍ، وجمع ثُمُرٍ: أثْمارٌ؛ كعُنُقٍ وأعْناقٍ، فهو رابِعُ جْمعٍ. (وَمَنْ بَاعَ دَارًا؛ تَنَاوَلَ الْبَيْعُ أَرْضَهَا)؛ أي: إذا كانت الأرض يصحُّ بيعُها، فإن لم يَجُز كسواد العراق؛ فلا، (وَبِنَاءَهَا)؛ لأنَّهما داخِلان في مسمَّى الدَّار، ولم يتعرَّض الأصحاب لذكر حريمها (١)، (وَ) تناوَل (مَا يَتَّصِلُ بِهَا لِمَصْلَحَتِهَا؛ كَالسَّلَالِيمِ)، واحدُها: سُلَّمٌ، بضم السِّين وفتح اللاَّم المشدَّدة، وهو المِرقاةُ والدَّرَجة، ولفظه مأخوذ من السَّلامة، (وَالرُّفُوفِ المُسَمَّرَةِ (٢)، وهو شرطٌ في السُّلَّم، وحُذِف منه؛ لدلالة الثَّاني عليه، (وَالْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ)، وحِلَقها، (وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ، وَالرَّحَى الْمَنْصُوبَةِ)؛ لأنَّه متَّصل بها لمصلحتها، أشبه الحِيطان. وظاهره: أنَّ الخوابيَ إذا لم تكن مدفونةً، وحجر (٣) الرَّحى إذا لم يكن منصوبًا؛ أنَّه لا يدخل فيها؛ لأنَّه منفصِلٌ عنها أشْبه الطَّعام. وكذا يدخل فيها: المعدن الجامد. وعنه: والجاري؛ لأنَّه من أجزائها (٤)، فهو كأحجارها، لكن لا يباع مَعدِنُ ذهبٍ بذهبٍ، ويباع بغير جنسه، فإن لم يَعلم به البائع؛ فله الخيار؛ لأنَّها زيادة لم يُعلم بها، هذا إذا

стр. 2743

ملك الأرض بإحياءٍ أو إقطاعٍ، وإن كان ببيعٍ فوجهان. (وَلَا يَدْخُلُ مَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا مِنَ الْكَنْزِ)، وهو المالُ المدفونُ، (وَالْأَحْجَارِ الْمَدْفُونَةِ)؛ لأنَّ ذلك مودَع فيها كالفُرُش والسُّتور (١)، (وَلَا المُنْفَصِلِ مِنْهَا (٢)؛ كَالْحَبْلِ، وَالدَّلْوِ، وَالْبَكْرَةِ، وَالْقُفْلِ، وَالْفُرُشِ)؛ لأنَّ اللَّفظ لا يشمله، ولا هو من مصلحتها، أشْبَه المودَع فيها، وكذا حكم الرَّف الموضوع (٣) على الوتد من غير سَمْرٍ ولا غَرْزٍ في الحائط. (فَأَمَّا (٤) مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِهَا)، وهو منفصِلٌ عنها؛ (كَالْمِفْتَاحِ، وَحَجَرِ الرَّحَى الْفَوْقَانِيِّ) إذا كان السُّفْلانِيُّ منصوبًا؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما، وهو الأَشْهَرُ: أنه لا يدخل؛ لأنَّ لفظ الدَّار لا يتناوَله، ولا هو متَّصل لمصلحتها، أشْبه القُفْل. والثَّاني: بلى؛ لأنَّه لمصلحتها، أشْبَهَ المنصوب فيها. وفي الشَّجر والنَّخل المغروس (٥) فيها؛ احتِمالان. فرعٌ: إذا كان فيها بئْرٌ، أو عَينٌ مستنبَطةٌ؛ فنفس البئر وأرض العين مملوكةٌ لصاحب الأرض، والماءُ غيرُ مملوكٍ على الأصحِّ. (وَإِنْ بَاعَ أَرْضًا بِحُقُوقِهَا؛ دَخَلَ غِرَاسُهَا، وَبِنَاؤُهَا فِي الْبَيْعِ)؛ لأنَّهما من حقوق الأرض، ويتبعان الأرض (٦) من كلِّ وجْهٍ؛ لأنَّه يتَّخذ (٧) للبقاء فيها، وليس لانتهائه مدَّةٌ معلومةٌ، والرَّهْن كالبيع.

стр. 2744

(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: بِحُقِوقِهَا؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أظهرُهما: يدخُلان (١)؛ لأنَّهما من حقوقها، وما كان كذلك فيدخل فيها بالإطلاق؛ كطُرُقِها ومنافعها. والثَّاني: لا؛ لأنَّهما ليسا من الأرض، فلم يدخُلا كالثَّمرة، والفرق: أنَّها تُراد للنَّقل، وليست من حقوقها، بخلاف الشَّجر والبناء، وعلى هذا: للبائع تبقِيتُه. وفي «التَّرغيب»: هل يتبعها في الرَّهن كالبيع إذا قلنا يدخل؟ فيه الوجهان؛ لضعفه، وكذا الوصيَّة والوقف ونحوهما. فرعٌ: إذا باعه قريةً؛ لم تدخُل (٢) مزارعُها إلاَّ بذكرها، وفي «المغني» و «الشَّرح»: أو قرينة، قال في «الفروع»: وهو أَوْلى؛ كالمساوَمة على أرضها. ولا يدخُل زرعٌ ولا بذْرٌ، وحكم الغرس بين بنيانها (٣)؛ حكم الغرس في الأرض على ما تقدَّم. مسألة: إذا باعه بستانًا؛ دخل فيه الشَّجر؛ لأنَّه اسمٌ للأرض والشَّجر والحائط، بدليل أنَّ الأرض المكشوفة لا تُسمَّى به، ويدخل (٤) فيه البناء كالشَّجَر، ذكره ابنُ عَقِيلٍ. وقيل: لا؛ لعدم الاِفتقار إليه. فإن باعه شَجَرًا؛ لم تدخل (٥) الأرض، ذكره أبو إسحاق بن شاقلا؛ لأنَّ الاِسْمَ لا يتناوَلُها، ولا هي تَبَعٌ للمبيع (٦)، فإن باعه شجرةً فله تبقيتها في

стр. 2745

أرض البائع، كالثَّمَر على الشَّجر، وفي «الرِّعاية»: تبقى (١) بالأجرة؛ إذ مغرسها (٢) للبائع، قال أبو الخَطَّاب وغيره: ويثبت حقُّ الاختيار، وله الدُّخول لمصالحها (٣). (وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ (٤) مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى؛ كَالرَّطْبَةِ)، وهي الفِصَّة (٥)، فإذا يبست فيقال لها: قَتٌّ، قاله أبو حَنيفةَ الدِّينَورِيُّ (٦)، (وَالْبُقُولِ)، وهو ما يأكله النَّاس، (أَوْ تَتَكَرَّرُ (٧) ثَمَرَتُهُ؛ كَالْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ؛ فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي)؛ لأنَّ ذلك يُراد للبقاء، أشْبَه الشَّجَر، (وَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَاللَّقْطَةُ الظَّاهِرَةُ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ لِلْبَائِعِ)؛ لأنَّه تُؤخَذ ثَمْرتُه مع بقاء أصله، أشبه ثمرة الشَّجرة المؤبَّرة، وسواءٌ كان ممَّا يبقى سنةً كهِنْدَباء، أو أكثر كرَطْبةٍ، لكن على البائع قطع ما (٨) يَستحِقُّه منه في الحال، فإنَّه ليس له حدٌّ ينتهي إليه، فيطول زمنُه، فيخرج غير ما (٩) كان ظاهِرًا. (إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ)؛ لأنَّه لو اشترى شجرًا عليه ثَمَرٌ أُبِّر، واشترطه؛ كان له، فكذا هنا.

стр. 2746

فإن كان ممَّا يؤخَذ زهرُه وتبقى عروقُه في الأرض؛ كالبَنَفْسَج ونحوه؛ فهو كالرَّطبة، وكذلك ورقه وأغصانه. فأمَّا زهرته؛ فإن تفتَّحت؛ فهي للبائع، وإلاَّ فهي للمشتري. واختار ابنُ عَقِيلٍ في هذا كلِّه: أنَّ البائع إن قال: بعتك هذه الأرضَ بحقوقها دخل فيها، وإلاَّ فوجهان كالشَّجر. (وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إِلاَّ مَرَّةً؛ كَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ)، والجَزَر، والفُجْل، والفُوم، وأشباه ذلك؛ (فَهُوَ لِلْبَائِعِ)؛ لأنَّه مودَعٌ في الأرض، فهو كالكنز والقماش، ولا نعلم فيه خلافًا (١)، (مُبْقًى إِلَى الْحَصَادِ)؛ لأنَّ ذلك هو العرف في نقله (٢)، فحُمِل عليه؛ كالثَّمرة تباع بعد بُدُوِّ صلاحها. وظاهره: أنَّه يبقى بغير أجرة؛ لأنَّ المنفعة حصلت مستثناةً، وعليه حصاده في أوَّل وقت أخذه حسب العادة، زاد في «المغني» و «الشَّرح»: ولو كان بقاؤه أنفعَ له، وقيل: عادتُه. (إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ)؛ لأنَّه بمنزلة الثَّمرة الَّتي قد أُبِّرت، فعلى هذا: هو له، قصيلاً كان أو حبًّا، مستَتِرًا أو ظاهِرًا، معلومًا أو مجهولاً؛ لكونه دخل في البيع تَبَعًا للأرض، فلم يَضُرَّ جَهْلُه وعدم كماله. تنبيه: حكم القصب الفارسيِّ كذلك؛ لأنَّ له وقتًا يُقطَع فيه، إلاَّ أنَّ العروق للمشتري؛ لأنَّها تُتْرَك في الأرض للبقاء فيها، والقصب كالثمرة (٣)، فإن لم يكن ظهر منه شيءٌ؛ فهو للمشتري. وقصب السُّكَّر كالزَّرع، وقيل: كالفارسيِّ، فإن حصده قبل أوان حصاده لينتفع بالأرض في غيره؛ لم يملك ذلك؛ لأنَّ منفعتها حصلت مستثناةً.

стр. 2747

وعلى البائع تسوية الحُفَر؛ لأنَّه استصلاحٌ لملكه، فهو كما لو باع دارًا فيها دابَّةٌ كبيرةٌ لا تَخرُج إلاَّ بهدم الباب فهدمه، كان عليه الضَّمانُ. أصل: ما لم يدخُل في البيع من زرعٍ وحجَرٍ (١) ونحوه؛ فلربِّه (٢) نقله، وعليه تسوية الحُفَر، وإن أبى النَّقل؛ فللمشتري إجباره على تفريغ ملكه وتسويته إن أضرَّ (٣) عرقه بالأرض كقطن، وكذا إن لم يَضُرَّ، ويَنقُله بحسب العادة، فلا يلزَمه ليلاً، ولا جمْع الحمَّالين له. فإن طالت مدَّةُ نقله - فذكر جماعةٌ فوق ثلاثة أيَّامٍ -؛ فعيبٌ يثبت له الخيار بين الفسخ والإمساك مع الأرْش، ولا أجرة مدَّة نقله. وقيل: مع العلم، وقيل: بلى. وإن لم يَنضَرَّ مشترٍ ببقائه؛ ففي إجباره وجهان (٤). مسألةٌ: إذا باع بَيتًا من دارٍ، وقال: بحقوقه؛ لم يصحَّ، وإن سَمَّى الطَّريقَ وعيَّنه؛ صحَّ، وإلاَّ فلا.

стр. 2748

وقيل: إن أطلق الطَّريق، ولم يعيِّنه؛ صحَّ. وقيل: إن كان المشتري في البيت؛ صحَّ، وإلاَّ فلا. (فَصْلٌ) (وَمَنْ بَاعَ نَخْلاً مُؤَبَّرًا، وَهُوَ مَا تَشَّقَقَ طَلْعُهُ؛ فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ مَتْرُوكًا فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ إِلَى الْجَدَادِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ)، كذا ذَكَرَه أكثرُ الأصحاب؛ لِمَا روى ابنُ عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من باع نخْلاً مؤبَّرًا؛ فثَمَرَتُها للبائع، إلاَّ أن يشترطها المبتاعُ» متَّفقٌ عليه (١)، وأصْلُ التَّأبير: التَّلقيح، وهو وضع الذَّكر في الأنثى، وليس بمرادٍ، ولهذا فسَّره بالتَّشقُّق؛ إذ الحكم منوطٌ به، وإن لم يُلقَّح؛ لصيرورته (٢) في حكم عينٍ أخرى (٣)، وإنَّما نَصَّ على التَّأبير؛ لملازمته التَّشقُّق غالبًا. فعلى هذا: إذا وقع البيع على نخلٍ مثمِرٍ، ولم يشترط الثَّمَرة، وكانت مؤبَّرة؛ فهي للبائع، وإن كانت غير مؤبَّرةٍ؛ فهي للمشتري. وعنه: الحُكْمُ مَنُوطٌ بالتَّأبير لا بالتَّشقيق (٤)، وهو ظاهر الخبر، فبَعده للبائع، وقبله للمشتري، ذكره ابن أبي موسى، ونصره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥)، وهو المختارُ. وعلى القول بأنَّها للبائع؛ لا يلزمه قطعُها في الحال؛ إذ التَّفريغ جارٍ على العُرْف، فيترك إلى تناهي حلاوته، إلاَّ أن تجريَ العادةُ بأخذه بسرًا، أو يكون بسره خيرًا من رُطَبه، فإنَّه يَجُدُّه حين استحكام حلاوة بسره، ولو كان بقاؤه

стр. 2749

خيرًا له، كما سلف (١). وقيل: يلزمه قطْعُ الثَّمَرة؛ لتضرُّر (٢) الأصل. وهذا إذا لم يشرطه المبتاع، فإن شرطه؛ دخل، بخلاف وقْفٍ ووصيَّةٍ، فإنَّ الثَّمَرة تدخُل فيهما، نَصَّ عليه (٣)، كفسخ لعيب (٤)، ومقايَلةٍ في بَيعٍ، ورجوع أبٍ في هبةٍ، قاله في «المغني». ولم يتعرَّض المؤلِّف لبيان تأبير البعض، والنَّخلةُ الواحدة إذا أُبِّر بعضُها؛ فإنَّ الجميع للبائع اتِّفاقًا (٥). فرعٌ: كلُّ عَقْدِ مُعاوَضةٍ يجري مجرى البيع: أنَّ الثمرة المؤبَّرةَ تكون لمن انتقل عنه الأصل، وغير المؤبَّرة لمن انتقل إليه. وإن انتقل بغير عِوَضٍ فإنَّه في الفسخ يَتبع الأصلَ، سواءٌ أُبِّر أو لا، وفي الهبة والرَّهن يتبع قبل التَّأبير دون ما بعده. فائدتان: الأولى: طَلْع الفحَّال يراد للتَّلقيح كالإناث، وقيل: للبائع سواءٌ تشقَّق طَلْعُه أم لا. الثَّانيةُ: يَصِحُّ شرط بائعٍ ما لمشترٍ، ولو قَبْل تأبير، ولبعضه، خلافًا لابن القاسم المالكيِّ (٦). (وَكَذَلِكَ الشَّجَرُ إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ بَادٍ)؛ أي: ظاهِرٌ؛ (كَالْعِنَبِ، وَالتِّينِ،

стр. 2750

وَالتُّوتِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْجَوْزِ)؛ لأنَّ بُدُوَّ ذلك من شجره بمنزلة ظهور الرُّطَب من طَلْعه. فإن اختلفا؛ قُدِّم قول بائع أنَّه بدا وظهر. وفي «الفروع»: ويتوجَّه وجْهٌ من واهبٍ ادَّعى شرط ثوابٍ. وقال القاضي: فيما يظهر من قشرين؛ كالجوز واللَّوز؛ إن تشقَّق الأعلى فهو للبائع، وإلاَّ فهو للمشتري. (وَمَا ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ)؛ أي: زَهْره على أيِّ لونٍ كان؛ (كَالمِشْمِشِ)، بكسر الميم الأولى، (وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَاللَّوْزِ)، والإجَّاص، والخوخ؛ للبائع، وما لم يَظهَرْ فهو للمشتري. وقال القاضي: ما يتناثَر نَوره؛ كتُفَّاح، - وفي «المغني»: وعِنَبٍ -؛ يمتنع دخوله بتناثُر نَوره، أي (١): للبائع بظهور نَوره؛ لأنَّ الطَّلْع إذا تشقَّق كان كنَور الشَّجر. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ ما في الطَّلع هو عين الثَّمَر، بخلاف النَّور، فإنَّه يتساقط، والثَّمرُ غيرُه. (وَمَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ)، واحدُه: كِمٌّ، وهو الغلاف، وأكثر ما يُستعمل في وعاء الطَّلْع؛ (كَالْوَرْدِ، وَالْقُطْنِ)، والبَنَفْسَج، والياسمين؛ أي: هو للبائع؛ لأنَّ خروجَه من أكمامه بمنزلة ظهور الثَّمَرة من الطَّلع. (وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي)؛ لأنَّ ذلك يتبع الأصل، فوجب أن يكون للمشتري كالأصل. (وَالْوَرَقُ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ)؛ كالأغصان. (وَيَحْتَمِلُ فِي وَرَقِ التُّوتِ (٢)، وهو الفِرْصاد، قاله الأصْمَعيُّ، وقيل:

стр. 2751

الفِرْصاد اسمٌ للثَّمَرة، والتُّوت اسمٌ للشجرة (١) (الْمَقْصُودِ أَخْذُهُ: أَنَّهُ (٢) إِنْ تَفَتَّحَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ)؛ كالثَّمَرة؛ لأنَّه يُقصَد لتربية القزِّ، (وَإِنْ كَانَ حَبًّا)؛ أي: لم يتفتَّح (٣)؛ (فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي). هذا في المواضع التي عادتهم أخذ الورق، فإن لم يكن لهم عادةٌ؛ كان للمشتري؛ كسائر الورق. (وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ)، أو تشقَّق طَلْع بعض النَّخل؛ (فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأنَّ الخبر دلَّ بمنطوقه على أنَّ المؤبَّر للبائع، وبمفهومه (٥): على أنَّ ما لم يُؤبَّرْ للمشتري. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْكُلُّ لِلْبَائِعِ)، وحكاه في «الانتصار» روايةً؛ لأنَّه لو لم يجعل له لأدَّى (٦) إلى الإضرار بسوء المشارَكة؛ إذ الباطن يتبع الظَّاهر؛ كأساسات الحِيطان وكشجرةٍ. وهذا الخلاف في النَّوع الواحد؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه يتقارب (٧). ولم يفرِّقْ أبو الخَطَّاب بين النَّوع والجنس، فلو أبَّر الكُلَّ إلاَّ نخلةً فأفردها

стр. 2752

بالبيع؛ ففي أيِّهما له؛ وجهان (١). وفي «الواضح»: ما لم يَبْدُ من ثمره شجرةٌ لمشترٍ، وذكره أبو الخَطَّاب ظاهر كلامِ أبي بكرٍ؛ كحدوث طلعٍ بعد تأبيرها، أو بعضها، ذكره في «المغني»؛ لأنَّه لا اشتباه لبُعْد ما بينهما، وظاهر كلام غيره: لا فَرْقَ. فرعٌ: باع حائطَينِ، أبَّر أحدَهما؛ لم يتبعه الآخَر؛ لأنَّ لكلٍّ حكمَ نفسه. (وَإِنِ احْتَاجَ الزَّرْعُ) المبقَى، (أَوِ الثَّمَرَةُ) المبقاة (إِلَى سَقْيٍ؛ لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِيَ)؛ لأنَّه لا يَلزَمه تسليم ذلك إليه؛ لكون أنَّ البائع لم يملكها من جهته، بخلاف ما لو كانت الثَّمرة للمشتري على أصل البائع، فإنَّه يلزمه السَّقيُ؛ لأنَّه يلزمه تسليمها إليه. (وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَ الْبَائِعِ مِنْهُ)؛ لأنَّ ذلك ممَّا يبقى، فلزمه تمكينُه منه؛ كتركه على الأصول. وظاهره: وإن أضرَّ بصاحبه، صرَّح به جماعةٌ؛ لأنَّه دخل في العقد على ذلك. وظاهره: أنَّه إذا أراد سقيَها لغير حاجةٍ؛ فللمشتري منعه منه؛ لأنَّ سقيَه يتضمَّن التَّصرُّف في ملك غيره، والأصلُ المنعُ. والمذهب: أنَّ لكلِّ واحدٍ السَّقْيَ من ماله لمصلحةٍ، فإن اختلفا في ذلك؛ رُجِع إلى قول أهل الخبرة.

стр. 2753

(فَصْلٌ) (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا)؛ أي: بشرط التَّبقية، إجْماعًا (١)؛ لحديث ابن عمر، قال: «نهى النَّبيُّ ﷺ عن بيع الثِّمار قبل بُدُوِّ صلاحها، نهى البائع (٢) والمبتاع» متَّفقٌ عليه (٣)، والنَّهيُ يقتضِي الفسادَ. (وَلَا الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لِما روى مسلمٌ عن ابن عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع السنبل (٥) حتَّى يبيضَّ ويأمَن العاهَةَ» (٦)، وعن أنَسٍ مرفوعًا: «أنَّه نهى عن بيع الحبِّ حتَّى يشْتَدَّ» رواه أحمد والحاكم، وقال: على شرط مسلمٍ (٧). (إِلاَّ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ)، فيَصِحُّ إجْماعًا (٨)؛ لزوال معنى النَّهي، وشرطه: أن يكون منتفَعًا به، ويُستَثْنى منه: الكُمَّثْرَى. وعنه: يجوز مع العزم على القطع. فرعٌ: إذا اشترى نصف ثمرةٍ قبل بُدُوِّ صلاحها، أو نصف زرع (٩) قبل

стр. 2754

اشتداده مشاعًا؛ لم يَجُزْ، سواءً اشتراه من واحدٍ أو أكثر، شرط القطع أو لا؛ لأنَّه لا يمكنه قطعه إلاَّ بقطع ملك غيره، فلم يَصِحَّ اشتراطُه. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّطْبَةِ)، وهي نبتٌ معروفٌ يقيم في الأرض سنين، وهي القَضْب أيضًا (١)، وتُسمَّى (٢) الفِصْفِصة، بفاءَينِ مكسورتين (٣)، وصادَينِ مهملتَينِ، (وَالْبُقُولِ)؛ كالنَّعناع والهِنْدَباء؛ لأنَّ ما في الأرض مستورٌ مغيَّب (٤)، وما يحدث منه معدومٌ، فلم يَجُز بيعُه؛ كالذي يحدث من الثَّمَرة، (إِلاَّ بِشَرْطِ جَزِّهِ)؛ أي: بشرط القطع في الحال؛ لأنَّ الظَّاهر منه مبيعٌ معلومٌ لا جهالة فيه ولا غرر، أشبه ما جاز بيعُه من غيره. (وَلَا الْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِ)؛ كالخيار والباذِنْجان، (إِلاَّ لَقْطَةً لَقْطَةً)؛ لأنَّ الزَّائد على اللَّقطة ثمرٌ لم يخلَق (٥)، فلم يَجُزْ بيعه (٦)، كما لو باعه قبل ظهوره، (إِلاَّ أَنْ يَبِيعَ أَصْلَهُ)؛ لأنَّه إذنْ تَبَعٌ للأصل، أشبه الحملَ مع أمِّه، وأسَّ الحائط معه. والأَوْلى ردُّ الاستثناء إلى الكلِّ؛ لأنَّه (٧) إذا تعقَّب جُمَلاً يعود إلى كلِّها، خصوصًا مع اتِّحاد الحكم ومطابقته، فعليه: يجوز بيع الثَّمرة قبل بُدُوِّ صلاحها إذا أبيعت مع الشَّجر، والزَّرع قبل اشتداد حبِّه إذا أبيع مع الأرض، وكذا ما بعده. ولا فرق بين كون الأصل صغارًا أو كبارًا، مثمِرًا أو غير مثمِرٍ؛ لأنَّه أصلٌ

стр. 2755

يتكرَّر فيه الثَّمرة، أشبه الشَّجر. وقيل: لا يصحُّ، كما لو باعها لمالك الأصل في أحد الوجهين؛ لعموم الخبر؛ لأنَّه لا متبوع، فلا تابع (١)، فلو شرط القطع؛ صحَّ. قال في «المغني» و «الشَّرح»: ولا يلزم الوفاء بالشَّرط؛ لأنَّ الأصل له، وهذا يقتضي أنَّ اشتراط القطع حقٌّ للآدَميِّ، وفيه نظَرٌ، بل هو حقٌّ لله تعالى. والثَّاني: يصحُّ، وهو اختيار السَّامَرِّيِّ، وصاحب «التَّلخيص» فيه؛ لأنَّه اجتمع الأصل والثَّمرة للمشتري، أشبه ما لو اشتراهما معًا. تنبيه: القُطْن ضَرْبانِ: أحدهما: ما له أصلٌ يبقى في الأرض أعوامًا، فحكمه كالشَّجر. الثَّاني: ما يتكرَّر زرعه كلَّ عامٍ، فحكمه كالزَّرع، فإن كان جَوْزه ضعيفًا رَطْبًا؛ لم يصحَّ بيعُه إلاَّ بشرط القطع كالزَّرع، وإن قَوِيَ واشْتَدَّ؛ جاز بيعُه بشرط التَّبقية، وإن بِيعَت الأرض؛ لم يدخل فيها إلاَّ أن يشترطه المبتاع. (وَالْحَصَادُ، وَاللِّقَاطُ)، والجداد؛ (عَلَى الْمُشْتَرِي)؛ لأنَّ ذلك من مُؤْنة نقلها؛ كنقل الطَّعام المبيع، بخلاف أجرة الكيَّال والوزَّان، فإنَّها على البائع؛ لأنَّها من مؤنة تسليم المبيع إلى المشتري على البائع، وهنا حصل التَّسليم بالتَّخلية بدون القطع، بدليل جواز التَّصرُّف فيه، بغير خلافٍ علمناه (٢). فإن شرطه على البائع؛ صحَّ، خلافًا للخِرَقِيِّ، قال في «الروضة»: ليس لقوله وجهٌ. وفي الإرشاد: في صحَّته روايتان، فإن بطل؛ ففي العقد روايتان. (فَإِنْ بَاعَهُ مُطْلَقًا)؛ أي: لم يَشترِط تبقيةً ولا قَطْعًا، وقيل: إطلاقه كشرطه،

стр. 2756

قدَّمه في «التَّبصرة»؛ لأنَّ إطلاق العقد يقتضي القطع، فحمل عليه، (أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ؛ لَمْ يَصِحَّ) إجْماعًا في الثَّانية (١)؛ لما سبق من الأدلة على اشتراط بُدوِّ الصَّلاح في الثَّمر، واشتداد الحبِّ في شرط جَزِّ المبيع لقطةً لقطةً (٢). (فَإِنِ (٣) اشْتَرَطَ الْقَطْعَ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ)؛ بطل العقد، نصَّ عليه في رواية حنبل وأبي طالبٍ (٤)، واختاره الأكثر؛ لأنَّه ﵇ نهى عن بيع الثَّمرة قبل بُدُوِّ صلاحها (٥)، واستَثْنى منه: ما إذا اشتراه بشرط القطع وقطع، فيبقى ما عداه على أصل التَّحريم، ولأنَّ التَّبقية معنًى حرَّم الشَّرع اشتراطه لحقِّ الله تعالى، فأبطل العقد وجوده؛ كتأخير قبض رأس مال السَّلم والصَّرف، ولأنَّ صحة ذلك يُجعل (٦) ذريعةً إلى الحرام، ووسائل الحرام حرامٌ؛ كبيع العِينة، وقد عاقب الله أصحاب السَّبت بصنيعهم. (أَوْ طَالَتِ (٧) الْجَزَّةُ)؛ أي: إذا اشترى رَطْبة بشرط القطع، ثمَّ تركه حتَّى طالت الجَزَّة، أو زرعًا اخضرَّ ثمَّ اشتدَّ؛ لأنَّه في معنى الثَّمرة. قال في «الشَّرح»: وهذا لم يقصد وقت الشِّراء تأخيره، ولم يجعل شراءه بشرط القطع حيلة، فإن قصده؛ فالبيعُ باطِلٌ من أصله؛ لأنَّه حيلةٌ محرَّمةٌ. (أَوْ حَدَثَتْ (٨) ثَمَرَةٌ أُخْرَى فَلَمْ تَتَمَيَّزْ (٩)، وظاهره: أنَّها إذا تميَّزت أنَّه لا

стр. 2757

يبطل، فعلى هذا: لكلِّ واحدٍ ثمرتُه، (أَوِ اشْتَرَى عَرِيَّةً لِيَأْكُلَهَا رُطَبًا (١) فَأَتْمَرَتْ (٢)؛ بَطَلَ الْبَيْعُ)؛ لقوله ﵇: «يأكلها أهلها رطبًا» (٣)، ولأنَّ شراءها إنَّما جاز للحاجة إلى أكل الرُّطَب، فإذا أتمر (٤)؛ تبيَّنَّا عدم الحاجة. ولا فرق بين تركه لغِناه عنها أو لا، لعذرٍ أو غيره، فلو أخذ بعضًا رُطَبًا، وترك باقيَها حتَّى أتمر؛ فهل يبطل فيما أتمر؟ على وجهين. ويُخرَّج من ذلك: ما لو أخذها رطبًا، فتركها عنده حتى أَتمرتْ، أو شمَّسها حتى صارت تمرًا؛ أنَّه يجوز؛ لأنَّه قد أخذها. وعنه: يفسد العقد فيه إن أخَّره عمدًا بلا عُذْرٍ. وعنه: يفسد لقصد حيلةٍ. ومتى حكمنا بفساد البيع؛ فالثَّمرة مع الزِّيادة للبائع على المشهور. (وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ)، في (٥) قول أكثر الفقهاء؛ لأنَّه اختلط المبيع (٦) بغيره، وذلك لا يقتضي البطلان، أشبه ما لو اشترى حنطةً فانهالت عليها أخرى، وفي «الشَّرح» و «الفروع» فيما إذا حدثت ثمرةٌ أخرى، فلم يتميَّزا: أنَّه لا يبطل العقد في ظاهر المذهب. (وَيَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ)؛ لأنَّها حصلت في ملكهما، فإنَّ الثَّمرة ملك المشتري، والأصل ملك البائع (٧)، وهما سبب الزِّيادة، فتقوَّم الثَّمرة وقت العقد ويوم الأخذ، فالزِّيادة ما بين القيمتين.

стр. 2758

وقال القاضي: هي للمشتري؛ كالعبد إذا سَمِن، وحمل كلام أحمد بالاشتراك فيها على الاستحباب (١). (وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقَانِ بِهَا) على الرِّوايتين؛ لاشتباه الأمر فيها، وجوبًا، وفي «المغني»: يشبه (٢) أن يكون استحبابًا، فإن أَبَيا الصَّدقة بها؛ اشتركا فيها. تنبيه: إذا بطل البيع؛ زكَّاه البائع، وحيث صحَّ؛ فإن اتَّفقا على التبقية؛ جاز، وزكاه المشتري، وإن (٣) قلنا: الزِّيادة بينهما؛ فعليهما إن بلغ نصيب كلٍّ منهما نصابًا، وإلاَّ انبنى على الخلطة في غير الماشية. وإن اتَّفقا على القطع، أو طلبه البائع؛ فسخنا البيعَ؛ لأنَّ إلزام البائع بالتَّبقية يَضُرّ بنخله، وتمكُّن المشتري من القطع يضُرّ بالفقراء، ويعود ملكًا للبائع ويزكِّيه. وفي إلزام المشتري بالتبقية إن بذلها البائع؛ وجهان. وهذا إذا قلنا: الواجبُ فيما يُقطع قبلَ كماله لحاجةٍ عُشُرُه رطبًا، فإن قلنا: يُخرَج يابسًا؛ فلا يُفسخ في المسألتين، ذكره في «منتهى الغاية». فرعٌ: إذا اشترى خشبًا بشرط القطع، فتركه حتَّى زاد؛ فالبيعُ لازِمٌ، ويشتركان في الزِّيادة، نَصَّ عليهما (٤). وقيل: هي للبائع. وقيل: الكُلِّ. وقيل: للمشتري، وعليه الأجرةُ. (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرِ (٥)؛ أي: طاب أكْلُه وظهر نُضجُه، وفي «التَّرغيب»: بظهور مبادئ الحلاوة؛ (جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ

стр. 2759

التَّبْقِيَةِ)؛ لأِنَّ النَّهي عن بيع الثَّمَرة قبل بُدُوِّ صلاحها، وعن بيع الحبِّ حتَّى يشتدَّ؛ يَدُلُّ بمفهومه على جواز البيع بعد بُدُوِّ الصَّلاح والاِشْتِداد؛ لأنَّه ﵇ علَّل الأجل (١) خوف التَّلَف، وهذا المعنى مفقودٌ هنا. (وَلِلْمُشْتَرِي تَبْقِيَتُهُ إِلَى الْحَصَادِ وَالْجَدَادِ)؛ لأنَّ العُرْفَ يقتضيه، وعُلِم منه: أنَّ له تعجيلَ قَطْعِه، صرَّح به في «الفروع» وغيره. (وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ سَقْيُهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ)؛ لأِنَّه يجب عليه تسليم ذلك كامِلاً، ولا يحصل إلاَّ به، بخلاف ما إذا باع الأصل وعليه ثمرةٌ للبائع، فإنَّه لا يلزم المشتريَ سَقْيُها؛ لأنَّ البائع لم يملكها من جهته، وإنَّما بقي ملكُه عليها، (وَإِنْ تَضَرَّرَ الْأَصْلُ) لأنَّه يُجْبَر عليه؛ لكونه دخل على ذلك، وإنَّما نَصَّ عليه؛ لئلاَّ يُتوهَّم سقوطُه عند ذلك. (وَإِنْ تَلِفَتْ (٢) بِجَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ؛ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ)، الجائحةُ: كلُّ آفَةٍ سماويَّةٍ لا صُنْعَ للآدَمِيِّ فيها؛ كالرِّيح والحَرِّ والبرد والعطش، فكلُّ ما تُهلِكه من الثمر (٣) على أصوله قبل أوان جَدِّه؛ فهو من ضمان البائع؛ لِمَا روى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بِوَضْع الجوائح» (٤)، وعنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنْ بِعْتَ من أخيك ثَمَرًا فأصابته جائحةٌ؛ فلا يَحِلّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مالَ أخيك بغير حقٍّ؟!» رواهما مسلمٌ (٥). قال الشَّافعيُّ: (لم يَثْبُت عندي، ولو ثبت لم أَعْدُه، ولو كنت قائلاً

стр. 2760

بوضعها لوضعتها في القليل والكثير) (١)، قلنا: الحديثُ ثابِتٌ، رواه أحمدُ ومسلمٌ، ولأبي داود معناه (٢). ولأنَّ التَّخلية في الشَّجر ليس بقَبْضٍ تامٍّ (٣)، فوجب كونه من ضمان البائع، كما لو لم يقبض، ولأِنَّ الثَّمرة على الشَّجر كالمنافع في الإجارة تؤخذ (٤) شيئًا فشيئًا، ثمَّ لو تلفت المنافع قبل استيفائها كانت من ضمان الآجر، كذا هنا. ومحلُّه: ما لم يعبر وقت أخذها، فلو بلغت جَدَّها فلم يَجُدَّها حتَّى تلفت، فقال القاضي، وجزم به في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع»: لا يُوضَع عنه؛ لأنَّه مفرِّطٌ. ويُستَثْنى من ذلك: ما لم يشتره مع أصله من شجرٍ أو أرضٍ، قاله ابن حمدان و «الفروع»، أو اشتراها بشرط القطع قبل بُدُوِّ صلاحها فتَلِفت؛ فهي من ضمان المشتري، بخلاف ما إذا تَلِفت قبل إمكانِ قَطعِها. ونقل حنبلٌ ما يَقتضي اختصاصَها بالنَّخل، فقال: إنَّما الجوائح في النَّخل بأمْرٍ سماويٍّ (٥). وفي نَهبِ عسكرٍ، وإحراق لصٍّ، ونحوه وجهٌ (٦).

стр. 2761

وظاهره: لا فرقَ بين قليل الجائحة وكثيرِها، إلاَّ أنَّ اليسير الَّذي لا يَنضبط لا يلتفت إليه. (وَعَنْهُ: إِنْ أَتْلَفَتِ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا؛ ضَمِنَهُ البَائِعُ (١)، وَإِلاَّ فَلَا)، جزم به في «الرَّوضة»؛ لأنَّه يأكل الطَّير منها وينثر الرِّيح، فلم يكن بدٌّ من ضابط (٢)، والثُّلث قد اعتبره الشَّارع في الوصيَّة ونحوها، قال الأثرم: قال أحمد: إنَّهم يستعملون الثُّلث في سبعَ عشرةَ مسألةً (٣)، ولأنَّ الثُّلث في حدِّ الكثرة، وما دونه في حدِّ القِلَّة، يدلُّ عليه النَّصُّ، فعليها: يعتبر ثلث الثَّمرة، قدَّمه في «الشَّرح». وقيل: ثُلُث القيمة، وقيل: ثُلُث الثَّمن. فإن تلف الثُّلث فما زاد؛ رجع بقسطه، وإن كان دونه؛ لم يرجع بشيءٍ. وعلى الأولى: إن تلف شيءٌ (٤) خارجٌ عن العادة؛ وُضع من الثَّمن بقدر الذَّاهب (٥)، وإن تلف الكلُّ بها؛ بطل العقد، ورجع المشتري بجميع الثَّمن، وإن تعيَّب؛ خيِّر بين إمضاءٍ مع الأرش، وبين ردٍّ وأخْذ الثَّمن كامِلاً. وما له أصلٌ (٦) يتكرَّر حمله؛ كقِثَّاءٍ ونحوه؛ فكشجَرٍ، وثمره كثمره فيما ذكرنا، لكن لا يؤخِّر البائعُ اللَّقطةَ الظَّاهرة، ذكره في «التَّرغيب» وغيره. وقيل: لا تباع (٧) إلا لقطةً لقطةً، كثمرٍ لم يَبْد صلاحه، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وجوَّزه مطلقًا؛ تَبَعًا لما بدا؛ كثمر.

стр. 2762

لواحق: ظاهره أنَّه لا يثبت في الزَّرع إذا تلف، وفي «الكافي» و «المحرَّر»: بلى كالثَّمرة، وهو ظاهرٌ، مع أنَّه لا يُباع إلاَّ بعد تتمَّة صلاحه، قال ابن عقيل: فإذا تركه فرَّط، يضمنه في أحد الاحتمالين، وفيه نظرٌ. وفي «الرَّوضة» وغيرها: إن اشتراه بعد بُدُوِّ صلاحه، وهو اشتداد حبِّه؛ فله تركه إلى حين حصاده. وفي «عيون المسائل»: إذا تلف الباقِلَاء والحنطة؛ فوجهان؛ الأقوى: يرجع بذلك على البائع. فلو استأجر الأرض وزرعها (١)، فتلف، فلا جائحة بغير خلاف نعلمه (٢)؛ لأنَّ المُؤْجِر لم يبعه إيَّاه، ولأنَّ منافع الأرض باقية. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ثبوتها (٣) في زرعِ مستأجِرٍ وحانوتٍ نَقَص نفعُه عن العادة (٤)، وحكم به القاضي تقيُّ الدِّين سليمان بن حمزة (٥) في حمَّامٍ. (وَإِنْ أَتْلَفَهُ آدَمِيٌّ؛ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ فَسْخِ العَقْدِ (٦) ومطالبة البائع بالثَّمن، (وَالْإِمْضَاءِ)؛ أي: البقاء عليه، (وَمُطَالَبَةِ الْمُتْلِفِ) بالقيمة؛ كالمكيل إذا أتلفه آدَمِيٌّ قبل القبض؛ لأنَّه أمكنه الرُّجوع ببدله، بخلاف التَّالف بالجائحة.

стр. 2763

قال في «الشَّرح»: إلاَّ أنَّ في إحراق (١) اللُّصوص ونهب العساكر والحراميَّة وجهين، وجزم في «الرَّوضة»: بأنَّه هنا من مال المشتري؛ لأنَّه يمكنه أن يتبع الآدمِيَّ بالغرم. قال ابن عقيل: المسألة أخذت شبهًا من المتميِّز وغيره، فعملنا بها، فضَمِنها البائع بالجائحة، والمشتري إذا أتلفها آدمِيٌّ. (وَصَلَاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ؛ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا)، بغير خلافٍ (٢)، فتُباع (٣) جميعُها؛ إذ لو لم يَجُز لأدَّى بيعُ ما بدا صلاحُه إلى الضَّرر والمشقَّة، وسوء المشارَكة. (وَهَلْ يَكُونُ صَلَاحًا لِسَائِرِ النَّوْعِ الذِي فِي الْبُسْتَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظهرُهما، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»: أنَّه يكون صلاحًا؛ لأِنَّ اعتبار الصَّلاح في الجميع يشُقُّ، وكالشَّجرة الواحدة. وعنه: وكذا ما قارَبه. والثَّانية: لا يكون صلاحًا؛ كالَّذي في (٤) البستان الآخَر. وأطلق في «الرَّوضة» في البستانَين روايتَين. واختلف القائلون بالأولى؛ أي: في النَّوع؛ كالبَرْنِيِّ، هل يكون صلاحًا لسائر الجنس الذي في القَراح؟ فقال القاضي والأكثرُ: لا يكون صلاحًا. وقال أبو الخَطَّاب: نعم؛ لأنَّ الجنس يُضَمُّ بعضُه إلى بعضٍ في إكمال النِّصاب، فيتبعه في جواز البيع كالنَّوع الواحد.

стр. 2764

والأوَّل أَوْلى؛ لأنَّ النَّوعَينِ قد يتباعَد إدراكهما، وكالجنسين. ونقل حنبل في بستانٍ بعضُه بالِغٌ وبعضُه غيرُ بالِغٍ: يُباع إذا كان الأغلب عليه البلوغ (١)، فقضى القاضي وأبو حكيمٍ والمجد الحكمَ على الغلبة بهذا النَّصِّ، وأبو الخَطَّاب وابن أبي موسى وغيرهما سوَّوا بين القليل والكثير. (وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي ثَمَرِ النَّخْلِ: أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ)؛ لأنَّه «﵇ نهى عن بيع الثَّمرة حتَّى تزهُوَ»، قيل لأنسٍ: وما زهوُها؟ قال: «تحمارُّ وتصفار» (٢)، وفي حديث جابِرٍ: «نهى أن تباع حتَّى تُشْقِح» رواه البخاريُّ (٣)، ولأنَّها تصلح للأكل. (وَفِي الْعِنَبِ: أَنْ يَتَمَوَّهَ)؛ لقول أنسٍ: «نهى النَّبيُّ ﷺ عن بيع العنب حتَّى يسوَدَّ» رواه أحمد ورواته ثقاتٌ (٤)، ومعنى يتموَّه: أن يبدوَ فيه الماء الحلوُ، ويلين، ويصفرَّ لونه. (وَفِي سَائِرِ الثِّمَارِ)؛ كالتُّفَّاح والبطِّيخ: (أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ، وَيَطِيبَ أَكْلُهُ)، واعتبره المجْدُ في جميع الثِّمار؛ لأِنَّه «﵇ نهى عن بيع الثَّمرة حتَّى تطيب» متَّفقٌ عليه (٥).

стр. 2765

وفي «الوجيز» ك «المقنع»، تَبَعًا للخِرَقِي. واختلف فيما يؤكل كِبارًا وصغارًا؛ كالقِثَّاء ونحوه، فالمذهب: أكله عادةً. وقال القاضي وابن عقيل: صلاحه تناهي عِظَمِه. وقال صاحب «التَّلخيص»: صلاحُه الْتِقاطُه عُرْفًا، وإن طاب أكلُه قبل ذلك، وصلاح الحبِّ أن يشتدّ أو يَبْيَضَّ.

стр. 2766

(فَصْلٌ) (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ؛ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ)؛ لِمَا روى ابنُ عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من باع عبْدًا وله مالٌ؛ فمالُه للبائع، إلاَّ أنْ يَشْترِطه المبْتاعُ» رواه مسلِمٌ (١)؛ لأنَّ العبدَ ومالَه للبائع، فإذا باع العبدَ؛ اختصَّ به، كما لو كان له عبدان فباع أحدَهما. وظاهره: لا فَرْق، سواءٌ قلنا: العبدُ يملك بالتَّمليك، أو لا، وهذه طريقة الأكثر. (فَإِنْ كَانَ قَصْدُه الْمَالَ؛ اشْتُرِطَ عِلْمُهُ)؛ أيْ: العلْمُ بالمال، (وَسَائِرُ شُرُوطِ المَبِيعِ (٢)؛ لأِنَّه مَبِيعٌ مقصودٌ، أشْبه ما لو ضَمَّ إليه عَينًا أخرى. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ (٣) الْمَالَ؛ لَمْ يُشْتَرَطْ)؛ أيْ: لم يُشْترَطْ علمُه به، ويَصِحُّ شرطُه وإن كان مجهولاً، نَصَّ عليه (٤)؛ لأنَّ المالَ دَخَل تَبَعًا، أشْبَهَ أساسات الحيطان، والتمويه (٥) بالذَّهب في السقوف (٦). وسواءٌ كان مثل الثَّمَن، أوْ دُونَه، أوْ فَوقَه، وحكاه في «المنتخَب» عن الأصحاب، فعُلم أنَّهم أنَاطُوا الحُكمَ بالقصد وعدمه. قال صاحب «التَّلخيص»: وهذا على القول بأنَّ العبدَ يَملِك، فإنْ قُلْنا: لا يَملِك؛ فإنَّه يَسقُط حكمُ التَّبعية، ويصير كمن باع عبدًا ومالاً.

стр. 2767

وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ كلامَهم مُطلَقٌ. وقال القاضي في «المجرد»، وأبو الخَطَّاب في «الانتصار»: إن قلنا: لا يَملِك فاشترطه المشتري؛ صار ماله مَبيعًا معه، ويُشتَرط له (١) ما يُشترَط لسائر المبيعات، وإن قلنا: يَملِك؛ احْتُمِلتْ فيه الجَهالةُ وغيرُها، فيدخل تَبَعًا؛ كطَيِّ البئر. وقطع به في «المحرَّر»، وزاد: إلاَّ إذا كان قصدُه العبدَ لا المالَ، فلا يُشترَط. وقيل: إنَّ المالَ ليس بمبيع (٢) هنا، وإنَّما استَبْقاه المشتري على ملك العبد، لا يزول عنه إلى البائع، قال في «الشَّرح»: وهو قريبٌ من الأوَّل. وفيه نَظَرٌ. فرع: لو شَرَط مالَ العبد، ثمَّ ردَّه بإقالةٍ أو غيرها؛ ردَّ ماله؛ لأنَّه عين مالٍ أَخَذه المشتري به، فيردُّه بالفسخ؛ كالعبد. لكن لو تَلِف مالُه، فأراد ردَّه؛ فهو بمنزلة العيب الحادث؛ هل يَمنَع الرَّدَّ؟ وفيه روايتان، فإن قلنا به؛ فعليه قِيمةُ ما تَلِف عنده، وله الفسخُ بعيب ماله؛ كهو في الأشهر. (وَإِنْ كَانَ (٣) عَلَيْهِ ثِيَابٌ؛ فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ لِلْجَمَالِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ (٤)؛ لأنَّها زيادةٌ على العادة، ولا تتعلق (٥) بها حاجةُ العبد، وإنَّما يُلْبِسُه إيَّاها؛ لِيُنَفِّقَه بها، فهي (٦) حاجة السَّيِّد، ولم تَجْرِ العادةُ بالمسامَحة بها، فَجَرَتْ

стр. 2768

مَجْرَى السُّتور في الدَّار، إلاَّ أن يَشْترِطها المبْتاعُ. (وَمَا كَانَ لِلُّبْسِ (١) الْمُعْتَادِ؛ فَهُوَ لِلْمُشْتَري)؛ لأِنَّ ثياب البِذْلة جَرَت العادةُ ببَيْعِها (٢) معه، وتتعلَّق بها مصلحتُه وحاجتُه؛ إذْ لَا غِنَى له عنها، فَجَرَت مَجْرَى مفاتيحِ الدَّار. واخْتار في «المغني»: أنَّه إذا اشترى أَمَةً مِنْ غَنِيمةٍ؛ يَتْبَعُها ما عليها مع عِلْمِها به، ونقل الجماعةُ خِلافَه (٣). فرعٌ: يَدخُل مِقْوَدُ دابَّةٍ، ونَعْلُها، ونحوُهما في مطلق البيع؛ كثياب العبد، قال في «التَّرغيب»: وأَوْلى.

стр. 2769

(بَابُ السَّلَمِ) قال الأزهريُّ: السَّلَمُ والسَّلَفُ واحِدٌ في قول أهل اللُّغة، إلاَّ أن (١) السَّلَف يكون قرْضًا (٢)، لكنَّ السَّلَمَ لغةُ أهلِ الحجاز، والسَّلَفَ لغةُ أهل العراق، قاله الماوَرْدي (٣). وسُمِّي سَلَمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا؛ لتقديمه. وفي الشَّرع: هو أن يُسلِم عَينًا حاضِرةً في عِوَضٍ موصوفٍ في الذِّمَّة إلى أجلٍ. وفي «الوجيز»: هو بَيعُ معدومٍ خاصٍّ ليس نَفْعًا، إلى أجلٍ بثَمَنٍ مقبوضٍ في مجلس العقد. واعْتُرِض عليهما: بأنَّ قَبْضَ الثَّمن شرْطٌ من شروطه لا أنَّه (٤) داخِلٌ في حقيقته. والأَوْلى: أنَّه بيعُ موصوفٍ في الذِّمَّة إلى أجلٍ. والإجْماعُ على جوازه، ذكره ابنُ المنذر (٥)، وسنَدُه الكتابُ، وهو آية الدَّين، قال ابنُ عبَّاسٍ: «أشهد أنَّ السَّلفَ المضمونَ إلى أجَلٍ مسمًّى قد أحلَّه الله تعالى في كتابه وأذِنَ فيه»، ثمَّ قرأ الآيةَ، رواه سعيدٌ (٦).

стр. 2770

والسُّنَّةُ، فروى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدم المدينة وهم يُسلِفون في الثِّمار السَّنَةَ والسَّنَتَينِ، فقال: «من أسْلَف في شَيءٍ؛ فلْيُسلِف في كيلٍ معلومٍ، ووَزْنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ» متَّفقٌ عليه (١). والمعنى شاهِدٌ بذلك؛ لأنَّ بالنَّاس حاجةً إليه؛ لأنَّ أرباب الزُّروع والثِّمار يحتاجون إلى النَّفقة عليها؛ لتكمُل، فجُوِّز لهم السَّلَمُ ليَرْتَفِقُوا، ويَرْتَفِق المسْلِم بالاسْتِرْخاص. (وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَيْعِ)؛ لأِنَّه بَيعٌ إلى أجلٍ فشمله النَّصُّ، (يَصِحُّ بِأَلْفَاظِهِ)؛ أيْ: بألفاظ البيع؛ لأِنَّه بَيعٌ حقيقةً، (وَبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ)؛ لأنَّهما حقيقةٌ فيه؛ إذْ هما للبيع الَّذي عُجِّل ثمنُه وأُجِّل مُثْمَنُه. (وَلَا يَصِحُّ إِلاَّ بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ)، وجعلها في «المحرَّر» أربعةً زائدًا على شروط البيع، فتكون (٢) أربعة عشر شرطًا، لكن ذكر الحُلْوانيُّ من شرط صحَّة السَّلَم: أن يوجد الإيجابُ والقَبولُ. (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ)؛ أي: الَّتي يَختلِف الثَّمن باختلافها اخْتِلافًا كثيرًا ظاهرًا؛ لأِنَّ ما لا يُمكِن ضبطُ صفاته يختلف كثيرًا، فيُفْضِي إلى المنازَعة والمشاقَّة المطلوبِ عَدَمُها؛ (كَالْمَكِيلِ) من (٣) الحبوب وغيرها، وهو إجماعٌ في الطَّعام، ذكره ابنُ المنذِر (٤)، (وَالْمَوْزُونِ)؛ كالقُطْن، والإبْريسم، والصُّوف، والنُّحاس، والطِّيب، والعِنَب، والأدهان، والخُلول، (وَالْمَذْرُوعِ) على المذهب؛ كالثِّياب؛ لأنَّ بعضَ ذلك منصوصٌ عليه، والباقي بالقياس.
следующие страницы →