← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

(فَصْلٌ) (السَّابِعُ: أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عَيْنٍ)؛ كدارٍ وشجرةٍ ثابِتةٍ؛ (لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّه ربَّما تَلِفَ قبل أَوَانِ تسليمه، فلم يصِحَّ، كما لو شرط مِكْيَالاً بعينه غير معلومٍ؛ لأِنَّ المعيَّنَ يمكن بيعُه في الحال، فلا حاجة إلى السَّلَم فيه. (وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ)، ذكره القاضي، وحكاه ابن المنذِر عن أحمدَ وجماعةٍ (١)؛ لأِنَّه ﵇ لم يذكره، ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، أشْبَهَ بيوع الأعيان. وقيل: إن كان لحمله مؤونة؛ وجب شَرْطُه، وإلاَّ فلا. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ فِيهِ؛ كَالْبَرِّيَّةِ) والبحر (٢)؛ (فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ)؛ لتعذُّر الوفاءِ في موضعِ العقد، وليس البعضُ أَوْلَى من البعض، فاشتُرط تعيينه بالقول كالكيل (٣). وقال القاضي: لا يُشترط، ويُوفي بأقرب الأماكن إليه. (وَ) يجب أن (يَكُونَ الْوَفَاءُ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ)، نَصَّ عليه (٤) مع المشاحَحَة؛ لأنَّ العقدَ يَقتضي التَّسليم في مكانه (٥)، فاكتُفي بذلك عن ذِكره. وله أخذُه في غيره إن رضيا، فلو قال: خُذْه، وأجرةُ حملِ مثله إلى موضع الوفاء؛ لم يصِحَّ، قال القاضي: كأخذ بدل السَّلَم. (فَإِنْ شَرَطَ الْوَفَاءَ فِيهِ)؛ أي: في موضع العقد؛ صحَّ، (وَكَانَ تَأْكِيدًا)؛

стр. 2802

لأِنَّه شَرط ما يَقتضيه العقد، أشبه شرط الحلول في الثَّمن. (وَإِنْ شَرَطَهُ فِي غَيْرِهِ؛ صَحَّ) على الأصحِّ؛ لأنَّه بَيعٌ، فصحَّ شرْطُ الإيفاء في غير مكانه؛ كبيوع الأعيان. (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ)، قطع بها أبو بكرٍ في «التَّنبيه»؛ لأِنَّه شَرَطَ خلافَ مقتضَى العقد، فلم يصِحَّ، كما لو شرط ألاَّ يسلمه، والفرْقُ واضِحٌ. فرعٌ: يُقبل قولُ المسلَم إليه في تعيينه مع يمينه، فلو قال: هذا الذي أَقْبضتني، وهو معيبٌ، فأنكر؛ قُدِّم قولُ القابِض. (وَلَا يَجُوزُ (١) بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) بغير خلافٍ نعلمه (٢)؛ «لنهيه ﵇ عن بيع الطَّعام قبل قبضه» (٣)، ولأنَّه مبيعٌ (٤) لم يَدخل في ضمانه، فلم يَجُزْ بَيعُه قبل قبضه كالطَّعام. وهو شامِلٌ للشَّرِكة والتَّوْلية؛ لأنَّهما بَيعٌ في الحقيقة. وظاهره: ولو لمن هو في ذِمَّته. (وَلَا هِبَتُهُ)؛ لأنَّها نَقْلٌ للملك قبل قَبْضه، فلم يصحَّ كالبيع. (وَلَا أَخْذُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ)؛ لقوله ﵇: «مَنْ أسلف في شيءٍ؛ فلا يَصْرِفْه إلى غيره» (٥)، ولأِنَّ أخْذَ العِوَض عنه بيعٌ له، فلم يَجُزْ؛ كبيعه لغيره. وظاهِرُه: سواءٌ كان المسلَمُ فيه موجودًا أوْ معدومًا، وسواءٌ كان العِوَضُ مثلَه في القيمة، أو أقلَّ، أو أكثر.

стр. 2803

(وَلَا الْحَوَالَةُ بِهِ)؛ لأِنَّها لا تَصِحُّ إلاَّ على دَينٍ مستقِرٍّ، والسَّلَم بِعرَضِيَّة الفسخ، ولأنَّه نَقْلٌ للملك على غير وجْه الفسخ، فلم يصِحَّ كالبيع. وذلك: بأن يُحِيلَ المسلَمُ إليه بما عليه للمسلِم على مَنْ له مثله من قَرْضٍ، أو بَدَل مُتْلَفٍ ونحوه. ولا عليه، كما إذا أحال المسلِم بما له على المسلَم بما عليه من قرْضٍ، أوْ بدَل متْلَفٍ، ولو برأس مال سَلَمٍ بعد فَسخِه، وفيه (١) وجْهٌ. (وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ)؛ كقَرْضٍ، ومَهْرٍ بعد دخول، وأجرةٍ اسْتَوْفَى نفْعَها، أو (٢) فَرَغت مُدَّتُها، وقيمة متْلَفٍ ونحوه، (لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ)؛ لخبر ابن عمر: كُنَّا نَبيع (٣) الأبْعِرةَ بالبقيع بالدَّنانير ونأخذ عنها الدَّراهم، وبالدَّراهم ونأخذ عنها الدَّنانير، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: «لا بأس أنْ تَأخذها (٤) بسعر يومها، ما لم تَتَفرقا (٥) وبينكما شيءٌ» رواه أبو داود وابن ماجَهْ (٦)، فدلَّ على جواز بيع ما في الذِّمَّة من أحد النَّقْدَينِ بالآخَر، وغيره يُقاس (٧) عليه. وفي بَيع دَين الكتابة مع أنَّه غير مستقِرٍّ؛ وجهان. لا رأسِ مالِ سلَمٍ بعد فَسْخه في المنصوص (٨). (بِشَرْطِ أَنْ يَقْبِضَ عِوَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ)؛ للخبر، ولأنَّه إذا لم يُقبَض صار

стр. 2804

بيعَ دَينٍ بدَينٍ، وهذا إن باعه بما لا يُباع به نسيئةً، أو بموصوفٍ في الذِّمَّة، وإلاَّ فلا يُشتَرَط. وقيل: بلى. (وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ)؛ أي: لغير من هو في ذِمَّته؛ لأنَّه غيرُ قادِرٍ على تسليمه، أشْبَهَ بيع الآبِق. وعنه: يَصِحُّ منهما، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: نَصَّ عليه في مواضِعَ (١). وعنه: لا يَصِحُّ منهما، اختاره الخَلاَّل، وذكره في «عيون المسائل» عن صاحبه؛ كدَين السَّلم. وفي «المبهج» وغيره روايةٌ: يصِحُّ فيه، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢)، وهو قول ابن عبَّاسٍ (٣)، لكن بقدر القيمة فقط؛ لئلاَّ يربَح فيما لم يضمَن. فرعٌ: لا تصحُّ (٤) هِبَةُ دَينٍ لغير غريمٍ، ونقل حربٌ صحَّتَه، وأطلق الشَّيخ تقيُّ الدِّين روايتين فيه (٥) وفي بيعه من غيره (٦). (وَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِي) دَين (السَّلَمِ)، حكاه ابن المنذر إجماعَ مَنْ يحفَظ عنه من أهل العلم (٧)؛ لأنَّها فسْخٌ للعقد ورَفْعٌ له من أصله، وليست بَيعًا على الأصحِّ. وحكى ابن الزَّاغونيِّ في جوازها فيه: روايتَينِ؛ بِناءً على أنَّها بَيْعٌ. قال ابن حمدانَ: ولا تصِحُّ (٨) الإقالةُ فيه (٩) إن جُعلت بَيعًا، وإلاَّ صحَّت

стр. 2805

الإقالةُ في كلِّه. وقيل: تصِحُّ في كلِّه (١) وإن جُعلت بيعًا. (وَتَجُوزُ فِي بَعْضِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، جزم به في «الوجيز» وغيره؛ لأنَّ الإقالةَ مندوبٌ إليها، وكلُّ مندوبٍ إليه جاز في الجميع؛ جاز في البعض؛ كالإبراء والإنظار. والثَّانية: لا تجوز، وقد رُوِيَت كراهتُها عن ابن عمر (٢)، وابن المسيِّب؛ لأنَّ السَّلَم يَقِلُّ فيه الثَّمن من أجل التَّأجيل، فإذا فسخ في البعض؛ بَقِي البعضُ بالباقي (٣) من الثَّمن وبمنفعة (٤) الجزء الَّذي فسخ فيه، فلم يجز (٥)، كما لو شرط ذلك في ابتداء العقد. (إِذَا قَبَضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ) إن كان موجودًا، (أَوْ عِوَضَهُ) إن كان معدومًا، (فِي مَجْلِسِ الْإِقَالَةِ)؛ لأنَّه إذا لم يَقبَض أحدَ الأمرين؛ يَصير ذلك دَيْنًا على المسلَم إليه، وعليه بقدر السَّلَم فيصير ذلك بمعنى البيع والسَّلَف، وهو منهيٌّ عنه، قاله ابن المنجَّى، وهذا قول أبي الخَطَّاب، واختاره ابن حمدانَ، والأشْهَرُ: أنَّه لا يُشْتَرَط ذلك. (وَإِنِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِإِقَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ عَنِ الثَّمَنِ عِوَضًا مِنْ

стр. 2806

غَيْرِ جِنْسِهِ)، قاله الشَّريف أبو جعفرٍ؛ لقوله ﵇: «مَنْ أسلم في شيءٍ؛ فلا يصرفه إلى غيره» (١)، وفي الاستدلال به نظرٌ، ولأنَّه مضمونٌ على المسلَم إليه بعقد السَّلَم، فلم يَجُز أخْذ عِوَضه؛ كالمسلَم فيه. وقال القاضي: يجوز أخْذ العِوَض عنه؛ لأنَّه عِوَضٌ مستقِرٌّ في الذِّمَّة، فجاز أخْذُ العِوَض عنه كالقرض؛ ولأنَّه مالٌ عاد إليه بفسخ العقد؛ فجاز أخْذُ العِوَض عنه كثمنِ المبيع. والفرقُ: أنَّ المسلَم فيه مضمونٌ بالعقد، والثَّمنَ مضمونٌ (٢) بعد فَسْخِه، ولا يجوز أن يُجعلَ ثمنًا (٣) في شَيءٍ آخَرَ؛ لأنَّه بيعُ دَينٍ بدَينٍ (٤). وظاهره: أنَّ له أخْذَ العِوَض من جنسه؛ لأنَّه إذا جاز أخْذُ النَّوع عن النَّوع في السَّلَم بشرط اتِّحاد الجنس؛ فَلَأنْ يجوز أخْذُ النَّوع عن نَوعٍ آخَرَ برأس مال السَّلم (٥) بطريق الأَوْلَى. (وَإِذَا (٦) كَانَ لِرَجُلٍ سَلَمٌ، وَعَلَيْهِ سَلَمٌ مِنْ جِنْسِهِ، فَقَالَ لِغَرِيمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِكِ، فَفَعَلَ؛ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ)؛ لأِنَّ قبْضَه لنفسه حَوالةٌ به، والحَوالةُ بالسَّلَم غيرُ صحيحةٍ. (وَهَلْ يَقَعُ قَبْضُهُ لِلآْمِرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، هما روايتان حكاهما في «الشَّرح» و «الفروع»: أحدهما: يصحُّ؛ لأنَّه أذِن له في القبض، أشبه قَبْضَ وكيلِه، وكما لو نوى المأمورُ القبضَ للآمِر.

стр. 2807

والثَّاني - وهو الأصحُّ -: أنَّه لا يصِحُّ؛ لأنَّه لم يجعله نائبًا له في القبض، فلم يقع له، بخلاف الوكيل، فعليه: يَبقى على ملك المسلَم إليه. ولو قال: احضر كَيلَه لأقبضه لك، ففعل؛ لم يصحَّ قبضُه للثَّاني، وهل يكون قابضًا لنفسه؟ فيه وجهان، أَوْلاهما: نعم؛ لأنَّ القَبض قد وُجِد من مستحِقِّه، أشبه ما لو نوى القبض لنفسه، فعلى هذا: إذا قبضه للآخَر؛ صحَّ. (فَإِنْ (١) قَالَ: اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ؛ صَحَّ) على الأصحِّ؛ لأنَّه اسْتِنابةٌ في قبضه له، فإذا قبضه لموكِّله؛ جاز أن يَقبضه (٢) لنفسه، كما لو كان له وديعةٌ عند من له عليه دَينٌ. والأخرى: لا يَصِحُّ. فلو قال الآمر: احْضُرْنا حتَّى أكتاله لنفسي، ثمَّ تكتاله أنت، وفَعَلَا؛ صحَّ. (وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَقْبِضُهُ لِنَفْسِي، وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الذِي تُشَاهِدُهُ؛ فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أشْهُرُهما: الجوازُ، وبه جزم في «الوجيز»؛ لأنَّه عَلِمَه وشاهد كَيله، فلا مَعْنَى لاعْتِبار كَيله مرَّةً أخرى. والثانية: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه «﵇ نهى عن بيع الطَّعام حتى (٣) يجري فيه الصَّاعان» (٤)، أشبه ما لو قبضه جزافًا.

стр. 2808

(وَإِنِ اكْتَالَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمِكْيَالِ وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ فَقَبَضَهُ؛ صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا)؛ لِأَنَّ الأوَّلَ قد اكتاله حقيقةً، والثَّاني حصل له استمرارُ الكيل، واستدامته كابتدائه، كما أنَّ استدامةَ الرُّكوب ركوبٌ، مع أنَّه لا تحصل (١) زيادةُ علمٍ بابتدائه، فلا معنى له. (وَإِنْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ)، وكذا كلُّ دَينٍ، (جِزَافًا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ أي: قول القابِض مع يمينه، (فِي قَدْرِهِ)؛ لأِنَّه أعلم بكَيله، وهو منكِرٌ للزَّائد، والأصلُ عدَمُه. وهل له أن يتصرَّف في قَدْرِ حقِّه قبل اعتباره (٢)؟ فيه وجهان. ويدُه على الباقي؛ قيل (٣): يد أمانة، وقيل: يضمنه لمالكه؛ لأنَّه قَبَضه على أنَّه عوض عما له. وفي طريقة بعض أصحابنا في ضمان الرَّهن لو دفع إليه عينًا، وقال: خُذ حقَّك منها؛ تعلَّق حقُّه بها، ولا يضمنها بتلفها. (وَإِنْ قَبَضَهُ كَيْلاً أَوْ وَزْنًا، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الغلط. والآخَر: يُقبل؛ لأنَّه أعلم بِكيل ما قبضه، ولأنَّ الأصل أنه لم يَقبض غيرَ ما ثبت بإقراره. وأطلقهما (٤) في «الفروع» كغيره، وقيَّده: إذا ادعى ما يغلط بمثله، وهو ظاهر.

стр. 2809

فلو وَجد زيادةً على ذلك؛ فهي مضمونةٌ في يده، قاله جماعةٌ. فرعٌ: من قبض دَينه، ثمَّ بان لا دَين له؛ ضمنه، ولو أقرَّ بأخذ مالِ غيرِه؛ لم يُبادِر إلى إيجاب ضمانه حتَّى يُفسِّر أنَّه عدوانٌ. ومن أَذِن لغريمه في الصَّدقة بدَينِه عنه، أو صرفه، أو المضاربة به؛ لم يصحَّ، ولا يبرأ، وعنه: يصحُّ، وبناه القاضي على شرائه من نفسه، وفي «النِّهاية»: على قبضه من نفسه لموكِّلهِ، وفيه (١) روايتان، وكذا إن عزله وضارب به. (وَهَلْ يَجُوزُ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما، ونقلها المرُّوذِي وغيره (٢): بأنَّه لا يصحُّ، وهو اختيار الخِرَقيِّ، وأبي بكرٍ، وابن عبدوس، وقدمه في «الفروع»، ورويت كراهته عن عليٍّ (٣)، وابن عبَّاسٍ (٤)، وابن عمرَ (٥)؛ إذ وضع الرَّهن الاستيفاء من ثمنه عند تعذُّر الاستيفاء من الغريم، ولا يُمكن استيفاءُ المسلَم فيه من ثمن الرَّهن، ولا من ذمَّة الضَّامن؛ حذارًا من أن يَصرفه إلى غيره.

стр. 2810

وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الضمير (١) في «لا يصرفه» (٢) راجِعٌ إلى المسلَم فيه، ولكن يشتري ذلك من ثمن الرهن، ويُسلِّمه، ويشتريه الضامن ويُسلِّمه؛ لئلاَّ يصرفه إلى غيره. والثَّانية - نقلها حنبل -: يجوز (٣)، اختارها المؤلِّف وصاحب «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين … ﴾ إلى قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٣٨٢]، قال ابن عبَّاسٍ وابن عمر: «السَّلَمُ مُرادٌ منها وداخل فيها» (٤)، فهي كالنَّص فيه، والكفيل كالرَّهن بجامع التَّوثقة (٥)، ولأنَّه أحدُ نوعي البيع؛ فجاز التَّوثقة بما في الذِّمَّة؛ كبيوع الأعيان. وحكايتُه عنهما في «المغني» الكراهةَ يَحتمل: أنَّه روايةٌ أخرى عنهما، فعليها: لصاحب الحقِّ مطالبةُ من شاء منهما، وأيُّهما قضاه برئت ذمَّتُهما منه. وإن زال العقد؛ بطل الرَّهن والضَّمان، وعلى المسلَم إليه ردُّ مال السلَّم (٦) في الحال. ولا يُشترَط قبضُه في المجلس؛ لأنَّه ليس بعِوَضٍ، ويكون كبقية الرُّهون تلزم (٧) بالقبض، أو بمجرَّد (٨) العقد إن لم يكن مُعيَّنًا (٩) على رواية، وإذا لم

стр. 2811

يلزم ولم يقبض؛ فللمسلِم الفسخ. والخلافُ في المسلَم فيه جارٍ في رأس مال السَّلم والله أعلم (١).

стр. 2812

(بَابُ الْقَرْضِ) (١) القرض: مصدر قَرَض الشَّيء، يقرِضه، بكسر الرَّاء؛ إذا قطعه، والقرض اسم مصدر بمعنى الاقتراض، وهو بفتح القاف، وحُكي كسرها، وهو في اللغة: القطعُ، ومنه سمي: المقراض. وهو: دفعُ المال إلى الغير لينتفع به ويرُدَّ بدله، نوع من المعاملات مستثنىً (٢) عن قياس المعاوضات؛ لمصلحة لاحظها الشَّارع؛ رفْقًا بالمحاويج. والأصل فيه: قوله ﵇ في حديث ابن (٣) مسعود: «ما مِنْ مسلم يُقرِض مسلِمًا قرضًا مرَّتين إلاَّ كان كصدقةٍ مرَّةً» (٤)، وروى أبو رافع: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ استَسْلَف من رجلٍ بَكْرًا» (٥)، وعن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «رأَيتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي على باب الجنَّة مكتوبًا: الصَّدقةُ بعَشْر أمثالها، والقَرْضُ بثمانيةَ عَشَرَ، فقلت: يا جبريلُ، ما بال القَرْض أفْضلُ من الصَّدقة؟! قال: لأِنَّ السَّائل يسأل

стр. 2813

وعندَه، والمستقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إلاَّ من حاجةٍ»، رواه ابنُ ماجَهْ (١) والأول. وأجمع المسلمون على جوازه (٢). (وَهُوَ مِنَ الْمَرَافِقِ)، واحدُه: مَرفِق؛ بفتح الميم مع كسر الفاء وفتحها، وهو ما ارتفقت به وانتفعت، (المَنْدُوبِ (٣) إِلَيْهَا) في حقِّ المقرِض؛ لقوله ﵇: «مَنْ كشف عن مؤمنٍ كُربةً من كرب الدُّنيا؛ فرَّج الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة» (٤)، قال أبو الدَّرْداء: «لَأَنْ أُقْرِض دِينارَينِ، ثمَّ يُردَّان، ثمَّ أقرضهما؛ أحبُّ إليَّ مِنْ أن أتصدَّق بهما» (٥)، ولأِنَّ فيه تفريجًا عن غيره، وقضاءً لحاجته، فكان (٦) مندوبًا إليه كالصَّدقة. وليس بواجِبٍ، قال أحمد: (لا إثْمَ على مَنْ سُئِل فلم يُعْطِ) (٧)؛ لأنَّه من المعروف.

стр. 2814

وهو مباحٌ للمقترِض، وليس مكروهًا، قال أحمد: (ليس القَرْضُ من المسألة) (١)؛ أي: لا يُكرَه؛ لِفِعْله ﵇ (٢)، ولو كان مكروهًا كان أبْعَدَ النَّاس منه. ومن أراد أن يَستقرِض؛ فلْيُعلِم المقرِضَ بحاله، ولا يَغُرُّه من نفسه، إلاَّ الشَّيْءَ اليسيرَ الذي لا يتعذَّر ردُّ مِثْلِه. وقال أحمد: إذا اقْتَرَض لغيره، ولم يُعْلِمْه بحاله؛ لم يُعْجِبْني، قال: وما أحبُّ أن يَقْترِض بجاهِه لإخوانه (٣). تنبيهٌ: يُشترَط معرفةُ قدره ووصفه (٤)، وأن يكون المقرِض ممَّن يصحُّ تبرُّعه كالبيع. وحكمُه في الإيجاب والقَبول كما سبق، ويصِحُّ بلفظه، وبلفظ السَّلَف؛ لورود الشَّرع بهما (٥)، وبكلِّ لفْظٍ يؤدِّي معناهما، نحو: ملَّكتك هذا على أن تَرُدَّ بَدَلَه، أو تُوجَد قرينةٌ تَدُلُّ عليه، وإلاَّ فهو هِبةٌ. فإن اختلفَا فيه؛ قُبِلَ قول الموهوب له؛ لأنَّ الظَّاهرَ معه. (وَيَصِحُّ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا)، مكِيلاً كان أو موزونًا أو غيرهما؛ لأنَّه «﵇ اسْتَسْلَف بَكْرًا» (٦)، ولأِنَّ ما ثبت سَلَمًا يُملَك بالبيع، ويُضْبَطُ بالوصف، فجاز قَرْضُه كالمكيل، ولأنَّ المقصود يَحصل به لكونه يُنتفَع به ويُتمكَّنُ من بيعه، فدلَّ على أنَّ ما لا يثبت في الذِّمَّة سَلَمًا؛ كالحِنْطة المختَلِطة بالشَّعير؛

стр. 2815

لا يجوز، وكقرض المنافع. (إِلاَّ بَنِي آدَمَ وَالْجَوَاهِرَ وَنَحْوَهَما مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا)؛ أيْ: لا يصح (١) فيهما، أمَّا بنو آدَمَ؛ فقال أحمدُ: (أكره قرضهم) (٢)، فيحتمل التَّحريم، فلا يَصِحُّ قَرْضُهم، اختاره القاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه لم يُنقَلْ، ولا هو من المرافِق، ولأنَّه يُفضي إلى أن يقترض جاريةً يطؤُها، ثمَّ يردُّها. ويحتمل كراهة التَّنزيه، فيصِحُّ قَرْضُهم، وهو قول ابنُ جُرَيْجٍ والمُزَنِيِّ؛ لأنَّه مالٌ يَثْبُت في الذِّمَّة سَلَمًا، فصحَّ قرضُه كسائر البهائم. وقيل: قرضُ العبدِ لا الأمةِ، إلاَّ أن يُقرضَهنَّ من محارمهنَّ؛ لأنَّ الملك بالقرض ضعيفٌ؛ لكونه لا يَمنعها من ردِّها على المقرِض (٣)، فلا يُستباح به الوطء؛ كالملك في مدَّة الخيار. ورُدَّ: بأنه عَقْدٌ ناقِلٌ، فاستوى فيه (٤) العبد والأمة، ولا نسلِّم ضعف الملك فيه، فإنه مطلَقٌ كسائر التَّصرُّفات، بخلاف الملك زمن الخيار. وأمَّا الجواهرُ ونحوُها؛ فلا يَصِحُّ قَرْضُها في وجْهٍ؛ لأِنَّه لا يَنضَبِط (٥) بالصِّفة، فلا يمكن ردُّ المِثْل، ومقتضى القرضِ ردُّ المِثْل. والثَّاني: بلى، وهو اختيار القاضي، وظاهر «الوجيز»؛ لأنَّ الجواهرَ وما لا مِثْل له تجب (٦) فيه القيمة.

стр. 2816

وأطلقهما (١) في «المحرَّر» و «الفروع» ك «المقنع». فرعٌ: سأله أبو الصَّقْر: عَيْنٌ بين أقوامٍ لهم نُوَبٌ في أيَّامٍ، يقترض الماء من نَوبة صاحب الخميس ليَسقي به، ليردَّ عليه يوم السَّبت، قال: إذا كان محدودًا يُعرف كم يخرج منه؛ فلا بأس، وإلاَّ أكرهه (٢). (وَيَثْبُتُ المِلْكُ) فيه (بِالْقَبْضِ)؛ لأِنَّه عَقْدٌ يقف التَّصرُّف فيه على القبض، فوقف الملك عليه كالهبة، ويَتِمُّ بالقَبول. وله الشِّراء به من مُقْرِضه، نقله مهنَّى (٣). وفي «الفروع»: ويلزم مكيلٌ وموزونٌ بقبضه، وفي غيره روايتان. (فَلَا يَمْلِكُ الْمُقْرِضُ اسْتِرْجَاعَهُ (٤)؛ لأنَّه قد لزم من جهته، فلم يملك الرُّجوع فيه كالمبيع؛ لكونه أزال مِلكَه عنه بعقدٍ لازِمٍ من غير خِيارٍ. (وَلَهُ طَلَبُ بَدَلِهِ)؛ أي: في الحال؛ لأنَّ القَرْضَ (٥) يَثْبُت في الذِّمَّة حالًّا، فكان له طلبه كسائر الدُّيون الحالَّة، ولأنَّه سببٌ يُوجِب ردَّ المثل أو القيمة، فكان حالًّا كالإتلاف، فعلى هذا: لو أقرضه تفاريق (٦)، ثمَّ طالبه بها جملةً؛ كان له ذلك؛ لأنَّ الجميع حالٌّ، وكالبيع. (وَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيْهِ) بعَينه؛ (لَزِمَهُ قَبُولُهُ)؛ لأنَّه ردَّه على صفة حقِّه، فلزمه قَبوله كالسَّلَم، وسواءٌ تغيَّر (٧) سِعْرُه أو لا. وظاهره: لا فرق بين أن يكونَ ما اقترضه بدلُه من جنسه أو لا، وهو قولٌ

стр. 2817

في المذهب. والمعروف فيه: أنه يلزمه قَبول المِثْلِيِّ (١) وذلك بشرطين: أحدهما: (مَا لَمْ يَتَعَيَّبْ (٢)؛ كحنطةٍ ابتلَّت أو عفَّنت؛ لأنَّ عليه في قَبوله ضررًا؛ لأنَّه دون حقِّه. الثَّاني: ما لم يتغيَّر، ونبَّه (٣) عليه بقوله: (أَوْ تَكُنْ (٤) فُلُوسًا، أَوْ مُكَسَّرَةٌ فَيُحَرِّمُهَا السُّلْطَانُ)؛ أي: يترك المعامَلة بها؛ لأِنَّه كالعَيب، فلا يلزمه قَبولها؛ (فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ) من غير جنسه إن جرى فيه ربا الفضل (٥)، (وَقْتَ الْقَرْضِ)، سواءٌ كانت باقيةً أو استهلكها، نصَّ عليه في الدَّراهم المكسَّرة، فقال (٦): يقوِّمها كم تساوي يوم أخذها، ثمَّ يعطيه (٧)، وسواءٌ نقصت قيمتها قليلاً أو كثيرًا. وقيل: له القيمة يوم الخصومة، وهو ظاهر كلامِه في رواية حنبلٍ. وذكر أبو بكرٍ في «التَّنبيه»، وقدَّمه في «الرِّعاية»: أنَّ (٨) له قيمتَها يوم فَسَدَتْ وتُرِكت المعامَلةُ بها؛ لأنَّه كان يلزمه ردُّ مثلها ما دامت باقية (٩)، فلمَّا فسدت انتقل إلى قيمتِها، كما لو عَدِمَ المثلَ.

стр. 2818

وقال القاضي: إن نَفَقت في بعض المواضع؛ لزمه أخذُها، وإن تَرَك النَّاسُ المعاملةَ بها؛ فله قيمتها. وقيل: إن رخصتْ فله القيمةُ، ونصُّه (١) وجزم به في «الوجيز»: أنَّه يرُدُّ مِثْلَها إذا رخصت. تنبيهٌ: المغشوشةُ، إذا حرَّمها السلطانُ؛ حكمها كذلك. والخلافُ جارٍ فيما إذا كان (٢) ثمنًا، وظاهر «الفروع» فيه قولان: له القيمةُ وقتَ العقد، كما هو المنصوص، أو يوم فسدت. وإن شَرَط ردَّه بعينه، أو باع درهمًا بدرهمٍ هو دفعه إليه؛ لم يصحَّ. (وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ)، إجْماعًا (٣)؛ لأنَّه يُضمَن في الغصب والإتْلافِ بمثله، فكذا هنا، مع أنَّ المِثْل أقرب شبهًا بالقرض من القيمة. فإن أَعْوز المثلُ؛ لزمه قيمتُه يومَ الإعواز؛ لأنَّها حينئذٍ تَثبت في الذِّمَّة. (وَالْقِيمَةُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا)، إذا قيل بجواز قَرضِها؛ لأنَّها مِنْ ذوات القِيم، ولا مِثْل لها لكونها (٤) لا تَنضبط بالصِّفة، وتكون القيمةُ يوم قبضهما. (وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَجْهَانِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: يَرُدُّ القيمةَ، وهو ظاهر «الوجيز»؛ لأنَّ ما أوجب المِثل في المثْليات؛ أوجب القيمة فيما لا مِثلَ له؛ كالإتلاف، وتكونُ القيمةُ يومَ القرض.

стр. 2819

الثَّاني: يجب ردُّ مِثْلِه؛ لفِعْله ﵇ (١)، ولأنَّ ما ثبت في السَّلَم؛ ثبت في القرض كالمثليِّ، بخلاف الإتلاف؛ لأنَّ القيمةَ فيه أخصرُ، ولا مسامَحة فيه. ويُعتبر في مِثل صفاته تقريبًا، فإن تعذَّر المثلُ؛ فعليه قيمتُه يومَ تعذُّرِه. لكن لو اقترض (٢) خبزًا أو خميرًا، عددًا، وردَّ عددًا بلا قصدِ زيادةٍ؛ جازَ، نصَّ عليه (٣). وعنه: لا، كما لو أقرضه صغيرًا يَقصد (٤) أن يعطيَه كبيرًا. (وَيَثْبُتُ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ)؛ لأنَّه بَدَلُ مقْبوضٍ، أشبه عِوَضَ ثمن المبيع إذا كان مستحَقًّا، (حَالًّا، وَإِنْ أجَّلَهُ)؛ لأنَّه عَقْدٌ مُنِع فيه من التَّفاضل، فمُنِع الأجلُ (٥) فيه كالصَّرف؛ إذ الحالُّ لا يتأجَّل بالتَّأجيل، وهو عِدَةٌ وتبرُّعٌ لا يلزم الوفاءُ به، قال أحمد: القرضُ حالٌّ، وينبغي أن يفيَ بوعده (٦). وخالف الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنه لا يحرُم تأجيلُه، وذَكَرَه وجْهًا (٧)؛ لقوله ﵇: «المسلمون عند شروطهم» (٨). وكلُّ دَينٍ حالٍّ كالقرض. (وَيَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ، وَالضَّمِينِ فِيهِ)؛ لأِنَّه «﵇ اسْتَقْرَض من يهوديٍّ شعيرًا، ورهنه درعَه» متَّفق عليه (٩)، ولأنَّ ما جاز فِعْلُه جاز شَرْطُه، ولأنَّه يُراد

стр. 2820

للتَّوثُّق بالحقِّ، وليس ذلك بزيادةٍ، والضَّمينُ كالرَّهن. فلو عيَّنهما وجاء بغيرهما (١)؛ لم يلزم البائعَ (٢) قَبولُه وإن كان ما (٣) أتى به خيرًا من المشروط، وحينئِذٍ يُخيَّرُ بين فسخِ العقد وبين إمضائِه بلا (٤) رهنٍ ولا كفيلٍ. وهل له الأرشُ إلحاقًا له بالعيوب، وذكر المجْدُ: أنَّه المذهب، أو لا أرشَ (٥) إلحاقًا له بالتَّدليس، وهو ظاهر كلام الأكثر؟ على قولين. (وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا، نَحْوُ أَنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ)، كلُّ قرضٍ شُرِط فيه زيادةٌ؛ فهو حرامٌ إجْماعًا (٦)؛ لأنَّه عَقْدُ إرْفاقٍ وقُربةٍ، فإذا شُرِط فيه الزِّيادة؛ أخرجه عن موضوعه. ولا فَرق بين الزِّيادة في القَدْر أو الصِّفة، مثل: أن يُقرِضه مكسَّرةً فيُعطيه صِحاحًا، أو نقدًا ليُعطيه خيرًا منه. وفي «الفروع»: إذا قضاه صحاحًا عن مكسَّرةٍ أقلَّ لعلَّة ربا (٧) الفضل؛ لم يَجُزْ، وإلاَّ جاز، نَصَّ عليه (٨). فإذا شَرَط أن يوفيَه أَنقص منه؛ لم يَجُزْ إن كان ممَّا يجري فيه الرِّبا؛ لإفضائه إلى فوات المماثَلة، وكذا إن كان في غيره على الأشهر، وفي فسادِ القرض روايتان.

стр. 2821

وكذا إذا شَرَط القضاءَ (فِي بَلَدٍ آخَرَ)؛ لأنَّ فيه نفعًا في الجملة، ذكر القاضي: أنَّ للوصيِّ (١) قَرْضَ مال اليتيم في بلد ليوفيَه في بلدٍ آخَرَ؛ ليربح (٢) خَطَر الطَّريقِ، وفي «المغني» و «الشَّرح»: إن لم يكن لحمله مؤونة، وإلاَّ حَرُم. (وَيَحْتَمِلُ جَوَازَ هَذَا الشَّرْطِ)، حكاه ابن المنذر عن أحمد (٣)، وصحَّحه في «المغني»، ورُوِي عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ (٤)؛ لأنَّه ليس بزيادةٍ في قدرٍ ولا صفةٍ، بل فيه مصلحةٌ لهما، فجاز كشرط الرَّهن. وعنه: لا بأس به على وجه المعروف. (وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ) ولا مواطَأةٍ، نَصَّ عليه (٥)، (أَوْ قَضَى (٦) خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ الْوَفَاءِ؛ جَازَ) على الأصحِّ؛ (لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ

стр. 2822

بَكْرًا، فردَّ (١) خَيْرًا مِنْهُ، وَقَالَ: «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً») متَّفقٌ عليه من حديث أبي رافِعٍ (٢)، ولأنَّه لم يَجعَلْ تلك الزِّيادةَ عِوَضًا في القَرْض، ولا وسيلةً إليه، ولا إلى اسْتِيفاء دَينه، أشْبَهَ ما لم يكن قرض. والثَّانيةُ: المنْعُ، روي عن أُبيِّ بن كعبٍ وابنِ عبَّاسٍ: «أنه يَأخذُ مثلَ قرضِه، ولا يأخذ فضلاً» (٣)؛ لئلاَّ يكونَ قرضًا جرَّ منفعة. وحرَّم (٤) الحُلوانيُّ أخْذَ أجْودَ مع العادة. والأظهر: أنَّ الظَّرفَ متعلِّقٌ بفعله، لا «بأهدى»؛ لأنَّه يلزم من تعلُّقه ب «أهدى» أنَّ المستقرِض لو أسكن المقرِضَ داره بغير عِوضٍ؛ جاز إذا كان بغير شرط، سواءٌ كان ذلك قبلَ الوفاء أو بعده. (وَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ؛ لَمْ يَجُزْ) على الأصحِّ؛ لِما رَوَى أنسٌ مرفوعًا قال: «إذا أقْرَض أحدُكم قَرْضًا فأَهدَى إليه، أو حَمَله على الدَّابَّة فلا يَركبْها، ولا يَقْبَلْه، إلاَّ أنْ يكون جرى بَيْنه وبَيْنه قبل ذلك» رواه ابن ماجَهْ من رواية إسماعيل بن عَيَّاشٍ، عن عُتْبةَ بن حميد - وفيهما كلامٌ -، عن

стр. 2823

يحيى بن إسحاقَ، وفيه جهالةٌ (١). والثَّانية: الجوازُ ما لم يَشرِطْه، وظاهرُ ما نقله حنبل: أنَّ المقرِض لا يُمنَع من جواز هديَّة المقتَرِض. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ (٢) الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمَا بِهِ (٣) قَبْلَ الْقَرْضِ)؛ لِما ذكرناه، فإن لم تكن عادةٌ حرُم، إلاَّ أن يَنْوِيَ احْتِسابَه من دَينه أو مكافأته، نَصَّ عليه (٤). ولو استَضافَه؛ حَسَب له ما أَكَله، نَصَّ عليه (٥)، ويتوجَّه: لا. وظاهر كلامهم: أنه في الدَّعوات كغيره. وقيل: عِلْمُه أنَّ المقتَرِض يزيده شيئًا؛ كشرطه. وقيل: لا، ذكره في «الفروع». فلو وُجد ما سبق حالةَ الوفاء، فإن (٦) كان النَّفعُ صفةً في الوفاء؛ بأن قضاه خيرًا منه؛ فيجوز، وإن كان زيادةً في القضاء بأن يُقرِضه درهمًا فيُعطِيَه أكثرَ منه؛ لم يَجُزْ؛ لأنَّه ربًا. وصرَّح في «المغني» و «الكافي» بأنَّ الزِّيادةَ في القَدْر والصِّفة جائزٌ؛ للخبر (٧).

стр. 2824

وحكى أبو الخَطَّاب في الزِّيادة من غير تقييدٍ روايتَينِ. (وَإِذَا أَقْرَضَهُ أَثْمَانًا، فَطَالَبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ آخَرَ؛ لَزِمَتْهُ)؛ لأِنَّه أمكنه قضاءُ الحقِّ من غير ضررٍ، فلزمه، كما لو طالبه ببلدِ القرضِ؛ ولأنَّ القيمةَ لا تَختلِف، فانتفى الضَّرر. (وَإِنْ أَقْرَضَهُ غَيْرَهَا)؛ كالحِنطة والفلوس؛ (لَمْ تَلْزَمْهُ (١)؛ لأنَّه لا يَلزمه حملُه إليه، وظاهره: ولو لم يكن لحملِه مؤونةٌ، فإن طالبه بالقيمة؛ لزمه أداؤها؛ لأنَّه إذا تعذَّر ردُّ المِثْل؛ تعيَّنت القيمة. والاعتبار بقيمة البلد الذي أقرضه فيه؛ لأنَّه المكانُ الذي يجب التَّسليم فيه، وظاهره ولو نَقَصت القيمةُ ببلدِ القبض؛ فليس له إلاَّ النَّاقصة. والمذهبُ: أنَّه إذا اقْتَرَض ببلدٍ فطلب منه في غيرِه بَدَلَه (٢)، إلاَّ ما كان لحمله مؤنةٌ، وقيمتُه في بلدِ القرضِ أنقصُ؛ فتلزمه (٣) قيمتُه إذن فيه فقط. وفي «المغني»: إذا كان لحمله مؤنة لا يلزمه؛ لأنَّه لا يلزمه حمله إليه، ولا يُجبر ربُّ الدَّين على أخذِ قرضه هناك إذا بُذِل له، إلاَّ فيما لا مؤنة لحملِه، فإنه يلزمه مع أمن البلد والطَّريق. وبدلُ (٤) المغصوبِ التَّالفِ كذلك. مسائل الأولى: إذا أقْرض غريمَه المعسِرَ أو المفلسَ ألْفًا ليوفِّيه (٥) منه ومن دَينه

стр. 2825

الأوَّل كلَّ وقتٍ شيئًا؛ جاز، نقله مهنَّى، ونقل حنبلٌ: يُكرَه (١). الثَّانية: إذا أَقْرض أكَّارَه ما يَشتري به بقرًا يَعمل بها في أرضه وبذْرًا يَبذرُه (٢) فيها، وقال: أقرضني ألْفًا وادْفَع إليَّ أرضَك أَزرعُها بالثُّلث بلا شرطٍ؛ حرُم، وجوَّزه في «المغني» و «الشَّرح»، وكرهه في «التَّرغيب». ولو أمره بِبَذْره، وأنه في ذِمَّته كالمعتاد؛ ففاسدٌ، له قيمةُ المثل، ولو تلف لم يَضمنْه؛ لأنَّه أمانةٌ، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣). الثَّالثة: إذا أقرض مَنْ عليه برٌّ ما يَشتريه به يُوفِّيه إيَّاه؛ فكرهه سفيان، وجزم به في «المستوعب». وفي «المغني»: يجوز. الرَّابعة: إذا قال: اقْتَرض لي مائةً ولك عشرةٌ؛ صحَّ؛ لأنَّه في مقابَلة ما بذله من جاهه، فلو قال: اضمنها عنِّي ولك (٤) عشرةٌ؛ لم يَجُزْ، نَصَّ عليهما (٥)؛ لأِنَّه ضامِنٌ، فيكون قَرْضًا جرَّ منفعةً. ومَنَعَ الْأَزَجِيُّ (٦). الخامسة: إذا اقْتَرض منه دراهمَ، ثمَّ اشترى منه بها شيئًا، فخرجت زُيوفًا؛ فالبَيعُ صحيحٌ، ولا يَرجِع البائعُ على المشتري ببدل الثَّمن؛ لأنَّها دراهمُه، فعَيْبُها عليه، وإنَّما له على المشتري بدل ما أقرضه إيَّاه بصفته زُيوفًا، قاله أحمدُ (٧)، وحمَله في «الشرح»: على أنَّه أباعها وهو يَعلم عيبَها. أما إذا باعه بثمنٍ في ذِمَّته، ثمَّ قَبض هذه بدلاً عنها؛ فينبغي أن يجبَ له

стр. 2826

دراهمُ خاليةٌ من العيب، ويردُّ هذه عليه، وللمشتري ردُّهما (١) على البائع وفاءً عن القرض، ويبقى الثَّمن في ذِمَّته. السَّادسة: لو أقْرَض ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا خَمْرًا، ثمَّ أسلمَا، أو أحدُهما؛ بطل القرضُ، ولم يَجِبْ على المقترِض شيءٌ، واللهُ أعلمُ.

стр. 2827

(بَابُ الرَّهْنِ) (١) هو في اللُّغة: الثُّبوت والدَّوام، يقال: ماءٌ راهِنٌ؛ أيْ: راكِدٌ، ونِعْمةٌ راهِنةٌ؛ أيْ: دائمةٌ. وقيل: هو الحَبْسُ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدَّثِّر: ٣٨]؛ أيْ: محبوسةٌ، وهو قريبٌ من الأوَّل؛ لأنَّ المحبوسَ ثابِتٌ في مكانٍ لا يُزايِله. قال الشَّاعِرُ: وَفَارقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فِكَاكَ له يَومَ الوَدَاعِ فأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا (٣) شبَّه (٤) لُزوم قلبه لها واحْتِباسَه عندها لِوَجْدِه بها؛ بالرَّهن الَّذي يَلْزَمُه المرتَهِن فيَحْبِسُه عنده، ولا يفارِقه، وغَلقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقاقُ المرتَهِن إيَّاه لِعَجْز الرَّاهن عن فِكاكِه. (وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ)؛ لأِنَّ الحقَّ يُستوفَى منه عند تعذُّر الوفاء من المدِين. فعلى هذا: هو في الشَّرع: جَعْلُ عَينٍ ماليَّةٍ وثيقةً بِدَينٍ، يُسْتَوْفَى منها عند تعذُّر اسْتِيفائِه ممَّن هو عليه. وفي «الزَّرْكَشِيِّ»: توثقةُ دَينٍ بعَينٍ، أو بدَينٍ على قَولٍ، يُمكِنُ أخْذه منه إن تعذَّر الوفاء من غيره. وهو جائِزٌ بالإجْماع، وسَنَدُه قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]، والسُّنَّةُ مُسْتفِيضَةٌ بذلك.

стр. 2828

ويجوز في الحَضَر كالسَّفَر، خِلافًا لمجاهِدٍ، ورُدَّ: بفعله ﵇ (١)، وذِكْرُ السَّفَر في الآية خَرَجَ مَخْرَجَ الغالب؛ لكون الكاتِب يُعدَم في السَّفر غالِبًا، وهو لا يُشْتَرط مع ذِكْره فيها، وليس بواجبٍ إجْماعًا (٢)؛ لأِنَّه وثيقةٌ بالدَّين، فلم يَجِبْ كالضَّمان. تنبيهٌ: يُشْتَرَط أن يكون الرَّاهِنُ مُطْلَقَ التَّصرُّف كالبيع، وفي «التَّرغيب»: ويَصِحُّ تبرُّعه؛ لأنَّه تبرُّعٌ، وفي «المستوعب» وغيره: لوليٍّ رهنُه عند أمين لمصلحة؛ كحل دَينٍ عليه. ولا يَصِحُّ بدون إيجابٍ وقَبولٍ، أو ما يدُلُّ عليهما. ولا بدَّ من معرفة قَدْره، وصفته، وجِنسه، وملكه، ولو منافعه بإجارةٍ أو إعارةٍ، بإذن مُؤْجِرٍ ومُعيرٍ. (لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ)؛ أي: بعد قَبْضه؛ لأنَّ الحظَّ فيه لغيره، فلزِم من جهته؛ كالضَّمان في حقِّ الضَّامِن، (جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ)؛ لأنَّ الحظَّ فيه له وحده (٣)، فكان له فسخُه (٤)؛ كالمضمون له. (يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ)، بأن يقول: بِعْتُك هذا بعشرةٍ إلى شهرٍ تَرهَنُني بها عبدك، فيقول: اشتريتُ منك ورهنتُك عبدي؛ لأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى جوازه إِذِنْ. (وَبَعْدَهُ) بالإجماع (٥)؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به

стр. 2829

كالضَّمان، ولأِنَّه تعالى (١) جعل الرَّهن بدَلاً عن الكتابة، فيكون في محلِّها، ومحلُّها بعد وجوب الحقِّ، وتأكَّد ذلك بأن ذكره بعد المدايَنة بفاء التعقيب (٢). (وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ)، نَصَّ عليه في رواية ابن منصورٍ (٣)؛ لأنَّه وثيقةٌ بحقٍّ، فلم يَجُزْ قبل ثبوته كالشَّهادة، ولأنَّ الرَّهْن أيضًا تابِعٌ للحقِّ، فلا يَسبِقُه؛ كالثَّمن لا يتقدَّم المبيعَ. (إِلاَّ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)، فإنَّه يجوز، ويَحتمِلُه كلامُ أحمدَ، قاله في «الانتصار»؛ لأنه (٤) وثيقةٌ بالحقِّ، فجاز قبله كالضَّمان، أو فجاز على حقٍّ يَحدُث في المستقبل؛ كضمان الدَّرك. ورُدَّ: بالمنْع، ولو سُلِّم؛ فالفَرْقُ: أنَّ الضَّمانَ إلزامُ مالٍ تبرُّعًا بالقول، فجاز من غير حقٍّ ثابِتٍ كالنَّذر (٥). وصورته: أن يقول: رهَنْتُك هذا بعشرةٍ تُقْرِضنِيها، فسلَّمه إليه، ثمَّ أقرضه إيَّاها، فهي جائزةٌ على قوله، وظاهر المذهب: بطلانها؛ كتعليقه (٦) بشرطٍ. تنبيهٌ: يَصِحُّ بكلِّ دَينٍ واجِبٍ، أو مآله إليه، حتَّى على عين (٧) مضمونةٍ، ومقبوضٍ بعَقْدٍ فاسِدٍ، ونفع إجارةٍ في الذِّمَّة، لا على ديةٍ (٨) على عاقلةٍ قبل الحَول، لا ما بعده.

стр. 2830

وقيل: وجُعْلٌ قبل العمل وجهان؛ كدين كتابةٍ. ولا يصِحُّ بعُهْدة مبيعٍ، وعِوَضٍ غيرِ ثابِتٍ في الذِّمَّة؛ كثمنٍ معيَّنٍ، وأجرةٍ معيَّنةٍ في إجارةٍ، وإجارة منافع معيَّنةٍ؛ كدارٍ ونحوها. (وَيَصِحُّ فِي (١) كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا)؛ لأِنَّ المقصودَ منه الاِسْتِيثاقُ بالدَّين لِيُتَوَصَّل إلى استيفائه من ثمن الرَّهن عند تعذُّر اسْتِيفائه من الرَّاهن، وهذا يتحقَّق في كلِّ عَينٍ يجوز بيعُها، ويشمل (٢) ذلك صُوَرًا، ويُسْتَثْنى منه: رهْنُ المنافِع. (إِلاَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا قُلْنَا: اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ؛ لَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ)، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّ اسْتِدامةَ القبض غيرُ ممْكِنةٍ في حقِّه؛ لمنافاتها مُقْتَضَى الكِتابة. وقال القاضي: قياسُ المذهب: صحَّةُ رهنه، وهو ظاهر «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأنَّه يجوز بيعُه وإيفاء الدَّين من ثَمَنِه، فعلى هذا: لا يصِحُّ شرط منعه من التَّصرُّف، ويُمكَّن من الكسب، وما يؤدِّيه من النُّجوم رهْنًا معه، وإن عجز ثبت الرَّهن فيه وفي أَكسابه، وإن عتق بقي ما أدَّاه رهْنًا؛ كمن مات بعد كسبه. فرعٌ: المعلَّق عِتْقُه بصفةٍ؛ إن كانت توجَد بعد حلِّ الدَّين (٣)؛ لم يصحَّ، وإن كان يَحُلُّ قبلها؛ صحَّ؛ لإمكان بيعه، وإن احتمل الأمران؛ كقدوم زيدٍ؛ فقياسُ المذهب صحَّتُه؛ كالمريض والمدبَّر (٤). (وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ)؛ كالعنب والرُّطَب؛ لأنَّه يجوز بَيعُه،

стр. 2831

فيَحصُل المقصودُ، (بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ)، ليس قَيدًا فيه، إذ يَصِحُّ بالحال، وإنَّما ذكره تنبيهًا على أنَّ التَّأجيلَ لا أثَرَ له في مَنْع صحَّة ذلك؛ لأِنَّه ربما تُوُهِّم أنَّ عَقْد الرَّهن يقتضي بقاءَ المرهون إلى الاِسْتِحْقاق، (وَيُبَاعُ) على الأصحِّ، (وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا)؛ لأِنَّ الثَّمنَ بدلُ العَين، وبَدَلُ الشَّيء يقوم مقامه. وهذا إذا لم يَحُلَّ الدَّين، فإن كان قد حلَّ؛ فإنَّه يقضي الدَّين من ثمنه، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح». ونقل أبو طالِبٍ فيمن رَهَن وغاب، وخاف المرتَهِنُ فسادَه أو ذهابَه: فلْيأتِ السُّلطانَ حتَّى يبيعه (١)، كما أرسل ابنُ سِيرينَ إلى إيَّاس بن معاويةَ يأذن له في بيعه، فإذا باعه حفظه حتَّى يجيء صاحبه، فيدفعه إليه بأمره حتَّى يكون صاحبه يقضيه (٢). وظاهر المتن: لا فرق بين ما يُمكِن تَجفيفه أو لا. وفي «المغني» و «الشرح»: إن أمكن تجفيفه (٣) فعلى الرَّاهن تجفيفه؛ لأنَّه من مؤنة حفظه وتبقيته، أشبه نفقة الحيوان. قال ابن المنجَّى: فيُحمل كلامه هنا عليه. وفيه نظرٌ. فعلى هذا: إن شرط المرتَهِن بيعَه، أو أذن له فيه بعد العقد، أو اتَّفقا على أنَّ الراهن يبيعه أو غيره؛ باعه، وإلاَّ باعه الحاكم، فإن أطلقا؛ فالخلاف. (وَيَصِحُّ (٤) رَهْنُ الْمُشَاعِ) في قول الجماهير؛ لأنَّه يجوز بَيعُه في محلِّ الحقِّ، أشبه المُفرَز. واقتضى ذلك: صحَّة رهن بعض نصيبه من المشاع، لكن في رهن حصَّته

стр. 2832

من معيَّنٍ يُمكِن قسمتُه فيه؛ وجهان كبيعه. وفي «الانتصار»: لا يصحُّ بيعه، نصَّ عليه (١)، وعلَّل القاضي المنعَ: باحتمال أن يَقتسِم الشَّريكان، فيحصُل (٢) الرهنُ في (٣) حصَّة شريكه. (ثُمَّ إِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ غَيْرِهِمَا (٤)؛ جَازَ)؛ لأِنَّ الحقَّ لهما لا يتجاوزهما، (فَإِنِ (٥) اخْتَلَفَا؛ جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ أَمِينٍ)، وقيل: من جاز توكيلُه جاز جعل الرَّهْن عنده مطلقًا، وفيه نَظَرٌ، (أَمَانَةً، أَوْ بِأُجْرَةٍ)؛ لأنَّ قَبْضَ المرتَهِن واجبٌ، ولا يُمكِن ذلك منفردًا؛ لكونه مُشاعًا، فتعيَّن ما ذكرنا؛ لكونه وسيلةً إلى القبض الواجب. وفي إيجار (٦) الحاكمِ عليهما وجهان. ويُعتبر فيمن هو عنده: منعُ الخلوة المحرَّمة، وكونُه مسلِمًا إذا كان المرهونُ مسلِمًا؛ كالمُصحَف. (وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمَبِيعِ غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ (٧) قَبْلَ قَبْضِهِ)؛ أيْ: على غير ثمنه؛ لأنَّه يجوز بيعُه قبل قبضه؛ فصحَّ رهنه، كما بعد القبض، وسواءٌ رَهَنَه عند بائعه أو غيره، (إِلاَّ عَلَى ثَمَنِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ فإنَّه لا يجوز؛ لأنَّ المبيعَ محبوسٌ بالثَّمن، فلا فائدةَ في صَيرورته رهْنًا؛ لأِنَّ بين الرَّهن والبيع تَنافِيًا؛ لأنَّ حُكْمَ الرَّهن أن يُباع في الدَّين عند التعذُّر، وحكم البيع (٨) إيفاء

стр. 2833

الثَّمن من غيره. والثَّاني: يَصِحُّ، وهو المنصوص (١)؛ لأنَّ الثَّمن صار دَينًا في الذِّمَّة، والمبيع صار ملكًا للمشتري، فجاز رهنه بالثَّمن كغيره من الدُّيون. ومقتضاه: أنَّ المكيل والموزون (٢) لا يصِحُّ رهْنُه قبل قبضه؛ كالبيع. (وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ)؛ لأِنَّ القصدَ من الرَّهن اسْتِيفاءُ الدَّين من ثمنه عند التَّعذُّر، وما لا يجوز بيعُه لا يمكن فيه ذلك، وهو شامِلٌ لصُوَر أمِّ الولد، والوقف، والعين المرهونة. فإن (٣) قال للمرتَهِن: زدني مالاً يكون الذي عندك رهنًا به وبالدَّين الأوَّل؛ لم يَجُزْ. وكذا رهنُ المصحف، نقل الجماعةُ عنه أنَّه قال: (لا أرخِّص في رهن المصحف) (٤)، والمجهولِ، وما لا يُقدَر على تسليمه، والأرضِ الموقوفة على المسلمين؛ كسَواد العراق، وحكم بنائها كحكمها، فإن كان من غير تُرابها أو الشَّجر المجدَّد (٥) فيها؛ فالمذهب صحَّتُه، وقد تقدَّم ذلك، والمبيع في مدَّة الخيار إلاَّ أن يرهنه المشتري والخيار (٦) له وحده، فيصِحُّ ويبطل خياره، ذكره أبو بكرٍ، ومال غيرِه، وخرَّج: بلى إن أجازه ربُّه، وإن بان أنَّه أذِن فيه، أو أنَّه له؛ فوجهان. (إِلاَّ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا)، والزَّرع الأخضر، (مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ

стр. 2834

فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، اختاره القاضي، وجزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأنَّ النَّهيَ عن البيع إنَّما كان لعدم الأمن من العاهةِ، ولهذا «أمر بوضع الجوائح» (١)، وذلك مفقودٌ هنا، وبتقدير (٢) تَلَفِها لا يفوت حقُّ المرتَهِن من الدَّين؛ لتعلُّقه بذمَّة الرَّاهن، فمتى حلَّ الحقُّ؛ بِيعَ، وإن اختار المرتَهِن تأخيرَ بَيعِه؛ فله ذلك. والثَّاني: لا يصِحُّ كالبيع، فعليه: إن رهنها مع الأصل؛ فقولَا تفريقِ الصَّفقة. ملحَقٌ: تُستثنى (٣) الجاريةُ دون ولدها، وبالعكس، ويباعان، فلو رُهِنت الأمُّ بمفردها؛ قُوِّمت دونه، ثمَّ معه، فما زاد على قيمتها؛ فهو قيمتُه. وقيل: تُقَوَّم ذات (٤) ولدٍ، ويُقَوَّم هو معها إذا علم به المرتَهِن. فإن كانت حامِلاً به وقت الرَّهن، أو حملت به بعده؛ فهو رَهْن. ولو رهن الوارثُ تركةَ الميت، أو باعها، وعلى الميت دَينٌ؛ صحَّ على الأشهَرِ. وإن رهن ثمرةً إلى محلٍّ يحدث (٥) فيه أخرى لا تتميَّز (٦)؛ فهو باطلٌ؛ لأنَّه مجهولٌ حين حلول الحقِّ. وإن رهنها بدينٍ حالٍّ، أو شَرَط قطعَها عند خوف اختلاطها؛ جاز؛ لأنَّه لا غَرَر فيه، فإن لم يَقطعها حتَّى اختلطت؛ لم يَبطل الرَّهنُ؛ لأنَّه وقع صحيحًا، لكن إن سمح الرَّاهن ببيع الجميع، أو اتَّفقا على قدر ثمنه؛ جاز،

стр. 2835

وإن اختلفا وتشاحَّا؛ قُدِّمَ قول الرَّاهن مع يمينه؛ لأنَّه منكِرٌ. (وَلَا يَصِحُّ (١) رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ) مطلَقًا؛ لأنَّ مقتَضَى الرَّهن أن يكون في يد المرتَهِن، وهو ليس بأهلٍ لذلك (٢)، ولو شرطاه (٣) في يد مسلمٍ؛ لأنَّ الكافر لا يدَ له على مسلمٍ، بدليل أنه يُؤمر ببيعِ عبدِه إذا أسلم. (إِلاَّ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ) عَدْلٍ؛ لأنَّه مالٌ، فجاز رهنه كسائر الأموال، ويبيعه الحاكم إذا امتنع مالكه، قال في «الشَّرح»: وهذا أَوْلى؛ لأنَّ مقصودَ الرَّهن يحصل من غير ضررٍ. وأطلق في «الفروع» الخلاف، وهما في رهن المصحف لكافرٍ إذا شرطا كونه في يد مسلمٍ، وألحقت به كتب الحديث. فرعٌ: لا يَقرأ فيه أحدٌ بلا إذن ربه، وقيل: بلى إن لم يَضُرَّ (٤) ماليَّته. وإن طلب أحدٌ ليقرأ فيه لم يَجِب بذْلُه، وقيل: بلى، وقيل: عند الحاجة إليه. (وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ) في حقِّ الرَّاهِن (إِلاَّ بِالْقَبْضِ)، هذا هو المذهب لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]، ولأنَّه عَقْدُ إرْفاقٍ يفتقر إلى القبول (٥)، فافتقر إلى القبض؛ كالقرض، وسواءٌ قبضه المرتَهِن أو من اتَّفقا عليه. وظاهره: لا فرق بين المكيل والموزون وغيرهما، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح». وقال بعض أصحابنا: يلزم في المكيل والموزون بالقبض، وفيما عداهما روايتان؛ كالبيع.

стр. 2836

وفي القياس نظرٌ؛ لأنه يُوهِم أن البيع في غيرهما لا يلزم في روايةٍ، وليس كذلك؛ إذ لا خلاف في لزومه. وفُهِم منه: أنَّه قبل القبض صحيحٌ، وليس بلازمٍ؛ لأنَّه يجوز للرَّاهن فسخُه والتَّصرُّف فيه بكلِّ نَوعٍ، فإن كان ببيعٍ أو عتق أو نحوهما؛ بطل حكم الرَّهن؛ لتعذُّر الاِسْتِيفاء من ثمنه، وإن كان بتدبيرٍ أو إجارةٍ أو تزويجٍ؛ فلا؛ لأنَّه لا يَمنَع من البيع (١)، فلا يَمنَع صحَّةَ الرَّهن. وظاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وابنِ أبي موسى، وابنِ عَقيلٍ في «التَّذكرة» تَبَعًا لشيخه القاضي أبي يَعْلَى في «الجامع الصَّغير»: أنَّ القَبْضَ شرطٌ في صحَّة الرَّهْن، وصفة قبضه كمبيعٍ، فلو رهنه دارًا وخلَّى بينه وبينها، وللرَّاهِن فيها قُماشٌ؛ لم يَمنَعْ من صحَّة التَّسليم؛ لأنَّ اتِّصالها بملك الرَّاهن لا يَمنَع صحَّة التَّسليم؛ كالثَّمَرة في الشَّجرة. ويُعتبَر في القبض إذْنُ وليِّ الأمر في الأشهَر، ويبطل (٢) إذنه بنحو إغماءٍ وخَرَسٍ، فلو رهنه ما في يده ولو غصبًا؛ فكهبته إيَّاه، ويزول ضمانه. (وَاسْتِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ)، وهو قول أكثرهم؛ للآية الكريمة، ولأنَّها إحدى (٣) حالتي الرَّهن، فكان القَبْضُ فيه شرْطًا كالابتداء، بخلاف الهِبَة، فإنَّ القَبْضَ في ابْتِدائها يُثْبِتُ الملْكَ، فإذا ثبت استُغْنِيَ عن القبض، والرَّهن يُراد للوثيقة ليَتَمكَّن من (٤) بيعه واستيفاء دَينه، فإذا (٥) لم يكن في يده؛ زال ذلك. وهذا على القول بأنَّ ابْتِداء القبض شرْطٌ في اللُّزوم، وإن قلنا: ليس

стр. 2837

بشرطٍ فيه؛ ففي الاِسْتِدامة كذلك، قاله في «الشَّرح». لكن لو أجَره، أو أعاره لمرتَهِنٍ أو غيره بإذنه؛ فلزومه باقٍ على المذهب. وعنه: يزول، نصره القاضي وغيره، فعليها: يعود بمُضِيِّ إجارةٍ وإعارةٍ من (١) مرتَهِنٍ. (فَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الرَّاهِنِ؛ زَالَ لُزُومُهُ)؛ لأِنَّ اسْتِدامةَ القَبْض شرْطٌ في اللُّزوم، وقد زالتْ؛ إذ المشروطُ يَنْتَفِي بانْتِفاء شرْطه، وظاهره: ولو كان نيابةً عنه، صرَّح به في «الفروع»، وبقي العَقْدُ كأنَّه لم يُوجَدْ فيه قَبْضٌ، سواءٌ أخرجه بإجارةٍ أو إعارةٍ أو إيداعٍ ونحوه. وقوله: (باختياره) يُحْتَرَزُ به عمَّا لو أخرجه لا باختياره؛ كالغصب ونحوه؛ لأنَّ ذلك لا يُزيل اللزوم (٢)، لأنَّ يَدَ المرتَهِن ثابتةٌ عليه حُكْمًا. (فَإِنْ رَدَّهُ إِلَيْهِ)؛ أيْ: إلى المرتَهِن؛ (عَادَ اللُّزُومُ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه أقبضه باختياره، فلزم به كالأوَّل، ولا يحتاج إلى تجديدِ عَقْدٍ؛ لأِنَّ العَقْدَ السَّابِقَ لم يطْرَأ عليه ما يبطله، أشبه (٤) ما لو تراخى القبض عن العقد (٥). (وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ؛ زَالَ لُزُومُهُ)؛ لأِنَّ تخميره بمنزلة إخراجه من يده؛ لأنه (٦) لا يَدَ لمسلمٍ على خمرٍ؛ لأِنَّ صَيرورته خمرًا يمنع مِنْ صحَّة العقد؛ فلأنْ يُخرِجه عن اللُّزوم بطريق الأَوْلى، وتجب (٧) إراقتُه حينئِذٍ، فإن

стр. 2838

أُريق؛ بَطَل العقد فيه، ولا خيار للمرتَهِن؛ لأِنَّ التَّلَف حَصَل في يده، وهذا بالنِّسبة إلى المسلمين. (فَإِنْ تَخَلَّلَ؛ عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ)؛ كما لو زالت يَدُ المرتَهِن عنه، ثمَّ عادت إليه، فلو استحال خمرًا قبل قبض المرتَهِن؛ بطل العقد فيه، ولم يَعُدْ بِعَوده خَلًّا؛ لأِنَّه عَقْدٌ ضعيفٌ لعدم القبض، أشْبَه إسلامَ أحد الزَّوجين قبل الدُّخول. وذكر القاضي: أنَّه إذا اسْتَحال خمرًا بعد القبض أنَّه يَبطُل الرَّهْنُ فيه، ثمَّ إذا عاد خَلًّا عاد ملكًا لصاحبه مرهونًا بالعقد السَّابق؛ لأنَّه يعود ملكًا بحُكْم الملك الأوَّلِ، فيعود حكم الرَّهن. ورُدَّ: بأن اليد لم تَزُلْ عنه حُكْمًا، بدليلِ ما لو غصبه منه غاصبٌ، فتخلَّل في يده كان ملكًا للمغصوب منه. قال في «المغني»: ولم تظهر (١) لي فائدةُ الخلاف بعد اتِّفاقهم على عَوده رهْنًا باستحالته خَلًّا، وأرى القَولَ ببقائه رهْنًا أقربَ إلى الصِّحَّة؛ لأِنَّ العقدَ لو بطل (٢) لما (٣) عاد صحيحًا من غير ابْتِداءِ عَقْدٍ. (وَعَنْهُ: أَنَّ الْقَبْضَ وَاسْتِدَامَتَهُ فِي الْمُتَعَيِّنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ)، حكاه في «التَّعليق» عن أصحابنا، وهو المذهب عند ابن عَقيلٍ، فيلزم بمجرَّد العقد كالبيع. (فَمَتَى) - هذا تفريعٌ على هذه (٤) الرِّواية - (امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَقْبِيضِهِ؛ أُجْبِرَ عَلَيْهِ)؛ كالبيع، فإن ردَّه المرتَهِنُ على الرَّاهِن بعاريةٍ أو غيرها، ثمَّ طَلَبَه؛ أُجْبِرَ الرَّاهِنُ على ردِّه؛ لأِنَّ الرَّهْن صحيحٌ، والقَبضَ واجِبٌ له، فيُجْبَر عليه كبيعه.

стр. 2839

تنبيه: إذا اسْتَعار شيئًا ليَرهنه؛ جاز إجماعًا (١)، وسواءٌ بيَّن الدَّين أو لا. لكن لو عيَّن المرتَهَن أو القدر الذي يرهنه عليه، فخالَفَ؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه لم يُؤذَن له (٢) فيه، وله الرُّجوع فيه قبل إقْباضه؛ كقبل العقد. وقدَّم في «التَّلخيص»: لا؛ كبعده، خلافًا ل «الانتصار» فيه. وله مطالبةُ الرَّاهنِ بفِكَاكه، حالًّا كان أو مؤجَّلاً، في محلِّ الحق (٣) وقبله؛ لأنَّ العارية لا تلزم. فمتى حلَّ الحقُّ ولم يَقْضِه؛ فللمرتَهِن بَيعُه واسْتِيفاءُ دَينه منه، ويرجع المعيرُ بقيمته أو بمثله، لا بما بِيعَ، نَصَّ عليه (٤). وقطع في «المحرَّر»، واختاره في «التَّرغيب»: بأكثرهما. فإن تَلِفَ؛ ضمنه الرَّاهن - وهو المستعير - بقيمته، سواء تلفَ بتفريطٍ أو لا، نصَّ عليه (٥)؛ لأنَّ العارية مضمونة. وفي «الفروع»: ويتوجَّه في مستأجر (٦) من مستعيرٍ. وإن فكَّ المعيرُ الرَّهن بإذن الرَّاهن؛ رجع، وإن كان متبرِّعًا فلا. وإن قضاه بغير إذنه محتسِبًا بالرُّجوع؛ فروايتان. (وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ) اللاَّزِم بالبيع والإجارة والوقْف ونحوه؛ (لَا يَصِحُّ)؛ لأِنَّه تصرُّفٌ يُبطِل حقَّ المرتَهِن من الوثيقة، وليس بمبنيٍّ (٧) على السِّراية والتَّغليب، فلم يصحَّ بغير إذن المرتَهِن؛ كفسخ الرَّهن.

стр. 2840

فأمَّا انتفاعه به؛ كاستخدامٍ ونحوه بغير إذن المرتَهِن؛ فلا؛ لأنَّها عَينٌ محبوسةٌ، فلم يكن للمالك الانتفاع بها (١)؛ كالمبيع المحبوس عند البائع على قبض ثمنه، لكن لا يمنع من سقْيِ شجرٍ، وتلقيحٍ، وإنْزاء فحلٍ على إناثٍ مرهونةٍ، ومداواة، وفَصْدٍ، بل (٢) من قطع سلعةٍ فيها خطرٌ. وحينئِذٍ: إن لم يتَّفقا على المنافع؛ لم يَجُز الاِنتفاع، وكانت معطَّلةً، وإن اتَّفقا على الإجارة أو الإعارة؛ جاز في ظاهر قول الخِرَقِيِّ، والأجرةُ رهنٌ. وذكر أبو بكر في «الخلاف»: أنَّها تُعطَّل مطلقًا. ورُدَّ: بأنَّه تضييعٌ (٣) للمال، وهو منهيٌّ عنه شرعًا. وقال ابن حمدان: للرَّاهن الانتفاع بما لا تَنقُص (٤) قيمتَه ولا يضرُّه (٥)؛ كركوبٍ وسكنى. فإن أراد غرس الأرض، والدَّينُ حالٌّ؛ مُنِع، وإن كان مؤجَّلاً؛ فاحتمالان. (إِلاَّ الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ) يَحرُم على الأصحِّ؛ لِما فيه من إبطال حقِّ المرتَهِن من الوثيقة، و (يَنْفُذُ)، نَصَّ عليه (٦)، وهو قول شَرِيكٍ والحسن بن صالح، لأنَّه إعتاقٌ من مالكٍ تامِّ الملكِ، فنَفَذَ؛ كعتق المستأجر، ولأنَّ الرَّهنَ عَينٌ محبوسةٌ لاِسْتِيفاء الحقِّ، فنَفَذَ فيها عتق المالك؛ كالمبيع في يد بائعه، والعِتقُ مبنيٌّ على السِّراية والتَّغليب، بدليل: أنَّه يَنفُذ في ملك الغير، ففي ملكه بطريق الأَولى.
следующие страницы →