← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وفي القياس نظرٌ؛ لأنه يُوهِم أن البيع في غيرهما لا يلزم في روايةٍ، وليس كذلك؛ إذ لا خلاف في لزومه. وفُهِم منه: أنَّه قبل القبض صحيحٌ، وليس بلازمٍ؛ لأنَّه يجوز للرَّاهن فسخُه والتَّصرُّف فيه بكلِّ نَوعٍ، فإن كان ببيعٍ أو عتق أو نحوهما؛ بطل حكم الرَّهن؛ لتعذُّر الاِسْتِيفاء من ثمنه، وإن كان بتدبيرٍ أو إجارةٍ أو تزويجٍ؛ فلا؛ لأنَّه لا يَمنَع من البيع (١)، فلا يَمنَع صحَّةَ الرَّهن. وظاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وابنِ أبي موسى، وابنِ عَقيلٍ في «التَّذكرة» تَبَعًا لشيخه القاضي أبي يَعْلَى في «الجامع الصَّغير»: أنَّ القَبْضَ شرطٌ في صحَّة الرَّهْن، وصفة قبضه كمبيعٍ، فلو رهنه دارًا وخلَّى بينه وبينها، وللرَّاهِن فيها قُماشٌ؛ لم يَمنَعْ من صحَّة التَّسليم؛ لأنَّ اتِّصالها بملك الرَّاهن لا يَمنَع صحَّة التَّسليم؛ كالثَّمَرة في الشَّجرة. ويُعتبَر في القبض إذْنُ وليِّ الأمر في الأشهَر، ويبطل (٢) إذنه بنحو إغماءٍ وخَرَسٍ، فلو رهنه ما في يده ولو غصبًا؛ فكهبته إيَّاه، ويزول ضمانه. (وَاسْتِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ)، وهو قول أكثرهم؛ للآية الكريمة، ولأنَّها إحدى (٣) حالتي الرَّهن، فكان القَبْضُ فيه شرْطًا كالابتداء، بخلاف الهِبَة، فإنَّ القَبْضَ في ابْتِدائها يُثْبِتُ الملْكَ، فإذا ثبت استُغْنِيَ عن القبض، والرَّهن يُراد للوثيقة ليَتَمكَّن من (٤) بيعه واستيفاء دَينه، فإذا (٥) لم يكن في يده؛ زال ذلك. وهذا على القول بأنَّ ابْتِداء القبض شرْطٌ في اللُّزوم، وإن قلنا: ليس

стр. 2837

بشرطٍ فيه؛ ففي الاِسْتِدامة كذلك، قاله في «الشَّرح». لكن لو أجَره، أو أعاره لمرتَهِنٍ أو غيره بإذنه؛ فلزومه باقٍ على المذهب. وعنه: يزول، نصره القاضي وغيره، فعليها: يعود بمُضِيِّ إجارةٍ وإعارةٍ من (١) مرتَهِنٍ. (فَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الرَّاهِنِ؛ زَالَ لُزُومُهُ)؛ لأِنَّ اسْتِدامةَ القَبْض شرْطٌ في اللُّزوم، وقد زالتْ؛ إذ المشروطُ يَنْتَفِي بانْتِفاء شرْطه، وظاهره: ولو كان نيابةً عنه، صرَّح به في «الفروع»، وبقي العَقْدُ كأنَّه لم يُوجَدْ فيه قَبْضٌ، سواءٌ أخرجه بإجارةٍ أو إعارةٍ أو إيداعٍ ونحوه. وقوله: (باختياره) يُحْتَرَزُ به عمَّا لو أخرجه لا باختياره؛ كالغصب ونحوه؛ لأنَّ ذلك لا يُزيل اللزوم (٢)، لأنَّ يَدَ المرتَهِن ثابتةٌ عليه حُكْمًا. (فَإِنْ رَدَّهُ إِلَيْهِ)؛ أيْ: إلى المرتَهِن؛ (عَادَ اللُّزُومُ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه أقبضه باختياره، فلزم به كالأوَّل، ولا يحتاج إلى تجديدِ عَقْدٍ؛ لأِنَّ العَقْدَ السَّابِقَ لم يطْرَأ عليه ما يبطله، أشبه (٤) ما لو تراخى القبض عن العقد (٥). (وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ؛ زَالَ لُزُومُهُ)؛ لأِنَّ تخميره بمنزلة إخراجه من يده؛ لأنه (٦) لا يَدَ لمسلمٍ على خمرٍ؛ لأِنَّ صَيرورته خمرًا يمنع مِنْ صحَّة العقد؛ فلأنْ يُخرِجه عن اللُّزوم بطريق الأَوْلى، وتجب (٧) إراقتُه حينئِذٍ، فإن

стр. 2838

أُريق؛ بَطَل العقد فيه، ولا خيار للمرتَهِن؛ لأِنَّ التَّلَف حَصَل في يده، وهذا بالنِّسبة إلى المسلمين. (فَإِنْ تَخَلَّلَ؛ عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ)؛ كما لو زالت يَدُ المرتَهِن عنه، ثمَّ عادت إليه، فلو استحال خمرًا قبل قبض المرتَهِن؛ بطل العقد فيه، ولم يَعُدْ بِعَوده خَلًّا؛ لأِنَّه عَقْدٌ ضعيفٌ لعدم القبض، أشْبَه إسلامَ أحد الزَّوجين قبل الدُّخول. وذكر القاضي: أنَّه إذا اسْتَحال خمرًا بعد القبض أنَّه يَبطُل الرَّهْنُ فيه، ثمَّ إذا عاد خَلًّا عاد ملكًا لصاحبه مرهونًا بالعقد السَّابق؛ لأنَّه يعود ملكًا بحُكْم الملك الأوَّلِ، فيعود حكم الرَّهن. ورُدَّ: بأن اليد لم تَزُلْ عنه حُكْمًا، بدليلِ ما لو غصبه منه غاصبٌ، فتخلَّل في يده كان ملكًا للمغصوب منه. قال في «المغني»: ولم تظهر (١) لي فائدةُ الخلاف بعد اتِّفاقهم على عَوده رهْنًا باستحالته خَلًّا، وأرى القَولَ ببقائه رهْنًا أقربَ إلى الصِّحَّة؛ لأِنَّ العقدَ لو بطل (٢) لما (٣) عاد صحيحًا من غير ابْتِداءِ عَقْدٍ. (وَعَنْهُ: أَنَّ الْقَبْضَ وَاسْتِدَامَتَهُ فِي الْمُتَعَيِّنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ)، حكاه في «التَّعليق» عن أصحابنا، وهو المذهب عند ابن عَقيلٍ، فيلزم بمجرَّد العقد كالبيع. (فَمَتَى) - هذا تفريعٌ على هذه (٤) الرِّواية - (امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَقْبِيضِهِ؛ أُجْبِرَ عَلَيْهِ)؛ كالبيع، فإن ردَّه المرتَهِنُ على الرَّاهِن بعاريةٍ أو غيرها، ثمَّ طَلَبَه؛ أُجْبِرَ الرَّاهِنُ على ردِّه؛ لأِنَّ الرَّهْن صحيحٌ، والقَبضَ واجِبٌ له، فيُجْبَر عليه كبيعه.

стр. 2839

تنبيه: إذا اسْتَعار شيئًا ليَرهنه؛ جاز إجماعًا (١)، وسواءٌ بيَّن الدَّين أو لا. لكن لو عيَّن المرتَهَن أو القدر الذي يرهنه عليه، فخالَفَ؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه لم يُؤذَن له (٢) فيه، وله الرُّجوع فيه قبل إقْباضه؛ كقبل العقد. وقدَّم في «التَّلخيص»: لا؛ كبعده، خلافًا ل «الانتصار» فيه. وله مطالبةُ الرَّاهنِ بفِكَاكه، حالًّا كان أو مؤجَّلاً، في محلِّ الحق (٣) وقبله؛ لأنَّ العارية لا تلزم. فمتى حلَّ الحقُّ ولم يَقْضِه؛ فللمرتَهِن بَيعُه واسْتِيفاءُ دَينه منه، ويرجع المعيرُ بقيمته أو بمثله، لا بما بِيعَ، نَصَّ عليه (٤). وقطع في «المحرَّر»، واختاره في «التَّرغيب»: بأكثرهما. فإن تَلِفَ؛ ضمنه الرَّاهن - وهو المستعير - بقيمته، سواء تلفَ بتفريطٍ أو لا، نصَّ عليه (٥)؛ لأنَّ العارية مضمونة. وفي «الفروع»: ويتوجَّه في مستأجر (٦) من مستعيرٍ. وإن فكَّ المعيرُ الرَّهن بإذن الرَّاهن؛ رجع، وإن كان متبرِّعًا فلا. وإن قضاه بغير إذنه محتسِبًا بالرُّجوع؛ فروايتان. (وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ) اللاَّزِم بالبيع والإجارة والوقْف ونحوه؛ (لَا يَصِحُّ)؛ لأِنَّه تصرُّفٌ يُبطِل حقَّ المرتَهِن من الوثيقة، وليس بمبنيٍّ (٧) على السِّراية والتَّغليب، فلم يصحَّ بغير إذن المرتَهِن؛ كفسخ الرَّهن.

стр. 2840

فأمَّا انتفاعه به؛ كاستخدامٍ ونحوه بغير إذن المرتَهِن؛ فلا؛ لأنَّها عَينٌ محبوسةٌ، فلم يكن للمالك الانتفاع بها (١)؛ كالمبيع المحبوس عند البائع على قبض ثمنه، لكن لا يمنع من سقْيِ شجرٍ، وتلقيحٍ، وإنْزاء فحلٍ على إناثٍ مرهونةٍ، ومداواة، وفَصْدٍ، بل (٢) من قطع سلعةٍ فيها خطرٌ. وحينئِذٍ: إن لم يتَّفقا على المنافع؛ لم يَجُز الاِنتفاع، وكانت معطَّلةً، وإن اتَّفقا على الإجارة أو الإعارة؛ جاز في ظاهر قول الخِرَقِيِّ، والأجرةُ رهنٌ. وذكر أبو بكر في «الخلاف»: أنَّها تُعطَّل مطلقًا. ورُدَّ: بأنَّه تضييعٌ (٣) للمال، وهو منهيٌّ عنه شرعًا. وقال ابن حمدان: للرَّاهن الانتفاع بما لا تَنقُص (٤) قيمتَه ولا يضرُّه (٥)؛ كركوبٍ وسكنى. فإن أراد غرس الأرض، والدَّينُ حالٌّ؛ مُنِع، وإن كان مؤجَّلاً؛ فاحتمالان. (إِلاَّ الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ) يَحرُم على الأصحِّ؛ لِما فيه من إبطال حقِّ المرتَهِن من الوثيقة، و (يَنْفُذُ)، نَصَّ عليه (٦)، وهو قول شَرِيكٍ والحسن بن صالح، لأنَّه إعتاقٌ من مالكٍ تامِّ الملكِ، فنَفَذَ؛ كعتق المستأجر، ولأنَّ الرَّهنَ عَينٌ محبوسةٌ لاِسْتِيفاء الحقِّ، فنَفَذَ فيها عتق المالك؛ كالمبيع في يد بائعه، والعِتقُ مبنيٌّ على السِّراية والتَّغليب، بدليل: أنَّه يَنفُذ في ملك الغير، ففي ملكه بطريق الأَولى.

стр. 2841

فعلى هذا: إن كان موسِرًا؛ (يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ)؛ لأِنَّه أبطل حقَّ المرتَهِن من الوثيقة، أشْبه ما لو أتلفه، ويُعتبر حالُ الإعتاق؛ لأنه وقت الإتلاف، فجُعِلت (رَهْنًا مَكَانَهُ)؛ لأنها (١) نائبةٌ عن العَين، أو بدلٌ عنها. وكذا حُكم ما لو قَتَله بقصاصٍ استحقَّه عليه، أو أَحبل الأمَة بلا إذن المرتَهِن، أو أقرَّ بالعتق وكذَّبه. فعليه: القيمة تكون رهنًا، وإن كان معسِرًا فهي في ذمَّته، فإن أَيْسر قبل حلول الحقِّ؛ أُخِذت منه فجعلت رهنًا، إلاَّ أن يختارَ تعجيل الحقِّ فيقضيه، وإن أَيْسر بعد (٢) حلول الحقِّ؛ طُولِب بالدَّين خاصَّةً؛ لأنَّ ذمَّته تبرأ به (٣) من الحقَّينِ معًا. (وَعَنْهُ: لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعْسِرِ)، اختاره أبو محمَّد الجَوزيُّ، وذكرها أبو الخَطَّاب في «الهداية» احْتِمالاً، وفي «المحرَّر» تخريجًا؛ لأِنَّ نفوذ عِتْقه يُسْقِط الوثيقةَ وبَدَلَها، فلم يَنفُذ؛ لِما فيه من الإضرار بالمرتَهِن، وكما لو أعتق شركًا له في عبدٍ وهو معسِرٌ. وفي طريقة بعض أصحابنا: إن كان معسِرًا؛ يُستسعى العبد بقدر قيمته، تُجعل رهنًا. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ فيه إيجابَ الكسب على العبد، ولا صنع ولا جناية منه، فكان إلزام الغرم للمتلِف أَوْلى. وقيل: ولا ينفذ عتق غيره، وذكره في «المبهج» روايةً. وإذا لم نقل بالنُّفوذ؛ فظاهر كلامهم: أنه لا يَنفُذ بعد زوال الرَّهن، وفيه احْتِمالٌ.

стр. 2842

وهذا إذا لم يأذن المرتَهِن، فإن أذن؛ صحَّ العتق، وسقط حقُّه من الوثيقة، ولا قيمة له. وإن رَجَع بعد الإذن، وعَلم الرَّاهن به؛ بطل، وإلاَّ فوجهان. وكذا يصحُّ رجوعُه في كلِّ تصرُّفٍ أذن فيه قبل وقوعه، فإن اختلفا؛ قُدِّم قولُ المرتَهِن ووارثه في نفي الإذن؛ لأنَّه الأصلُ، إلاَّ أن الوارثَ يمينه على نفي العلم، ومن نَكل قُضي عليه. وألحق بعض أصحابنا الوقف بالعتق؛ لأنَّ فيه حقَّ الله تعالى. (وَقَالَ الْقَاضِي)، وجماعةٌ من أصحابنا، وذَكَرَه أبو بكرٍ روايةً: (لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ) المرهونة؛ لأِنَّ محلَّ عَقْدِ (١) النِّكاح غير محلِّ عقد الرَّهْن، بدليل صحَّة رَهْن الأَمَة المزوَّجة؛ لأَنَّ الرَّهنَ لا يُزِيل الملك، فلم يَمنَع التَّزْويجَ كالإجارة، (وَيَمْنَعُ) المرتَهِنُ (الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا)، وهو مرادُ مَنْ عبَّر بقوله: دون تسليمها؛ لئلاَّ تَحبَلَ فتنقص (٢) قيمتُها، وتَقِلَّ الرَّغبة فيها، وربما تَلِفت بسبب الحمل، (وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا)؛ لأِنَّه من نماء الرَّهن، فكان رهْنًا. (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ)، وهو قول الأكثر؛ لأنَّ التَّزويج يُذهِب رغَبات المشترين فيها، فيُوجِب نقصانَ قيمتها، فلم يَمْلكْه الرَّاهن؛ كفسخ العقد، ولا نسلِّم تغاير المحلَّين، بل محلهما (٣) واحدٌ، وتَتناول (٤) الجملة، وإنَّما صحَّ رهن المزوَّجة؛ لبقاء مُعظم المنفعة فيها، وبقائها محلًّا للبيع، كما يصحُّ رهن المستأجر، والرَّهن يُفارِق الإجارةَ من حيث إنَّ التَّزويج لا يؤثِّر في مقصود الإجارة، ولا يمنع المستأجِر من استيفاء المنفعة المستحقَّة له، ويؤثِّر في

стр. 2843

مقصود الرَّهن، وهو استيفاء الدَّين من ثمنها؛ لأنَّ تزويجها إنَّما يمنع البيعَ، أو ينقص الثَّمن، فيتعذَّر استيفاء الدَّين كامِلاً. (وَإِنْ (١) وَطِئَ) الرَّاهِنُ (الْجَارِيَةَ) المرهونةَ؛ فقد رَكِب محرَّمًا في قول الأكثر، وحكاه ابن المنذِر إجْماعًا (٢)؛ لأِنَّ مَنْ يحرُم وطؤها لا فرق فيه بين الآيِسة والصَّغيرة؛ كالمعتدَّة، ولأنَّ الوقت الذي تحبَل فيه يَختلف، فمنع منه جملةً، لكن لا حدَّ عليه؛ لأنَّها ملكه، ولا مهرَ عليه إن كانت ثيِّبًا؛ كالاستخدام. فإن تَلِف جزءٌ منها، أو نقصها (٣)؛ فعليه قيمةُ ما تلف؛ كالجناية، تجعل (٤) رهنًا معها، وإلاَّ قضاه من الحقِّ إن كان قد حلَّ (٥). وجزم في «الفروع»، وقاله في «عيون المسائل»، والشِّيرازي في «المنتخَب»: أنَّه يحرُم وطؤها على راهنٍ إلاَّ بشرطٍ. وإن لم تحبَل؛ فأرْش البكارة فقط كجنايةٍ (٦). (فَأَوْلَدَهَا؛ خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ)؛ لأِنَّها صارت أمَّ ولد (٧) له. وعبارةُ الأكثر كالمؤلِّف، وأنَّ الحكمَ يترتَّب على الولادة، وليس بمرادٍ، بل الحُكْمُ مَنُوطٌ بالإحبال. (وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا) حين إحْبالِها؛ لأِنَّه فوَّتها على المرتَهِن، فوجب أن يُؤخذ منه بدلُها، كما لو أتلفها، (فَجُعِلَتْ رَهْنًا)؛ لأنَّها بدلٌ، والبدل يُعطَى

стр. 2844

حكم مبدَله، فإن كان معسرًا كان في ذِمَّته، وهذا إذا صدَّقه المرتَهِن أنَّها ولدتْه من وطئه، وإلاَّ فالرَّهن بحاله، قاله في «التَّلخيص». فإن كان الوطء بإذن المرتَهِن؛ خَرَجت من الرَّهن، ولا شَيءَ للمرتَهِن؛ لأنَّه أذِنَ في سببٍ يُنافي حقَّه، لا يقال: إنما أَذِن في الوطء ولم يأذن في الإحبال؛ لإفضائه إليه، ولا يقف على اختياره، فالإذن في سببه إذنٌ فيه. مسألةٌ: إذا أقرَّ بالوطْء حالَ العَقْد أو قَبل لزومه؛ فحكمُهما واحدٌ، ويصِحُّ الرَّهنُ؛ لأِنَّ الأصلَ عدَمُ الحمل. أمَّا إذا أقرَّ به بعد لزومه؛ فيُقبَل في حقِّه فقط؛ لأِنَّ إقْرارَ الإنسان على غيره لا يُقبَل. ويَحتَمِل قَبولُه في حقِّ المرتَهِن أيْضًا؛ لأِنَّه أقرَّ في ملكه بما (١) لا تُهَمة فيه. (فَإِنْ أَذِنَ لَهُ المُرْتَهِنُ (٢) فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ هِبَتِهِ، أَوْ نَحْوِ (٣) ذَلِكَ) كوقفه، ففعل (٤)؛ (صَحَّ)؛ لأِنَّ المنْعَ كان لحقِّه، فإذا أَذِن زال، (وَبَطَلَ الرَّهْنُ)؛ لأِنَّ هذا تصرُّفٌ يُنافي الرَّهْنَ، فلا يجتمع مع (٥) ما يُنافيه. (إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بِشَرْطِ: أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ)، أو (يُعَجِّلَ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ)، فإنَّه يَصِحُّ البَيعُ والشَّرطُ، ويَلزَم ذلك؛ لأنَّه لو شرط ذلك بعد حلول الحقِّ؛ جاز، فكذا قَبْلَه. وحاصلُه: إن كان الدَّينُ حالًّا؛ أخَذَه من الثَّمَن، وإلاَّ بَقِيَ رهْنًا، وإن

стр. 2845

شَرَط تعجيلَ الدَّين من ثمنه؛ صحَّ البيعُ ولغا الشَّرطُ، ويكون الثَّمنُ رهْنًا. وفي «المحرَّر»: وإن باعه بإذْنٍ شَرَطَ فيه أن يُعجِّلَ له دَينَه المؤجَّل من ثمنه؛ لم يصحَّ البيعُ، وهو رهْنٌ بحاله، وقيل: يصِحُّ. وفي كون الثمن (١) رهْنًا وجهان، ويلغو شرطُ التَّعجيل قولاً واحدًا. فرعٌ: إذا اختلفا في الإذْن؛ قُبِل قَولُ المرتَهِن؛ لأِنَّه منكِرٌ، فلو اتَّفقا عليه واختلفا في الشَّرط؛ قُبِل قَولُ الرَّاهن في الأصحِّ؛ لأِنَّ الأصلَ عدمُه. (وَنَمَاءُ الرَّهْنِ، وَكَسْبُهُ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ مِنَ الرَّهْنِ (٢)؛ أي: يكون في يده كالأصل، بمعنى (٣): أنَّه إذا احْتِيج إلى بيعه في وفاء الدَّين بِيعَ مع الأصل؛ لأِنَّ الرَّهنَ عَقْدٌ على العين، فيدخل فيه ما ذُكر؛ كالبيع (٤) والهِبة، وفي الجناية عليه؛ لأِنَّها بدَلُ جزءٍ، فكانت من الرَّهن؛ كقيمته إذا أتْلفه إنسانٌ. ولا فرْقَ في النَّماء بين المتَّصِل؛ كالسِّمَن وتعلُّم صَنْعةٍ، والمنفصل؛ كالكسب، والأجرة، والولد، والثمرة (٥)، والصُّوف. (وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ)؛ لِمَا رَوَى سعيدُ بن المسيِّب، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَغْلَق الرَّهن مِنْ صاحبه الذي رَهَنَه، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه» رواه الشَّافِعيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ وقال: إسْنادٌ حسَنٌ متَّصِلٌ (٦)، ولأِنَّه ملكٌ للرَّاهِن،

стр. 2846

فكان عليه الإنفاق (١) كالطَّعام. وهو شامِلٌ لِما إذا احْتاج إلى مداواةٍ لمرَضٍ أو جُرْحٍ، وأجرةِ من يَرُدُّه إذا أَبَقَ، ومُؤْنَةِ جِنايةٍ، وأجرة تسويةٍ، وجَدادٍ، وتجفيفٍ، ونحوه. فإن كان ماشيةً تحتاج إلى إطراق فحلٍ؛ لم يُجبَر الرَّاهن عليه؛ لأنَّه ليس عليه ما يتضمَّن زيادةً في الرَّهن، وليس ذلك ممَّا يُحتاج إليه لبقائها، ولا يمنع منه؛ لكونه زيادةً فيها من غير ضررٍ على المرتَهِن. (وَكَفَنُهُ إِنْ مَاتَ)؛ كبقيَّة مُؤْنة تجهيزه؛ لأنَّ ذلك تابِعٌ لمؤنته، وهو من جملة غُرمه، (وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ إِنْ كَانَ مَخْزُونًا)؛ كأجرة حافظه. (وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ)؛ للخبر (٢)، ولأِنَّه لو ضُمِن؛ لَامْتَنَع النَّاس مِنْ فِعْله خوفًا من الضَّمان، وذلك وسيلةٌ إلى تعطيل المُدايَنات والقروض، وفيه ضرَرٌ عظيمٌ، وهو منفيٌّ شرعًا، ولأِنَّه وثيقةٌ بالدَّين، فلا يضمن؛ كالزِّيادة على قدْر الدَّين. وظاهره: ولو قبَلْ عقد (٣) الرَّهن، نقله ابنُ منصورٍ (٤)، كبَعْد الوفاء.

стр. 2847

(إِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ (١)؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، قاله عليٌّ ﵁ (٢)؛ لأِنَّه أمانةٌ في يده، فلم يكن في تَلَفِه شيءٌ كالوديعة. وعنه: يَضمنه المرتَهِن، كما لو أَعاره، أو مَلَكه، أو استعمله، نصَّ عليه (٣)، وتأوَّلها القاضي على المتعدِّي، وامتنع من ذلك ابن عقيلٍ فأجراها على ظاهرها؛ لما روى عطاءٌ: أنَّ رجلاً رَهَن فرسًا فنَفَق عند المرتَهِن، فجاء إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبره بذلك، فقال: «ذَهَبَ حَقُّكَ» (٤)، ولأنها عينٌ مَقبوضة

стр. 2848

للاستيفاء، فيَضمنُها (١) مَنْ قَبَضها لذلك. وجوابُه: بأنَّها مقبوضةٌ بعقدٍ بعضه أمانةٌ، فكان جميعُه أمانةً؛ كالوديعة، وحديث عَطاءٍ كان يُفْتي بخلافه، مع أنَّ الدَّارَقُطْنيَّ قال: يرويه إسماعيلُ بن أميَّةَ (٢)، وكان كذَّابًا، وقيل: مُصعَب بن ثابِتٍ، وهو ضعيفٌ، ولو سلِّمَ؛ فهو محمول على أنَّه ذهب حقُّك من الوثيقة، بدليل: أنه لم يَسأل عن قدر الدَّين أو قيمته. وظاهره: أنَّه إذا تعدَّى أو فرَّط؛ أنَّه يَضمَن كالوديعة. وفي بقاء الرَّهنية - لأِنَّه يجمع أمانةً واسْتِيثاقًا، فبقِيَ أحدُهما -؛ وجهانِ. (وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّه كان ثابِتًا في ذِمَّة الرَّاهن قبل التَّلَف، ولم يُوجَد ما يُسقِطه، فبقِيَ بحاله، وكما لو دفع إليه عَبْدًا يبيعُه ويأخذ حقَّه من ثمنه، وكحبس (٤) عَينٍ مؤجرةٍ بعد الفسخ على الأجرة، بخلاف حبس البائعِ المتميزَ (٥) على ثمنه، فإنَّه يسقط في روايةٍ بتلفه؛ لأنَّه عِوَضُه، والرَّهْنُ ليس بعِوَض الدَّين؛ لأِنَّ الدَّين لا يَسقُط بتفاسُخهما، ذكره في «الانتصار» و «عيون المسائل».

стр. 2849

(وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ؛ فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ)؛ لأِنَّ الدَّين كله (١) يتعلَّق بجميع أجزاء الرهن (٢). فرعٌ: إذا قبض الرَّهن فوجده مستحَقًّا؛ لَزِمه ردُّه على مالكه، والرَّهْنُ باطلٌ من أصله. فإن أمسكه مع علمه حتَّى تَلِف؛ استقرَّ الضَّمان عليه، وللمالك تضمينُ أيِّهما شاء، فإن ضمن الرَّاهن؛ لم يَرجِع على أحدٍ، وإن ضمن المرتَهِن؛ رجع عليه. وإن لم يعلم بالغصب حتَّى تَلِف؛ فالحكم على ما ذكرنا. وإن تلف بغير تفريطه؛ فثالثها (٣): للمالك تضمين أيِّهما شاء، ويستقرُّ الضَّمان على الغاصب. (وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ (٤) جَمِيعَ الدَّيْنِ)، حكاه ابنُ المنذر إجْماعَ من (٥) يحفظُ عنه (٦)؛ لأِنَّ حقَّ الوثيقة يتعلَّق بجميع الرَّهن، فيصير محبوسًا بكلِّ الحقِّ، وبكلِّ جزءٍ منه، لا ينفكُّ منه شيءٌ حتَّى يقضيَ جميعَه، سواءٌ كان ممَّا يُمكِن قسمته أو لا، وكالضَّمان والشَّهادة. تنبيهٌ: يُقبَل قول المرتَهِن في التَّلَف، وقيل: والرَّدِّ، قال أحمدُ في مرتَهِنٍ ادَّعى ضياعَه: إن اتَّهمه أحلفه، وإلاَّ لم يُحلِفه (٧).

стр. 2850

وكذا إن ادَّعاه بحادثٍ ظاهرٍ، وشهدت بيِّنةٌ بالحادث؛ قُبِلَ قولُه فيه. وكذا وكيلٌ، وسيأتي. (وَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَينِ، فَوَفَّى أَحَدُهُمَا؛ انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ)؛ لأِن عَقْد الواحد مع الاِثْنين بمنزلة عَقْدَينِ، فكأنَّه رَهَنَ كلَّ واحدٍ منهما النَّصف منفرِدًا. وقال أبو الخَطَّاب: يكون رهْنًا عند الآخَر حتَّى يُوفِّيَه، نَظَرًا إلى أنَّ العقدَ واحدٌ. وحمله في «المغني» و «الشَّرح»: على أنَّه ليس للرَّاهن مُقاسَمة المرتَهِن؛ لِمَا عليه فيه من الضَّرر، فصار جميعُه رهْنًا. وعلى الأوَّل: لو طَلَب المقاسَمة؛ فإن كان ممَّا لا تنقصه (١) القسمة؛ كالمكيل والموزون؛ أجيب إليها، وإلاَّ فلا؛ لِمَا فيه من الضَّرَر على المرتَهِن، ويبقى في يده بعضُه رهْنٌ، وبعضُه وديعةٌ. (وَإِنْ رَهَنَهُ رَجُلَانِ شَيْئًا، فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا؛ انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ)؛ لأِنَّ الرَّاهِنَ مُتعدِّدٌ (٢)، فتعلَّق ما (٣) على كلٍّ منهما بنصيبه؛ لأنَّ الرَّهْنَ لا يتعلَّق بملك الغير إلاَّ إذا كان مأذونًا فيه، ولم يُوجَدْ، ونقل (٤) مهنَّى خلافَه (٥). فلو رهن اثنان عبدًا لهما (٦) عند اثنين بألفٍ فهذه أربعةُ عُقودٍ، ويصير كلُّ رُبُعٍ منه رهنًا بمائتين وخمسين، فمتى قضى في شيءٍ؛ انفكَّ من الرَّهن بقدر ذلك، ذكره القاضي.

стр. 2851

فرعٌ: إذا قضى بعضَ دَينه، أو أُبْرِئَ منه وببعضه رهْنٌ، أو كفيلٌ؛ فعمَّا نواه، فإن أطلق ولم ينوِ؛ فله صرفه إلى أيِّهما شاء. وقيل: يُوَزَّع بينهما بالحِصَصِ. (وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ (١)؛ لزِم الرَّاهِنَ الإيفاءُ؛ لأِنَّه دَينٌ حالٌّ، فلزِم إيفاؤه؛ كالَّذي لا رهن به، (وَامْتَنَعَ مِنْ وَفَائِهِ؛ فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ لِعَدْلٍ (٢) فِي بَيْعِهِ؛ بَاعَهُ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّه مأذونٌ له فيه، وفي بيعه بقيمته وجهان، بإذن مرتَهِنٍ؛ لأنَّ البَيعَ لحقِّه، فلم يَجُز حتَّى يَأْذَن فيه. ولا يحتاج إلى تجديد إذْنٍ من الرَّاهن في ظاهر كلامِ أحمدَ، وقيل: بلى، حكاه القاضي، لأنَّه قد يكون له غَرَضٌ في قضاءِ الحقِّ من غيره. (وَوَفَّى الدَّيْنَ)؛ لأِنَّه هو المقصودُ بالبيع، وما فَضَل من ثمنه لمالكه، وإن بقيَ من الدَّين شَيءٌ؛ فعلى الرَّاهن. (وَإِلاَّ)؛ أي: إذا لم يأذن في البيع، ولم يوفِّ؛ (رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، فَيُجْبِرُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعِ الرَّهْنِ)؛ لأِنَّ هذا شأنُ الحاكم، فإن امتنع؛ حَبَسَه أو عزَّره حتَّى يَفعلَ ما يأمره به. (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ)؛ أي: أصرَّ (٤) على المنْع، أو كان غائبًا، أو تغيَّب، قاله في «الرِّعاية الكبرى»؛ (بَاعَهُ الْحَاكِمُ) عليه، نصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه تعيَّنَ طريقًا إلى أداء الواجب أداؤه، (وَقَضَى دَيْنَهُ)؛ لأِنَّه حقٌّ تعيَّن عليه، فإذا امتنع من أدائه؛ قام الحاكم مَقامَه فيه؛ كالإيفاء من جنس الدَّين.

стр. 2852

وظاهِرُه: أنَّه ليس للمرتَهِن بَيعُه بغير إذْن ربِّه أو إذْن حاكم (١). وقيل: بلى. فإن لم يأْذَن المرتَهِن في بَيعه؛ قال له الحاكم: ائذن فيه، وخُذ دَينك من ثمنِه، أو أبرِئه منه. فرعٌ: إذا جَهِل ربَّ الرَّهْن، وأيِسَ من معرفته؛ فللمرتَهِن بَيعُه والصَّدقةُ به بشرط ضمانه، نَصَّ عليه (٢). وفي إذن (٣) حاكمٍ في بيعه مع القدرة، وأخذ حقِّه من ثمنه مع عدمه؛ روايتان؛ كشراءِ وكيلٍ.

стр. 2853

(فَصْلٌ) (وَإِذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ جَعْلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه قَبْضٌ في عَقْدٍ، فجاز التَّوكيل فيه؛ كقَبْض الموهوب، (وَقَامَ قَبْضُهُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ) في قول أكثر العلماء. وخالفَ فيه الحَكَمُ وغيرُه؛ لأِنَّ القَبضَ من تمام العقد، فتعلَّق بالمتعاقِدَين؛ كالإيجاب والقَبول. وجوابُه: ما سبق، وبأنَّه وكيلٌ، وقَبْضُه كقبض الموكِّل، مع أنَّه لو وُكِّل في الإيجاب والقَبول؛ صحَّ، وما ذكروه يَنتقض (١) بالقبض في البيع فيما يُعتبَر فيه القَبْضُ. وظاهرُه: يَقتضي جوازَ جعْل الرَّهن على يد مَنْ يجوز تَوْكِيلُه، وهو الجائزُ التَّصرُّف، فلا يجوز أن يكون صبيًّا، ولا عبدًا بغير إذْن سيِّده؛ لأِنَّ منافِعَه لسيِّده، فلا يجوز تَضْيِيعُها في الحفظِ بغير إذنه، ولا مكاتَبًا بغير جعْلٍ؛ لأنَّه ليس له التَّبرُّعُ بمنافعه. (وَإِنْ شَرَطَ جَعْلَهُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ؛ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ بِحِفْظِهِ)؛ لأِنَّ المتراهِنَينِ لم يَرْضَيَا إلاَّ بحفظهما معًا، فلا يجوز لأحدهما الانفرادُ؛ كالوصيَّيْنِ، فعلى هذا: يُجعل في مخزَنٍ عليه لكلِّ واحدٍ منهما قُفْلٌ. وإن سلَّمه أحدُهما إلى الآخَر؛ فعليه ضمان النِّصف؛ لأنَّه القدر الذي تعدَّى فيه. (وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِ الْعَدْلِ)؛

стр. 2854

لأِنَّ العَدْلَ ما دامَ بحاله لم يتغيَّر عن الأمانة، قال في «الشَّرح» وغيره: ولا حدَثَ (١) بينه وبين أحدهما عداوةٌ فليس لأحدهم نَقْلُه عن يده؛ لأنَّهما رضِيَا به في الابتداء، ولأنَّهما إذا لم يملكاه فالحاكم أَوْلى. وظاهره: أنَّهما إذا اتَّفقا على نَقْله؛ جاز، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّ الحقَّ لهما لا يَعْدُوهما. (إِلاَّ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُه) بفسقٍ، أو ضَعْفه (٢) عن الحفظ، أو عداوةٍ؛ فلكلٍّ منهم نقلُه عن يده؛ لأنَّ في مقامه في يده ضررًا على الطَّالب، فإذا اتَّفقَا على شخصٍ بصفاته؛ جازَ، فإنِ اختلفَا؛ وَضَعَه الحاكِمُ عند عدلٍ، فلو اختلفا في تغيُّر حاله؛ بحث الحاكمُ وعَمِل بما ظهر له، وكذا لو كان عند المرتَهِن فتغيَّر حالُه؛ فللرَّاهن رَفْعُ الأمر إلى الحاكم ليضعَه عند عدْلٍ، فإن مات هو أو العدل؛ لم يكن لورثتهما إمساكه إلاَّ برضاهما. (وَلَهُ)؛ أيْ: للعدل (رَدُّهُ إِلَيْهِمَا (٣)، وعليهما قبولُه؛ لأِنَّه أمينٌ مُتطوِّع (٤) بالحفظ، فلم يلزمه المقام عليه كسائرِ الأمانات. فإن امتنعا؛ أجبرهما الحاكم، وينصب أمينًا يَقْبِضُه لهما إذا تغيَّبا؛ لأنَّ له ولايةً على الممتنِع من الحقِّ. فدلَّ على أنَّه إذا دفَعَه إلى أمينٍ من غير امتناعهما؛ أنَّه يَضمن، صرَّح به جماعةٌ، وكذا لو تركَه العدلُ عند آخرَ مع وجودِهما. فإن امتنعَا، ولم يجد حاكمًا، فتركه عند عدلٍ؛ لم يضمَنْ. فإن امْتَنع أحدُهما؛ لم يكن له دفعه إلى الآخر، فإن فعل؛ ضمِن.

стр. 2855

والفرق: أنَّ العدلَ يُمسِكه لهما، وأحدهما يمسكه لنفسه. هذا إذا كانا حاضرين، فإن كانا غائبين نَظَرْت؛ فإن كان للعدل عذرٌ؛ رفعه إلى الحاكم يقبضه (١) منه، أو نصب (٢) عدلاً يقبضه لهما، فإن لم يجد حاكمًا؛ أَوْدعه ثقةً. وإن لم يكن عذرٌ، والغَيبةُ بعيدةٌ؛ قبضه الحاكم، فإن لم يجده؛ فثقةٌ، وإن كانت قريبةً؛ فكالحاضرين، وإن كان أحدهما حاضرًا؛ فكالغائبين. (وَلَا يَمْلِكُ رَدَّهُ إِلَى أَحَدِهِمَا)؛ لأِنَّ للآخَر حظًّا في إمساكه في يده، وفي ردِّه إلى أحدهما تضييعٌ، وظاهره: ولو كان أحدهما حاضرًا والآخَر مسافرًا، صرَّح به في «الشَّرح» وغيره. (فَإِنْ فَعَلَ؛ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى يَدِهِ)؛ أيْ: إلى يدِ نفسِه؛ لأِنَّ في ذلك عَودًا للحقِّ إلى مستحِقِّه، (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ ضَمِنَ حَقَّ الآْخَرِ)؛ لأِنَّه فوَّت عليه ما استحقَّه بعقد الرَّهن، أشْبَه ما لو أتلفه. (فَإِنْ (٣) أَذِنَا لَهُ)؛ أي: للعدل (فِي الْبَيْعِ؛ لَمْ يَبِعْ إِلاَّ بِنَقْدِ الْبَلَدِ)؛ لأِنَّ الحظَّ في ذلك للرَّواج فيه، (فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ؛ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ)؛ لأِنَّه أقربُ إلى وفاء الحقِّ، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جِنْسُ الدَّيْنِ؛ بَاعَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَصْلَحُ)؛ لأِنَّ عليه الاِحْتِياط فيما هو متولِّيه كالحاكم. والمذهب: أنَّه يبيعُ بأغلب نقوده إذا تعدَّدت، فإن تساوَت؛ فبجنس (٤) الدَّين، فإن عدم فبما (٥) ظنَّه أصلح، فإن تساوتْ عيَّن حاكمٌ (٦)، قاله في «المغني»

стр. 2856

و «الشرح»، ورجَّحه ابن المنجَّى؛ لأنَّه أعرف بالأحظِّ، وأبعد من التُّهمة. فإن عيَّنا نقدًا؛ تعيَّن، ولم تجُز (١) مخالفتهما؛ لأنَّ الحقَّ لهما. فإن اختلفا؛ لم يُقبَل قولُ واحدٍ منهما، فعلى هذا: يُرْفع (٢) إلى الحاكم ويأمر ببيعه بنقد البلد، سواءٌ كان من جِنس الحقِّ أو لم يكن، وافق قولَ أحدِهما أو لم يوافِق؛ لأنَّ الحظَّ في ذلك. قال المؤلِّف: والأَوْلى أن يبيعه بما فيه الحظُّ. (وَإِنْ) باع بإذْنهما، ثمَّ (قَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ) من غير تفريطٍ؛ (فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ)؛ لأِنَّ الثَّمنَ في يد العدْل أمانةٌ، فهو كالوكيل. فإن اختلفا في قبضه من المشتري؛ فوجهان: أحدهما: لا يُقبل؛ لأنَّه إبْراءٌ للمشتري من الثَّمن، كما لو أبرأه من غيره. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّه أمينٌ. (وَإِنِ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ؛ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّاهِنِ)؛ لأِنَّ المبيعَ له، فالعُهدة (٣) عليه، كما لو باع بنفسه، وحينئِذٍ لا رجوعَ له على العدل (٤)، ومحلُّه: إذا علم المشتري أنَّه وكيلٌ، قاله في «المغني» و «الشَّرح». لا يقال: يَرجِع (٥) المشتري على العدل؛ لكونه قبض الثَّمن بغير حقٍّ؛ لأنَّه سلَّمه (٦) إليه على أنَّه أمينٌ في قبضه (٧) يسلِّمه (٨) إلى المرتَهِن، فإن كان

стр. 2857

الرَّاهن مفلِسًا أو ميتًا؛ فالمرتَهِن والمشتري أسوةُ الغرماء؛ لأنَّهم تساوَوْا في ثبوت حقوقهم في الذِّمَّة. ويُسْتَثْنى من ذلك: لو بان مستحقًّا بعد دفع (١) الثَّمن إلى المرتَهِن؛ رَجَع المشتري على المرتَهِن؛ لأنَّه صار إليه بغير حقٍّ، فكان رجوعُه عليه، كما لو قبضه منه، فلو ردَّه المشتري بعيبٍ؛ رجع على الرَّاهن أو الوكيل إن لم يَعلم أنَّه وكيلٌ. (وَإِنِ ادَّعَى)؛ أي: العدلُ (دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، فَأَنْكَرَ، وَلَمْ يَكُنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ؛ ضَمِنَ. وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ، فَلَمْ يَفْعَلْ). وجملته: أنَّ العدْلَ إذا ادَّعى دَفْع الثَّمن إلى المرتَهِن، وأنكر، ولا بيِّنة للعدل؛ فعلى ضَرْبَينِ: أحدهما: أن يكونَ أُمِرَ بالإشهاد، ولم يُشهِد؛ فيَضمن؛ لتفريطه ومخالفة أمر موكِّله، إلاَّ أن يقضيَه بحضرةِ الموكل. الثَّاني: يُطلَق (٢)، وفيه روايتان: إحداهما، وهي المذهب: أنَّه يضمن؛ لأنَّه فرَّط حيث لم يُشهِد، ولأنَّه إنَّما أذن له في قضاء مبرئ (٣)، ولم يحصل، وحينئِذٍ فيرجعُ المرتَهِن على راهنه، ثمَّ هو على العدل، ومحلُّه: ما إذا كان القضاء بغير بيِّنةٍ، فإن كان (٤) بها؛ لم يضمن؛ لعدم تفريطه، سواءٌ كانت البيِّنةُ قائمةً أو معدومةً. وشرطه: عدالتُهم، وألاَّ يكون بحضرة الموكِّل، صرَّح به جماعةٌ؛ لأنَّه لا

стр. 2858

يُعدُّ مفرِّطًا. والثانية (١): لا يَضمن، اختاره ابن عَقيلٍ، لأنَّه أمينٌ. وفي «الشرح» وغيره: إذا ادَّعى دَفْع الثَّمنِ إلى المرتَهِن؛ وجهان: أحدهما: يُقبل على الرَّاهن لا المرتَهِن، ذكره القاضي؛ لأنَّه وكيل الرَّاهن في دفع الثَّمن، ووكيل المرتَهِن في الحفظ (٢)، فلم يُقبَل قوله في حقِّه. والثَّاني: يُقبَل قوله على المرتَهِن في إسقاط الضَّمان عن نفسه، ولا يُقبل في (٣) نفي الضَّمان عن غيره، ذكره الشَّريف أبو جعفرٍ، لأنَّه أمينٌ، فعليه: إذا حَلَف العدلُ؛ سقط الضَّمان عنه، ولم يَثبت على المرتَهِن أنَّه قبضه. (وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ) فيما ذكرنا؛ لأنَّه في معناه. (وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوِ الْعَدْلُ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ كُلًّا منهما أهلٌ للوكالة، فصحَّ كالأجنبيِّ، ويصحُّ بَيعُه؛ لأِنَّه شَرْطٌ فيه مصلحةٌ للمرتَهِن، لا يُنافِي مُقتضَى الرَّهْن، فصحَّ؛ كما لو شَرَط صِفَةً فيه. (فَإِنْ (٤) عَزَلَهُمَا؛ صَحَّ عَزْلُهُ) في المنصوص (٥)؛ كسائر الوكالات، وحينئِذٍ لا يَمْلِكُ البَيعَ. وقال ابن أبي موسى: يتوجَّه لنا أنَّه لا يَنعزِل، فإنَّ أحمد مَنَع الحيلةَ، وهذا يَفتح بابَ الحيلة للرَّاهن، فإنَّه يَشرِط ذلك للمرتَهِن، فيجيبه إليه، ثمَّ يَعزِله، ولأِنَّ وكالته صارت من حقوق الرَّهن، فلم يكن للرَّاهن إسقاطُه كسائر حقوقه. ورُدَّ: بأنه لا يَمنَع جوازَه، كما لو شرط الرَّهن في البيع، فإنَّه لا يصير

стр. 2859

لازِمًا. (وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ)؛ أي: حلول الحقِّ؛ فهو شرْطٌ فاسِدٌ؛ لأِنَّه يُنافِي مُقتضَى العقد. ومثلُه: إذا شَرَط ألاَّ يَستوفِيَ الدَّين من ثمنه، أو لا يُباع ما خِيف تَلَفُه، أو يَبيع (١) الرَّهنَ بأيِّ ثَمَنٍ (٢) كان، أو لا يبيعه إلاَّ بما (٣) يُرضيه، أو شَرَط الخيارَ للرَّاهن، أو أن لا يكون العقد لازِمًا في حقِّه، أو يوقَّت (٤) الرَّهْن. (أَوْ إِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ، وَإِلاَّ فَالرَّهْنُ لَهُ)؛ أيْ: بالدَّين، أو: فهو مَبِيعٌ بالدَّين الذي عليك؛ (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ)، بغير خِلافٍ نَعلَمُه (٥)؛ لِما روى عبد الله بن جعفرٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يَغلَق الرَّهْنُ»، رواه الأثرم (٦)، قلت لأحمدَ ما معنى: «لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»؟ قال: لا يَدفع رهنًا إلى رجلٍ، ويقول: إن جئْتُك بالدَّراهم إلى كذا، وإلاَّ فالرَّهن لك (٧)؛ ولأنَّه علَّق البيع (٨) على شرطٍ؛ لأنَّه جعله مبيعًا (٩) بشرط أن لا يوفيَه الحقَّ في محلِّه، والبيع

стр. 2860

المعلَّق بشرطٍ لا يصحُّ. (وَفِي صِحَّةِ الرَّهْنِ رِوَايَتَانِ)، مبنيَّتان على الرِّوايَتَين في البيع، قاله في «الفروع» وغيره: إحداهما: لا يصحُّ، جزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الشَّرح» ونصره؛ لأنَّه رَهَن بشرطٍ فاسدٍ فأفسده، كما لو شرط توقيتَه (١). والثَّانية: لا، نصرها أبو الخَطَّاب في «رؤوس المسائل»، واستدلَّ بالخبرِ؛ فنفى غَلق الرَّهن دون أصله، فدلَّ على صحَّته؛ لأنَّ فيه شرْطًا فاسدًا، ولم يَحكُم بفساده. وقيل: ما ينقص بفساده حقُّ المرتَهِن؛ يَبطله وجهًا واحدًا، وما لا فوجهان. وقيل: إن شَرَط رهْنًا موقَّتًا، أو شرطه يومًا ويومًا لا؛ فسد الرَّهنُ، وهل يَفسد بسائرها؟ على وجهين، بناءً على الشُّروط الفاسدة في البيع. وحكى في «المغني» عن القاضي أنَّه قال: يحتمل فسادُ الرَّهن بالشَّرط الفاسد بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ العاقِدَ إنَّما بَذَل مِلْكه بهذا الشَّرط، فإذا لم يُسلَّم له؛ أفضى (٢) إلى أخذِ ماله بغير رضاه، والقياسُ يقتضي ذلك في البيعِ، لكن تُرك فيه للأثر. ثمَّ إذا بطل وكان في بيعٍ؛ ففي بطلانه لأخذه حظًّا من الثَّمن أم لانفراده عنه؛ كمَهْرٍ في نكاحٍ؛ احتمالان. فرعٌ: إذا تبايَعا بشرطِ أن يكون المبيعُ رهْنًا على ثمنه؛ لم يصحَّ، قاله ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّ المبيعَ (٣) حين شُرِط رهْنُه لم يكن ملكًا له، وسواءٌ شرط أنَّه يقبضه

стр. 2861

ثمَّ يرهنه، أو شرط رهنه قبل قبضه. وعنه: إذا حَبَسَ المبِيعَ ببقيَّة الثَّمن فهو غاصبٌ، ولا يكون رهْنًا، إلاَّ أن يكون شرطًا (١) عليه في نفس البَيع، وهذا يدلُّ على صحَّة الشَّرط. وحملها القاضي: على أنَّه شرَطَ عليه في البيع رهْنًا غير المبيع، فيكون له حَبْسُ المبِيعِ حتَّى يَقبِض (٢) الرَّهن، فإن لم يَفِ له، وإلاَّ فُسِخ البيع.

стр. 2862

(فَصْلٌ) (إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ)؛ بأن قال المرتَهِنُ (١): لي عليك ألْفٌ رَهنتني عليها عبدَك فلانًا، فقال الرَّاهن: بل هي مائةٌ، (أَوِ الرَّهْنِ)؛ بأن قال المرتَهِن: هذا العبدُ والأمةُ، فقال الرَّاهن: بل أحدهما؛ قُدِّم قولُه؛ لأنَّه منكِرٌ، والقولُ قولُه في أصل العقد، فكذا في صِفته. (أَوْ رَدِّهِ)؛ بأن قال المرتَهِن: ردَدْتُه إليك، وقال الرَّاهن: لم أَقبضه؛ قُبِل قولُه؛ لأِنَّ الأصل معه، والمرتَهِن قَبَض العَين لمنفعته، فلم يُقبَل قولُه في الرَّدِّ؛ كالمستأجِر. وقيل: يُقبَل قولُ المرتَهِن؛ لأِنَّه أمينٌ. وفي «التذكرة»: أنَّ من قُبِل قوله من الأمناء في الرَّدِّ؛ لم يُحلَّف. فلو طُلب منه الرَّدُّ، وقُبِل قولُه؛ فهل له تأخيره لِيَشهد؟ فيه وجهان إن حلف، وإلاَّ فلا. (أَوْ قَالَ: أَقْبَضْتُكَ عَصِيرًا، قَالَ) المرتَهِن: (بَلْ خَمْرًا)، في عقدٍ مشروطٍ فيه الرَّهن؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّهما اختلفا فيما يَفسُد به العقد، فقُبِل قَولُ مَنْ يَنفيه، أو (٣) لأنَّ المرتَهِن مُعتَرِفٌ بعقْدٍ وقَبْضٍ، ويَدَّعي فسادَه، والأصلُ السَّلامةُ. فرعٌ: إذا قال: أرسلتَ وكيلَك فرَهَنَني عبدَك هذا على عشرين قَبَضها، قال: ما أمرته إلاَّ بعشرةٍ وصارت إليَّ؛ سئل الرَّسول؛ فإن صدَّق الرَّاهن؛

стр. 2863

فعليه اليمين دون الرَّاهن؛ لأِنَّ الدَّعوى على غيره، فإذا حَلَف الوكيل؛ برئا معًا، وإن نكل؛ فعليه العشرة المختلَف فيها، ولا يرجع بها على أحدٍ، وإن صدَّق المرتّهِنَ، وادَّعى أنَّه سلَّم العشرين إلى الرَّاهن؛ قُبِل قولُ الرَّاهن مع يمينه، وإن نكل قُضي عليه بالعشرة، وتُدفع. (١) إلى المرتَهِن، وإن حلف برئ، وعلى الوكيل غرامةُ العشرة للمرتَهِن. (وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ رَهْنِهِ؛ عَتَقَ)؛ لأِنَّ السَّيِّدَ غيرُ مُتَّهَمٍ في الإقرار بعتقه؛ لأِنَّه لو أنشأ ذلك عَتقُ، فكذا إذا أخبر؛ لأنَّ كلَّ مَنْ صحَّ منه إنشاءُ عقدٍ؛ صحَّ منه الإقرارُ به. وقيل: لا يُقبَل منه، كما لو أقرَّ به بعد بَيعِه. (وَ) على الأوَّل: (أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ، فَجُعِلَتْ رَهْنًا مَكَانَهُ)؛ لأِنَّه فوَّت عليه الوثيقة بالعتق، فلزمته القيمةُ، تُجعَل رهنًا؛ جَبْرًا لِما فاته من الوثيقة. هذا إذا كان موسِرًا، فإن كان معسِرًا؛ فعلى ما سبق. وشرطه: أن يُكذِّبه المرتَهِن في ذلك. (وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ جَنَى عَلَيْهِ، أَوْ (٢) أَنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ غَصَبَهُ؛ قُبِلَ عَلَى نَفْسِهِ)؛ لأِنَّه مُقِرٌّ على نفسه فقُبِل، كما لو أقرَّ له بدَينٍ، (وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ)؛ أي: مع تكذيبه إيَّاه؛ لأنَّه متَّهَمٌ في حقِّه، وقَولُ الغير على غيره غيرُ مقبولٍ. فعلى هذا: إذا كذَّبه المرتَهِنُ وولِيُّ الجناية؛ لم يُسمَع قولُه، وإن صدَّقه وليُّ الجناية؛ لزمه أرْشُها إن كان موسِرًا؛ لأنَّه حال بين المجنيِّ عليه وبين رقبة الجاني بفعله، أشبه ما لو قتله. وإن كان معسِرًا؛ تعلَّق حقُّ المجنيِّ عليه برقبته إذا انفكَّ الرَّهن، وحينئِذٍ

стр. 2864

فيَستحِقُّ المشتري والمغصوب منه الرَّهن إذا انفكَّ منه؛ لأنَّ اعترافَه مقتضٍ لذلك (١) حالاً ومآلاً، خُولِف في الحال؛ لأجل حقِّ المرتَهِن، فمتى زال؛ عَمِلَ المقتضي عملَه. وفي «الشرح»: تَلزمه (٢) قيمته للمغصوب منه؛ لأنَّه حال بينه وبينه بِرَهْنه. وفيه شيءٌ، لكنْ على المرتَهِن اليمينُ أنَّه لا يَعلم ذلك. (إِلاَّ أَنْ يُصَدِّقَهُ)، فإنَّه يبطل الرَّهن؛ لوجود المقتضي السَّالم عن المعارض (٣). وقيل: إن أقرَّ ببيعه، أو غصبه، أو جنايته، وهو موسر، كإقراره بنسب مطلقًا؛ صحَّ ولزمته قيمته رهنًا؛ كالعتق. وقيل: يُبطل إقراره مجَّانًا، ويَحلف على البتِّ.

стр. 2865

(فَصْلٌ) (وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ مَرْكُوبًا أَوْ مَحْلُوبًا؛ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْكَبَ وَيَحْلُبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ)، وجملته: أنَّ الرَّهن ينقسم إلى حيوانٍ وغيره. والأوَّل نوعان: أحدهما: إذا كان مركوبًا أو محلوبًا، فنَصَّ أحمدُ في رواية محمد بن الحكم وأحمد بن القاسم: أنَّ للمرتَهِن أن يركب ويحلب بقدر نفقته (١)، (مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ)، هذا هو المشهور؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الظَّهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشرب (٢) بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النَّفقة» رواه البخاريُّ (٣)، ولأنَّ الحيوان نفقته واجبةٌ، وللمرتَهِن فيه حقٌّ، وقد أمكنه اسْتِيفاءُ حقِّه من منافعه مع بقاء عينه؛ فجاز، كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند عدم الإنفاق عليها. لا يُقال: المرادُ به: أنَّ الرَّاهن ينفق وينتفع؛ لأنَّه مَدْفُوع بما روي: «إذا كانت الدابَّةُ مرهونةً، فعلى المرتَهِن عَلَفُها» (٤)، فجعل المرتَهِن هو المنفق،

стр. 2866

فيكون هو المنتفع. وقوله: «بِنَفَقَتِه (١)»؛ أي: بسببها؛ إذ الانتفاع عوض النفقة، وذلك إنما يَتأتى مِنْ (٢) المرتهن، أمَّا الرَّاهن فإنفاقه وانتفاعه ليسا بسبب الرُّكوب، ولو تُرِكت لذَهَبتْ (٣) مجَّانًا. وكذا اللَّبن لو تُرِك لفسد، وبيعه (٤) أوَّلاً فأوَّلاً متعذِّر (٥)، والحيوان لا بدَّ له من نفقة، فقد يتعذَّر من المالك، وبيع بعض الرَّهن فيها (٦) قد يُفوِّت الحقَّ بالكُلِّيَّة. وهذا فيما إذا أنفق محتسِبًا بالرُّجوع، فإن كان متبرِّعًا؛ لم يَنتفع روايةً واحدةً. ثمَّ إن فَضَل من اللَّبن شيءٌ، ولم يُمكن (٧) بقاؤه إلى حلول الدَّين؛ فله بيعُه بإذن مالكه، وإلاَّ باعه الحاكم. وعنه: لا يحتسب له بما أنفق، ولا ينتفع من الرَّهن بشيءٍ، وهو قول أكثر العلماء؛ لقوله ﵇: «لا يَغلَق الرَّهن مِنْ راهنه، له غُنمُه وعليه غرمه» رواه الشَّافعيُّ والدَّارقطنيُّ، وحسَّن إسنادَه من حديث أبي هريرةَ (٨)، ولأنَّه مِلْك غيرِه، لم يأذن له في ذلك، فلم يكن له؛ كغير الرَّهن. والأُولى أصحُّ.

стр. 2867

ويَدخل في المحلوب: ما إذا كانت أمةً مرضعةً (١)، فله أن يَسترضعها بقدر نفقتِها، ذَكَره أبو بكر، ونصَّ عليه ابن حمدان. وعلى ما ذكره المؤلف: لا فرق بين أن يُنفِق مع تَعذر النفقة من الراهن لغيبة أو امتناع، أو مع القدرة على أخذها منه أو استئذانه (٢)، صرَّح به في «المغني» و «الشرح»، وذكر (٣) جماعة: مع غيبة ربه، زاد ابن حمدان: أو امتناعه. النوع الثاني: الحيوان غير المركوب والمحلوب؛ كالعبد (٤) والأَمَة، فليس للمرتَهِن أن يُنفق عليه ويستخدمه بقدرها في ظاهر المذهب؛ قصرًا للنص على مَوْرده. والثانية (٥): بلى؛ لفهم العلَّة، وهو ذهاب المنفعة. ونقل حنبل: يَستخدم العبدَ (٦)، وفي «الكافي»: أنه قد خالف الجماعة. وهذا كله إذا كان الدينُ غيرَ قرض، فإن كان قرضًا؛ لم يَجز، نصَّ عليه؛ حذارًا من قرضِ منفعة (٧). القسمُ الثَّانِي: غيرُ ذلك، وهو ممَّا لا يحتاج إلى مؤنة؛ كالدَّار والمتاع، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع بشيء منه بغير خلاف نعلمه (٨)؛ لأن نماء الرَّهن يسلك به مسلكه.

стр. 2868

نعم؛ إن أذن له الراهنُ في الانتفاع، ولم يَكن الدينُ عن قرضٍ؛ جاز؛ لوجود طيبِ النفس. (وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ)؛ أي: الحيوان (بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ مَعَ إِمْكَانِهِ؛ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ)؛ أي: لا يرجع بشيءٍ، صرَّح به أبو الخَطَّاب وغيره؛ لأنَّه تصدَّق به، فلم يرجع بعوضه؛ كالصدقة على مسكين، أو لأنَّه مُفرِّط حيث لم يَستأذن المالكَ؛ إذ الرجوع فيه معنى المعاوضة، فافتقر إلى الإذن والرضا كسائر المعاوضات. وظاهره: ولو نوى الرجوع، وصرَّح به في «الفروع». واقتضى: أنَّه إذا أنفق بإذن المالك؛ أنه يَرجع؛ لأنه ناب عنه في الإنفاق، أشبه ما لو وكله فيه. (وَإِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْحَاكِمَ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يَرجع، وجزم (١) بها في «الوجيز»؛ لأنَّه أنفق عليه عند العجز عن استئذانه، وهو محتاجٌ إليه لحراسة حقِّه، أشبه ما لو عَجَز عن استئذان الحاكم. والثانية: لا يَرجع بشيءٍ؛ لأنَّ النَّفقة معاوَضةٌ، فافتقرت إلى رضا المالك أو من يقوم مقامه؛ كسائر المعاوضات. ومقتضاه: أنَّه إذا عجز عن استئذانه واستأذن الحاكم؛ أنه يرجع؛ لأنَّه يقوم مقام المالك. وفي «الفروع»: إذا تعذَّر؛ رجع إن أشهد بالأقلِّ ممَّا أنفق أو نفقة مثله، وإلاَّ فروايتان. (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ، وَفِي نَفَقَةِ الْجِمَالِ إِذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا

стр. 2869

فِي يَدِ الْمُكْتَرِي)؛ لأِنَّها أمانةٌ أشبهت الرَّهن، وذكر الجِمال على سبيل ضرب المثال؛ لأنَّ حكم كلِّ حيوانٍ مؤجَرٍ كذلك. (وَإِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ فَعَمَرَهَا الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ عمارتها ليست بواجبةٍ على الرَّاهن، فلم يكن لغيره أن ينوب عنه فيما لا يلزمه، بخلاف نفقة الحيوان؛ لحُرمته في نفسه، وحينئِذٍ ليس له الانتفاع بها بقدر عمارتها، وله الرُّجوع بآلته فقط على المذهب. وقيل: وبما يحفظ به ماليَّة الدَّار. وأطلق في «النَّوادر»: أنه يرجع، وقاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين فيمن عَمَر وقفًا بالمعروف؛ ليأخذَ عِوضَه؛ أَخَذه من مَغلِّه (١).

стр. 2870

(فَصْلٌ) (وَإِذَا جَنَى الرَّهْنُ)؛ كالعبد، (جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ)، سواءٌ كانت على إنسانٍ أو ماله؛ (تَعَلَّقَ أَرْشُهَا (١) بِرَقَبَتِهِ)؛ أيْ: برقبة الجاني، وقُدِّمت على حقِّ المرتَهِن، بغير خلافٍ نعلمه (٢)؛ لأنَّها مقدَّمةٌ على حقِّ المالك، والملكُ أقوى من الرَّهن، فأَوْلى أن يقدَّم على الرَّهن. لا يقال: حقُّ المرتَهِن يُقدَّم أيضًا على حقِّ المالك؛ لأنَّ حقَّ المرتَهِن ثبت من جهة المالك بعَقْدِه، بخلاف حقِّ الجناية، فإنه ثبت بغير اختياره مقدَّمًا على حقِّه، فيُقدم (٣) على ما ثبت بعقده؛ لأنَّ حقَّ الجناية يختصُّ (٤) بالعين، فسقط (٥) بفواتها، وحقُّ المرتَهِن لا يَسقط بفوات العين ولا يَختصُّ بها، فكان تعلُّقُه بها أخفَّ وأدنى. (وَلِسَيِّدِهِ فِدَاؤُهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ) على الأصحِّ؛ لأنَّه إن كان الأرْشُ أقلَّ؛ فالمجنِيُّ عليه لا يَستحقُّ أكثرَ من أرش جنايته، وإن كانت القيمةُ أقلَّ؛ فلا يلزم السَّيِّدَ أكثرُ منها؛ لأنَّ ما يَدفعه عِوَضٌ عن العبد، فلا يَلزمه أكثرُ من قيمته؛ كما لو أتلفه، (أَوْ يَبِيعُهُ (٦) فِي الْجِنَايَةِ، أَوْ يُسَلِّمُهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكُهُ)؛ لأِنَّ حقَّ المجنِيِّ عليه في قيمته لا في عينه، فيثبت (٧)

стр. 2871

الخِيَر في هذه الأمور. (وَعَنْهُ: إِنِ اخْتَارَ فِدَاءَهُ؛ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَرْشِ)، بالِغًا ما بَلَغَ؛ لأنَّه ربَّما رَغِب فيه راغِبٌ، فيشتريه بأكثر من قيمته. (فَإِنْ فَدَاهُ؛ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ)؛ لأِنَّ حقَّ المرتَهِن قائِمٌ؛ لوجود سببه، فلم يبطل الرَّهن، وإنَّما قدِّم حقُّ المجنِيِّ عليه؛ لقوَّته، فإذا زال؛ ظهر حقُّ المرتَهِن. (وَإِنْ سَلَّمَهُ) في الجناية، أو باعه؛ (بَطَلَ الرَّهْنُ)؛ لأِنَّ الجناية تعلَّقت بالعبد؛ وبالتَّسليم استقرَّ كونُه عِوَضًا عنها، فبطل كَونُه محَلًّا للرَّهن، أشْبَهَ ما لو تلف أو ظهر مستحَقًّا لغيره. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ)؛ أيْ: قيمة العبد؛ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ) على المذهب؛ لأِنَّ بَيعَه إنَّما جاز ضرورةً، فيتقيَّد بقدر الحقِّ، (وَبَاقِيهِ رَهْنٌ)؛ لزوال المعارِض. لكِنْ إن تعذَّر بَيعُ بعضه؛ بِيعَ كلُّه؛ للضَّرورة المقتضية لبيعه، ويكون باقي ثمنِه رهْنًا، وصرَّح به في «الكافي». (وَقِيلَ: يُبَاعُ جَمِيعُهُ)، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لأِنَّ بَيعَ البعض تَشقِيصٌ له، وهو عَيبٌ يَنقُص به الثَّمَنُ، وفيه (١) ضَرَرٌ بالمالِك (٢) والمرتَهِن، وهو مدفوعٌ؛ لقوله ﵇: «لَا ضَرَرَ ولا إضْرارَ» (٣)، (وَ) حينئِذٍ: (يَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ) بعد دَفْع

стр. 2872

أرْش الجناية؛ (رَهْنًا)؛ لأِنَّه بَدَلٌ عن الرَّهْن، وعِوَضٌ عنه، فتعلَّق به ما كان متعلِّقًا بمُبدَله. وأطلق في «البلغة» و «الفروع» الوجهين؛ كأبي الخَطَّاب. فإن امتنع السَّيِّدُ من ذلك؛ فالمرتَهِن مخيَّرٌ بين فدائه وتسليمه. (فَإِنِ (١) اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ فِدَاءَهُ) فبِكَم يَفديه؟ (٢) (فَفَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ؛ رَجَعَ بِهِ)؛ لأِنَّه أدَّى بإِذْن مالكه، فوجب أن يَستحِقَّ (٣) الرُّجوع به عليه كقضاء دَينه بإذنه. (وَإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، بِناءً على ما لو قضى دَينه بغير إذنه. ومحلُّ الرُّجوع: ما إذا كان يعتقده، وتركه المؤلِّف لظهوره؛ لأِنَّ المتبرِّع لا رجوعَ له، لكن لو زاد في الفداء على الواجب؛ لم يَرجِع به وجْهًا واحدًا.

стр. 2873

فلو بذل المرتَهِن الفداءَ؛ لتكون العَينُ رهنًا عليه وعلى الدَّين الأوَّل؛ فقال القاضي: يجوز؛ لأنَّ المجْنِيَّ عليه يملك بَيعَ الرَّهن وإبطالَه، فصار بمنزلة الرَّهن الجائز قبل قبضه، والزِّيادة فيه قبل لزومه جائزةٌ. وفيه وجْهٌ: بالمنع؛ لأنَّ العبد رهن (١) بدَينٍ، فلم يَجُزْ رهْنُه بدَينٍ آخَرَ؛ كغيره. (وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَصَاصِ)؛ فالخصمُ في ذلك سيِّده؛ لأنَّه (٢) المالِكَ، والأَرْش الواجب بالجناية مِلكه (٣)، وإنَّما للمرتَهِن فيه حقُّ الوثيقة، أشْبَه العبدَ المستأجَرَ. وقال أبو الخَطَّاب: ليس له القصاص بغير رضا المرتَهِن؛ لِما فيه من إسقاط حقِّه من الوثيقة. وجوابُه: بإيجاب القيمة تُجعل (٤) رهنًا، فلم يسقط حقُّه من الوثيقة. وعلى المذهب: لو ترك السَّيِّدُ المطالبة، أو أخَّرها لغَيبة، أو له عُذْرٌ يمنعه منها؛ فللمرتَهِن المطالَبة بها؛ لأنَّ حقَّه متعلِّقٌ بمُوجِبِها، كما لو كان الجاني سيِّدَه. (فَإِنِ اقْتَصَّ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا (٥) قِيمَةً، تُجْعَلُ مَكَانَهُ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لأنَّه أتلف مالاً استُحِقَّ بسبب إتْلاف الرَّهن، فغرم قيمته، كما لو كانت الجناية موجبةً للمال، وإنَّما وجب أقلُّ (٧)

стр. 2874

القِيمَتين (١)؛ لأنَّ (٢) حقَّ المرتَهِن متعلِّق بالمالية، والواجب من المال هو أقلُّ القيمتين. فعلى هذا: لو كان الرَّهن يساوي عشرةً، والجاني خمسةً، أو بالعكس؛ لم يكن عليه إلاَّ الخمسة؛ لأنَّه في الأُولى لم يفوِّت على المرتَهِن إلاَّ ذلك القدر، وفي الثَّانية: لم يكن حقُّ المرتَهِن متعلِّقًا إلاَّ بذلك القدر. وفي «المغني»: إن اقتصَّ منه؛ أُخِذت قيمتُه فجُعِلتْ رهنًا. وظاهره: أنَّه يَجِبُ على الرَّاهن جميع قيمة الجاني، قال ابن المنجَّى: وهو متَّجِهٌ؛ لأنَّه بدلٌ عن الرهن (٣)، فكان كلُّه رهنًا. وفيه شَيءٌ، فإنَّه صرَّح بخلافه. وقيل: لا يجب شَيءٌ، قال في «المحرر»: وهو أصحُّ عندي؛ لأنَّه لم يجب بالجناية (٤) مالٌ، ولا استُحِقَّ بحالٍ (٥)، وليس على الرَّاهن أن يَسعى للمرتهن (٦) في اكتساب مالٍ (٧)، وعلى الأوَّل فيما إذا كان القصاص قَتْلاً. فإن كان جُرحًا، أو قَلْعَ سِنٍّ ونحوه؛ فالواجب بالعفو (٨) أقلُّ الأَمْرَينِ من أرْش الجراح (٩) أو قيمة الجاني، وإن عفا مطلَقًا؛ انبنى على مُوجِب العمد. (وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ أَوْ وَرَثَتُهُ)؛ لأِنَّه في الحكم

стр. 2875

كما إذا جنى عليه أجنبِيٌّ فاقتَصَّ الرَّاهن منه؛ لأنَّهما يستويان معنىً (١)، فوجب تساويهما حكمًا. (وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ)؛ فإنَّه يتعلَّق به حقُّ الرَّاهن والمرتَهِن، ويجب (٢) مِنْ غَالب نَقدِ البلد؛ كقِيَم المتلَفات، فلو أراد الرَّاهن أن يصالِح (٣) عنها، أو يأخذ عنها عرضًا (٤)؛ لم يَجُز إلاَّ بإذن المرتَهِن، فإن أذن جاز؛ لأنَّ الحقَّ لهما، (فَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ رَهْنًا (٥)؛ لأنَّه بدَلٌ عنه، فيُعطى حكمَه. (وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ؛ صَحَّ فِي حَقِّهِ)، فيَسقُط حقُّه، قاله القاضي، (وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ)؛ لأِنَّ عفوَه صادَف حقًّا له وحقًّا لغيره، فصحَّ في حقِّه؛ لأنَّه لا مانِعَ منه، بخلاف المرتَهِن؛ لِما فيه من إبطال حقِّه، فتؤخَذ القيمةُ من الجاني تكون (٦) رهنًا. (فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ؛ رُدَّ إِلَى الْجَانِي)؛ لزوال المانع، وكما لو أقر أنَّ الرَّهن مغصوبٌ أو جانٍ، فإن استوفى الدَّين من الأرش؛ ففي «الشَّرح» احتمالان: أحدهما: يرجع الجاني على العافي؛ لأن مالَه ذَهَب في قضاء دينه، فلزمته غرامتُه (٧)، كما لو استعاره فرهنه. والثَّاني: لا رجوعَ له؛ لأنَّه لم يُوجَد في حقِّ الجاني ما يقتضي وجوبَ الضَّمان، فإنَّما استوفى بسبب منه حال ملكه، أشبه ما لو جنى إنسانٌ على
следующие страницы →