← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

الخِيَر في هذه الأمور. (وَعَنْهُ: إِنِ اخْتَارَ فِدَاءَهُ؛ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَرْشِ)، بالِغًا ما بَلَغَ؛ لأنَّه ربَّما رَغِب فيه راغِبٌ، فيشتريه بأكثر من قيمته. (فَإِنْ فَدَاهُ؛ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ)؛ لأِنَّ حقَّ المرتَهِن قائِمٌ؛ لوجود سببه، فلم يبطل الرَّهن، وإنَّما قدِّم حقُّ المجنِيِّ عليه؛ لقوَّته، فإذا زال؛ ظهر حقُّ المرتَهِن. (وَإِنْ سَلَّمَهُ) في الجناية، أو باعه؛ (بَطَلَ الرَّهْنُ)؛ لأِنَّ الجناية تعلَّقت بالعبد؛ وبالتَّسليم استقرَّ كونُه عِوَضًا عنها، فبطل كَونُه محَلًّا للرَّهن، أشْبَهَ ما لو تلف أو ظهر مستحَقًّا لغيره. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ)؛ أيْ: قيمة العبد؛ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ) على المذهب؛ لأِنَّ بَيعَه إنَّما جاز ضرورةً، فيتقيَّد بقدر الحقِّ، (وَبَاقِيهِ رَهْنٌ)؛ لزوال المعارِض. لكِنْ إن تعذَّر بَيعُ بعضه؛ بِيعَ كلُّه؛ للضَّرورة المقتضية لبيعه، ويكون باقي ثمنِه رهْنًا، وصرَّح به في «الكافي». (وَقِيلَ: يُبَاعُ جَمِيعُهُ)، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لأِنَّ بَيعَ البعض تَشقِيصٌ له، وهو عَيبٌ يَنقُص به الثَّمَنُ، وفيه (١) ضَرَرٌ بالمالِك (٢) والمرتَهِن، وهو مدفوعٌ؛ لقوله ﵇: «لَا ضَرَرَ ولا إضْرارَ» (٣)، (وَ) حينئِذٍ: (يَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ) بعد دَفْع

стр. 2872

أرْش الجناية؛ (رَهْنًا)؛ لأِنَّه بَدَلٌ عن الرَّهْن، وعِوَضٌ عنه، فتعلَّق به ما كان متعلِّقًا بمُبدَله. وأطلق في «البلغة» و «الفروع» الوجهين؛ كأبي الخَطَّاب. فإن امتنع السَّيِّدُ من ذلك؛ فالمرتَهِن مخيَّرٌ بين فدائه وتسليمه. (فَإِنِ (١) اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ فِدَاءَهُ) فبِكَم يَفديه؟ (٢) (فَفَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ؛ رَجَعَ بِهِ)؛ لأِنَّه أدَّى بإِذْن مالكه، فوجب أن يَستحِقَّ (٣) الرُّجوع به عليه كقضاء دَينه بإذنه. (وَإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، بِناءً على ما لو قضى دَينه بغير إذنه. ومحلُّ الرُّجوع: ما إذا كان يعتقده، وتركه المؤلِّف لظهوره؛ لأِنَّ المتبرِّع لا رجوعَ له، لكن لو زاد في الفداء على الواجب؛ لم يَرجِع به وجْهًا واحدًا.

стр. 2873

فلو بذل المرتَهِن الفداءَ؛ لتكون العَينُ رهنًا عليه وعلى الدَّين الأوَّل؛ فقال القاضي: يجوز؛ لأنَّ المجْنِيَّ عليه يملك بَيعَ الرَّهن وإبطالَه، فصار بمنزلة الرَّهن الجائز قبل قبضه، والزِّيادة فيه قبل لزومه جائزةٌ. وفيه وجْهٌ: بالمنع؛ لأنَّ العبد رهن (١) بدَينٍ، فلم يَجُزْ رهْنُه بدَينٍ آخَرَ؛ كغيره. (وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَصَاصِ)؛ فالخصمُ في ذلك سيِّده؛ لأنَّه (٢) المالِكَ، والأَرْش الواجب بالجناية مِلكه (٣)، وإنَّما للمرتَهِن فيه حقُّ الوثيقة، أشْبَه العبدَ المستأجَرَ. وقال أبو الخَطَّاب: ليس له القصاص بغير رضا المرتَهِن؛ لِما فيه من إسقاط حقِّه من الوثيقة. وجوابُه: بإيجاب القيمة تُجعل (٤) رهنًا، فلم يسقط حقُّه من الوثيقة. وعلى المذهب: لو ترك السَّيِّدُ المطالبة، أو أخَّرها لغَيبة، أو له عُذْرٌ يمنعه منها؛ فللمرتَهِن المطالَبة بها؛ لأنَّ حقَّه متعلِّقٌ بمُوجِبِها، كما لو كان الجاني سيِّدَه. (فَإِنِ اقْتَصَّ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا (٥) قِيمَةً، تُجْعَلُ مَكَانَهُ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لأنَّه أتلف مالاً استُحِقَّ بسبب إتْلاف الرَّهن، فغرم قيمته، كما لو كانت الجناية موجبةً للمال، وإنَّما وجب أقلُّ (٧)

стр. 2874

القِيمَتين (١)؛ لأنَّ (٢) حقَّ المرتَهِن متعلِّق بالمالية، والواجب من المال هو أقلُّ القيمتين. فعلى هذا: لو كان الرَّهن يساوي عشرةً، والجاني خمسةً، أو بالعكس؛ لم يكن عليه إلاَّ الخمسة؛ لأنَّه في الأُولى لم يفوِّت على المرتَهِن إلاَّ ذلك القدر، وفي الثَّانية: لم يكن حقُّ المرتَهِن متعلِّقًا إلاَّ بذلك القدر. وفي «المغني»: إن اقتصَّ منه؛ أُخِذت قيمتُه فجُعِلتْ رهنًا. وظاهره: أنَّه يَجِبُ على الرَّاهن جميع قيمة الجاني، قال ابن المنجَّى: وهو متَّجِهٌ؛ لأنَّه بدلٌ عن الرهن (٣)، فكان كلُّه رهنًا. وفيه شَيءٌ، فإنَّه صرَّح بخلافه. وقيل: لا يجب شَيءٌ، قال في «المحرر»: وهو أصحُّ عندي؛ لأنَّه لم يجب بالجناية (٤) مالٌ، ولا استُحِقَّ بحالٍ (٥)، وليس على الرَّاهن أن يَسعى للمرتهن (٦) في اكتساب مالٍ (٧)، وعلى الأوَّل فيما إذا كان القصاص قَتْلاً. فإن كان جُرحًا، أو قَلْعَ سِنٍّ ونحوه؛ فالواجب بالعفو (٨) أقلُّ الأَمْرَينِ من أرْش الجراح (٩) أو قيمة الجاني، وإن عفا مطلَقًا؛ انبنى على مُوجِب العمد. (وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ أَوْ وَرَثَتُهُ)؛ لأِنَّه في الحكم

стр. 2875

كما إذا جنى عليه أجنبِيٌّ فاقتَصَّ الرَّاهن منه؛ لأنَّهما يستويان معنىً (١)، فوجب تساويهما حكمًا. (وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ)؛ فإنَّه يتعلَّق به حقُّ الرَّاهن والمرتَهِن، ويجب (٢) مِنْ غَالب نَقدِ البلد؛ كقِيَم المتلَفات، فلو أراد الرَّاهن أن يصالِح (٣) عنها، أو يأخذ عنها عرضًا (٤)؛ لم يَجُز إلاَّ بإذن المرتَهِن، فإن أذن جاز؛ لأنَّ الحقَّ لهما، (فَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ رَهْنًا (٥)؛ لأنَّه بدَلٌ عنه، فيُعطى حكمَه. (وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ؛ صَحَّ فِي حَقِّهِ)، فيَسقُط حقُّه، قاله القاضي، (وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ)؛ لأِنَّ عفوَه صادَف حقًّا له وحقًّا لغيره، فصحَّ في حقِّه؛ لأنَّه لا مانِعَ منه، بخلاف المرتَهِن؛ لِما فيه من إبطال حقِّه، فتؤخَذ القيمةُ من الجاني تكون (٦) رهنًا. (فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ؛ رُدَّ إِلَى الْجَانِي)؛ لزوال المانع، وكما لو أقر أنَّ الرَّهن مغصوبٌ أو جانٍ، فإن استوفى الدَّين من الأرش؛ ففي «الشَّرح» احتمالان: أحدهما: يرجع الجاني على العافي؛ لأن مالَه ذَهَب في قضاء دينه، فلزمته غرامتُه (٧)، كما لو استعاره فرهنه. والثَّاني: لا رجوعَ له؛ لأنَّه لم يُوجَد في حقِّ الجاني ما يقتضي وجوبَ الضَّمان، فإنَّما استوفى بسبب منه حال ملكه، أشبه ما لو جنى إنسانٌ على

стр. 2876

عبده، ثمَّ رهنه لغيره، فتلف بالجناية السَّابقة. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ) الْعَفْوُ مطلَقًا؛ لأنَّه أسقط دَينَه عن غريمه، فصحَّ كسائر ديونه، (وَ) تجب (١) (عَلَيْهِ قِيمَتُهُ) تكون رهنًا؛ ليَنجَبِر به حقُّ المرتَهِن. وقال بعض أصحابنا: لا يصحُّ مطلقًا، قال في «المغني»: وهو أصحُّ في النَّظر؛ لأنَّ حقَّ المرتَهِن متعلِّقٌ به، فلم يَصِحَّ عَفْوُه عنه؛ كالرَّهن نفسِه. فإن قال المرتَهِن: أسْقَطْتُ حَقِّي من ذلك؛ سَقَطَ؛ لأِنَّه يَنْفَعُ الرَّاهِنَ ولا يضرُّه. وإن قال: أسقطتُ الأرشَ، أو أبرأتُ منه؛ لم يَسقط؛ لأنَّه مِلك الرَّاهن، وهل يسقط حقُّه؟ فيه وجهان. فرعٌ: لو أقرَّ أحدٌ بالجناية على الرَّهن وكذَّباه (٢)؛ فلا شَيءَ لهما، وإن كذَّبه المرتَهِن؛ فلا شَيءَ له وللرَّاهن الأرش، وإن صدَّقه المرتَهِن وحدَه؛ تعلَّق حقُّه بالأرش، وله قبضه، فإذا قضى الرَّاهِنُ الحقَّ، أو أبرأ منه رجع الأرشُ إلى الجاني، فإن استوفى حقَّه من الأرش؛ لم يملك الجاني مطالبةَ الرَّاهن بشيءٍ؛ لأنَّه مُقِرٌّ له باستحقاقه. (وَإِنْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ)؛ فهو (٣) حرامٌ، إجماعًا (٤)، (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ)؛ أي: إذا كان عالِمًا بالتَّحريم؛ لأنَّه لا شُبهة له فيه، فإن الرَّهن وثيقةٌ بالدَّين، ولا يدخل ذلك في إباحة الوطء، مع أن وطء المستأجَرة يُوجِب

стр. 2877

الحدَّ مع مِلكه لمنافعها، فهذا أَوْلى. وعنه: لا حَدَّ. والمذهَبُ خِلافُها. (وَالمَهْرُ)؛ لأنَّه استوفى المنفعةَ المملوكةَ لسيِّدها بغير إذْنِه، فكان عليه عِوَضُها؛ كأَرْش بَكارتها. وظاهره: يجب عليه، سواءٌ أكرهها أو طاوعته، اعتقد الحِلَّ (١) أو لا، أو ادَّعى شبهةً أو لم يَدَّعِها؛ لأِنَّ المهْرَ حقُّ آدَمِيٍّ، فلا يَسقُط بالشُّبهات. (وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ)؛ لأنَّه لا ملك (٢) له فيها، ولا شبهة ملْكٍ، أشبه الأجنبيَّ. (وَإِنْ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، وَادَّعَى الْجَهَالَةَ) بالتَّحريم، (وَكَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ)؛ كالنَّاشِئِ بباديةٍ، أو حديث عهدٍ بالإسلام؛ (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ ذلك شبهةٌ، والحدُّ يُدْرَأُ بِها، (وَلَا مَهْرَ)؛ لأنَّه يجب للسَّيِّد بسبب الوطء، وقد أذِنَ فيه، أشبه ما لو أتلفها بإذنه، ولأنَّ المالك أَذِن في اسْتِيفاء المنفعة، فلم يَجِبْ عِوَضُها؛ كالحُرَّة المطاوِعة، (وَوَلَدُهُ حُرٌّ)؛ لأِنَّه وَطِئَها مُعتَقِدًا إباحةَ وطْئِها، فهو كما لو وَطِئَها يَظُنُّها أمته (٣)، (لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ)، بخلاف المغرور (٤)؛ لأنه حدَثَ عن وَطْءٍ مأذون (٥) فيه، فلم تلزمه قيمةُ الولد؛ كالمهر. وقال ابن عَقيلٍ: لا تسقط قيمةُ الولدِ؛ لأنَّه أحال بين الولد وبين مالكه باعتقاده، فلزمته قيمته كالمغرور، وفرَّق بين المهر والولد: من حيث إنَّ الإذن صريحٌ في الوطء الموجب للمهر، فأسقطه، بخلاف الولد فإنَّ الإذن في الوطء ليس (٦) بصريحٍ في الإحبال، فلم يسقطه.

стр. 2878

قال في «النِّهاية»: والأوَّل أصحُّ؛ لأِنَّ الإذن في الوطء إذْنٌ فيما يترتَّب عليه، فلم تلزمه (١) قيمته كالمهر. وهذان الوجهان مع الإذن. وظاهره: أنَّه إذا كان مثله لا يجهل ذلك، كالنَّاشِئِ ببلاد الإسلام؛ فدعواه الجهلَ غيرُ مقبولةٍ، ويكون ولدُه رقيقًا. مسألةٌ: له بَيع ما جَهل ربَّه إن أيِس من معرفته، والصَّدقةُ به بشرط الضَّمان، نَصَّ عليه (٢)، فإن عَرَفهم خيَّرهم بين الأجر ويَغرَمُ لهم. وفي إذن حاكمٍ في بيعه مع القدرة، وأخذ حقِّه من ثمنه مع عدمه؛ روايتان، كشراء وكيلٍ.

стр. 2879

(بَابُ الضَّمَانِ) (١) وهو ثابِتٌ بالإجماع (٢)، وسَنَدُه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يُوسُف: ٧٢]، والزَّعيم: الكفيلُ، قاله ابن عبَّاسٍ (٣). ويقال فيه أيضًا: ضَمينٌ، وكَفيلٌ، وقَبيلٌ، وحَميلٌ، وصبير (٤)، وهي بمعنىً (٥)، وقول النَّبيِّ ﷺ : «الزَّعيمُ غارِمٌ» رواه أبو داود، والتِّرمذيُّ وحسَّنه (٦). (وَهُوَ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّة الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ)، فعلى هذا: الضَّمان مشتَقٌّ من الضَّمِّ. ورُدَّ: بأنَّ لامَ الكلمة في الضَّمِّ مِيمٌ، وفي الضَّمان نونٌ، وشَرْطُ صحة الاشتقاق توافق (٧) الأصل والفرع في الحروف. وأجيب: بأنَّه من الاشتقاق الأكبر، وهو المشارَكة في أكثر الأصول مع

стр. 2880

ملاحظة المعنى. وقال القاضي: هو مشتَقٌّ من التَّضمُّن؛ لأنَّ ذمَّة الضَّامن تتضمَّن الحقّ. وقال ابن عَقيلٍ: هو مأخوذٌ من الضمن (١)، فذمَّة الضَّامِن في ضمن (٢) ذِمَّة المضمون عنه. وهذا بالنِّسبة إلى الاشتقاق. وعرَّفه المجْدُ: بأنَّه الْتِزامُ الإنسان في ذِمَّته دَيْنَ المدْيون مع بقائه عليه. وليس بمانعٍ؛ لدخول كلِّ من لم يَصِحَّ تبرُّعُه فيه، ولا جامع؛ لخروج ضمان ما لم يجب، والأعيان المضمونة، ودين الميت إن برئ بمجرد الضَّمان على رواية. وفي «الوجيز»: الْتِزامُ الرَّشيد مضمونًا في يد غيره أو ذمَّته، حالاً أو مآلاً، على وجهٍ يؤول (٣) إلى اللُّزوم. وهو أشمل من الذي قبله. وفي «الفروع»: وهو التزام (٤) من يصِحُّ تبرُّعُه ما وجب على غيره مع بقائه، وقد لا يبقى، وهو دَين الميت، وما قد يجب. تنبيهٌ: لا بُدَّ في الضَّمان من ضامِنٍ، ومضمونٍ عنه، وله. ويصِحُّ بالألفاظ السَّابقة، لا بقوله: أؤدي إليك، أو أحضر. قال في «الفروع»: بل بالتزامه (٥)، وهو ظاهر كلام جماعةٍ. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: قياسُ المذهب: يصحُّ بكلِّ لفظٍ فُهِم منه الضَّمانُ عُرْفًا (٦).

стр. 2881

(وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ)؛ أيْ: لا يَبرأ المضمون عنه بنفس الضَّمان كما يبرأ المحيل، بل يثبت الحقُّ في ذمَّتهما؛ لمنعه الزَّكاة عليهما، وصحَّة هبته لهما، ولأنَّ الكفيل لو قال: التزمت (١) وتكفَّلت بالمطالبة دون أصل الدَّين؛ لم يصحَّ وِفاقًا (٢). وفي «الانتصار»: لا ذمَّة ضامِنٍ؛ لأنَّ شيئًا واحدًا لا يشغل محلَّينِ. ورُدَّ: بأنَّ تعلُّقه بمحلَّين على سبيل الاستيثاق؛ كتعلُّق دَين الرَّهن به وبذمَّة الرَّاهن، كذا هنا. فعلى هذا: لربِّه (٣) مطالبتهما معًا، وأحدهما، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدَّين وغيره المذهب (٤)، حياةً ومَوتًا؛ لقوله ﵇: «نَفْسُ المؤمن معلَّقةٌ بدَينه حتَّى يُقضَى عنه» (٥)، ولحديث أبي قَتادةَ: «الآن قد برد (٦) عليه جلده» (٧)، قال أحمد: يأخذ من شاء بحقِّه (٨).

стр. 2882

(فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ) بإبْراءٍ، أو قضاءٍ، أو حوالةٍ؛ (بَرِئَ الضَّامِنُ)، بغير خلافٍ نعلمه (١)؛ لأنَّه تَبَعٌ له، والضَّمانُ وثيقةٌ، فإذا بَرِئَ الأصلُ (٢)؛ زالت الوثيقةُ كالرَّهن. (وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ، أَوْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ؛ لَمْ يَبْرَأِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ)؛ لأنَّه أصلٌ، فلا يبرأُ ببراءة التَّبَع، وهذا إذا انفرد الضَّامِنُ، فلو تعدَّد صحَّ، سواءٌ ضمن كلُّ واحدٍ منهم جميعَ الدَّين أو جزءًا منه، ولم يبرأ أحدهم (٣) بإبراء الآخَر، لكن لو ضمن كلُّ واحدٍ منهم الجميعَ؛ بَرِئَ الكُلُّ بأداء أحدهم، وبرئوا بإبراء المضمون عنه. وإن ضمن أحدُ الضَّامِنِينَ الآخَرَ؛ لم يصحَّ؛ لأنَّ الحقَّ ثبت في ذمَّته بضمانه الأصل، فهو أصلٌ، فلا يجوز أن يصير فرعًا، بخلاف الكفالة؛ لأنَّها ببدنه لا بما في ذمَّته، فلو سلَّمه أحدهما؛ برئ، وبرئ كفيلُه به، لا من إحضار مكفولٍ به. (وَلَوْ ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ (٤) عَنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا، فَأَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ، أَوِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ؛ بَرِئَ هُوَ وَالضَّامِنُ مَعًا)، إذا أسلم المضمونُ له؛ برئ المضمون عنه؛ لأنَّ ماليَّة الخمر بطلت في حقِّه، فلم يملك مطالبته، والضَّامن؛ لأنَّه تَبَع للأصل، ويَبرآن بإسلام المضمونِ عنه؛ لأنَّه صار مسلِمًا، ولا يجوز وجوبُ خمر على مسلمٍ، والضَّامِنُ فرعُه. وذكر أبو الخَطَّاب وجهًا: أنَّهما لا يَبرآن؛ لأنَّ المضمونَ له يَملِك الخمرَ، فلا يسقط، كما لو أعاره عبدًا، فرهنه على خمرٍ، ثمَّ أسلم المستعير؛

стр. 2883

فإنَّه يلزمه فكُّ الرَّهن، وحينئِذٍ له قيمتها. وقيل: أو يُوكِّل ذمِّيًّا يشتريها. ولم يتعرَّض المؤلِّف لإسلام الضَّامن، ولا شكَّ أنَّه يبرأ وحده. (وَلَا يَصِحُّ إِلاَّ مِنْ (١) جَائِزِ التَّصَرُّفِ)؛ أيْ: ممَّن يصِحُّ تصرُّفه في ماله؛ لأنَّه إيجاب مالٍ بعقْدٍ، فلم يصحَّ من غير جائز التَّصرُّف؛ كالبيع (٢)، رجلاً كان أو امرأةً، فإن كان مريضًا مَخُوفًا فمِنْ ثُلُثه، وإلاَّ فهو كالصَّحيح، والأخرس إن فُهِمت إشارتُه، صحَّ ضمانُه. (وَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ) غيرِ مميِّزٍ، بلا خلافٍ (٣). وكذا المميِّز. وعنه: يصِحُّ، قال في «الشَّرح»: وخرَّج أصحابُنا صحَّته على الرِّوايتَين في صحَّة إقراره وتصرُّفه بإذن وليِّه. (وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا سَفِيهٍ)؛ لعدم صحَّة تصرُّفهما. وقيل: يصِحُّ من سفيهٍ، ويُتبَع بعد فكِّ حَجْره؛ لأنَّ إقرارَه صحيحٌ ويُتبَع به بعد فكِّ حَجْره، كذا ضمانُه. وظاهِرُه: أنَّ المحجورَ عليه لِفَلَسٍ يصِحُّ ضمانُه، وصرَّح به المؤلِّف في الحَجْر؛ لأنَّه مِنْ أهل التَّصرُّف، ويُتبَع (٤) به بعده من ماله. وعنه: لا يصِحُّ، ذكرها في «التَّبصرة»، قال في «الفروع»: فيتوجَّه عليها: عدم تصرُّفه في ذمَّته. فرعٌ: لو قال: ضمنتُ وأنا صبيٌّ، وأنكره (٥) المضمونُ له؛ قُدِّم قولُه،

стр. 2884

وذكره القاضي قياس قول أحمدَ؛ لأنَّ معه سلامةَ العقد، أشبه ما لو اختلفا في شرطٍ فاسدٍ. وقيل: يُقدَّم قولُ الضَّامن؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ البلوغ، وعدمُ وجوب الحقِّ. والحُكمُ فيمن عُرف له حالُ جنونٍ كذلك، وإن لم يُعرف له حال جنونٍ؛ فالقولُ قولُ المضمون له؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. (وَلَا مِنْ (١) عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ)؛ لأنَّه عقدٌ تضمَّن إيجاب مالٍ، فلم يصحَّ بغير إذن السَّيِّد؛ كالنِّكاح (٢)، وسواءٌ كان مأذونًا له في التِّجارة أوْ لَا، صرَّح به في «الشَّرح». وظاهره: ولو مكاتَبًا؛ لأنَّه تبرُّعٌ بالْتِزام مالٍ، أشبه نذر الصَّدقة بمالٍ معيَّنٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَصِحَّ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ)، هذا روايةٌ عن أحمدَ؛ لأنَّه لا ضَرَر على السَّيِّد فيه، فصحَّ منه، ولزمه بعد العتق؛ كالإقرار بالإتلاف. (وَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ صَحَّ)؛ لأنَّه لو أذِن له في التَّصرُّف لصحَّ، فكذا هنا، لكن في المكاتَب وجْهٌ بالمنع؛ لأنَّه ربُّما أدَّى إلى تفويت الحريَّة. (وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا ذكره أبو الخَطَّاب؛ كاستدانته بإذنه (٣)، قال القاضي: قياس المذهب: تعلُّق المال برقبته؛ لأنَّه دَينٌ لزمه بفعله، فتعلَّق برقبته كأرش جنايته. وقال ابن عَقيلٍ: ظاهر المذهب: أنَّه يتعلَّق بذمَّة السَّيِّد، فإن أذن له سيِّده في الضَّمان، ليكونَ القضاءُ من المال الذي في يده؛ صحَّ، ويكون ما في ذمَّته

стр. 2885

متعلِّقًا بالمال الَّذي في يد العبد كتعلُّق حقِّ الجناية برقبة الجاني، كما لو قال لحرٍّ: ضمنتُ لك هذا الدَّين (١) على أن تأخُذَ من مالي هذا؛ صحَّ. (وَلَا يَصِحُّ إِلاَّ بِرِضَا الضَّامِنِ)؛ لأنَّه التزام (٢) حقٍّ، فاعتُبِر رضاه؛ كسائر العقود الَّتي يلزم العاقِدَ فيها (٣) حقٌّ. وظاهره: أنَّه لا يصحُّ ضمانُ المكرَه، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّه التزام مالٍ، فلم يصحَّ بغير رضا الملتَزِم؛ كالنَّذر. (وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمَضْمُونِ لَهُ)؛ لأِنَّ أبا قَتادةَ ضمن من غير رضا المضمون له، وأقرَّه الشَّارع ﵇ (٤)، ولأنَّه وثيقةٌ لا يُعتَبَر فيها قبضٌ كالشَّهادة، ولأنَّه ضَمانُ دَينٍ، أشبه ضمانَ بعضِ الورثة دَينَ الميت. (وَلَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ)، بغير خلافٍ نعلمه (٥)؛ لحديث أبي قَتادةَ، ولأنَّه لو قضى الدَّين عنه بغير إذنه ورضاه؛ صحَّ، فكذا إذا ضمن عنه. (وَلَا مَعْرِفَةُ (٦) الضَّامِنِ لَهُمَا)؛ لأنَّه لا يُعتَبَر رضاهما، فكذا معرفتهما. وقال القاضي: يُعتبَر (٧) معرفتهما؛ ليَعلم هل (٨) المضمونُ عنه أهلٌ لاِصْطِناع المعروف إليه أم لا، ولأنَّه تبرُّعٌ، فلا بُدَّ من معرفة من تبرَّع عنه، والمضمون له فيؤدِّي إليه. وذكر وجهًا آخَرَ: أنَّه يُعتَبَر معرفة المضمون له فقط. وجوابه: الخبر.

стр. 2886

(وَلَا) يُعتَبَر (كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يُوسُف: ٧٢]، وهو غَيرُ معلومٍ؛ لأنَّه يختلف، مع أنَّه الْتِزامُ حقٍّ في الذِّمَّة من غير معاوَضةٍ، فصحَّ في (١) المجهول كالإقرار، ولأنَّه يصحُّ تعليقه بغرَرٍ وخطرٍ، وهو ضمان العهدة، وإذا قال: ألْقِ متاعَك في البحر وعليَّ ضمانُه، فصح (٢) في المجهول كالعتاق والطَّلاق. وفي ضمان بعض الدَّين وجهان؛ أصحُّهما: لا يصِحُّ، وقدمها في «الفروع»، وصححها أبو الخطاب ويفسره (٣)، وكذا قال في «عيون المسائل»: لا تُعرف الرواية فيه عن إمامنا؛ فيمنع، وقد سلَّمه بعض أصحابنا لجهالته حالاً ومآلاً (٤). (وَلَا وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَآلُهُ إِلَى الْوُجُوبِ)، بل يصِحُّ ضمانُ ما لم يجب؛ إذ الآية الكريمة دلَّت على ضمان حملِ بعيرٍ مع أنَّه لم يكن وجب. لا يقال: الضَّمانُ ضمُّ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ، فإذا لم يكن على المضمون عنه شَيءٌ؛ فلا ضمَّ؛ لأنَّه قد ضمَّ ذمَّته (٥) إلى ذمَّة المضمون عنه في أنَّه يلزمه ما يلزمه ويثبت (٦) في ذمَّته ما يثبت فيها، وهذا كافٍ.

стр. 2887

وله إبطاله قبل وجوبه في الأصحِّ. وظاهره: أنَّه إذا لم يكن واجبًا، ولا مآله إلى الوجوب؛ لا يوجد فيه ضمُّ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ مطلَقًا. (وَلَوْ (١) قَالَ: ضَمِنْتُ لَكَ مَا عَلَى فُلَانٍ)، مثال المجهول، ومثله ما نقله في «المغني» و «الشرح»: أنا ضامِنٌ لك ما تقوم به البيِّنةُ، أو ما يُقِرُّ لك به (٢)، أو ما يُقضَى به عليه، (أَوْ مَا تُدَايِنُهُ بِهِ؛ صَحَّ)؛ أي: ما يعطيه (٣) في المستقبل. وإن قال: أنا ورُكْبانُ السَّفينة ضامِنون، وأطلق؛ ضمن وحدَه بالحِصَّة (٤)، وفي «الترغيب»: وجهان؛ بها، أو الجميع، وإن رضوا لزمهم، ويتوجَّه الوجهان، وإن قالوا: ضمنَّاه لك؛ فبالحصَّة، وإن قال: كل واحدٍ منَّا ضامنه لك؛ فالجميع. تنبيهٌ: يصحُّ ضمان السُّوق، وهو: أن يَضمن ما يلزم التَّاجر من دَينٍ، وما يقبضه من عَينٍ مضمونةٍ، وتجوز كتابته، والشَّهادة به لمن لم (٥) يَرَ جوازه؛ لأنه محلُّ اجْتِهادٍ، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين، قال: ويصِحُّ ضمان حارِسٍ ونحوه، وتُجَّار حرْبٍ ما يذهب من البلد أو البحر، وهو شبيهٌ بضمان (٦) ما لم يجب (٧).

стр. 2888

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الضَّامِنِ)، نحو أن يضمن الضَّامنَ ضامِنٌ آخَرَ؛ لأنَّه دَينٌ لازِمٌ في ذمَّته، فصحَّ ضمانه كسائر الدُّيون، فعلى هذا: يثبت الحقُّ في ذمَّة الثَّلاثة، أيُّهم قضاه برئت ذِمَمُهم كلُّها؛ لأنَّه حقٌّ واحدٌ، فإذا سقط لم يجب مرَّةً أخرى، فيبرأ الثَّاني بإبراء الأوَّل، ولا عكس، وإن قضى الدَّينَ الضَّامنُ الأول؛ رجع على المضمون عنه، وإن قضاه الثَّاني؛ رجع على الأوَّل، ثمَّ رجع (١) الأوَّل على المضمون عنه إذا كان واحدٌ أذِنَ، وإلاَّ ففي الرُّجوع له روايتان. فلو ضمن المضمونُ عنه الضامنَ؛ لم يصح؛ لأنَّ الضمان يَقتضي التزامَه الحقَّ في ذمته، والحقُّ لازِمٌ له، فلا يُتصوَّر الْتِزامُه (٢) ثانيًا، ولأنَّه أصلٌ، فلا يصير فرعًا، لكن لو ضمنه في غير الدَّين؛ جاز. وعُلِم منه: أنَّ كلَّ دَينٍ يصحُّ أخذ رهن به؛ أنَّه يصحُّ ضَمانُه. (وَ) يصِحُّ ضمان (دَيْنِ الْمَيْتِ الْمُفْلِسِ وَغَيْرِهِ (٣)، يصح (٤) الضَّمان عن كلِّ غريمٍ وجب عليه حقٌّ، حيًّا كان أو ميتًا، مليئًا أو مفلسًا، وهو قول أكثر العلماء؛ لأنَّ «أبا قتادة ضمن دَين الميت» (٥)، وقيَّد الميت بالمفلس؛ تنبيهًا على من منع (٦) صحة ذلك. (وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ)؛ أي: ذمَّة الميت (قَبْلَ الْقَضَاءِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، جزم به في «الوجيز» وغيره؛ لقوله ﵇: «نَفْسُ المؤمن معلَّقةٌ بدَينه حتَّى

стр. 2889

يُقضَى عنه» (١)، ولَمَّا أخبر أبو قتادة النَّبيَّ ﷺ بوفاء الدِّينارَين فقالَ: «الآنَ بردَتْ جِلْدَتُه» رواه أحمد (٢)، ولأنَّه وثيقةٌ بدَينٍ، فلم يسقط قبل القضاء؛ كالرَّهن. والثَّانية، ونَصَّ عليها في رواية يوسف بن موسى (٣): أنَّه يبرأ بمجرَّد الضَّمان؛ لما روى أبو سعيد الخدري قال: كنَّا مع النبيَّ ﷺ في جنازةٍ، فلمَّا وُضعت قال: «هل على صاحبكم من دَين؟»، قالوا: درهمان، فقال: «صلُّوا على صاحِبكم»، فقال عليٌّ: هما عليَّ (٤) يا رسول الله، وأنا لهما ضامِنٌ، فقام فصلَّى عليه، ثمَّ أقبل على عليٍّ فقال: «جزاكَ اللهُ عن الإسلام خيرًا، وفَكَّ رهانَك كما فَكَكْتَ رهان أخيك» رواه الدَّارَقُطْنيُّ (٥). (وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي)؛ وهو أن يَضمن شخصٌ عن البائع الثَّمنَ إذا خَرَج المبيعُ مستحَقًّا أو رُدَّ بعيبٍ، (وَعَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ)؛ وهو أن يَضمن الثَّمنَ الواجبَ بالبيع (٦) قبل تسليمه، أو إن (٧) ظهر به عيبٌ، أو استُحقَّ؛ فضمان العهدة في الموضعين ضمان الثَّمن أو بعضه عن (٨)

стр. 2890

أحدهما للآخر، وهو صحيحٌ عند الجماهير؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى الوثيقة (١)، وهي ثلاثةٌ: الشَّهادة، والرَّهن، والضَّمان، فالأُولى لا يستوفَى منها الحقُّ، والثَّانية يبقى مرهونًا إلى أن يؤدِّيَ، فلم يبقَ غير الضَّمان، ولأنَّه لو لم يصحَّ لامْتَنَعت المعاملات مع من لم يَعرف ذلك، وفيه ضررٌ عظيمٌ رافعٌ لأصل الحكمة الَّتي شُرع البيع من أَجلِها، ومثلُ ذلك لا يَرِد به الشَّرعُ. وظاهره: صحَّة ضمان العهدة عن البائع للمشتري قبلَ قبضِ الثمن وبعدَه. وقال القاضي: يصحُّ بعده؛ لأنَّه لو خرج قبل القبض مستحَقًّا؛ لم يجب على البائع شيءٌ، وهو مبنيٌّ على ضمانِ ما لم يجب إذا كان مفضيًا إلى الوجوب؛ كالجعالة. وألفاظه: ضمنتُ عهدتَه، أو ثمنَه، أو دَرَكَه، ويقول المشتري (٢): ضمنتُ خلاصَك منه، أو ثمنِه. فلو ضَمِن له خَلاص المبيع؛ فقال أحمد: لا يَحِلُّ (٣)، واختاره أبو بكرٍ؛ لأنَّه إذا خرج حُرًّا، أو مستحَقًّا؛ لم يَستَطِع خَلاصَه. وفي دخول نقض (٤) بناءِ المشتري في ضمانها، ورجوعِه بالدَّرك مع اعترافه بصحَّة البيع وقيام بيِّنةٍ ببطلانه؛ وجهان. وإن باعه بشرط ضمان دَرَكه إلاَّ من زَيدٍ، ثمَّ ضمِن دَرَكه منه أيضًا؛ لم يَعُدْ صحيحًا، ذَكَرَه في «الانتصار». مسألةٌ: يصِحُّ ضمانُ نقصِ صَنْجة، ويَرجِع بقوله مع يمينه. (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، وقاله أكثرُ العلماء؛

стр. 2891

لأنَّه ليس بلازِمٍ، ولا مآله إلى اللُّزوم؛ لأنَّ المكاتَب له تعجيزُ نفسه، والامتناعُ من الأداء، فإذا لم يَلزم الأصلُ فالفرعُ أولى. والثَّانية: يصِحُّ؛ لأنَّه دَينٌ على المكاتَب، فصحَّ (١) ضمانه كبقية الدُّيون. والفرقُ ظاهرٌ. وعلى الأولى: لا فرق بين أن يَضمنه حرٌّ أو عبدٌ، وخصَّها القاضي بالحرِّ؛ لِسَعَة تصرُّفه. (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْأَمَانَاتِ؛ كَالْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا)؛ كالعين المُؤْجَرة والشَّرِكة؛ لأنَّها غير مضمونةٍ على صاحب اليد (٢)، فكذا على ضامنه، وفي «عيون المسائل»: لأنَّه لا يلزمه إحضارُها، وإنَّما على المالك أن يَقصِد الموضعَ فيقبضها. (إِلاَّ أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فِيهَا)، فيصحُّ ضمانُها في ظاهر كلام أحمد (٣)؛ لأنها مضمونةٌ على من هي في يده، أشبهت الغُصوب (٤). وعنه: صحَّة ضمانها مطلَقًا، وحملها الأصحابُ على تعدِّيه؛ كتصريحه به. (وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ؛ كَالْغُصُوبِ، وَالْعَوَارِيِّ، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ) من بَيعٍ وإجارةٍ؛ (فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا)، جزم به الأصحاب؛ لأنَّها مضمونةٌ على من هي في يده؛ كالحقوق الثابتة (٥) في الذِّمة. وعنه: لا؛ لأنَّ الأعيان غيرُ ثابتةٍ في الذِّمَّة، والضَّمان لمَّا يَثبُت فيها،

стр. 2892

وغايته: أنَّه يلزمه قيمتُها عند التَّلف وهي مجهولةٌ. وجوابُه: أنَّ الضَّمان في الحقيقة إنما هو ضمانُ استنقاذها (١) وردِّها، أو قيمتها عند تلفها، فهي كعهدة المبيع، فالمقبوض (٢) على وجه السَّوم: بأن ساوَمه وقَطَع ثمنه، أو ساوَمه فقط لِيُريه أهلَه إن رضوه، وإلا ردَّه (٣). فُروعٌ: يصِحُّ ضمان الجُعل في الجعالة، والمسابقة، والمفاضلة، وأرش الجناية نقدًا؛ كقِيَم المتْلَفات، أو حيوانًا كالدِّيات، ونفقة الزَّوج، سواءٌ كانت يومَها أو مستقبَلةً؛ لأِنَّ نفقة اليوم واجبةٌ، والمستقبَلة مآلها إلى اللُّزوم، ويَلزَمه ما يلزم الزَّوجَ في قياس المذهب. وقال القاضي: إذا ضَمِن النَّفقةَ المستقبلة؛ لزمه نفقةُ المعسِر؛ لأنَّ الزِّيادة على ذلك تَسقط بالإعسار. فأمَّا الماضية؛ فإن كانت واجبةً، صحَّ ضمانُها، وإلاَّ فلا. مسألةٌ: للضَّامن مطالبةُ المضمون عنه بتخليصه في الأصحِّ إذا طُولِب، وقيل: أَوْ لا، إذا ضمنه بإذنه في الأصحِّ. (وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ)، أو أحال به، (مُتَبَرِّعًا؛ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ)؛ لأِنَّه مُتطوِّعٌ بذلك، أشْبَهَ الصَّدقة، وسواءٌ ضَمِن بإذنه، أو لا. (وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ)، وقيل: أو أطلق، وهو ظاهر نقل ابن منصورٍ (٤)، (وَكَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَهَلْ يَرْجِعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):

стр. 2893

إحداهما (١)، وهي المذهب: يَرجِعُ به (٢)، لأنَّه قضاءٌ مُبْرِئٌ مِنْ دَينٍ واجب عليه (٣)، فكان مِنْ ضَمان مَنْ هو عليه؛ كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه. الثانية (٤): لا رجوع؛ لأنَّه بغير إذْنٍ، ولو استَحَقَّ الرُّجوعَ لاستحقَّه أبو قَتادةَ، ولو استحقَّه صار دَينًا له على الميت، ولو كان كذلك لَامْتَنَع من الصَّلاة، وكما لو عَلَفَ دابَّتَه بغير إذْنٍ. وأجاب في «المغني» و «الشَّرح»: بأنَّه تبرَّعَ بالضَّمان والقضاء قصدًا لتبرئة (٥) ذمَّته؛ ليُصلِّيَ ﵇ عليه، مع علمه بأنَّه لم يترك وفاءً. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا ضَمِن بأمره، وقضى بأمره: أنه يرجع، قال في «المغني» و «الشرح»: سواءٌ قال: اضْمَنْ عنِّي، و: أدِّ عَنِّي، أو أطلق؛ لأِنَّه ضَمِن ودفع بأمره، أشبه ما لو كان مخالِطًا له. فَرعٌ: حُكْمُ مَنْ أدَّى عن غيره دَينًا واجبًا؛ كذلك في الرُّجوع، إلاَّ فيما يَفْتَقِر إلى نية (٦)؛ كالزَّكاة ونحوها. (وَإِنْ أَذِنَ (٧) فِي أَحَدِهِمَا)، وهي صورتان: أحدهما: أن يضْمَن بأمره، ويقضي بغير أمره؛ فله الرُّجوع؛ لأنَّه لمَّا ضَمِن بإذنه تضمَّن ذلك القضاءَ؛ لأنَّه يجب عليه الأداءُ، أشبه ما لو أذِنَ فيه صريحًا.

стр. 2894

والثَّانيةُ: عَكْسُها، وهو أن يَضمن بغير إذْنِه، ويؤدِّيَ بأمره؛ فكذلك؛ لأنَّه أدَّى دَينه بأمره، فرَجَع عليه، أشبه ما لو لم يكن ضامِنًا. وعنه: لا رُجوع فيهما، اختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ. قال ابن عَقِيلٍ: يظهر فيها (١)؛ كذبح أضحيَّةِ غيره بلا إذنه في مَنْعِ الضَّمانِ والرُّجوع؛ لأِنَّ القضاء هنا إبْراءٌ؛ لتحصيله الإجزاء بالذَّبح. وحيث قِيل به؛ (فَلَهُ الرُّجُوعُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى، أَوْ (٢) قَدْرِ الدَّيْنِ)؛ لأِنَّه إن (٣) كان الأقلُّ الدَّينَ؛ فالزَّائد لم يكن واجبًا عليه، فهو متبرِّعٌ بأدائه، وإن كان المقضيُّ أقلَّ؛ إنَّما يرجع بما غَرِم، ولهذا لو أبرأه غريمُه لم يَرجِعْ بشَيءٍ، فإن دفع عن الدَّين عَرْضًا؛ رجع بأقلِّ الأَمْرَين من قيمته أو قدر الدَّين. فرعٌ: لو تغيَّب مضمونٌ عنه قادِر (٤)، - قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وأطلقه في موضِعٍ آخَرَ (٥) -، فأُمْسِك الضَّامن، وغَرِم شَيئًا بسبب ذلك، وأنفقه في حبسٍ؛ رجع به على المضمون عنه. تنبيهٌ: إذا كان على رَجُلَينِ مائةٌ، على كلِّ واحدٍ منهما نصفُها، وهما متضامِنان، فقضى آخَرُ عن أحدهما المائةَ بأمْره وقضاها؛ سقط الحقُّ عن الجميع، وله الرُّجوع بها على الذي ضَمِنَ عنه، ولم يكن له أن يرجع على الآخَر بشَيءٍ في إحدى (٦) الرِّوايتَينِ؛ لأنَّه لم يضمن عنه، ولا أَذِن له في القضاء، فإذا رجع على الذي ضَمِنَ عنه؛ رجع على الآخَر بنصفها إن كان ضَمِنَ عنه بإذْنِه، لأِنَّه ضَمِنَها عنه بإذْنِه وقضاها ضامِنُه.

стр. 2895

والثَّانية: له الرُّجوعُ على الآخَر بالمائة؛ لأنَّها وجبتْ له على من أدَّاها عنه، فمَلَكَ الرُّجوعَ بها عليه؛ كالأصيل، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح». (وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ الْقَضَاءَ)؛ أي: إذا ادَّعى الضَّامن أنَّه قضى الدَّينَ، وأنكر المضمونُ له، ولا بيِّنةَ، (وَحَلَفَ؛ لَمْ يَرْجِعِ الضَّامِنُ عَلَى المَضْمُونِ عَنْهُ (١)؛ لأِنَّه ما أذِنَ للضَّامِن إلاَّ في قَضاءٍ مُبَرِّئٍ، ولم يُوجَدْ، وحينئِذٍ القولُ قولُ المضمون له؛ لأنَّه مُنكِرٌ، وله مطالَبةُ الضَّامِن والأصيلِ، (سَوَاءٌ صَدَّقَهُ) المضمونُ عنه (أَوْ كَذَّبَهُ)؛ لأِنَّ المانِعَ من الرُّجوع تفريطُ الضَّامِن من حَيثُ إنَّه قضى بغَير بيِّنةٍ، وذلك مشترَكٌ بين التَّصديق والتَّكذيب. ثمَّ اعْلَمْ: إنْ كان القضاءُ ببيِّنةٍ عادلةٍ حاضرةٍ؛ فواضِحٌ، وكذا إن كانت ميتةً، أو غائبةً وصدَّقه؛ لأِنَّه مُعترِفٌ أنَّه ما قضى، ولا فرَّط. وإن كانت مردودةً بأمرٍ ظاهرٍ؛ كالكُفْر والفسق الظَّاهر؛ لم يرجع الضَّامِنُ مطلَقًا؛ لتفريطه. وإن رُدَّت بأمْرٍ خفِيٍّ؛ كالفسق الباطن، أو لكون (٢) الشَّهادة مختلَفًا فيها؛ كشهادة العبيد؛ فاحتمالان، وكذا شاهدٌ واحدٌ ودعواه موتُهم، وأنكر الإشهاد. وإن قضاه بغير بيِّنةٍ بحضرة المضمون عنه؛ فالأصحُّ: أنَّه يرجع؛ لأنَّه هو المفرِّط. والثَّاني: لا، كغَيْبته. فرعٌ: إذا رجع المضمون له على الضَّامن، فاستوفى منه مرَّةً ثانيةً؛ رجع على المضمون عنه بما قضاه ثانيًا؛ لبراءة ذمَّته به ظاهرًا، قاله القاضي ورجَّحه

стр. 2896

في «الشَّرح». وفيه احْتِمالٌ: يَرجِع بالأول (١)؛ للبراءة منه باطنًا. (وَإِنِ اعْتَرَفَ الْمَضْمُونُ لَهُ بِالْقَضَاءِ، وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ؛ لَمْ يُسْمَعْ إِنْكَارُهُ)؛ لأِنَّ ما (٢) في ذمَّته حقٌّ للمضمون له، فإذا اعترف بالقبض من الضَّامن، فقد اعترف بأنَّ الحقَّ الذي له صار للضَّامِن، فيجب (٣) أن يُقبَل إقرارُه؛ لكونه إقرارًا في حقِّ نفسه. وفيه وجهٌ: لا؛ لأنَّ الضَّامِنَ مُدَّعٍ لِما يَستحِقُّ به الرُّجوع على المديون، وقول المضمون له شهادةٌ على فعل نفسه، فلا يُقبَل. وأجيب: بالْتِزامه. فرعٌ: إذا قال المضمون له للضَّامن: برئتَ إليَّ من الدَّين، وقيل: أو لم يَقُلْ إليَّ؛ فهو مُقِرٌّ بقبضه، لا أبرأتُك، فلو قال: وهبتك الحقَّ، تمليكٌ له؛ فيَرجِع على المديون، وقيل: إبْراءٌ، فلا. (وَإِنْ قَضَى) الضَّامِنُ الدَّينَ (الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ أَجَلِهِ؛ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَحِلَّ)؛ لأِنَّه لا يجب له أكثر ممَّا كان للغريم، ولأنَّه متبرِّعٌ بالتَّعجيل، فلم يرجع قبل الأجل، كما لو قضاه أكثر من الدَّين، والحوالة به ليقبضه، سواء قبض الغريم من المحال عليه، أو تعذَّر عليه الاِسْتِيفاءُ. (وَإِنْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، أَوِ الضَّامِنُ فَهَلْ يَحِلُّ الدَّيْنُ عَلَيْهِ (٤)؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أشهرُهما: لا يَحِلُّ؛ لأِنَّ التَّأجيلَ حقٌّ من حقوق الميت، فلم يَبطُلْ

стр. 2897

بموته؛ كسائر حقوقه بشرطه، قاله في «الوجيز». والثَّانية: يَحِلُّ؛ لأِنَّ ذمَّةَ الميت خَرِبَتْ به، فلو لم يَحِلَّ؛ لَأدَّى إلى ضَيَاع حقِّه. (وَأَيُّهُمَا حَلَّ عَلَيْهِ؛ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الآْخَرِ)؛ أي: إذا مات المضمون عنه، وقلنا: يَحِلُّ بموته؛ لم يَحِلَّ على الضَّامن؛ لأِنَّ الإنسان لا يَحِلُّ عليه دَينٌ بموت غيره، بل يبقى حالًّا بالنِّسبة إلى الأصل، مؤجَّلاً بالنِّسبة إلى الفرع، وكذا إذا مات الضَّامن، لكن إذا اسْتَوْفَى الغَريمُ مِنْ تَرِكَته؛ لم يكن لورثته مطالَبةُ المضمون عنه حتَّى يَحِلَّ الحقُّ؛ لأِنَّه مؤجَّلٌ عليه، فلا يَستحِقُّ مطالَبته قبل أجله. (وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلاً)؛ نَصَّ عليه (١)؛ لحديثٍ رواه ابن ماجَهْ عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا (٢)، ولأنَّه ضَمِن مالاً بعَقْدٍ مؤجَّلٍ، فكان مؤجَّلاً كالبيع، وحينئِذٍ فيصير (٣) حالًّا على المضمون عنه، له مطالَبته متى شاء، مؤجَّلاً على الضَّامن.

стр. 2898

لا يقال: الحالُّ لا يتأجَّل، وكيف يثبت (١) في ذمَّتَيْهما (٢) مختلِفًا؛ لأِنَّ الحقَّ يتأجَّل في ابتداء ثبوته بعَقْدٍ، وهنا كذلك؛ لأنَّه لم يكن ثابتًا عليه حالًّا، ويجوز تَخالُف (٣) ما في الذِّمَّتَينِ، بدليل لو مات المضمونُ عنه والدَّين مؤجَّلٌ، فإن قضاه قبل الأجل رجع في الحالِّ، وعلى الثَّانية لا يَرجِع به قبل الأجل؛ لأنَّه لم يأْذَن في القضاء قبل ذلك. (وَإِنْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حَالًّا)؛ لم يَصِرْ حالًّا، و (لَمْ يَلْزَمْه قَبْلَ أَجَلِهِ فِي أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ (٤)؛ لأِنَّ الضَّامِنَ فَرْعُ المضمون عنه، فلا يستحِقُّ مطالَبته دون أصله. والثَّاني: يَلزَمه قبل أجله؛ لأنَّ مُقتضَى صحَّة الضَّمان كذلك. وقيل: لا يَصِحُّ الضَّمانُ للمخالَفة. فعلى الأوَّل: إذا قضاه قبل الأجل؛ لم يَرجِع عليه حتَّى يَحِلَّ؛ لأِنَّ الضَّمان لم يغيِّرْه عن تأجيله.

стр. 2899

(فَصْلٌ فِي الْكَفَالَةِ) وهي صحيحةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يُوسُف: ٦٦]، ولأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى الاِسْتِيثاق بضمان المال أو (١) البَدَن، وضمانُ المال يَمتَنِع منه كثيرٌ من النَّاس، فلو لم تَجُزِ الكفالةُ بالنَّفس؛ لَأدَّى إلى الحرج (٢)، وعدم المعامَلات المحتاجِ إليها. (وَهِيَ الْتِزَامُ) الرَّشيد (إِحْضَارَ الْمَكْفُولِ بِهِ)؛ لأِنَّ العَقْد في الكفالة واقِعٌ على بَدَن المكفول به، فكان إحضاره هو الملتزَمَ به؛ كالضَّمان. ويُعتبَر رضا الكفيلِ، وتعيين المكفول به إذا كان عليه حقٌّ، ولا يُعتبَرُ إذْنُه. وتَنعقِدُ بألفاظ (٣) ضَمانٍ. (وَتَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ)؛ لأِنَّ الدَّينَ حقٌّ مالِيٌّ، فصحت الكفالةُ به كالضَّمان، سواءٌ كان الدَّينُ معلومًا أو مجهولاً. والحاصِلُ: أنَّه تَصِحُّ الكفالةُ ببدنِ كلِّ مَنْ يَلْزَمه الحُضورُ في مجلس الحُكم، بدَينٍ لازِمٍ، فتصِحُّ الكفالة بالصَّبِيِّ والمجنون؛ لأنَّه قد يَلزَم إحضارُهما مجلس الحكم للشَّهادة عليهما بالإتْلاف، ويُسْتَثْنى منه: دَينُ الكتابة. وتصِحُّ الكَفالةُ بالكفيل، فإن بَرِئَ الأوَّلُ؛ بَرِئَ الثَّاني، من غير عَكْسٍ.

стр. 2900

(وَبِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ)؛ لصِحَّة ضَمانها، فيَرُدُّ أعيانَها، أو قيمتها إن تَلِفَتْ. وظاهِرُه: أنَّه لا تصِحُّ الكفالة (١) بالأمانات. لكِنْ قال أبو الخَطَّاب: وإحْضارُ وَدِيعةٍ وكَفالةٍ بزكاةٍ وأمانةٍ؛ لِنَصِّه فِيمَن قال: ادْفَعْ ثَوبَك إلى هذا الرَّفَّاء، فأنا ضامِنُه؛ لا يَضمَن حتَّى يُثْبِت أنَّه دَفَعَه إليه (٢). (وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ)؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا كَفالةَ في حَدٍّ» (٣)، ولأِنَّها اسْتِيثاقٌ تلزم (٤) الكَفيل ما على المكفول به عند تعذُّر إحضاره، والحدُّ مَبْناهُ على الإسقاط والدَّرْءِ بالشُّبْهة، فلا يدخُل فيه الاِسْتِيثاقُ، ولا يُمكِنُ اسْتِيفاؤُه من غير الجانِي. وظاهِرُه: لا فَرْق بين أن يكون حَقًّا لله (٥)؛ كحَدِّ الزِّنى والسَّرِقة، أو لآِدَمِيٍّ؛ كحَدِّ القَذْف. (أَوْ قِصَاصٌ)؛ لأِنَّه بمنزلة مَنْ عليه حَدٌّ، قال في «المحرَّر»: إلاَّ لأِخْذ مالٍ؛ كالدِّية، وغرم ماليَّةِ (٦) السَّرِقة؛ فيصح (٧).

стр. 2901

(وَلَا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ كَأَحَدِ هَذَيْنِ)؛ لأِنَّه غيرُ معلومٍ في الحال ولا في المآل، ولا يُمكِنُ تسليمُه، بخلاف ضمان المجهول، وفيه وجْهٌ. ولا تصحُّ الكفالة بالزَّوجة أو الشاهد (١). (وَإِنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ عُضْوٍ، أَوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِهِ وَإِلاَّ فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أَوْ ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ؛ صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وفيه مسائلُ: الأولى: إذا كَفَلَ بجُزْءٍ شائِعٍ من إنسانٍ؛ كثُلُثه أو رُبُعه؛ فهي صحيحةٌ على المذهب؛ لأِنَّه لا يُمكِن إحضار ذلك إلاَّ بإحضار الكُلِّ. الثَّانيةُ: إذا كفل (٢) عُضْوًا معيَّنًا منه؛ كيَدِه أو رِجْله؛ فهي صحيحةٌ؛ لأنَّه لا يمكنه إحضاره على صفته إلاَّ بإحضار الكُلِّ. والثَّاني: لا يصِحُّ فيهما؛ لِأَنَّ تسليمَ ذلك وحدَه مُتعذِّرٌ، والسِّرايةُ ممتَنِعةٌ، قال القاضي: لا تصِحُّ الكفالة ببعض البدن بحالٍ؛ لأِنَّ ما لا يسري (٣) لا يصِحُّ إذا خَصَّ به عضوًا؛ كالبيع والإجارة، ذكره في «المغني»، و «الشَّرح». قال ابن المنجَّى: وما ذكره (٤) من (٥) التَّعليل لا يدلُّ على عدم الصِّحَّة في الجزء الشَّائع؛ لأنَّ بَيعَ ذلك وإجارتَه جائزةٌ. وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّهما خَصَّاه بالعضو. وظاهره: لا فرق في العضو بين الوجه وغيره، سواءٌ كان ممَّا لا يبقى البدن بدونه كالرَّأْس، أو لا كاليد.

стр. 2902

وجزم (١) في «الكافي» و «الشرح»: أنَّها تصحُّ بالوجه؛ لأنَّه يُكَنَّى به عن الكُلِّ، فصحَّ كبدنه. وجزم في «الوجيز»: بأنَّها تصِحُّ فيما (٢) تبقى الحياةُ بدونه، لا العكس. الثَّالثةُ: إذا كفل بإنسانٍ على أنَّه إن جاء به، وإلاَّ فهو كفيلٌ بآخَرَ، أو ضامِنٌ ما عليه؛ صحَّ، قاله أبو الخَطَّاب، وقدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه كفالةٌ أو ضمانٌ، فصحَّ تعليقُه على شرطٍ؛ كضمان العُهْدة. وقال القاضي: لا يصحُّ؛ لأنَّه تعليقُ عَقْدٍ على آخَرَ، فلم يَصِحَّ. وهذا الخلافُ جارٍ فيما إذا علَّقه بغير سبب الحقِّ. والخلاف في المؤقت (٣) كالمعلَّق بشرطه (٤)، فلو كَفَله شهرًا؛ لم يصِحَّ عند القاضي؛ لأنَّه حقٌّ لآدَمِيٍّ، فلم يَجُزْ توقيتُه؛ كالهبة. وفي «التَّنبيه»: إذا مَضَتِ المدَّةُ، ولم يُحضِره: لزمه (٥) ما عليه. وعند غيرهما: لا يلزمه شَيءٌ بعد مُضِيِّ المدَّة إذا لم يطالبه بإحضاره فيها. فرعٌ: إذا قال: كَفَلْتُ بَدَنَ فُلانٍ على أن تُبرِئ (٦) الكفيل؛ لم يصحَّ في الأصحِّ؛ لأنَّه شَرَطَ شَرْطًا لا (٧) يلزم الوفاء (٨) به؛ فيفسد به (٩) عقد الكفالة. وفيه وَجْهٌ.

стр. 2903

وقيل: يصِحُّ الشَّرط؛ لأِنَّه شَرَطَ تحويل الوثيقة، فعليه لا تلزمه الكفالة إلاَّ أن يُبرئ الكفيل منها (١). (وَلَا تَصِحُّ إِلاَّ بِرِضَا الْكَفِيلِ)؛ لأِنَّه لا يَلزَمه الحقُّ ابتداءً إلاَّ برضاه. (وَفِي رِضَا الْمَكْفُولِ بِهِ وَجْهَانِ): أشهرهما: لا يُعتبَر رضاه؛ كالضَّمان. والثَّاني: بلى، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ المقصود إحضاره، فإذا كفل بغير إذنه؛ لم يلزمه الحضور معه، بخلاف الضَّمان، فإنَّ الضَّامِنَ يقضي الحقَّ، ولا يحتاج إلى المضمون عنه. وظاهره: أنَّه لا يُعتبَر رضا المكفول له؛ لأنَّها وثيقةٌ لا قبض فيها، فصحَّت (٢) من غير رضاه؛ كالشَّهادة. (وَمَتَى أُحْضِرَ الْمَكْفُولُ بِهِ) مَكانَ العقد بعد حُلول الدَّين، (وَسَلَّمَهُ؛ بَرِئَ) مطلَقًا إذا لم تكن يدٌ حائلةٌ ظالمةٌ، قاله في «المغني»، و «المستوعب»، و «الشَّرح». وعنه: لا يَبرأ حتَّى يقول: قد برئت لك منه، أو قد سلَّمته إليك، وقاله ابن أبي موسى. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّه عَقْدٌ على عملٍ، فبرئ منه بالعمل المعقود عليه؛ كالإجارة. فإن (٣) امتنع من تسليمه (٤) حيث لا ضرر؛ برئ؛ كالمسلَم فيه. وقيل: إن امتنع؛ أشهد على امتناعه رجلين وبرئ.

стр. 2904

وقال القاضي: يرفعه إلى الحاكم فيسلِّمه (١) إليه، فإن لم يجده أشهد. (إِلاَّ أَنْ يُحْضِرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ)، مثل أن تكون حجَّةُ الغريم غائبةً، أو لم تكن (٢) يوم مجلس الحكم، أو الدَّين مؤجَّلٌ، أو هناك ظالِمٌ يمنعه منه، فلا يلزم قبوله؛ كالمسلَم فيه. وعُلِمَ منه: أنَّ الكفالةَ تَصِحُّ مؤجَّلةً، لكِنْ يُعتَبَرُ أن يكون معلومًا، فلو جعله إلى أجلٍ مجهولٍ؛ لم يَصِحَّ، وإن جعله إلى الحَصَاد ونحوه؛ خُرِّج على الخلاف. قال في «الشَّرح»: والأَوْلى صحَّتُه هنا؛ لأِنَّه تبرُّعٌ من غير عِوَضٍ، فصحَّ كالنَّذر. ثمَّ إن عَيَّنَ مكانًا لتسليمه؛ تعيَّن، ولم يبرأ بإحضاره في غيره، وإن أطلق تعيَّن مكان العقد. وقال القاضي: يبرأ بإحضاره بمكانٍ آخَرَ من البلد. وعنه: وغيره، وفيه سلطانٌ، اختاره جماعةٌ. وقيل: إن كان عليه ضرَرٌ في إحضاره بمكانٍ آخَرَ؛ لم يَبْرَأْ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إن كان المكفولُ به في حبس (٣) الشَّرع فسلَّمه إليه فيه بَرِئَ، ولا يلزمه إحضاره منه إليه عند أحد من الأئمَّة، ويُمَكِّنُه الحاكِمُ من إخراجه ليُحاكِم غريمَه، ثمَّ يردُّه (٤). وإن ضمن معرفتَه؛ أخذ به، نقله أبو طالِب (٥) والشَّيخان؛ كالكفيل.

стр. 2905

(وَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى)، قبل المطالَبة، (أَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ؛ بَرِئَ الْكَفِيلُ)، وفيه مسائلُ: الأولى: إذا مات المكفولُ به؛ فإنَّه يبرأ الكفيل، وتَسقط الكفالة في المنصوص (١)؛ لأِنَّ الحُضورَ سقط عنه؛ فبَرِئَ كَفِيلُه، كما لو أُبْرِئَ من الدَّين. وقيل: لا تسقط (٢)، ويطالب بما عليه إن لم يشرط فيها عدم ضمانه؛ لأِنَّ الكفيل وثيقةٌ، فإذا مات مَنْ عليه الحقُّ؛ اسْتُوفِيَ من الوثيقة؛ كالرهن (٣). والفَرْقُ واضِحٌ؛ لأِنَّ الرَّهْن تعلَّق به المال (٤) فاسْتُوفِيَ منه. وظاهِرُه: بقاؤها بموت الكفيل، فيؤخذ مِنْ تركته ما كَفَل به، فإن (٥) كان دَينًا مؤجَّلاً فوثَّق ورثتُه، وإلاَّ حلَّ في الأَقْيَس، أو المكفول له. الثَّانيةُ: إذا تَلِفت العَينُ بفعل الله تعالى فإنَّه يَبْرَأُ الكفيل؛ لأنَّ تَلَفَها بمنزلة موت المكفول به. وظاهره: أنَّها إذا تَلِفَتْ بفعلِ آدَمِيٍّ؛ فإنَّها لا تسقط، ويجب على المتْلِف بدلها. الثَّالثةُ: إذا سلَّم المكفولُ به نفسَه بشرطه؛ بَرِئَ كفيلُه، كما لو قضى المدْيونُ عنه الدَّين. تنبيهٌ: إذا (٦) كَفل إنسانًا، أو ضَمِنه، ثمَّ قال: لم يكن عليه حقٌّ؛ قُدِّم قولُ خصمه؛ لأِنَّ الأصلَ صحَّةُ الكفالة، أو بقاءُ الدَّين، وعليه اليمينُ، فإن نكل؛ قُضي عليه.

стр. 2906

وإذا قال: برئتَ من الدَّين الذي كَفَلْتَه به؛ لم يكن إقرارًا بقبض الحقِّ، ويَبْرَأُ الكفيلُ وحدَه. وإذا مات المدْيونُ فأبرأه (١) ربُّ الدَّين، فلم تَقْبَلْ ورثتُه؛ بَرِئَ مع كفيله. (وَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ؛ لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ، أَوْ عِوَضُ الْعَيْنِ)؛ لعموم قوله ﵇: «الزَّعِيمُ غارِمٌ» (٢)، ولِأَنَّها أحدُ نَوْعَيِ الكفالةِ، فوجب الغرم (٣) بها؛ كالكفالة بالمال. وقال ابْنُ أبي موسى: وكفيل الوجْه ضامِنٌ للمال في أحد الوجهَينِ، إلاَّ أن يَشْرِط لا مال عليه، فلا يلزمه قولاً [ … ] (٤). والثَّاني: فسادُها؛ لإضافتها إلى عُضْوٍ، قاله المجْدُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: قِياسُ المذهب: لا يَلزَمه إن امْتَنَع بسلطانٍ. وأُلْحِق به: مُعسِرٌ ومَحبوسٌ ونحوُهما؛ لاِسْتِواء المعنى. (وَإِنْ غَابَ) في مَوضِعٍ معلومٍ؛ (أَمْهَلَ الْكَفِيلَ)، ولم يُطالِبْه (بِقَدْرِ مَا يَمْضِي، فَيُحْضِرُهُ) له؛ ليَتحقَّق إمْكانُ التَّسليم، وسواءٌ كانت المسافةُ قريبةً أو بعيدةً، فلو ارتدَّ ولَحِق بدار الحرب؛ لم يُؤخَذِ الكفيلُ بالحقِّ حتَّى يَمضيَ زَمَنٌ يُمْكِنُه ردُّه. (فَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ)، أو كانت الغَيبةُ مُنقطعةً، ولم يُعلَم مكانُه؛ (ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ)، وأُخِذ به. وذَكَر ابنُ حَمدانَ: (أنَّه إذا انقطع خبرُه وجُهِل مَحَلُّه؛ لَزِمَه ما عليه) انتهى.

стр. 2907

فلو أدَّى ما لَزِمه، ثمَّ قَدَر على المكفول به؛ فظاهر كلامهم: أنَّه في رجوعه (١) عليه كضامِنٍ، وأنَّه لا يسلِّمه إلى المكفول له، ثمَّ يسترِدُّ ما أدَّاه، بخلاف مغصوبٍ تعذَّر إحْضارُه مع بقائه؛ لاِمْتِناع بَيعه. (وَإِذَا طَالَبَ (٢) الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ) لِيُسلِّمه إلى المكفول له؛ (لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ)؛ لأِنَّه شَغَلَ ذمَّته من أجله بإذْنه، فلَزِمه تخليصُها، كما لو استعار عبدَه فرهنه بإذْنه، فإنَّ عليه تخليصَه إذا طلبه سيِّدُه. (أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ)؛ أي: لزمه (٣) الحضورُ، وظاهِرُه: وإن كانت بغير إذنه؛ لأِنَّ حضورَه حقٌّ للمكفول له، وقد استناب الكفيلَ في ذلك، أشبه ما لو صرَّح له بالوكالة. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي: لا يَلزمُه ذلك إن كُفل بغير إذْنه، أو لم يُطالب به صاحبُ الحقِّ؛ لأِنَّ المكفول به لم يَشغل ذمَّته، وإنما شَغلها الكفيلُ باختياره، ولم يوكِّلْه صاحبُ الحقِّ. فرعٌ: لو قال لآِخَرَ: اضْمَنْ عن فُلانٍ، أو اكْفُل بفُلانٍ، ففعل؛ كان ذلك لازِمًا للمباشِر لا الآمِر (٤)، فلو قال: أعْطِ فلانًا كذا (٥)، ففعل؛ لم يرجع على الآمِر بشَيءٍ، إلاَّ أن يقول: أعْطِه عنِّي. (وَإِذَا كَفَلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ، فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَبْرَأِ الآْخَرُ)؛ لأِنَّ إحدى (٦) الوثيقَتَينِ انْحَلَّتْ من غير اسْتِيفاءٍ، فلم تَنْحَلَّ الأخرى، كما لو أبرأ أحدهما،

стр. 2908

أو انفكَّ أحدُ الرَّهنَينِ من غير قضاءٍ، بخلاف المكفول به إذا سلَّم نفسَه؛ لأِنَّه أصْلٌ فيبرآن ببراءته؛ لأِنَّهما فَرْعاهُ. وقيل: يَبرأ، اختاره صاحبُ «النِّهاية»، كما لو قضى الدَّينَ أحدُ الضَّامِنَينِ، فإنَّه يبرأ الآخَر. وأجاب في «الفصول»: بأنَّ الوثيقة برئت بقَبْضِ ما فيها، فلهذا بَرِئَت الأخرى، بخلاف هذا. وقيل: إن كفلاه معًا، أو وكَّل كلٌّ (١) منهما الآخَرَ في تسليمه؛ بَرِئَ، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ كَفَلَ وَاحِدٌ لاِثْنَيْنِ، فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الآْخَرِ)؛ لأِنَّ عقْدَ الواحد مع الاِثنين بمنزلة العَقْدَين، فقد التزم إحضارَه عند (٢) كلِّ واحدٍ منهما، فإذا أبرأه أحدُهما؛ بَقِيَ حقُّ الآخَر، كما لو كان في عَقْدَينِ، وكما لو ضَمِن دَيْنًا لاِثْنَينِ فوفَّى أحدُهما حقَّه. خاتمةٌ: إذا أحال ربُّ الحقِّ، أو أُحِيل به، أو زال العَقْدُ؛ بَرِئ الكفيلُ، وبطل الرَّهن، ويَثْبُت (٣) لوارثه. وفي «الرِّعاية» في الصُّورة الأولة (٤): احْتِمال وجْهَينِ في بقاء الضَّمان، ونقل مهنَّى فيها: يبرأ (٥)، وأنَّه إن عجز مكاتَبٌ؛ رَقَّ وسَقط الضَّمان. وذكر القاضي: لو أقاله في سَلَمٍ به رهْنٌ حَبَسه برأس ماله. ولو ضمنه اثنان؛ فقال كلُّ واحدٍ: أنا ضامِنٌ لك (٦) الدَّين؛ فهو ضمان

стр. 2909

اشْتِراكٍ في انفرادٍ، فله مطالَبةُ كلِّ منهما بالدَّين كلِّه. وإن قالا: ضَمِنَّا لك الدَّين؛ فهو بينهما بالحِصص. وفي «القواعد»: أنَّه إذا ضَمِن اثْنان دَينَ رجلٍ؛ فيه وجهان: أحدهما: أنَّ كلَّ واحدٍ ضامِنٌ لجميع الدَّين، نَصَّ عليه في رواية مهنَّى (١). والثَّاني: أنَّه بالحصَّة إلاَّ أن يصرِّحوا بما يقتضي خلافَه، مثل أن يقولوا: ضمِنَّا لك، وكلُّ واحدٍ منَّا ضامِنٌ الدَّين، وهذا قول القاضي وصاحب «المغني»، وبناه القاضي على أنَّ الصَّفقة تتعدَّد بتعدُّد الضَّامِنَينِ فيصير الضَّمان موزَّعًا عليهما، والله أعلم (٢).

стр. 2910

(بَابُ الْحَوَالَةِ) (١) وهي ثابِتةٌ بالإجماع (٢)، ولا عِبرةَ بمخالفة الأصمِّ، وسَنَدُه: السُّنَّةُ الصَّحيحةُ، فمنها: ما خرَّجه الشَّيخانِ عن أبي هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبِع أحدُكم على مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»، وفي لفظٍ: «مَنْ أُحِيل بحقِّه على مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (٣). وهي بفَتْح الحاء وكسرها، واشْتِقاقُها من تحويل الحقِّ من ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ أخرى. وقيل: إنَّها بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ، فإنَّ المُحِيلَ يشتري ما في ذمَّته بماله في ذمَّة الآخَر، وجاز تأخير القبض رخصةً، فيدخلها خيار المجلس. وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ الصَّحيح أنَّها عَقْدُ إرْفاقٍ منفردٍ (٤) بنفسه، ليس بمحمولٍ على غيره؛ لأنَّها لو كانت بَيعًا لكانت بَيعَ دَينٍ بِدَينٍ، ولَمَا جاز التَّفرُّق قبل القبض؛ لأنَّها بَيعُ مالِ الرِّبا بجنسه، ولأنَّ لَفْظَها (٥) يُشْعِر بالتَّحوُّل، فعليه: لا يدخلها خيارٌ، وتلزم (٦) بمجرَّد العقد، وهذا أشْبَهُ بكلام أحمدَ وأصوله. ولا بُدَّ فيها من مُحِيلٍ، ومُحْتالٍ، ومُحَالٍ عليه.
следующие страницы →