← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وإذا قال: برئتَ من الدَّين الذي كَفَلْتَه به؛ لم يكن إقرارًا بقبض الحقِّ، ويَبْرَأُ الكفيلُ وحدَه. وإذا مات المدْيونُ فأبرأه (١) ربُّ الدَّين، فلم تَقْبَلْ ورثتُه؛ بَرِئَ مع كفيله. (وَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ؛ لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ، أَوْ عِوَضُ الْعَيْنِ)؛ لعموم قوله ﵇: «الزَّعِيمُ غارِمٌ» (٢)، ولِأَنَّها أحدُ نَوْعَيِ الكفالةِ، فوجب الغرم (٣) بها؛ كالكفالة بالمال. وقال ابْنُ أبي موسى: وكفيل الوجْه ضامِنٌ للمال في أحد الوجهَينِ، إلاَّ أن يَشْرِط لا مال عليه، فلا يلزمه قولاً [ … ] (٤). والثَّاني: فسادُها؛ لإضافتها إلى عُضْوٍ، قاله المجْدُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: قِياسُ المذهب: لا يَلزَمه إن امْتَنَع بسلطانٍ. وأُلْحِق به: مُعسِرٌ ومَحبوسٌ ونحوُهما؛ لاِسْتِواء المعنى. (وَإِنْ غَابَ) في مَوضِعٍ معلومٍ؛ (أَمْهَلَ الْكَفِيلَ)، ولم يُطالِبْه (بِقَدْرِ مَا يَمْضِي، فَيُحْضِرُهُ) له؛ ليَتحقَّق إمْكانُ التَّسليم، وسواءٌ كانت المسافةُ قريبةً أو بعيدةً، فلو ارتدَّ ولَحِق بدار الحرب؛ لم يُؤخَذِ الكفيلُ بالحقِّ حتَّى يَمضيَ زَمَنٌ يُمْكِنُه ردُّه. (فَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ)، أو كانت الغَيبةُ مُنقطعةً، ولم يُعلَم مكانُه؛ (ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ)، وأُخِذ به. وذَكَر ابنُ حَمدانَ: (أنَّه إذا انقطع خبرُه وجُهِل مَحَلُّه؛ لَزِمَه ما عليه) انتهى.

стр. 2907

فلو أدَّى ما لَزِمه، ثمَّ قَدَر على المكفول به؛ فظاهر كلامهم: أنَّه في رجوعه (١) عليه كضامِنٍ، وأنَّه لا يسلِّمه إلى المكفول له، ثمَّ يسترِدُّ ما أدَّاه، بخلاف مغصوبٍ تعذَّر إحْضارُه مع بقائه؛ لاِمْتِناع بَيعه. (وَإِذَا طَالَبَ (٢) الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ) لِيُسلِّمه إلى المكفول له؛ (لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ)؛ لأِنَّه شَغَلَ ذمَّته من أجله بإذْنه، فلَزِمه تخليصُها، كما لو استعار عبدَه فرهنه بإذْنه، فإنَّ عليه تخليصَه إذا طلبه سيِّدُه. (أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ)؛ أي: لزمه (٣) الحضورُ، وظاهِرُه: وإن كانت بغير إذنه؛ لأِنَّ حضورَه حقٌّ للمكفول له، وقد استناب الكفيلَ في ذلك، أشبه ما لو صرَّح له بالوكالة. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي: لا يَلزمُه ذلك إن كُفل بغير إذْنه، أو لم يُطالب به صاحبُ الحقِّ؛ لأِنَّ المكفول به لم يَشغل ذمَّته، وإنما شَغلها الكفيلُ باختياره، ولم يوكِّلْه صاحبُ الحقِّ. فرعٌ: لو قال لآِخَرَ: اضْمَنْ عن فُلانٍ، أو اكْفُل بفُلانٍ، ففعل؛ كان ذلك لازِمًا للمباشِر لا الآمِر (٤)، فلو قال: أعْطِ فلانًا كذا (٥)، ففعل؛ لم يرجع على الآمِر بشَيءٍ، إلاَّ أن يقول: أعْطِه عنِّي. (وَإِذَا كَفَلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ، فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَبْرَأِ الآْخَرُ)؛ لأِنَّ إحدى (٦) الوثيقَتَينِ انْحَلَّتْ من غير اسْتِيفاءٍ، فلم تَنْحَلَّ الأخرى، كما لو أبرأ أحدهما،

стр. 2908

أو انفكَّ أحدُ الرَّهنَينِ من غير قضاءٍ، بخلاف المكفول به إذا سلَّم نفسَه؛ لأِنَّه أصْلٌ فيبرآن ببراءته؛ لأِنَّهما فَرْعاهُ. وقيل: يَبرأ، اختاره صاحبُ «النِّهاية»، كما لو قضى الدَّينَ أحدُ الضَّامِنَينِ، فإنَّه يبرأ الآخَر. وأجاب في «الفصول»: بأنَّ الوثيقة برئت بقَبْضِ ما فيها، فلهذا بَرِئَت الأخرى، بخلاف هذا. وقيل: إن كفلاه معًا، أو وكَّل كلٌّ (١) منهما الآخَرَ في تسليمه؛ بَرِئَ، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ كَفَلَ وَاحِدٌ لاِثْنَيْنِ، فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الآْخَرِ)؛ لأِنَّ عقْدَ الواحد مع الاِثنين بمنزلة العَقْدَين، فقد التزم إحضارَه عند (٢) كلِّ واحدٍ منهما، فإذا أبرأه أحدُهما؛ بَقِيَ حقُّ الآخَر، كما لو كان في عَقْدَينِ، وكما لو ضَمِن دَيْنًا لاِثْنَينِ فوفَّى أحدُهما حقَّه. خاتمةٌ: إذا أحال ربُّ الحقِّ، أو أُحِيل به، أو زال العَقْدُ؛ بَرِئ الكفيلُ، وبطل الرَّهن، ويَثْبُت (٣) لوارثه. وفي «الرِّعاية» في الصُّورة الأولة (٤): احْتِمال وجْهَينِ في بقاء الضَّمان، ونقل مهنَّى فيها: يبرأ (٥)، وأنَّه إن عجز مكاتَبٌ؛ رَقَّ وسَقط الضَّمان. وذكر القاضي: لو أقاله في سَلَمٍ به رهْنٌ حَبَسه برأس ماله. ولو ضمنه اثنان؛ فقال كلُّ واحدٍ: أنا ضامِنٌ لك (٦) الدَّين؛ فهو ضمان

стр. 2909

اشْتِراكٍ في انفرادٍ، فله مطالَبةُ كلِّ منهما بالدَّين كلِّه. وإن قالا: ضَمِنَّا لك الدَّين؛ فهو بينهما بالحِصص. وفي «القواعد»: أنَّه إذا ضَمِن اثْنان دَينَ رجلٍ؛ فيه وجهان: أحدهما: أنَّ كلَّ واحدٍ ضامِنٌ لجميع الدَّين، نَصَّ عليه في رواية مهنَّى (١). والثَّاني: أنَّه بالحصَّة إلاَّ أن يصرِّحوا بما يقتضي خلافَه، مثل أن يقولوا: ضمِنَّا لك، وكلُّ واحدٍ منَّا ضامِنٌ الدَّين، وهذا قول القاضي وصاحب «المغني»، وبناه القاضي على أنَّ الصَّفقة تتعدَّد بتعدُّد الضَّامِنَينِ فيصير الضَّمان موزَّعًا عليهما، والله أعلم (٢).

стр. 2910

(بَابُ الْحَوَالَةِ) (١) وهي ثابِتةٌ بالإجماع (٢)، ولا عِبرةَ بمخالفة الأصمِّ، وسَنَدُه: السُّنَّةُ الصَّحيحةُ، فمنها: ما خرَّجه الشَّيخانِ عن أبي هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبِع أحدُكم على مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»، وفي لفظٍ: «مَنْ أُحِيل بحقِّه على مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (٣). وهي بفَتْح الحاء وكسرها، واشْتِقاقُها من تحويل الحقِّ من ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ أخرى. وقيل: إنَّها بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ، فإنَّ المُحِيلَ يشتري ما في ذمَّته بماله في ذمَّة الآخَر، وجاز تأخير القبض رخصةً، فيدخلها خيار المجلس. وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ الصَّحيح أنَّها عَقْدُ إرْفاقٍ منفردٍ (٤) بنفسه، ليس بمحمولٍ على غيره؛ لأنَّها لو كانت بَيعًا لكانت بَيعَ دَينٍ بِدَينٍ، ولَمَا جاز التَّفرُّق قبل القبض؛ لأنَّها بَيعُ مالِ الرِّبا بجنسه، ولأنَّ لَفْظَها (٥) يُشْعِر بالتَّحوُّل، فعليه: لا يدخلها خيارٌ، وتلزم (٦) بمجرَّد العقد، وهذا أشْبَهُ بكلام أحمدَ وأصوله. ولا بُدَّ فيها من مُحِيلٍ، ومُحْتالٍ، ومُحَالٍ عليه.

стр. 2911

وتصِحُّ بلفظها، أو معناها (١) الخاصِّ. (وَالْحَوَالَةُ تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ)؛ لِمَا بَيَّنَّا أنَّها مُشْتَقَّةٌ من التَّحويل، وحيث صحَّت الحَوالةُ؛ بَرِئَتْ ذمَّةُ المحيل، وانتقل الحقُّ إلى ذمَّة المُحال عليه. (فَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ)؛ أيْ: على المُحِيل، (بِحَالٍ)؛ لأِنَّ الحقَّ انتقل، فلا يعود بعد انتقاله، هذا إذا اجتمعت شروطُها ورَضِيَ بها المحْتالُ، ولم يَشْتَرِط اليسار، سواءٌ أمكن اسْتِيفاءُ الحقِّ، أو تعذَّر لمَطْلٍ أو فَلَسٍ أوْ مَوتٍ، أو جَحد الحقّ ولا بيِّنةَ به، وحلف عليه في قول الجماهير. وعنه: إذا كان المحالُ عليه مُفْلِسًا، ولم يَعلَم المحْتالُ به؛ فله الرُّجوع، واختاره جَمْعٌ؛ إذ الفَلَسُ عَيبٌ في المحال عليه، فكان له الرُّجوع؛ كالمبيع المعيب. والأوَّل المذهبُ؛ لِمَا روى سعيدُ بن المسيّب: أنَّ جدَّه حَزْنًا كان له على عليٍّ دَينًا، فأحاله (٢) به، فمات المحَالُ عليه، فأخبره، فقال: «أخَّرْت أبعدك الله» (٣)، فأبْعَده بمجرَّد احْتِياله، ولم يُخبِرْه أنَّ له الرُّجوعَ؛ لأِنَّها براءةٌ من دَينٍ ليس فيها قَبْضٌ ممَّن هو عليه، ولا ممَّن يدفع عنه، أشبه ما لو أبرأه من الدَّين، والحَوالةُ بمنزلة القبض. (وَلَا تَصِحُّ إِلاَّ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ (٤):

стр. 2912

(أَحَدُهَا: أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ)، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّ ما ليس بمستقِرٍّ بعَرَضِيَّة (٢) السُّقوط؛ إذ مقتضاها إلزام (٣) المحال عليه بالدَّين مطلَقًا، ولا يَثْبُت فيما هذا صفته. (فَإِنْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوِ السَّلَمِ، أَوِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لَمْ يَصِحَّ)، وهنا صور: الأولى: إذا أحال على مال الكتابة؛ غيرُ صحيحٍ؛ لأِنَّه ليس بمستقِرٍّ، فإنَّ له أن يَمْتَنِع من أدائه، ويسقط بعجزه، وظاهِرُه: ولو حلَّ في المنصوص (٤). وتصِحُّ الحَوالة عليه بدَين آخَرَ؛ إذْ حُكْمُهُ حُكْمُ الأحرار في المدايَنات. الثَّانيةُ: إذا أحال على مال السَّلَم؛ لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه يتعرَّض (٥) للفسخ بانقطاع المسلَم فيه (٦)؛ لأِنَّها لا تَصِحُّ إلاَّ فيما يجوز أخْذُ العِوَض عنه، وهو مُمْتَنِعٌ في السَّلَم؛ لقوله: «مَنْ أسْلَمَ في شَيْءٍ، فلا يصرفه إلى غيره» (٧). لكِنْ في صحَّتها في رأسِ ماله بعد فسخه؛ وجْهانِ. الثَّالثةُ: إذا أحالت بصَداقها قبل الدُّخول؛ لم يصح (٨)؛ لأِنَّه غَيرُ مستقِرٍّ، بدليل سقوطه (٩) بردَّتها، أو نِصفِه بطلاقها. ومِثْلُه: إذا أحال البائع بالثَّمن على المشتري في مدَّة الخيار.

стр. 2913

وظاهِرُه: أنَّها إذا أحالت به بعد الدُّخول؛ أنَّه يصِحُّ؛ لأِنَّه مستقِرٌّ. (فَإِنْ (١) أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ) بنجْمٍ قد حلَّ، (أَوِ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ له تسليمَه إليها، وحوالتُه به يَقوم مقام تسليمه. وكذا إذا أحال المشتري بالثَّمن للبائع في مدَّة الخِيار. وظاهِرُه: أنَّه لا يُشْترَط استقرارُ المحال به، وهو المذهب. وقال أبو الخَطَّاب، وجزم به الحُلْوانِيُّ: يُشترَط استقراره كالمحال عليه، فعليه: لا يصِحُّ في ذلك؛ لعدم استقراره. (الثَّانِي (٢): اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ)؛ أيْ: تَماثُل الحَقَّينِ (فِي الْجِنْسِ)؛ كذهبٍ بذهبٍ، أو دراهمَ بدراهمَ، فإنْ أحال من عليه ذهبٌ بفضَّةٍ، أو عكسُه؛ لم يَصِحَّ، (وَالصِّفَةِ)؛ كصِحاحٍ بِصِحاحٍ، أو مصريَّة بمثلها، فلو اختلفا؛ لم يصحَّ، (وَالْحُلُولِ)؛ أيْ: بأن يكونا حالَّينِ، (وَالتَّأْجِيلِ)؛ أيْ: بأن يكونا مؤجَّلَينِ، ويُعتبَر اتِّفاق الأجل، فلو كان أحدُهما يَحلُّ بعد شهرٍ، والآخَرُ بعد شهرَينِ؛ لم يصحَّ؛ لأنَّها إرْفاقٌ كالقرض، فلو جُوِّزت مع الاختلاف؛ لصار المطلوبُ منها الفضلَ، فتخرج (٣) عن موضوعها. واكتفى بما ذكره عن ذكر التَّساوي في القدر؛ لأِنَّ الأجَلَ إذا مُنِع لكونه يُقابِله قِسْطٌ تقديرًا؛ فالزِّيادة المحقَّقةُ أَوْلى. فَرعٌ: إذا صحَّت الحَوالةُ، فتراضَيا بأنْ يدفَع خَيرًا من حقِّه، أو بدونه في الصِّفة، أو تعجيله، أو تأجيله، أو عِوَضه؛ جاز، ذكره في «المغني» و «الشَّرح».

стр. 2914

وذكر في «التَّرغيب» الأولة، فظاهره (١) مَنْعُ عِوَضِه. ونقل سندي فيمن أحاله عليه بدينارٍ، فأعطاه عشرين درهمًا: لا ينبغي إلاَّ ما أعطاه (٢). (الثَّالِثُ (٣): أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ)، بغَير خلافٍ (٤)؛ لأِنَّ الحقَّ عليه، فلا يَلزَمُه أداؤه من جهة الدَّين على المحال عليه بشرط المقاصَّة (٥) وعلم المال؛ لأنَّها إن كانت بَيعًا؛ فلا تصِحُّ في مجهولٍ، وإن كانت تَحوُّلَ الحقِّ؛ فيُعتبَر (٦) فيها التَّسليمُ، والجهالةُ تَمنَع منه. فتصِحُّ في كلِّ ما يَثبُت مثلُه في الذِّمَّة بالإتلاف من الأثمان، والحبوب، والأدهان، فلا تصح (٧) بما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ كالجَوهَر. وفيما يصِحُّ السَّلَمُ فيه غير المِثْلِيِّ؛ كالمذروع والمعدود (٨)؛ وجهان. وفي الحوالة بإبِل الدِّية على من عليه مثلها؛ وجهان. فإن أحال بإبل الدِّية على إبل القَرْض؛ صحَّ إن قيل: يَرُدُّ فيه المثل، وإن قلنا: يردُّ (٩) القيمة؛ فلا؛ لاخْتِلاف الجنس. وإن كان بالعكس؛ لم يصحَّ (١٠) مطلَقًا. (وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ للمُحيل أن يَسْتَوْفِيَ الحقَّ بنفسه

стр. 2915

وبوكيله، وقد أقام المحتالَ مقامَ نفسه في القبض؛ فلزم المحال عليه الدَّفع إليه؛ كالوكيل. (وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا)، بل يجب عليه القَبول؛ نَصَّ عليه (١)؛ لظاهر الأمر (٢). وفَسَّر الملِيءَ في رواية إسماعيل العِجْلِيِّ: أن يكون مَلِيئًا بمالِه وقَولِه وبَدَنِه (٣). فمالُه: القُدْرةُ على الوفاء، وقولُه: ألاَّ يكون مُماطِلاً، وبَدَنُه: إمْكانُ حُضوره مجلس (٤) الحكم، قاله الزَّرْكَشِيُّ. وفي «شرح المحرَّر»: مالُه: القدرةُ على الوفاء، وقوله: إقرارُه بالدَّين، وبَدَنُه: الحياةُ. فإن امْتَنَع من القَبول؛ أُجْبِر عليه في الأصحِّ. وفي براءة (٥) ذمَّة المحيل قبل أن يُجْبِرَه الحاكِمُ؛ روايتان: إحداهما: نَعَمْ، نَقَلَها الجماعةُ (٦)، وهي المذهب، فلو هَلَكَ (٧) المحالُ عليه مُعْسِرًا، أو مات، أو جحد؛ فلا شَيْءَ له. والثَّانيةُ: لا يَبْرَأُ إلاَّ أن يُجبِره الحاكِمُ، لكِنْ تنقطع المطالبة بمجرَّد الحوالة، ويصير بمثابة من بذل ما عليه من دَينٍ، فامتنع ربُّه من قبضه؛ أجبره

стр. 2916

الحاكم على القبض، ولا تبرأ ذِمَّةُ الغريم قبل ذلك. (وَإِنْ ظَنَّهُ مَلِيئًا، فَبَانَ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ؛ رَجَعَ عَلَيْهِ)، ذَكَرَه في «الوجيز» وغيره؛ لأِنَّ الفلس (١) عَيْبٌ، ولم يَرْضَ به، فاسْتَحَقَّ الرُّجوعَ؛ كالمبِيع المعِيب. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إذا رضِيَ بالحَوالة، فلا رجوعَ له، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّه مع الرِّضا يَزولُ شَغْلُ الذِّمَّة، فلا يعود بعد زواله. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَرْجِعَ)، هذا رواية كشرطها، وفي «المغني» احتمالان، وفي «الكافي» روايتان. وظاهره: أنَّه إذا رضي المحتال بها مع علمه بفَلَسِ المحال عليه؛ أنَّه لا رجوع له بغير خلافٍ (٣)؛ لرضاه بدون حقِّه؛ كالمعيب. (وَإِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، أَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِهِ، فَبَانَ الْبَيْعُ (٤) بَاطِلاً)، كما لو اشترى عَبْدًا فظهر حُرًّا، أو مُسْتَحَقًّا؛ (فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ)؛ لأِنَّه ببطلان البَيْع تَبَيَّنَّا أنْ لا ثَمَنَ على المشتري، والحَوالةُ فَرْعٌ على الثَّمن، فإذًا يَبطُل الفرع لِبُطْلانِ أصله، فيرجع المشتري على من كان له (٥) عليه الدَّين في مسألة حوالته، وعلى المحال عليه في مسألة الحوالة عليه، لا على البائع؛ لأنَّ الحوالة لمَّا بطلت؛ وجب بقاءُ الحقِّ على ما كان. ويُعْتَبَرُ ثبوتُ ذلك ببيِّنةٍ أو اتِّفاقهم، فلو اتَّفقا على حريَّة العبد، وكذَّبهما المحتالُ؛ لم يُقبَلْ قولُهما عليه؛ لأِنَّهما يُبْطِلان حقَّه، كما لو باع المشتري ثمَّ

стр. 2917

اعْتَرف هو وبائعه أنَّه كان حُرًّا. وإن أقاما بيِّنةً؛ لم تُسمَع؛ لأِنَّهما كذَّباها بدخولهما في التَّبايِع، لكن إن أقامها العبد؛ قُبِلت وبَطَلتِ الحوالة. وإن صدَّقهما المحتالُ، وادَّعى أنَّها بغَير ثمن العبد؛ قُبِل قوله مع يمينه. وإن اتَّفق المحيل والمحتال على حُرِّيَّته، وكذَّبهما المحال عليه؛ لم يُقبَل قولُهما عليه؛ لأِنَّه إقرارٌ على غيرهما، وتَبطل الحوالة. ولو اعترف المحتالُ والمحالُ عليه بذلك؛ عَتَقَ؛ لإقرار مَنْ هو في يده بِحُرِّيَّته، وبطلت الحوالة بالنِّسبة إليهما، ولم يكن للمحتال الرُّجوع على المحيل؛ لأنَّ دخولَه معه في الحوالة اعترافٌ ببراءته. (وَإِنْ فُسِخَ العَقْدُ (١) بِعَيْبٍ، أَوْ إِقَالَةٍ)، أو خيار، أو انفسخ النِّكاح ونحوُه بعد الحَوالة؛ (لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ)؛ لأِنَّ عَقْدَ البيع لم يَرْتَفِعْ هنا، فلم يَسقط الثمن (٢)، فلم تَبْطُل الحَوالة؛ لاِنْتِفاء المبطِل (٣)، وكما (٤) لو أَخذ البائعُ بحقِّه عَرضًا. وحينئِذٍ: للمشتري الرُّجوعُ على البائع فيهما؛ لأِنَّه لمَّا ردَّ العِوَضَ اسْتَحَقَّ الرُّجوعَ بالعِوَض، والرُّجوع في عَينه متعذِّرٌ؛ لِلُزوم الحوالة، فوجب في بدله، وإذا لزم البدلُ وَجب على البائع؛ لأنَّه هو الذي انتفع بمبدله. (وِلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الأُولَى، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَائِعِ فِي الثَّانِيَةِ)؛ لأِنَّ دَين البائع ثابِتٌ على مَنْ أحاله المشتري عليه، ودَين المشتري ثابِتٌ على البائع

стр. 2918

ثُبوتًا مستقِرًّا، فصحَّت الحوالة عليه؛ كسائر الحُقوق المستقِرَّة. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا)؛ حكاه في «المحرَّر» و «الفروع» قولاً، وقدَّمه في «الكافي»؛ لأنَّ الحَوالةَ بالثَّمن، وقد سقط (١) بالفسخ، فوجب بطلانُ الحوالة؛ لذهاب حقِّه من المال، كما لو ظهر المبيعُ مستحَقًّا. فعلى هذا: في بطلان إذْن المشتري للبائع وجهان. وأبطل القاضي الحوالة به لا عليه؛ لتعلُّق الحقِّ بثالثٍ. وظاهِرُه: أنَّها لا تبطل إذا كان المحتال قبضها وجهًا واحدًا؛ لأِنَّه قَبَضَ منه بإذْنه. (وَإِذَا) أمر رجلاً بِقَبْضِ دَينٍ له من غريمه، ثمَّ اختَلَفا، (فَقَالَ: أَحَلْتُكَ، قَالَ: بَلْ وَكَّلْتَنِي) في قَبضه ودَيني باقٍ في ذِمَّتك، (أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ)، بلفظ الوكالة، (قَالَ: بَلْ أَحَلْتَنِي)، بلفظ الحَوالة؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ) مع يمينه؛ لأنَّه يَدَّعِي بقاءَ الحقِّ على ما كان، ويُنكِر انتقالَه. فأمَّا إن كان لأحدهما بيِّنةٌ؛ حُكم بها؛ لأِنَّ اخْتِلافَهما في اللَّفظ، وهو ما يمكن إقامةُ البيِّنة عليه. (وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَالَ: أَحَلْتُكَ)، أو أحَلْتُك بدَينِي، (وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الآْخَرُ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ)، كذا في «الكافي» و «الفروع»: أحدهما، وهو المذهب: يُقبَل قَولُ مدَّعِي الوكالة؛ لأِنَّ الأصلَ بقاءُ الحقِّ على المحال عليه، والمحتال يَدَّعِي نَقْلَه، والمحيل يُنكِره، والقول قَولُ المنكِرِ. والثَّاني: يُقبَل قولُ مُدَّعي الحوالة؛ لأِنَّ الظَّاهر معه؛ لموافقة دعواه

стр. 2919

الحقيقةَ، ودعوى خصمه المجازَ (١)، فعليه: يَحلِف المحتال، ويَثْبُت حقُّه في ذمَّة المحال عليه، ويَسْتَحِقُّ مطالَبتَه، ويَسقط حقُّ (٢) المحيل. وعلى الأوَّل: يَحلِف المحيلُ، ويَبْقَى حقُّه في ذمَّة المحال عليه. وعليهما: إن كان المحتالُ قَبَض الحوالة من المحال عليه، وتَلِف في يده؛ فقد بَرِئَ كلُّ واحِدٍ منهما من صاحبه، ولا ضمان عليه، سواءٌ تَلِف بتفريطٍ أو غيره، وإن لم يَتْلَف فوجهان. (وَإِنْ قَالَ: أَحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ)، باتِّفاقهما على ذلك، ثمَّ اخْتَلَفا؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ وَجْهًا وَاحِدًا)، وكذا في «المحرَّر»؛ لأِنَّ الحوالةَ بِدَينه (٣) لا تَحتَمِل الوكالةَ، فلم يُقبَل قَولُ مُدَّعيها. تَنْبيهاتٌ: الأول (٤): الحَوالة على ما له من (٥) الدُّيون إذْنٌ في الاِسْتِيفاء فقطْ، وللمحتال الرُّجوع ومطالَبةُ مُحيلِه، وإحالة مَنْ لا دَين عليه على من دَينُه عليه؛ وكالةٌ، ومن لا دَين عليه في مثله؛ وكالةٌ في اقْتِراضٍ، وكذا مدينٌ (٦) على بريءٍ، فلا يصارِفه، نَصَّ عليه (٧). وفي «الموجز» و «التبصرة»: إن رضي البريء بالحوالة؛ صار ضامِنًا يلزمه الأداءُ، ذكره في «الفروع». الثَّاني: من ثبت له على غريمه مثلُ ما له عليه قَدْرًا وصفةً؛ تَساقطا، فإن

стр. 2920

اختلفا في القَدْر؛ سقط الأقلُّ، ومثله من الأكثر. وعنه: برضاهما. وعنه: أو أحدهما. وعنه: لا يتقاصُّ الدَّينانِ، كما لو كان أحدُهما دَين سَلَمٍ، وفي «الفروع»: أو كانا من غير الأثمان. الثَّالثُ: إذا كان له دَينٌ على آخر (١) فطالبه، فقال: أحَلْتُ به فُلانًا الغائبَ، وأنكر ربُّ المال؛ قُبِل قَولُه مع يمينه، ويُعمَل بالبيِّنة. الرَّابِعُ: إذا نَوَى المدْيونُ وفاءَ دَينه، وإلاَّ فهو متبرِّعٌ، وإن وفَّاه حاكم (٢) قهْرًا؛ كَفَتْ نِيَّته (٣) إنْ قضاه من مدْيونٍ، وفي لزوم ربِّ الدَّين نية (٤) قَبْض دَينه؛ وجهان، وإن ردَّ بَدَلَ عَينٍ؛ نَوَى، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.

стр. 2921

(بَابُ الصُّلْحِ) وهو ثابِتٌ بالإجْماع (١)، وسَنَدُه: عُمومُ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحُجرَات: ٩]، ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير﴾ [النِّساء: ١٢٨] (٢). والسُّنَّةُ شهيرةٌ بذلك، فمنها: ما رَوَى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الصُّلْحُ جائِزٌ بين المسلمين، إلاَّ صُلْحًا حرَّم حلالاً أوْ أحَلَّ حرامًا» رواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقال: حَسَنٌ صحيحٌ، وصحَّحه الحاكِمُ (٣). وهو أنواعٌ: صُلحٌ بَينَ المسلِمِين وأهْلِ الحرب، وبَينَ أهْلِ العَدْل والبغي (٤)، وبَينَ الزَّوجَينِ إذا خِيفَ الشِّقاقُ بَينَهما، وصُلحٌ بين المتخاصِمِينَ، وهو المقصودُ هنا. ومعناه لُغةً: قَطْعُ المنازَعة. وشَرْعًا: مُعاقَدةٌ يُتَوَصَّل بها إلى الإصْلاح بين المتَخاصِمينَ. (الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ): (أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ): (أَحَدُهُمَا: الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ؛ مِثْلَ: أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ، فَيَضَعُ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَينٍ) كدارٍ، (فَيَهَبُ لَهُ بَعْضَهَا وَيَأْخُذُ الْبَاقِيَ، فَيَصِحُّ)؛ لأِنَّ الإنسانَ

стр. 2922

لا يُمنَعُ مِنْ إسْقاطِ بعضِ حقِّه، كما لا يُمنَعُ مِنْ اسْتِيفائه؛ لأِنَّه «﵇ كَلَّم غُرَماءَ جابِرٍ لِيَضَعُوا عنه» (١)، وقَضِيَّةُ كَعْبٍ مع (٢) ابنِ أبي حَدْرَدٍ شاهدةٌ بذلك (٣). قال أحمد (٤): إذا كان للرجل (٥) على آخَرَ دَينٌ ليس عنده وفاءٌ، فوضَع عنه بعضَ حقِّه وأخذ منه الباقِيَ كان ذلك جائزًا لهما إذا كان بلفظ الإبْراء. فإن كان بلفظ الصُّلح؛ فأشْهَرُ الرِّوايَتَينِ: أنَّه لا يَصِحُّ، وهي الأصحُّ؛ لأِنَّه صالَح عن بَعْض ماله ببعضٍ، فهو هَضْمٌ للحقِّ. والثَّانية، وهي ظاهر «الموجز» و «التَّبصرة»، ويَحتَمِله كلامُ المؤلِّف: يَصِحُّ. وبالجملة: فقد مَنَعَ الخِرَقيُّ وابنُ أبي موسى الصُّلحَ على الإقرار، وأباهُ الأكثرون، كما اقْتضاهُ كلامُ المؤلِّف. فعلى الأوَّل: إن وفَّاه من جنسِ حقِّه؛ فهو وفاءٌ، ومن غير جنسه؛ معاوَضةٌ، وإنْ أبْرَأه من بعضه فهو إبْراءٌ، وإنْ وَهَبه بعضَ العَين فهو هِبةٌ، ولا يُسمَّى صُلْحًا، فالخِلافُ إذِنْ في التَّسمية، قالَه في «المغني» و «الشرح»، وأمَّا المعنى فمتَّفَقٌ عليه. وشَرْطُه: (إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه أكْلٌ لمال الغَير بالباطل، وهَضْمٌ للحقِّ، (أَوْ يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ)؛

стр. 2923

أيْ: بدونِ الصُّلْح، فلا يَصِحُّ قَولاً واحدًا. (وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ؛ كَالمُكَاتَبِ، وَالْمَأْذُونِ لَهُ، وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ)؛ لأِنَّه تَبَرُّعٌ، وهؤلاء لا يملكونه، (إِلاَّ فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ)، فإنَّه يَصِحُّ، ومِثلُه ناظِرُ الوقْف، وصرَّح به أبو العبَّاس ابنُ تَيمِيَّة في شَرْحه على «المحرر» (١)؛ لأِنَّ اسْتِيفاء البعض عند العجز عن اسْتِيفاء الكُلِّ أَوْلَى مِنْ تَرْكِه. وظاهره: أنَّه معَ الإقرار أو وجود (٢) البيِّنة لا يَمْلِكونه؛ لِمَا قُلْنا، ويَصِحُّ عمَّا ادَّعى على مَوْلِيِّهِ وبه بيِّنةٌ، وقيل: أو لا. (وَإِنْ (٣) صَالَحَ عَنِ الْمُؤجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا؛ لَمْ يَصِحَّ)، نَقَلَه الجماعةُ (٤)؛ لأِنَّه يَبذُلُ القدرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تعجيل ما في ذمَّته، ومع (٥) الحلول والتَّأجيل لا يجوز، كما لو أعطاه عَشَرةً حالَّةً بعشرين مؤجَّلةٍ. وفي «الإرشاد» و «المبهج» روايةٌ بالصِّحَّة، واختارها الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٦)؛ لبراءة الذِّمَّة هنا، وكدَين الكتابة، جزم به الأصحاب، ونقله ابن منصورٍ قال (٧): ليس بينه وبين سيِّده ربًا (٨)، فدلَّ أنَّما جوَّزه على هذا الأصل، والأشهرُ عكسُه. (وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الْحَالِّ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ)؛ كما لو صالحه عن مائةٍ حالَّةٍ

стр. 2924

بخمسين مؤجَّلةٍ؛ (صَحَّ الْإِسْقَاطُ)؛ لأِنَّه أسقطه عن طِيب نفسه، ولا مانع من صحَّته؛ لأنَّه ليس في مقابله تأجيلٌ، فوجب أن يصحَّ، كما لو أسقطه كله. وعنه: لا يصحُّ، وصحَّحها أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّه هَضْمٌ للحقِّ. والأوَّلُ أصحُّ. (دُونَ التَّأْجِيلِ) على الأصحِّ؛ لأِنَّ الحالَّ لا يتأجَّل، ولأِنَّه وعدٌ. وكذا لو صالحه عن مائةٍ صحاحٍ بخمسين مكسَّرةٍ؛ هل هو إبْراءٌ من الخمسين ووعدٌ في الأخرى؟ قاله في «الفروع». (وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ؛ مِثْلَ: أَنْ (١) يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ، أَوْ عَنْ (٢) قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا؛ لَمْ يَصِحَّ)، جزم به في «الوجيز»، وصحَّحه الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وأنَّه قياس قول أحمد (٣)؛ لأِنَّ الدِّيةَ والقِيمةَ تثبت في الذِّمَّة بقدره، فلم يَجُزْ أن يصالِح عنها بأكثر منها من جنسها؛ كالثابتة (٤) عن قَرْضٍ؛ إذ الزَّائد لا مُقابِل له، فيكون حرامًا؛ لأِنَّه من أكْلِ المال بالباطل، وكالمِثْليِّ، وقيَّده (٥) في «الفروع» وغيره المتلف: بكونه غير مثليٍّ، ويُخرَّج على ذلك تأجيل القيمة، قاله القاضي وغيره. وفي «المغني» و «الشرح» روايةٌ: بأنَّه يصحُّ أن يصالِح عن المائة الثَّابتة بالتَّلَف بمائةٍ مؤجَّلةٍ؛ لأِنَّه عاوَض عن المتلَف بمائةٍ مؤجَّلةٍ؛ فجاز، كما لو باعه إيَّاه. وذَكَر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين رواية: بتأجيل الحالِّ في المعاوَضة لا التبرُّع (٦).

стр. 2925

(وَإِنْ صَالَحَهُ بِعَرْضٍ (١) قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا (٢)؛ صَحَّ فِيهِمَا (٣)؛ لأِنَّه لا رِبا بين العِوَضِ والمعوَّضِ، فصحَّ؛ كما لو باعه ما يساوي خمسةً بدرهمٍ. (وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ بَيْتٍ)؛ أي: إذا ادَّعى عليه بَيتًا، فصالَحه (عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ سَنَةً، أَوْ يَبْنِيَ لَهُ فَوْقَهُ غُرْفَةً)، أوْ صالحه على بعضه؛ (لَمْ يَصِحَّ)؛ جزم به الأصحابُ؛ لأِنَّه يُصالِحه عن ملكه على ملكه أو منفعته، فمتى فعل ذلك؛ كان تبرُّعًا (٤)، متى شاء أخرجه منها. وإنْ فَعَلَه على سبيل المصالحة معتَقِدًا إيجابَه عليه بالصُّلح؛ رجع عليه بأُجْرةِ ما سَكَنَ، وأَخَذَ ما كان في يده من الدَّار؛ لأِنَّه أخَذَه بعَقْدٍ فاسِدٍ. (وَإِنْ قَالَ لَهُ (٥): أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيكَ)، أوْ خُذْ (مِنْهُ مِائَةً، فَفَعَلَ؛ صَحَّ الْإِقْرَارُ)؛ لأِنَّه أقرَّ بحقٍّ يَحرُم عليه إنكارُه، (وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ)؛ لأِنَّه يَجِبُ عليه الإقرارُ بما عليه من الحقِّ، فلم يَحِلَّ له أخْذُ العِوَض عمَّا يجب عليه. فعلى هذا يَرُدُّ ما أخذ؛ لأنَّه تبيَّن (٦) كَذِبُه بإقْراره، وأنَّ الدَّينَ عليه، فَلزِمَه أداؤه بغير عِوَضٍ. (وَإِنْ صَالَحَ إِنْسَانًا) مُكلَّفًا (لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ)؛ أيْ: بِأنَّه مَمْلُوكُهُ، (أَوِ امْرَأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ؛ لَمْ يَصِحَّ) لأِنَّ ذلك صُلْحٌ يُحِلُّ حرامًا؛ لأِنَّ إرْقاقَ النَّفْس وبَذْلَ المرأة نفْسَها بعِوَضٍ لا يَجُوزُ. (وَإِنْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةُ إِلَى الْمُدَّعِي مَالاً صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ؛

стр. 2926

صَحَّ)؛ لأِنَّه يجوز أنْ يُعْتِق عبدَه بِعِوَضٍ، ويُشرَع (١) ذلك في حقِّ الدَّافِع؛ لِقَطْع الخصومة المتوجِّهة (٢) عليه، زاد في «المغني» و «الشَّرح»: ويَدفَعُ اليمينَ الواجبة (٣). وظاهره: أنَّ المرأةَ إذا دَفَعَتْ إليه عِوَضًا عن هذه الدَّعوى ليكفَّ (٤) نفسَه عنها؛ لم يَصِحَّ، وهو وَجْهٌ في «المغني»، وهو ظاهِرُ «البُلْغة»؛ لأِنَّ الدَّفْعَ في الإنكار لاِفْتِداء اليمين وقَطْعِ الخُصومة، ولا يَمِينَ عليها، ولأِنَّ خُروجَ البُضْعِ من مِلْكِ الزَّوج لا قِيمةَ له، وإنما أُجِيزَ الخُلْعُ لأِجْل الحاجة إلى افْتِداء نفسها. والثَّاني: يَصِحُّ، ذكره أبو الخَطَّاب وابن عَقِيلٍ، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّ المدَّعِيَ يأخُذُ عِوَضًا عن حقِّه في النِّكاح، فجاز كعِوَض الخُلْع، والمرأةُ تَبْذُلُه لِقَطْع الخصومة وإزالة الشُّرور بما توجَّهت اليَمينُ عليها؛ لكون الحاكِمِ يرى ذلك. فَلَوْ صالَحَتْه، ثمَّ ثَبَتَت (٥) الزَّوجيَّةُ؛ فإنْ قُلْنا: الصُّلْحُ باطِلٌ؛ فالنكاح (٦) باقٍ بِحالِه؛ لأِنَّه لَمْ يُوجَدْ من الزَّوج طَلاقٌ ولا خُلْعٌ. وإنْ قُلْنا: هو صحيحٌ؛ فوجْهانِ؛ أحدُهما: كذلك. والثَّاني: تَبِينُ منه بأخْذِ العِوَض؛ لأِنَّه أَخَذَ العِوَض عمَّا كان يَسْتَحِقُّه من نِكاحها، فكان خلعًا (٧)، كما لو أقرَّت له بالزَّوجيَّة فخالعها (٨).

стр. 2927

ولَوِ ادَّعَتْ أنَّ زَوجَها طلَّقها ثلاثًا، فصالحها على مال لتترك (١) دَعْواها؛ لم يَصِحَّ. وقيل: بلى، كما لو بَذَلَتْ له عِوَضًا لِيُطَلِّقَها ثلاثًا. (النَّوْعُ الثَّانِي) من صُلْح الإقرار: (أَنْ يُصَالِحَ عَنِ (٢) الْحَقِّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ)؛ كما لو اعْتَرف له بِعَينٍ في يده، أو دَينٍ في ذِمَّته، ثُمَّ يُعوِّضُه عنه بما يجوز تَعْويضُه. وهو يَنقَسِم إلى أقسامٍ نبَّه عليها بقوله (٣): (فَإِنْ كَانَ بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ؛ فَهُوَ صَرْفٌ)؛ لأنَّه (٤) بَيعُ أحدِ (٥) النَّقْدَينِ بالآخَر، فيُشتَرَطُ له القَبْضُ في المجلس ونحوِه. (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْأَثْمَانِ؛ فَهُوَ بَيْعٌ)؛ لأِنَّه مُبادَلةُ المال بالمال، وهو موجودٌ هنا، وفيه شَيءٌ، ولو قال: (بعرض (٦) فبَيعٌ) لكان أَوْلَى، فعلى هذا: يُشْتَرَطُ فيه العِلْمُ به كالمبِيعِ، ويَصِحُّ بلفظ الصُّلْح في ظاهر كلامه، وهو المذهَبُ. فَرْعٌ: إذا صالَح عن دَينٍ؛ فيجوز بغير جنسه مطلَقًا، ويَحرُم بجنسه بأكثر (٧) أو أقلَّ على سبيل المعاوَضة، وبشَيءٍ في الذِّمَّة يحرم (٨) التَّفرُّقُ قَبْلَ القَبْضِ. (وَإِنْ كَانَ بِمَنْفَعَةٍ؛ كَسُكْنَى دَارٍ)، أو خِدْمةِ عبْدٍ، أو يَعمَلُ له عَمَلاً معلومًا؛ (فَهُوَ إِجَارَةٌ)؛ لأِنَّها بَيعُ المنافِعِ، (تَبْطُلُ بِتَلَفِ الدَّارِ (٩) كَسَائِرِ

стр. 2928

الْإِجَارَاتِ)، فإنْ تَلِفَتْ قَبْلَ اسْتِيفاء شَيءٍ من المنفعة انْفَسَخَتْ ورجع بما صالَحَ عنه، وبَعْدَ اسْتِيفاء بعضها ينفسخ فيما (١) بَقِيَ منها، ويرجع بِقِسْط ما بَقِيَ. وقيل: تبطل (٢)؛ بناءً على تَفْرِيق الصَّفقة. وقيل: إنْ صالَحَ عن دَينٍ أو عَينٍ (٣)، بخدمةٍ أو سُكْنَى؛ صحَّ. فإن تلفت (٤) العَينُ قبل الاِنْتِفاع؛ بَطَلَ الصُّلحُ، ورجع بمقابِلِه (٥)، وإن كان عن إنكارٍ؛ رجع بالدَّعْوَى، وإن كان عن إقرارٍ؛ رجع فيما أقرَّ له به، وإن كان اسْتَوْفى البعضَ؛ رجع ببقيَّة حقِّه. مسألتانِ: الأولى: إذا صالَحه على أنْ يُزوِّجه أمَتَه؛ صحَّ بِشَرْطه (٦)، وكان المصالَحُ عنها (٧) صَداقَها، فإن انفسخ النِّكاح قبل الدُّخول بأمْرٍ يُسقِطُ الصَّداقَ؛ رجع الزَّوجُ بما صالَحَ عنه، وإن طلَّقها قبل الدُّخول؛ رجع بنصفه. الثَّانيةُ: إذا صالَحه بخِدمة عبدٍ سنةً؛ صحَّ وكانت إجارةً، فإنْ أعتق العَبْدَ في أثناء المدَّة؛ صحَّ عِتْقُه، وللمصالَح أنْ يَسْتَوْفِيَ نَفْعَه في المدَّة، ولا يَرجِع العبدُ على سيِّده بشَيءٍ؛ لأِنَّه ما أزال ملكَه بالعتق إلاَّ عن الرَّقبة، والمنافِعُ حِينَئِذٍ مَمْلُوكةٌ لغيره، ولأِنَّه أعْتَقَه مسلوبَ المنفعة، فلم يَرجِعْ بشَيءٍ، كما لو أعتق زَمِنًا أو أمةً مزوَّجةً.

стр. 2929

وقيل: يرجع على سيِّده بأُجرة مثله. (وَإِنْ صَالَحَتِ الْمَرْأَةُ)؛ أي: بعد اعْتِرافها له بِدَينٍ أوْ عَينٍ، (بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا؛ صَحَّ)، ويكون صداقًا لها؛ لأِنَّ عَقْدَ التَّزويج يَقْتَضِي عِوَضًا، فإذا جَعَلَتْ ذلك عِوَضًا عن الحقِّ الذي عليها؛ صَحَّ كغيره. (فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيْبٍ فِي مَبِيعِهَا، فَزَالَ (١)؛ أيْ: تبين (٢) أنَّه ليس بِعَيبٍ؛ كَبَياضٍ في عَين الرَّقيق ظنه (٣) عَمًى، وانْتِفاخِ بطن الأَمَة يَظُنُّها حامِلاً؛ (رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ)؛ أيْ: بِأَرْشِ العَيب؛ لأِنَّه صَداقُها، (لَا بِمَهْرِهَا)؛ أيْ (٤): مَهْرِ مثلها، وحِينَئِذٍ مهرُها أَرْشُه، صرَّح به في «المحرَّر» و «الفروع». فعلى هذا: إن كان موجودًا، ثمَّ زال؛ كمَبيعٍ كان مريضًا، فعُوفِيَ؛ لا شَيءَ لها؛ لأِنَّ زوالَ العَيب بعد ثُبوته حالَ العَقْد لا يُوجِب بُطْلانَ الأَرْشِ. لَا يُقالُ: قِياسُ ما تقدَّم في المصرَّاة: أنَّه إذا صار لبنُها عادةً، وطُلِّقت المزوَّجةُ؛ يَمْتَنِع الرَّدُّ، فإذا زال العَيب؛ تعيَّن أن لا أرش (٥)؛ لأِنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ للملك بسبب العَيب، فيَسْتَدْعِي مردودًا، بخلاف الأرْش، فإنَّه عِوَضٌ عمَّا فات من العَيب، فلم يَسقُط وَقْتَ العَقْد بزواله بَعْدَه. (وَإِنْ صَالَحَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ؛ لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ)، وهو منهيٌّ عنه شَرْعًا، ولأِنَّه إذا حصل التَّفرُّق قَبْل القَبْضِ؛ كانَ كلُّ واحِدٍ من العِوَضَينِ دَينًا؛ لأِنَّ محلَّه الذِّمَّةُ.

стр. 2930

(وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهُولِ)، عَيْنًا كان أوْ دَينًا، سواءٌ جَهِلاه أوْ جَهِلَه مَنْ عليه الحقُّ، (بِمَعْلُومٍ)، نَصَّ عليه، بِنَقْدٍ ونَسِيئةٍ، بشرط: (إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ)؛ أيْ: يَتَعذَّر عِلْمُه، قال أحمدُ في الرَّجُل يُصالِحُ عن الشَّيء: فإنْ عَلِم أنَّه أكْثر منه لم يَجُزْ إلاَّ أَنْ يُوقِفَه، إلاَّ أن يكونَ مجهولاً لا يُدْرَى (١)؛ لقوله ﵇ لِرَجُلَينِ اخْتَصَما في مواريثَ دَرَسَتْ بَينَهُما: «اسْتَهِما وتَوَخَّيَا الحقَّ، ولْيُحَلِّلْ (٢) أحدُكما صاحبَه» رواه أحمدُ وأبو داودَ (٣)، ولأِنَّه إسْقاطُ حقٍّ، فصحَّ في المجهول؛ كالعِتاق والطَّلاق؛ (لِلْحَاجَةِ)، ولأِنَّه إذا صالَح مع العلم وإمكان أداء (٤) الحقِّ بعَينه؛ فلَأَنْ يَصِحَّ مع الجهل أَوْلَى، ولو قيل بعدم جوازه؛ لَأفْضَى إلى ضياع الحقِّ، ولا نُسلِّم أنَّه فرعُ البيع، فإنَّ البيعَ يَصِحُّ في المجهول عند الحاجة؛ كأساسات الحائط وطَيِّ البئر. وظاهره: أنَّه إذا كان الصُّلح بمجهولٍ؛ أنَّه لا يصحُّ؛ لأِنَّ تسليمَه (٥) واجبٌ، والجهالةُ تمنعه. وإن لم يتعذَّر عِلْمُه؛ فكبراءة من مجهولٍ، وظاهرُ نصوصه: أنَّه لا يَصِحُّ (٦)، وهو ظاهر ما جزم به في «الإرشاد»، وقطع به الشَّيخان

стр. 2931

و «الشَّرح» (١)؛ لعدم الحاجة. قال أحمدُ: إنْ صُولِحت المرأةُ مِنْ (٢) ثُمُنِها لم يَصِحَّ الصُّلح، واحتجَّ بقول شُرَيحٍ (٣)، ولأِنَّ الْمُبِيحَ للصُّلح الحاجةُ، وهي مُنْتفِيةٌ هنا، فلم يَصِحَّ كالبيع. وخرَّج (٤) في «التَّعليق» و «الانتصار» في صُلْح المجهول والإنكار من البراءة من (٥) المجهول: عدم الصِّحَّة، وخرَّجه في «التَّبصرة» من الإبراء من عَيبٍ لم يَعلَما به. وقيل: لا يصحُّ عن أعيانٍ مجهولةٍ؛ لكونه إبراء، وهي لا تُقبَل.

стр. 2932

(فَصْلٌ) (الْقِسْمُ الثَّانِي): صلْحٌ على الإنكار، وهو (أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ (١) عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، فَيُنْكِرَهُ) أو يسكت، (ثُمَّ يُصَالِحَهُ (٢) عَلَى مَالٍ؛ فَيَصِحُّ) في قول أكثر العلماء؛ لعموم ما سبق. فإنْ قلْتَ: قَولُه ﵇: «إلاَّ صُلْحًا أَحَلَّ حَرامًا» (٣)، وهذا داخِلٌ فيه؛ لأِنَّه لم يَكُنْ له أنْ يأخُذَ من مال المدَّعَى عليه، فحَلَّ (٤) بالصُّلح! فالجواب: أنَّه لا يَصِحُّ دخولُه فيه، ولا يُمكِنُ حَمْلُ الخَبر عليه لأَمْرَينِ: أحدهما: أنَّ ما ذَكَرْتُم (٥) يُوجَد في الصُّلح بِمَعْنَى الهِبَة، فإنَّه يُحِلُّ للمَوهُوب (٦) ما كان حَرامًا. الثَّاني: لو حلَّ (٧) به المحرَّم؛ لكان الصُّلْحُ صحيحًا، فإنَّ الصُّلْحَ الفاسِدَ لا يُحِلُّ الحرام، وإنَّما معناه (٨): ما يُتَوصَّلُ به إلى تناول المحرَّم مع بقائه على تحريمه، كما لو صالَحَه على اسْتِرْقاق حُرٍّ، ولأِنَّه يَصِحُّ مع الأجنبيِّ، فصحَّ مع الخَصْم؛ كالصُّلح على الإقْرار. وَشَرْط صحَّته: أن يكون المدَّعي يعتقد (٩) حَقِّيَّةَ ما ادَّعاه، والمدَّعَى عليه

стр. 2933

عكسه، ومعناه: أن يعتقد أن ما ادَّعاه حقٌّ، والمدَّعى عليه يعتقد أنه لا حقَّ عليه (١)، فيدفع إلى المدَّعي شَيئًا؛ افْتِداءً ليمينه، وقطعًا للخصومة، وصيانةً لنفسه عن التَّبذُّل وحضور مجلس الحكم، فإنَّ ذَوِي الأنفس الشَّريفة يَصعُب عليها ذلك، ولأِنَّ الشَّريعة وَرَدت بجلب المصالح ودرء المفاسد، وهذا كذلك؛ إذ (٢) المدَّعي يأخُذ عِوضَ حقِّه الثَّابت له في اعتقاده، سواءٌ كان المأخوذُ من جنس حقِّه أو لم يكن، لكن إن أخذ من جنس حقِّه؛ لم يَجُز بأكثرَ؛ لأِنَّ الزَّائدَ لا مُقابِل له، وإن كان من غير جنسه؛ جاز. وظاهِرُه: أنَّه إذا ادَّعى عليه وَدِيعةً، أو تَفْرِيطًا فيها، أو قِراضًا، فأنكر وصالَحه على مالٍ؛ فهو (٣) جائزٌ، ذَكَرَه في «الشَّرح» وغيره. (وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي)؛ لأِنَّه يَعتقِده عِوَضًا عن حقِّه، فيَلزَمُه حُكْمُ اعْتِقادِه. (حَتَّى إِنْ وَجَدَ بِمَا أَخَذَ (٤) عَيْبًا؛ فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الصُّلْحِ)؛ كما لو اشْتَرَى شَيئًا فَوَجَدَه مَعِيبًا، (وَإِنْ كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا؛ ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ)؛ لأِنَّه بَيعٌ؛ لِكَونه أخَذَه عِوَضًا، كما لو اشْتَراه، فإنْ صالَحَ ببعض عَين المدَّعي فهو فيه كمُنْكِرٍ، وفيه خلافٌ. (وَيَكُونُ إِبْرَاءً فِي حَقِّ الآْخَرِ)؛ أي: المنكِر؛ لأِنَّه دَفَع المالَ افْتِداءً ليمينه، وإزالة الضَّرر عنه، لا عِوَضًا عن حقٍّ يعتقده، (فَلَا يَرُدُّ مَا صَاَلَحَ عَنْهُ بِعَيْبٍ، وَلَا يُؤْخَذُ بِشُفْعَةٍ (٥)؛ لاِعْتِقاده أنَّه ليس بِعِوَضٍ.

стр. 2934

أصلٌ: لم يَتعرَّض المؤلِّفُ لِحُلُول المأْخُوذ ولا تأْجِيله، ولكِنْ ذَكَرَ ابنُ أبي موسى (١) في «الإرشاد»: أنَّه يَصِحُّ بنَقْدٍ ونَسيئةٍ؛ لأِنَّ المدَّعِيَ مُلْجَأٌ إلى التَّأْخِير بتأْخِير خَصْمه. قال في «التَّرغيب»: وظاهِرُه لا يَثْبُت فيه أحكامُ البيع، إلاَّ فيما يَختَصُّ البائِعَ من شُفْعةٍ عليه، وأخْذِ زيادةٍ مع اتِّحاد الجنس. واقْتَصر المجْدُ على قول أحمدَ: إذا صالَحَه على بَعْضِ حقِّه بتأخيرٍ؛ جاز. (وَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ؛ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ)؛ لأِنَّه عالِمٌ بالحقِّ، قادِرٌ على إيصاله (٢) إلى مستحقِّه، غير معتقِدٍ أنَّه بحقٍّ (٣)، (وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه أكْلٌ للمال بدَعْواه الباطلة الكاذبة، ولا يَشهَد له (٤) إن عَلِم ظُلْمَه، نَقَلَه المرُّوذِيُّ (٥). (وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه قَصَدَ (٦) براءةَ ذِمَّته، أشْبَه ما لو قَضَى دَينَه، اعْتَرَف للمُدَّعِي بصحَّة دَعْواه أو لا. وظاهِرُه: أنَّه لا فَرْق بين أن يكون المدَّعَى دَينًا أو عَيْنًا، وهو كذلك في الدَّين؛ لأِنَّ قَضاءَ الدَّين جائِزٌ مطلَقًا؛ لِقَضِيَّة أبِي قَتادةَ (٧)، وجزم به الأصْحابُ. وفي العَين إذا لم يَذكُر أنَّ المنكِرَ وكَّله؛ وجهان:

стр. 2935

أحدهما: يَصِحُّ، وهو ظاهر المتن و «الوجيز»؛ افْتِداءً ليمينه، وقَطْعًا للخصومة. والثَّاني: لا يَصِحُّ، جزم به في «المحرَّر». وظاهره: أنَّه يَصِحُّ مع إذْنه ويَرجِع عليه، لأِنَّه وكيلُه، فلو قال: صالِحْني عن الملك الذي تدَّعيه (١)؛ ففي كونه مُقِرًّا له وجهان. (وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّه أدَّى عنه ما لا يَلزَمُه أداؤه. والثَّاني: يَرجِع كالضَّمان، والفَرْقُ واضِحٌ. وهما إذا نوى الرُّجوع. وخرَّجه القاضي وأبو الخَطَّاب على الرِّوايتَينِ فيما إذا قضى دَينه الثَّابِتَ (٢) بغير إذْنه، وفي هذا التَّخريجُ نظرٌ؛ لأِنَّ هذا لا يَثْبُت وجوبُه على المنكِر، ولا يلزمه أداؤه إلى المدَّعي، فكيف يلزمه أداؤه إلى غيره؟! (وَإِنْ صَالَحَ الأَجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ، لِتَكُونَ الْمُطَالَبَةُ لَهُ، غَيْرَ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى)؛ فالصُّلحُ باطلٌ؛ لأِنَّه يشتري منه ما لم يَثبُت له، ولا يتوجَّه إليه خصومةٌ يفتدي منها، أشبه ما لو اشترى ملْكَ غيره. (أَوْ مُعْتَرِفًا بِهَا عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِنْقَاذِهَا؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّه اشترى ما لا يَقدِرُ البائعُ على تسليمه كشراء الآبِق. وظاهِرُه: لا فرق بين أن يكون المصالَح عنه دَينًا أوْ عَينًا، وفرَّق بينهما في «المغني» و «الشَّرح»، فصحَّحاه في العَين؛ لأِنَّه اشترى منه ملْكَه الذي يَقدِر على قبضه، ومنعاه (٣) في الدِّين؛ لِمَا ذكرْنا، وحَكَيَا عن بعض الأصحاب صِحَّتَه.

стр. 2936

وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّ بَيعَ الدَّين المقَرِّ به من غير مَنْ هو في ذمَّته لا يَصِحُّ، ففي ذمَّة منكِرٍ معجوزٍ عن قبضه أَوْلَى. فإنِ اشتراه وهو يظُنُّ أنَّه عاجِزٌ عن (١) قبضه، فتبيَّن أنَّ قبضَه مُمْكِنٌ؛ صحَّ في الأصحِّ. ويحتمل: أن يفرَّق بين من يَعلَم أنَّ البيع (٢) يَفسد بالعجز عن تسليم المبيع، وبين مَنْ لا يعلم ذلك. (وَإِنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ؛ صَحَّ)؛ أي: مع الاعتراف بصحَّة الدَّعوى؛ لأِنَّه اشترى منه ملْكَه الذي يَقدِر على تسليمه، (ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فَسْخِ الصُّلْحِ)؛ لأِنَّه لم يُسَلِّمْ له المعقودُ عليه، فكان له الرُّجوعُ إلى بَدَله، (وَإِمْضَائِهِ)؛ لأِنَّ الحقَّ له؛ كالرَّدِّ بالعَيب. وفي «المغني» و «الشَّرح» احْتِمالٌ: أنَّه إن تبيَّن أنَّه لا يَقدِر على تسليمه؛ تبيَّنَّا أنَّ الصُّلحَ كان فاسِدًا؛ لأِنَّ الشَّرط هو القدرة على قبضه، وهو معدومٌ حالَ العقد، فهو كما لو اشترى عبدَه، فتبيَّن أنَّه كان آبِقًا. تنبيهٌ: إذا قال أجْنَبِيٌّ: أنا وكيلُ المدَّعى عليه في مصالحتك، وهو مُقِرٌّ لك في الباطن؛ فظاهر الخِرَقيِّ: أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه هَضْمٌ للحقِّ. وقال القاضي: يَصِحُّ، ومتى صدَّقه المنكِرُ؛ ملك العين، ولزمه ما أدَّى عنه، وإن أنكر الوكالة؛ حلَّفه وبَرِئَ، وحُكْمُ مِلكها في الباطن؛ إن كان وكَّله فلا يقدح إنكارُه، وإن لم يوكِّلْه؛ لم يَملِكها، ويحتمل: أن يقف على الإجازة. فإن قال الأجنبيُّ للمدَّعي: قد عَرَفَ المدَّعى عليه صحة (٣) دعواك، وهو

стр. 2937

يسألك أن تصالِحَه عنه، وقد وكَّلني في المصالحة عنه؛ صحَّ. وإن صالح عن المنكِر بشيءٍ، ثمَّ أقام بينة (١) أنَّ المنكِرَ أقرَّ قَبْل الصُّلح بالملك للمدَّعي؛ لم يُسمَع، ولم يُنقَض الصُّلحُ ولو شهدت بأصل الملك.

стр. 2938

(فَصْلٌ) هذا شُروعٌ في الصُّلح عمَّا (١) ليس بمالٍ. (يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ)، ولم يفرِّقوا بين إقرارٍ وإنكارٍ. قال في «المجرد» (٢) و «المغني»: يجوز عن قَوَدٍ، وسُكْنَى دارٍ، وعَيبٍ، وإن لم يَجُزْ بَيعُ ذلك؛ لأِنَّه لقطع الخصومة، وقاله (٣) في «الفصول»، وأنَّ القَوَدَ له بَدَلٌ، وهو الدِّية كالمال، وذَكَرَه المجْدُ، وقال: إن أراد بَيعَها من الغير صحَّ، ومنه؛ قياس المذهب جوازه، فإنَّه بمعنى (٤) الصُّلح بلفظ البَيع، وأنَّه يَتخرَّج فيه كالإجارة بلفظ البيع، وأنَّه صرَّح به أصحابنا بصحَّة الصُّلح عن المجهول بلفظ البيع في صُبْرةٍ أتلفها جَهِلَا كيلها، ذكره القاضي. (بِدِيَاتٍ)؛ لأنَّ «الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هُدْبةَ بن خَشْرَمٍ سبع دياتٍ، فأبى أن يَقبلها» (٥)، ولأِنَّ المالَ غير متعيِّنٍ، فلا يقع العِوَض في مقابلته. (وَبِكُلِّ مَا يَثْبُتُ مَهْرًا)، قاله الأصحابُ؛ لأِنَّه يَصِحُّ إسقاطُه؛ فَلَأنْ يَصِحَّ

стр. 2939

الصُّلحُ عليه من باب أَوْلى، وإن جاوز الدِّية، ذكره في «المحرَّر» و «الفروع». وحاصِلُه: أنَّه يَصِحُّ الصُّلحُ عن دم العمد، بدون دِيَته وأكثرَ إن وجب القَوَدُ عَينًا، أو طلب الولِيُّ وقلنا: يجب أحدُ شَيئينِ. وفي «الترغيب»: لا يَصِحُّ على جنس الدِّية إن قيل: مُوجَبه أحدُ شَيئينِ، ولم يختر (١) الولِيُّ شَيئًا إلاَّ بعد تعيين الجنس من إبلٍ أو غنمٍ؛ حذارًا من الرِّبا. وظاهر كلامهم: يَصِحُّ حالًّا ومؤجَّلاً (٢)، وذكره المجْدُ. فرعٌ: إذا صالَح عنه بعبدٍ فخرج مُسْتحَقًّا؛ رجع بقيمته في قول الجميع، وكذا إن خرج حُرًّا، ومع جهالته، كدارٍ وشجرةٍ؛ تجب دِيتُه (٣) أو أرْشُ الجُرح. فإنْ عَلِما بِحُرِّيَّته، أو كونه مُستَحَقًّا؛ رجع بالدِّية؛ لبطلان الصُّلح بِعِلْمهما. وإن صالَح عن دارٍ، فبان عِوَضُه مُسْتحَقًّا؛ رجع بها، وقيل: بقيمته مع الإنكار؛ لأِنَّ الصُّلحَ بَيعٌ في الحقيقة، بخلاف الصُّلح عن القصاص، فإنَّه ليس بِبَيعٍ، وإنَّما يأخذ عِوَضًا عن القصاص. (وَلَوْ صَالَحَ سَارِقًا لِيُطْلِقَهُ، أَوْ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ، أَوْ شَفِيعًا عَنْ شُفْعَتِهِ، أَوْ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ؛ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ)، وفيه أُمورٌ: الأوَّلُ: إذا صالَح سارِقَه لِيُطلِقَه؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لأِنَّ الرَّفْع إلى السُّلطان لَيس حَقًّا يجوز الاِعْتِياضُ عنه، فلم يَجُزْ كسائر ما لا حقَّ فيه، وكذا حُكمُ الزَّاني والشَّارِب.

стр. 2940

الثَّاني: إذا صالَح شاهِدًا لِيَكْتُم شهادتَه؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ كِتْمانَها حرامٌ، فلم يَصِحَّ الاِعْتِياضُ عنه. ويَشمَل صُوَرًا؛ منها: أن يُصالِحَه على أن لا يَشهَدَ عليه بحقٍّ تَلزَمُه الشَّهادةُ به؛ كَدَينِ آدَمِيٍّ، أوْ حقٍّ لله تعالى لا يَسقُط بالشُّبهةِ؛ كالزَّكاة. ومنها: أنْ يُصالِحَه على أن لا يَشهَدَ عليه بالزُّور؛ فهو حرامٌ، كما لو صالحه على أن لا يقتله أو لا (١) يغصب ماله. ومنها: أنْ يصالحه على أن (٢) لا يَشهَدَ عليه بما يُوجِبُ حدَّ (٣) الزِّنى والسَّرِقة، فلا يَجوز الاِعْتِياضُ في الْكُلِّ. الثَّالِثُ: إذا صالَح الشَّفيع عن شُفْعته؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّها ثَبَتَتْ (٤) لِإِزالة الضَّرَر، فإذا رضِيَ بالعوض (٥) تبيَّنَّا أنْ لا ضَرَرَ، فلا اسْتِحْقاق، فيَبطُل العِوَضُ لبطلان مُعوَّضه، نقل ابن منصورٍ: الشُّفْعةُ لا (٦) تُباعُ ولا تُوهَبُ (٧). (وَ) حِينَئِذٍ: (تَسْقُطُ الشُّفْعةُ)، جزم به في «الوجيز»؛ لِما قُلْناه. وفيه وجْهٌ: لا تسقط (٨)؛ لأِنَّ فيها حَقًّا لله تعالى. وأطلقهما (٩) في «المحرَّر» و «الفروع». الرَّابِعُ: إذا صالَح مَقْذوفًا عن حَدِّه؛ لم يَجُزْ أخْذُ العِوَض عنه؛ كحدِّ

стр. 2941

الزِّنى، وإن قُلْنا: هو له؛ فليس له الاِعْتِياضُ عنه؛ لأِنَّه ليس بمالٍ، ولا يؤول إليه، بخلاف القصاص. (وَفِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِهِ؛ وَجْهَانِ)، مبنِيَّانِ على أنَّ حدَّ القَذْف هل هو حقٌّ (١) لله تعالى فلا يَسقُط، أو له فَيَسقُط بصُلْحِه (٢) وإسقاطه كالقصاص، جزم به في «الوجيز». فَرْعٌ: لا يَصِحُّ الصُّلْحُ بِعِوَضٍ عن خِيارٍ. (وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُجْرِيَ عَلَى أَرْضِهِ أَوْ سَطْحِهِ مَاءً مَعْلُومًا؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، واشْتُرِط: العِلْمُ به؛ لأِنَّه يَختلِف ضَرَرُه بكَثْرته وقِلَّته، وطريق العلم: إمَّا بمشاهدةٍ، وإمَّا بمعرفةِ مساحةٍ (٣)، فيُقدَّر (٤) في الأرض بالفَدَّان، وفي السَّطح بِصِغَره أوْ كِبَره، ويُشترَط: معرفةُ الموضِع الذي يخرج منه إلى السَّطح؛ لأِنَّ ذلك (٥) يَختلِف. فإنْ كان بِعِوَضٍ مع بقاء مِلكه؛ فإجارةٌ، وإلاَّ فبَيعٌ. ولا يُعتَبَر بيانُ عُمْقِه؛ لأِنَّه إذا ملك الموضِع؛ كان له إلى تُخُومه (٦)، ولا تعيينُ المدَّة؛ إذ العقد على المنفعة في موضع الحاجة من غير تقدير مدَّةٍ جائزٌ؛ كالنِّكاح. وفي «القواعد»: (ليس بإجارةٍ مَحْضَةٍ؛ لعدم تقدير المدَّة، بل هو شَبيهٌ بالبيع).

стр. 2942

ودلَّ على أنَّه لا يُحدِث ساقيةً في وَقْفٍ، وذكره القاضي وابن عَقيلٍ؛ لأِنَّه لا يملكها كالمُؤْجَرة، وجوَّزه في «المغني»؛ لأِنَّ الأرضَ له، ويتصرَّف فيها كيف شاء ما لم ينقل (١) الملك. فدلَّ على (٢) أنَّ الباب والخَوخة ونحوهما: لا يجوز في مُؤْجَرةٍ، وفي موقوفةٍ الخِلافُ، أو يجوز قولاً واحدًا، قال في «الفروع»: وهو أَوْلى. والظَّاهِرُ: أنَّه لا تُعتَبَر المصلحةُ وإذْن الحاكم، بل عدم الضَّرَر. تنبيهٌ: يَحرُم إجراء مائه في أرض غيره بلا إذنه؛ كتضرُّره (٣) أو أرضه (٤)، وكزرعه في أرض غيره. وعنه: لا؛ لقول عمر، رواه مالكٌ (٥). والأوَّلُ أقْيَسُ؛ لأِنَّه مُوافِقٌ للأصول، وقول عمر خالفه محمَّد بن مسلمة (٦). فعلى الثَّانية: تُعتَبَر الضَّرورة، جزم به في «الشَّرح»، وقيل: مع الحاجة، ولو مع حفر (٧).

стр. 2943

ونقل أبو الصَّقر: إذا أساح عَينًا تحت أرضٍ، فانتهى حفره إلى أرضٍ لرجلٍ، أو دارٍ؛ فليس له مَنْعُه من ظهر الأرض ولا بطنها إذا لم يكن عليه مضرَّةٌ (١)، وفيه حديث الخشبة (٢). (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَمَرًّا فِي دَارٍ، وَمَوْضِعًا فِي حَائِطٍ يَفْتَحُهُ (٣) بَابًا، وَبُقْعَةً يَحْفِرُهَا بِئْرًا)؛ لأِنَّ ذلك يجوز بَيعُها وإجارتُها، فجاز الاِعْتِياضُ عنها بالصُّلح كالدور (٤)، وليس هذا خاصًّا بالدَّار، بل الأملاك كلُّها كذلك، ولو عَبَّر: (ممرًا في ملكه)؛ لكان أَوْلَى، ويُشترط أن يكون (٥) ذلك معلومًا. (وَ) يجوز أنْ يَشْتَرِيَ (عُلْوَ بَيْتٍ يَبْنِي عَلَيْهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا)؛ لأِنَّه ملكٌ للبائع، فجاز بَيعُه كالأرض، ومعنى «موصوفًا» أي: معلومًا. وظاهِرُه: أنَّه لا يجوز أنْ يُحدِث ذلك على الوقْف، قال في «الاِخْتِيارات»: (وليس لأحدٍ أنْ يَبْنِيَ على الوقْف ما يَضُرُّ به اتِّفاقًا، وكذا إن لم يَضُرَّ به عند الجمهور) (٦). (فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ؛ لَمْ يَجُزْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَه القاضي وغيرُه؛ لأِنَّه يبِيعُ (٧) العُلْوِ دون القرار، فلم يَجُزْ كالمعدوم. (وَفِي الآْخَرِ: يَجُوزُ)، جزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأِنَّه مِلْكٌ للمصالِح، فجاز له أخْذُ العِوَض عنه كالقرار.

стр. 2944

وشَرْطُه: (إِذَا وُصِفَ الْعُلْوُ وَالسُّفْلُ)؛ لِيَكونَ معلومًا، ويَصِحُّ فِعْلُ ذلك صُلْحًا أبدًا، وإجارةً مدَّةً معلومةً أيضًا، ومَتى زَالَ فله إِعادَتُه مُطلقًا، وَيرْجعُ بأُجرةِ مُدَّة زَواله عنهُ، وله الصُّلحُ على زوالِه وعدمِ عَودِه (١). (وَإِنْ حَصَلَ فِي هَوَائِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ، فَطَالَبَهُ بِإِزَالَتِهَا)؛ أيْ: بإزالة أغصانها؛ (لَزِمَهُ ذَلِكَ (٢)؛ لأِنَّ الهواءَ تابِعٌ للقرار، فوجب إزالةُ ما يَشغَله من (٣) ملك غيره؛ كالدَّابَّة إذا دخلت ملكه، وطريقُه: إمَّا القَطْعُ، أوْ لَيُّه إلى ناحيةٍ أُخرى. ولا فرق بين أن يكون خاصًّا به، أو له فيه شَرِكةٌ. (فَإِنْ أَبَى؛ فَلَهُ)؛ أيْ: مالك الهواء (قَطْعُهَا)، ولو عبَّر ب (الإزالة) كغيره لكان أَوْلى؛ لأِنَّ ذلك إخلاءُ ملكه الواجِبِ إخلاؤه، وظاهره: أنَّه لا يَفتَقِر إلى حُكْمٍ بذلك، وصرَّح به الأصحاب؛ لأِنَّه أمْكَنَه إزالتُها بلا إتْلافٍ ولا قَطْعٍ، من غير سَفَهٍ ولا غرامةٍ؛ فلم يَجُزْ له إتْلافُها كالبهيمة. فإن أتلفها في هذه الحال؛ غرمها، فإن لم يمكنه إزالتها إلاَّ بالإتلاف؛ فله ذلك، ولا شيءَ عليه. لكن قيل لأحمدَ: يقطعه هو؟ قال: لا، يقول لصاحبه حتَّى يقطع (٤). ولا يجبر المالك على الإزالة؛ لأنَّه من غير فعله. فإن تَلِف بها شيءٌ؛ لم يَضْمَنه، قدَّمه في «الشَّرح»، وذكر احْتِمالاً، وهو وجهٌ ضده.

стр. 2945

(فَإِنْ صَالَحَ (١) عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ؛ لَمْ يَجُزْ)، قاله أبو الخَطَّاب، سواءٌ كان الغُصْنُ رَطْبًا أو يابِسًا؛ لأِنَّ الرَّطْبَ يزيد ويتغيَّر، واليابِسَ يَنقُصُ، وربما ذهب كلُّه. وقال القاضي، وجزم به في «الوجيز»: إن كان الأغصانُ رطبةً؛ لم يَجُزِ الصُّلح عنها؛ لزيادتها في كلِّ وقْتٍ، بخلاف اليابسة. واشترط القاضي في اليابس: أن يكون معتمِدًا على نفس الحائط، فإن كان في الهواء فلا؛ لأنَّه تَبَعٌ للهواء (٢) المجرَّد. وقال ابن حامدٍ وابن عَقِيلٍ: بجوازه مطلَقًا؛ لأِنَّ الجهالةَ في المصالَح عنه لا يمنع الجواز؛ لكونها لا تمنع التَّسليم، بخلاف العِوَض، فإنَّه يفتقر إلى العلم به لوجوب التَّسليم، وأيَّده في «المغني»، وقال: هو اللاَّئقُ بمذهب أحمد؛ لأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك؛ لكثرتها في الأملاك المتجاوِرة، وفي القَطْع إتْلافٌ وضرَرٌ، والزِّيادةُ المتجدِّدةُ يُعْفَى عنها؛ كالسِّمَن الحادث في المستأجَر للرُّكوب. (فَإِنِ (٣) اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ)؛ أيْ: لِمالِكِ الهواء، (أَوْ بَيْنَهُمَا؛ جَازَ)؛ لأِنَّ الصُّلْح على الثَّمرة أو بعضها أسْهَلُ من القطع. ونقل المرُّوذِيُّ وإسحاقُ: أنَّ أحمدَ سُئِل عن ذلك فقال: لا أدري (٤)، قال في «المغني»: فيحتمل الصِّحَّة؛ لِما روى مكحولٌ مرفوعًا: «أيُّما شَجرةٍ ظلَّلتْ على قومٍ؛ فهو بالخيار بين (٥) قطع ما ظلَّل أو أكْل ثمرها» (٦).
следующие страницы →