← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

الزِّنى، وإن قُلْنا: هو له؛ فليس له الاِعْتِياضُ عنه؛ لأِنَّه ليس بمالٍ، ولا يؤول إليه، بخلاف القصاص. (وَفِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِهِ؛ وَجْهَانِ)، مبنِيَّانِ على أنَّ حدَّ القَذْف هل هو حقٌّ (١) لله تعالى فلا يَسقُط، أو له فَيَسقُط بصُلْحِه (٢) وإسقاطه كالقصاص، جزم به في «الوجيز». فَرْعٌ: لا يَصِحُّ الصُّلْحُ بِعِوَضٍ عن خِيارٍ. (وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُجْرِيَ عَلَى أَرْضِهِ أَوْ سَطْحِهِ مَاءً مَعْلُومًا؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، واشْتُرِط: العِلْمُ به؛ لأِنَّه يَختلِف ضَرَرُه بكَثْرته وقِلَّته، وطريق العلم: إمَّا بمشاهدةٍ، وإمَّا بمعرفةِ مساحةٍ (٣)، فيُقدَّر (٤) في الأرض بالفَدَّان، وفي السَّطح بِصِغَره أوْ كِبَره، ويُشترَط: معرفةُ الموضِع الذي يخرج منه إلى السَّطح؛ لأِنَّ ذلك (٥) يَختلِف. فإنْ كان بِعِوَضٍ مع بقاء مِلكه؛ فإجارةٌ، وإلاَّ فبَيعٌ. ولا يُعتَبَر بيانُ عُمْقِه؛ لأِنَّه إذا ملك الموضِع؛ كان له إلى تُخُومه (٦)، ولا تعيينُ المدَّة؛ إذ العقد على المنفعة في موضع الحاجة من غير تقدير مدَّةٍ جائزٌ؛ كالنِّكاح. وفي «القواعد»: (ليس بإجارةٍ مَحْضَةٍ؛ لعدم تقدير المدَّة، بل هو شَبيهٌ بالبيع).

стр. 2942

ودلَّ على أنَّه لا يُحدِث ساقيةً في وَقْفٍ، وذكره القاضي وابن عَقيلٍ؛ لأِنَّه لا يملكها كالمُؤْجَرة، وجوَّزه في «المغني»؛ لأِنَّ الأرضَ له، ويتصرَّف فيها كيف شاء ما لم ينقل (١) الملك. فدلَّ على (٢) أنَّ الباب والخَوخة ونحوهما: لا يجوز في مُؤْجَرةٍ، وفي موقوفةٍ الخِلافُ، أو يجوز قولاً واحدًا، قال في «الفروع»: وهو أَوْلى. والظَّاهِرُ: أنَّه لا تُعتَبَر المصلحةُ وإذْن الحاكم، بل عدم الضَّرَر. تنبيهٌ: يَحرُم إجراء مائه في أرض غيره بلا إذنه؛ كتضرُّره (٣) أو أرضه (٤)، وكزرعه في أرض غيره. وعنه: لا؛ لقول عمر، رواه مالكٌ (٥). والأوَّلُ أقْيَسُ؛ لأِنَّه مُوافِقٌ للأصول، وقول عمر خالفه محمَّد بن مسلمة (٦). فعلى الثَّانية: تُعتَبَر الضَّرورة، جزم به في «الشَّرح»، وقيل: مع الحاجة، ولو مع حفر (٧).

стр. 2943

ونقل أبو الصَّقر: إذا أساح عَينًا تحت أرضٍ، فانتهى حفره إلى أرضٍ لرجلٍ، أو دارٍ؛ فليس له مَنْعُه من ظهر الأرض ولا بطنها إذا لم يكن عليه مضرَّةٌ (١)، وفيه حديث الخشبة (٢). (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَمَرًّا فِي دَارٍ، وَمَوْضِعًا فِي حَائِطٍ يَفْتَحُهُ (٣) بَابًا، وَبُقْعَةً يَحْفِرُهَا بِئْرًا)؛ لأِنَّ ذلك يجوز بَيعُها وإجارتُها، فجاز الاِعْتِياضُ عنها بالصُّلح كالدور (٤)، وليس هذا خاصًّا بالدَّار، بل الأملاك كلُّها كذلك، ولو عَبَّر: (ممرًا في ملكه)؛ لكان أَوْلَى، ويُشترط أن يكون (٥) ذلك معلومًا. (وَ) يجوز أنْ يَشْتَرِيَ (عُلْوَ بَيْتٍ يَبْنِي عَلَيْهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا)؛ لأِنَّه ملكٌ للبائع، فجاز بَيعُه كالأرض، ومعنى «موصوفًا» أي: معلومًا. وظاهِرُه: أنَّه لا يجوز أنْ يُحدِث ذلك على الوقْف، قال في «الاِخْتِيارات»: (وليس لأحدٍ أنْ يَبْنِيَ على الوقْف ما يَضُرُّ به اتِّفاقًا، وكذا إن لم يَضُرَّ به عند الجمهور) (٦). (فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ؛ لَمْ يَجُزْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَه القاضي وغيرُه؛ لأِنَّه يبِيعُ (٧) العُلْوِ دون القرار، فلم يَجُزْ كالمعدوم. (وَفِي الآْخَرِ: يَجُوزُ)، جزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأِنَّه مِلْكٌ للمصالِح، فجاز له أخْذُ العِوَض عنه كالقرار.

стр. 2944

وشَرْطُه: (إِذَا وُصِفَ الْعُلْوُ وَالسُّفْلُ)؛ لِيَكونَ معلومًا، ويَصِحُّ فِعْلُ ذلك صُلْحًا أبدًا، وإجارةً مدَّةً معلومةً أيضًا، ومَتى زَالَ فله إِعادَتُه مُطلقًا، وَيرْجعُ بأُجرةِ مُدَّة زَواله عنهُ، وله الصُّلحُ على زوالِه وعدمِ عَودِه (١). (وَإِنْ حَصَلَ فِي هَوَائِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ، فَطَالَبَهُ بِإِزَالَتِهَا)؛ أيْ: بإزالة أغصانها؛ (لَزِمَهُ ذَلِكَ (٢)؛ لأِنَّ الهواءَ تابِعٌ للقرار، فوجب إزالةُ ما يَشغَله من (٣) ملك غيره؛ كالدَّابَّة إذا دخلت ملكه، وطريقُه: إمَّا القَطْعُ، أوْ لَيُّه إلى ناحيةٍ أُخرى. ولا فرق بين أن يكون خاصًّا به، أو له فيه شَرِكةٌ. (فَإِنْ أَبَى؛ فَلَهُ)؛ أيْ: مالك الهواء (قَطْعُهَا)، ولو عبَّر ب (الإزالة) كغيره لكان أَوْلى؛ لأِنَّ ذلك إخلاءُ ملكه الواجِبِ إخلاؤه، وظاهره: أنَّه لا يَفتَقِر إلى حُكْمٍ بذلك، وصرَّح به الأصحاب؛ لأِنَّه أمْكَنَه إزالتُها بلا إتْلافٍ ولا قَطْعٍ، من غير سَفَهٍ ولا غرامةٍ؛ فلم يَجُزْ له إتْلافُها كالبهيمة. فإن أتلفها في هذه الحال؛ غرمها، فإن لم يمكنه إزالتها إلاَّ بالإتلاف؛ فله ذلك، ولا شيءَ عليه. لكن قيل لأحمدَ: يقطعه هو؟ قال: لا، يقول لصاحبه حتَّى يقطع (٤). ولا يجبر المالك على الإزالة؛ لأنَّه من غير فعله. فإن تَلِف بها شيءٌ؛ لم يَضْمَنه، قدَّمه في «الشَّرح»، وذكر احْتِمالاً، وهو وجهٌ ضده.

стр. 2945

(فَإِنْ صَالَحَ (١) عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ؛ لَمْ يَجُزْ)، قاله أبو الخَطَّاب، سواءٌ كان الغُصْنُ رَطْبًا أو يابِسًا؛ لأِنَّ الرَّطْبَ يزيد ويتغيَّر، واليابِسَ يَنقُصُ، وربما ذهب كلُّه. وقال القاضي، وجزم به في «الوجيز»: إن كان الأغصانُ رطبةً؛ لم يَجُزِ الصُّلح عنها؛ لزيادتها في كلِّ وقْتٍ، بخلاف اليابسة. واشترط القاضي في اليابس: أن يكون معتمِدًا على نفس الحائط، فإن كان في الهواء فلا؛ لأنَّه تَبَعٌ للهواء (٢) المجرَّد. وقال ابن حامدٍ وابن عَقِيلٍ: بجوازه مطلَقًا؛ لأِنَّ الجهالةَ في المصالَح عنه لا يمنع الجواز؛ لكونها لا تمنع التَّسليم، بخلاف العِوَض، فإنَّه يفتقر إلى العلم به لوجوب التَّسليم، وأيَّده في «المغني»، وقال: هو اللاَّئقُ بمذهب أحمد؛ لأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك؛ لكثرتها في الأملاك المتجاوِرة، وفي القَطْع إتْلافٌ وضرَرٌ، والزِّيادةُ المتجدِّدةُ يُعْفَى عنها؛ كالسِّمَن الحادث في المستأجَر للرُّكوب. (فَإِنِ (٣) اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ)؛ أيْ: لِمالِكِ الهواء، (أَوْ بَيْنَهُمَا؛ جَازَ)؛ لأِنَّ الصُّلْح على الثَّمرة أو بعضها أسْهَلُ من القطع. ونقل المرُّوذِيُّ وإسحاقُ: أنَّ أحمدَ سُئِل عن ذلك فقال: لا أدري (٤)، قال في «المغني»: فيحتمل الصِّحَّة؛ لِما روى مكحولٌ مرفوعًا: «أيُّما شَجرةٍ ظلَّلتْ على قومٍ؛ فهو بالخيار بين (٥) قطع ما ظلَّل أو أكْل ثمرها» (٦).

стр. 2946

ويحتمل عدمُها، وقاله الأكثرُ، فإنَّ الثَّمرة وجزأها (١) مجهولان، ومن شرط الصُّلح: العِلْمُ بالعِوَض. (وَلَمْ يَلْزَمْ)، إذ لزومه يؤدِّي إلى ضَرَر مالك الشَّجرة؛ لتأبُّد اسْتِحْقاق الثَّمرة عليه، أو إلى ضرر مالك الهواء؛ لتأبُّد بقاء الأغصان في ملكه. فرعٌ: ثمرةُ غصنٍ في هواء طريق عامٍّ للمسلمين، ذَكَرَه في «المبهج». آخَرُ: حُكْمُ عُروقِ الشجر (٢) إذا امْتَدَّت إلى أرضِ غيرِه كالغصن، سواءٌ أثَّرَتْ ضَرَرًا كتأثيرها في المصانع وطَيِّ الآبار وأساسات الحِيطان، أو لا. وقيل: عنه: إنَّما يَثْبُت ذلك مع الضَّرَر. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا)، وهو الرَّوْشن على أطراف خشب مدفونةٍ في الحائط، (وَلَا سَابَاطًا (٣)، وهو المستَوفِي للطَّريق كلِّه على جِدارَينِ، (وَلَا دُكَّانًا)؛ لأِنَّه تَصَرُّفٌ في ملك غيره بغير إذنه؛ كغير النَّافِذِ. ولا فرق بين أن يضرَّ بالمارَّة أو لا؛ لأِنَّه إذا لم يَضُرَّ (٤) حالاً؛ فقد يَضُرُّ مآلاً، أَذِن الإمامُ فيه أوْ لا؛ لأِنَّه ليس له أن يأذَنَ في ما لا مصلحةَ للمسلمين فيه، لا سِيما إذا احْتَمَل أن يكون ضَررًا عليهم في المآل، فعلى هذا يَضمَن ما تَلِفَ به. والمذهَبُ: أنَّه يجوز ذلك في غير الدُّكان، بإذْن الإمام أو نائبه، بلا ضَرَرٍ؛ لأنَّه (٥) نائِبٌ عن المسلمين، فجرى إذْنُه مجرى إذْنِهم، وفي «الفروع»:

стр. 2947

جوَّزه الأكثرُ بإذْن إمام. وفي «التَّرغيب»: وأمكن عبورُ مَحمِلٍ، وقيل: ورُمْحٍ قائمٍ بيد فارِسٍ، ولم يَعتبِرْه أكثرُهم، بل يكون بحيث لا يَضُرُّ بالعمَّارِيَّات (١) والمحامِل. فرعٌ: حكم الميازيب والدَّكَّة؛ كالجَناح، وقد روي: «أن (٢) عمر اجتاز على دار العبَّاس، وقد نَصَبَ ميزابًا إلى الطَّريق، فَقَلَعَه، فقال: تقلعه (٣) وقد نصبه رسول الله ﷺ بيده؟! فقال: والله لا تَنصِبه (٤) إلاَّ على ظهري، فانحنى حتَّى صعد على ظهره؛ فنصبه» (٥)، ولأِنَّ العادةَ جاريةٌ به. وفي سقوط نصف الضَّمان بتآكُل أصله؛ وجهان. (وَلَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ، وَلَا دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ إِلاَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِ)؛ لأِنَّ المنْعَ لحقِّهِم، فإذا رَضُوا بإسقاطه؛ جاز. والاِسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى الجُمَل الأخيرة؛ لأِنَّ أهلَ الطَّريق النَّافِذ جميعُ

стр. 2948

المسلمين، فالإذْنُ من جميعهم غيرُ متصوَّرٍ، فلا فائدة في الحكم عليه بالجواز. (فَإِنْ صَالَحَ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ؛ جَازَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، قاله أبو الخَطَّاب، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأِنَّه يجوز الصُّلح بغَير عِوَضٍ، فجاز أخْذُ عِوَضِه كالقرار. وشرطه: أنَّ ما يُخرجه معلوم المقدار في (١) الخروج والعلو (٢). والثَّاني: لا يجوز، قاله القاضي؛ لأِنَّه بيعٌ (٣) للهواء. وظاهره: التَّعميم، والمصرَّح به في كلام القاضي، ونقله عنه في «الكافي»: بأنَّ المنْعَ في الجناح والسَّاباط، وأمَّا الدُّكان فلا يتأتَّى فيها العلة؛ لكونها تُبْنَى (٤) على القرار لا على هوائه. (وَإِذَا كَانَ ظَهْرُ دَارِهِ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ، فَفَتَحَ فِيهِ بَابًا لِغَيْرِ الاِسْتِطْرَاقِ؛ جَازَ)؛ لأِنَّ له رَفْعَ جميع حائطه، فبعضُه أَوْلَى. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَجُوزَ)، حكاه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأِنَّ شَكْلَ الباب مع تقادُمِ العهد ربَّما اسْتُدِلَّ به على حق (٥) الاِسْتِطْراق، فيَضُرُّ (٦) بأهل الدَّرب، بخلاف رفع الحائط، فإنه (٧) لا يدُلُّ على شَيءٍ. (وَإِنْ (٨) فَتَحَهُ لِلاِسْتِطْرَاقِ؛ لَمْ يَجُزْ)، إذْ لا حقَّ له في الدَّرب الذي هو

стр. 2949

ملْكُ غيره، (إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ)؛ لأِنَّ الحقَّ لهم، وقد رَضُوا بإسقاطه، (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هو متعلِّقٌ بقوله: «لم يَجُزْ» لا بالمستثنى (١). والوَجْهُ الثَّاني: يَجوزُ، لأِنَّه يَمْلِك رفْعَه. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّه يَجعَل لنفسه حقَّ الاِستطراق في محلٍّ مملوكٍ لغيره. وظاهره: أنَّه يجوز فَتْحُه في دَرْبٍ نافِذٍ؛ لأِنَّه يَرتفِق (٢) بما لم يتعيَّن بملك أحدٍ عليه، لا يُقال: فيه إضْرارٌ بأهل الطَّريق لِجَعْله نافِذًا يَسْتَطْرِق إليه من الشَّارع؛ لأِنَّه لا يُصيِّرُ الطَّريقَ نافِذًا، وإنَّما يُصيِّرُ دارَه نافِذةً، وليس لأِحدٍ اسْتِطْراقُها. (وَإِنْ صَالَحَهُمْ؛ جَازَ)؛ لأِنَّ ذلك حقُّه، فجاز أخْذُ العِوَضِ عنه؛ كسائر الحقوق. (وَلَوْ أَنَّ بَابَهُ فِي آخِرِ الدَّرْبِ)؛ أيْ: غير النَّافِذ؛ (مَلَكَ نَقْلَهُ إِلَى أَوَّلِهِ)؛ أيْ: بلا ضَرَرٍ؛ لأِنَّه ترك بعضَ حقِّه؛ لأِنَّ له الاِسْتِطْراقَ إلى آخره، وفي «التَّرغيب»: وقيل: لا محاذيًا لباب غيرِه، وجزم به في «الوجيز»، فعلى الأوَّل: إن أراد نَقْلَه إلى موضعه الأوَّل؛ كان له ذلك. (وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ إِلَى دَاخِلٍ مِنْهُ)، وهو تِلْقاءَ صدْر الزّقَاق (٣)، (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّه يقدِّم (٥) بابَه إلى مَوضِعِ الاِسْتِطْراق له، ولم يَأْذَنْ فيه مَنْ فَوقَه، وقيل: وأسفل منه، ويكون إعارةً في الأشبه، وظاهر نقل يعقوب: يجوز إن سَدَّ الأوَّلَ (٦)، واختاره ابن أبي موسى.

стр. 2950

والثَّاني: الجوازُ؛ لأِنَّ له في الابتداء جَعْلَ بابه حيث شاء، فترْكُه له لا يُسقِط حقَّه منه. فُروعٌ: الأوَّلُ: إذا كان في الدَّرب بابان لرجلَينِ، أحدُهما في أوَّل الدَّرب، والآخَرُ في داخله؛ فلصاحب الدَّاخل تحويلُه حيث شاء؛ لأِنَّه لا مُنازِع له فيما يُجاوِز (١) البابَ الأوَّل إذا قلنا: ليس للقريب أن يقدِّمه إلى داخِلٍ، وعلى الثَّاني: لكلٍّ منهما تقديمه. فإن كان في داخل الدَّرب بابٌ لثالثٍ؛ فحُكْمُ الأوسط كالأوَّل. الثَّاني: إذا كان لرجلٍ داران متلاصِقتان، ظَهْرُ كُلٍّ منهما إلى ظَهْر الأخرى، بابُهما في دَرْبَينِ مشتركَينِ غير نافذٍ؛ جاز له رفعُ الحاجب بينهما، وجعلهما دارًا واحدةً. فإن فتح بابًا بينهما ليتمكَّن من التَّطرُّق إلى كِلا الدَّرْبَينِ؛ فقال القاضي: لا يجوز؛ لأِنَّه يَثْبُت له حقُّ الاِسْتِطْراق في دَرْبٍ لا يَنفُذ من دارٍ، ولم يكن فيها طريقٌ. وفي «المغني»: الأشْبهُ الجوازُ؛ لأِنَّ له رَفْعَ الحاجز، فبعضُه أوْلَى. الثَّالِثُ: يَحرُم إحْداثُه في ملكه ما (٢) يَضُرُّ بجاره؛ كحمَّامٍ وتَنُّورٍ وكَنِيفٍ، فإن فعل؛ فله مَنعُه؛ كابتداء إحيائه، وكَدَقٍّ وسَقْيٍ يتعدى إليه، بخلاف طبخه وخبزه؛ لأنَّه يسيرٌ. وعنه: ليس له مَنْعُه في ملكه المختَصِّ به، ولم يتعلَّق به حقُّ غيره، وكتَعْلِيةِ (٣) داره في ظاهر كلام المؤلِّف، ولو أفْضَى إلى سدِّ الفضاء عن جاره،

стр. 2951

قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١)، وقد احتجَّ أحمدُ (٢) بقوله ﵇: «لا ضَرَرَ ولا إضْرارَ» (٣)، فيتوجَّه المنْعُ، قاله في «الفروع». (وَلَيْسَ لَهُ)؛ أي: يَحرُم عليه (أَنْ يَفْتَحَ فِي حَائِطِ جَارِهِ، وَلَا الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ رَوْزَنَةً وَلَا طَاقًا)؛ لأِنَّه انْتِفاعٌ بملك غيره، وتصرُّفٌ فيه بما يَضُرُّه، وكذا يحرم عليه أن يغرز (٤) فيه وتدًا، أو يُحدِثَ حائطًا. وكذا يُمنع من بناء سُتْرةٍ، ذَكَرَه جماعةٌ، وحمل القاضي نصَّه: (يلزم (٥) النَّفقة مع شريكه على السُّترة) (٦) على سُترةٍ قديمةٍ انْهَدَمَتْ. واختار في «المستوعب»: وجوبَها مطلَقًا على نَصِّه. ويباح استناده (٧) إليه، وإسْنادُ شَيءٍ لا يضرُّه؛ لأنَّه لا مضرَّة فيه، والتحرُّز منه يَشُقُّ. وفي «النِّهاية»: في منعه احتمالان. وله الجلوسُ في ظلِّه، ونظرُه في ضوء سِراجه، نقل المرُّوذي: يستأذنه أعْجَبُ إليَّ، فإن مَنَعه حاكَمَه، ونقل جعفرٌ: لا يستأذنه (٨). قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: العَينُ والمنفعة التي لا قِيمةَ لها عادةً؛ لا يَصِحُّ أن يَرِدَ عليها عَقْدُ بَيعٍ أوْ إجارةٍ اتِّفاقًا (٩).

стр. 2952

(إِلاَّ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ)؛ لأِنَّ الحقَّ له، فإنْ صالَحه عن ذلك بِعِوَضٍ؛ جاز. (وَلَيْسَ لَهْ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ)، فيجوزُ، نَصَّ عليه (١)؛ لِما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَمنعنَّ جارٌ جارَه أن يَضَع خشبةً على جداره»، ثمَّ يقول أبو هريرةَ: ما لي أراكم عنها مُعرِضِينَ؟! والله لَأَرْمِيَنَّ بها بَين أكْتافكم. متَّفقٌ عليه (٢)، ومعناه: لَأضَعَنَّ هذه السُّنَّةَ بَين أكْتافِكم، ولَأحملنَّكم (٣) على العمل بها، وقيل: معناه: لَأَضَعَنَّ جُذوع الجيران على أكتافكم مبالَغةً، ولأِنَّه انْتِفاعٌ بحائطِ جارِه على وجْهٍ لا يَضُرُّ به، أشْبَهَ الاِسْتِناد إليه. وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه يجوز لحاجةٍ، نَصَّ عليه (٤). ومحلُّه: ما لم يَضُرَّ بالحائط، فإن أضرَّ بِهِ لم يَجُز بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٥). وإنْ أمْكَنَ وضْعُه على غَيرِه؛ فقال أكثرُ الأصحاب: لا يجوز. وذَهَبَ ابنُ عَقِيلٍ إلى جوازه؛ للخبر. (بِأَنْ لَا يُمْكِنَهُ التَّسْقِيفُ إِلاَّ بِهِ)، هذا تفسيرٌ للضَّرورة. وظاهره: لا فَرْق بين أن يكون له حائِطٌ واحدٌ أو حائطانِ، وصرَّح به في «المغني». واشْتَرَط القاضي وأبو الخطَّاب لجوازه: أن يكونَ له حائطٌ واحدٌ، ولجاره ثلاثةٌ (٦).

стр. 2953

وردَّه في «المغني» و «الشَّرح»: بأنَّه ليس في كلامِ أحمدَ، وإنَّما قال في روايةِ أبي داودَ: لا يَمْنَعه إذا لم يكن ضرَرٌ، وكان الحائطُ يَبْقَى (١)، ولأِنَّه قد يَمْتَنِع التَّسقيف على حائِطَينِ إذا كانا غيرَ مُتَقارِبَينِ، أو كان البَيتُ واسِعًا يحتاج أن يَجعَلَ فيه جسرًا، ثمَّ يَضَعَ الخشب على ذلك الجِسْرِ. قال المؤلِّف: (والأَوْلى اعْتِبارُه بما ذكرنا، ولا فَرْق بين أن يكون لِبالِغٍ، أو يَتِيمٍ عاقِلٍ، أو مجنونٍ). لا يقال: قياسُه: يجوز فَتْحُ الطَّاق ونحوه؛ لأنَّ وَضْعَ الخشب ينفعُ الحائطَ، ويُمكِّنُه (٢)، بخلاف فَتْح الطَّاق، فإنَّه يَضُرُّه. (وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ (٣) عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ)، نقلها أبو طالِبٍ (٤)، واختارها أبو بكرٍ وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لأِنَّ القياسَ يَقْتَضِي المنْعَ، تُرِكَ في حقِّ الجار؛ للخبر، فيَبْقَى ما عَداه على مُقْتضَى القياس. (وَهَذَا تَنْبِيهٌ)؛ أي: خرَّج منها أبو الخَطَّاب وجْهًا: (عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ)؛ لأِنَّه إذا امْتَنَعَ من وَضْعِه على الجِدار المشترَك بين المسلمين وله فيه حقٌّ؛ فَلَأنْ يُمْنَع من الملك المختَصِّ بغَيره أَوْلَى، ويتأكَّدُ المنْعُ: بأنَّ حقَّ الله مَبْنِيٌّ على السُّهولة والمسامَحة، بخلاف حقِّ الآدَمِيِّ، فإنَّه مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيق. مسائلُ: الأولى: إذا مَلَكَ وضْعَ خَشَبَهِ على حائطٍ فزال بسقوطه، أو قَلْعِه، أو سقوط الحائط، ثمَّ أُعِيد؛ فله إعادةُ خشبه عليه؛ لأِنَّ السَّببَ المجوِّزَ لوضْعِه

стр. 2954

مُسْتَمِرٌّ، فاستمرَّ الاِسْتِحْقاق. الثَّانيةُ: إذا مَلَكَ وضْعَ خشبه على جدار غيره؛ لم يَمْلِك إجارتَه ولا إعارته؛ لأِنَّه إنَّما مَلَكَ ذلك للحاجة، ولا حاجةَ هنا، فلو أراد مالكُ الجدار إجارتَه أو إعارتَه على وجْهٍ يَمْنَعُ هذا المستحِقَّ؛ لم يَمْلِكْه، كما لو أراد هدْم الحائط من غير حاجةٍ. الثَّالثةُ: إذا أذِن له المالِكُ في وضع خشبه، أو البناء على جداره بِعِوَضٍ؛ جاز، سواءٌ كان إجارةً في مدَّةٍ معلومةٍ، أو صلحًا على وضعه على التَّأبيد، ومتى زال فله إعادتُه. ويحتاج أن يكون البناءُ معلومَ العَرْض، والطُّول، والسُّمْك، والآلات من الطِّين واللَّبِن ونحوه. وإن كان في الموضع الذي يجوز له؛ لم يجز أن يأخذ عِوَضًا؛ لأِنَّه يأخذ عِوَضَ ما يجب عليه بَذْلُه. الرَّابعةُ: إذا وجد خَشَبَه، أو بناءَه، أو مسيل مائه في حقِّ غيره؛ فالظَّاهر وضعُه بحقٍّ، فمتى زال فله إعادتُه؛ لأنَّ هذا الظَّاهر لا يزول حتَّى يُعلم ما يخالفه. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ) مشترَكٌ، (فَانْهَدَمَ، فَطَالَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبِنَائِهِ مَعَهُ؛ أُجْبِرَ عَلَيْهِ)، نقله الجماعةُ (١)، وصحَّحه القاضي، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وذكر أنَّه اخْتِيارُ الأصحاب؛ لقوله ﵇: «لَا ضَرَرَ ولَا إضِرَارَ» (٢)، وكنَقْضه عند خوف سقوطه، وكالقسمة. (وَعَنْهُ: لَا يُجْبَرُ)، اختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ والمؤلِّف، وقال: هو أقوى

стр. 2955

في النَّظَر؛ لأِنَّه ملْكٌ لا حُرْمة له في نفسه، فلم يُجبَر مالكه على الإنفاق عليه، كما لو انفرد، وفارق القسمة؛ لأِنَّها لدفع الضَّرر عنهما بما لا ضرر فيه، والبناء منه (١) ضرَرٌ؛ لما فيه من الغَرامة، والضرر لا يَزُولُ بِمِثْلِه، وقد يكون الممتَنِع لا نَفْعَ له في الحائط، أو يكون الضَّرَرُ عليه أكْثرَ من النَّفع، أو يكونُ مُعْسِرًا. وجوابُه: بأنَّ عَدَم حُرْمة (٢) الملك إن لم يُوجِب (٣)؛ فحرمة شريكه الذي يتضرَّر بتَرْك البناء يُوجِب (٤)، وفارق البناء المفرَد مِنْ حَيثُ إنَّه لا يفوت به حقٌّ، ولا يتضرَّر به، وقولهم: الضَّرر لا يُزال بالضَّرر؛ مدفوعٌ بما روى أبو حفص العُكبري عن أبي هريرة مرفوعًا: «مِنْ حقِّ الجار أن لا يرفع البنيان على جاره لِيَسُدَّ عليه الرِّيحَ» (٥)، وقولهم: (قد يكون الممتنع) إلى آخره؛ ينتقض بوضع (٦) خشبه عليه، وأمَّا المعسِرُ؛ فلا قائل بإلزامه معها.

стр. 2956

(لَكِنْ) عليها (١): (لَيْسَ لَهُ مَنْعُ شَرِيكِهِ (٢) مِنْ بِنَائِهِ)؛ لأِنَّ له حقًّا في الحمل ورسمًا في الحائط، فلا يجوز مَنْعُه منه. (فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) على الشركة كما كان؛ لأِنَّ الثَّانيَ إنَّما أنفق على التَّأليف، وذلك أثرٌ (٣)، لا عينٌ يَملكها (٤)، وحينئِذٍ فليس له مَنْعُ شريكه من الانتفاع به قبل أَخْذ نصفِ تَأليفِه في الأشهر، كما ليس له نَقضُه، وصرَّح به في «النهاية». وقيل: يَملك منعَه حتَّى يؤدِّيَ ما يخصُّه من الغرامة، وأبداه ابن المنجَّى بحثًا من عنده، وحكى الأوَّلَ عن الأصحاب، ثمَّ قال: (وفيه نَظَرٌ، وينبغي أن يؤدِّيَ … ) إلى آخره؛ إذ لو لم يكن كذلك لأدَّى إلى ضياع حقِّ الشَّريك، ولأِنَّه إذا أُجبِر على العمل، فكذا يُجبَر على وَزْنِ أجرةِ البناء، كما يُجبره (٥) على وزنِ ثمن (٦) الآلات. (وَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ؛ فَهُوَ لَهُ)؛ لأِنَّه ملكه، (وَلَيْسَ لِلآْخَرِ الاِنْتِفَاعُ بِهِ) قبل أداء ما وجب عليه؛ لأِنَّه تصرُّفٌ في ملك الغير (٧) بغير إذنه. وحينئِذٍ: فله منعه مِنْ رَسْم طَرْحِ خَشَب حتَّى يدفع نصف قيمة حقِّه. وعنه: ما يخصُّه لغرامة (٨)؛ لأِنَّه نائبه معنًى، ويلزمه قَبولها. فإن أراد نقضه؛ فليس له ذلك إذا بناه بآلةٍ فقط.

стр. 2957

وإن أراد غير الباني (١) نقضَه؛ لم يملكه مطلَقًا. وله طلبُ نفقته (٢) مع الإذن، وفيه بنيةِ رجوعٍ على الأولى الخلاف. (فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ)؛ أي: الانتفاع؛ (خُيِّرَ الْبَانِي (٣) بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ (٤)؛ لأِنَّ في ذلك جمعًا بين الحَقَّينِ، (وَبَيْنَ أَخْذِ آلَتِهِ)؛ لِمَا في ذلك من اسْتِيفاء الحقِّ. فرعٌ: لو بَنَيَا جِدارًا بينهما نِصفَينِ، والنَّفقةُ كذلك، على أنَّ ثُلثَه لواحدٍ وباقيَهُ للآخَر، وأنَّ كلًّا منهما يحمِّله ما احتاج؛ لم يصحَّ، فلو وصفا الحمل؛ فوجهان. فإن لم يكن بين ملكهما حائطٌ، فطلب (٥) أحدهما من الآخَر بناءَ حاجِزٍ؛ لم يُجبَر الآخَر عليه روايةً واحدةً، فإن أراد البناءَ وحده؛ كان له ذلك في ملكه خاصَّةً. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ بِئْرٌ، أَوْ دُولَابٌ، أَوْ نَاعُورَةٌ (٦)، أَوْ قَنَاةٌ، وَاحْتَاجَ إِلَى عِمَارَةٍ؛ فَفِي إِجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ رِوَايَتَانِ)؛ أشهرُهما: الإجبارُ، وجزم به في «الوجيز»؛ بناءً على الحائط المنهَدِم. (وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ عِمَارَتِهِ)؛ كالحائط. (وَإِذَا عَمَرَهُ؛ فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ)؛ لأِنَّ العامِرَ لَيس فيه عَينٌ، بل أثَرٌ، فيَجِبُ أنْ يَعُودَ بَينَهما على ما كان.

стр. 2958

ودلَّ ذلك: على أنَّه إذا أنْفَقَ عليه؛ لم يكن له مَنْعُ الآخَرِ من نصيبه من الماء؛ لأِنَّه يَنبُعُ من (١) ملْكِهِما، وإنَّما أَثَّر (٢) أحدهما في نقل الطِّين منه. تنبيهٌ: إذا كان سطحُ أحدهما أعلى؛ فليس له الصُّعود على سطحه على وجْه يُشرِف على جاره، ويلزمه بناءُ سترةٍ تمنع مُشارَفة الأسفل، نقله ابن منصورٍ (٣). وقيل: ويشاركه كاستوائهما. وإذا اتَّفقا على بناء حائط بستانٍ، فبنى أحدُهما؛ فما تَلِف من الثَّمرة بسبب إهمال الآخَر؛ ضَمن نصيبَ (٤) شريكه، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥). وفي إجبار الممتَنِع لبناء السُّفْل بطلب الآخَر؛ روايات، الثَّالثةُ وهي أشهر: ينفرِد صاحبُه به. وعنه: يشاركه صاحبُ العُلْوِ، فيُجبَر على مساعدته والبناء معه، وهو قولُ أبي الدَّرداء (٦)؛ لأِنَّه حائط (٧) يشتركان في الانتفاع به، أشبه الحائط بين ملكهما. ومَنْ له طَبَقةٌ ثالثةٌ؛ في اشتراك الثَّلاثة في بناء السُّفْل، ثمَّ الاثْنين في الوسط؛ الرِّوايتان، فإن بنى الأعلى؛ ففي منعه الأسفلَ من (٨) الانتفاع بالعَرصة قبل أخذ القيمة؛ احْتِمالانِ. والله أعلم (٩).

стр. 2959

(كِتَابُ الْحَجْرِ) هو في اللُّغة: المنْعُ والتَّضْييقُ، ومنه سُمِّي الحرامُ: حجْرًا، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفُرقان: ٢٢] أيْ: حرامًا محرَّمًا، وسُمِّي العقل: حِجْرًا؛ لأِنَّه يَمنَع صاحبَه من ارتكاب ما يَقبُح وتضُرُّ عاقبتُه. وهو في الشَّرع: مَنْعٌ خاصٌّ؛ أيْ: مَنْعُ (١) الإنسان من التَّصرُّف في مالِه. والأصلُ في مشروعيته: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النِّسَاء: ٥] أيْ: أموالهم، لكن أُضيفت إلى الأولياء؛ لأِنَّهم قائمون عليها، مدبِّرون لها، وقوله تعالى: الآية ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى … (٦)﴾ [النِّسَاء: ٦]، وإذا ثبت الحَجر على هذَينِ؛ ثبت على المجنون من باب أَوْلَى. (وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ): (حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ)؛ أيْ: لغير المحجور عليه؛ كالمفلِس، والمريض، والزَّوجة بما زاد على الثُّلث في تبرُّعٍ (٢) على روايةٍ، والعبد، والمكاتب، والمشتري ماله في (٣) البلد أو قريبٍ منه بعد تسليمه المبيع، والرَّاهن، والمشتري بعد طلب شفيعٍ. وضَرْبٌ لحقِّه؛ كالصَّغير، والمجنون، والسَّفيه. (نَذْكُرُ مِنْهُ هَهُنَا: الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ)؛ أيْ: لِحَقِّ الغرماء، فالمفْلِس: المعدَمُ، ومنه الخبر المشهور: «مَنْ تَعُدُّون المفلِسَ فِيكُمْ؟» قالوا: من لا دِرْهَمَ له (٤) ولا مَتاعَ، قال: «لَيْسَ ذلك المفلِسَ، ولكِنَّ المفلِسَ مَنْ يأْتِي يَومَ

стр. 2960

القِيامةِ بِحَسَناتٍ أمْثالَ الجِبالِ، ويَأْتِي وقد ظَلَمَ هذا، وأخَذَ من عِرْض هذا، فيأْخُذ هذا من حَسَناته، وهذا من حسناته، فإن بَقِيَ عليه شَيءٌ أُخِذَ من سيِّئاتهم فرُدَّ عليه، ثمَّ طُرِحَ في النَّار» رواه مسلمٌ بمعناه (١)، فقولُهم ذلك إخْبارٌ عن حقيقة المفلِس؛ لأِنَّه عُرْفُهم ولُغَتُهم. وقولُه: «لَيْسَ ذلك المفلِسَ» تجوُّز (٢) لم يُرِدْ به نفي (٣) الحقيقة، بل أراد فَلَسَ الآخرة؛ لأِنَّه أشدُّ وأعْظَمُ، حتَّى إنَّ فَلَسَ الدُّنيا عنده بمنزلة الغِنَى، ومنه قولهم: أفْلَس بالحُجَّة؛ إذا عَدِمَها. وقيل: هو مِنْ قولهم: تَمرٌ (٤) مُفْلِسٌ؛ إذا خرج منه نَواه، فهو خروج الإنسان من ماله. فحجر الفلس (٥): مَنْعُ حاكِمٍ مَنْ عليه دَينٌ حالٌّ يَعجِز عنه مالُه الموجودُ من التَّصرُّف فيه. والمفلِس: مَنْ لا مال له، ولا ما يَدفع به حاجته، وعند الفقهاء: مَنْ دَينُه أكثرُ من ماله. (وَمَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ؛ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ قَبْلَ) حُلول (أَجَلِهِ)؛ لأِنَّه لا يَلزَمُه أداؤه قبل الأجل، ومِن شرط المطالَبة لزومُ الأداء، (وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ)؛ لأِنَّ المطالَبةَ لا تُستحَقُّ، فكذا الحَجْرُ. (فَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ)؛ أيْ: قبل قُدومه؛ (فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ)؛ لأِنَّ عليه ضَرَرًا في تأْخِير حقِّه عن محلِّه، (إِلاَّ أَنْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ) يُحرَز (٦)، (أَوْ

стр. 2961

كَفِيلٍ) مليءٍ؛ لزوال (١) الضَّرَرِ إذِنْ. (وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَهُ؛ فَفِي مَنْعِهِ رِوَايَتَانِ): إحداهما: له مَنْعُه، قال في «المغني»: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وقدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأِنَّ قُدومَه عند المحلِّ غَيرُ مُتَيَقَّنٍ ولا ظاهِرٍ، فَمَلَكَ مَنْعَه، إلاَّ بوثيقةٍ. والثَّانية: لا يَملِك مَنْعَه، وهي (٢) ظاهِرُ الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ هذا السَّفرَ ليس بأمارةٍ على مَنْعِ الحقِّ في محلِّه، فلم يَمْلِك مَنْعَه منه؛ كالسَّفر القصير. والمذهب: أنَّهما في غير جهادٍ متعيِّنٍ، زاد في «الفروع»: وأمْرٍ مَخُوفٍ؛ لأِنَّ في ذلك تعريضًا لفوات النَّفس، فلا يَأمَنُ من فوات الحقِّ. فلو أحرم به؛ لم يملك تحليلَه. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وله مَنْعُ عاجِزٍ حتَّى يُقيمَ كفيلاً ببدنه (٣)، ووجَّهه في «الفروع». (وَإِنْ كَانَ حَالًّا)، وهو عاجِزٌ عن وفاء بعضه؛ حَرُم مطالَبتُه والحَجْرُ عليه وملازمته. (وَ) إن كان (لَهُ مَالٌ يَفِي بِهِ)؛ أيْ: بِدَينه (٤) الحالِّ؛ (لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ)؛ لعدم الحاجة إلى ذلك؛ لأِنَّ الغُرَماء يُمْكِنُهم المطالبةُ بحقوقهم في الحال. (وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِوَفَائِهِ)؛ أيْ: بعد الطَّلَب؛ لأِنَّ الغرماء إذا طَلَبُوا ذلك منه تعيَّنَ عليه؛ لِمَا فيه من فَصْل القضاء المنتَصِب له.

стр. 2962

والمذهب: يجب إذِنْ على الفَوْر، (ويُمهَل (١) بقدر ذلك اتِّفاقًا، لكِنْ إن خاف غريمُه منه؛ احْتاط بملازمته، أو كفيلٍ، أو ترسيمٍ عليه) قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). (فَإِنْ أَبَى؛ حَبَسَهُ)؛ لِما روى عمرو بن الشَّريد، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَيُّ الواجِدِ ظُلْمٌ، يُحِلُّ (٣) عِرْضَه وعُقوبَتَه» رواه أحمدُ وأبو داودَ وغيرُهما (٤)، قال أحمد: قال وكيعٌ: عِرْضُه: شَكْواهُ، وعُقُوبتُه: حَبْسُه. وليس لحاكمٍ إخراجُه حتَّى يَبِينَ له أمرُه، أو يُبرئه غريمُه، فإذا (٥) صحَّ عند الحاكم عُسْرَتُه؛ أخرجه، ولم يَسَعْه حَبْسُه، فإن أصرَّ على عدم الوفاء مع القدرة؛ ضُرِب، ذَكَرَه في «المنتخب» وغيره. قال في «الفصول» وغيره: يحبسه، فإن أبى عزَّره، قال: ويُكرِّر حبسه وتعزيره حتَّى يَقضيَه، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لا أعلم فيه نِزاعًا، لكنْ لا يُزاد كلَّ يومٍ على أكثر التَّعزير إن قيل: يتقدَّر (٦). فائدةٌ: روى البخاريُّ من حديث أبي موسى: «الحَبْسُ على الدَّين من

стр. 2963

الأمور المحدَثة»، وأوَّلُ من حَبَسَ عليه شُرَيحٌ (١)، وكان الخَصْمانِ يتلازَمانِ (٢)، قال ابنُ هُبَيرةَ: (فأمَّا الحبس الآن على الدَّين، فلا أعرف أنَّه يجوز عند أحد من المسلمين، وأنا على إزالته حريصٌ) (٣). ورُدَّ: بأنَّ الحَبْسَ عليه مذهبُ مالِكٍ، والشَّافعيِّ، والنُّعمان، وأبي عُبَيدٍ، وعُبَيد الله بن الحسن، وغيرهم (٤). (فَإِنْ أَصَرَّ) على الحَبْس، ولم يَقْضِ الدَّينَ؛ (بَاعَ) الْحَاكِمُ (مَالَهُ، وَقَضَى دَيْنَهُ)؛ لِمَا رَوَى كَعْبُ بنُ مالِكٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَجَرَ على مُعاذٍ مالَه، وباعه في دَينٍ كان عليه» رواه الخَلاَّلُ والدَّارَقُطْنِيُّ من رواية إبراهيم بن مُعاويةَ، وقد ضُعِّف، ورواه الحاكِمُ، وقال: (على شَرْطِهما) (٥).

стр. 2964

وظاهِرُه: يَجِبُ، نَقَلَ حَرْبٌ: إذا تقاعد بحقوق النَّاس؛ يُباع عليه ويُقْضَى (١). وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لا يَلزَمُه ذلك (٢)، وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفروع». فرعٌ: إذا مَطَلَه بِحَقِّه حتَّى شكا عليه؛ فما غرمه بسبب ذلك فعلى المماطِل. (وَإِنِ ادَّعَى الْإِعْسَارَ، وَكَانَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ؛ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ)، زاد جماعةٌ: والغالِبُ بَقاؤه؛ (حُبِسَ)؛ لأِنَّ الأصلَ بقاءُ مالِه، وحَبْسُه وسيلةٌ إلى قضاء دَينه؛ كالمقِرِّ بيساره. وكذا إذا لَزِمَه عن غير مالٍ (٣)؛ كالضَّمان، وأقرَّ بالملاءة؛ فيُقبَل قَولُ غريمه: إنَّه لا يَعلَم عُسْرتَه بِدَينه. (إِلَى أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً (٤) عَلَى نَفَادِ مَالِهِ)؛ أيْ: تَلَفه، وتُقْبَل البيِّنةُ من أهل الخِبرة الباطنة وغيرها؛ لأِنَّ التَّلَفَ (٥) يُطَّلَعُ عليه، (أَوْ إِعْسَارِهِ)؛ لأِنَّ البيِّنةَ تُظْهِر عُسْرَتَه، فوجب اعتبارُها، وحِينَئِذٍ: لا يجوز حَبْسُه، ويجب إنظارُه، ولا تَحِلُّ (٦) ملازمتُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٠].

стр. 2965

ويُعْتبَر (١) في البيِّنة به: أن تكون (٢) من أهل الخبرة الباطنة، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح». (وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا)؛ أيْ: مع البيِّنة أنَّه مُعْسِرٌ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: لا يَحْلِف، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ (٣)، قال القاضي: سواءٌ شَهِدت بتَلَف المال أو الإعسار؛ لأِنَّها بيِّنةٌ مقبولةٌ، فلم يُسْتَحْلَف معها؛ كما لو شَهِدتْ بأنَّ هذا عبدُه. والثَّاني: بلى، وذَكَرَه ابن أبي موسى عن أصحابنا، لاِحْتِمال أن يكون له مالٌ باطِنٌ خفِيَ على البيِّنة. والمذهب، كما قطع به الشَّيخان، وصحَّحه في «الرِّعاية» و «الفروع»: أنَّها إن شَهِدَتْ بالتَّلَف، فطُلب منه اليمينُ على عُسْرته؛ لَزِمَه ذلك؛ لأنَّ اليمين على أمرٍ مُحتَمِلٍ خلاف ما شهدت به البيِّنةُ، وإن شهدت بالإعسار؛ فلا؛ لِمَا فيه من تكذيب البيِّنة. تنبيهٌ: ظاهِرُ كلامهم: أنَّه متى توجَّه حَبْسُه؛ حُبِسَ، ولو (٤) كان أجيرًا في مدَّة الإجارة، أو امرأةً مُزوَّجةً؛ لأِنَّ الإجارةَ والزَّوجيَّة لا تمنع من (٥) الحَبْس إن قيل به. وذَكَرَ الشَّيخ تقيُّ الدِّين فيما إذا كان المدَّعِي امرأةً على زوجها، فإذا حُبِس؛ لم يَسقُط (٦) من حقوقه عليها شَيءٌ قبل الحبس، بل (٧) يَسْتَحِقُّه عليها؛

стр. 2966

كحَبْسه في دَينِ غيرِه، فله إلْزامُها بملازمة بيته (١)، فإن خاف أن تَخرُج منه بلا إذنه؛ فله أن يُسكِنَها حيث لا يمكنها الخروجُ، كما لو سافر عنها (٢). (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ)؛ أيْ: لم (٣) يكن دَينُه عن عِوَضٍ؛ كأرْش جِنايةٍ، أو قِيمةِ مُتْلَفٍ، أو مَهْرٍ، أوْ عِوَضِ خُلْعٍ، أوْ ضَمانٍ، ولم يُقِرَّ بالملاءة، ولم يُعرَفْ له مالٌ سابِقٌ؛ (حَلَفَ) أنَّه لا مالَ له، (وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ)؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ المال، قال ابنُ المنذِر: (الحَبْسُ عُقوبةٌ، ولا نَعلَمُ (٤) له ذَنْبًا يُعاقَب به) (٥)، والأصلُ عدَمُ مالِه، بخلاف مَنْ عُلِمَ له مالٌ، فإنَّه يُحبَسُ حتَّى يُعلَم ذَهابُه. وفي «التَّرغيب»: يُحبَسُ إلى ظهور إعْسارِه، وفي «البُلْغة»: إلى أنْ يَثْبُتَ. وظاهِرُ الخِرَقِيِّ: يُحبَسُ في الحالَينِ. والمذْهَبُ ما تَقدَّمَ. مسألةٌ: يَحرُم أنْ يُحلَّف مُعْسِرٌ: لا حقَّ عليه، ويتأَوَّلُ، نَصَّ عليه (٦). ومن سُئِل عن غَريبٍ، وظَنَّ إعْسارَه؛ شَهِدَ. فائدةٌ: قال أحمدُ: ثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا (٧) عبد الوارِث، ثَنَا محمَّدُ بن جحادة (٨)، عن سُلَيمانَ بنِ بُرَيدةَ، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا؛ فله بكلِّ يَومٍ مثلُه صَدَقةً قَبْل أن يَحِلَّ الدَّينُ، فإذا حلَّ الدَّينُ، فأَنْظَرَه؛ فله بِكلِّ يَومٍ

стр. 2967

مِثْلَيهِ صَدَقة» إسنادُه (١) جيِّدٌ (٢). (وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ (٣) لَا يَفِي بِدَيْنِهِ)؛ أيْ: الحالِّ، ولا كَسْبَ له، ولا ما يُنفِق منه غَيرَه، أوْ خِيفَ تصرُّفه فيه، (فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ؛ لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمْ)؛ لأِنَّه «﵇ حَجَرَ على معاذٍ لَمَّا سأله غُرَماؤه» (٤)، والأصحُّ: أنَّ طَلبَ البَعْضِ كالكُلِّ. وظاهِرُه: أنَّه لا يُحْجَر عليه من غير سؤال الغرماء، لكِنْ لو طَلَبَه المفلِس وحدَه؛ فوجهان، المذهب: لا يَلزَمه إجابتُه. (وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ)؛ أيْ: إظْهار الحَجْر عليه، (وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ في ذلك إعْلَامًا للنَّاس بحاله، فلا يُعامِلُه أحدٌ إلاَّ على بصيرةٍ، ولِيَثْبُت عند حاكِمٍ آخَرَ، فلا يحتاج إلى ابتداء حجْرٍ ثانٍ. وهل للحاكم أن يَشفَع في إسقاط بعض الدَّين؟ على روايتَينِ.

стр. 2968

(فَصْلٌ) (أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ)؛ لأِنَّه لو لم يكن كذلك؛ لَمَا كان في الحَجْر عليه فائدةٌ، ولأِنَّه يُباع في دُيونهم، فكانت (١) حقوقُهم متعلِّقةً به كالرَّهن، (فَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ حقوقَ الغرماء متعلِّقةٌ بأعيان ماله، فلم يُقبَل الإقرارُ عليه؛ كالعَين المرهونة. (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ)؛ لأِنَّه محجورٌ عليه بِحُكْم الحاكم، أشْبه السَّفيه، ومرادُهم بالتَّصرُّف: إذا كان مستأنَفًا، فإن كان غَيرَ مُسْتَأْنَفٍ؛ كردٍّ بِعَيبٍ اشتراه قبل الحَجْر وفسخه بالخيار المشترط (٢) قبل الحَجْر؛ نُفِّذ، ولا يَتَقَيَّد بالْأَحَظِّ في أصحِّ الوجْهَينِ، قالَه في «البُلْغة». (إِلاَّ الْعِتْقَ فِي (٣) إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)؛ كالتَّدْبِيرِ، اخْتارها أبو بَكْرٍ؛ لأِنَّه عِتْقٌ من مالِكٍ، فَنَفَذَ كالراهن (٤)، ولأِنَّ الشَّارع مُتَشَوِّفٌ إليه، ولذلك صحَّ مُعَلَّقُه وكَمُلَ مبعضُه (٥)، زاد في «المستوعب»: وصدقةٌ بيسيرٍ. والثَّانية: لا يَنْفُذُ، اختارها أبو الخَطَّاب في «رؤوس المسائل»، وصحَّحها في «المغني» و «الشَّرح»، وهي المذهبُ؛ لأِنَّه ممنوعٌ من التَّبرُّع لِحَقِّ الغرماء، فلم يَنفُذْ عِتْقُه؛ كالمريض الذي يُسْتَغْرَقُ بِدَيْنِه مالُه، ولأِنَّ الحاكِمَ لم يُنْشِئِ الحَجْر إلاَّ للمنع من التصرف، وفي صحَّة العتق إبطالٌ لذلك.

стр. 2969

وعُلِم من ذلك: أنَّ تصرُّفَه في ملكه بالبيع ونحوه قبل الحَجْر عليه صحيحٌ، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّه رشيدٌ غيرُ محجورٍ عليه، ولأنَّ سببَ المنْع الحَجْرُ، فلا يتقدَّم سبَبُه. وقيل: لا يَنفُذُ، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). وعنه: له مَنْعُ ابنِه من تصرُّفه في ماله إن أضرَّه. وعلى الأوَّل: يَحرُم إنْ أضرَّ بغريمه، ذَكَرَه الأدَميُّ البغداديُّ. فرعٌ: لو اكترى (٣) جملاً بعَينه أوْ دارًا؛ لم يَنفَسخ بالفَلَس، والمكْتَرِي أحقُّ بها حتَّى تَنقضِيَ مُدَّته. آخَرُ: يُكفِّر هو وسفيهٌ بصومٍ، فإن فُكَّ حَجْرُه قبل تكفيره وقَدرَ؛ كفَّر بغيره. (وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ إِقْرَارٍ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه أهْلٌ للتصرف (٤)، فالحَجْر متعلِّقٌ بماله لا بذِمَّته (٥)، فوجَبَ صحَّةُ تصرُّفه في ذمَّته؛ عَمَلاً بأهليَّته السَّالمة عن معارضة (٦) الحَجْر، (وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ)؛ لأِنَّه حقٌّ عليه، لم يتعلَّق بماله قبل فكِّ الحَجْر لِحَقِّ الغرماء، فوجَبَ أنْ يُتْبَعَ به بعد فَكِّ الحَجْر عنه؛ لزوال العارِض، ولَيس لأِرباب هذه الحقوق مشارَكة الغرماء؛ لأِنَّ مَنْ عَلِم بِفَلَسِه وعامَلَه؛ فقد رضِيَ بالتَّأخير، ومن لم يَعلَمْ فقد فرَّط.

стр. 2970

أمَّا إنْ ثَبَتَ عليه حقٌّ بِبَيِّنةٍ؛ شارَك صاحبُه الغُرَماءَ؛ لأِنَّه دَينٌ ثابِتٌ قَبْلَ الحَجْر عليه، أشْبَهَ ما لو شَهِدَ به قبل الحَجْر. (وَإِنْ جَنَى) المفْلِسُ؛ (شَارَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءَ)؛ لِأَنَّ حقَّه ثَبَتَ على الجانِي بغير اخْتِيارِ مَنْ له الحَقُّ، ولم يَرْضَ بتأخيره كما قَبْلَ الحَجْر عليه. وحُكْمُ الجناية إذا كانَتْ مُوجِبةً للقصاص، وصُولِحَ على مالٍ؛ حُكْمُ الجناية الموجِبةِ للمال ابْتِداءً. لا يُقالُ: أَرْشُ الجناية هنا يُقدَّم (١) على الغرماءِ، كما تُقدَّم جناية العبد المرهون على حقِّ المرتَهِنِ؛ لأِنَّ دَين الجناية والغرماءِ يَتَعلَّق فيهما بالذِّمَّة، بخلاف جناية العبد المرهون، فإنَّها متعلِّقةٌ بالعَين، تفوت (٢) بفواتها. (وَإِنْ جَنَى عَبْدُهُ؛ قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ (٣)؛ لأِنَّ حَقَّه تعلَّق بالعَين، فيُقدَّم على مَنْ تعلَّق حقُّه بالذِّمَّة، كما يُقدَّم حقُّ المرتَهِن بثمن الرَّهن على الغرماء، ولأِنَّ حقَّ المجْنِيِّ عليه يُقدَّم على حقِّ المرتَهِن، فأَوْلَى أنْ يُقدَّم على حقِّ الغرماء. مسألةٌ: إذا وَجَبَ له قَوَدٌ؛ فله أخْذُه وتَرْكُه مجَّانًا، نَصَّ عليه (٤)، وما أخَذَه، أو عفا عنه؛ فللغرماء أخْذُه. وكذا لو عفا مطلَقًا، وقلنا: الواجِب بقَتْل العمد أحَدُ شَيئَينِ.

стр. 2971

(فَصْلٌ) (١) الحُكمُ (٢) (الثَّانِي: أَنَّ مَنْ وَجَدَ عِنْدَهُ عَيْنًا بَاعَهَا إِيَّاهُ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)، رُوِيَ عن علِيٍّ (٣)، وعَمَّارٍ (٤)، وأبي هُرَيرةَ (٥)؛ لحديث أبِي هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَك مَتاعَه عند إنْسانٍ أفْلَسَ؛ فهو أحقُّ به» متَّفَقٌ عليه (٦). قال أحْمدُ: لَوْ أنَّ حاكِمًا حَكَمَ أنَّه أُسْوةُ الغُرَماء، ثُمَّ رُفِع إلى رجُلٍ يرى

стр. 2972

العملَ بالحديث؛ جاز له نَقْضُ حُكْمِه (١)، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح». ويَحْتَمِل ألَّا يُنقَضَ. وحِينَئِذٍ البائعُ بالخِيار بين الرُّجوع فيها، وبَينَ أن يكون أُسْوةَ الغُرَماء. وسواءٌ كانت السِّلْعةُ مساوِيةً لِثَمَنِها، أوْ لا. وظاهِرُه: لا يَفْتَقِر الفَسْخُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ؛ لِثُبوته بالنَّصِّ؛ كفَسْخِ المعتَقَة. وقيل: بلى (٢)؛ بِناءً على تسويغ (٣) الاجتهاد. وهو على التَّراخِي؛ كالرُّجوع في الهِبة. وقيل: على الفَور، نَصَرَه القاضي؛ كخِيار الشُّفْعة. وهما مَبْنِيَّانِ على الرِّوايَتَينِ في الرَّدِّ بالعَيب، قاله في «الشَّرح». فلو بذل الغُرماء الثَّمنَ لصاحب السِّلعة؛ لم يَلزَمْه قَبولُه، نَصَّ عليه (٤). فإنْ دَفَعُوا الثَّمن إلى المفْلِس فبَذَلَه للبائع؛ لم يَكُنْ له الفَسْخُ؛ لأِنَّه زال العَجْز عن تسليم الثَّمن، فزال ملْكُ الفسخ، كما لو أسقط الغُرماء حقَّهم. وفِيما إذا باعه بعد حَجْره في ذِمَّته وتعذَّر الاِسْتِيفاء؛ فأقوال (٥)، ثالِثُها: له خيار الفسخ إذا كان جاهِلاً به، وهو ظاهِر كلام جماعة؛ لأِنَّ العالِمَ دَخَل على بصيرةٍ بخَراب الذِّمَّة، كما لو اشترى مَعِيبًا يَعلَم عَيبَه، بخلاف الجاهل. ويُسْتَثْنى من ذلك: ما إذا كان المبيعُ صَيدًا، والبائعُ مُحرِمٌ، فإنَّه لا يَملِك الرُّجوعَ فيه، كما لو اشْتراه. وظاهِرُه اخْتِصاصُ هذا الحُكمِ بالبيع، وليس كذلك، فلو اقْتَرض مالاً ثُمَّ

стр. 2973

أفْلَسَ، وعَيْنُ المال قائمةٌ (١)؛ فله الرُّجوعُ فيها، أو أصْدق (٢) امرأةً عَيْنًا، ثمَّ انْفَسَخَ نكاحُها بسببٍ مِنْ جِهَتِها يُسْقِطُ صَداقَها، أو (٣) طلَّقها قَبْل الدُّخول فاسْتَحَقَّ الرُّجوعَ في نصفه، وقد أفْلَسَتْ وَوَجد عَينَ ماله؛ فهو أحقُّ به. وظاهِرُه: أنَّه لا رجوعَ لِوَرثة البائع؛ لظاهر الخبر، والأصحُّ: أنَّه يَثْبُت لهم. (بِشَرْطِ: أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا) إلى أخْذِها؛ لِمَا رَوَى أبو بَكْرِ بن عبد الرَّحمن بن الحارِث بن هِشامٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أيُّما رَجُلٍ باعَ مَتاعًا فأفْلَسَ الذي ابْتاعَه، ولم يَقْبِض الذي باعَه مِنْ ثَمَنِه شَيْئًا، فوجَد متاعَه بِعَينه؛ فهو أحقُّ به، وإنْ ماتَ المشْتَرِي؛ فصاحِبُ المتاع أُسْوةُ الغُرماءِ» رواه مالِكٌ وأبو داودَ مُرْسَلاً، ورواه أبو داودَ مُسْنَدًا من حديثِ إسْماعِيلَ بن عياش (٤)، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي بَكْرٍ، عن أبي هُرَيرةَ، قال أبو داودَ: (وحديثُ مالِكٍ أصحُّ) (٥).

стр. 2974

فعلى هذا: البائعُ أُسْوةُ الغُرَماء، سواءٌ عَلِمَ بفَلَسِه قبل الموت فحُجر عليه (١) ثمَّ مات، أو مات فتبيَّن فَلَسُه، ولأِنَّ الملكَ انتقل عن المفْلِس إلى الورثة، أشْبَه ما لو باعه. وعنه: له الرُّجوعُ؛ لِمَا رَوَى عُمرُ بنُ خَلْدةَ قال: أتَيْنا أبا هريرة في صاحبٍ لنا قد أفْلَس، فقال: لأَقضين (٢) فيكم بقضاء رسول الله ﷺ : «مَنْ أفْلَس أو مات، فوَجَد رجلٌ متاعَه بِعَينه؛ فهو أحقُّ به» رواه أبو داودَ (٣). وجوابُه: بأنَّه مجهولُ الإسْناد، قاله ابنُ المنذِر (٤). وهذا الشَّرْطُ لم يَذْكُرْه في «التَّلخيص» و «البُلغة». (وَلَمْ يَنْقُدْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا)، ولا أُبْرِئَ مِنْ بعضه، فإن كان قد نَقَدَ من ثَمَنِها، أو أبرئ منه؛ فهو أسوة الغرماء؛ لأنَّ في الرُّجوع في قِسْطِ ما بَقِيَ تَبْعِيضًا للصَّفقة على المشتري، وإضْرارًا له.

стр. 2975

لا يقال: لا ضَرَرَ فيه؛ لكون مال المفلِس يُباع ولا يَبْقَى؛ لأِنَّ الضَّرَر مُتَحَقِّقٌ مع البيع، فإنَّه لا يُرغَب فيه كالرَّغبة منفَرِدًا، فيَنقُص ثَمَنُه، فيتضرَّر المفلِسُ والغُرَماء، ولأِنَّه سَبَبٌ يُفسَخ به البَيعُ، فلم يَجُزْ مع تَشْقِيصه كالرَّدِّ بالعَيب. (وَالسِّلْعَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا)؛ للخبر، فلو ذَهَبَ بعضُ أطْراف العبد، أو عَينُه، أوْ بعضُ الثَّوب، أو انْهدَم بعضُ الدَّار، أوْ تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ فيما إذا اشْتَرى شَجَرًا مثمرًا (١) لم تَظْهَرْ ثَمَرَتُه، قاله في «الشَّرح»؛ فهو أُسْوةُ الغُرَماء؛ لأِنَّه لم يَجِدْها بِعَينها؛ إذِ الشَّارِع جعله (٢) شرطًا فِي الرُّجوع. ولا فَرْقَ بَينَ أنْ يرضى بالموجود بجميع الثَّمن، أو يأخذه بقِسْطه منه؛ لأِنَّه فات شَرْطُ الرُّجوع. فإنْ باع بعضَه، أوْ وَهَبَهُ، أوْ وَقَفَه، أوْ خَلَطَه بغَيره على وجْهٍ لا يَتَميَّزُ؛ كزَيْتٍ بمثله؛ فهو كَتَلَفِه. وظاهِرُه: ولو كان المبيعُ عَينَينِ، وفيه روايتانِ: إحداهما، ونقلها أبو طالِبٍ: لا رُجوعَ (٣)، بل هو أسوةُ الغرماء؛ لأِنَّه لم يَجِدِ المبيعَ بعَينه. والثَّانيةُ: بلى، ونقلها (٤) الحسن بن ثواب (٥)، وقدَّمها في «المحرَّر»؛ لأِنَّ السَّالِمَ من المبيع وَجَدَه بعَينه، فيدخل في العموم، وحينئِذٍ يأخذ الباقِيَ بقِسْطِه من الثَّمن.

стр. 2976

وعليها: يُفرَّق بَيْنَها وبين ما إذا قَبَضَ بعضَ الثَّمن؛ لأِنَّ المقبوضَ من الثَّمن مُقسَّط (١) على المبيع، فيَقَعُ القَبْضُ من ثَمَنِ كلِّ واحدةٍ من العَينَينِ، وقَبْضُ شَيءٍ من ثَمَنِ ما يُريد الرُّجوعَ فيه مُبْطِلٌ له، بخلاف التَّلَف، فإنَّه لا يَلزَمُ من تَلَفِ أَحَدِ العَيْنَيْنِ تَلَفُ شَيْءٍ من العَين الأخرى. (وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا؛ كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وَخَبْزِ الدَّقِيقِ)، وجَعْلِ الزَّيْت صابُونًا، والخَشَبَةِ بَابًا، والشَّرِيط إبرًا، ونحوِ ذلك؛ لأِنَّه لم يَجِدْ متاعَه بعَينه، فلم يكن له الرُّجوعُ كالتَّلَف، وكما لو كان نَوًى فَنَبَتَ شَجَرًا، قاله ابنُ المنَجَّى. وفيه شَيءٌ، فإنَّهم اختَلَفوا في الحَبِّ إذا صار زَرْعًا، وبالعكس، والنَّوى إذا نبت شَجَرًا، والبَيْض إذا صار فرخًا (٢)، فذهب القاضي وصاحب «التَّلخيص»: أنَّه لا يَسقُط الرُّجوعُ؛ لأِنَّ الخارِجَ هو نفسُه، والأَشْهَرُ عندنا: أنَّه لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ، كما هو ظاهِرُ كلامِ المؤلِّف. ودخل في كلامه: ما لو كان المبيعُ أمَةً بِكْرًا فوطِئَها المشْتَرِي؛ أنَّه لا رجوعَ له؛ لِمَا ذَكَرْنا. وفيه وجْهٌ: بلى، كالرَّدِّ بالعَيب في الأصحِّ. وَوَطْءُ غَيره كهُوَ. (وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ) للغَير، (مِنْ شُفْعَةٍ)، وجَزَم به المحقِّقون؛ لأِنَّ حقَّه أسْبَقُ؛ لكونه ثبت بالبيع، والبائعُ حَقُّه ثبت بالحَجْر، وما كان أسْبَقَ فهو أَوْلَى. وقال ابنُ حامِدٍ: للبائع أخْذُه؛ لعموم الخبر.

стр. 2977

وفي ثالِثٍ: إنْ طالَب بها فهو أحقُّ؛ لتأكُّد حقِّه بالمطالَبة، وإلاَّ فلا. (أَوْ جِنَايَةٍ)، فإن كان المبيعُ عَبْدًا فجَنَى، ثمَّ أفلس المشتري؛ فالمذهَبُ: أنَّ البائعَ أُسْوةُ الغرماء؛ لأِنَّ الرَّهْنَ يَمْنَع الرُّجوعَ، وحقُّ الجناية مُقدَّمٌ (١) عليه، فأَوْلَى أنْ يَمنَع. والثَّاني: لا يَمنَع، لأِنَّه حقٌّ لا (٢) يمنع تصرُّف السَّيِّد بالبَيع وغيره، فلا يَمنَع الرُّجوع، كما لو ثَبَت في ذمَّته دَينٌ، فعلى هذا: يخيَّر؛ إن شاء رجع فيه ناقِصًا بأَرْش الجناية، وإن شاء ضرب بثمنه مع الغرماء. وقيل: ما نقص مِنْ قيمته رَجَع بقِسْطه من ثمنه. (أَوْ رَهْنٍ)، بغير خلافٍ نعلمه (٣)؛ للخبر، ولأِنَّ المفلِسَ عَقَدَ قبل الفَلَس عَقْدًا مَنَعَ نفسَه من التَّصرُّف، فلم يملك الرُّجوعَ، كما لو وهبه، ولأِنَّ في الرُّجوع إضرارًا بالمرتَهِن، والضَّرَر لا يُزالُ بمثله، فإن كان دَينُ المرتَهِن دون قيمة الرَّهن؛ بِيعَ كلُّه، فقضى (٤) منه دَينه، وباقيه يُرَدُّ على مال المفلِس، فإن بِيع (٥) بعضه؛ فباقيه يَشْتَرِك فيه الغُرماءُ. وقال القاضي: يَرجِع فيه البائعُ؛ لأِنَّه عَينُ ماله. فلو كان المبيعُ عَينَينِ، فرَهَن إحداهما؛ فهل يَمْلِك البائعُ الرُّجوع في الأخرى؟ على وجْهَينِ، بناءً على الرِّوايتَينِ فيما إذا تَلِفَت إحداهما. (وَنَحْوِهِ)؛ كالعِتْق. مسألةٌ: إذا أفْلَس بعد خروجه من ملْكِه بِوَقْفٍ ونحوه؛ فلا رجوعَ له.

стр. 2978

فإن أفلس بعد رجوعه إلى ملكه؛ فأوْجُهٌ، ثالثها: إن عاد إليه بفسخٍ كإقالةٍ؛ فله الرُّجوعُ، لا إذا عاد بسببٍ جديدٍ؛ لأِنَّه لم يَصِلْ إليه من جهته. فلو اشتراها، ثُمَّ باعها، ثُمَّ اشتراها؛ فقيل: البائعُ الأوَّلُ أَوْلَى؛ لِسَبْقه، وقيل: يُقْرَعُ. (وَلَمْ تَزِدْ (١) زِيَادَةً مُتَّصِلَةً؛ كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ)، هذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وقاله في «الإرشاد» و «الموجَز»؛ لأِنَّ الرُّجوعَ فَسْخٌ بسببٍ حادِثٍ، فلم يملك به (٢) الرُّجوعَ في عَين المال الزَّائد زيادةً متَّصِلةً؛ كفَسْخِ النِّكاح بالإعسار، أو الرّضاع. (وَعَنْهُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ)، هذا هو (٣) المنصوص عن أحمدَ (٤)، وهو المذهَبُ؛ لعموم الخبر؛ ولأِنَّه فَسْخٌ لا تَمنَع منه الزِّيادةُ المنفصِلةُ، فكذا المتَّصِلةُ؛ كالرَّدِّ بالعيب، وفارَق الرَّدُّ هنا الرَّدَّ بالفسخ بالإعسار أو الرضاع (٥)؛ من حيثُ إنَّ الزَّوج يُمْكِنُه الرُّجوعُ في قيمة العَين، فيَحصُل له حقُّه تامًّا، وههنا لا يمكن البائعَ الرُّجوعُ في جميع الثَّمن؛ لمزاحَمة الغرماء، فلا يَحصُل له حقُّه تامًّا. ونصر في «المغني» و «الشَّرح» الأوَّلَ. (فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ)؛ كالولد، والثَّمَرة، (وَالنَّقْصُ بِهُزَالٍ، أَوْ نِسْيَانِ صَنْعَةٍ؛ فَلَا تَمْنَعُ (٦) الرُّجُوعَ)، بغَير خلافٍ بين أصحابنا، قاله في «الشَّرح»،

стр. 2979

وفيه شَيءٌ؛ لأِنَّ البائعَ وَجَدَ عَينَ مالِه فكان أحقَّ به بخلاف المتَّصِلةِ. وقيل: تَمنَع (١)، وحكاه في «الموجز» و «التَّبْصرة» روايةً كالمتَّصِلة. وعلى الأوَّل: لا فَرْقَ بين أن تَنقُصَ (٢) بالزيادة (٣)، أو لا إذا كان على صِفَته. (وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ) في ظاهر الخِرَقِيِّ، وقاله القاضي وابنُ حامِدٍ، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّها زيادةٌ حصلت (٤) في مِلْكه؛ فكانت له، يؤيِّده: «الخَراجُ بالضَّمان» (٥). (وَعَنْهُ: لِلْبَائِعِ)، نَصَّ عليه (٦)، وهو الأَشْهَرُ؛ لأِنَّها زيادةٌ، فكانت للبائع؛ كالمتَّصِلة، وحكاه في «المغني» قولاً لأبي بَكْرٍ، وأنَّه أَخَذَه من قول أحمد في ولد الجارية، ونتاج الدَّابَّة، وقياسُهم على المتَّصِلة غَيرُ صحيحٍ؛ لأِنَّه يَتْبَعُ في الفسوخ والرَّدِّ بالعيب، بخلاف المنفصِلة (٧)، قال في «المغني»: ولا ينبغي أن يَقَعَ في هذا خلافٌ؛ لظهوره. وَأَمَّا نَقْصُ المال بِذَهابِ صِفةٍ مع بقاء عَينه؛ فلا يمنع؛ لأنَّ فقد الصِّفة لا يُخرِجه عن كونه عين (٨) ماله، لكن يتخيَّر بين أخذه ناقصًا بجميع حقِّه، وبين أن يَضرِب مع الغرماء بكمال ثمنه؛ لأِنَّ الثَّمن لا يتقسَّط على صفة السِّلعة من (٩) سِمَنٍ وهُزالٍ وعِلْمٍ ونحوه، فيصير كنقصه لتغيُّر الأسعار.

стр. 2980

(وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ، أَوْ قَصَرَهُ)، أوْ لَتَّ السَّوِيقَ بِزَيتٍ؛ (لَمْ يَمْنَعِ الرُّجُوعَ)، ذَكَرَه الأصحابُ؛ لأِنَّ العَينَ قائمةٌ مشاهَدةٌ لم يتغيَّر اسْمُها ولا صِفَتُها، (وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ)؛ لأِنَّها حصلت (١) بفعله في ملكه، فيكون شريكًا للبائع بما زاد عن قيمة (٢) الثَّوب والسَّويق، وإن حصل نَقَصَ؛ فعلى المفلِس. لكن إن نقصتْ قيمتُهما؛ فيُخيَّر البائع بين أخْذِهما ناقِصَينِ - ولا شَيءَ له - وبين تَرْكِهما، وهو أسوة الغرماء؛ لأنَّ هذا نَقَصَ صفتَه (٣) فهو كالهُزال. وقيل: لا رجوعَ إن زادت القيمةُ؛ لأِنَّه اتَّصل بالمبيع زيادةً للمفلِس، فمَنَعت (٤) الرُّجوع كالسِّمَن. وحاصله: إذا قَصَرَ الثَّوبَ لم يخلُ من حالين: أحدهما: ألاَّ تزيد قيمتُه بذلك؛ فللبائع الرُّجوعُ. والثَّاني: أن تزيدَ قيمتُه به، فظاهِرُ الخِرَقِيِّ: أنَّه لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ؛ لأِنَّه زاد زيادةً لا تَتَمَيَّزُ؛ فهي كالسِّمَنِ. وقال القاضي وأصحابُه: له الرُّجوع؛ لأِنَّه أدرك متاعَه بعينه، فعلى هذا: إن كانت القِصارة بفعل المفلِس، أو بأجرةٍ وفَّاها؛ فهما شريكان في الثَّوب، فإن اختار البائعُ دَفْعَ قيمة الزِّيادة إلى المفلِس؛ لَزِمه قَبولُها؛ لأِنَّه يتخلَّص بذلك مِنْ ضرر الشَّرِكة، أشبه ما لو دفع الشَّفيعُ قيمةَ البناء إلى المشتري. وإن لم يَخْتَرْ؛ بِيعَ الثَّوبُ، وأَخَذَ كلُّ واحدٍ بقدر حقِّه؛ فلو كان قِيمةُ الثَّوب خَمسةً، فصار يساوي ستَّةً؛ فللمفلس سُدُسُه، وللبائع خمسةُ أسداسه. وإن كان العمل من صانِعٍ لم يَسْتَوْفِ أجْرَه؛ فله حَبسُ الثَّوب على اسْتِيفاء
следующие страницы →