← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وعليها: يُفرَّق بَيْنَها وبين ما إذا قَبَضَ بعضَ الثَّمن؛ لأِنَّ المقبوضَ من الثَّمن مُقسَّط (١) على المبيع، فيَقَعُ القَبْضُ من ثَمَنِ كلِّ واحدةٍ من العَينَينِ، وقَبْضُ شَيءٍ من ثَمَنِ ما يُريد الرُّجوعَ فيه مُبْطِلٌ له، بخلاف التَّلَف، فإنَّه لا يَلزَمُ من تَلَفِ أَحَدِ العَيْنَيْنِ تَلَفُ شَيْءٍ من العَين الأخرى. (وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا؛ كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وَخَبْزِ الدَّقِيقِ)، وجَعْلِ الزَّيْت صابُونًا، والخَشَبَةِ بَابًا، والشَّرِيط إبرًا، ونحوِ ذلك؛ لأِنَّه لم يَجِدْ متاعَه بعَينه، فلم يكن له الرُّجوعُ كالتَّلَف، وكما لو كان نَوًى فَنَبَتَ شَجَرًا، قاله ابنُ المنَجَّى. وفيه شَيءٌ، فإنَّهم اختَلَفوا في الحَبِّ إذا صار زَرْعًا، وبالعكس، والنَّوى إذا نبت شَجَرًا، والبَيْض إذا صار فرخًا (٢)، فذهب القاضي وصاحب «التَّلخيص»: أنَّه لا يَسقُط الرُّجوعُ؛ لأِنَّ الخارِجَ هو نفسُه، والأَشْهَرُ عندنا: أنَّه لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ، كما هو ظاهِرُ كلامِ المؤلِّف. ودخل في كلامه: ما لو كان المبيعُ أمَةً بِكْرًا فوطِئَها المشْتَرِي؛ أنَّه لا رجوعَ له؛ لِمَا ذَكَرْنا. وفيه وجْهٌ: بلى، كالرَّدِّ بالعَيب في الأصحِّ. وَوَطْءُ غَيره كهُوَ. (وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ) للغَير، (مِنْ شُفْعَةٍ)، وجَزَم به المحقِّقون؛ لأِنَّ حقَّه أسْبَقُ؛ لكونه ثبت بالبيع، والبائعُ حَقُّه ثبت بالحَجْر، وما كان أسْبَقَ فهو أَوْلَى. وقال ابنُ حامِدٍ: للبائع أخْذُه؛ لعموم الخبر.

стр. 2977

وفي ثالِثٍ: إنْ طالَب بها فهو أحقُّ؛ لتأكُّد حقِّه بالمطالَبة، وإلاَّ فلا. (أَوْ جِنَايَةٍ)، فإن كان المبيعُ عَبْدًا فجَنَى، ثمَّ أفلس المشتري؛ فالمذهَبُ: أنَّ البائعَ أُسْوةُ الغرماء؛ لأِنَّ الرَّهْنَ يَمْنَع الرُّجوعَ، وحقُّ الجناية مُقدَّمٌ (١) عليه، فأَوْلَى أنْ يَمنَع. والثَّاني: لا يَمنَع، لأِنَّه حقٌّ لا (٢) يمنع تصرُّف السَّيِّد بالبَيع وغيره، فلا يَمنَع الرُّجوع، كما لو ثَبَت في ذمَّته دَينٌ، فعلى هذا: يخيَّر؛ إن شاء رجع فيه ناقِصًا بأَرْش الجناية، وإن شاء ضرب بثمنه مع الغرماء. وقيل: ما نقص مِنْ قيمته رَجَع بقِسْطه من ثمنه. (أَوْ رَهْنٍ)، بغير خلافٍ نعلمه (٣)؛ للخبر، ولأِنَّ المفلِسَ عَقَدَ قبل الفَلَس عَقْدًا مَنَعَ نفسَه من التَّصرُّف، فلم يملك الرُّجوعَ، كما لو وهبه، ولأِنَّ في الرُّجوع إضرارًا بالمرتَهِن، والضَّرَر لا يُزالُ بمثله، فإن كان دَينُ المرتَهِن دون قيمة الرَّهن؛ بِيعَ كلُّه، فقضى (٤) منه دَينه، وباقيه يُرَدُّ على مال المفلِس، فإن بِيع (٥) بعضه؛ فباقيه يَشْتَرِك فيه الغُرماءُ. وقال القاضي: يَرجِع فيه البائعُ؛ لأِنَّه عَينُ ماله. فلو كان المبيعُ عَينَينِ، فرَهَن إحداهما؛ فهل يَمْلِك البائعُ الرُّجوع في الأخرى؟ على وجْهَينِ، بناءً على الرِّوايتَينِ فيما إذا تَلِفَت إحداهما. (وَنَحْوِهِ)؛ كالعِتْق. مسألةٌ: إذا أفْلَس بعد خروجه من ملْكِه بِوَقْفٍ ونحوه؛ فلا رجوعَ له.

стр. 2978

فإن أفلس بعد رجوعه إلى ملكه؛ فأوْجُهٌ، ثالثها: إن عاد إليه بفسخٍ كإقالةٍ؛ فله الرُّجوعُ، لا إذا عاد بسببٍ جديدٍ؛ لأِنَّه لم يَصِلْ إليه من جهته. فلو اشتراها، ثُمَّ باعها، ثُمَّ اشتراها؛ فقيل: البائعُ الأوَّلُ أَوْلَى؛ لِسَبْقه، وقيل: يُقْرَعُ. (وَلَمْ تَزِدْ (١) زِيَادَةً مُتَّصِلَةً؛ كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ)، هذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وقاله في «الإرشاد» و «الموجَز»؛ لأِنَّ الرُّجوعَ فَسْخٌ بسببٍ حادِثٍ، فلم يملك به (٢) الرُّجوعَ في عَين المال الزَّائد زيادةً متَّصِلةً؛ كفَسْخِ النِّكاح بالإعسار، أو الرّضاع. (وَعَنْهُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ)، هذا هو (٣) المنصوص عن أحمدَ (٤)، وهو المذهَبُ؛ لعموم الخبر؛ ولأِنَّه فَسْخٌ لا تَمنَع منه الزِّيادةُ المنفصِلةُ، فكذا المتَّصِلةُ؛ كالرَّدِّ بالعيب، وفارَق الرَّدُّ هنا الرَّدَّ بالفسخ بالإعسار أو الرضاع (٥)؛ من حيثُ إنَّ الزَّوج يُمْكِنُه الرُّجوعُ في قيمة العَين، فيَحصُل له حقُّه تامًّا، وههنا لا يمكن البائعَ الرُّجوعُ في جميع الثَّمن؛ لمزاحَمة الغرماء، فلا يَحصُل له حقُّه تامًّا. ونصر في «المغني» و «الشَّرح» الأوَّلَ. (فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ)؛ كالولد، والثَّمَرة، (وَالنَّقْصُ بِهُزَالٍ، أَوْ نِسْيَانِ صَنْعَةٍ؛ فَلَا تَمْنَعُ (٦) الرُّجُوعَ)، بغَير خلافٍ بين أصحابنا، قاله في «الشَّرح»،

стр. 2979

وفيه شَيءٌ؛ لأِنَّ البائعَ وَجَدَ عَينَ مالِه فكان أحقَّ به بخلاف المتَّصِلةِ. وقيل: تَمنَع (١)، وحكاه في «الموجز» و «التَّبْصرة» روايةً كالمتَّصِلة. وعلى الأوَّل: لا فَرْقَ بين أن تَنقُصَ (٢) بالزيادة (٣)، أو لا إذا كان على صِفَته. (وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ) في ظاهر الخِرَقِيِّ، وقاله القاضي وابنُ حامِدٍ، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّها زيادةٌ حصلت (٤) في مِلْكه؛ فكانت له، يؤيِّده: «الخَراجُ بالضَّمان» (٥). (وَعَنْهُ: لِلْبَائِعِ)، نَصَّ عليه (٦)، وهو الأَشْهَرُ؛ لأِنَّها زيادةٌ، فكانت للبائع؛ كالمتَّصِلة، وحكاه في «المغني» قولاً لأبي بَكْرٍ، وأنَّه أَخَذَه من قول أحمد في ولد الجارية، ونتاج الدَّابَّة، وقياسُهم على المتَّصِلة غَيرُ صحيحٍ؛ لأِنَّه يَتْبَعُ في الفسوخ والرَّدِّ بالعيب، بخلاف المنفصِلة (٧)، قال في «المغني»: ولا ينبغي أن يَقَعَ في هذا خلافٌ؛ لظهوره. وَأَمَّا نَقْصُ المال بِذَهابِ صِفةٍ مع بقاء عَينه؛ فلا يمنع؛ لأنَّ فقد الصِّفة لا يُخرِجه عن كونه عين (٨) ماله، لكن يتخيَّر بين أخذه ناقصًا بجميع حقِّه، وبين أن يَضرِب مع الغرماء بكمال ثمنه؛ لأِنَّ الثَّمن لا يتقسَّط على صفة السِّلعة من (٩) سِمَنٍ وهُزالٍ وعِلْمٍ ونحوه، فيصير كنقصه لتغيُّر الأسعار.

стр. 2980

(وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ، أَوْ قَصَرَهُ)، أوْ لَتَّ السَّوِيقَ بِزَيتٍ؛ (لَمْ يَمْنَعِ الرُّجُوعَ)، ذَكَرَه الأصحابُ؛ لأِنَّ العَينَ قائمةٌ مشاهَدةٌ لم يتغيَّر اسْمُها ولا صِفَتُها، (وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ)؛ لأِنَّها حصلت (١) بفعله في ملكه، فيكون شريكًا للبائع بما زاد عن قيمة (٢) الثَّوب والسَّويق، وإن حصل نَقَصَ؛ فعلى المفلِس. لكن إن نقصتْ قيمتُهما؛ فيُخيَّر البائع بين أخْذِهما ناقِصَينِ - ولا شَيءَ له - وبين تَرْكِهما، وهو أسوة الغرماء؛ لأنَّ هذا نَقَصَ صفتَه (٣) فهو كالهُزال. وقيل: لا رجوعَ إن زادت القيمةُ؛ لأِنَّه اتَّصل بالمبيع زيادةً للمفلِس، فمَنَعت (٤) الرُّجوع كالسِّمَن. وحاصله: إذا قَصَرَ الثَّوبَ لم يخلُ من حالين: أحدهما: ألاَّ تزيد قيمتُه بذلك؛ فللبائع الرُّجوعُ. والثَّاني: أن تزيدَ قيمتُه به، فظاهِرُ الخِرَقِيِّ: أنَّه لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ؛ لأِنَّه زاد زيادةً لا تَتَمَيَّزُ؛ فهي كالسِّمَنِ. وقال القاضي وأصحابُه: له الرُّجوع؛ لأِنَّه أدرك متاعَه بعينه، فعلى هذا: إن كانت القِصارة بفعل المفلِس، أو بأجرةٍ وفَّاها؛ فهما شريكان في الثَّوب، فإن اختار البائعُ دَفْعَ قيمة الزِّيادة إلى المفلِس؛ لَزِمه قَبولُها؛ لأِنَّه يتخلَّص بذلك مِنْ ضرر الشَّرِكة، أشبه ما لو دفع الشَّفيعُ قيمةَ البناء إلى المشتري. وإن لم يَخْتَرْ؛ بِيعَ الثَّوبُ، وأَخَذَ كلُّ واحدٍ بقدر حقِّه؛ فلو كان قِيمةُ الثَّوب خَمسةً، فصار يساوي ستَّةً؛ فللمفلس سُدُسُه، وللبائع خمسةُ أسداسه. وإن كان العمل من صانِعٍ لم يَسْتَوْفِ أجْرَه؛ فله حَبسُ الثَّوب على اسْتِيفاء

стр. 2981

أُجْرته، اقْتَصَر عليه في «الشَّرح». (وَإِنْ غَرَسَ) المفلس (الأَرْضَ (١)، أَوْ بَنَى فِيهَا؛ فَلَهُ) أيْ: للبائع (الرُّجُوعُ)، هذا هو الأصحُّ، قبل قَلْعِ غَرْسٍ أوْ بِناءٍ؛ لأِنَّه أدرك متاعَه بعَينه، ومال المشتري دخل على وجْه التَّبَع؛ كالصَّبْغ، (وَدَفَعَ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ (٢)، فَيَمْلِكُهُمَا (٣)؛ لأِنَّهما حصلا في ملكه لغيره بحقٍّ، فكان له أخْذُه بقيمته كالشَّفيع، ويَملك البائعُ قَلْعَه، وضَمانَ نقصه؛ كالمعِير إذا رجع في أرضه بعد غرس المستعير. والثَّاني: لا يَملِكُ الرُّجوعَ إلاَّ بعد القَلْع؛ لأِنَّه غَرْسُ المفلِس وبناؤه، فلم يُجبَرْ على بَيعِه لهذا البائع، ولا على قلعه، كما لو لم يَرجِع في الأرض. وعلى الأوَّل: لو قَلَعَه المفلِس والغُرماءُ؛ لزمهم تسويةُ الأرض، وأرْش نَقْصها الحاصِلُ به، ويُضرَب بالنَّقص مع الغرماء، وعلى الثَّاني: لا. (إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ الْقَلْعَ وَمُشَارَكَتَهُ بِالنَّقْصِ)؛ لأِنَّ البائِعَ لا حقَّ له في الغِراس والبِناء، فلا يَملِك إجْبارَ مالكهما على المعاوَضة، فعلى هذا: يَرجِع في أرضه ويَضرِب مع الغرماء بأرْش نقصها؛ لأِنَّ ذلك نَقْصٌ حصل لتخليص ملك المفلِس؛ فكان عليه، كما لو دخل فصيلٌ دارًا فكَبِر، ولم يُمكِنْ إخْراجُه إلاَّ بالاِنْهِدام. (فَإِنْ (٤) أَبَوُا الْقَلْعَ، وَأَبَى) البائعُ (دَفْعَ الْقِيمَةِ؛ سَقَطَ الرُّجُوعُ) في الأصحِّ؛ لِما فيه من الضَّرَر على المشتري والغرماء، والضَّرَرُ لا يُزالُ بمثله، ولأِنَّ عَينَ مال البائع صارتْ مشغولةً بملك غيره، فَسَقَطَ حقُّه من الرُّجوع، كما لو كان

стр. 2982

مساميرَ، فسَمَر بها بابًا أو خَشَبَةً، فبنى عليها دارًا. وظاهِرُه: أنَّهم إذا امتنعوا من القَلْع؛ لم يُجْبَرُوا؛ لوضعه بحقٍّ. وقال القاضي: له الرُّجوعُ؛ لأِنَّه أدرك متاعَه بعَينه، وكالثَّوب إذا صبغه. وجوابُه: المنْعُ، ولو سُلِّمَ؛ فيُفرَّق بينهما من حيثُ إنَّ الصِّبْغَ تَفرَّق (١) في الثَّوب، فصار كالصِّفة، بخلاف الغراس والبناء، فإنَّها أعيانٌ متميِّزةٌ، وبأنَّ الثوب لا يُراد للبقاء، بخلاف الأرض. فعلى قوله: إذا رجع في الأرض؛ بقي الغراس والبناء للمفلِس. فإنِ اتَّفقَ الجميعُ على البَيع؛ بِيعت الأرضُ بما فِيهَا، وأخَذَ كل واحدٍ قَدْرَ حِصَّته. وقيل: يُباع الغرس مُفْرَدًا. وعلى الأوَّل: يُقسَمُ الثَّمَن على قدر القِيمَتَينِ، فَتُقوَّمُ الأرضُ خاليةً، ثُمَّ تُقَوَّم وهما بها، فقيمة الأرض خاليةً للبائع، والزِّيادةُ للمُفلِس والغُرَماء. تنبيهٌ: شَرَطَ بعضُ أصحابنا أيضًا: أن يكون الثَّمن حالًّا، فإن كان مؤجَّلاً؛ فلا رجوع للبائع، قاله أبو بَكرٍ وصاحِبُ «التَّلخيص» فيه؛ لعدم تمكُّنه من المطالَبة. وظاهِرُ كلامه هنا، وقاله الأكثرُ: أنَّ هذا ليس بِشَرْطٍ. والمنصوص: أنَّه يُوقَفُ إلى الأجل، ثُمَّ أُعْطِيَه (٢). وقال ابن أبي موسى: له أخْذُه في الحال. ومَحَلُّ الرجوع (٣): إذا استمرَّ العجز عن أخْذ الثَّمَن، فإن تجدَّد للمفلِس مالٌ بعد الحَجْر وقبل الرُّجوع؛ فلا رجوع إذَنْ.

стр. 2983

مسائلُ: الأولى: لو اشْتَرى أرْضًا فزرعها، ثُمَّ أفْلَس؛ بقي (١) الزَّرع لِرَبِّه مَجَّانًا إلى الحَصاد، فإنِ اتَّفق المفلِسُ والغرماء على التَّرْك أو القطع (٢)؛ جاز، فإن (٣) اختلفوا وله قِيمةٌ بعد القطع؛ قُدِّم قَولُ مَنْ يَطلُبه. الثَّانيةُ: إذا اشْتَرى نَخْلاً فأطْلَع، ثُمَّ أفْلَس قبل التَّأبِير؛ فالطَّلْع زيادةٌ متَّصلةٌ في الأصحِّ، وإن كان بعدَه؛ فمُنفَصِلةٌ، وحُكْمُ الشَّجَر كذلك. الثَّالثةُ: إذا اشْتَرى غِراسًا فغَرَسَه في أرضه، ثُمَّ أفْلَسَ، ولم يزد (٤) الغِراس؛ فله الرُّجوع فيه، فإنْ أخَذَه؛ لَزِمَه تَسويةُ الأرض وأرْش نقصها، فإن بَذَل الغُرَماء والمفْلِسُ له القِيمةَ؛ لم يُجْبَرْ على قَبولها، وإنِ امْتَنَع من القَلْعِ، فبذلوا القيمة له ليَمْلكه المفلِس، أو أرادوا قَلْعَه وضَمان النَّقص؛ فلهم ذلك، وكذا لو أرادوا قَلْعَه من غَير ضَمانِ النَّقْص في الأصحِّ. الرَّابعةُ: إذا اشْتَرى أرْضًا من شخصٍ وغِراسًا من آخَرَ، وغَرَسَهُ فيها، ثُمَّ أفْلَسَ، ولم يَزِدْ؛ فَلِكُلٍّ الرُّجوعُ في عين ماله، ولصاحب الأرض قَلْعُ الغِراس من غير ضَمانٍ، فإنْ قَلَعَه بائعُه؛ لَزِمه تسويةُ الأرض وأرْشُ نقصها الحاصِلِ به، فإن بذل (٥) صاحب الغِراس قِيمةَ الأرض لصاحبها؛ لم يُجبَرْ على ذلك، وفي العَكْس إذا امْتَنَع من القَلْع؛ له ذلك في الأصحِّ. الخامسةُ: رجوعُ البائع؛ فسخٌ للبيع (٦)، لا يَحتاج إلى معرفة المبيع، ولا

стр. 2984

إلى القدرة على تسليمه، فلو رجع بثمن (١) آبِقٍ؛ صحَّ، وصار له، فإن قَدر؛ أخَذَه، وإن تَلِفَ؛ فمن (٢) ماله، وإن بان تَلَفُه حين استرجعه (٣)؛ بطل اسْتِرْجاعُه. وإن رجع في مبيعٍ اشتبه بغيره؛ قُدِّم تعيينُ المفلِس؛ لإنكاره دعوى اسْتِحْقاقِ البائع. وإن مات بائعٌ مدِينًا؛ فَمُشْتَرٍ أحقُّ بطعامٍ وغيرِه، ولو قبل قَبْضِه، نَصَّ عليه (٤).

стр. 2985

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالَهُ، وَقَسْمُ ثَمَنِهِ) على الغُرماء؛ لأِنَّه «﵇ لَمَّا حَجَر على مُعاذٍ؛ باع مالَه في دَينه، وقَسَمَ ثَمَنَه بَينَ غُرمائه» (١)، ولِفِعْل عُمَرَ (٢)، ولأِنَّه مَحْجورٌ عليه يَحتاجُ إلى قضاء دَينه، فجاز بَيعُ ماله بغير رضاه؛ كالسَّفيه. ولا يُباعُ إلاَّ بِثَمَنِ مِثْلِه المستَقِرِّ في وقْتِه أو أكثرَ، لكِنْ إنْ كان مالُه من جنس الدَّين؛ قَسَمَه على الغرماء من غَير بَيعٍ، صرَّح به في «الشَّرح» و «الفروع». (وَيَنْبَغِي)؛ أيْ: يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُحْضِرَهُ)؛ أي: المفلِسَ وَقْتَ البَيع؛ لِفَوائِدَ: مِنْها: أنْ يَحضُرَ ثَمَنَ متاعه ويَضْبِطَه. ومِنْها: أنَّه أعْرَف بالجَيِّد من متاعه، فإذا حَضَر تكلَّم عليه. ومِنْها: أنَّه تَكثُرُ (٣) فيه الرَّغْبةُ. ومِنْها: أنَّه أَطْيَبُ لنفسه، وأسْكَنُ لقلبه.

стр. 2986

ووكيله كَهُوَ، قاله في «البلغة». (وَيُحْضِرَ الْغُرَمَاءَ)؛ لأِنَّه لَهُمْ، وربما رَغِبُوا في شَيءٍ، فزادوا في ثَمَنِه، وأطْيَبُ لقلوبهم، وأبْعَدُ لِلتُّهمة، قال في «الشَّرح» وغيره: وربما يَجِدُ أحدُهم عَينَ ماله فيأخذها. (وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ)؛ لأِنَّه أحْوَطُ وأكْثَرُ لطُلاَّبه، فلو باعه في غَير سُوقه بِثَمَنِ مِثْلِه؛ صحَّ؛ لأِنَّ الغَرَضَ تَحْصيلُ الثَّمَن؛ كالوكالة. ويَبِيعَ بِنَقْد البلد؛ لأِنَّه أصْلَحُ، فإن كان فيه نُقودٌ؛ باع بأغْلَبِها، فإنْ تساوَتْ؛ باع بجِنس الدَّين. (وَ) يَجِب أنْ (يَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُ؛ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ)؛ لأِنَّ ذلك مما (١) لا غِنَى له عنه، فلم يُبَعْ في دَينه ككِتابِه (٢) وقُوته. لكِنْ لو كان له دارانِ يَسْتَغْنِي بإحداهما، أوْ كانَتْ واسِعةً تَفْضُل عن مسكن مِثْلِه؛ بِيعَ، وكذا الخادِمُ إذا كان نَفِيسًا. (وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ قَسْمِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ)؛ لِقَوله ﵇: «ابْدَأْ بِنَفْسك، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» (٣)، ولأِنَّ ملْكَه باقٍ عليه قَبْل القِسْمة. وذَكَرَ في «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه يُنفَقُ عليه من ماله إن لم يكن له كَسْبٌ. ولم يَتعرَّض المؤلِّفُ لنفقة عياله وكِسْوتهم، ولا خِلاف في وجوب (٤) نفقةِ زوجته (٥)، وتكون (٦) دَينًا عليه، وكِسْوتها.

стр. 2987

وكذا أولادُه وأقاربه، والواجب فيهما أدْنَى ما يُنفَقُ على مثله، ويُكْسَى. ويُتْرَكُ له آلةُ حِرْفَةٍ، أو ما يَتَّجِر به إنْ عَدِمَها، نَصَّ عليه (١)، وفي «الموجز» و «التَّبْصِرة»: وفرسٍ يحتاج إلى (٢) رُكوبها. ونَقَلَ عبدُ الله: يُباعُ الْكُلُّ إلاَّ المسكَنَ، وما يُوارِيهِ من ثِيابٍ، وخادِمًا يَحْتاجُه (٣). (وَيَبْدَأَ بِبَيْعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ)؛ كالفاكِهة ونحوِها؛ لأِنَّ بقاءَه يُتْلِفُه بيقينٍ، (ثُمَّ بِالْحَيَوَانِ)؛ لأِنَّه مُعَرَّضٌ للإتلاف، ويَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ في بقائه، (ثُمَّ بِالْأَثَاثِ)؛ لأِنَّه يُخافُ عليه وتناله (٤) الأَيْدِي، (ثُمَّ بِالْعَقَارِ)؛ لأِنَّه لا يُخافُ تَلَفُه، بخلاف غيرِه، وبقاؤه أشْهَرُ له وأكْثَرُ لِطُلاَّبه، والعُهْدةُ على المفلِس فَقَطْ إذا ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، قاله في «الشَّرح». (وَيُعْطِيَ الْمُنَادِيَ أُجْرَتَهُ مِنَ الْمَالِ)؛ لأِنَّ البَيعَ حقٌّ على المفلِس؛ لكونه طريقًا إلى وفاء دَينه، وهذا إذا لم يُوجَد مُتبرِّعٌ. وقيل: أُجْرتُه من بيت المال مع إمكانه؛ لأِنَّه من المصالح، فإن لم يُمكِنْ (٥)؛ فمن المال. وكذا الخِلافُ فِيمَنْ يَحفَظ المتاعَ، ويحمله، ونحوهما. وقيل: لا يُنادَى على عقارٍ، بل يُعْلَم به أهلُ البلد، وقاله القاضي وجماعةٌ. ويُشْترَطُ فيه أن يكون ثقةً، فإنِ اتَّفَق (٦) الكُلُّ على ثِقةٍ (٧)؛ أمضاه الحاكِمُ،

стр. 2988

وإن كان غيرَ ثقةٍ ردَّه، بخلاف المرهون إذا اتَّفق الرَّاهِنُ والمرتَهِنُ على غَير ثِقةٍ؛ لم يكن له ردُّه، والفَرْقُ: أنَّ للحاكم (١) هنا نظرًا، فإنَّه قد يَظْهَر غريمٌ آخَرُ. فإنِ اخْتَلَف المفلِسُ في ثِقةٍ، والغُرماء في آخَرَ؛ قُدِّم المتطوِّعُ منهما، وإلاَّ قُدِّم أَوْثَقُهُما وأَعْرَفُهما، قاله ابنُ المنَجَّى، وفي «الفروع»: قَدَّم مَنْ شاء منهما، والمرادُ: مع التَّساوي في الصِّفات. (وَيَبْدَأَ (٢) بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ)؛ أيْ: إذا كان عبدُه الجانِي؛ لأِنَّ الحقَّ مُتعلِّقٌ بِعَينه، يفوت بِفَواتها، بخلاف بقيَّة الغُرَماء، فلو كان هو الجاني؛ فالمجْنِيُّ عليه أسْوَة الغُرَماء؛ لأِنَّ حقَّه متعلِّق (٣) بالذِّمَّة. (فَيَدْفَعَ إِلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأَرْشِ، أَوْ ثَمَنِ الْجَانِي)؛ لأِنَّ الأقلَّ إن كان الأَرْشَ؛ فهو لا يَسْتَحِقُّ إلاَّ أرْش الجناية، وإن كان ثَمَنَ الجانِي؛ فهو لا يَسْتَحِقُّ غيرَه؛ لأِنَّ حقَّه مُتعلِّقٌ بعَينه، فعلى هذا: إذا فَضَلَ شَيْءٌ من ثَمَن الجاني عن أَرْش الجناية؛ قُسم على بقيَّة الغُرَماء. (ثُمَّ بِمَنْ (٤) لَهُ رَهْنٌ)، كذا أطلقه في «المحرَّر» و «الوجيز»، والمذهَبُ: أنَّه مُقيَّدٌ باللُّزوم، (فَيَخْتَصُّ بِثَمَنِهِ)؛ أيْ: يُباعُ، سَوَاءٌ كان بقدر دَينه أو لا، ويَختَصُّ المرتَهِن بثمنه بشرطه، وسواءٌ كان المفلِسُ حيًّا أوْ ميتًا؛ لأِنَّ حقَّه مُتعلِّقٌ بعَين الرَّهْن وذمَّة الرَّاهِن، بخلاف الغرماء. وعنه: إذا مات الرَّاهِنُ، أوْ أفْلَسَ؛ فالمرتَهِنُ أحقُّ به، ولم يُعتبَرْ وجودُ قبضه بعد موته أو قَبْلَه.

стр. 2989

وفي «الرِّعاية»: يَخْتَصُّ بثمن الرَّهن على الأصحِّ. (فَإِنْ (١) فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ؛ ضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ)؛ لأِنَّه ساواهم في ذلك. (وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ)؛ أيْ: من الرَّهْن (فَضْلٌ؛ رُدَّ عَلَى الْمَالِ)؛ لأِنَّه انْفَكَّ من الرَّهْن بالوفاء، فصار كسائر مال المفلِس. أصْلٌ: لم يَذكُر المؤلِّفُ حُكْمَ مُسْتَأْجِرِ العَين حيثُ أفْلَسَ المُؤْجِرُ، وهو أحقُّ بها؛ لأِنَّ حقَّه مُتعلِّقٌ بالعَين والمنفعة، وهي مملوكةٌ له في هذه المدَّة، بخلاف ما لو استأْجَرها في الذِّمَّة، فإنَّه أسوة الغرماء؛ لعدم تعلُّق حقِّه بالعَين. (ثُمَّ بِمَنْ لَهُ عَيْنُ مَالٍ؛ يَأْخُذُهَا) بالشُّروط السَّابِقة. (ثُمَّ يَقْسِمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ بَاقِي الْغُرَمَاءِ)؛ لتساوي حقوقهم في تعلُّقها بذمَّة المفلِس (عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ)؛ لأِنَّ فيه تَسْوِيةً بَينَهم، ومراعاةً لكمِّيَّة حقوقهم، فلو قضى الحاكِمُ أو المفلِسُ بعضَهم؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّهم شركاؤه، فلم يَجُزْ اختصاصُه دونَهم. ولا يَلزَمُهم بيانُ أنْ لا غريمَ سواهم، بخلاف الورثة، ذَكَرَه في «التَّرغيب» و «الفصول» وغيرهما؛ لئلاَّ يأخُذَ أحدُهم ما لا حقَّ له فيه. (فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ؛ لَمْ يَحِلَّ)، هذا هو المذهَبُ المعروفُ، وحكاه القاضي روايةً واحدةً؛ لأِنَّ الأجلَ حقٌّ للمفلِس، فلا يَسْقُط بفَلَسِه؛ كسائر حقوقه، ولأِنَّه لا يُوجِبُ حلولَ ما لَه، فلا يُوجِب حُلولَ ما عليه؛ كالإغْماء. (وَعَنْهُ: يَحِلُّ)، حكاها أبو الخَطَّاب؛ دَفْعًا للضَّرَر عن ربِّه، ولأِنَّ الإفْلاسَ يتعلَّق به الدَّينُ بالمال، فأسْقَطَ الأجلَ كالموت، (فَيُشَارِكُهُمْ (٢)؛ كبقيَّة الدُّيون الحالَّة.

стр. 2990

وعنه: إن وَثَّقَ لم يَحِلَّ؛ لزوال الضرر (١) والأجل (٢)، نقلها ابن منصور (٣). والأوَّلُ أصحُّ، وقياسهم على الموت مردودٌ بالمنع، ثُمَّ بتقدير تسليمه؛ يُفرَّق، فإنَّ ذمَّة الميت خَرِبَتْ، بخلاف المفلِس. فعلى هذا: لا يُوقَف له شَيءٌ، ولا يرجع على الغرماء إذا حلَّ. نعم؛ إذا حلَّ قبل القسمة؛ شاركهم، وإن كان بعد قسمة البعض؛ شاركهم في الباقي بجميع دَينه، ويَضرِب باقي الغرماء ببقيَّة دُيونهم. (وَمَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَينٌ مُؤَجَّلٌ؛ لَمْ يَحِلَّ)، هذا هو المختارُ لعامَّة الأصحاب (٤)، (إِذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ) بأقلِّ الأَمْرَينِ من قيمة التَّرِكة أو الدَّين بكَفِيلٍ مَلِيءٍ أوْ رَهْنٍ؛ لأِنَّ الأجلَ حقٌّ للميت، فوُرث عنه كسائر حقوقه. وظاهره: أنَّه يَحِلُّ إذا لم يُوَثِّقُوا على الأَشْهَر، جزم به الشَّيخان؛ لغلَبة الضَّرر. (وَعَنْهُ: يَحِلُّ)، اختاره ابنُ أبي موسى؛ لأِنَّه إمَّا أنْ يَبْقَى في ذمَّة الميت، أو الورثة، أوْ متعلِّقٌ بالمال، فالأوَّلُ مُنْتَفٍ؛ لخرابها وتعذُّر مطالَبته، والثَّاني (٥) كذلك؛ لأِنَّهم لم يَلْتَزِموا الدَّينَ، ولا رَضِيَ صاحبُ الدَّين بذِمَمِهم وهي مختلِفةٌ متبايِنةٌ، والثَّالِثُ مَمْنوعٌ؛ لأِنَّه لا يجوز تعليقُه على الأعيان وتأجيله؛ لأِنَّه ضَرَرٌ على الميت؛ لأِنَّ ذِمَّته مُرْتَهَنةٌ بدَينه، وعلى صاحب المال لتأخُّر حقِّه، وقد يَسْقُط لِتَلَف العَين، وعلى الورثة؛ لأِنَّهم لا يَنْتَفِعون بالأعيان، ولا يتصرَّفون فيها.

стр. 2991

وظاهِرُه: ولو قَتَلَه (١) ربُّه. وعنه: لا يَحِلُّ مطلَقًا، اختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ كدَينه. مسائلُ: الأولى: إذا وَرِثه بيتُ المال؛ فوجهان: أحدهما: يَحِلُّ؛ لعَدَم وارِثٍ مُعَيَّنٍ، ولهذا: للإمام أنْ يُقْطِع الأراضِيَ، وإن كانت لجميع المسلمين. والثَّاني: يَنتَقِل إلى بيت المال، ويَضمَن الإمامُ للغرماء. الثَّانيةُ: ظاهِرُ كلامهم: أنَّه إذا جُنَّ (٢)، وعليه دَينٌ مؤجَّلٌ؛ أنَّه لا يَحِلُّ، وفي «التَّلخيص» كما سبق: وكذا في (٣) حِلِّه بِجُنونٍ (٤). الثَّالِثةُ: إذا مات، وعليه دَينٌ حالٌّ ودَينٌ مُؤَجَّلٌ، وقُلْنَا: لا يَحِلُّ، ومالُه بقَدْر الحالِّ؛ فهل يُترَك له ما يَخُصُّه لِيأخُذَه، أو يَوَفَّى الحالُّ، ويَرجِعُ على ورثته (٥) صاحبُ المؤجَّل بحِصَّتِه إذا حلَّ، أو لا يَرجِعُ؟ فيه أوْجُهٌ. الرَّابِعةُ: إذا مات وعليه دَينٌ؛ لم يَمنَع نَقْلَ التَّرِكة إلى الورثة، فإنْ تصرَّفوا فيها؛ صَحَّ، كتصرُّف السَّيِّد في الجاني، فإنْ تعذَّر وفاؤه (٦)؛ فُسِخ تصرُّفهم. وعنه: يَمنَع. وفي «الانتصار»: الصَّحيحُ أنَّه في ذمَّة ميتٍ، والتَّرِكةُ رَهْنٌ. وفي «التَّرغيب»: الدَّينُ وإنْ قلَّ يَمْنَعُه من التَّصرُّف؛ نظرًا له.

стр. 2992

فعلى ذلك: لا يَصِحُّ تصرُّف كلٍّ من الغرماء والورثة (١) إلاَّ بإذن الآخَر. وإنْ ضَمِنَه ضامِنٌ، وحلَّ على أحدهما؛ لم يَحِلَّ على غيره. (وَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ)؛ لم يُنقَضْ، خلافًا ل «الكافي»؛ (رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ)؛ لأِنَّه لو كان حاضِرًا شارَكَهُم، فكذا إذا ظَهَرَ. وفي «المغني»: هي قِسمةٌ بَانَ الخَطَأُ فيها كقَسْمِهِ أرْضًا أوْ ميراثًا، ثمَّ بَانَ شريكٌ أوْ وارِثٌ. قال الأَزَجِيُّ: فلو كان له ألْفٌ، اقْتَسَمَها غريماه نِصفَينِ، ثمَّ ظَهَرَ ثالِثٌ دَينُه كدَين أحدهما؛ رجع على كلِّ واحِدٍ بِثُلُثِ ما قَبَضَه. وإن كان أحدُهما قد أتْلَف ما قَبَضَه؛ فظاهِرُ المذهب: أنَّ الثَّالِثَ يأخُذُ من الآخَر ثُلُثَ ما قَبَضَه من غَيرِ زيادةٍ. فَرْعٌ: ذكر المؤلِّف في «فتاويه»: لو وصل مالٌ لغائب (٢)، فأقام رجلٌ بيِّنةً أنَّ له عليه دَينًا، وأقام آخَرُ بيِّنةً؛ إنْ طالَبا جميعًا اشْتَرَكا، وإنْ طالَب أحدُهما؛ اخْتَصَّ به؛ لاِخْتِصاصه بما يُوجِب التَّسليمَ، وعَدَم تَعَلُّق الدَّين بماله. قال في «الفروع»: ومراده: ولم (٣) يُطالِبْ أصلاً، وإلاَّ شارَكه، ما لم يَقْبِضْه. (وَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ بَقِيَّةٌ) من الدُّيون، (وَلَهُ صَنْعَةٌ؛ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إِيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَائِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): الأشْهَرُ: أنَّه يُجْبَرُ؛ لأِنَّه «﵇ باع سُرَّقًا في دَينِه بخَمْسةِ أبْعِرةٍ» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ من رواية خَالِدِ بنِ مُسْلِمٍ الزَّنْجِيِّ، وفِيهِ ضَعفٌ (٤)، والحُرُّ لا يُباعُ،

стр. 2993

فعُلِم أنَّه باع منافِعَه؛ إذِ المنافِعُ تجري مَجْرَى الأعْيان في صحَّة العَقْد عليها وتحريمِ أخْذِ الزَّكاة، فكذا هُنَا، ولأِنَّ الإجارة عَقْدُ معاوَضةٍ؛ فجاز إجبارُه عليها؛ كبَيْع ماله، وكوقْفٍ وأمِّ ولدٍ اسْتُغْنِيَ عنها. والثَّانيةُ: لا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٠]، ولقوله ﵇: «خُذُوا ما وجدتم فليس لكم إلاَّ ذلك» رواه مسلِمٌ (١)، ولأِنَّه تكسُّبٌ للمال، فلم يُجبَر عليه؛ كقَبول هِبةٍ ووصيَّةٍ، وتزويج أمِّ وَلَدٍ، وردِّ مبيعٍ وإمضائه. وفيه وَجْهٌ: مع الأحظِّ وأخْذ ديةٍ (٢) عن قَوَدٍ. والأوَّلُ أصحُّ، والآيةُ محمولةٌ على مَنْ لا صَنعةَ له، وادِّعاءُ النَّسخ في الحديث بعيدٌ؛ لأِنَّه يَلزَم ثبوتُه بالاِحْتِمال، بدليلِ أنَّه لم يَثْبُت أنَّ بَيعَ الحُرِّ كان جائزًا في وَقْتٍ في (٣) شَرِيعَتِنا، فتَبَيَّنَ أنَّ المرادَ بِبَيعِه: بَيعُ منافِعِه، مع أنَّه أحسنُ من حمله النَّسخ (٤)، وحينئِذٍ: يبقى الحَجْرُ ببقاء دَينه إلى الوفاء، ولو طلبوا إعادته لِمَا بَقِيَ بعد فكِّ الحاكم لم يُجِبْهم. (وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِلاَّ بِحُكْمِ حَاكِمٍ)؛ لأِنَّه ثَبَتَ بِحُكْمِه، فلا يَزُولُ إلاَّ

стр. 2994

به؛ كالمحْجُور عليه لِسَفَهٍ. وقيل: يَزُولُ بقسمة ماله؛ لأِنَّه حُجِر عليه لأِجْلِه، فإذا زال ملْكُه عنه؛ زال الحَجْرُ؛ كزوال حَجْر المجنون بزوال جنونه. والفَرْقُ واضِحٌ، فإنه ثبت (١) بنفسه، فزال بزواله، بخلاف هذا، ولأِنَّ فراغَ مالِه يحتاج إلى معرفةٍ وبحثٍ؛ فوُقِف ذلك على الحاكِم، بخلاف الجُنون. (فَإِذَا فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ)، وظَهَرَ له مالٌ، (وَحُجِرَ عَلَيْهِ؛ شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الأَوَّلِ (٢) غُرَمَاءَ الْحَجْرِ الثَّانِي)؛ لأِنَّهم تساوَوْا في ثبوت حُقوقهم في ذمَّته، فوجَب أنْ يَتَساوَوْا في المشارَكة؛ كغُرَماء الميت، إلاَّ أنَّ الأوَّلِينَ يَضْرِبون ببقيَّة دُيونهم، والآخرِينَ يضربون بجميعها. (فَإِنْ (٣) كَانَ لِلْمُفْلِسِ حَقٌّ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ (٤)، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ)؛ لم يُجْبَرْ؛ لأِنَّا لا نَعلَمُ صِدْقَ الشَّاهد، (لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ (٥) أَنْ يَحْلِفُوا)؛ لأِنَّهم يُثْبِتُونَ مِلْكًا لغيرهم (٦) لِتتعلَّقَ حقوقُهم به بعد ثبوته، فلم يَجُزْ؛ كالمرأة تَحلِف لإثبات ملك زوجها لِتتعلَّقَ نفقتُها به، وكالورثة قَبْلَ موت مَورُوثهم. وعُلِمَ منه: أنَّ المفلِس إذا حَلَفَ مع شاهِده؛ ثَبَتَ المالُ، وتعلَّقَتْ به حُقوقُ الغُرَماء.

стр. 2995

(فَصْلٌ) (الْحُكْمُ الرَّابِعُ: انْقِطَاعُ الْمُطَالَبَةِ عَنِ الْمُفْلِسِ)؛ لِلنَّصِّ، ولأِنَّ قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٠] خَبَرٌ بمعنى الأمْرِ؛ أي: أنْظِروه إلى يساره، مع قوله: «لَيْس لَكُمْ إلاَّ ذلِكَ» (١). (فَمَنْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا، أَوْ بَاعَهُ؛ لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ)؛ لِتَعلُّق حقِّ الغُرَماء بِعَينِ ماله، (حَتَّى يَنْفَكَّ (٢) الْحَجْرُ عَنْهُ)؛ لأنَّه هو (٣) الذي أتْلَفَ مالَه بمعامَلة (٤) مَنْ لا شَيءَ له، لكِنْ إذا وَجَد البائعُ والمقرِضُ أعْيانَ مالِهما فهل لهما الرُّجوعُ فيها؟ على وَجْهَينِ: أحدهما: له ذلك؛ للخَبَر. والثَّاني: لا فَسْخَ لهما؛ لأِنَّهُما دَخَلَا على بصيرةٍ بخرابِ الذِّمَّة، كما لو اشْتَرى مَعِيبًا يَعلَمُ به.

стр. 2996

(فَصْلٌ) (الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ)، إذِ المصْلَحةُ تَعُودُ عليه، بخلاف المفلِس، (وَهُوَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ)، إذِ الحَجْرُ على هؤلاء حَجْرٌ عامٌّ؛ لأِنَّهم يُمنَعون التَّصرُّفَ في أموالهم وذِمَمِهم. (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمْ قَبْلَ الْإِذْنِ)؛ لأِنَّ تَصحيحَ تصرُّفِهم يُفْضِي إلى ضَيَاع مالِهم، وفيه ضَرَرٌ عليهم. (وَمَنْ دَفَعَ إِلَيْهِمْ)، أوْ إلى أحدهم، (مَالَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ قَرْضٍ؛ رَجَعَ فِيهِ مَا (١) كَانَ بَاقِيًا)؛ لأِنَّه عَينُ مالِه، (وَإِنْ تَلِفَ)، أوْ أتْلَفَه؛ (فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهِ)؛ لأِنَّه سلَّطه عليه برضاه. وقيل: يَضمَن مجنونٌ. (عَلِمَ بِالْحَجْرِ)؛ لأِنَّه فرَّط، (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ)؛ لِتفْرِيطه؛ لِكَونِه في مظنَّة الشُّهرة. وقيل: يَضمَن سفيهٌ جُهِل حَجْرُه. هذا إذا كان صاحبُه سلَّطه عليه، فأمَّا إنْ حَصَل في يده باختيار مالكه (٢) من غير تسليطٍ؛ كالوديعة والعارية؛ فوجهان فيه. ومَنْ أعْطَوْهُ مالاً؛ ضَمِنَه حتَّى يأخذه ولِيُّه. وإن أخذه ليحفَظَه؛ لم يَضْمَنْه في الأصحِّ، وكذا إن أخذ (٣) مغصوبًا ليحفظَه لربِّه.

стр. 2997

(وَإِنْ جَنَوْا؛ فَعَلَيْهِمْ أَرْشُ جِنَايَتِهِمْ (١)؛ لأِنَّه لا تفريط من المالك، والإتْلافُ يستوي فيه الأهل وغيره، وكذا حكم المغصوب؛ لحصوله في يده بغير اخْتِيار المالِك. (وَمَتَى عَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَرَشَدَا؛ انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُمَا). فأمَّا (٢) المجنونُ فبالاِتِّفاق (٣)؛ لأِنَّ الحَجْرَ عليه لجنونه، فإذا زال؛ وجب زوال الحَجْر لزوال عِلَّته. وأمَّا الصَّبِيُّ؛ فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا … ﴾ [النِّسَاء: ٦]. (بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (٤)، وفي «المغني» و «الشَّرح»: بغير خلافٍ في المجنون (٥). وفيه وجْهٌ: أنَّه يَفْتَقِر إليه كالسَّفيه، لأِنَّه مَوضِعُ اجْتِهادٍ، فاحْتِيجَ في (٦) معرفة ذلك إليه. وأمَّا في (٧) الصَّبِيِّ؛ فَلِأَنَّ اشْتِراطَ ذلك زيادةٌ على النَّصِّ، ولأِنَّه محجورٌ عليه بغير حُكم حاكِمٍ، فيزول بغير حُكْمه؛ كالحجر على المجنون، وفيه وَجْهٌ. وسواءٌ رَشَّدَه الولِيُّ أوْ لَا. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: فلو نُوزِع في الرُّشْد، فَشَهِد شاهِدانِ؛ قُبِلَ؛ لأِنَّه

стр. 2998

قد يُعلَمُ بالاِسْتِفاضة، ومع عدمها؛ له اليمينُ على ولِيِّه: أنَّه (١) لا يَعلَم رُشْدَه (٢). ولو تبرَّع وهو تحت الحَجْر، فقامت بينة (٣) برُشْده؛ نَفَذَ. (وَدُفِعَ إِلَيْهِمَا مَالُهُمَا)؛ لأِنَّ المانِعَ من الدَّفْع هو (٤) الحَجْر، وقد زال، وحكاه ابن المنذِر اتِّفاقًا (٥)؛ لأِنَّ مَنْعَه من التَّصرُّف إنَّما كان لِعَجْزه عنه، وحِفْظًا لماله، فإذا صار أهْلاً للتَّصرُّف؛ زال الحَجْرُ لزوال سَبَبِه. (وَلَا يَنْفَكُّ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَالٍ)، ولو صار شَيخًا، وروى الجُوزَجَانِيُّ في «المترجم» قال: كان القاسِمُ بن محمَّدٍ يلي أمْرَ شَيخٍ من قُرَيشٍ ذي أهلٍ ومالٍ؛ لضَعْف عَقْله، ولأِنَّ المجنون الحَجْر عليه لجنونه، فوجب استمرارُه عليه، والصَّبِيُّ علَّق الله تعالى الدَّفْع إليه بشرْطَينِ، والحُكْمُ المعلَّق بهما؛ مُنْتَفٍ بانْتِفاء أحدهما. قال ابنُ المنذِر: أكثرُ علماء الأمصار من أهل الحجاز والشَّام والعراق ومصر، يَرَوْنَ الحَجْرَ على كلِّ مُضَيِّعٍ لماله، صغيرًا كان أوْ كبيرًا (٦). فَرْعٌ: إذا كان لرجلٍ مالٌ، وهو يُقتِّرُ (٧) على نفسه، ويُضَيِّق على عياله، ويَمنَعُهم من تناوُل الأشياء التي يتناوَلُها أدْنَى النَّاس؛ فيَحْجُر الحاكِمُ عليه، بمعنى: أنَّه يَنصِب له ولِيًّا يُنفِق عليه وعلى عياله بالمعروف، وفيه احْتِمالٌ. (وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ: بِالاِحْتِلَامِ)، وهو خروجُ المنِيِّ من القُبُل، بغير

стр. 2999

خلافٍ (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النُّور: ٥٩]، ولقوله ﵇: «وعن الصَّبِيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ» (٢)، قال ابن المنذِر: أجْمَعُوا على أنَّ الفرائضَ والأحْكامَ تَجِب على المحتلِمِ العاقِلِ (٣). (أَوْ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً)؛ أي: استكمالها؛ لِما رَوَى ابن عمرَ قال: «عُرِضْتُ على النَّبيِّ ﷺ يَومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سنةً، فلم يُجِزْنِي، وعُرِضْتُ عليه يَومَ الخندق وأنا ابنُ خمسَ عَشْرةَ سنةً، فأجازَنِي» متَّفقٌ عليه، ولِمسلِمٍ: «فاسْتَصْغَرنِي وردَّنِي مع الغلمان» (٤). فإن قلتَ: بَينَ أُحُدٍ والخندق سنتانِ. وجوابُه: أنَّ عَرْضَه يومَ أُحُدٍ كان في أوَّل سنة أربعَ عشرةَ، ويَومَ الخندق عند اسْتِكْمال خمسَ عشرةَ سنةً. لا يُقال: إجازتُه يوم الخندق؛ لقوَّته لا لبلوغه؛ لأِنَّه صرح به (٥) في الخبر السَّابق، مع أنَّ رواية البَيْهَقِيِّ بإسْنادٍ حَسَنٍ: «ولم يَرَنِي بلغتُ» (٦)، رافعةٌ للسُّؤال، يؤيِّده: ما روى الشَّافِعيُّ: «أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عُمَّاله: أن لا يَفْرِضُوا إلاَّ لِمَنْ بلغ خمسَ عشْرةَ سنةً» (٧). (أَوْ نَبَاتِ الشَّعَرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ)؛ لأِنَّه ﵇ لما (٨) حَكَّمَ سعْدَ بنَ مُعاذٍ

стр. 3000

في بني قُريظة فحَكَمَ بقَتْلهم وسَبْيِ ذراريِّهم وأَمَرَ أنْ يُكْشَفَ عن مُؤتَزرِهِمْ (١)، فمن أنْبَتَ فهو من المقاتِلة، ومن لم يُنْبِت فهو من الذُّرِّيَّة، فبلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ ، فقال: «لَقَدْ حكمتَ (٢) بِحُكْمِ الله مِنْ فَوقِ سبعة أرقعة» متَّفقٌ عليه (٣)، وقضيَّةُ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ شاهِدةٌ بذلك، رواه الخمسةُ والحاكِمُ، وقال: على شَرْطِهما (٤)، ولأِنَّ الإنباتَ يُلازِمُه البلوغُ غالِبًا، ويَسْتَوِي فيه الذَّكَرُ والأنثى كالاِحْتِلام. والخُنْثى يُعتَبَرُ فيه الإنباتُ حول الفَرْجَينِ. وتقييده (٥) الشَّعْرَ بالخَشِن؛ لِيَخْرُج الزَّغَبُ الضَّعيفُ، فإنَّه يَنْبُتُ للصَّغير. (وَتَزِيدُ الْجَارِيَةُ) على الذَّكَر (بِالْحَيْضِ)، بِغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٦)؛ لقوله ﵇:

стр. 3001

«لا يَقبَل الله صلاةَ حائضٍ إلاَّ بِخِمارٍ» رواه التِّرمذيُّ وحسَّنَه (١). وعنه: لا يُحكَم ببلوغها بغَيره، نقلها جماعةٌ، قال أبو بَكْرٍ: هي قَولٌ أوَّلُ. (وَالْحَمْلِ)؛ لأِنَّه دليلُ إنْزالِها، ولأِنَّ الله تعالى أجْرَى العادةَ (٢) بِخَلْق (٣) الولد من مائهما (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطّارق: ٥ - ٧]. فعلى هذا: يُحكَم ببلوغها في الوقت الذي حَمَلتْ فيه، قاله في «الشَّرح». والمذْهَبُ: أنَّه يُحكَم ببلوغها إذا ولدت منذ ستَّة أَشْهُرٍ؛ لأِنَّه اليقينُ. وفي «التَّلخيص»: فإنْ كانت ممَّن لا توطأ (٥)؛ كأنْ طلَّقها زَوجُها وأتت بولدٍ لأكثر (٦) مدَّة الحمل من حين طلاقها؛ فيُحكَم ببلوغها قبل المفارَقة. تنبيهٌ: إذا حاض خُنثى مشكِلٍ من فرجه، وأنْزَل مِنْ ذَكَره، وقيل: أو وُجد أحدَهما، أو وجدا (٧) من مَخرَجٍ واحدٍ؛ فقد بلغ. فإنْ أمْنَى وحاض مِنْ مَخرَجٍ واحِدٍ؛ فلا ذَكَر ولا أُنثى، وفي البلوغ وجهان. وقيل: لا يُحكَم بأنَّ الخُنْثى ذَكَرٌ بإنزاله من فرجه، ولا بأنَّه أنثى بحَيضه، ولا ببلوغه بهما معًا، ولا بأحدهما. والصَّحيحُ: أنَّ الإنزالَ علامةُ البلوغ مطلَقًا.

стр. 3002

(وَالرُّشْدُ: الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ)، في قَول أكثرِ العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النِّسَاء: ٦]، قال ابنُ عبَّاسٍ: «يعني (١): صلاحًا في أمْوالِهم» (٢)، وقال مجاهِدٌ: «إذا كان عاقِلاً» (٣)، ولأنَّ (٤) العدالةَ لا تُعتَبَر في الرشد (٥) في الدَّوام، فلا تُعتَبَر في الاِبتداء؛ كالزُّهد في الدُّنيا، وهو مُصلِحٌ لماله، أشْبهَ العَدْل. فعلى هذا: يُدفَعُ إليه ماله وإن كان مُفسِدًا لدِينه؛ كَمَنْ يترُك الصَّلاةَ ويَمنَع الزَّكاة ونحوِ ذلك. وقيل: والدِّينِ، اخْتاره ابنُ عَقيلٍ، وقال: هو الأَلْيَقُ بمذهَبِنا، قال في «التَّلخيص»: نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّ الفاسِقَ غَيرُ رشيدٍ، واستدلَّ ابنُ عَقيلٍ بالآية الكريمةِ، فإنَّها نَكِرةٌ في سياق الامتنان (٧)، فتَعُمُّ. (وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النِّسَاء: ٦]؛ أي (٨): اخْتَبِروهُم، فعلَّق الدَّفْعَ على الاِخْتِبار والبلوغ وإِيناس الرُّشد، فوجب (٩) اخْتِبارُه بتفويضِ التَّصرُّف إليه، وهو يَخْتَلِفُ. (فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ التُّجَّارِ؛ فَبِأَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فَلَا يُغْبَنُ) غالِبًا

стр. 3003

غَبْنًا فاحِشًا، (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الرُّؤَسَاءِ وَالْكُتَّابِ)، وهو المرادُ من قَولِه في «المغني» و «الشَّرح»: وإن كان من أولاد الدَّهاقِينِ والكُبَراء الذين يُصانُ أمثالُهم عن الأسواق؛ (فَبِأَنْ يَسْتَوْفِيَ عَلَى وَكِيلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ)، وزادا: بأن يَدفَع إليه نفقةَ مدَّةٍ لِيُنفِقَها في مصالحه، فإنْ صَرَفَها في مَواقعها ومَصارفها؛ فهو رشيدٌ. (وَالْجَارِيَةُ بِشِرَائِهَا الْقُطْنَ، وَاسْتِجَادَتِهِ)، وكذا الكَتَّان والإبْرِيسَم، (وَدَفْعِهَا الْأُجْرَةَ إِلَى الْغَزَّالَاتِ، وَالاِسْتِيفَاءِ عَلَيْهِنَّ)، فإذا وُجِدَتْ ضابِطةً لِما في يدها مُسْتوفيةً من وكيلها؛ دلَّ على رُشْدها. (وَ) يُشترَط مع ما ذكرنا: (أَنْ يَحْفَظَ مَا فِي يَدِهِ عَنْ صَرْفِهِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ كَالْغِنَاءِ، وَالْقِمَارِ، وَشِرَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَنَحْوِهِ)؛ كالخمر، وآلات اللَّهو؛ لأِنَّ مَنْ صَرَف مالَه في ذلك؛ عُدَّ سفيهًا مبذِّرًا عُرْفًا، فكذا شَرْعًا، ولأِنَّ الشَّخص قد يُحكَم بسَفَهِه بِصَرْفِ مالِه في المباح؛ فَلَأَنْ يُحكَم بِسَفَهِهِ بصرف (١) ماله في المحرَّم بطريق الأَوْلى، قاله ابن المنجَّى. وفيه نَظَرٌ، فإنَّ (٢) ابن عقيلٍ وجماعةً ذكروا أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ: أنَّ التَّبذيرَ والإسرافَ: ما أخرجه في الحرام؛ لقوله (٣): (لو أنَّ (٤) الدُّنيا لُقْمةٌ، فوضعها الرَّجل في فِيْ أخيه؛ لم يكن إسْرافًا) (٥). لكِنْ قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إذا أصرفه في مباحٍ قدْرًا زائدًا على المصلحة (٦).

стр. 3004

وقال ابنُ الجَوزِيُّ: في التَّبْذير قولان: أحدُهما: إنْفاقُ المال في (١) غَير حقٍّ. الثَّاني: الإسرافُ المتلِف للمال؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيْاطِينِ﴾ [الإسرَاء: ٢٧]. وظاهِرُه: أنَّه إذا أصرفه فيما فيه فائدةٌ، أو ليس بحرامٍ؛ لا يكون قادِحًا فيه. وفي «النِّهاية»: يَقدَح إذا تصدَّق بحَيثُ يَضُرُّ بعِياله، أو كان وحدَه، ولم يَثِقْ (٢). (وَعَنْهُ)، نَقَلَها أبو طالِبٍ عنه (٣): (لَا يُدْفَعُ إِلَى الْجَارِيَةِ مَالُهَا بَعْدَ رُشْدِهَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ وَتَلِدَ (٤)، أَوْ تُقِيمَ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ سَنَةً)، اختارها أبو بَكْرٍ، والقاضي، والشِّيرازيُّ، وابنُ عَقيلٍ؛ لِمَا روى شُرَيحٌ قال: «عَهِدَ إليَّ عمرُ بنُ الخَطَّاب أنْ لا أُجِيز لجاريةٍ عطيَّةً حتَّى تَحُول في بيت زوجها حَولاً، أوْ تَلِد» رواه سعيدٌ في «سننه» (٥)، ولم نَعرفْ له مخالِفًا. والأوَّلُ أشْهَرُ وأصحُّ، وهو أنَّها إذا بَلَغَتْ ورَشَدَتْ؛ دُفِع إليها مالُها، وكالرَّجل، وكالتي دخل بها، وحديثُ عمرَ لم يُعلَم (٦) انتشارُه في الصَّحابة، فلا يُترَك به عمومُ الكتاب، مع أنَّه خاصٌّ في مَنْعِ العطيَّة (٧)، فلم يَمنَعْ من (٨)

стр. 3005

تسليم مالِها. فعلى هذه الرِّواية: إذا لم تتزوَّجْ؛ دُفِع إليها إذا عنَّست؛ أيْ: كَبِرَت وبرزت للرِّجال، وقيل: يَدومُ عليها (١). (وَوَقْتُ الاِخْتِبَارِ: قَبْلَ الْبُلُوغِ) على الأصحِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النِّسَاء: ٦]، فظاهِرُها: أنَّ ابتلاءَهم قبل البلوغ؛ لأِنَّه سمَّاهم يتامَى، وإنَّما يكون ذلك قَبْل البلوغ، ومَدَّ اختبارَهم إلى البلوغ بلفظِ: ﴿حَتَّى﴾، فدلَّ على أنَّه قَبْلَه، ولأِنَّ تأخيرَه إلى البلوغ يَقتَضِي الحَجْر على البالِغ الرَّشيد؛ لكَونه ممتدًّا حتَّى يُختبَر ويُعلَم رُشْدُه، واخْتِبارُه يَمنَع ذلك. وقيل: يَمنَعه في الجارية؛ لنَقْص خِبْرتها بالخَفَر (٢). وبالجملة هو مخصوصٌ بالمراهِق الَّذي يَعرف المعامَلةَ والمصلحة. (وَعَنْهُ: بَعْدَهُ) فيهما، أَوْمَأ إليه أحمدُ (٣)؛ لأنَّ (٤) تصرُّفه قَبلَ ذلك تصرُّفٌ ممَّن (٥) لم يوجَدْ فيه مظنَّةُ العقل. وبَيعُ الاِخْتِبار وشراؤه؛ صحيحٌ.

стр. 3006

(فَصْلٌ) (وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إِلاَّ لِلْأَبِ) الرَّشيد؛ لأِنَّها وِلايةٌ، فقُدِّم فيها الأبُ؛ كولاية النِّكاح، ولكمال شفقته، ولهذا يجوز أن يَشْتَرِيَ لنفسه من مال ولده، بخلاف غيره. وظاهره: ولو كافرًا على ولده الكافر. وتَكْفِي العدالةُ ظاهِرًا؛ لأِنَّ تفويضَها إلى الفاسق تَضْيِيعٌ للمال، فلم يَجُزْ كالسَّفيه. وقيل: ومستورٌ. (ثُمَّ لِوَصِيِّهِ)، ما لم يُعلَمْ فِسْقُه؛ لأِنَّه نائبه (١)، أشْبهَ وكيلَه في الحياة. وظاهِرُه: ولو بِجُعْلٍ وثَمَّ متبرِّعٌ، ذَكَرَه في الخلاف. ونقل ابن منصورٍ: (لا يَقبِضُ للصَّبِيِّ إلاَّ الأبُ، أوْ وصِيٌّ وقاضٍ) (٢)؛ فظاهِرُه: التَّسويةُ بين الأخيرين (٣)، والمذهب: يُقدَّم الوصيُّ. وعنه: يلي الجَدُّ؛ ففي تقديمه على وصيِّه وجهانِ. وجوابُه: أنَّ الجَدَّ لا يُدْلِي بنفسه، وإنَّما يُدْلِي بالأب، فلم يَلِ مالَ الصَّغير؛ كالأخ. (ثُمَّ لِلْحَاكِمِ)؛ لأِنَّ الولاية انقطعت من جهته، فثبتتْ (٤) للحاكم؛ كولاية النِّكاح؛ لأِنَّه وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ له؛ أيْ: بالصِّفات المعتبَرة.

стр. 3007

فإن لم يُوجَدْ؛ فأمينٌ يقوم به، اختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وقال في حاكمٍ عاجِزٍ: كالعدم (١). نَقَل ابنُ الحَكَم فِيمَن عنده مالٌ تُطالِبه (٢) الوَرَثَةُ، فيَخاف من أمره: نرى أنْ يُخبِرَ الحاكِمَ ويرفعه إليه (٣)، قال: أمَّا حُكَّامُنا هؤلاء اليومَ، فلا أرى أنْ يتقدَّم إلى أحدٍ منهم شَيئًا. وظاهِرُه: أنَّه لا ولاية لغير هؤلاء؛ لأنَّ المالَ مَحَلُّ الخيانة (٤)، ومَنْ سِوَاهُمْ قاصِرٌ عنهم غيرُ مأمونٍ على المال، فلم يملكه؛ كالأجنبيِّ (٥). لكِنْ سأله الأثْرَمُ: عن رجلٍ مات وله ورثةٌ صِغارٌ كيف أصْنَعُ؟ فقال: إن لم يكن لهم وصِيٌّ، ولهم أمٌّ مشفِقةٌ؛ يُدفَع إليها (٦). (وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِمَا (٧) أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِمَا إِلاَّ عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ لَهُمَا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسرَاء: ٣٤]، والمجنونُ في معناه، ولقوله ﵇: «لَا ضَرَرَ، ولَا إضِرارَ» رواه أحمدُ (٨). (فَإِنْ تَبَرَّعَ) بِهِبةٍ أوْ صَدَقةٍ، (أَوْ حَابَى) بزيادةٍ أوْ نُقْصانٍ، (أَوْ زَادَ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا، أَوْ عَلْى مَنْ تَلْزَمُهُ (٩) مُؤْنَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ؛ ضَمِنَ)؛ لأِنَّه مُفرِّطٌ، فضمن (١٠) كتصرُّفه في مال غيرهما، ومرادُه - والله أعلم -:

стр. 3008

أنَّه (١) يَضْمَن القَدْر الزَّائد على الواجب، لا مطلَقًا. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ)؛ لأِنَّه ﵇ نهى الوصيَّ عن ذلك (٢)، والحاكِمُ في معناه، (وَلَا يَبِيعُهُمَا (٣)؛ لأِنَّه كالشِّراء معنًى، فيساويه حُكْمًا، (إِلاَّ الْأَبُ)، فيجوز (٤) اتِّفاقًا (٥)؛ لأِنَّه يلي بنفسه، فجاز أن يتولَّى طَرَفَيِ العَقْد؛ كالنِّكاح، والتُّهمة بين (٦) الوالد وولده منتفية (٧)؛ إذْ مِنْ طَبْعه الشَّفَقةُ عليه، والميْلُ إليه، وتَرْكُ حظِّ نفسِه لِحَظِّه، وبهذا فارَق الوصيَّ والحاكِمَ. (وَلِوَلِيِّهِمَا مُكَاتَبَةُ رَقِيقِهِمَا)؛ لأِنَّ فيه تحصيلاً لمصلحة الدُّنيا والآخِرة. وفي «الشَّرح»: إذا كان الحظُّ فيه؛ مثل أن يكون قيمتُه مائةً، فيُكاتِبَه على مائَتَينِ. وفي «التَّرغيب»: أنَّها تجوز لغير الحاكِمِ. (وَعِتْقُهُ بِمَالٍ (٨)؛ لأِنَّه معاوَضةٌ لليتيم فيها حظٌّ، فَمَلَكَها وليُّه؛ كالبيع (٩).

стр. 3009

وظاهِرُه: مطلَقًا، لكِنْ في «الشَّرح»: إذا أعتقه بمالٍ بِقَدْر قِيمته، أو أقلَّ؛ لم يَجُزْ؛ لعدم الحظِّ فيه. وظاَّهِرُه: أنَّه لا يجوز عِتْقُه مجَّانًا. وعنه: بلى لمصلحةٍ، اختاره أبو بكرٍ، بأن تكون له أمَةٌ لها ولدٌ يساوِيانِ مُجْتَمِعَينِ مائةً، ولو أُفْرِدتْ ساوَتْ مائتَينِ، ولا يُمكِن إفرادُها بالبيع، فتعتق (١) الأخرى؛ لتَكثُر قيمة الباقية. فرعٌ: له هِبةُ ماله بعِوَضٍ، قاله القاضي وجماعةٌ. (وَتَزْوِيجُ إِمَائِهِمَا) إن كان فيه مصلحةٌ؛ لأِنَّ فيه إعفافَهنَّ (٢)، وتحصينهنَّ عن الزِّنى، ووجوب نفقتهنَّ على الأزواج، والمراد: إذا طَلَبْنَ منه ذلك، أو رأى المصلحةَ فيه؛ لأِنَّه نائبٌ عن مالكهنَّ، وعبَّر في «المحرَّر» و «الفروع» بالرَّقيق، وهو أعمُّ. وعنه: يجوز لخوف فساده. وعنه: لا تُزوَّج (٣) أمةٌ؛ لتأكُّد حاجته إليها. فيتوجَّه على هذا: إذا كان اليتيمُ مستغنِيًا عن خِدْمتها؛ أنَّه يجوز تزويجُها إذا كان فيه مصلحةٌ. وفي «الرِّعاية»: له تزويجُ عبده بأمَته، وتزويجُها بغير عبده، ولا يُزوِّج عبدَه بغير أمَته. (وَالسَّفَرُ بِمَالِهِمَا) للتِّجارة وغيرِها في مَواضِعَ آمنة (٤) في قول الجمهور؛ لِمَا رَوَى عبدُ الله بنُ عَمْرٍو مرفوعًا: «من وَلِيَ يتيمًا له مالٌ؛ فَلْيَتَّجِرْ به، ولا

стр. 3010

يَتْرُكْه حتَّى تأكلَه الصَّدقةُ» (١)، ورُوِي موقوفًا على عمرَ (٢)، وهو أصحُّ، ولأِنَّه أحظُّ للمُولَّى عليه؛ لكون نفقته من (٣) رِبْحه، كما يفعله البالِغونَ في أموالهم، ولا يَتَّجِرُ إلاَّ في المواضِع الآمنة. ومَنَعَ في «المجرد» و «المغني» و «الكافي» من السَّفَر به إلاَّ لضرورةٍ. (وَالْمُضَارَبَةُ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ)؛ أيْ: إذا اتَّجَر الولِيُّ بنفسه؛ لأِنَّه نَماءُ مال اليتيم، فلا يَسْتَحِقُّه غيرُه إلاَّ بعَقْدٍ، ولا يعقدها (٤) الولِيُّ لنفسه؛ للتُّهمة. وفيه وجْهٌ: يجوز أن يأخذ مضارَبةً لنفسه؛ لأِنَّه جاز له أن يَدْفَعَه بذلك؛ فجاز له أخْذُه. (وَلَهُ دَفْعُهُ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ)؛ لأِنَّ «عائشةَ أبْضَعَتْ مالَ محمَّدِ بنِ أبي بكْرٍ» (٥)؛ إذ الولِيُّ نائبٌ عنه فيما فيه مصلحته، وهذا مصلحةٌ (٦)؛ لِمَا فيه من استبقاء (٧) ماله. وحينئِذٍ: فللمضارِب ما وافَقه عليه الولِيُّ من الرِّبح في قولهم جميعًا. وقيل: أجرة مثله. وعند ابن عَقيلٍ بأقلِّهما. (وَبَيْعُهُ نَسَاءً)؛ أي: إلى أجلٍ إذا كان الحظُّ فيه، قاله في «الشَّرح»؛ لأِنَّه قد يكون الثَّمنُ فيه أكثرَ؛ لأِنَّ الأجلَ يَأخُذُ قِسْطًا من (٨) الثَّمَن، (وَقَرْضُهُ) على الأصحِّ فيهما، (بِرَهْنٍ)؛ لأِنَّه أَجْودُ من إيداعه؛ لِمَا فيه من تعريضه للتَّلَف.

стр. 3011

وقَولُه: (بِرَهْنٍ) يَحتَمِل أنَّه شَرْطٌ فِيهمَا، فيَأخُذُ على الثَّمن في الأُولَى رَهْنًا، قال في «الشَّرح»: أوْ كفيلاً مُوثِّقًا به، فيَحفَظ الثَّمَن به، وفي الثَّانية واضِحٌ. وظاهِرُه: أنَّه لا يجوز بغير رَهْنٍ؛ لأِنَّه قد لا يَأْمَنُ عَوْدَه لِفَلَسٍ ونحوِه، وقاله أيضًا في «التَّرغيب» و «المُذهب»، زاد في «المستوعب»: وإشهادٍ، فيه روايتان. فإنْ أمْكَنَه أخْذُ الرَّهْن وتَرْكُه؛ فاحْتِمالان. والمذهَبُ: جوازُهما لمصلحةٍ، جزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع». وذكر في «المغني» و «الشَّرح»: يُقرِضُه لحاجةِ سَفَرٍ، أو خَوفٍ عليه، أو غيرِهما. وعلى المذهب: لا يُقرِضه إلاَّ لملِيءٍ أمينٍ؛ لِيَأْمَنَ جُحودَه، ويَقدِرَ على الإيفاء، ذَكَرَه في «الشَّرح». ولا يُقرِضُه لِمودَّةٍ ومُكافَأَةٍ، نَصَّ عليه (١). فَرْعٌ: له إيداعُه مع إمْكانِ قَرْضِه، ذَكَرَه في «المغني»، وظاهِرُه: متى جاز إيداعُه. وظاهِرُ كلامِ الأكثرِ: يجوز إيداعُه؛ لقولهم: يتصرَّف بالمصلحة، وقد يراه مصلحةً. ولا ضَمانَ عليه إن تَلِفَ؛ لعدم تفريطه. وفي «الكافي»: لا يُودِعُه إلاَّ لحاجةٍ، وأنَّه يُقرِضُه لحظِّه بلا رَهْنٍ. (وَشِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُمَا)؛ لأِنَّه مصلحةٌ؛ لكَونه يُحصِّل منه المغل مع بقاء

стр. 3012

الأصل، وإذا جازت المضارَبةُ فيه؛ فهذا أَوْلَى. (وَبِنَاؤُهُ)؛ لأِنَّه في معْنَى الشِّراء، إلا (١) أن يكون الشِّراء أحظ (٢) وهو مُمْكِنٌ، فيتعيَّن تقديمُه، (بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ (٣)، وكذا في «الوجيز»؛ لأِنَّه العُرْفُ. وقال الأصحابُ: يَبْنِيهِ بالآجُرِّ دُونَ اللَّبِن؛ لأِنَّه إذا هُدِم فَسَدَ، بخلاف الأوَّل، ولا بالجِصِّ؛ لأِنَّه يَلْتَزِقُ (٤) بالآجُرِّ، ولو قدر؛ فيُفْضِي إلى كَسْره (٥). وفي «المغني»: (والذي أراه أنَّ له بناءَه بما يرى الحظَّ فيه، وليس كلُّ الأماكن يُبْنَى فيها بالآجُرِّ، ولا يُقدَر فيها على الجيِّد، وإنْ وُجِد؛ فبقيمةٍ (٦) كثيرةٍ جِدًّا، فلو قُيِّد البِناءُ بذلك أفْضَى إلى فوات الحظِّ، فيُحمل قولهم على مَنْ عادتُهم البناء به (٧)؛ كالعراق ونحوِها، ولا يَصِحُّ حَمْلُه في حقِّ غيرهم). (إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ)، هذا راجِعٌ إلى قوله: (ولوليِّهما) إلى آخره؛ لأِنَّ المصلحةَ إذا انْتَفَتْ في شَيءٍ من ذلك؛ لم يكن قُرْبانًا بالَّتي هي أحسنُ، وقد نُهِيَ عنه. وظاهر «الشَّرح»: أنَّه راجِعٌ إلى الشِّراء والبناء. وفيه شَيءٌ. (وَلَهُ شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ لِلْيَتِيمِ الْمُوسِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ (٨)؛ لأِنَّه يومُ عِيدٍ وفَرَحٍ،

стр. 3013

وجَبْر قلبه، وإلحاقه بمَنْ له أبٌ؛ كالثِّياب الحسنة مع استحباب التَّوْسِعة في هذا اليوم. وهذا إذا كان موسِرًا لا يتضرَّر بشرائها. فعلى هذا: يَحرُم صدقتُه (١) منها. وفي «الانتصار» عن أحمدَ: يَجِب؛ لقوله: للوصيِّ التَّضحيةُ عن اليتيم من ماله (٢)، فدلَّ أنَّها كزكاةٍ. وعنه: لا يجوز ذلك؛ لأِنَّها إخراجٌ من ماله بغير عِوَضٍ، فلم يَجُزْ كالهديَّة. وحَمَلَ في «المغني» كلامَ أحمدَ على حالَينِ؛ فيمنع (٣) منها إذا كان الطِّفلُ لا يَعْقِلُها، ولا يفرح بها، ولا يَنكسِرُ قلبه بتَرْكها، وعكسه بعكسه. فائدةٌ: ويَفعَل في مال اليتيم ما هو أرْفَقُ له؛ من خَلْطٍ وإفْرادٍ، فلو مات مَنْ يتَّجِر ليتيمه (٤) ولنفسه بماله، وقد اشترى شيئًا، ولم يُعرَف لمن هو، فالمذهب: أنَّه يُقرَع، فمن قرع حلف وأخذ. وله الإذْنُ لصغيرةٍ في لَعِبٍ بِلُعَبٍ (٥) غير مصوَّرةٍ، وشراؤها بمالِها، نَصَّ عليهما (٦). (وَتَرْكُهُ فِي الْمَكْتَبِ)؛ لِيَتعلَّم الخَطَّ وما يَنفَعُه، (وَأَدَاءُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ)؛ لأِنَّه من مصالحه، أشْبَهَ نفقةَ (٧) مَأْكُولِه ومَلْبُوسه.

стр. 3014

وكذا مداواتُه بأُجْرةٍ بغير إذْنِ حاكِمٍ، نَصَّ عليه (١). ويجوز أن يُسْلِمَه في صناعةٍ لمصلحته، قاله (٢) في «الشَّرح». وله حملُه بأُجْرةٍ؛ لِيَشْهَد الجماعةَ، قاله في «المجرد» و «الفصول». وإذْنُه في تصدُّقه بيسيرٍ، قاله في «المذهب». (وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُمَا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ)؛ كحاجتهما إلى نفقةٍ، أوْ كِسوةٍ، أوْ قضاءِ دَينٍ، وليس له (٣) ما يَدفَع به حاجتَه؛ لأِنَّ الضَّرورةَ لا بُدَّ من دَفْعِها، (أَوْ غِبْطَةٍ)؛ بأنْ يُزاد في ثمنه زيادةً على ثمن المثل، قاله القاضي في الموضِعَينِ المذكورَينِ، وذكر هذا في «الفروع» قولاً، ثُمَّ فسَّرها المؤلِّفُ تَبَعًا لأِبِي الخَطَّاب: (وَهُوَ أَنْ يُزَادَ فِي ثَمَنِهِ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا)؛ لتكونَ المصلحةُ ظاهِرةً بيِّنةً. والمذهَبُ: أنَّ للولِيِّ البيعَ للمصلحة بدون ما ذَكَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّه قد يكون بَيعُه أَوْلَى؛ لكونه في مكان لا غلَّةَ (٤) فيه، أو فيه غلةٌ (٥) يسيرةٌ، أو لِسوءِ الجار، أو لِيَعْمُر به عَقارَه الآخَرَ، أو لمصلحةٍ غيرِ ذلك. قال في «الشَّرح»: (متى كان الحظُّ في بَيعه جاز، وإلاَّ فلا، وهذا اخْتِيارُ شيخنا، وهو الصَّحيح إن شاء الله تعالى). وحاصِلُه: أنَّه لا يُباعُ إلاَّ بثَمَنِ المثل، فلو نقص منه؛ لم يصِحَّ، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح». (وَإِنْ وَصَّى لِأَحَدِهِمَا بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِإِعْسَارِ الْمُوصَى

стр. 3015

لَهُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ)؛ لأِنَّه مصلحةٌ محْضةٌ لا ضَرَرَ فيها، (وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُهَا)؛ أيْ: إذا لَزِمَتْه النَّفقةُ حَرُم على الولِيِّ قَبولُها؛ لِمَا فيه من الضَّرَر بتفويت مالِه بالنَّفقة عليه.
следующие страницы →