← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وقَولُه: (بِرَهْنٍ) يَحتَمِل أنَّه شَرْطٌ فِيهمَا، فيَأخُذُ على الثَّمن في الأُولَى رَهْنًا، قال في «الشَّرح»: أوْ كفيلاً مُوثِّقًا به، فيَحفَظ الثَّمَن به، وفي الثَّانية واضِحٌ. وظاهِرُه: أنَّه لا يجوز بغير رَهْنٍ؛ لأِنَّه قد لا يَأْمَنُ عَوْدَه لِفَلَسٍ ونحوِه، وقاله أيضًا في «التَّرغيب» و «المُذهب»، زاد في «المستوعب»: وإشهادٍ، فيه روايتان. فإنْ أمْكَنَه أخْذُ الرَّهْن وتَرْكُه؛ فاحْتِمالان. والمذهَبُ: جوازُهما لمصلحةٍ، جزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع». وذكر في «المغني» و «الشَّرح»: يُقرِضُه لحاجةِ سَفَرٍ، أو خَوفٍ عليه، أو غيرِهما. وعلى المذهب: لا يُقرِضه إلاَّ لملِيءٍ أمينٍ؛ لِيَأْمَنَ جُحودَه، ويَقدِرَ على الإيفاء، ذَكَرَه في «الشَّرح». ولا يُقرِضُه لِمودَّةٍ ومُكافَأَةٍ، نَصَّ عليه (١). فَرْعٌ: له إيداعُه مع إمْكانِ قَرْضِه، ذَكَرَه في «المغني»، وظاهِرُه: متى جاز إيداعُه. وظاهِرُ كلامِ الأكثرِ: يجوز إيداعُه؛ لقولهم: يتصرَّف بالمصلحة، وقد يراه مصلحةً. ولا ضَمانَ عليه إن تَلِفَ؛ لعدم تفريطه. وفي «الكافي»: لا يُودِعُه إلاَّ لحاجةٍ، وأنَّه يُقرِضُه لحظِّه بلا رَهْنٍ. (وَشِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُمَا)؛ لأِنَّه مصلحةٌ؛ لكَونه يُحصِّل منه المغل مع بقاء

стр. 3012

الأصل، وإذا جازت المضارَبةُ فيه؛ فهذا أَوْلَى. (وَبِنَاؤُهُ)؛ لأِنَّه في معْنَى الشِّراء، إلا (١) أن يكون الشِّراء أحظ (٢) وهو مُمْكِنٌ، فيتعيَّن تقديمُه، (بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ (٣)، وكذا في «الوجيز»؛ لأِنَّه العُرْفُ. وقال الأصحابُ: يَبْنِيهِ بالآجُرِّ دُونَ اللَّبِن؛ لأِنَّه إذا هُدِم فَسَدَ، بخلاف الأوَّل، ولا بالجِصِّ؛ لأِنَّه يَلْتَزِقُ (٤) بالآجُرِّ، ولو قدر؛ فيُفْضِي إلى كَسْره (٥). وفي «المغني»: (والذي أراه أنَّ له بناءَه بما يرى الحظَّ فيه، وليس كلُّ الأماكن يُبْنَى فيها بالآجُرِّ، ولا يُقدَر فيها على الجيِّد، وإنْ وُجِد؛ فبقيمةٍ (٦) كثيرةٍ جِدًّا، فلو قُيِّد البِناءُ بذلك أفْضَى إلى فوات الحظِّ، فيُحمل قولهم على مَنْ عادتُهم البناء به (٧)؛ كالعراق ونحوِها، ولا يَصِحُّ حَمْلُه في حقِّ غيرهم). (إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ)، هذا راجِعٌ إلى قوله: (ولوليِّهما) إلى آخره؛ لأِنَّ المصلحةَ إذا انْتَفَتْ في شَيءٍ من ذلك؛ لم يكن قُرْبانًا بالَّتي هي أحسنُ، وقد نُهِيَ عنه. وظاهر «الشَّرح»: أنَّه راجِعٌ إلى الشِّراء والبناء. وفيه شَيءٌ. (وَلَهُ شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ لِلْيَتِيمِ الْمُوسِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ (٨)؛ لأِنَّه يومُ عِيدٍ وفَرَحٍ،

стр. 3013

وجَبْر قلبه، وإلحاقه بمَنْ له أبٌ؛ كالثِّياب الحسنة مع استحباب التَّوْسِعة في هذا اليوم. وهذا إذا كان موسِرًا لا يتضرَّر بشرائها. فعلى هذا: يَحرُم صدقتُه (١) منها. وفي «الانتصار» عن أحمدَ: يَجِب؛ لقوله: للوصيِّ التَّضحيةُ عن اليتيم من ماله (٢)، فدلَّ أنَّها كزكاةٍ. وعنه: لا يجوز ذلك؛ لأِنَّها إخراجٌ من ماله بغير عِوَضٍ، فلم يَجُزْ كالهديَّة. وحَمَلَ في «المغني» كلامَ أحمدَ على حالَينِ؛ فيمنع (٣) منها إذا كان الطِّفلُ لا يَعْقِلُها، ولا يفرح بها، ولا يَنكسِرُ قلبه بتَرْكها، وعكسه بعكسه. فائدةٌ: ويَفعَل في مال اليتيم ما هو أرْفَقُ له؛ من خَلْطٍ وإفْرادٍ، فلو مات مَنْ يتَّجِر ليتيمه (٤) ولنفسه بماله، وقد اشترى شيئًا، ولم يُعرَف لمن هو، فالمذهب: أنَّه يُقرَع، فمن قرع حلف وأخذ. وله الإذْنُ لصغيرةٍ في لَعِبٍ بِلُعَبٍ (٥) غير مصوَّرةٍ، وشراؤها بمالِها، نَصَّ عليهما (٦). (وَتَرْكُهُ فِي الْمَكْتَبِ)؛ لِيَتعلَّم الخَطَّ وما يَنفَعُه، (وَأَدَاءُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ)؛ لأِنَّه من مصالحه، أشْبَهَ نفقةَ (٧) مَأْكُولِه ومَلْبُوسه.

стр. 3014

وكذا مداواتُه بأُجْرةٍ بغير إذْنِ حاكِمٍ، نَصَّ عليه (١). ويجوز أن يُسْلِمَه في صناعةٍ لمصلحته، قاله (٢) في «الشَّرح». وله حملُه بأُجْرةٍ؛ لِيَشْهَد الجماعةَ، قاله في «المجرد» و «الفصول». وإذْنُه في تصدُّقه بيسيرٍ، قاله في «المذهب». (وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُمَا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ)؛ كحاجتهما إلى نفقةٍ، أوْ كِسوةٍ، أوْ قضاءِ دَينٍ، وليس له (٣) ما يَدفَع به حاجتَه؛ لأِنَّ الضَّرورةَ لا بُدَّ من دَفْعِها، (أَوْ غِبْطَةٍ)؛ بأنْ يُزاد في ثمنه زيادةً على ثمن المثل، قاله القاضي في الموضِعَينِ المذكورَينِ، وذكر هذا في «الفروع» قولاً، ثُمَّ فسَّرها المؤلِّفُ تَبَعًا لأِبِي الخَطَّاب: (وَهُوَ أَنْ يُزَادَ فِي ثَمَنِهِ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا)؛ لتكونَ المصلحةُ ظاهِرةً بيِّنةً. والمذهَبُ: أنَّ للولِيِّ البيعَ للمصلحة بدون ما ذَكَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّه قد يكون بَيعُه أَوْلَى؛ لكونه في مكان لا غلَّةَ (٤) فيه، أو فيه غلةٌ (٥) يسيرةٌ، أو لِسوءِ الجار، أو لِيَعْمُر به عَقارَه الآخَرَ، أو لمصلحةٍ غيرِ ذلك. قال في «الشَّرح»: (متى كان الحظُّ في بَيعه جاز، وإلاَّ فلا، وهذا اخْتِيارُ شيخنا، وهو الصَّحيح إن شاء الله تعالى). وحاصِلُه: أنَّه لا يُباعُ إلاَّ بثَمَنِ المثل، فلو نقص منه؛ لم يصِحَّ، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح». (وَإِنْ وَصَّى لِأَحَدِهِمَا بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِإِعْسَارِ الْمُوصَى

стр. 3015

لَهُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ)؛ لأِنَّه مصلحةٌ محْضةٌ لا ضَرَرَ فيها، (وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُهَا)؛ أيْ: إذا لَزِمَتْه النَّفقةُ حَرُم على الولِيِّ قَبولُها؛ لِمَا فيه من الضَّرَر بتفويت مالِه بالنَّفقة عليه.

стр. 3016

(فَصْلٌ) (وَمَنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ) لِرُشْده أو بلوغه، ودُفِع إليه مالُه، (فَعَاوَدَ السَّفَهَ؛ أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ) في قول الجماهير؛ لِمَا رَوَى عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ: «أنَّ عبدَ الله ابنَ جعفرٍ ابْتاعَ بَيعًا، فقال عَلِيٌّ: لآَتِيَنَّ عثمانَ لِيَحْجُرَ عليك، فأتى عبدُ الله بنُ جعفرٍ الزُّبَيرَ، فذكر ذلك له، فقال الزُّبَيرُ: أنا شريكُك في البيع، فأتى عليٌّ عثمانَ فذكر له القضيَّة، فقال الزُّبَيرُ: أنا شريكه في البيع، فقال عثمانُ: كيف أحْجُر على رجلٍ شريكُه الزُّبَيرُ» رواه الشَّافِعيُّ، قال أحمدُ: لم أسْمَعْ هذا إلاَّ من أبي يوسفَ القاضي (١)، وهذه قضيَّةٌ اشْتَهَرتْ، ولم تُنكَرْ، فكانَتْ إجْماعًا، ولأِنَّه سَفِيهٌ فيُحجَر (٢) عليه، كما لو بلغ سَفِيهًا؛ نَظَرًا إلى دَوَرانِ الحُكمْ مع العِلَّة. والحاجِرُ هنا: الحاكِمُ؛ نقله الجماعةُ (٣)، وهو وليُّه. وقيل: أو أبوه.

стр. 3017

وقيل: إن زال الحَجْرُ برُشْده بلا حُكْمٍ؛ عاد بمجرَّده. وجْهُ الأوَّلِ: أنَّ التَّبذيرَ يَختَلِف، فيحتاج إلى الاجتهاد، وإذا افتقر السَّبب إلى الاجتهاد؛ لم يَثْبُت إلاَّ بحكم الحاكم، كالحَجْر على المفلس، بخلاف الجنون، فإنَّه لا يفتقر إلى الاجتهاد بغير خلافٍ (١). فَرْعٌ: لو فَسَقَ، ولم يُبذِّرْ؛ لم يُحْجَرْ عليه، وإن اعْتُبِر في رُشْده إصْلاحُ دِينِه؛ فوجْهانِ. (وَلَا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلاَّ الْحَاكِمُ)؛ لأِنَّ الحَجْرَ عليه يَفْتَقِر إلى الحاكم، فكذا النَّظر في ماله، (وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ)؛ أيْ: عن السَّفيه (إِلاَّ بِحُكْمِهِ) على الصَّحيح؛ لأِنَّه حَجْرٌ ثبت بحكمه، فلم يَزُلْ إلاَّ به كالمفلِس. (وَقِيلَ: يَنْفَكُّ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ رُشْدِهِ)، قاله أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ سببَ الحَجْر زال؛ فيزول بزواله، كما في حقِّ الصَّبِيِّ والمجنون. وجوابُه: بأنَّ الرُّشد يَفْتَقِر إلى اجْتهادٍ في معرفته وزوال تبذيره، فكان كابتداء الحَجْر عليه، وفارق الصَّبيَّ والمجنون، فإنَّ الحَجْر عليهما بغَير حُكْمِ حاكِمٍ، فيزول بغَير حُكمِه. فَرْعٌ: الشَّيخُ الكبيرُ يُنكَر عَقْلُه؛ يُحْجَر عليه، قاله أحمدُ (٢)؛ يعني (٣): إذا كَبِر، واخْتَلَّ عَقْلُه كالمجنون؛ لِعَجْزه عن التَّصرُّف في ماله. ونقل المرُّوذِيُّ: أرى أن يَحْجُر الاِبْنُ على الأب إذا أسْرَف، يَضَعُه في الفساد وشراء المغنِّيات ونحوه (٤). (وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ)؛ لِيَظْهَر أمْرُه، (وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ)، وقد صرَّح

стр. 3018

بالعِلَّة فقال: (لِتُجْتَنَبَ (١) مُعَامَلَتُهُ)، وقد عُلِمَ منه: أنَّ الإشهادَ عليه ليس بِشَرطٍ؛ لأِنَّه يَنتَشِر أمْرُه لِشُهرته، وإن رأى الحاكِمُ أنْ يُنادَى عليه بذلك ليَعْرِفَه (٢) النَّاس؛ فَعَلَ، قاله في «الشرح» (٣). (وَيَصِحُّ تَزَوُّجُهُ (٤) بِإِذْنِ وَلِيِّهِ)، قاله أبو الخَطَّاب، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأِنَّه لا يَأْذنُ إلاَّ بما فيه مصلحةٌ له، وحاجتُه تدعو إليه، وليس مآلُه إلى التَّبذير. وظاهِرُه: أنَّه لا يَصِحُّ بغير إذْنه؛ لأِنَّه تصرُّفٌ يَجِبُ به مالُ، فلم يصِحَّ بغَير إذْنِ وليِّه؛ كالشِّراء. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ)، جزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأِنَّه عَقْدٌ غَيرُ مالِيٍّ، فصحَّ منه؛ كخُلْعه وطلاقه، ولزوم المال فيه بطريق الضِّمْن. وفي إجباره وجهان. فإن أذن؛ ففي لزومه تعيين المرأة وجهان. ويتقيَّد بمهر المثل، ويحتمل لزومه زيادةً أَذِن فيها، كتزويجه (٥) بها في وجْهٍ. فإن عضله؛ استقلَّ. وإن علم أنَّه يُطلِّق؛ اشترى له جاريةً. وإن خالع على مالٍ؛ لم يدفع إليه. وقال القاضي: بلى.

стр. 3019

فعلى الأوَّل: إذا أتلفه بعد قبضه؛ لا ضمان عليه، ولا تبرأ المرأة بدفعه إليه (١)، وهو من ضمانها إن أتلفه أو تلف في يده؛ لأنَّها سلَّطته عليه. (وَهَلْ يَصِحُّ عِتْقُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أرْجَحُهما، وجزم به في «الوجيز»: أنَّه لا يصحُّ؛ لأِنَّه تبرُّعٌ، أشْبَهَ هِبتَه ووَقْفَه، ولأنَّه محجورٌ عليه لحِفْظ مالِه، فلم يَصِحَّ؛ كعِتْق الصَّبيِّ. والثَّانية: بلى؛ لأنَّه عتقٌ من مكلَّفٍ تامِّ الملك، فصحَّ؛ كالمفلِس والرَّاهن. ورُدَّ: بأنَّ الحَجر عليهما لحقِّ غيرهما، وفي عِتقهما خلافٌ. وظاهره: أنَّه يصحُّ تدبيره ووصيَّته؛ لأنَّ ذلك محْضُ مصلحةٍ (٢)؛ لأنَّه تقرُّبٌ إلى الله تعالى بماله بعد غناه عنه (٣). وكذا يصحُّ استيلاده، وتعتق (٤) الأمة بموته؛ لأنَّه إذا صحَّ من المجنون؛ فمن السَّفيه أَوْلى. فَرْعٌ: يكفِّر بصومٍ كمفلِسٍ، وإن فُكَّ حَجْرُه قبل تكفيره وقدر؛ عتق، ويستقلُّ بما لا يتعلَّق بالمال مقصوده. (وَإِنْ أَقَرَّ)؛ أي: المحجورُ عليه (بِحَدٍّ)؛ أي: بما يوجبه؛ كالزِّنى والسَّرقة، (أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ نَسَبٍ، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ؛ أُخِذَ بِهِ)، قال ابن المنذر: (هو إجماعُ من نَحفَظ (٥) عنه) (٦)؛ لأنَّه غيرُ متَّهَمٍ في نفسه، والحَجْرُ إنَّما يتعلَّق

стр. 3020

بماله، فنقل (١) على نفسه؛ إذ الحجر لا تعلُّق له به، والطَّلاق ليس بتصرُّفٍ في المال، فلا يمنع كالإقرار بالحدِّ، بدليل: أنَّه يصحُّ من العبد بغير إذْنِ سيِّده مع منعه من التَّصرُّف في المال. تنبيهٌ: لو أقرَّ بما يُوجِب قصاصًا، فعفى المقَرُّ له على مالٍ؛ فوجهان (٢). (وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ)؛ كالدَّين، أوْ ما (٣) يُوجِبُه؛ كجناية الخطأ، وشبه العَمْد، وإتْلاف المال، وغَصْبِه؛ (لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ)؛ لأِنَّه محجورٌ عليه لِحَظِّهِ، أشْبَهَ الصَّبِيَّ، ولو قبلناه (٤) في الحال؛ لَزال معنى الحَجْر. وظاهِرُه: أنَّه يَلزَمُه ما أقرَّ به بعد فَكِّ الحَجْر عنه في قول عامَّة الأصحاب؛ لأِنَّه مكلَّف، فيَلزَمُه ما أقرَّ به عند زواله؛ كالرَّاهِن والمفلِسِ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَلْزَمَهُ مُطْلَقًا)، اختاره المؤلِّف، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ المنْعَ من نُفُوذ إقراره في حال الحَجْر عليه حَفِظ ماله ودَفَع الضَّرَر عنه، ونفوذه بعد فَكِّه عنه لا يُفِيدُ إلاَّ تأخيرَ الضَّرر عليه إلى أكمل حالتَيهِ، لكن إنْ عُلِم صحَّةُ ما أقرَّ (٥) به؛ كدَينِ جنايةٍ ونحوِه؛ لَزِمه أداؤه، ذَكَرَه في «الشَّرح» و «الوجيز». (وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّهِ؛ حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ) على ما سَلَفَ؛ لأِنَّ وِلايتَه على السَّفِيه لِحَظِّهِ، أشْبَهَ وَلِيَّ الصَّبِيِّ (٦).

стр. 3021

(فَصْلٌ) (وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ٦]، ولِمَا رَوَى عَمْرُو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنِّي فقيرٌ، وليس لي شَيءٌ، ولي يتيمٌ، فقال: «كُلْ مِنْ مال يتيمك غَيرَ مُسْرِفٍ» رواه أبو بكرٍ (١)، وروى ابنُ بَطَّةَ عن الحسن العُرَنِيِّ مرفوعًا معناه (٢)، ولأِنَّه إنَّما (٣) يَستحِقُّ بعمله فتقيَّد بقدْره. والمذهبُ - كما جزم به الجماعةُ -: أنَّ له الأقلَّ من أُجْرةِ مِثْله أو قدر كفايته؛ لأِنَّه يَسْتحِقُّه بالعمل والحاجة جميعًا، فلم يَجُزْ أن يأخذ إلاَّ ما وُجد فيه (٤).

стр. 3022

وفي «الإيضاح»: إذا قدَّره حاكِمٌ. وقيَّده (١) في «الرِّعاية» و «الوجيز»: إن شغله ذلك عن كسبِ ما يقوم بكِفايته، قال ابنُ رَزِينٍ: يأكلُ فقيرٌ، ومن يَمنَعه من معاشه بمعروفٍ. وظاهِرُه: أنَّه لا يَحِلُّ له تناوُل شيءٍ مع غناه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النِّسَاء: ٦]. وعنه: بلى، اختاره ابنُ عَقيلٍ؛ كالعمل في الزَّكاة، وحمل الآية على الاستحباب. وعنه: لا يجوز للوصيِّ أن يأكُلَ شيئًا من مال اليتيم مطلَقًا. (وَهَلْ يَلْزَمُهُ عِوَضُهُ (٢) إِذَا أَيْسَرَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: الأصحُّ: أنَّه لا يَلْزَمُه؛ لأِنَّ ذلك جُعِلَ عِوَضًا له عن عَمَلِه، فلم يَلْزَمْه عِوَضُه؛ كالأجير والمضارب، ولأِنَّه تعالى (٣) أَمَرَ بالأكل، ولم يَذكُرْ عِوَضًا. والثانية: بلى، وقاله مجاهِدٌ، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ؛ لأِنَّه استباحةٌ بالحاجة من مال غيره، فلَزِمه عِوَضُه؛ كالمضْطَرِّ إلى طعامِ غيرِه. وجوابُه: بأنَّ العِوَض وجب عليه في ذمَّته، بخلافه هنا. وهذا الخلافُ في غير الأب، قاله في «المغني» و «الشَّرح». وإذا قُلْنا بِرَدِّ (٤) البدل؛ فيتوجَّه يرده (٥) إلى الحاكِمِ؛ لأِنَّه لا يُبرِّئُ (٦) نفسَه بنفسه.

стр. 3023

(وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي (١) النَّاظِرِ (٢) فِي الْوَقْفِ) إذا لم يَشْرِط له شَيئًا، وهذا التَّخريجُ ذَكَره أبو الخَطَّاب وغيرُه؛ لأِنَّه يساوي الوصِيَّ مَعْنًى وحُكْمًا. ونَصَّ أحمدُ في النَّاظِر: أنَّه يأكل بمعروفٍ، وظاهِرُه: ولو لم يكن محتاجًا، قاله في «القواعد» (٣). وعنه: أيْضًا إذا اشْتَرط، قيل له: فيَقْضِي دَينَه؟ قال: (ما سمعتُ) (٤)، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: لا يُقدَّم بمعلومه بلا شرطٍ إلاَّ أن يأخذ أُجْرةَ عمله مع فقره؛ كوصيِّ اليتيم (٥). وفرَّق القاضي بين الوصيِّ: بأنَّه لا يُمكنه موافقتُه على الأجرة، والوكيلِ يُمكنه. (وَمَتَى زَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ (٦)، فَادَّعَى عَلَى الْوَلِيِّ تَعَدِّيًا، أَوْ مَا يُوجِبُ ضَمَانًا)؛ كدَعْوَى النَّفقة، وقدرها، ووجود الغبطة والضَّرورة والمصلحة، والتَّلَف؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ) مع يمينه؛ لأِنَّه يُقبَلُ قَولُه في عَدَم التَّفريط، فكذا هنا؛ كالمودَع، وهذا ما لم يُخالِفْ عادةً وعُرْفًا. وظاهِرُه: أنَّه يُحَلَّف الولِيُّ، ولو كان حاكِمًا، وهو روايةٌ. والمذهَبُ: أنَّه لا يُحلَّفُ الحاكِمُ. فلو قال: أنفقْتُ عليك منذ سنَتَينِ، فقال: منذ سنةٍ؛ قُدِّم قَولُ الصَّبيِّ؛ لأِنَّ الأصلَ موافقته (٧).

стр. 3024

وظاهِرُه: أنَّ الحظَّ والغبطةَ لا تفتقر إلى ثبوت ذلك عند الحاكِم. (وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي دَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ رُشْدِهِ)، هذا هو المذهبُ؛ لأِنَّه أمينٌ، أشْبَهَ المودَعَ. وقيل: يُقبَل قَولُ الصَّبِيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النِّسَاء: ٦]، فمتى تَرَكَ الإشْهادَ؛ فقد فرَّط، فلزمه الضَّمانُ، فعليه: لا يُقبَلُ قَولُ الولِيِّ إلاَّ بِبَيِّنةٍ. وكذلك الحُكمُ في المجنون والسَّفيه. (وَهَلْ لِلزَّوْجِ) الرَّشيدِ، قالَهُ في «الرِّعاية»، (أَنْ يَحْجُرَ عَلَى امْرَأَتِهِ)؛ أي (١): الرَّشيدة (فِي التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ مَالِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «الرِّعاية»: أرجَحُهما: ليس له مَنْعُها، وهي ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، وجزم بها في «الوجيز»، وقدَّمها في «الفروع»؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النِّسَاء: ٦]، وهِيَ ظاهِرةٌ في فَكِّ الحَجْر عنهنَّ، وإطْلاقِهنَّ في التَّصرُّف، بدليل قوله ﵇: «يا معشَرَ النِّساء تصدَّقْنَ ولو من حُلِيِّكُنَّ» (٢)، وكُنَّ يَتصدَّقْنَ ويَقبَلُ مِنْهنَّ، ولم يستفصل، ولأِنَّ مَنْ وجَبَ دَفْعُ ماله إليه لِرُشْده؛ جاز له التَّصرُّف بغير إذْنٍ؛ كالغلام. والثَّانية: يَمْلِك مَنْعَها من ذلك؛ أي: بزيادة على الثُّلث، نَصَرَه القاضي وأصحابُه؛ لِمَا روى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَجوزُ للمرأة عطيَّةٌ في (٣) مالها إلاَّ بإذْن زَوجها؛ إذْ (٤) هُوَ مالِكُ عِصْمتها»

стр. 3025

رواه أبو داودَ (١)، ولأِنَّ حقَّ الزَّوج يتعلَّق بمالها ويَنتفِعُ به، وإذا أَعْسَرَ بالنَّفقة أنظرتْه، فجرى مجرى حقوق الورثة المتعلِّقة بمال المريض. وجوابُه: بأنَّ شُعَيبًا لم يُدرِكْ عبدَ الله بنَ عَمْرٍو، وليس لهم حديثٌ يَدُلُّ على تحديد (٢) المنْع بالثُّلث، وقياسُهم على المريض فاسِدٌ؛ لأِنَّ المرضَ سببٌ يُفْضِي إلى وصول المال إليهم بالميراث، والزَّوجيَّة إنَّما تجعلُه من أهل الميراث، فهي أحَدُ وَصْفَي العِلَّة، فلا يَثْبُت الحكمُ بمجرَّدها، كما لا يَثْبُت لها الحَجْرُ على زَوجها. وظاهِرُه: أنَّه لا يَمْلِك مَنْعَها في التَّبرُّع بما دون الثُّلث. وعنه: بلى، صحَّحها في «عيون المسائل»، قال: لا تَهَبُ شَيئًا إلاَّ بإذْنِه، ولا يَنفُذُ عِتْقُها إلاَّ بإذْنه؛ لظاهر الخبر.

стр. 3026

(فَصْلٌ فِي الْإِذْنِ) (يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، جزم به في «الوجيز»، وهو المرجَّح؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى … (٦)﴾ [النِّسَاء: ٦]؛ أي: اخْتَبِروهم لِتَعْلَمُوا رُشْدَهم، وإنَّما يُتَحقَّقُ ذلك بتفويض الأمر إليهم من البيع والشِّراء ونحوه، ولأِنَّه عاقِلٌ محجورٌ عليه، فصحَّ تصرُّفه بإذن وليِّه؛ كالعبد. والثَّانية: لا يَصِحُّ حتَّى يَبلُغَ؛ لأِنَّه غَيرُ مكلَّفٍ؛ كغير المميِّز، ولأِنَّ العقلَ لا يُمكِن الوقوفُ منه على الحدِّ الَّذي يصلح به التَّصرُّف لِخَفائه، فجَعَلَ الشَّارِعُ له ضابِطًا، وهو البلوغُ. فعلى المذهب: لو تصرَّف بلا إذن لم يصِحَّ. وقيل: بلى ويَقِفُ على الإجازة، وبَنَاهُما في «الشَّرح» على تصرُّف الفُضولِيِّ. (وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ)، بِغَير خلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّ الحَجْر عليه إنَّما كان لحقِّ السَّيِّد، فجاز له التَّصرُّف بإذْنه؛ لزوال المانِع. (وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا الْحَجْرُ إِلاَّ فِيمَا أَذِنَ لَهُمَا فِيهِ، وَفِي النَّوْعِ الذِي أُمِرَا بِهِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تصرف (٢) بالإذن من (٣) جهة آدَمِيٍّ، فَوَجَبَ أنْ يَختَصَّ بما أَذِن له فيه وأمَرَه به، دون غيره؛ كالوكيل والمضارِب. وفي «الانتصار» روايةٌ: إنْ أذِن لعبده في نَوعٍ، ولم يَنْهَ عن غيره؛ مَلَكَهُ؛ أي (٤): جاز أن يتَّجِرَ في غيره، ويَنفَكُّ عنه الحجر مطلَقًا؛ لأِنَّ إطْلاقَ الإذن

стр. 3027

لا يتبعَّضُ كبلوغ الصَّبيِّ. وجوابُه: بأنَّه يَنْتقِضُ بما (١) إذا أذِن له في شراء ثَوبٍ يلبسه ونحوه، والرِّقُّ سبب الحَجْر، وهو موجودٌ. وظاهر كلامهم: أنَّه كمضارِبٍ في البيع نسيئةً وغيرِه. ودلَّ كلامُه: على أنَّه إذا كان لاِثْنَينِ، فأذِن له أحدُهما؛ أنَّه لا يجوز له التَّصرُّف؛ لأِنَّه يقع بمجموعه. (وَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ (٢) أَنْ يُؤْجِرَ نَفْسَهُ، وَلَا يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ)؛ لأِنَّه عَقْدٌ على نفسه، فلا يَمْلِكُه إلاَّ بالإذن (٣)؛ كبيع نفسه وتزويجه، ولأِنَّ ذلك يَشْغَلُه عن التِّجارة المقصودة بالإذْن، وفي إيجار عبيده وبهائمه خلافٌ في «الانتصار». وفي صحَّة شراءِ مَنْ يعتق على سيِّده وامرأته، وزَوج ربَّة المال؛ وجهان؛ أصحُّهما: صحَّتُه. وعليه: إن صحَّ وعليه دَينٌ؛ فقيل: يعتق، وقيل: يُباع فيه، ومثلُه مُضارِبٌ، والأَشْهَر يصحُّ كمن نذر عِتقَه وشراءه مَنْ حلف لا يملكه. (وَهَلْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (٤): أحدهما: لا يجوز، جَزَم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه متصرفٌ (٥) بالإذْن، فاخْتَصَّ بما أُذِن فيه. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّه ملك (٦) التَّصرُّف بنفسه، فمَلَكه بنائبه؛ كالمالك

стр. 3028

الرَّشيد، ولأِنَّه أقامه مقامَ نفسه. (وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ أَوْ وَلِيُّهُ يَتَّجِرُ فَلَمْ يَنْهَهُ (١)؛ لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا لَهُ)؛ كتزويجه وبَيعِه مالَه؛ لأِنَّه تصرُّفٌ يَفْتَقِر إلى الإذْن، فلم يَقُمِ السُّكوتُ مَقامَه، كما لو تصرَّف أحدُهما في الرَّهن، والآخَرُ ساكِتٌ، وكتصرُّف الأجانب. (وَمَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ)، يقال: اسْتَدان، وادَّانَ، وتَدَيَّنَ؛ بمعنًى واحِدٍ؛ (فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ)؛ نَقَله الجماعة (٢)، (يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ، أَوْ يُسَلِّمُهُ)؛ كالجناية. (وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ)؛ لأِنَّ صاحِبَ الحقِّ رضِيَ بتأخيرِ حقِّه؛ لكَونِه عامَلَ مَنْ لا مالَ له. فعلى المذهب: إنْ أعْتَقه؛ فعلى مولاه، نَقَلَه أبو طالِبٍ (٣). (إِلَّا الْمَأْذُونَ لَهُ؛ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، وحاصِلُه أنَّ لِتَصرُّف العَبْد حالَتَينِ: إحداهما (٤): أنْ يكونَ غَيرَ مأذونٍ له، ولِتَصَرُّفه حالتانِ: إحداهما: أنْ يتصرَّف بِبَيعٍ أوْ شِراءٍ بعَين المال، فهذا لا يَصِحُّ على المذهب؛ كالغاصِب. وقيل: بلى، ويقف (٥) على الإجازة؛ كالفُضولِيِّ. الثَّانيةُ: أنْ يَتَصرَّفَ في ذمَّته، وفيه وجْهانِ، وحكاهما المجْدُ روايتَينِ: أحدهما (٦): يَصِحُّ تَصَرُّفه؛ إلْحاقًا له بالمفلِس؛ إذ الحَجْر عليه لحقِّ السَّيِّد.

стр. 3029

والثاني (١): لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه محجورٌ عليه؛ كالسَّفيه. فعلى الأوَّل: ما اشْتَراه، أو اقْتَرَضَه؛ إن وُجِد في يده انتُزِع (٢) منه؛ لتحقُّق إعْساره، قاله في «المغني» و «التَّلخيص»، وإنْ أخَذَه سيِّدُه؛ لم يُنتَزَع (٣) منه على المشهور؛ لِأنَّه وَجَدَ مملوكَه بحَقٍّ، أشْبَه ما لو وَجَد في يده صَيدًا ونحوَه. واخْتار في «التَّلخيص»: جوازَ الاِنْتِزاع منه؛ لِأنَّ الملْكَ وقَعَ للسَّيِّد ابْتداءً. وإنْ تَلِفَ بيد السَّيِّد؛ لم يَضْمَنْه، واستقرَّ ثمنُه في رقبة العبد أو ذمَّته على الخلاف، وكذا إنْ تَلِفَ في يد العبد. وعلى الثَّاني - وهو فساد التَّصرُّف -: يَرجِع مالِكُ العَين حيث وَجَدَها، فإن كانت تالِفةً؛ فله قِيمتُه، أو مثله إن كان مِثْلِيًّا، ثُمَّ إنْ كان التَّلَف في يد العَبْد؛ رَجَع عليه، وتعلَّق برَقَبَته كالجناية. وعنه: يَتعلَّق بذِمَّته؛ لعُموم ما رُوِيَ عن الفقهاء (٤) التَّابعين من أهل المدينة، قال: «كانوا يقولون: دَينُ المملوك في ذِمَّته» رواه البَيْهَقِيُّ في «سُنَنِه» (٥). وإنْ كان التَّلَفُ بيد السَّيِّد؛ فكذلك على مُقْتَضَى كلامِ المجْدِ. وفي «المغني» و «الشَّرح» و «التَّلخيص»: أنَّه يَرجِع إنْ شاء على السَّيِّد، وإنْ

стр. 3030

شاء على العَبْد. الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ مأْذُونًا له، فما اسْتَدانَه بِبَيعٍ أوْ قَرْضٍ، فأَشْهَرُ الرِّوايات: أنَّه يتعلَّق بذمَّة السَّيِّد؛ لأِنَّه غَرَّ النَّاسَ بمعامَلته، وقيَّده في «الوسيلة»: بما إذا كان قَدْرَ قيمتِه، والمذهب مطلقًا. ولا فَرْق في الذي اسْتَدانَه: بَينَ أنْ يكونَ في الَّذي أُذِن فيه، أوْ لا؛ بأنْ يأْذَنَ له في التِّجارة في البُرِّ (١) فيَتَّجِرَ في غَيرِه؛ لِأنَّه لا يَنفَكُّ أنْ يَظُنَّ النَّاسُ أنَّه مأْذُونٌ له في ذلك أيضًا. وعنه: يتعلَّقُ برقَبة العبد؛ كجِنايَتِه، ولِأنَّه قابِضٌ للمال المتصرِّف فيه، أشْبَهَ غَيرَ المأْذُون له. وعنه: يَتعلَّق بذمَّة السَّيِّد؛ لِإذْنه، ورَقَبة العبد؛ لقَبْضِه. وعنه: بذمته. ونَقَل صالِحٌ وعبدُ الله: يُؤخَذُ السَّيِّدُ بما ادَّان (٢) لِمَا أذِنَ له فيه فَقَطْ (٣). ونَقَل ابنُ منصورٍ: إذا ادَّانَ (٤)؛ فعلى سيِّده، وإنْ جَنَى فعلى سيِّده (٥). وفي «الرَّوضة»: إذا أذِنَ له مُطْلَقًا؛ لَزِمَه كلُّما ادَّان (٦)، وإنْ قيَّده بنوعٍ لم يَذكُرْ فيه اسْتِدانةً؛ فبرقبته؛ كغير المأذُون. وبنى (٧) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين الخِلاف: في أنَّ تصرُّفه مع الإذْن هل هو

стр. 3031

لسيِّده، فيتعلَّق ما (١) ادَّانَه بذمَّته كوكيله، أو لنفسه فيتعلَّق برَقَبَته؟ فيه روايتان (٢). ومَحَلُّ الخلاف: ما إذا ثبت ببيِّنةٍ أو إقرار السَّيِّد، أمَّا إذا أنكره السَّيِّدُ ولا بيِّنةَ به؛ فإنَّه يتعلَّق بذمَّة العبد إنْ أقرَّ به، وإلاَّ فهو هَدرٌ، قاله الزَّرْكَشِيُّ، ومُقْتَضَى كلامِ الأكثر جَرَيانُ الخلاف. (وَإِذَا بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ شَيْئًا؛ لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هذا ظاهر المذهب؛ لأِنَّه مملوكُه، فلا يَثْبُت له دَينٌ في ذِمَّته كغَير المأْذُون له. (وَيَصِحُّ فِي الآْخَرِ (٣) إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ)؛ لأِنَّه إذا قُلْنا: إنَّ الدَّينَ يتعلَّق برَقَبته؛ فكأنَّه صار مُسْتحَقًّا لأِصْحاب الدُّيون، فيصِيرُ كعَبْدِ غيرِه. وقيل: يَصِحُّ مُطلَقًا. (وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ (٤) فِيهِ)؛ لأِنَّ مُقْتَضَى الإقرارِ الصِّحَّةُ، تُرِكَ فِيما لَمْ يَأْذَنْ له فيه سَيِّدُه لحقِّ السَّيِّدِ، فوجَبَ أنْ يَبْقَى فِيما عَداهُ على مقتضاه. وظاهِرُه: أنَّه لا يَصِحُّ فِيما زاد؛ لِمَا ذكرنا. (وَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَفِي يَدِهِ مَالٌ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فَأَقَرَّ بِهِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ المانِعَ من (٥) صحَّة إقْراره الحَجْرُ عليه، وقد زال، ولأِنَّ تَصرُّفَه فيه صحيحٌ، فصحَّ إقْرارُه به كالحُرِّ. وقيل: لا يَصِحُّ إلاَّ في الشَّيْءِ اليسيرِ.

стр. 3032

(وَلَا يَبْطُلُ الْإِذْنُ بِالْإِبَاقِ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه لا يَمنَعُ ابْتِداءَ الإذْن له في التِّجارة، فلم يَمنَعِ اسْتِدامتَه، كما لو غَصَبَه غاصِبٌ، أوْ حُبِسَ بدَينٍ عليه، وكتدْبِيرٍ واسْتِيلادٍ. وقيل: يَبطُل به؛ لأِنَّه يُزِيلُ ولايةَ السَّيِّد عنه في التِّجارة، بدليلِ: أنَّه لا يجوز بَيعُه، ولا هِبَتُه. وجَوابُه: بأنَّ سببَ الولاية باقٍ، وهو الرِّقُّ، مع أنَّه يجوز بَيعُه وهِبَتُه لمن (١) يَقْدِر عليه، ويَبطُل بالمغصوب، وفيه بكتابةٍ وحُرِّيَّةٍ وأَسْرٍ؛ خِلافٌ في «الانتصار». وفي «الموجز» و «التَّبصرة»: يزول ملكُه بِحُرِّيَّةٍ وغيرِها؛ كحَجْرٍ على سيِّده. وليس إباقُه فُرْقَةً، نَصَّ عليه (٢). فَرْعٌ: له معامَلةُ عَبْدٍ، ولو لم يَثْبُت كَونُه مأْذُونًا له، خِلافًا «للنِّهاية»، نقل مهنَّى فِيمَنِ اشْتَرى من عبدٍ ثوبًا، فوجد (٣) به عَيبًا، فقال العبد: أنا غَيرُ مأْذُونٍ لي في التِّجارة؛ لم يُقبَل منه؛ لأِنَّه إنَّما أراد أن يَدفَع عن نفسه (٤)، ولو أنكر سيِّدُه إذْنَه؛ يتوجَّهُ الخِلافُ. وقال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين: إنْ عَلِمَ بتَصرُّفه لم يُقْبَلْ، ولو قُدِّر صِدْقُه، فتسليطه عدوانٌ منه (٥)؛ فيَضمَنُ (٦).

стр. 3033

وفي طريقة بعض أصحابنا: التُّجَّار أتْلَفُوا أموالهم لمَّا لم يسألوا (١) الولِيَّ؛ إذ الأصْلُ عدَمُ الإذْن للعبد، وهو ظاهِرٌ. (وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِهِبَةِ الدَّرَاهِمِ، وَكِسْوَةِ الثِّيَابِ)، ونحوه (٢)؛ لأِنَّ ذلك ليس من التِّجارة، ولا يَحتاج إليه؛ كغَير المأذون له، وظاهِرُه: وإنْ قَلَّ. (وَيَجُوزُ هَدِيَّتُهُ لِلْمَأْكُولِ، وَإِعَارَةُ دَابَّتِهِ)، وعَمَلُ دَعْوةٍ، ونحوُه، بلا إسْرافٍ؛ لأِنَّه « ﷺ كان يُجِيبُ دَعْوةَ المملوك» (٣)، وروى أبو سعيدٍ مَولى أبي أُسَيدٍ: «أنَّه تزوَّج فحضر دعوتَه جماعة من الصَّحابة، منهم: ابنُ مسعودٍ، وأبو حُذَيفةَ، وأبو ذَرٍّ؛ فأمَّهم، وهو يومئِذٍ عَبْدٌ» رواه صالِحٌ في «مسائله» (٤)، ولأِنَّه ممَّا جَرَتْ به عادةُ التُّجَّار فيما بَينَهم، فيدخل في عموم الإذْن. وقال في «النِّهاية»: الأظْهَر أنَّه لا يجوز؛ لأِنَّه تَبرُّعٌ بمالِ مولاه، فلم يَجُزْ؛ كنكاحه، وكمكاتَبٍ في الأصحِّ. (وَهَلْ لِغَيْرِ الْمَأْذُونِ الصَّدَقَةُ مِنْ قُوتِهِ بِالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):

стр. 3034

أصحُّهما: له ذلك بما لا يَضُرُّه؛ لأِنَّه مِمَّا جَرَتِ العادةُ بالمسامَحة فيه، فجاز؛ كصدقة المرأة من بَيت زَوجها. والثَّانية: المنْعُ منه؛ لأِنَّ المالَ لسيِّده، وإنَّما أَذِن له في الأكل، فلم يَمْلِك الصَّدقةَ به؛ كالضَّيف لا يَتصدَّقُ بما أُذِن له في أكْلِه. مسألةٌ: ما كَسَبَه العَبدُ غَيرُ المأْذُون من مُباحٍ، أوْ قَبِلَه مِنْ هِبَةٍ ووصيَّةٍ؛ فلسيِّده، وكذا اللُّقطة. وقيل: لا يَقبَل الكُلَّ إلاَّ بإذْنه. وإن قَبِل، أو الْتَقَط وعرَّف بلا إذْنه؛ فهو للعبد إنْ قُلْنا: يَمْلِك بالتَّمْليك، ولا يَصِحُّ قَبولُ سيِّده عنه مُطلَقًا، فإن لم يَمْلِكْ - واخْتاره الأصحابُ -؛ فهو لسيِّده يُعْتِقُه، ولسيِّده أخْذُه منه، ولا يتصرَّف في ملْكه إلاَّ بإذْن سيِّده. (وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ؟)؛ أيْ: باليسير؛ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ): المشهورُ في المذهب: لها ذلك؛ لِما رَوَتْ عائشةُ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : «إذا أنْفَقَت المرأةُ من طعامِ زَوجِها غَيرَ مُفْسِدةٍ؛ كان لها أجرُها بما أنْفَقَتْ، ولِزَوجها أجْرُه بما (١) كَسَب، وللخازِن مِثْلُ ذلك، لا يَنْقُصُ بعضُهم مِنْ أجْرِ بعضٍ شَيئًا» متَّفَقٌ عليه (٢)، ولم يَذْكُرْ إذْنًا؛ إذِ العادةُ السَّماحُ، وطِيبُ النَّفْس به، إلاَّ أنْ تَضْطَرِب العادةُ ويُشَكَّ في رضاه، أو (٣) يكونَ بَخِيلاً ويشكَّ في رضاه، فلا يجوز. والثَّانية: نَقَلَها أبو طالِبٍ (٤)؛ لِمَا رَوَى أبو أُمامةَ الباهِلِيُّ قال: سمعتُ

стр. 3035

رسول الله ﷺ يقول: «لا تُنْفِقُ المرأةُ شَيئًا مِنْ بَيتها إلاَّ بإذْن زَوجِها» قيل: يا رسول الله، ولا الطَّعام؟ قال: «ذلِكَ أفْضَلُ أمْوالِنا» رواه سعيدٌ (١)، ولأِنَّها تَبرَّعت بمالِ غيرها، فلم يَجُزْ كالصَّدقة بثيابه (٢). والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ أحاديثَها خاصَّةٌ صحيحةٌ، فتُقدَّم على غَيرها، والإذْنُ العُرْفِيُّ كالحقيقيِّ، إلاَّ أنْ يَمنَعَها من التَّصرُّف فيه مُطلَقًا، وكَمَنْ يُطْعِمُها ولم تَعلَمْ رضاه، ولم يُفرِّق أحمدُ. ويَلحَقُ بها: مَنْ كان في بَيته؛ كجاريته وعَبْده المتصرِّف في بَيت سيِّده؛ لوجود المعْنَى فيه.

стр. 3036

(بَابُ الْوَكَالَةِ) الوكالة، بفتح الواو وكسرها: التَّفويضُ، يقال وكَّله؛ أيْ: فوَّض إليه، ووكَّلْتُ أمْرِي إلى فلانٍ؛ أيْ: فوَّضْت إليه واكْتَفَيتُ به، وقد تُطلَقُ ويراد بها: الحفظُ. وهي اسمُ مصدَرٍ بمعنى التَّوكِيل. واصْطِلاحًا: التَّفويضُ في شَيءٍ خاصٍّ في الحياة. والأحْسَنُ فيها: أنَّها اسْتِنابَةُ الجائز التَّصرُّف مَثْلَه فيما تَدْخُلُه النِّيابةُ. وهي جائزةٌ بالإجماع (١)، وسَنَدُه قوله تعالى: الآية ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]، وقد «وكَّل ﷺ عُروةَ بنَ الجَعْد في شراء الشَّاة» (٢)، «وأبا رافِعٍ في تزويج ميمونة» (٣)، «وعَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْريَّ في تزويج أمِّ حَبِيبةَ» (٤)، والمعنى شاهِدٌ بذلك؛ لأِنَّ الحاجةَ تدعو إليه، فإنَّ كلَّ

стр. 3037

أحد (١) لا يُمْكِنُه فِعْلُ مَا يَحْتاجُ إليه بنفسه. (تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ)، نَصَّ عليه (٢)، نحو: افْعَلْ كذا، أوْ: فأَذِنْتُ لك في فِعْلِه؛ لأِنَّه لَفْظٌ دالٌّ على الإذْن، فصحَّ؛ كلَفْظِها الصَّريحِ. ونَقَلَ جَعْفَرٌ: إذا قال: بِعْ (٣) هذا؛ لَيسَ بشَيءٍ حتَّى يقول: وكَّلْتُك (٤)، فاعْتَبَرَ انعِقادَها بِلَفْظِها الصَّريحِ. وتأوَّله القاضِي على التَّأكيد؛ لِنَصِّه على انْعِقاد البَيع باللَّفظ والمُعاطاة، كذا الوَكالة. قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا دأْبُ شيخنا، أن يَحمِل نادِرَ كلامِ أحمدَ على أظْهَرِه، ويصرفه (٥) عن ظاهِره، والواجِبُ أنْ يُقالَ: كلُّ لَفْظٍ روايةٌ، ويُصحَّحَ الصَّحيحُ. قال الأَزَجِيُّ: يَنبغِي أنْ يُعوَّلَ في المذهب على هذا؛ لئلاَّ يصيرَ المذهَبُ روايةً واحدةً. وقد دلَّ كلامُ القاضي على انْعِقادها بفعل دالٍّ؛ كبَيعٍ، وهو ظاهِرُ كلامِ

стр. 3038

المؤلِّف فِيمَنْ دَفَع ثَوبَه إلى قَصَّارٍ، أو خَيَّاطٍ، قال في «الفروع»: وهو أظْهَرُ، وكالقَبول. وظاهِرُه: أنَّها تَصِحُّ مؤقَّتةً، ومُعلَّقةً بِشَرْطٍ، نَصَّ عليه (١)؛ كوصيَّةٍ، وإباحةِ أكْلٍ، وقضاءٍ، وإمارةٍ، وكتعليق تصرُّفٍ. واختار في «عيون المسائل»: أنَّه لا يَصِحُّ تعليقُها بشرطٍ؛ كتعليقِ فَسْخِها. (وَكُلِّ قَوْلٍ)، والأَصحُّ: (أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ)؛ لأِنَّ وُكلاءَ النَّبيِّ ﷺ لم يُنقَلْ عنهم سوى امتثال (٢) أوامره، ولأِنَّه إذْنٌ في التَّصرُّف، فجاز القَبولُ بالفعل؛ كأكْلِ الطَّعامِ. وكذا سائر العقود الجائزة؛ كشركةٍ، ومضارَبةٍ، ومُساقاةٍ، ونحوِها. (وَيَصِحُّ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ)، بِلا شُبْهةٍ؛ كَسائِرِ العُقُود، (وَالتَّرَاخِي؛ بِأَنْ يُوَكِّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ، فَيَبِيعَهُ بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ يُبَلِّغَهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، فَيَقُولَ: قَبِلْتُ)؛ لأِنَّ قَبولَ وُكَلائِه ﷺ كان بِفِعْلِهم، وكان مُتَراخِيًا عن تَوكِيلِه إيَّاهُمْ، ولأِنَّه إذْنٌ في التَّصرُّف، والإذْنُ قائِمٌ ما لم يَرجِعْ عنه، أشْبهَ الإباحةَ. وظاهِرُه: أنَّه يُعتَبَر تَعْيينُ الوكيل، وقاله القاضِي وأصحابُه، وفي «الانتصار»: لو وَكَّل زَيدًا، وهو لا يَعرِفُه، أوْ لم يَعْرِفْ موكله (٣)؛ لم يَصِحَّ. (وَلَا يَصِحُّ (٤) التَّوْكِيلُ وَالتَّوَكُّلُ فِي شَيْءِ إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ)؛ لأِنَّ مَنْ لا يَصِحُّ تصرُّفه بنفسه؛ فنائبُه أَوْلَى، فلو وكَّله في بَيعِ ما سيملكه، أو طلاق (٥) مَنْ يَتزوَّجُها؛ لم يَصِحَّ؛ إذ الطَّلاق لا يَملِكُه في الحال، ذَكَرَه الأَزَجِيُّ.

стр. 3039

وذكر (١) غيرُه: إنْ قال: إنْ تزوَّجْتُ هذه فقد وكَّلْتُك في طلاقها، أو إن اشْتَرَيتُ هذا العبدَ فقد وكَّلْتُك في عِتْقه؛ صحَّ إنْ قُلْنا يَصِحُّ تعليقُهما على مِلْكِهِما، وإلاَّ فلا. وكلُّ مَنْ صحَّ تصرُّفُه بنَفْسِه؛ صحَّ منه ما ذَكَرْنا؛ لأِنَّ كُلًّا منهما يَملِك التَّصرُّفَ بنَفْسِه، فجاز أن يَسْتَنِيبَ غيرَه، وأن يَنوبَ عن غيرِه؛ لاِنْتِفاء المفْسِد. وشَرْطُه: أن يكون ممَّا تَدخُلُه النِّيابةُ، فلا يَصِحُّ تَوكيلُ فاسِقٍ في إِيجابِ نكاحٍ إلاَّ على روايةٍ، وفي قَبوله وجْهانِ. ويَصِحُّ تَوكيلُ المرأة في طلاق نفسها وغيرِها، وتَوكيلُ العَبد في قَبولِ نكاحٍ (٢)؛ لأِنَّه يجوز أن يَقْبَلَه لنفسه بإذْنِ سيِّده. وللمكاتَب أنْ يُوكِّل فِيما يَتصرَّف فيه بنَفْسِه، وله أن يَتوَكَّلَ لِغَيره بِجُعْلٍ؛ لأِنَّه من اكْتِساب المال، وليس له أنْ يَتَوكَّل بغَير جُعْلٍ إلاَّ بإذْنِ سيِّده. وصحَّةُ وكالة المميِّز (٣) في طلاقٍ وغيرِه؛ مَبْنِيٌّ على صحَّته منه، وفي «الرِّعاية»: روايتانِ لنَفْسِه أوْ غَيره بلا إذْنٍ. ويَصِحُّ أنْ يَتوَكَّلَ واجِدٌ لِلطَّولِ (٤) في قَبول نكاحِ أَمَةٍ لِمباحٍ له، وغَنِيٌّ لِفقيرٍ في قَبولِ زكاةٍ؛ لأِنَّ سَلْبَهُما القُدرةَ تَنْزِيهٌ، وقَبول نِكاحِ أُخْته ونحوِها مِنْ أبيه لِأَجْنَبِيٍّ (٥)، قاله في «الوجيز» وغيره. (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي كُلِّ حَقٍّ لآِدَمِيٍّ (٦) مِنَ الْعُقُودِ)؛ لأِنَّه «﵇ وكَّلَ عُرْوةَ

стр. 3040

ابنَ الجَعْدِ في الشِّراء» (١)، وسائرُ العُقودِ؛ كالإجارة، والقَرْض، والمضارَبة، والإبراءِ في معناه؛ لأِنَّ الحاجةَ تَدْعُو إليه؛ لأِنَّه قد لا يُحْسِنُ البَيعَ والشِّراءَ، أو لا يُمْكِنُه الخُروجُ إلى السُّوق، أوْ يَحُطُّ ذلك من منزلته، فأباحَها الشَّارِعُ دَفْعًا للحاجة، وتحصيلاً للمصلحة. ومُقْتَضاهُ: أنَّه يَصِحُّ التَّوكيلُ في الإقْرارِ. وقيل: التَّوكِيلُ فيه إقْرارٌ، جزم به في «المحرَّر»، وفي إثْبات القصاص، وفي المطالَبة بالحُقوق وإثْباتها، والمحاكمة (٢) فيها، حاضِرًا كان الموكِّلُ أوْ غائبًا، صحيحًا أوْ مريضًا في قول الجمهور. (وَالْفُسُوخِ، وَالْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ)؛ لأِنَّه يجوز التَّوكِيلُ في الإنشاء، فجاز في الإزالَة بطَرِيقِ الأَوْلَى، (وَالرَّجْعَةِ)؛ لأِنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى ذلك. (وَتَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ؛ مِنَ الصَّيْدِ، وَالْحَشِيشِ، وَنَحْوِهِ)؛ كإحْياء المَوَات، واسْتِيفاء المواريث؛ لأِنَّها تَمَلُّكُ مالٍ بسببٍ لا يتعيَّن عليه، فجاز كالاِبْتِياعِ والاِتِّهاب. وقيل: مَنْ وَكَّل في احْتِشاشٍ واحْتِطابٍ؛ فهل يَمْلِكُ الوكِيلُ ما أخذه، أو مُوَكِّلُه؟ فيه وجْهانِ. (إِلاَّ الظِّهَارَ)؛ لأِنَّه قَولٌ مُنْكَرٌ وزُورٌ، يَحرُم عليه فِعْلُه، فلم تَجُزِ الاِسْتِنابَةُ فيه؛ كالإِيلاءِ. (وَاللِّعَانَ، وَالْأَيْمَانَ)؛ لأِنَّها أَيْمانٌ، فلا تَدْخُلُها النِّيابةُ؛ كالعبادات البَدَنِيَّة. والنَّذْر والقَسامة كذلك.

стр. 3041

ويُسْتَثْنَى أيْضًا: القَسْمُ بَينَ الزَّوجات؛ لأِنَّها تتعلَّق بالزَّوج لأمْرٍ يَختَصُّ به، والشَّهادةُ؛ لأِنَّها تَتَعلَّقُ بالشَّاهِد، والرَّضاع؛ لأِنَّه يَختَصُّ بالمرضِعة، والالتقاط، فإذا فَعَلَ ذلك فالْتَقَط؛ كان أحقَّ به من الآمِر، والاِغْتِنام؛ لأِنَّه يُسْتَحَقُّ بالحضور، والغَصْب والجِناية؛ لأِنَّه مُحرَّمٌ. (وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ النِّكَاحَ)؛ لفِعْلِه ﵇ (١)، ولأِنَّ الحاجةَ قد (٢) تدعو إلى ذلك، فإنَّه ربما احْتاج إلى التَّزْويج من مكان (٣) بعيدٍ لا يُمْكِنُه السَّفَرُ إليه، كما تَزَوَّج ﵇ أُمَّ حَبِيبَةَ وهي بأرض الحبشة (٤). (وَمَنْ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ)؛ لأِنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى ذلك، أشْبَهَ البَيعَ. (إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ (٥) لِنَفْسِهِ وَمَوْلِيَّتِهِ)، يَحْتَرِزُ به عن الصَّبِيِّ والمجنون؛ فإنَّ تَوكِيلَهُما غَيرُ صَحيحٍ، وعن الفاسِق؛ فإنَّ تَوكِيلَه في الإيجاب كذلك؛ لأِنَّه لا يَصِحُّ أنْ يتولَّى نِكاحَ مَولِيَّته بنفسه؛ إذ لا وِلايَةَ لفاسِقٍ. وفيه إشْعارٌ: بأنَّه يَصِحُّ أنْ يكونَ وكيلاً في القَبول، وقد تقدَّمَ. (وَيَصِحُّ (٦) فِي كُلِّ حَقٍّ لله تَعَالَى تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنَ الْعِبَادَاتِ)؛ كتَفْرِقةِ

стр. 3042

صدقةٍ، وزكاةٍ، ونَذْرٍ، وكفَّارةٍ؛ لأِنَّه ﵇ كان يَبعَث عُمَّاله لِقَبْضِ الصَّدَقات وتفريقها (١)، وحديثُ مُعاذٍ شاهِدٌ بذلك (٢). وكذا الحجُّ والعُمْرةُ، فإنَّه يجوز أنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَفعَلُه (٣) بِشَرْطه. ويجوز أنْ يقولَ لغَيره: أخْرِجْ زكاةَ مالِي من مالِكَ. فأمَّا العِباداتُ البَدَنِيَّةُ المحْضَةُ؛ كالصَّلاة، والصَّوم، والطَّهارة من الحدث؛ فلا يجوز التَّوكِيلُ فيها، فإنَّها تتعلَّق بِبَدَن مَنْ هِيَ عليه. وكذا الصِّيامُ المنذورُ، فإنَّه يُفعَلُ عن الميت، وليس بتوكيلٍ. لكِنْ يُسْتَثْنى من الصَّلاة: ركْعَتا الطَّواف، فإنَّها تَبَعٌ للحجِّ، ومن الطَّهارة: صَبُّ الماء وإيصاله إلى الأعضاء، وتَطهيرُ (٤) البَدَن والثَّوب من النَّجاسة. (وَالْحُدُودِ فِي إِثْبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا)؛ لقوله ﵇: «واغْدُ يا أُنَيسُ إلى امرأةِ هذا، فإنِ اعْتَرفَتْ فارْجُمْها»، فاعْتَرفَتْ فأَمَر بها فرُجِمَتْ، متَّفَقٌ عليه (٥)، فقد وكَّله في الإثبات والاِسْتِيفاء جَميعًا. وقال أبو الخَطَّاب: لا يجوز في إثْباتها؛ لأِنَّها تَسقُطُ بالشُّبُهات، وقد أُمِرْنا بِدَرْئها، والتَّوكِيلُ يُوصِل إلى الإيجاب. وجوابُه: الخَبَرُ، وبأنَّ الحاكِمَ إذا اسْتَناب دخل فيها الحدودَ، فإذا دَخَلَت في التَّوكِيل بطريق العموم؛ فالتَّخْصيصُ بدخولها أَوْلَى، والوكيلُ يقومُ مقامَ

стр. 3043

الموكِّل في دَرْئِها بالشُّبُهات. (وَيَجُوزُ الاِسْتِيفَاءُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ)، نَصَّ عليه (١)؛ لعُموم الأدلَّة، ولأِنَّ ما جاز اسْتِيفاؤه في حضرة الموكِّل؛ جاز في غَيبته؛ كسائر الحقوق. (إِلاَّ الْقِصَاصَ، وَحَدَّ الْقَذْفِ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا؛ لَا يَجُوزُ فِي غَيْبَتِهِ)، وقد أَوْمَأَ إليه أحمدُ (٢)؛ لأِنَّه يَحتَمل أنْ يَعْفُوَ عنه حال غَيبته فيَسقُط، وهذه شُبهةٌ تَمنَعُ الاِسْتِيفاءَ؛ لأِنَّ العَفْوَ مندوبٌ إليه، فإذا حضر الموكِّل (٣) احْتَمل أن يَرحمَه فيَعْفُو. والمذهَبُ: له الاِسْتِيفاءُ في الغَيبة مُطْلَقًا، أمَّا الزِّنى وشبهه؛ فظاهِرٌ؛ لأِنَّه لا يَحتَمِل العَفْوَ حتَّى يُدْرَأ بالشُّبْهة، واحْتِمال العَفْو في غيره بعيدٌ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ: أنَّه لو عفا لَأعْلَم وكيلَه به، والأصلُ عَدَمُه، فلا يؤثِّر، ألا ترى أنَّ قضاة رسول الله ﷺ كانوا يَحْكُمون في البلاد، ويقيمون الحدودَ التي تُدْرَأُ بالشُّبُهات مع احْتِمال النَّسخ. (وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ)، نَقَلَه ابنُ منصورٍ (٤)؛ لأِنَّه لم يَأْذَنْ له في التَّوكِيل، ولا تضمنه (٥) إذْنُه؛ لكونه يتولَّى مِثْلَه، ولأِنَّه استئمان (٦) فيما يُمْكِنُه النُّهوضُ فيه، فلم يَكُنْ له أنْ يُوَلِّيَه من لا يَأْمَنُه عليه؛ كالوديعة.

стр. 3044

(وَعَنْهُ: يَجُوزُ)، نَقَلَها حَنْبَلٌ (١)؛ لأِنَّ الموكِّل (٢) له أن يتصرَّفَ بنفسه، فَمَلَكَه نائبُه؛ كالمالِك. ورُدَّ: بأنَّ المالِك يتصرَّف في ملْكِه كيف شاء، بخلاف الوكيل. وهذا مع الإطْلاق، فلو نهاه عنه؛ لم يَجُزْ بغَيرِ خِلافٍ (٣)؛ لأِنَّ ما نهاه عنه ليس بداخِلٍ في إذْنه، فلم يَجُزْ، كما لو لم يُوكِّلْه. وعكسه إذا أَذِنَ له فيه، أو قال: اصنع ما شئت، فإنَّه يجوز بغير خلافٍ (٤)؛ لأِنَّه عَقْدٌ أَذِنَ له (٥) فيه، فكان له فعله؛ كالتصرُّفِ (٦) المأذون فيه. (وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ وَالْحَاكِمُ)؛ أيْ: حُكمُهما حُكمُ الوكيل؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُتصرِّفٌ بالإذْن كالوكيل. لكِنْ قال القاضي: المنصوصُ عن أحمدَ جوازُه، وقدَّمه في «المحرَّر». ونقل في «المغني» عن القاضي في المصرَّاة: أنَّه يجوز للوصيِّ أنْ يَسْتَنِيبَ مُطلَقًا، وفي الوكيل روايتان، والفَرْقُ: بأنَّ الوكيلَ يُمْكِنُه الاِسْتِئْذانُ، بخلاف الوصيِّ، ثم (٧) قال: وقال أبو بكر: في الوصيِّ روايتان؛ كالوكيل. قال في «المغني»: والجَمْعُ بَينَهُما أَوْلَى؛ لأِنَّه مُتَصرِّفٌ في مال غيره بالإذن، أشْبَهَ الوكيل، وإنَّما يَتَصرَّف فيما اقْتَضَتْه الوصيَّةُ؛ كالوكيل إنَّما يَتَصَرَّف فيما اقْتَضَتْه الوَكالةُ. ويُلْحَق بهذا: مضارِبٌ، وولِيٌّ في نكاحٍ غير مجبِرٍ.

стр. 3045

وقيل: يجوز من (١) الوليِّ، أبًا كان أو غيرَه، قدَّمه في «الشَّرح». مسألةٌ: يَجُوز للحاكِمِ أنْ يَسْتَنِيبَ مِنْ غَيرِ مذهَبِه، ذَكَرَه القاضي في الأحكام السُّلْطانيَّة، وابنُ حَمْدانَ في «الرِّعاية». وفي «الفروع»: إذا اسْتَنابَ حاكِمٌ مِنْ غَير أهل مذهبه: إن كان لكَونه أرْجَحَ؛ فقد أحْسَن، وإلاَّ لم تَصِحَّ الاِسْتِنابَةُ، إذا لم يُمْنَعْ إن كان (٢) له الحُكْمُ (٣)، وهو مبنِيٌّ على تقليد غَير إمامه، وإلاَّ انْبَنَى: هل يَسْتَنِيبُ فيما لا يَمْلِكُه؛ كتوكيلِ مسلِمٍ ذِمِّيًّا في شراء خَمرٍ، وأنَّه نائبُ المسْتَنِيبِ، أو الأوَّل؟ (وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ)؛ أيْ: إذا كان العَمَلُ مِمَّا يَرْتَفِعُ الوكيلُ عن مِثْله؛ كالأعمال الدَّنِيئةِ في حقِّ أشراف النَّاس المرْتَفِعِينَ عن فِعْله (٤) عادةً، فإنَّ الإذْنَ يَنصرِفُ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ، (أَوْ) كان يَعْمَلُه بنفسه، لكِنَّه (يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ)؛ لأِنَّ الوَكالةَ اقْتَضَتْ جَوازَ التَّوكيل؛ فجاز في جميعه، كما لو أَذِنَ فيه لَفْظًا. وقال القاضِي: عندي أنَّه يُوكِّل فيما زاد على ما يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْله؛ لأِنَّ التَّوكيل إنَّما جاز للحاجة، فاخْتَصَّ بها، بخلاف وجود إذْنه، فإنَّه مُطْلَقٌ. ولا يُوكِّلُ إلاَّ أمِينًا، إلاَّ أنْ يُعَيِّنَ له سواه، فإنَّه يَجُوز مُطلَقًا؛ لأِنَّه قَطَعَ نَظَرَه بتعْيِينِه. وعلى الأوَّل: لو وكَّل أمِينًا فصار خائِنًا؛ فله عَزْلُه؛ لأِنَّ تَمْكِينَه من التَّصرُّف مع الخيانة تفريطٌ.

стр. 3046

ووكِّلْ عنكَ؛ وكيلُ وكيلِه، وَوَكِّلْ عَنِّي، أَوْ يُطْلِقُ؛ وَكِيلُ مُوَكِّلِه في الأصحِّ. ولا يوصي وكيلٌ مطلَقًا. (وَيَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غَيْرِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)؛ لأِنَّ المنْعَ لِحَقِّه، فإذا أذِنَ؛ صار كالحُرِّ، وكالتَّصرُّف، (وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)؛ لأِنَّه محجُورٌ عليه. (فَإنْ (١) وَكَّلَهُ بِإِذْنِهِ)، وقيل: أوْ لَا، (فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وفي «الفروع» روايتانِ: إحداهما: يَصِحُّ، نصرها (٢) في «الشَّرح»، وجزم بها في «الوجيز» وغَيره؛ لأِنَّه يجوز أنْ يُوكِّلَه في شراءِ عَبْدِ غَيرِه، فجاز أنْ يَشْتَرِيَ نفسَه؛ كالمرأة لَمَّا جاز توكيلُها في طلاقِ غيرِها؛ جاز توكيلُها في طلاق نفسها. والثَّانيةُ: لَا؛ لأِنَّ يَدَ العبْدِ كَيَدِ سيِّدِه، أشْبَهَ ما لَوْ وكَّلَه في الشِّراء مِنْ نفسه، ولهذا يُحكم للإنسان بما في يد غيره. وفي «المغني» و «الشَّرح»: إنَّ هذا الوجْهَ لا يَصِحُّ؛ لأِنَّ أكثرَ ما يُقَدَّرُ جَعْل توكيلِ العبد كتوكيل سيِّده، ولأِنَّ الولِيَّ في النِّكاح يجوز أنْ يَتَولَّى طَرَفَيِ العقد، فكذا هنا. فلو قال العَبْدُ: اشْتَرَيْتُ نَفْسِي لزَيدٍ، وصدَّقاه؛ صحَّ، ولَزِمَ زيدًا الثَّمَنُ. وإنْ قال السَّيِّدُ: ما اشْتَرَيْتَ نَفْسَكَ إلاَّ لنَفْسكَ؛ عَتَقَ؛ لِإِقْرار السَّيِّد على نفسه بما (٣) يَعْتق به العبدُ، ويَلزَمُ الْعَبْدَ الثَّمَنُ في ذِمَّته لِسَيِّده؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ وُقوعُ العَقْد له. وإنْ صَدَّقه السَّيِّدُ وكذَّب زَيدٌ؛ نظرتَ في تكذيبه؛ فإنْ كذَّبه في الوكالة؛

стр. 3047

حَلَفَ وبَرِئَ، وللسَّيِّد فَسْخُ البيع واسْتِرْجاع عبده؛ لتعذُّر ثَمَنِه. وإنْ صدَّقه في الوكالة، وقال: ما اشْتَرْيتَ نفسَكَ لي؛ قُبِلَ قَولُ العبد؛ لأِنَّ الوكيلَ يُقبَلُ قَولُه في التَّصرُّف المأْذُونِ فيه. تنبيهٌ: لو وكَّل العبدَ في إعْتاق عَبِيده، والمرأةَ في طلاق نسائه؛ لم يَمْلِكْ إعْتاقَ نفسِه، ولا هي (١) طلاقَ نفسِها؛ لأِنَّه بإطلاقه يَنصرِف إلى التَّصرُّف في غيره. وقيل: بلى؛ لأِنَّ اللَّفْظَ يَعُمُّه. فلو وكَّل غريمَه في إبراء نفسِه؛ صحَّ؛ كتوكيل العبد في إعْتاقِ نفسِه. فلو وكَّله في إبْراء غُرَمائه؛ لم يَمْلِكْ إبْراءَ نفسِه في المشهور، كما لو وكَّله في حَبْسِ غُرمائه، أو خُصومتِهم. (وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ)؛ لأِنَّها من جِهَةِ الموكِّل إِذْنٌ، ومن جِهَةِ الوَكِيلِ بَذلُ (٢) نَفْعٍ، وكِلاهما جائزٌ، (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا)؛ أيْ: متى شاء؛ لأِنَّها إذْنٌ في التَّصرُّف، فَمَلَكَهُ؛ كالإذْن في أكْلِ طعامِه. وإن قال: كلَّما عَزَلْتُك فقد وكَّلْتُك؛ انْعَزَلَ ب: كلَّما وكَّلْتُك فقد عزلتك، وهي الوكالةُ الدَّوْرِيَّةُ. قال في «التَّلخيص»: وهي على أصْلِنا: صحيحةٌ في صحَّة التَّعليق، وصُورَتُها أنْ يقولَ (٣): كُلَّما عَزَلْتُكَ فأنت وكِيلِي، وطريقُه في العَزْل أنْ يقولَ: كُلَّما عُدْتَ وَكِيلِي (٤) فقد عَزَلْتُك، وهي فَسْخٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ.

стр. 3048

وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه يؤدي إلى (١) أنْ تصيرَ (٢) العُقودُ الجائِزةُ لازِمةً، وذلك تغييرٌ لِقاعدة الشَّرْع، وليس مقصودُ المعَلِّقِ إِيقاعَ الفَسْخَ، وإنَّما قَصْدُه الاِمْتِناعُ من التوكيل (٣) وحَلُّه قَبْلَ وُقوعه، والعُقُود لَا تُفْسَخُ قَبْل انْعِقادِها (٤). (وَتَبْطُلُ: بِالْمَوْتِ، وَالْجُنُونِ) المطبِقِ، وفيه وَجْهٌ، وهو ظاهِرُ «الوجيز»، (وَالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ)؛ لأِنَّ الوَكالةَ تَعْتَمِدُ الحياةَ والعقلَ وعَدَمَ الحَجْرِ، فإذا انْتَفَى ذلك انْتَفَتْ صِحَّتُها؛ لاِنْتِفاء ما تعْتَمِدُ (٥) عليه، وهو أهْلِيَّةُ التَّصرُّفِ. وظاهِرُه: أنَّ الحَجْرَ لِفَلَسٍ لا يُبْطِلُها، وصرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ الوكيل لم يَخرُجْ عن أهْلِيَّة التصرف (٦)، لكِنْ إنْ حُجِر على الموكِّل؛ فإنْ كانت الوكالةُ في أعيان ماله؛ بَطَلَتْ؛ لاِنقطاع تصرُّفه فيها، وإن كانت في غيرها؛ فلا. وتَبْطُل أيضًا في طلاق الزَّوجة بوطْئِها، وفي عِتْقِ العبد بكتابته أو تدبيره (٧)، ذَكَرَه في «المحرَّر». (وَكَذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ؛ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ)؛ لأِنَّ الْكُلَّ مُشْتَرَك مَعْنًى، فوجب أن يُساوِيَه حُكْمًا. (وَلَا تَبْطُلُ بِالسُّكْرِ)؛ لأِنَّه لا يُخرِجُه عن أهْلِيَّة التَّصرُّف، فإنْ فَسَقَ به؛ بَطَلَتْ فيما يُنافِيهِ؛ كالإيجاب في النِّكاح؛ لخروجه عن أهْلِيَّة التَّصرُّف،

стр. 3049

بخلاف الوكيل في القَبول، فإنَّه لا يَنْعزِلُ بِفِسْقِ مُوَكِّله، ولا بِفِسْقه في الأَشْهَر؛ لأِنَّه يجوز أنْ يَقْبَل لنفسه؛ فجاز لغَيره كالعَدْل، لكِنْ إنْ كان وكيلاً فيما تُشْتَرَط (١) فيه الأمانةُ؛ كوكيلِ ولِيِّ اليتيم، وولِيِّ الوَقْف؛ انْعَزَل بِفِسْقِه، وفِسْقِ مُوَكِّله. (وَالْإِغْمَاءِ)؛ لأِنَّه لا تَثْبُتُ عليه الوِلايةُ، وكذا النَّومُ، وإنْ خَرَجَ عن أهْلِيَّة التَّصرُّف. (وَالتَّعَدِّي)؛ أيْ: تَعدِّي الوكيلِ؛ كلُبْس الثَّوب ورُكوب الدَّابَّة؛ لأِنَّ الوكالةَ اقْتَضَتِ الأمانةَ والإذْنَ، فإذا زالت الأُولَى بالتَّعدِّي؛ بَقِيَ الإذْنُ بحاله. والوجْهُ الثَانِي: أنَّها تَبْطُلُ به؛ لأِنَّها عَقْدُ أمانةٍ، فبَطَلَتْ بالتَّعَدِّي كالوديعة. ورُدَّ: بالفَرْق، فإنَّ الوديعةَ مُجرَّدُ أمانةٍ، فنافاها التَّعدِّي، بخلاف الوكالة، فإنَّها إذْنٌ في التَّصرُّف، وتضمَّنَت الأمانةَ. وأطلقهما (٢) في «المحرَّر» و «الفروع». فعلى الأوَّل: يَصِيرُ ضامِنًا، فإذا تصرَّف كما قال مُوَكِّلُه؛ صحَّ وبَرِئَ مِنْ ضَمانه؛ لدخوله في ملْك المشْتَرِي وضمانِه، ويَصيرُ الثَّمَنُ في يده أمانةً، فإذا اشْتَرَى شَيئًا، وظَهَرَ به عَيبٌ؛ صار مضمونًا عليه؛ لأِنَّ العَقْدَ المزِيلَ للضَّمان زال؛ فعاد ما زال به. (وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما، وجزم به في «الوجيز»: أنَّها لا تَبْطُل بالرِّدَّة؛ لأِنَّها لا تَمنَعُ ابْتِداءَ الوكالة، فكذا لا تَمنَعُ اسْتِدامَتَها؛ كسائر الكُفْرِ، وسَوَاءٌ لَحِقَ بدار الحَرْب أوْ لَا.

стр. 3050

والثَّانِي: تَبْطُل بها إذا قُلْنَا: يَزُولُ ملْكُه، ويَبْطُل تصرُّفه، والوَكالةُ تصرُّفٌ. وفي «المغني»: إنْ كانت من الوكيل؛ لم تَبْطُلْ؛ لأِنَّ رِدَّتَه لا تُؤثِّر في تصرُّفه، وإنَّما تُؤَثِّر في ماله. وإنْ كانَتْ من الموكِّل؛ فوَجْهانِ مَبْنِيَّانِ على صحَّة تصرُّف المرتَدِّ في ماله، وفي «الشَّرح»: (أنَّها لا تَبطُلُ بِرِدَّة الموكِّل فيما له التَّصرُّف فيه، فأمَّا الوكيل في ماله؛ فيَنْبَنِي على صحَّة تصرُّف نفسِه، فإنْ قُلْنا: يَصِحُّ تصرُّفه؛ لم تَبْطُل، وإنْ قُلْنا: هو مَوْقُوفٌ؛ فهي كذلك، وإنْ قُلْنا: يَبْطُل تصرُّفه؛ بَطَلَتْ، فإنْ كانت حالَ رِدَّته؛ فالأَوْجُهُ). الثَّانية (١): إذا وكَّل عَبْدَه، ثُمَّ أعْتَقَه؛ لم تَبْطُلْ، قدَّمه في «الشَّرح» وصحَّحه، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّ زوال ملْكِه لا يَمْنَعُ ابْتِداء الوكالة، فلا يَمنَع اسْتِدامَتَها، وكإباقِه. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّ تَوكيل عَبْدِه ليس بتوكيلٍ في الحقيقة، وإنَّما هو اسْتِخْدامٌ بحقِّ الملْكِ، فيَبْطُلُ بزوال الملْكِ. وكذا الخِلاف فيما إذا باعه، أو وكَّل عَبْدَ غَيرِه، ثُمَّ باعه سيِّدُه. فلو اشْتَرَاهُ الموكِّلُ منه؛ لم تَبْطُلْ؛ لأِنَّ ملْكَه إيَّاه لا يُنافِي إذْنه له في البَيع والشِّراء. وكذا الخلافُ فيما إذا وكَّل عَبْدَ غَيره، ثُمَّ أعْتَقَه، وفي «المغني»: أنَّها لا تَبطُل وجْهًا واحدًا؛ لأِنَّ هذا تَوكيلٌ في الحقيقة، والعِتْقُ غَيرُ مُنافٍ. وفي جَحْدها من أحَدِهما، وقيل: عمْدًا؛ وجْهانِ، والأَشْهَرُ فِيهِنَّ: أنَّها لا تَبطُلُ. تنبيهٌ: تَبطُل بتَلَف العَين الموكَّل في التَّصرُّف فيها؛ لأِنَّ محلَّها قد ذهب،
следующие страницы →