← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

ووكِّلْ عنكَ؛ وكيلُ وكيلِه، وَوَكِّلْ عَنِّي، أَوْ يُطْلِقُ؛ وَكِيلُ مُوَكِّلِه في الأصحِّ. ولا يوصي وكيلٌ مطلَقًا. (وَيَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غَيْرِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)؛ لأِنَّ المنْعَ لِحَقِّه، فإذا أذِنَ؛ صار كالحُرِّ، وكالتَّصرُّف، (وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)؛ لأِنَّه محجُورٌ عليه. (فَإنْ (١) وَكَّلَهُ بِإِذْنِهِ)، وقيل: أوْ لَا، (فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وفي «الفروع» روايتانِ: إحداهما: يَصِحُّ، نصرها (٢) في «الشَّرح»، وجزم بها في «الوجيز» وغَيره؛ لأِنَّه يجوز أنْ يُوكِّلَه في شراءِ عَبْدِ غَيرِه، فجاز أنْ يَشْتَرِيَ نفسَه؛ كالمرأة لَمَّا جاز توكيلُها في طلاقِ غيرِها؛ جاز توكيلُها في طلاق نفسها. والثَّانيةُ: لَا؛ لأِنَّ يَدَ العبْدِ كَيَدِ سيِّدِه، أشْبَهَ ما لَوْ وكَّلَه في الشِّراء مِنْ نفسه، ولهذا يُحكم للإنسان بما في يد غيره. وفي «المغني» و «الشَّرح»: إنَّ هذا الوجْهَ لا يَصِحُّ؛ لأِنَّ أكثرَ ما يُقَدَّرُ جَعْل توكيلِ العبد كتوكيل سيِّده، ولأِنَّ الولِيَّ في النِّكاح يجوز أنْ يَتَولَّى طَرَفَيِ العقد، فكذا هنا. فلو قال العَبْدُ: اشْتَرَيْتُ نَفْسِي لزَيدٍ، وصدَّقاه؛ صحَّ، ولَزِمَ زيدًا الثَّمَنُ. وإنْ قال السَّيِّدُ: ما اشْتَرَيْتَ نَفْسَكَ إلاَّ لنَفْسكَ؛ عَتَقَ؛ لِإِقْرار السَّيِّد على نفسه بما (٣) يَعْتق به العبدُ، ويَلزَمُ الْعَبْدَ الثَّمَنُ في ذِمَّته لِسَيِّده؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ وُقوعُ العَقْد له. وإنْ صَدَّقه السَّيِّدُ وكذَّب زَيدٌ؛ نظرتَ في تكذيبه؛ فإنْ كذَّبه في الوكالة؛

стр. 3047

حَلَفَ وبَرِئَ، وللسَّيِّد فَسْخُ البيع واسْتِرْجاع عبده؛ لتعذُّر ثَمَنِه. وإنْ صدَّقه في الوكالة، وقال: ما اشْتَرْيتَ نفسَكَ لي؛ قُبِلَ قَولُ العبد؛ لأِنَّ الوكيلَ يُقبَلُ قَولُه في التَّصرُّف المأْذُونِ فيه. تنبيهٌ: لو وكَّل العبدَ في إعْتاق عَبِيده، والمرأةَ في طلاق نسائه؛ لم يَمْلِكْ إعْتاقَ نفسِه، ولا هي (١) طلاقَ نفسِها؛ لأِنَّه بإطلاقه يَنصرِف إلى التَّصرُّف في غيره. وقيل: بلى؛ لأِنَّ اللَّفْظَ يَعُمُّه. فلو وكَّل غريمَه في إبراء نفسِه؛ صحَّ؛ كتوكيل العبد في إعْتاقِ نفسِه. فلو وكَّله في إبْراء غُرَمائه؛ لم يَمْلِكْ إبْراءَ نفسِه في المشهور، كما لو وكَّله في حَبْسِ غُرمائه، أو خُصومتِهم. (وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ)؛ لأِنَّها من جِهَةِ الموكِّل إِذْنٌ، ومن جِهَةِ الوَكِيلِ بَذلُ (٢) نَفْعٍ، وكِلاهما جائزٌ، (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا)؛ أيْ: متى شاء؛ لأِنَّها إذْنٌ في التَّصرُّف، فَمَلَكَهُ؛ كالإذْن في أكْلِ طعامِه. وإن قال: كلَّما عَزَلْتُك فقد وكَّلْتُك؛ انْعَزَلَ ب: كلَّما وكَّلْتُك فقد عزلتك، وهي الوكالةُ الدَّوْرِيَّةُ. قال في «التَّلخيص»: وهي على أصْلِنا: صحيحةٌ في صحَّة التَّعليق، وصُورَتُها أنْ يقولَ (٣): كُلَّما عَزَلْتُكَ فأنت وكِيلِي، وطريقُه في العَزْل أنْ يقولَ: كُلَّما عُدْتَ وَكِيلِي (٤) فقد عَزَلْتُك، وهي فَسْخٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ.

стр. 3048

وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه يؤدي إلى (١) أنْ تصيرَ (٢) العُقودُ الجائِزةُ لازِمةً، وذلك تغييرٌ لِقاعدة الشَّرْع، وليس مقصودُ المعَلِّقِ إِيقاعَ الفَسْخَ، وإنَّما قَصْدُه الاِمْتِناعُ من التوكيل (٣) وحَلُّه قَبْلَ وُقوعه، والعُقُود لَا تُفْسَخُ قَبْل انْعِقادِها (٤). (وَتَبْطُلُ: بِالْمَوْتِ، وَالْجُنُونِ) المطبِقِ، وفيه وَجْهٌ، وهو ظاهِرُ «الوجيز»، (وَالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ)؛ لأِنَّ الوَكالةَ تَعْتَمِدُ الحياةَ والعقلَ وعَدَمَ الحَجْرِ، فإذا انْتَفَى ذلك انْتَفَتْ صِحَّتُها؛ لاِنْتِفاء ما تعْتَمِدُ (٥) عليه، وهو أهْلِيَّةُ التَّصرُّفِ. وظاهِرُه: أنَّ الحَجْرَ لِفَلَسٍ لا يُبْطِلُها، وصرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ الوكيل لم يَخرُجْ عن أهْلِيَّة التصرف (٦)، لكِنْ إنْ حُجِر على الموكِّل؛ فإنْ كانت الوكالةُ في أعيان ماله؛ بَطَلَتْ؛ لاِنقطاع تصرُّفه فيها، وإن كانت في غيرها؛ فلا. وتَبْطُل أيضًا في طلاق الزَّوجة بوطْئِها، وفي عِتْقِ العبد بكتابته أو تدبيره (٧)، ذَكَرَه في «المحرَّر». (وَكَذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ؛ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ)؛ لأِنَّ الْكُلَّ مُشْتَرَك مَعْنًى، فوجب أن يُساوِيَه حُكْمًا. (وَلَا تَبْطُلُ بِالسُّكْرِ)؛ لأِنَّه لا يُخرِجُه عن أهْلِيَّة التَّصرُّف، فإنْ فَسَقَ به؛ بَطَلَتْ فيما يُنافِيهِ؛ كالإيجاب في النِّكاح؛ لخروجه عن أهْلِيَّة التَّصرُّف،

стр. 3049

بخلاف الوكيل في القَبول، فإنَّه لا يَنْعزِلُ بِفِسْقِ مُوَكِّله، ولا بِفِسْقه في الأَشْهَر؛ لأِنَّه يجوز أنْ يَقْبَل لنفسه؛ فجاز لغَيره كالعَدْل، لكِنْ إنْ كان وكيلاً فيما تُشْتَرَط (١) فيه الأمانةُ؛ كوكيلِ ولِيِّ اليتيم، وولِيِّ الوَقْف؛ انْعَزَل بِفِسْقِه، وفِسْقِ مُوَكِّله. (وَالْإِغْمَاءِ)؛ لأِنَّه لا تَثْبُتُ عليه الوِلايةُ، وكذا النَّومُ، وإنْ خَرَجَ عن أهْلِيَّة التَّصرُّف. (وَالتَّعَدِّي)؛ أيْ: تَعدِّي الوكيلِ؛ كلُبْس الثَّوب ورُكوب الدَّابَّة؛ لأِنَّ الوكالةَ اقْتَضَتِ الأمانةَ والإذْنَ، فإذا زالت الأُولَى بالتَّعدِّي؛ بَقِيَ الإذْنُ بحاله. والوجْهُ الثَانِي: أنَّها تَبْطُلُ به؛ لأِنَّها عَقْدُ أمانةٍ، فبَطَلَتْ بالتَّعَدِّي كالوديعة. ورُدَّ: بالفَرْق، فإنَّ الوديعةَ مُجرَّدُ أمانةٍ، فنافاها التَّعدِّي، بخلاف الوكالة، فإنَّها إذْنٌ في التَّصرُّف، وتضمَّنَت الأمانةَ. وأطلقهما (٢) في «المحرَّر» و «الفروع». فعلى الأوَّل: يَصِيرُ ضامِنًا، فإذا تصرَّف كما قال مُوَكِّلُه؛ صحَّ وبَرِئَ مِنْ ضَمانه؛ لدخوله في ملْك المشْتَرِي وضمانِه، ويَصيرُ الثَّمَنُ في يده أمانةً، فإذا اشْتَرَى شَيئًا، وظَهَرَ به عَيبٌ؛ صار مضمونًا عليه؛ لأِنَّ العَقْدَ المزِيلَ للضَّمان زال؛ فعاد ما زال به. (وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما، وجزم به في «الوجيز»: أنَّها لا تَبْطُل بالرِّدَّة؛ لأِنَّها لا تَمنَعُ ابْتِداءَ الوكالة، فكذا لا تَمنَعُ اسْتِدامَتَها؛ كسائر الكُفْرِ، وسَوَاءٌ لَحِقَ بدار الحَرْب أوْ لَا.

стр. 3050

والثَّانِي: تَبْطُل بها إذا قُلْنَا: يَزُولُ ملْكُه، ويَبْطُل تصرُّفه، والوَكالةُ تصرُّفٌ. وفي «المغني»: إنْ كانت من الوكيل؛ لم تَبْطُلْ؛ لأِنَّ رِدَّتَه لا تُؤثِّر في تصرُّفه، وإنَّما تُؤَثِّر في ماله. وإنْ كانَتْ من الموكِّل؛ فوَجْهانِ مَبْنِيَّانِ على صحَّة تصرُّف المرتَدِّ في ماله، وفي «الشَّرح»: (أنَّها لا تَبطُلُ بِرِدَّة الموكِّل فيما له التَّصرُّف فيه، فأمَّا الوكيل في ماله؛ فيَنْبَنِي على صحَّة تصرُّف نفسِه، فإنْ قُلْنا: يَصِحُّ تصرُّفه؛ لم تَبْطُل، وإنْ قُلْنا: هو مَوْقُوفٌ؛ فهي كذلك، وإنْ قُلْنا: يَبْطُل تصرُّفه؛ بَطَلَتْ، فإنْ كانت حالَ رِدَّته؛ فالأَوْجُهُ). الثَّانية (١): إذا وكَّل عَبْدَه، ثُمَّ أعْتَقَه؛ لم تَبْطُلْ، قدَّمه في «الشَّرح» وصحَّحه، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّ زوال ملْكِه لا يَمْنَعُ ابْتِداء الوكالة، فلا يَمنَع اسْتِدامَتَها، وكإباقِه. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّ تَوكيل عَبْدِه ليس بتوكيلٍ في الحقيقة، وإنَّما هو اسْتِخْدامٌ بحقِّ الملْكِ، فيَبْطُلُ بزوال الملْكِ. وكذا الخِلاف فيما إذا باعه، أو وكَّل عَبْدَ غَيرِه، ثُمَّ باعه سيِّدُه. فلو اشْتَرَاهُ الموكِّلُ منه؛ لم تَبْطُلْ؛ لأِنَّ ملْكَه إيَّاه لا يُنافِي إذْنه له في البَيع والشِّراء. وكذا الخلافُ فيما إذا وكَّل عَبْدَ غَيره، ثُمَّ أعْتَقَه، وفي «المغني»: أنَّها لا تَبطُل وجْهًا واحدًا؛ لأِنَّ هذا تَوكيلٌ في الحقيقة، والعِتْقُ غَيرُ مُنافٍ. وفي جَحْدها من أحَدِهما، وقيل: عمْدًا؛ وجْهانِ، والأَشْهَرُ فِيهِنَّ: أنَّها لا تَبطُلُ. تنبيهٌ: تَبطُل بتَلَف العَين الموكَّل في التَّصرُّف فيها؛ لأِنَّ محلَّها قد ذهب،

стр. 3051

فلو وكَّله في الشِّراء مطلَقًا، ونَفِدَ ما دَفَعَه إليه؛ بَطَلَتْ؛ لأِنَّه إنَّما وكَّله في الشِّراء به، وإنِ اسْتَقْرَضَه الوكيلُ فهو كَتَلَفِه، ولو عَزَل عِوَضَه؛ لأِنَّه لا يصيرُ للموكِّل حتَّى يَقْبِضه. (وَهَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ). لَا خِلافَ أَنَّ الوكيلَ إذا عَلِم بِمَوت الموكِّل، أوْ عَزْلِه؛ أنَّ تصرُّفَه باطِلٌ (١). وإنْ لم يَعلَمْ؛ فاخْتار الأكثرُ، وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين أنَّه الأَشْهَرُ (٢): أنَّ تصرُّفَه غَيرُ نافِذٍ؛ لأِنَّه رَفْعُ عَقْدٍ لا يَفْتقِرُ إلى رضا صاحبه، فصحَّ (٣) بغَيرِ عِلْمِه؛ كالطَّلاق. والثَّانيةُ، ونَصَّ عليها (٤) في رواية ابْنِ منصورٍ وغَيره (٥): أنَّه لا يَنْعزِلُ؛ اعْتِمادًا على أنَّ الحُكمَ لا يَثْبُتُ في حقِّه قبل العِلْم؛ كالأحكام المبتدأة، ولقوله تعالى: الآيةَ ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]. ويَنْبَنِي عليهما: تضمينه (٦)، واختار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّه لا يَضمَنُ (٧)؛ لأِنَّه لم يُفَرِّط، وذَكَرَ وجْهًا: أنَّه يَنْعَزِل بالموت لا بالعَزْل، وقاله جَمْعٌ من العلماء. واعْلَمْ أنَّ القاضِيَ والمؤلِّفَ وجماعةً: يَجْعَلون الخلافَ في نفس انْفِساخ الوكالة قبل العلم.

стр. 3052

وظاهِرُ «الخِرَقِيِّ» و «الشَّرح»، وكلامِ المجْد: يَجْعَلونه في نفوذ التَّصرُّف، وهو أَوْفَقُ لمنصوص أحمدَ، وليس بَينَهما فَرْقٌ في المعنى، ولهذا قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: هو لَفْظِيٌّ. وذَكَرَ: (أنَّه لو باع أو تصرَّفَ، فادَّعَى أنَّه عَزَلَه قَبْلَه؛ لم يُقْبَلْ، فلو أقام بيِّنةً ببلدٍ آخَرَ، وحَكَمَ به حاكِمٌ، فإنْ لم يَنْعَزِلْ قَبْل العلم صحَّ تصرُّفُه، وإلاَّ كان حُكْمًا على الغائب. وَلَوْ حَكَمَ قَبْل هذا الحُكمِ بالصِّحَّة حاكِمٌ لا يرى عَزْلَه قَبْلَ العلم؛ فإنْ كان بَلَغَه ذلك؛ نَفَذَ، والحُكْمُ النَّاقِضُ له مردودٌ، وإلاَّ (١) وُجودُه كَعَدَمِه. والحاكِمُ الثَّاني إذا لم يَعْلَمْ بأنَّ العزل (٢) قَبْلَ العلم، أو علمه (٣) ولم يَرَهُ، أوْ رآهُ ولم يَرَ نَقْضَ الحُكمِ المتقدِّمِ؛ فحُكْمُه كَعَدَمِهِ) (٤). فَرعٌ: لا يَنْعَزِلُ مُودَعٌ قَبْلَ عِلْمِه، خِلافًا لأِبِي الخَطَّاب، فما بيده أمانةٌ، ومِثْلُه مُضارِبٌ. (وَإِذَا وَكَّلَ اثْنَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ بِالتَّصرُّفِ)؛ لأِنَّه لم يَرْضَ تَصرُّفَ أحدِهِما مُنفرِدًا، بدليلِ إضافةِ الغَير إليه، (إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ)؛ أي: الانفرادَ بالتَّصرُّف (إِلَيْهِ)؛ لأِنَّه مَأْذُونٌ فيه، أشْبَهَ ما لو كان مُنفَرِدًا. فلَوْ وكَّلَهُما في حِفْظ مالِه؛ حَفِظاهُ معًا في حِرْزٍ لهما؛ لأِنَّ قَولَه: افْعَلَا كذا؛ يقْتَضِي اجْتِماعَهما على فعله، بخلاف: بِعْتُكُما، حَيثُ كان مُنقَسِمًا بَينَهما؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ أنْ يكونَ الملْكُ لهما على الاِجْتِماع. فلو غاب أحدُهما؛ لم يَكُنْ للآخَرِ أنْ يَتصرَّفَ، ولا للحاكِمِ ضَمُّ أمِينٍ

стр. 3053

لِيَتصرَّفا، بخلاف ما لو مات أحدُ الوصِيَّيَنِ، فإنَّ للحاكِمِ ضَمَّ أمِينٍ، والفَرْقُ: أنَّ الموكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصرُّف، لا (١) وِلايَةَ للحاكِمِ عليه، بخلاف الوصيَّة، فإنَّ له نَظَرًا في حقِّ الميت واليتيمِ، ولهذا لَوْ لم يُوصِ إلى أحدٍ؛ أقام الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَر لليتيم. فإنْ كان أحدُهما غائبًا، فادَّعَى الحاضِرُ (٢) وأقام بيِّنةً؛ سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبوتها (٣) لهما، فإذا حَضَرَ الغائبُ؛ تصرَّفا معًا، لا يُقالُ: هو حُكمٌ للغائب؛ لأِنَّه يجوز تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوز أنْ يَحكُمَ بالوقْف لِمَنْ لم يُخْلَقْ؛ لأِجلِ مَنْ يَسْتَحِقُّه في الحال. فلو جَحَدَها الغائبُ، أو عَزَلَ نفسَه؛ لم يكن للآخَرِ أنْ يتصرَّفَ. (وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ) على المذهب؛ لأِنَّ العُرْفَ في البيع: بَيعُ الرَّجُل من غَيره، فحُمِلت الوكالةُ عليه، وكما لو صرَّح به، ولأِنَّه تَلْحَقُه (٤) تُهمةٌ، ويتنافى (٥) الغَرَضانِ في بَيعه لنفسه، فلم يَجُزْ، كما لَوْ نهاه. وكذا شراؤُه من نفسه. لكِنْ لو أَذِنَ له؛ جاز، ويتولَّى طَرَفَيهِ (٦) في الأصحِّ فيهما إذا انْتَفَت التُّهمةُ؛ كأبِ الصَّغير، وكذا توكيله في بيعه، وآخَر في شرائه. ومثله: نِكاحٌ ودَعْوى، فيدَّعِي أحدُهما ويُجِيب عن الآخر، ويقيم حجَّةَ كلِّ واحدٍ منهما.

стр. 3054

وقال الأَزَجِيُّ في الدَّعْوى: الذي يَقَعُ الاِعْتِمادُ عليه: لا يَصِحُّ؛ للتَّضادِّ. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ، أَوْ وَكَّلَ (١) مَنْ يَبِيعُ، وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِيَيْنِ)؛ لأِنَّ بذلك يَحصُلُ غَرَضُ الموكِّل من الثَّمَنِ، أشْبَهَ ما لو باعَهُ لأِجْنَبِيٍّ. وفي «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّ الجوازَ معلَّق (٢) بِشَرْطَينِ: أحدهما: أنْ يَزيدَ على مَبْلَغِ ثَمَنِه في النِّداء. الثَّاني: أنْ يتولَّى النِّداءَ غَيرُه. قال القاضِي: يَحتَمِل أنْ يكونَ الثَّانِي واجِبًا، وهو أشْبَهُ بكلامه، ويَحتَمِل أنْ يكونَ مُسْتحَبًّا. وفي «الفروع»: (وعَنْهُ: يَبِيعُ من نفسه إذا زاد ثَمَنُه في النِّداء. وقيل: أو وَكَّلَ بائعًا، وهو ظاهِرُ روايةِ حَنبَلٍ، وقيل: هُمَا. وذَكَرَ الأَزَجِيُّ احْتِمالاً: لا يُعْتَبَرانِ؛ لأِنَّ دِينَه وأمانَتَه تَحْمِلُه (٣) على الحقِّ، وربما زاد). لا يُقال: كيف يُوكِّل في البَيع، وهو مَمْنوعٌ منه على المشهور؛ لأِنَّه يجوز التَّوكيلُ فيما لا يتولَّى مِثْلَه بنفسه، والنِّداء مِمَّا لم تَجْرِ العادةُ أنْ يتولاَّهُ أكْثرُ الوُكَلاء بأنفسهم. قال ابْنُ المنَجَّى: (وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّ الوكيلَ إذا جاز له أنْ يُعْطِيَ ما وُكِّل فيه لِمَنْ يُنادِي عليه لِمَا ذُكِرَ، فالعَقْد لا بُدَّ له مِنْ عاقِدٍ، ومِثْلُه يتولاَّهُ، فلا يجوز أنْ يُوكِّلَ عنه غيرَه. ويُمْكِنُ التَّخلُّصُ من (٤) ورود هذا الإشْكالِ: بأن (٥) يجْعَلَ بَدَلَ التَّوكيل في

стр. 3055

البَيع؛ التَّوكيلَ في الشِّراء). (وَهَل يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ لِوَلَدِهِ) الكبيرِ، (أَوْ وَالِدِهِ، أَوْ مُكَاتَبِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهُما في «المحرَّر» و «الفروع»: أَحَدُهما: المنْعُ؛ لأِنَّه مُتَّهَمٌ في حقِّهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء (١) عليهم في الثمن (٢)، كتُهمتِه في حقِّ نفسِه، ولذلك لا تُقبَلُ شهادتُه لهم. والثَّاني: يَجُوزُ؛ لأِنَّهم غيرُه، وقد امْتَثَلَ أمْرَ الموكِّل، ووافَقَ العُرْفَ في بَيعِ غَيرِه، أشْبَهَ الأجْنَبِيَّ. وذَكَرَ الأَزَجِيَّ: أنَّ الخِلافَ في الإِخْوة والأقارِب كذلك. فَرْعٌ: الحاكِمُ، وأمِينُه، وناظِرُ الوقفِ، والوصي (٣)، والمضارِبُ؛ كالوكيل. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً، وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ) على المذهب؛ لأِنَّ الموكِّل لَوْ باعَ بنفسه، وأطْلَق؛ انصرَف إلى الحُلول ونَقْدِ البلد، فكذا وكيلُه، فلو تصرَّف بغير ذلك؛ كنَفْعٍ (٤) وعَرْضٍ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ عَقْدَ الوَكالة لَمْ يَقْتَضِه، وفيه احْتِمالٌ، وهو رواية في «الموجز». وكما لو وكَّله في شِراء ثلجٍ (٥) في الصَّيف، وفَحْمٍ في الشِّتاء، فخالَفَ، ذَكَرَه أبو الخَّطَّاب، ومَحَلُّه في الفَحْم: في غَير تِجارةٍ. فإن كان في البلد نَقْدانِ؛ باع بأغلبهما، فإنْ تساوَيا؛ خُيِّرَ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَجُوزَ)، هذا روايةٌ عن أحمدَ؛ كقوله (٦): بِعْ كيف شِئْتَ؛

стр. 3056

(كَالْمُضَارِبِ) على الأصحّ فيه، والفَرْقُ بَينَهما: مِنْ حَيثُ إنَّ المقصودَ في المضارَبة الرِّبْحُ، وهو في النَّساء أكثرُ، ولا يتعيَّن (١) ذلك في الوكالة، بل ربما كان المقصودُ تحصيلَ الثَّمن لِدَفْع حاجته، فيفوت بتأخير الثَّمن، ولأِنَّ اسْتِيفاءَ الثَّمن في المضارَبة على المضارِب، فيعود الضَّرَرُ عليه، واسْتِيفاءَ الثَّمَن في الوكالة على الموكِّل، فيعود ضَرَرُ الطَّلب عليه، وهو لم يَرْضَ به. وهذا الخِلافُ إنَّما هو مع (٢) الإطلاق، فلو عَيَّنَ له شَيئًا؛ تعيَّن، ولم تَجُزْ مُخالَفتُه؛ لأِنَّه مُتَصرِّفٌ بإذنه. فائدةٌ: إذا ادَّعَيا الإذْنَ في ذلك؛ قُبِلَ قَولُهما، وقيل: قَولُ المالِك. (وَإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ؛ صَحَّ)، نَصَّ عليه (٣)، وقدَّمه في «المحرَّر»، وصحَّحه ابْنُ المنَجَّى؛ لأِنَّ مَنْ صَحَّ بَيعُه بِثَمَن المِثْل؛ صَحَّ بدونه كالمريض، (وَيَضْمَنُ (٤) الوكيلُ (النَّقْصَ)؛ لأِنَّ فيه جَمْعًا بَينَ حظِّ المشتري بعدم الفَسْخ، وحَظِّ البائع بوجوب التَّضْمين، وأمَّا الوكيلُ فلا يُعتبَرُ حظُّه؛ لأِنَّه مُفرِّطٌ. وفي قَدْره وجهان: أحدُهما: ما بَينَ ثمن المثل وما باعه. والثَّاني: ما يَتَغابَنُ النَّاسُ به وما لا يتغابَنونَ؛ لأِنَّ ما يَتَغابَنُ النَّاسُ به عادةً كدِرْهَمٍ في عَشَرَةٍ، فإنَّه يَصِحُّ بَيعُه به، ولا ضَمانَ عليه؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منه، فلو حضر مَنْ يَزيدُ على ثمن المِثل؛ لم يَجُزْ أنْ يَبيعَه به؛ لأِنَّ عليه طَلَبَ الحظِّ لموكِّله.

стр. 3057

فلو باع به، ثُمَّ حضر مَنْ يزيد في مُدَّة الخيار؛ لم يَلزَمْه فَسْخُ العقد على الأشهر؛ لأِنَّ الزِّيادةَ مَنْهِيٌّ عنها. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لاَّ يَصِحَّ)، هذا روايةٌ عنه، وصحَّحها في «المغني»، وذكر في «الشَّرح»: أنَّها أقْيَسُ، وفي «الفروع»: هي أظْهَرُ؛ لأِنَّه بَيعٌ غَيرُ مَأْذُونٍ فيه، أشْبَهَ بَيعَ الأجنبيِّ. وقيل: هو كتصرُّف الفُضولِيِّ، نَصَّ عليه (١). فإنْ تَلِفَ فضمن (٢) الوكيلُ؛ رَجَعَ على مُشْتَرٍ؛ لتَلَفه (٣) عنده. وعلى الصِّحَّة: لا يَضْمَنُ عبدٌ لسيِّده، ولا صبِيٌّ لنفسه. (وَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه باعَ المأْذونَ، وزاده خَيرًا زيادةَ مَنفَعةٍ، ولا تَضُرُّه، والعُرْفُ يَقْتَضيهِ، أشْبَهَ ما لو وكَّله في الشِّراء؛ فاشْتَراه (٤) بدون ثَمَن المِثْل، أو بأنْقَصَ مِمَّا قدَّره له. (سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الذِي أَمَرَهُ بِهِ)؛ كَمَنْ أذِن له في البيع بمائة درهمٍ، فباعه بها وبعَشَرَة أُخْرَى، (أَوْ لَمْ تَكُنْ)؛ كدينارٍ وثَوبٍ. وقيل: لا يَصِحُّ من غير جنس الأثْمان. تنبيهٌ: يَجُوز للوكيل البَيعُ والشِّراءُ بشَرْطِ الخِيارِ له، وقيل: مُطْلَقًا، وتزكيةُ بينةِ (٥) خصمِه، ومخاصَمةٌ في ثمنِ مَبِيعٍ بان مُسْتَحَقًّا في وَجْهٍ. وإنْ شَرَط الخيارَ؛ فلموكِّله، ولنفسه؛ لهما، ولا تَصِحُّ لنفسه فقطْ، ويَختصُّ بخيار مجلسٍ، ويَخْتَصُّ به موكِّلُه إن حَضَرَه.

стр. 3058

فائدةٌ: الوصِيُّ وناظِرُ الوقْف؛ كالوكيل فيما إذا باع بدون ثمن المثل، أو اشترى بأكثرَ منه، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١)، وتضمينُه (٢) مع اجتهاده (٣) وعَدَم تفريطه؛ مُشْكِلٌ، فإنَّ قَواعِدَ المذهب تَشهَدُ له بروايتين (٤) ممَّا إذا رمى إلى صفِّ الكُفَّار يَظنُّه كافِرًا؛ فبان مسلِمًا؛ ففي ضمان دِيته روايتانِ. (فَإِنْ (٥) قَالَ: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ، فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ؛ صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هذا هو الأَشْهَرُ؛ لأِنَّه مأْذُونٌ فيه عُرْفًا، فإنَّ مَنْ رضي بدرهم؛ رَضِيَ مكانَه بدِينارٍ. والثَّاني، وهو قَولُ القاضِي: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه خَالَفَ مُوكِّلَه في الجنس، أشْبَهَ ما لو باعه بثَوبٍ يُساوِي دِينارًا، وكما لو قال: بِعْهُ بمائةِ دِرهَمٍ، فباعه بمائة ثَوبٍ قيمتُها أكثرُ من الدَّراهِم. وأطلقهما في «الفروع». ولو باعَه بدرهَمٍ وعَرْضٍ؛ فالأصحُّ: لا تَبطُل في زائِدٍ بحصَّته. وإن اختلط الدِّرْهَمُ بآخَرَ له؛ عَمِل بظَنِّهِ ويُقبَل قَولُه حُكْمًا، ذَكَرَه القاضِي. (وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ بِأَلْفٍ نَسَاءً، فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةٍ (٦)؛ صَحَّ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه زاده (٧) خَيرًا، فهو كما لو وكَّله في بَيعه بعَشَرَةٍ؛ فباعه بأكثرَ منها. وظاهِرُه: أنَّه إذا باع حالًّا بدون ثمنها نَسِيئةً، أو بدون ما عَيَّنَه له؛ لم يَنفُذْ تصرُّفه؛ لأِنَّه خَالَفَ مُوكِّله. وشَرَط المؤلِّفُ: (إِنْ كَانَ لَا يَسْتَضِرُّ بِحِفْظِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِّ)، جَزَمَ به في

стр. 3059

«الوجيز»، فظاهِرُه: أنَّه إذا اسْتَضَرَّ بحفظ الثَّمن في الحالِّ؛ أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأِنَّ حُكمَ الإذْن إنِّما يَثْبُتُ في المسكوت (١) عنه؛ لتضمُّنه المصلحةَ، فإذا كان يتضرَّرُ به؛ عُلِم انْتِفاؤها، فتَنْتَفِي الصِّحَّةُ. وحُكمُ خَوفِ التَّلَف والتَّعَدِّي عليه؛ كذلك؛ لاِشْتِراك الكُلِّ في المعْنَى. وما ذَكَرَه المؤلِّفُ هو قَولٌ، والمذهَبُ: صِحَّتُه مُطْلَقًا، ما لم يَنْهَهُ. والثَّانِي: لا يَصِحُّ؛ للمخالَفة. (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ، فَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ)؛ لم يصِحَّ؛ لأِنَّه تصرَّفٌ غَيرُ مَأْذُونٍ فيه، وهذا إذا كان مِمَّا يَتَغَابَنُ (٢) النَّاسُ بمِثْلِه، ذَكَرَه في «الشَّرْح»، وهذا يُشكِلُ بِمَا سَبَقَ. والمذهَبُ فيه كما (٣) قدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»: أنَّه يصِحُّ ويضْمَنُ الزِّيادةَ، هو ومُضارِبٌ. (أَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ، فَبَاعَ نِصْفَهُ؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّه بَيْعٌ غَيرُ مَأْذُونٍ فيه، ولِمَا فيه من الضَّرَر، أشْبَهَ ما لو وكَّله في شِراءِ شَيءٍ فاشْتَرَى بعضَه، ومَحلُّه: ما إذا باعه بدون ثَمَن المثل، فلو باعه بِثَمَنِ جَميعِه؛ صحَّ، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح» و «الوجيز». وعلى الأوَّل: ما لَمْ يَبِعِ الباقِيَ (٤)، أو يَكُنْ عَبِيدًا، أوْ صُبْرَةً ونحوها، فيصِحُّ مُفَرَّقًا، ما لم يأمره ببيعه صفقةً واحدةً. (وَإِنِ اشْتَرَاهُ (٥) بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ مُؤَجَّلاً)؛ صَحَّ في الأَصَحِّ؛ لأِنَّه زاده خَيرًا.

стр. 3060

وقيل: إن لم يَتَضرَّرْ. وقيل: لا يَصِحُّ للمخالَفة. (أَوْ قَالَ: اشْتَر لِي شَاةً بِدِينَارٍ، فَاشْتَرَى لَهُ (١) شَاتَيْنِ تُسَاوِي إِحْدَاهُمَا دِينَارًا، أَوِ اشْتَرَى لَهُ (٢) شَاةً تُسَاوِي دِينَارًا بِأَقَلَّ مِنْهُ؛ صَحَّ)؛ لِما رَوَى أحمدُ، عن سُفْيانَ، عن شَبِيبٍ، هو ابنُ غَرْقَدَةَ (٣)، سَمِع الحي (٤) يخبرون عن عُرْوةَ ابنِ الجَعْد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ معه بدينارٍ يَشْتَرِي له به أُضْحِيَّةً»، وقال مرَّةً: «أوْ شاةً فاشْتَرَى له اثْنَتَينِ، فباع واحدةً بِدِينارٍ، وأتاه بالأخرى، فدعا له بالبركة؛ فكان لو اشْتَرَى التُّرابَ لَرَبِحَ فيه»، وفي روايةٍ قال: «هذا دِينارُكم، وهذه شاتُكم، قال: كيف صَنَعْتَ؟» فذكره، ورواه البخاريُّ في ضِمْن حديثٍ مُتَّصِلٍ (٥) لِعُرْوةَ، حدَّثَنا عليُّ بنُ عبد الله، ثنا سُفْيانُ (٦)، ولأِنَّه حصل له المأذون فيه (٧) وزيادةٌ، وفي الأخيرة حصل المقصودُ وزيادةٌ؛ لأِنَّه مأْذُونٌ فيه عُرْفًا، فإنَّ مَنْ رَضِيَ بشراء شَيءٍ بدِينارٍ؛ يَرْضَى بأقلَّ منه. وكذا إذا اشْتَرَى شاتَينِ، كلٌّ منهما تُساوِي دِينارًا. وفيه رِوايةٌ في «المبهج»: كفُضُولِيٍّ. وإن أبقى ما يساويه؛ ففي بَيع الآخَر بغير إذْنِ الموكِّل وجْهانِ: أحدهما: لا يجوز؛ لأِنَّه غَيرُ مَأْذُونٍ فيه، أشْبَهَ بَيعَ الشَّاتَينِ. والثَّانِي - وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ -: الجَوازُ؛ لظاهِر الخَبرِ.

стр. 3061

(وَإِلاَّ فَلَا) يَصِحُّ إذا كانت كلٌّ منهما تُساوِي أقلَّ من دِينارٍ؛ لأِنَّه لم يَحصُل له المقصودُ، فلم يَقَعِ البيع (١) له؛ لكَونه غَيرَ مَأْذُونٍ فيه لَفْظًا ولا عُرْفًا، وكذا كون (٢) الشَّاةِ الموكَّلِ في شرائها بدِينارٍ تُساوِي أقلَّ منه؛ لِمَا ذَكَرْنا. وفي «عيون المسائل»: إنْ ساوَى كلٌّ منهما نصفَ دينار (٣)؛ صحَّ للموكِّل، لا للوكيل، وإنْ كان كلُّ واحدةٍ لا تُساوِي نصفَ دِينارٍ؛ فروايتان: إحداهما: يَصِحُّ ويَقِفُ (٤) على إجازة الموكِّل؛ لخبر عُروةَ. تنبيهٌ: إذا وكَّله في شِراءِ مُعيَّنٍ بمائةٍ، فاشتراه بدونها؛ جاز، ما لم يَنْهَه عن الشِّراء بأقلَّ منها؛ لمخالَفة قَولِه ونَصِّه. وإنْ قال: اشْتَره بها، ولا تَشْتَره بخمسين؛ جاز له شراؤه بما فَوقَ الخمسين، فإنِ اشْتَراهُ بما دُونَ الخمسين؛ جاز في وجْهٍ. ومَنْ وُكِّل في شِراءِ شَيءٍ مُعَيَّنٍ بثمنٍ معلومٍ؛ فله شراؤه لنفسه بمثل ذلك الثَّمن، وغيره. (وَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ مَعِيبٍ)؛ أيْ: لا يجوز له؛ لأِنَّ الإطْلاقَ يَقتَضِي السَّلامةَ، ولذلك جاز له الرَّدُّ به، ومَحَلُّه: ما لم يعيِّنْه له موكِّلُه. فإن فعل عالِمًا بعَيبه؛ لَزِمَه إن لم يَرْضَهُ مُوَكِّلُه، ولم يَرُدُّه، وكذا لا يَرُدُّه الموكِّل، وحكاه في الحاشية قَولاً، وفيه نَظَرٌ. فإنِ اشْتَراهُ بعَين المال؛ لم يَصِحَّ على المذهب.

стр. 3062

(فَإِنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا)؛ أيْ: جَهِل عَيبَه؛ (فَلَهُ رَدُّهُ (١)؛ لأِنَّه قائمٌ مَقامَ الموكِّل، وله أيضًا الرَّدُّ؛ لأِنَّه مِلْكُهُ. فإنْ حضر قبل ردِّ الوكيل ورضِيَ بالعيب؛ لم يكن للوكيل ردُّه، لأِنَّ الحقَّ له، بخلاف المضارِب؛ لأِنَّ له حقًّا، فلا يَسقُط برضا غيره. فإنْ طَلَب البائعُ الإمْهالَ حتَّى يَحضُر الموكِّل؛ لم يَلزَمْه ذلك؛ لأِنَّه لم يأْمَنْ فَواتَ الرَّدِّ. فإنْ أخَّره بناءً على قَولٍ، فلم يَرْضَ به الموكِّل؛ فله الرَّدُّ وإنْ قُلْنا: هو على الفور؛ لأِنَّه أخَّره بإذْن البائع. وإن أنكر البائع أنَّ الشِّراء وقع له؛ لزم الوكيلَ، وقيل: الموكِّل، وله أرْشُه. وذَكَرَ الأَزَجِيُّ: إنْ جَهِل عَيبَه (٢)، وقد اشْتَرَى بِعَين المال؛ فهل يَقَعُ عن الموكِّل؟ فيه خلافٌ. (فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: مُوَكِّلُكَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأِنَّه مُنْكِرٌ، والقَولُ قَولُه معها؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ الرِّضا، فلا يُقبَلُ إلاَّ ببيِّنةٍ، فإن لم يُقِمْها؛ لم يُسْتحْلَف الوكيلُ إلاَّ أنْ يدَّعِيَ علمه (٣)، فيَحْلِف على نفي العلم، ذَكَرَه في «الشَّرح»، (إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ)؛ أيْ: لا يَعلَم رضا مُوكِّله؛ لأِنَّه يَجُوز أنْ يَعلَم رِضاهُ، وهو مُسْقِطٌ للردِّ، وإنما كانت على النَّفْي؛ لأِنَّها على فِعْل الغَير، فإذا حَلَفَ؛ أخَذَ حَقَّه في الحال. وقيل: يَقِفُ على حَلِف مُوكِّله إنْ طَلَبَه الخَصْمُ. وكذا كلُّ غَريمٍ لوكيلٍ غائبٍ في قَبْضِ حقِّه: أَبْرَأَنِي مُوكِّلُك، أوْ قَبَضَه،

стр. 3063

ويُحْكَم بِبَيِّنةٍ (١) إنْ حُكِم على غائِبٍ. (فَإِنْ رَدَّهُ، فَصَدَّقَ الْمَوَكِّلُ الْبَائِعَ فِي الرِّضَا بِالْعَيْب؛ فَهَلْ يَصِحُّ الرَّدُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «الشرح» (٢) و «الفروع»: أشْهَرُهما: لا يَصِحُّ الرَّدُّ، وهو باقٍ للمُوَكِّل؛ لأِنَّ رِضَا الموكِّل بالعَيب عَزْلٌ للوكيل عن الرَّدِّ، ومَنْعٌ له، بدليلِ: أنَّ الوكيل لو عَلِمَه؛ لم يكن له الرَّدُّ، فعلى هذا: للموكِّل اسْتِرْجاعُه، وللبائع رَدُّه عليه. والثَّاني: يصح (٣)، بِناءً على أنَّ الوكيلَ لا يَنْعزِلُ قَبْلَ العلم بعَزْله، فيكونُ الرَّدُّ صادَفَ وِلايةً، فعلى هذا: يُجَدِّدُ الموكِّلُ العَقْدَ. (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مُعَيَّنٍ، فَاشْتَرَاهُ وَوَجَدَهُ مَعِيبًا؛ فَهَلْ لَهُ (٤) رَدُّهُ قَبْلَ إِعْلَامِ الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «الفروع»: أحَدُهما: له ذلك؛ لأِنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي السَّلامةَ، أشْبَهَ ما لو وكَّله في شِراءِ مَوْصوفٍ. والثَّاني، وهو الأشهر: لَا؛ لأِنَّ الموَكِّلَ قَطَعَ نَظَرَه بالتَّعيين، فربما (٥) رَضِيَه بجميع صفاته. وعلى الأوَّلِ: حُكْمُه حُكْمُ غَيرِ المعيَّن. وإنْ عَلِمَ عَيْبَه قَبْلَ شِرائه؛ فهل له شِراؤه؟ فيه وجْهانِ مَبْنِيَّانِ على ردِّه إذا عَلِمَ عَيْبَه بَعْدَ شرائه، والمقدَّمُ: له شِراؤه. (فَإِنْ قَالَ: اشْتَر لِي بِعَيْنِ هَذَا الثَّمَنِ، فَاشْتَرَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ؛ لَمْ يَلْزَمِ

стр. 3064

الْمُوَكِّلَ)؛ لأِنَّ الثَّمَنَ إذا تعيَّنَ؛ انْفَسَخ العَقْدُ بِتَلَفِه أوْ كونِه مَغْصوبًا، ولم يَلْزَمْه ثَمَنٌ في ذِمَّته، وهذا غَرَضٌ صحيحٌ للمُوَكِّل، فلم يَجُزْ مُخالَفتُه، وظاهِرُه: ولو نَقَدَ المعَيَّنَ، ويَقَعُ الشِّراءُ للوكيل، وهل يَقِفُ على إجازة الموكِّل؟ فيه الرِّوايتانِ. (فَإِنْ (١) قَالَ: اشْتَر لِي فِي ذِمَّتِكَ، وَانْقُدِ الثَّمَنَ، فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ؛ صَحَّ، وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ)، ذَكَرَه أصحابُنا؛ لأِنَّه أَذِنَ له في عَقْدٍ يَلزَمُه به الثَّمَنُ مع بقاء الدَّراهم وتَلَفِها، فكان إذْنًا في عَقْدٍ لا يَلزَمُه الثَّمَنُ إلَا مَعَ بقائها. وقيل: إنْ رَضِيَ به وإلاَّ بَطَلَ. وقيل: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه قد يكون له غَرَضٌ في الشِّراء في الذِّمَّة؛ لشبهةٍ فيها، أو يَخْتارُ وُقوعَ عَقْدٍ لا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِها، ولا يبطل (٢) بتحريمها، فلم يَجُزْ مخالَفةُ غَرَضِه لصِحَّته. وإنْ أطْلَق؛ جاز. وليس له العَقْدُ مع فقيرٍ، وقاطِعِ طَرِيقٍ، إلاَّ أنْ يأمُرَه، نَقَلَه الأثْرَمُ (٣). (وَإِنْ (٤) أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ فِي سُوقٍ بِثَمَنٍ، فَبَاعَهُ بِهِ فِي آخَرَ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ القَصْدَ البَيعُ بما قدَّره له، وقد حَصَلَ؛ كالإجارَة وغيرِها، هذا إذا كان هو وغيرُه سَواءً. فإنْ كان له غَرَضٌ صحيحٌ؛ تعيَّنَ، كما لَوْ كان السُّوقُ معروفًا بجَودة النَّقْد، أو كَثْرةِ الثَّمَنِ، أوْ حِلِّه، أوْ صَلاحِ أهله.

стр. 3065

(وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ لِزَيْدٍ (١)، فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ)، بغَير خِلافٍ نَعْلَمُه (٢)؛ لأِنَّه قد يَقْصِدُ نَفْعَه، فلا تجوز مُخالَفتُه، وفي «المغني» و «الشَّرح»: إلاَّ أنْ يَعْلَمَ بِقَرِينةٍ أوْ صَريحٍ أنَّه لا غَرَضَ له في عَينِ المشْتَرِي. قاعِدةٌ: حُقوقُ العَقْد وهي: تسليمُ الثَّمن، وقَبض المبيع، والرَّدُّ بالعَيب، وضَمانُ الدَّرَك؛ يَتعلَّقُ بالموكِّل؛ لأِنَّه لا يَعْتِق قَريبُ وكيلٍ عليه. وقال أبو حنيفةَ: يَدخُل في ملك الوكيل، ثُمَّ يَنتَقِل عنه إلى الموكِّل (٣). ورُدَّ: بأنَّه قَبِلَ عقْدًا لغيره، فوجب (٤) أن يَنْتَقِلَ الملكُ إليه؛ كالأب والوصيِّ، وكما لو تزوَّج له. ويتفرَّعُ عليهما: لو وكَّلَ مسلِمٌ ذِمِّيًّا في شِراء خمرٍ، فاشتراه له؛ لم يَصِحَّ على الأوَّل، لا الثَّاني. وإذا باع الوكيلُ بثمَنٍ معيَّنٍ؛ ثبت الملك للموكِّل في الثَّمن، وإن كان في الذِّمَّة؛ فللمُوَكِّل والوكيل المطالبةُ به. وعنده (٥): ليس للمُوَكِّل المطالبةُ به. وفي «المغني» و «الشَّرح»: إن اشْتَرَى وكيلٌ في شِراءٍ في الذِّمَّة؛ فكضامِنٍ. وقال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٦) فِيمَنْ وكِّل في بَيعٍ، أو اسْتِئْجارٍ: فإن لم يُسَمِّ مُوَكِّلَه في العقد؛ فضامِنٌ، وإلاَّ فروايتانِ، وظاهر (٧) المذهب: يَضْمَنُه، ولو

стр. 3066

وكَّل رجلاً يَسْتَسْلِفُ له ألْفًا في كُرِّ حِنْطَةٍ، ففعل؛ مَلَكَ الموَكِّلُ ثَمَنَها، والوكيلُ ضامِنٌ. (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ؛ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ)؛ لأِنَّ إطْلاقَ الوَكالة في البَيع يَقْتَضِي التَّسليمَ؛ لكَونه مِنْ تَمامه. (وَلَمْ يَمْلِكْ قَبْضَ ثَمَنَهِ)، كذا أطْلقَه الأكثرُ؛ لأِنَّه قد يُوكِّلُ في البَيع من لا يأمنه (١) على قَبْض الثَّمن، والمذهَبُ عند الشَّيخَينِ: أنَّه يُقَيَّدُ (٢): (إِلاَّ بِقَرِينَةٍ)، فعلى هذا: إنْ كانت قرينةُ الحال تدُلُّ على القَبْض؛ مِثْلَ تَوكِيله في بَيعِ شَيءٍ في سُوقٍ غائبٍ عن الموكِّل، أوْ موضعٍ (٣) يَضِيعُ الثَّمَنُ بِتَرْك قَبْضِ الوكيل له؛ كان إذْنًا في قَبضِه، فإنْ تَرَكَه ضَمِنَه؛ لأِنَّه يُعَدُّ مُفَرِّطًا. وإنْ لم تَدُلَّ القَرينةُ على ذلك؛ لم يَكُنْ له قَبْضُه. وقيل: يمْلِكُه مطْلَقًا؛ لأِنَّه من مُوجِبِ البَيع، فَمَلَكَه؛ كتسليم المبِيعِ، فلا يُسَلِّمه قَبْلَه، فإنْ فَعَلَ؛ ضَمِنَه. وعلى الأوَّل: (فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ؛ لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ شَيْءٌ)؛ كظُهُور مَبِيعِه مُسْتَحَقًّا، أوْ مَعِيبًا؛ كحاكِمٍ وأمِينه، ولأِنَّه ليس بمفرِّطٍ (٤) فيه؛ لكَونِه لا يَمْلِكُه. تنبيهٌ: وكَّلَه في شِراءِ شَيءٍ؛ مَلَكَ تسليمَ ثَمَنِه؛ لأِنَّه من تَتِمَّته (٥) وحُقوقه؛ كتَسْلِيم المبِيعِ. فإنِ اشْتَرَى عَبْدًا، فنَقَدَ ثَمَنَه، فخَرَجَ مُسْتَحَقًّا؛ فهل يَمْلِك في تَخاصُم (٦)

стр. 3067

البائع (١) في الثَّمَن؟ على وجْهَينِ. وإنِ اشْتَرَى شَيئًا وقَبَضَه، وأخَّر تَسْلِيمَ ثَمَنِه لغَير عُذْرٍ، فَهَلَك في يده؛ ضَمِنَه، نَصَّ عليه (٢). وليس لوكيلٍ في بَيعٍ تقليبُه على مُشْتَرٍ إلاَّ بحضْرتِه، وإلاَّ ضَمِنَ، ذَكَرَه في «النَّوادر»، ويتوجَّه: العُرْفُ. ولا بَيعُه ببلدٍ (٣) آخَرَ في الأصحِّ، فيَضْمَنُ ويَصِحُّ، ومع مُؤْنَة نَقْلٍ: لا، ذَكَرَه في «الانتصار». (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ)؛ أيْ: لم يَصِحَّ، ولم يَمْلِكْه؛ لأِنَّ الله تعالى لم يَأْذَنْ فيه، ولأِنَّ الموكِّلَ لا يَمْلِكُه، فوكيله (٤) كذلك وأولى (٥)، وكشَرْطِهِ على وكيلٍ في بَيعٍ: أنْ لا يُسلِّمَ (٦) المبيعَ. (أَوْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ؛ لَمْ يَصِحَّ)، ذَكَرَه الأزَجِيُّ اتِّفاقَ الأَصْحاب؛ لأِنَّه يَدخُلُ فيه كلُّ شَيءٍ؛ من هبةِ (٧) ماله، وطلاقِ نسائه، وإعْتاقِ رقيقه، فيَعْظُمُ الغَرَرُ والضَّرَرُ، ولأِنَّ التَّوكِيلَ لا بُدَّ وأنْ يكونَ في تصرُّفٍ معلومٍ. ومِثْلُه: وكَّلْتُك في شراءِ ما شِئْتَ من المتاع الفُلانِيِّ، فلو قال: وكَّلْتُك بما إلَيَّ من التَّصرُّفات؛ فاحْتِمالانِ. وقيل: يَصِحُّ في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ؛ كبيع ماله، أو المطالَبة بحقوقه، أو

стр. 3068

الإبِراء، أو ما شاء منه، يؤيده (١) قول المرُّوذِي: بَعَثَ بِي أبُو عَبدِ الله في حاجةٍ، وقال: كلُّ شَيءٍ تقولُ على لساني، فأنا قُلْتُه (٢). (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ كُلِّهِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه يَعرِف مالَه، فيَقِلُّ الغَرَرُ. وذَكَرَ الأَزَجِيُّ في: بِعْ مِنْ عَبِيدِي مَنْ شِئْتَ؛ أنَّ «مِنْ» للتَّبْعيض، فلا يَبِعْهم إلاَّ واحدًا، ولا الكُلَّ؛ لاِستِعْمال هذا في الأقلِّ غالِبًا، وقال: هذا يَنْبَنِي (٣) على أصْلٍ، وهو استثناء (٤) الأكثرِ، وفيه نَظَرٌ. (وَإِنْ قَالَ: اشْتَرْ لِي مَا شِئْتَ، أَوْ عَبْدًا بِمَا شِئْتَ؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّ ما يُمْكِنُ شِراؤه والشِّراءُ به يَكثُرُ؛ فيَكْثُرُ فيه الغَرَرُ، (حَتَّى يَذْكُرَ النَّوْعَ)، وعليه اقْتَصَر القاضِي؛ لأِنَّه إذا ذَكَرَ نَوعًا، فقد أذِنَ في أغلاه (٥) ثَمَنًا، فيَقِلُّ الغَرَرُ فيه، (وَقَدْرَ الثَّمَنِ)، وهو روايةٌ؛ لاِنْتِفاء الغَرَر، فمن (٦) اعْتَبَره؛ جَوَّز أنْ يَذْكُرَ أكْثَرَ الثَّمن وأقلَّه، وحكاه في «الفروع» قَولاً، واقْتَصَر عليه في «الشَّرح»، وصريحُ كلامِه: أنَّه لا بُدَّ للصِّحَّة من اعْتِبار الأمْرَينِ، وقاله أبو الخَطَّاب. (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ)، فإنَّه رُوِيَ عنه فِيمَنْ قال: ما اشْتَريْتَ مِنْ شَيءٍ فهو بَيننا؛ أنَّ هذا جائِزٌ، وأعْجَبَه (٧)، وهذا تَوكيلٌ في شِراءِ كلِّ شَيءٍ؛ لأِنَّه إذْنٌ في التَّصرُّف، فجاز من غير تعيينٍ؛ كالإذن في التِّجارة، وكما لو قال: بِعْ من مالي ما شِئْتَ. والإطْلاقُ يَقْتَضِي شِراءَ عبدٍ مسلِمٍ عند ابن عَقيلٍ؛ لِجَعْلِه الكُفْرَ عَيبًا.

стр. 3069

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ؛ لَمْ يَكُنْ وَكِيلاً فِي الْقَبْضِ)؛ لأِنَّ الإذْنَ لم يَتَناوَلْه (١) نُطْقًا ولا عُرْفًا؛ لأِنَّه قد يَرْضَى للخصومة من لا يرضاه للقبض؛ إذْ (٢) مَعْنَى الوكالةِ في الخُصومة: الوكالةُ في إثبات الحقِّ. وذَكَرَ ابْنُ البنَّاء في «تعليقه»: أنَّه وكيلٌ في القَبض؛ لأِنَّه مأمورٌ بقَطْع الخصومة، ولا تَنْقَطِعُ إلاَّ به. وعُلِمَ منه: جوازُ التَّوكيل في الخُصومة. وذَكَرَ القاضِي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٥]: أنَّه لا يَجوزُ لأِحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عن غَيرِه في إثبات حقٍّ (٣) أو نَفْيِه وهو غَيرُ عالِمٍ بحقيقةِ أمْرِه، وفي «المغني» في الصُّلْحِ نحوه (٤). ولا يَصِحُّ مِمَّنْ عَلِمَ ظُلْمَ مُوكِّلِه في الخصومة، قاله في «الفنون»، فظاهِرُه: يَصِحُّ إذا لم يَعْلَمْ، فلو ظَنَّ ظُلْمَه؛ جاز، ويتوجَّهُ: المنْعُ، ومع الشَّكِّ؛ احْتِمالانِ. وعلى ما ذَكَرَه: لا يُقبَلُ إقْرارُه على مُوَكِّلِه بقَبْضٍ ولا غيرِه، نَصَّ عليه (٥). ويُقْبَلُ إقْرارُه بِعَيبٍ فِيما باعَه. واخْتارَ جماعةٌ: لا. وله إثْباتُ وكالته في غَيبة مُوَكِّله في الأصحِّ. وإن قال: أجِبْ خَصْمِي عَنِّي؛ احْتَمَلَ الخصومة (٦)، واحْتَمَل بُطْلانَها، ذَكَرَه في «الفروع».

стр. 3070

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْقَبْضِ؛ كَانَ وَكِيلاً فِي الْخُصُومَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جزم به في «الوجيز»، وهو المذهَبُ؛ لأِنَّه لا يَتَوصَّل إلى القَبْض إلاَّ بالتَّثبت (١)، فكان إذْنًا فيه عُرْفًا؛ لأِنَّ القَبْضَ لا يَتِمُّ إلاَّ به؛ فَمَلَكَهُ، كما لو وكَّله في شِراءِ شَيءٍ؛ مَلَكَ تَسْليمَ ثَمَنِه. والثَّاني: لا يَمْلِكُها؛ لأِنَّهما مَعْنيان (٢) مختلِفانِ، فالوكيل في أحدهما لا يكون وكيلاً في الآخَرِ، وكعكسه. وأطلق في «المحرَّر» و «الفروع» الخِلافَ. وقيل: إن كان الموكِّلُ عالِمًا بِجَحْد مَنْ عليه الحقُّ، أوْ مَطْلِه؛ كان توكيلاً في الخُصومة؛ لوقوف القَبْض عليه. وعلى الجواز: لا فَرْقَ بَينَ كَونِ الحقِّ عَينًا أوْ دَينًا. (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الْحَقِّ مِنْ إِنْسَانٍ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْ وَارِثِهِ)؛ لأِنَّه لم يُؤْمَرْ بذلك، ولا يَقْتَضِيه العُرْفُ. ومُقتَضاه: أنَّ له قَبْضَه من وكيله، وهو كذلك؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَه. فإنْ قُلْتَ: فالوارِثُ نائِبٌ عن المَورُوث؛ فهو كالوكيل. وجوابُه: أنَّ الوكيل إذا دفع بإذنه جرى (٣) مَجرَى تسليمه، وليس الوارِثُ كذلك، فإنَّ الحقَّ انْتَقَل إليهم، واسْتُحِقَّت المطالَبةُ عليهم لا بطريق النِّيابة عن الموروث، ولهذا لو حَلَفَ لا يفعَل شَيئًا؛ حَنِثَ بفِعْل وكيله دونَ مُورِّثه. (وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْ حَقِّي الذِي قِبَلَهُ)، أوْ عليه؛ (فَلَهُ الْقَبْضُ مِنْ وَارِثِهِ)؛ لأِنَّ الوكالةَ اقْتَضَتْ قَبْضَ حقِّه مُطلَقًا، فشمل (٤) القَبْضَ من الوارِث؛ لأِنَّه من حَقِّه.

стр. 3071

(وَإِنْ (١) قَالَ: اقْبِضْهُ الْيَوْمَ؛ لَمْ يَمْلِكْ قَبْضَهُ غَدًا)؛ لِتَقْييدها بزمانٍ مُعيَّنٍ؛ لأِنَّه قد يَختَصُّ غَرَضُه في زَمَنِ حاجته إليه. (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْإِيدَاعِ، فَأَوْدَعَ وَلَمْ يُشْهِدْ؛ لَمْ يَضْمَنْ) إذا أنْكَرَ المودَعُ، نَقَلَه الأصْحابُ، لِعَدَم الفائدة في الإشْهاد؛ إذ المودَعُ يُقبَلُ قَولُه في الرَّدِّ والتَّلَف، فلم يكن مُفَرِّطًا في عَدَم الإشْهاد. وفيه وَجْهٌ، وذَكَرَه القاضِي روايةً: أنَّه يَضمَنُ؛ لأِنَّ الوديعةَ لا تَثْبُت إلاَّ بِبَيِّنةٍ، فهو كما لو وَكَّله في قضاء دَينٍ، وبأنَّ الفائدةَ في الإشهاد هو (٢) ثبوت الوديعة، فلو مات أُخِذَتْ من تَرِكَتِه. فإنْ قال الوكيلُ: دَفَعْتُ المالَ إلى المودَع، فأنكر (٣)؛ قُبِل قَولُ الوكيل؛ لأِنَّهما اختلفا في تصرُّفه فيما وُكِّل فيه. (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ، فَقَضَاهُ وَلَمْ يُشْهِدْ، وَأَنْكَرَ الْغَرِيمُ؛ ضَمِنَ) الوكيلُ؛ لأِنَّه مُفرِّطٌ حَيثُ لم يُشْهِدْ، قال القاضِي: سَواءٌ صدَّقه أوْ كذَّبه؛ لأِنَّه إنَّما أَذِنَ في قضاءٍ مُبْرِئٍ، ولم يُوجَدْ، (إِلاَّ أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ)، فإنَّه لا يَضمَنُ على الأصحِّ؛ لأِنَّ حُضورَه قرينةُ رِضاهُ بالدَّفْع بغَير بَيِّنةٍ. وقيل: لا يَضمَنُ؛ بِناءً على أنَّ السَّاكِتَ لا يُنْسَبُ إليه قَولٌ. وعنه: لا يَرجِعُ بشَيءٍ إلاَّ أن يكونَ أُمِرَ بالإشْهاد فلم يَفْعَلْ، قدَّمه في «الفروع»؛ لتفريطه، فعليها: إنْ صدَّقه الموكِّلُ في الدَّفْع؛ لم يَرجِعْ عليه بِشَيءٍ، وإنْ كذَّبه؛ قُبِلَ قَولُ الوكيل (٤) مع يمينه؛ لأِنَّه ادَّعَى فِعْلَ ما أَمَرَه به مُوَكِّلُه.

стр. 3072

وعنه: لا يَضْمَنُ مُطْلَقًا، اخْتاره ابنُ عَقِيلٍ؛ كقضائه بحضرته. وعلى اعْتِبارها: إذا أَشْهَدَ عُدولاً فماتوا، أوْ غابوا؛ فلا ضَمانَ؛ لعدَم تفريطه. وإن أشْهَدَ بيِّنةً فيها خِلافٌ؛ فوجْهانِ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ كان لموكِّله الاِمْتِناعُ من الوفاء بدون الإشهاد؛ لزم الوكيلَ الإشْهادُ، فإنْ تَرَكَه ضَمِنَ، وإن لم يكن لموكِّله الاِمْتِناعُ؛ لم يَلْزَمْه، ولا ضَمانَ بتَرْكه. فإنْ قال: أَشْهَدْتُ فماتوا، أو أَذِنْتَ (١) فيه بلا بيِّنةٍ، أو قَضَيْتُ بحضْرتكَ؛ صُدِّقَ الموَكِّلُ؛ للأصل. ويتوجَّهُ في الأُولَى: لا، وأنَّ في الثَّانية الخلافَ، كما هو ظاهِرُ كلامِ بعضِهم، ذَكَرَه في «الفروع».

стр. 3073

(فَصْلٌ) (وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ)؛ لأِنَّه نائبُ المالِكِ في اليد والتَّصرُّف، فكان الهلاكُ في يده كالهلاك في يد المالك؛ كالمودَع. وكذا حُكْمُ كلِّ مَنْ في يده شَيءٌ لغَيره على سبيل الأمانة؛ كالوصيِّ ونحوِه. وظاهِرُه: سواءٌ كان بجُعْلٍ أو لا، وأنَّه لا فَرْقَ بَينَ تَلَفِ العين الموكَّلِ فيها، أوْ تَلَفِ ثَمَنِها؛ لأِنَّه أَمِينٌ. وظاهِرُه: أنَّه يَضْمَنُ إنْ فَرَّط؛ بأن لا يَحفَظَ ذلك في حِرْزِ مِثْلِها، وفي «المغني»: أوْ يَركَبَ الدَّابَّةَ، أوْ يَلْبَسَ الثَّوبَ، أوْ يُطْلَبَ منه المال فيَمْتَنِعَ من دَفْعِه لغير عُذْرٍ؛ لأِنَّ التَّعدِّيَ أبْلَغُ من التَّفريط. (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْهَلَاكِ وَنَفْيِ التَّفْرِيطِ)؛ أيْ: إذا ادَّعَى الموكِّلُ عليه ما يَقْتَضِي الضَّمانَ؛ لأِنَّه أَمِينٌ، والأَصْلُ براءةُ ذِمَّتِه مِمَّا يُدَّعَى عليه، ولو كُلِّف إقامةَ البيِّنة على ذلك لَامْتَنَعَ النَّاسُ من الدُّخول في الأَمانات مع دَعْوَى الحاجة إليها. والمذهَبُ: أنه إذا ادَّعَى التَّلَفَ بأمْرٍ ظاهِرٍ؛ كحريقٍ عامٍّ، ونَهْبِ جَيْشٍ؛ كُلِّفَ إقامةَ البَيِّنةِ عليه، ثُمَّ يُقبَلُ قَولُه فيه. (وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ الثَّوْبَ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)، ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأِنَّه يَمْلِك البَيعَ والقَبضَ، فقُبِل قَولُه فيهما كالولِيِّ المجْبِر، ولأِنَّه أَمِينٌ ويتعذَّر إقامةُ البيِّنة على ذلك، فلا يُكَلَّفُها؛ كالمودَعِ.

стр. 3074

وقيل: لا يُقبَلُ قَولُه؛ لأنه (١) يُقِرُّ بحقٍّ لغَيره على مُوَكِّله، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقرَّ بدَينٍ عليه. فَرْعٌ: وكَّلَه في شِراءِ شَيءٍ، فاشْتَراه، واخْتَلَفا في قَدْر ثَمَنِه؛ قُبِلَ قَولُ الوكيل. وقال القاضِي: يُقبَلُ قَوْلُ الموكِّل، إلاَّ أن يكون عَيَّنَ له الشِّراءَ بما ادَّعاه، فقال: اشْتَر لي عبدًا بألْفٍ، فادَّعَى أنَّه اشْتَراه بها؛ قُبِل قَولُه، وإلاَّ فالموكِّل؛ لأِنَّ مَنْ قُبِل قَولُه في أصْلِ شَيءٍ؛ قُبِل في صِفَتِه. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ)، سواءٌ كان العَينَ، أوْ ثَمَنَها، (إِلَى الْمُوَكِّلِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا)، قَولاً واحِدًا، قاله في «المحرَّر»؛ لأِنَّه قَبَضَ المالَ لِنَفْع مالِكِه فَقَطْ، فقُبِل قولُه فيه؛ كالوصي (٢) والمودَع المتبرِّع (٣). وقيل: لا، وجَزَم به ابنُ الجَوْزِيِّ في قَولِه تعالى: الآية ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النِّسَاء: ٦]، ولم يُخالِفْه. وعلى الأوَّل: يُقبَلُ مع يمينه. وفي «التَّذكرة»: أنَّ مَنْ قُبِل قَولُه من الأُمَناء؛ لم يَحْلِفْ. والتَّلَف كالرَّدِّ. (وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أشْهَرُهما: أنَّه لا يُقبَلُ إلاَّ ببيِّنةٍ؛ لأِنَّه قَبَضَ المالَ لِنَفْع نفسه، فلم يُقبَلْ قَولُه في ذلك كالمستعير. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّه أَمِينٌ. (وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْأَجِيرِ وَالْمُرْتَهِنِ)؛ لاِشْتِراك الكُلِّ في قَبض العَين

стр. 3075

لمنفعة القابض. ونَصَّ أحمدُ في المضارَب: أنَّه لا يُقبَلُ قَولُه (١)؛ كالمستعير. فلو أنْكَرَ الوكيلُ قَبْضَ المال، ثُمَّ ثَبَتَ فادَّعَى الرَّدَّ أوِ التَّلَفَ؛ لم يُقبَلْ؛ لثُبوت خِيانته بجَحْده، ولو أقام به بيِّنةً في وَجْهٍ؛ لأِنَّه مُكذِّبٌ لها. والثَّاني: يُقبَلُ؛ لأِنَّه يَدَّعِي ذلك قَبْلَ وُجود خِيانَته. مسألةٌ: كلُّ أمينٍ قُبِل قَولُه في الرَّدِّ، وطُلِبَ منه؛ فهل له تأخيرُه حتَّى يُشْهِدَ عليه؟ فيه وجْهانِ إنْ قُلْنا: يَحْلِف، وإلاَّ لم يُؤخِّرْه لذلك، وفيه احْتِمالٌ. ومَنْ لا يُقْبَلُ قَولُه في الرَّدِّ؛ كالمستعير، ولا حُجَّةَ عليه بالأخْذِ؛ لم يُؤخِّرْ ردَّه للإشهاد عليه. وقال ابنُ حَمْدان: بلى، كما لو أخذه وفي ذمَّته مالٌ لِزَيدٍ، أو في يده (٢)؛ لم يَلزَمْه دَفْعُه إلى وكيله حتَّى يُشْهِد عليه بقَبْضه. ومَنْ عليه دَينٌ بحُجَّةٍ؛ لم يَلْزَمْهُ دَفْعُه إلى ربِّه إلاَّ بِبَيِّنةٍ (٣) تَشْهَدُ عليه بقَبْضه. فَرْعٌ: إذا تَلِف ما وُكِّل في بَيعه، أو الشِّراء به، بِتَعَدٍّ (٤) أوْ تفريطٍ، أو أتْلَفَه هو أو غيرُه؛ لم يتصرَّف في بَدَله بحالٍ. وإن وَزَن مِنْ مالهِ بَدَلَ الثَّمَن واشْتَرى بعَينه لموكِّله ما أمره به؛ لم يَصِحَّ، وكذا إن اشْتَراه في ذمَّته، ثُمَّ نَقَدَه. وعنه: هو موقوفٌ على إجازة مُوَكِّله. (وَإِنْ قَالَ: أَذِنْتَ لِي فِي الْبَيْعِ نَسَاءً، وَفِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ)، أوْ قال: وكَّلْتُك في بَيعِ هذا العبدِ، قال: بل في بَيع الأَمَةِ، (فَأَنْكَرَهُ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ):

стр. 3076

المذهَبُ: أنَّه يُقْبَلُ قَولُ الوكيل، ونَصَّ عليه في المضارَب (١)؛ لأِنَّه أمينٌ في التَّصرُّف، فَقُبِلَ قَولُه؛ كالخَيَّاط. والثَّاني، وقاله القاضي، وجزم به في «الوجيز»: يُقْبَلُ قَولُ المالِك؛ لأِنَّه يُقبَلُ قَولُه في أصل الوَكالة، فكذا في صفتها، فعليه لو قال: اشْتَرَيتُ لك هذه الجاريةَ، فقال: إنَّما أذِنْتُ في شراء غيرها، قُبِلَ قَولُ المالِك مع يمينه، فإذا حَلَفَ بَرِئَ من الشِّراء. ثُمَّ إنْ كان الشِّراءُ وَقَعَ بعَين المال؛ فهو باطلٌ، وتُرَدُّ الجاريةُ إلى بائعها إنْ صدَّقه، وإنْ كذَّبه أن (٢) الشِّراءَ لِغَيره، أو بمالِ غيره؛ صُدِّق البائعُ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ما في يد الإنسان له. فإنِ ادَّعَى الوكيلُ عِلْمَه (٣) بذلك؛ حَلف أنَّه لا يَعْلَمُ، ولَزِمَ الوكيلَ غرامةُ الثَّمن للمُوَكِّل، ودَفَعَ الثَّمَن للبائع، وتبقى الجاريةُ في يده لا تَحِلُّ له؛ لأِنَّه إنْ كان صادِقًا؛ فهي للمُوَكِّل، وإنْ كان كاذِبًا؛ فهي للبائع. فإنْ أراد حِلَّها؛ اشتراها ممَّنْ (٤) هي له في الباطِنِ، فإنِ امْتَنَعَ رَفَعَ الأمْرَ إلى الحاكم ليَرْفُقَ به لِيَبيعَه إياها؛ لِيَثْبُت له الملكُ (٥) ظاهِرًا وباطِنًا، ويصير ما ثبت له في ذمَّته قِصاصًا بالذي أخذ (٦) منه الآخَرُ ظُلْمًا، فإنِ امْتَنَع لم يُجْبَرْ؛ لأِنَّه عَقْدُ مُراضاةٍ، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح». وإنْ قال: بِعْتُكَها إن كانت لي، أو إنْ كنتُ أذِنْتُ لك في شرائها بكذا؛ فقال القاضي: لا يَصِحُّ؛ لتعليقه على شَرْطٍ.

стр. 3077

وقيل: بلى؛ لأِنَّ هذا أمْرٌ واقِعٌ يَعْلَمانِ وُجودَه، فلا يَضُرُّ جَعْلُهُ شَرْطًا؛ كَبِعْتُكَ هذه الأَمَةَ إنْ كانت أَمَةً. فَرْعٌ: إذا قَبَضَ الوكيلُ الثَّمَنَ؛ فهو أمانةٌ في يده، لا يَلْزَمُه تسليمُه قَبْلَ طَلَبه، ولا يَضْمَنُه بتأخيره، فإنْ طَلَبَه فأخَّرَ الرَّدَّ مع إمكانه فَتَلِفَ؛ ضَمِنَه، فإنْ وَعَدَه ردَّه، ثُمَّ ادَّعَى أنَّه كان ردَّه، أوْ تَلِفَ؛ فإنْ صدَّقه الموَكِّلُ فظاهِرٌ، وإنْ كذَّبه؛ لم يُقْبَلْ، وإن أقام به (١) بيِّنةً؛ فوجْهانِ. (وَإِنْ قَالَ: وَكَّلْتَنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ لَكَ فُلَانَةَ، فَفَعَلْتُ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَأَنْكَرَ (٢)؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ)؛ لأِنَّهما اخْتَلفا في أصل الوكالة، فقُبِل قَولُ الموكِّل؛ إذ الأصلُ عَدَمُها، ولم يَثْبُتْ أنَّه أمِينُه فقُبِلَ قَولُه عليه، (بِغَيْرِ يَمِينٍ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّ الوكيلَ يَدَّعِي حَقًّا لغَيره. ومُقْتضاهُ: أنَّه يُسْتَحْلَفُ إذا ادَّعَتْهُ المرأةُ، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح» و «الوجيز»؛ لأِنَّها تَدَّعِي الصَّداقَ في ذمَّته، فإذا حَلَفَ؛ لم يَلْزَمْهُ شَيءٌ. (وَهَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وذَكَرَ غَيرُه رِوَايَتَينِ: أصحُّهما: لا يَلْزَمُه شَيءٌ؛ لِتَعَلُّق حقوقِ العَقْد بالموَكِّل، وهذا ما لم يَضْمَنْه، فإنْ ضَمِنَه فلها الرُّجوعُ عليه بنصفه؛ لضمانه عنه. والثَّاني: يَلْزَمُه نِصْفُ الصَّداق؛ لأِنَّه ضامِنٌ للثَّمَن في البيع، وللبائع مطالَبتُه، فكذا هنا، ولأِنَّه فَرَّطَ حَيثُ لم يُشْهِد على الزَّوج بالعقد والصَّداق. والأوَّلُ أَوْلَى، ويُفارِق الشِّراءَ؛ لأِنَّ الثَّمَنَ مَقصودُ (٤) البائع (٥)، والعادةُ

стр. 3078

تعجيلُه، بخلاف النِّكاح، قاله في «المغني» و «الشرح». ويَلزَمُ الموكِّل طلاقَها في المنصوص (١)؛ لإزالة الاِحْتِمال. وقيل: لا؛ لأِنَّه لم يَثْبُتْ في حقِّه نِكاحٌ. ولو مات أحدُهما؛ لم يَرِثْه الآخَرُ؛ لأِنَّه لم يَثْبُتْ صداقُها فتَرِثُه، وهو يُنكِر أنَّها زَوجَتُه، فلا يَرِثُها. تنبيهٌ: قد عُلِمَ ممَّا سبق: أنَّه إذا صَدَّق على الوكالة؛ فيُقْبَلُ قَولُ الوكيل، وكذا في (٢) كلِّ تصرُّفٍ وُكِّل فيه، وهو المذهَبُ؛ لأِنَّه مَأْذُونٌ له، أَمِينٌ قادِرٌ على الإنشاء، وهو أعْرَفُ. وعنه: يُقبَلُ قَولُ مُوَكِّله في النِّكاح؛ لأِنَّه لا تتعذَّرُ إقامةُ البَيِّنة عليه؛ لكَونِه لا يَنعَقِدُ إلاَّ بها، ذَكَرَه القاضي وغيرُه؛ كأصل الوكالة. (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ)؛ أيْ: معلومٍ؛ لأِنَّه «﵇ كان يَبْعَث عُمَّالَه لقَبْض الصَّدقات، ويَجْعَل لهم على ذلك جُعْلاً» (٣)، ولأِنَّه تصرُّفٌ لغَيره لا يَلزَمُه، فهو كَرَدِّ الآبِق. وظاهِرُه: أنَّه يَسْتَحِقُّ الجُعْلَ بالبيع - مثلاً - قَبْلَ قَبْض الثَّمَن، جزم به في «المغني» و «الشَّرح»، ما لم يَشْرِطْه عليه، ويَسْتَحِقُّه ببَيْعه نَساءً إنْ صحَّ. وفي «الفروع»: هل يَسْتَحِقُّه قَبْلَ تسليمِ ثمنه؟ يتوجَّه الخِلافُ. فإنْ كان الجُعْلُ مجهولاً؛ فَسَدَتْ، ويَصِحُّ تصرُّفه بالإذْن، وله أجْرُ مِثْلِه.

стр. 3079

(وَبِغَيْرِهِ (١)، أيْ: بغير جُعْلٍ بغير خِلافٍ نَعْلَمُه (٢)؛ لأِنَّه «﵇ وَكَّلَ أُنَيْسًا في إقامة الحدِّ» (٣)، «وعُرْوةَ في الشِّراء بغَير جُعْلٍ» (٤). (فَلَوْ قَالَ: بِعْ ثَوْبِي بِعَشَرَةٍ، فَمَا زَادَ فَلَكَ (٥)؛ صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ (٦)، رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ، رواه سعيدٌ بإسْنادٍ جَيِّدٍ (٧)، ولم نَعرِفْ (٨) له في عَصْرِه مخالِفًا، فكان كالإجْماعِ. وكَرِهَهُ الثَّوْريُّ، وِفاقًا لأِبِي حَنِيفةَ والشَّافِعيِّ (٩)؛ لأِنَّه أجْرٌ مجهولٌ يَحْتَمِلُ الوُجودَ والعَدَم. ورُدَّ: بأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعمل عليها، فهو كَدَفْع مالِه مُضارَبَةً، وبه عَلَّل أحمدُ (١٠)، فعلى هذا: إن باعه بزيادةٍ؛ فهي له، وإن باعه بما عيَّنَه، فلا شَيءَ له؛ لأِنَّه جَعَلَ له الزِّيادةَ، وهي معدومةٌ، فهو كالمضارِب إذا لم يَرْبَحْ.

стр. 3080

(فَصْلٌ) (وَإِنْ (١) كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِإِنْسَانٍ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي قَبْضِهِ، فَصَدَّقَهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ)؛ لأِنَّ عليه فيه منعة (٢)؛ لجَواز أنْ يُنكِرَ الموَكِّل الوَكالةَ فيَسْتَحِقُّ الرُّجوعَ عليه (٣)، إلاَّ اللهم (٤) أنْ تقومَ به بيِّنةٌ، وسَوَاءٌ كان الحقُّ في ذِمَّته، أو وديعةً عنده. (وَإِنْ كَذَّبَهُ؛ لَمْ يُسْتَحْلَفْ)؛ لعدم فائدة اسْتِحْلافه، وهو الحُكمُ عليه بالنُّكول. (وَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالَةَ؛ حَلَفَ)؛ أيْ: الموكِّل؛ لأِنَّه يَحْتَمِلُ صِدْقَ الوكيل فيها، (وَرَجَعَ عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ)؛ لأِنَّ حقَّه في ذِمَّته، ولم يَبْرَأْ منه بتسليمه إلى غير وكيله، ويَرجِع الدَّافِعُ على الوكيل مع بقائه، أو تَعَدِّيه. وظاهِرُه: أنَّه إذا صَدَّق الوكيلَ؛ بَرِئَ الدَّافِعُ. (وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ وَدِيعَةً، فَوَجَدَهَا) صاحِبُها؛ (أَخَذَهَا)؛ لأِنَّها عَينُ حقِّه، (وَإِنْ تَلِفَتْ؛ فَلَهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا)؛ أيْ: من الدَّافِع والقابِضِ؛ لأِنَّ الدَّافِع ضَمِنَها بالدَّفْع، والقابِضَ قَبَضَ ما لا يَسْتَحِقُّه. (وَلَا يَرْجِعُ مَنْ ضَمِنَهُ عَلَى الآخَرِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يدعي (٥) أنَّ ما

стр. 3081

يأخذه المالِكُ ظُلْمٌ، ويُقِرُّ بأنَّه لم يُوجَدْ مِنْ صاحِبِه تَعَدٍّ، فلا يَرجِعُ على صاحبه بظُلْمِ غيرِه. إلاَّ أنْ يكونَ الدَّافِعُ دَفَعَها إلى الوكيل مِنْ غَير تصديقٍ، فيَرجِع على الوكيل، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وِفاقًا (١)؛ لكونه (٢) لم يُقِرَّ بوكالته، ولم يَثْبُتْ بِبَيِّنةٍ، قال: ومُجرَّد التَّسليمِ ليس تصديقًا. ثُمَّ قال: (وإنْ صدَّقه؛ ضَمِنَ في أحد القَولَينِ في مذهب أحمدَ، بل نَصِّه؛ لأِنَّه متى لم يَتَبَيَّنْ صِدْقُه فقد غَرَّه). نَقَل مهنَّى (٣) فِيمَن بَعَثَ إلى مَنْ عِندَه دَنانيرُ أوْ ثِيابٌ، يأخذ دينارًا، أوْ ثوبًا، فأخذ أكثرَ، فالضَّمانُ على الباعث؛ يعني: الذي أعطاه، ويَرجِع هو بالزِّيادة على الرَّسول، وهو ظاهِرُ كلامِ أبي بَكْرٍ. (وَإِنْ (٤) كَانَ ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحَالَهُ بِهِ؛ فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينِ مَعَ الإنْكَارِ وَجْهَانِ)، كذا في «المحرَّر»: أحدهما، وهو الأَوْلَى والأَشْبَهُ: أنَّه لا يَلْزَمُه ذلك؛ لأِنَّ الدَّفْع إليه (٥) غَيرُ مُبْرِئٍ؛ لاِحْتِمال أنْ يُنكِرَ المُحِيلُ الحَوالةَ، فهو كدعوى الوكالةِ والوصيَّة. والثَّاني: يَلْزَمُه الدَّفْع إليه؛ لأِنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ الحقَّ انتقل إليه، أشْبَهَ الوارِثَ. ورُدَّ: بأنَّ وُجوبَ الدَّفْعِ إلى الوارِث كَونُه مُسْتَحِقًّا، والدَّفْعُ إليه مُبْرِئٌ (٦)، بخلافه هنا، فإلْحاقُه بالوكيل أَوْلَى.

стр. 3082

وَوُجوبُ اليمين مع الإنكار وعَدَمِه؛ مُخَرَّجٌ على وجوب الدَّفْع مع التَّصديق، ولهذا عَطَفه (١) عليه. وتُقْبَلُ بيِّنةُ المُحال عليه على المحيل، فلا يُطالِبُه، وتُعاد لغائبٍ مُحْتالٍ بعد دَعْواهُ، فيُقضَى بها له إذنْ. (وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ، وَأَنَا وَارِثُهُ؛ لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ) أنَّه (٢) لا وارِثَ له سِواهُ بِغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٣)؛ لأِنَّه مُقِرٌّ له بالحقِّ، وأنَّه يَبْرَأُ بهذا الدَّفْع، فلَزِمَه، كما لو جاء صاحب الحقِّ. (وَالْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ)؛ أيْ: على نَفْيِ العِلْم؛ لأِنَّها على نَفْيِ فِعْل الغَير، وإنَّما لَزِمَتْهُ (٤) هنا؛ لأِنَّ مَنْ لَزِمَه الدَّفْعُ مع الإقرار؛ لَزِمَه اليَمينُ مع الإنْكارِ؛ كسَائرِ الحُقوقِ الماليَّةِ. مسائلُ: الأُولى: قال أحمدُ: إذا دَفَع إلى رجلٍ ثوبًا لِيَبِيعَه، فَوَهَب له المشْتَرِي مِنْديلاً، فالمِنديلُ لصاحب الثَّوبِ (٥). وقال في رجلٍ وكَّل آخر (٦) في اقْتِضاء دَينٍ، وغاب، فأخذ الوكيلُ به رَهْنًا، فتَلِفَ الرَّهنُ في يد الوكيل؛ أساء في أخْذِه، ولا ضَمانَ عليه (٧). وقال في رجلٍ أعطى آخَرَ دراهمَ يشتري بها شَيئًا، فخَلَطَها بِدَراهِمه (٨)،

стр. 3083

فَضَاعَا؛ فلا شَيءَ عليه (١). وقال القاضي: إنْ خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ (٢)؛ ضَمِنَها إنْ كان بِغَير إذْنِه؛ كالوَدِيعة. الثَّانيةُ: الوكالةُ والعَزْلُ لا يَثْبُتُ (٣) بخبر الواحد. وقيل: بلى. فعلى الأول (٤) إنْ أُخْبِر بِتَوكيلٍ وظَنَّ صِدْقَه؛ تَصَرَّفَ بشَرْطِ الضَّمان إنْ أنْكَرَ الموكِّل (٥). وقال الأَزَجِيُّ: إذا تَصَرَّف بِناءً على هذا الخبر فهل يَضْمَنُ؟ فيه وجْهانِ. الثَّالِثةُ: إذا شَهِدَ بها اثْنانِ، ثُمَّ قال أحدُهما: عَزَلَه؛ لم تَثْبُتْ وكالتُه. ويتوجَّه: بلى، كقَوله بعد الحُكم بصحَّتها، وكقول واحدٍ غيرِهما. فلو قالا: عَزَلَه؛ ثَبَتَ العزْلُ. ولو أقاما الشَّهادةَ حِسْبَةً (٦) بلا دَعْوَى الوكيل، فشَهِدَا عند حاكِمٍ أنَّ فُلانًا الغائبَ وَكَّلَ هذا، فإنِ اعْتَرَف، أوْ قال: ما عَلِمْتُ هذا، وأنا أتصرَّفُ عنه؛ ثَبَتَت الوكالةُ، وعَكْسُه: ما لم أعْلَمْ صِدْقَه (٧)، وإنْ أطْلَقَ؛ طُولِب بالتَّفْسير (٨).

стр. 3084

(كِتَابُ الشَّرِكَةِ) شركة: بِوَزْن نِعْمةٍ، وبِوَزْن سَرِقَة، زاد بعضُهم: وبِوَزْن تَمْرَة (١). وهي ثابِتَةٌ بالإجْماع (٢)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]، والخُلَطاءُ هم الشُّرَكاءُ، ولِقَولِه ﵇: «إنَّ الله تعالى يَقُولُ: أنا ثالِثُ الشَّريكَينِ ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحِبَه، فإذا خَانَه خَرَجْتُ مِنْ بَينِهما» رواه أبو داودَ من حديث أبي هُرَيرةَ، ورُواتُه ثِقاتٌ (٣). وهي: عِبارةٌ عن الاِجْتِماع في اسْتِحْقاقٍ أوْ تَصَرُّفٍ. فهي نَوْعانِ: شَرِكَةُ أمْلاكٍ، وشَرِكَةُ عُقودٍ، وهو (٤) المقصودُ هنا. (وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ)، ويُعْتَبَرُ لِسائِرِ أنْواعِها: أنْ يَكُونَ جائِزَ التَّصرُّف؛ لأِنَّه عَقْدٌ على التَّصرُّف في المال، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيرِ جائِزِ التّصرُّف في المال؛ كالبَيعِ.

стр. 3085

(أَحَدُهَا: شَرِكَةُ الْعِنَانِ)، سُمِّيَتْ بذلِكَ؛ لأِنَّ الشَّرِيكَينِ فيها يَتَساوَيانِ (١) في المال والتَّصرُّف، كالفارِسَينِ إذا سَوَّيَا بَينَ فَرَسَيْهِما وتَساوَيَا في السير (٢). وقال الفَرَّاءُ (٣): هي مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَنَّ الشَّيءُ إذا عَرَضَ، يُقال: عَنَّتْ لي (٤) حاجةٌ، إذا عَرَضَتْ؛ لأِنَّ كُلًّا مِنْهُما قد عنَّ له (٥)؛ أيْ عَرَضَ له مُشارَكةُ صاحبِه. وقيل: هي مأخوذةٌ مِنْ عانَّه، إذا عارَضَه، فكلٌّ منهما عارَضَ صاحِبَه بِمِثْل ماله وعَمَلِه. وقَولُه في «الشَّرح»: إنَّه راجِعٌ إلى قَول الفَرَّاء؛ لَيسَ بِظاهِرٍ. (وَهِيَ) جائِزةٌ إجْماعًا، ذَكَرَه ابْنُ المنذِر (٦)، وإنِ اخْتُلِف في بَعْض شُروطها، (أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ) فما فَوقَهما، سَواءٌ كانا مُسلِمَينِ أو أحدُهما، ولا يُكرَه مُشارَكةُ كِتابِيٍّ إن وَلِيَ المسلِمُ التَّصرُّفَ، نَصَّ عليه (٧)؛ «لِنَهْيِه ﵇ عن مُشارَكَة اليهودِيِّ والنَّصْرانِيِّ، إلاَّ أنْ يكونَ الشِّراءُ والبَيعُ بِيَدِ المسلِمِ» رواه الخَلاَّلُ بِإسْنادِه عَنْ عَطاءٍ (٨). وكَرِهَهُ الْأَزَجِيُّ، ورُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ (٩)، ولم يُعرَفْ له في الصَّحابة
следующие страницы →