← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

يأخذه المالِكُ ظُلْمٌ، ويُقِرُّ بأنَّه لم يُوجَدْ مِنْ صاحِبِه تَعَدٍّ، فلا يَرجِعُ على صاحبه بظُلْمِ غيرِه. إلاَّ أنْ يكونَ الدَّافِعُ دَفَعَها إلى الوكيل مِنْ غَير تصديقٍ، فيَرجِع على الوكيل، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وِفاقًا (١)؛ لكونه (٢) لم يُقِرَّ بوكالته، ولم يَثْبُتْ بِبَيِّنةٍ، قال: ومُجرَّد التَّسليمِ ليس تصديقًا. ثُمَّ قال: (وإنْ صدَّقه؛ ضَمِنَ في أحد القَولَينِ في مذهب أحمدَ، بل نَصِّه؛ لأِنَّه متى لم يَتَبَيَّنْ صِدْقُه فقد غَرَّه). نَقَل مهنَّى (٣) فِيمَن بَعَثَ إلى مَنْ عِندَه دَنانيرُ أوْ ثِيابٌ، يأخذ دينارًا، أوْ ثوبًا، فأخذ أكثرَ، فالضَّمانُ على الباعث؛ يعني: الذي أعطاه، ويَرجِع هو بالزِّيادة على الرَّسول، وهو ظاهِرُ كلامِ أبي بَكْرٍ. (وَإِنْ (٤) كَانَ ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحَالَهُ بِهِ؛ فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينِ مَعَ الإنْكَارِ وَجْهَانِ)، كذا في «المحرَّر»: أحدهما، وهو الأَوْلَى والأَشْبَهُ: أنَّه لا يَلْزَمُه ذلك؛ لأِنَّ الدَّفْع إليه (٥) غَيرُ مُبْرِئٍ؛ لاِحْتِمال أنْ يُنكِرَ المُحِيلُ الحَوالةَ، فهو كدعوى الوكالةِ والوصيَّة. والثَّاني: يَلْزَمُه الدَّفْع إليه؛ لأِنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ الحقَّ انتقل إليه، أشْبَهَ الوارِثَ. ورُدَّ: بأنَّ وُجوبَ الدَّفْعِ إلى الوارِث كَونُه مُسْتَحِقًّا، والدَّفْعُ إليه مُبْرِئٌ (٦)، بخلافه هنا، فإلْحاقُه بالوكيل أَوْلَى.

стр. 3082

وَوُجوبُ اليمين مع الإنكار وعَدَمِه؛ مُخَرَّجٌ على وجوب الدَّفْع مع التَّصديق، ولهذا عَطَفه (١) عليه. وتُقْبَلُ بيِّنةُ المُحال عليه على المحيل، فلا يُطالِبُه، وتُعاد لغائبٍ مُحْتالٍ بعد دَعْواهُ، فيُقضَى بها له إذنْ. (وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ، وَأَنَا وَارِثُهُ؛ لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ) أنَّه (٢) لا وارِثَ له سِواهُ بِغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٣)؛ لأِنَّه مُقِرٌّ له بالحقِّ، وأنَّه يَبْرَأُ بهذا الدَّفْع، فلَزِمَه، كما لو جاء صاحب الحقِّ. (وَالْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ)؛ أيْ: على نَفْيِ العِلْم؛ لأِنَّها على نَفْيِ فِعْل الغَير، وإنَّما لَزِمَتْهُ (٤) هنا؛ لأِنَّ مَنْ لَزِمَه الدَّفْعُ مع الإقرار؛ لَزِمَه اليَمينُ مع الإنْكارِ؛ كسَائرِ الحُقوقِ الماليَّةِ. مسائلُ: الأُولى: قال أحمدُ: إذا دَفَع إلى رجلٍ ثوبًا لِيَبِيعَه، فَوَهَب له المشْتَرِي مِنْديلاً، فالمِنديلُ لصاحب الثَّوبِ (٥). وقال في رجلٍ وكَّل آخر (٦) في اقْتِضاء دَينٍ، وغاب، فأخذ الوكيلُ به رَهْنًا، فتَلِفَ الرَّهنُ في يد الوكيل؛ أساء في أخْذِه، ولا ضَمانَ عليه (٧). وقال في رجلٍ أعطى آخَرَ دراهمَ يشتري بها شَيئًا، فخَلَطَها بِدَراهِمه (٨)،

стр. 3083

فَضَاعَا؛ فلا شَيءَ عليه (١). وقال القاضي: إنْ خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ (٢)؛ ضَمِنَها إنْ كان بِغَير إذْنِه؛ كالوَدِيعة. الثَّانيةُ: الوكالةُ والعَزْلُ لا يَثْبُتُ (٣) بخبر الواحد. وقيل: بلى. فعلى الأول (٤) إنْ أُخْبِر بِتَوكيلٍ وظَنَّ صِدْقَه؛ تَصَرَّفَ بشَرْطِ الضَّمان إنْ أنْكَرَ الموكِّل (٥). وقال الأَزَجِيُّ: إذا تَصَرَّف بِناءً على هذا الخبر فهل يَضْمَنُ؟ فيه وجْهانِ. الثَّالِثةُ: إذا شَهِدَ بها اثْنانِ، ثُمَّ قال أحدُهما: عَزَلَه؛ لم تَثْبُتْ وكالتُه. ويتوجَّه: بلى، كقَوله بعد الحُكم بصحَّتها، وكقول واحدٍ غيرِهما. فلو قالا: عَزَلَه؛ ثَبَتَ العزْلُ. ولو أقاما الشَّهادةَ حِسْبَةً (٦) بلا دَعْوَى الوكيل، فشَهِدَا عند حاكِمٍ أنَّ فُلانًا الغائبَ وَكَّلَ هذا، فإنِ اعْتَرَف، أوْ قال: ما عَلِمْتُ هذا، وأنا أتصرَّفُ عنه؛ ثَبَتَت الوكالةُ، وعَكْسُه: ما لم أعْلَمْ صِدْقَه (٧)، وإنْ أطْلَقَ؛ طُولِب بالتَّفْسير (٨).

стр. 3084

(كِتَابُ الشَّرِكَةِ) شركة: بِوَزْن نِعْمةٍ، وبِوَزْن سَرِقَة، زاد بعضُهم: وبِوَزْن تَمْرَة (١). وهي ثابِتَةٌ بالإجْماع (٢)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]، والخُلَطاءُ هم الشُّرَكاءُ، ولِقَولِه ﵇: «إنَّ الله تعالى يَقُولُ: أنا ثالِثُ الشَّريكَينِ ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحِبَه، فإذا خَانَه خَرَجْتُ مِنْ بَينِهما» رواه أبو داودَ من حديث أبي هُرَيرةَ، ورُواتُه ثِقاتٌ (٣). وهي: عِبارةٌ عن الاِجْتِماع في اسْتِحْقاقٍ أوْ تَصَرُّفٍ. فهي نَوْعانِ: شَرِكَةُ أمْلاكٍ، وشَرِكَةُ عُقودٍ، وهو (٤) المقصودُ هنا. (وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ)، ويُعْتَبَرُ لِسائِرِ أنْواعِها: أنْ يَكُونَ جائِزَ التَّصرُّف؛ لأِنَّه عَقْدٌ على التَّصرُّف في المال، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيرِ جائِزِ التّصرُّف في المال؛ كالبَيعِ.

стр. 3085

(أَحَدُهَا: شَرِكَةُ الْعِنَانِ)، سُمِّيَتْ بذلِكَ؛ لأِنَّ الشَّرِيكَينِ فيها يَتَساوَيانِ (١) في المال والتَّصرُّف، كالفارِسَينِ إذا سَوَّيَا بَينَ فَرَسَيْهِما وتَساوَيَا في السير (٢). وقال الفَرَّاءُ (٣): هي مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَنَّ الشَّيءُ إذا عَرَضَ، يُقال: عَنَّتْ لي (٤) حاجةٌ، إذا عَرَضَتْ؛ لأِنَّ كُلًّا مِنْهُما قد عنَّ له (٥)؛ أيْ عَرَضَ له مُشارَكةُ صاحبِه. وقيل: هي مأخوذةٌ مِنْ عانَّه، إذا عارَضَه، فكلٌّ منهما عارَضَ صاحِبَه بِمِثْل ماله وعَمَلِه. وقَولُه في «الشَّرح»: إنَّه راجِعٌ إلى قَول الفَرَّاء؛ لَيسَ بِظاهِرٍ. (وَهِيَ) جائِزةٌ إجْماعًا، ذَكَرَه ابْنُ المنذِر (٦)، وإنِ اخْتُلِف في بَعْض شُروطها، (أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ) فما فَوقَهما، سَواءٌ كانا مُسلِمَينِ أو أحدُهما، ولا يُكرَه مُشارَكةُ كِتابِيٍّ إن وَلِيَ المسلِمُ التَّصرُّفَ، نَصَّ عليه (٧)؛ «لِنَهْيِه ﵇ عن مُشارَكَة اليهودِيِّ والنَّصْرانِيِّ، إلاَّ أنْ يكونَ الشِّراءُ والبَيعُ بِيَدِ المسلِمِ» رواه الخَلاَّلُ بِإسْنادِه عَنْ عَطاءٍ (٨). وكَرِهَهُ الْأَزَجِيُّ، ورُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ (٩)، ولم يُعرَفْ له في الصَّحابة

стр. 3086

مُخالِفٌ، ولأِنَّ أمْوالَهم لَيْستْ بِطَيِّبةٍ، فإنَّهم يَبِيعُونَ الخَمْرَ، ويَتَبايَعُونَ بالرِّبا، وكالمجوس (١)، نَصَّ عَلَيهِ (٢). (بِمَالَيْهِمَا) المعْلُومَينِ، سَواءٌ كان المالانِ مُتَساوِيَيْنِ قَدْرًا وجِنْسًا وصِفَةً، أوْ لَا، ويُعْتَبَرُ حُضُورُ مالَيهِما؛ لِتَقْرير العَمَل، وتَحْقِيقُ الشَّرِكَة إذَنْ كَمُضارَبةٍ، نَصَّ عليه (٣). ولَوِ اشْتَرَكا في مُخْتَلِطٍ بَينَهُما شائِعًا؛ صحَّ إنْ عَلِما قَدْرَ ما لِكُلٍّ مِنْهُما. وهذا القيد (٤) أخرج المضارَبةَ؛ لأِنَّ المالَ فيها مِنْ جانِبٍ، والعَمَلَ من آخَرَ، بخِلافِها؛ لِكَونها تَجْمَعُ مالاً وعَمَلاً من كلِّ جانِبٍ، بِدلِيلِ قَولِه: (لِيَعْمَلَا فِيهِ (٥) بِبَدَنَيْهِمَا)، والأصحُّ: أوْ أحدُهما، لكِنْ بِشَرْطِ أنْ يكونَ له أكثرُ من رِبْحِ ماله، وبِقَدْرِه إبْضاعٌ، وبِدُونِه لا يَصِحُّ، وفيه وَجْهٌ. (وَرِبْحُهُ لَهُمَا)؛ لأِنَّه نَماءُ مِلْكِهما وعَمَلِهما، مُتَساوِيًا ومُتَفاضِلاً على ما شَرَطاهُ؛ لأِنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بالمال تارَةً، وبالعمل أُخْرَى؛ كالمضارِب. (فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ فِي نَصِيبِهِ)، وهو ظاهِرٌ، (وَالْوَكَالَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ)؛ لأِنَّه مُتَصَرِّفٌ بِجِهَة الإذْن، فهو كالوَكالَةِ. ودلَّ أنَّ لَفْظَ الشَّرِكَة يُغْنِي (٦) عن إذْنٍ صريحٍ في التَّصرُّف، وهذا هو

стр. 3087

الأصحُّ، والمعمولُ به عِنْدَ أصْحابِنا، قَالَه في «الفُصُول». (وَلَا تَصِحُّ (١) إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ): (أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ)، فتَصِحُّ بغَيرِ خِلافٍ إذا كانت غَيرَ مَغْشُوشَةٍ (٢)؛ لأِنَّها قِيَمُ الأمْوالِ وأثْمانُ البِيَاعاتِ، ولم يَزَل النَّاسُ يَشْتَرِكون فيها في كلِّ عَصْرٍ من غَيرِ نَكِيرٍ، فلا تَصِحُّ بالعُروض على المذهب؛ لأِنَّ الشَّرِكَةَ بها إمَّا أنْ تَقَعَ على أعْيانِها، أو على قِيمَتها، أو على ثَمَنِها، وكلُّ ذلك لا يَجُوزُ. أمَّا الأوَّلُ: فلأِنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي الرُّجوعَ عِنْدَ المفاضَلَة برأْس المالِ، ولا مِثْلَ له، فيُرْجَعُ به. وأمَّا الثَّانِي: فَلأِنَّ القِيمةَ قد تَزِيدُ بحَيثُ يَسْتَوْعِبُ جَميعَ الرِّبحِ، وقد يَنقُصُ بحَيثُ يُشارِكُه الآخر في (٣) ثَمَنِ مِلْكِه الذي لَيْس بِرِبْحٍ، مع أنَّ القِيمةَ غَيرُ مُتَحَقَّقةِ المِقْدارِ، فيفضي (٤) إلى التَّنازُع. وأمَّا الثَّالِثُ: فَلأِنَّ الثَّمَنَ مَعْدومٌ حالَ العَقْد، ولا يَمْلِكانِها؛ لأِنَّه إنْ أراد ثَمَنَها الذي اشْتَراها به؛ فقد خَرَجَ عن ملْكِه، وصار للبائع، وإنْ أراد ثَمَنَها الذي يَبِيعُها به، فإنَّها تَصِيرُ شَرِكَةً مُعَلَّقَةً على شَرْطٍ، وهي بَيعُ الأعيان. (وَعَنْهُ: تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ)، اختارها (٥) أبُو بَكْرٍ وأبو الخَطَّاب، وقدمها (٦) في «المحرَّر»؛ لأِنَّ مقصودَ الشَّرِكَة جَوازُ تصرُّفِهما في المالَينِ جميعًا، وكَونُ

стр. 3088

الرِّبْح بَينَهما، وهذا يَحصُلُ في (١) العُروض من غير غَرَرٍ، كما يَحصُل في (٢) الأثمان، (وَيُجْعَلُ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ)؛ لِيَتَمَكَّنَ العامِلُ مِنْ رَدِّ رأْس المال عِنْدَ التَّفاضُلِ؛ كما أنَّا جَعَلْنا نِصابَ زَكاتِها قِيمتَها، وسَواءٌ كانت العُروضُ مِنْ ذَوات الأمْثال كالحُبوب أوْ لَا. وفي «الرِّعاية»: وعنه يَصِحُّ (٣) بِكُلِّ عَرْضٍ مُتَقَوِّمٍ، وقيل: مِثْلِيٍّ. (وَهَلْ تَصِحُّ بِالْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»، وبَناهُما على القَول: بأنَّها لا تَصِحُّ إلاَّ بِنَقْدٍ، وقَيَّدَهُما في «الفروع» بالنَّافِقَتَينِ، وفي «التَّرغيب» في فُلُوسٍ نَافِقَةٍ روايتان: أحدُهما، وهو المذهب: أنَّها لا تَصِحُّ؛ لأِنَّ المغْشوشَ لا يَنْضَبِطُ غِشُّه (٤)، فلا يُمْكِنُ رَدُّ مِثْلِهِ، والفُلُوسَ تَزِيدُ قِيمَتُها وتَنْقُص، أشْبَهَت العُروضَ، ويُسْتَثْنَى منه: الغِشُّ اليسيرُ لمصلحته؛ كحَبَّةِ فِضَّةٍ في دِينارٍ، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. والثاني: يَصِحُّ؛ لأِنَّ الغِشَّ يُسْتَهْلَكُ في المغْشوش، والفُلُوس تشبه (٥) الثَّمَنَ، قال أحمدُ: لا أرى السَّلَم في الفُلُوس (٦)؛ لأِنَّه يُشْبِهُ الصَّرْفَ. وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ أنْ تكونَ كاسِدَةً أو رائجةً (٧)؛ لأِنَّها إنْ كانَتْ كاسِدةً كان رأسُ المالِ قِيمَتَها كالعُروض، وإنْ كانَتْ نافِقَةً؛ كان رأسُ المال مِثْلَها، وكذا المغْشوشُ.

стр. 3089

وفي ثالِثٍ: إنْ كانت الفُلُوسُ نافِقَةً؛ جَازَ، وإلاَّ فَلَا؛ لِشَبَهِها بالنَّقْدَينِ. (الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا لِكُلِّ (١) وَاحِدٍ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ مُشَاعًا مَعْلُومًا)؛ كالثُّلُث والرُّبُع؛ لأِنَّ الرِّبحَ مُسْتَحَقٌّ لهما بحَسَب الاِشْتِراط، فلم يَكُنْ بد (٢) من اشْتِراطه كالمضارَبة. واشْتُرِط كَونُه مُشَاعًا؛ لأِنَّه لو عَيَّنَ دَراهِمَ مَعْلومَةً؛ احْتَمَلَ أنْ لا يَرْبَحَ غَيرَها، فيَأخُذُ جَميعَ الرِّبْحِ، واحْتَمَلَ أنْ لا يَرْبَحَ، فيَأخُذُ من رأس المال جُزءًا، وقد يَربَحُ كَثِيرًا، فَيَسْتَضِرُّ مَنْ شُرِطَتْ له. واشْتُرِط كَونُه مَعْلُومًا؛ لأِنَّ الجَهْلَ به يُفْضِي إلى (٣) التَّنازُع، وهو بَينَهما على ما شَرَطاهُ؛ لأِنَّ العَمَلَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ كالمضارَبة، وقد يَتَفاضَلانِ فيه؛ لِقُوَّة حِذْقِه. (فَإِنْ قَالَا: الرِّبْحُ بَيْنَنَا؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ)؛ لأِنَّه أَضَافَهُ إلَيهِما إضافةً واحدةً من غَيرِ تَرجِيحٍ، فاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ، كقَولِه (٤): هذه الدَّارُ بَيْنِي وبَينَكَ. (فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا (٥) الرِّبْحَ)؛ لم يَصِحَّ كالمضارَبة؛ لأِنَّه المقصودُ من الشَّرِكة، فلا يَجُوز الإخْلالُ به، فعلى هذا: يكون الرِّبْحُ بَيْنَهُما على قَدْرِ المالَينِ. (أَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا جُزْءًا مَجْهُولاً)؛ فكذلك؛ لأِنَّ الجَهالةَ تَمنَعُ تَسْلِيمَ الواجِبِ، ولأِنَّه هو المقصودُ مِنْها فَلَمْ يَصِحَّ مع الجَهالة كالثَّمَن، لكِنْ لو قال: لَكَ مِثْلُ ما شُرِط لِفُلانٍ، وهُمَا يَعْلَمانِه صحَّ.

стр. 3090

(أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً)؛ لم يَصِحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، ولأِنَّ العامِلَ يَنْبَغِي أن تكونَ حِصَّتُه مَعْلُومَةً بالقَدْر، فإذا جُهِلَت الأجْزاءُ؛ فَسَدَتْ، وكذا لو جَعَلَ لنفسه جُزْءًا وعَشَرَة دراهِمَ، وحكاه ابنُ المنذِر في القِراض إجْماعَ مَنْ يَحفَظُ عنه فيما إذا جَعَلَا أوْ لأِحدهما دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً (١)، فلو قال: لك نصفُ الرِّبح إلاَّ عَشَرَةَ دَراهِمَ بَطَلَتْ؛ كزِيادَتِها (٢). (أَوْ رِبْحَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ)، أوْ رِبْحَ إحْدَى السفرتين، أو رِبْحَ تِجارته في شَهْرٍ أوْ عامٍ بِعَينِه؛ (لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّه قد يَرْبحُ في ذلك المعيَّنِ دونَ غيره، أوْ بالعَكْس، فَيَخْتَصُّ أحدُهما بالرِّبح، وهو مخالِفٌ لموْضُوعِ الشَّرِكة بغَير خِلافٍ نَعْلَمُه (٣). (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ)؛ قِياسًا على الشَّرِكَة. (وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ)؛ لأِنَّه عَقْدٌ يُقَصَدُ به الرِّبْحُ، فلم يُشْتَرَطْ فيه ذلك كالمضارَبة، ولأِنَّه عَقْدٌ على التَّصرُّف (٤)، فلم يُشْتَرَطْ فيه الخَلْطُ كالوَكالة. (وَلَا أَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسِ وَاحِدٍ)، نَصَّ عليه (٥)، فيَجوزُ لأِحَدِهما أَنْ يُخْرِجَ دَنانيرَ والآخَر دَراهِمَ؛ لأِنَّهما الأثْمانُ، فصحَّت الشَّرِكَةُ فيهما كالجنس الواحد، فإذا اقْتَسَما رَجَعَ كُلٌّ بِمَالِه، ثُمَّ يَقْتَسِمانِ الفَضْلَ، نَصَّ عليه (٦)، وذَكَرَه عن محمَّدِ والحَسَنِ (٧).

стр. 3091

ولا يُشْتَرَطُ تَساوِيهِمَا في القَدْر في قَولِ الجمهور. وقال القاضِي: مَتَى تَفاضَلا قَوَّما المتاعَ بِنَقْد البلد، وقَوَّما مالَ الآخَر به، ويكونُ التَّقْويمُ حين صَرَفَا الثَّمَنَ فيه. ورُدَّ: بأنَّها شَرِكَةٌ صحيحةٌ، رَأْسُ المال فيها الأَثْمانُ، فيكُونُ الرُّجوعُ بجنس رأس المال؛ كما لو كان الجِنْسُ واحِدًا. (وَمَا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّ العَقْد وَقَعَ على ذلك، ولأِنَّه أمِينُه ووكيلُه. وفي «الشَّرح»: (مِنْ شَرْطِ صِحَّتِها: أنْ يَأْذَنَ كُلٌّ مِنْهُما لصاحِبِه في التَّصرُّف)، والأصحُّ: لا يُشتَرَطُ. فإنِ اشْتَراهُ لِنَفْسه فهو لَه؛ لأِنَّه أعْلَمُ بِنِيَّتِه. (وَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ؛ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا) بَعْدَ الخَلْط؛ اتِّفاقًا (١)، وكذا قَبْلَه على الأَشْهَرِ؛ لأِنَّ العَقْدَ اقْتَضَى أنْ يكونَ المالانِ كالمال الواحِدِ، فكذا في الضَّمان، وكنَمائه لِصِحَّة القِسْمة بالكلام؛ كخَرْص ثِمارٍ، فكذا الشَّرِكَةُ، احْتَجَّ به أحمدُ، قالَه الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٢). وعَنْهُ: مِنْ ضَمان صاحِبِه. (وَالْوَضِيعَةُ)؛ أي: الخُسْرانُ (عَلَى قَدْرِ الْمَال) بالحِساب؛ لأِنَّها عِبارةٌ عن نُقْصانِ رأْسِ المالِ، وهو مُخْتَصٌّ بالقَدْر، فيكون النَّقْصُ مِنْهُ دُونَ غَيرِه. وسواءٌ كانت الوَضِيعَةُ لِتَلَفٍ أو نُقْصانٍ في الثَّمَنِ أو غَيرِ ذلك.

стр. 3092

ومُقْتَضاهُ: أنَّه لا شَيءَ على العامِلِ في المضارَبَة، بَلْ هي مُخْتَصَّةٌ بمِلْكِ ربِّه؛ كالمزارَعَةِ.

стр. 3093

(فَصْلٌ) (وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ)؛ أي: حالًّا، (وَيَشْتَرِيَ)؛ مُساوَمةً، ومُرابَحةً، وغَيرَهُما؛ لأِنَّه بالنِّسْبَةِ إلى شَرِيكِه وَكِيلٌ، فملكهما (١) كالوَكِيلِ. (وَيَقْبِضَ، وَيُقَبِّضَ)؛ لأِنَّه مُؤْتَمَنٌ في ذلك فمَلَكَهما (٢)، بخلاف الوكيل في قَبْضِ الثَّمَن، فإنَّه قد لا يَأْتَمِنُه. (وَيُطَالِبَ بِالدَّيْنِ، وَيُخَاصِمَ فِيهِ)؛ لأِنَّ مَنْ مَلَكَ قَبْضَ شَيْءٍ؛ مَلَكَ المطالَبةَ والمخاصَمةَ فيه، بدليلِ ما لو وَكَّلَه في قَبْضِ دَينِه. (وَيُحِيلَ، ويَحْتَالَ)؛ لأِنَّهما عَقْدُ مُعاوَضةٍ وهو يَمْلِكُها. (وَيَرُدَّ بِالْعَيْبِ)، سَواءٌ وَلِيَه هو أوْ صَاحِبُه؛ لأِنَّ الوكيلَ يَرُدُّ به، فالشَّرِيكُ أَوْلَى، وظاهِرُه: ولو رَضِيَ به شَريكُه. (وَيُقِرَّ (٣) بِهِ)؛ أيْ بالعَيب، كما يُقْبَلُ إقْرارُ الوكيل على (٤) مُوَكِّلِه به، نَصَّ عليه (٥). فإذا رُدَّتْ عليه بعَيبٍ؛ خُيِّر بَينَ قَبُولها أو إعْطاءِ أَرْشِ العَيب، أوْ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنه، أو يُؤَخِّرُ ثَمَنَه لأِجْلِ العَيب. (وَيُقَايِلَ)؛ لأِنَّ الحَظَّ قد يَكُونُ فِيهَا، وظاهِرُه مُطْلَقًا، وهو الأصحُّ في «الشَّرْح»؛ لأِنَّها إنْ كانَتْ بَيْعًا؛ فقد أَذِنَ له فِيهِ، وإنْ كانَتْ فَسْخًا؛ فَفَسْخُ

стр. 3094

البيع (١) المُضِرِّ من مَصْلَحَةِ (٢) التِّجارَةِ، فَمَلَكَهُ؛ كالرَّدِّ بالعَيبِ. وصحح (٣) في «المغْنِي» وغَيره: أنَّها فَسْخٌ؛ فلا يَمْلِكُها؛ لأِنَّه لَيسَ من التِّجارَةِ. (وَيَفْعَلَ كُلَّ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا)؛ لأِنَّ مَبْناها على الوكالة والأمانة (٤)، فيُقْبَلُ إقْرارُه بالثَّمَنِ، أوْ بَعْضِه، أو أجرة (٥) المنادِي، أو الحَمَّال؛ لأِنَّ هذا عادةُ التُّجَّار، وله أنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ مالِ الشَّرِكَةِ، ويُؤْجِرَ؛ لأِنَّ المنافِعَ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الأعْيانِ، فَصَارَ كالشِّراءِ والبَيعِ، وله المطالَبةُ بالأجْر لهما (٦) وعَلَيهِما؛ لأِنَّ حُقوقَ الْعَقْد لا تَختَصُّ بالعاقِدِ. (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّقِيقَ)؛ لأِنَّه لم يَأْذَنْ فيه شريكُه، والشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ على التِّجارَةِ ولَيْسَتْ مِنْهَا، (وَلَا يُزَوِّجُهُ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، سِيَّما وتزويج (٧) العَبْدِ ضَرَرٌ مَحْضٌ، (وَلَا يُعْتِقُهُ بِمَالٍ)، ولا غَيرِهِ، (وَلَا يَهَبُ)، نَقَلَ حَنْبَلٌ: يَتَبرَّع بِبَعْضِ الثَّمَن لِمَصْلَحَتِه (٨)، (وَلَا يُقْرِضُ)، وظاهِرُه: ولو بِرَهْنٍ، (وَلَا يُحَابِي)؛ لأِنَّ الشَّرِكَةَ انْعَقَدَتْ على التِّجارَةِ، وهذِهِ لَيْسَتْ مِنْها. (وَلَا يُضَارِبُ بِالْمَالِ)؛ لأِنَّ ذلِكَ يُثْبِتُ في المالِ حُقوقًا، ويُسْتَحَقُّ رِبْحُه لِغَيرِهِ، وفِيهِ تَخْرِيجٌ من (٩) تَوْكِيلِه (١٠).

стр. 3095

ولا أُجْرةَ للثَّاني على ربِّه، وعَنْهُ: بَلَى. وقيل: على الأوَّل مع جَهْله؛ كدَفْعِ (١) غاصِبٍ، ومع عِلْمِه لا شَيءَ له، ورِبْحُه لِرَبِّه، وعلى الأوَّل (٢). كما لا يَجوزُ له خَلْطُ مَالِ الشَّرِكَة بماله ولا مالِ غَيرِه؛ لأِنَّه يتضمَّنُ إِيجابَ حُقوقٍ في المالِ، وليس هو من التِّجارَةِ المأْذُونِ فِيهَا. وعَنْهُ: يَجوزُ بمالِ نَفْسِه؛ لأِنَّه مَأْمُورٌ، فَيَدْخُلُ فِيما أُذِنَ فِيهِ، ذَكَرَه القاضِي. (وَلَا يَأْخُذُ بِهِ سَفْتَجَةً)؛ لأِنَّ فيها خَطَرًا، ومَعْناهُ: أنْ يَدفَعَ إلى إنْسانٍ شَيئًا مِنْ مالِ الشَّرِكَة، ويأخُذَ منه كتابًا إلى وَكِيلِهِ ببلَدٍ آخَرَ لِيَسْتَوْفِيَ منه المالَ، (وَلَا يُعْطِيهَا)؛ بأنْ يأخُذَ من إنْسانٍ بِضاعةً، ويُعْطِيَه بثَمَنِ ذلِكَ كِتابًا إلى وَكِيلِهِ ببلَدٍ آخَرَ لِيَسْتَوْفِيَ منه ذلِكَ، (إِلاَّ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ)؛ لأِنَّه يَصِيرُ من التِّجارَةِ المأْذُونِ فِيهَا، وهو راجِعٌ إلى الكِتابَةِ وما بَعْدَها. والصَّوابُ: الصِّحَّةُ مُطْلَقًا فيهما لِمصْلَحةٍ، كخوفِ طريق (٣) ونحوِه في الأُولى. فائدةٌ: ما يُخرِجُه الشَّريكُ على المال من الشَّيل، والحَطِّ، والعُشْر، والخِفارَةِ، وما يَتَعَلَّقُ بالبَذْرَقَة (٤)؛ يَحْتَسِبُ به على شَرِيكِهِ، قالَهُ في «الفُصول» (٥). (وَهَلْ لَهُ أَنْ يُودِعَ، أَوْ يَبِيعَ نَسَاءً، أَوْ يُبْضِعَ، أَوْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ (٦)، أَوْ يَرْهَنَ، أَوْ يَرْتَهِنَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وفِيهِ مَسائِلُ:

стр. 3096

الأُولَى: في الْإِيداع، وفيه روايتان: إحْداهُما: له ذلِكَ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الشَّرح»، وزاد: عِنْدَ الحاجَةِ إِلَيهِ؛ لأِنَّه عادةُ التُّجَّارِ. والثَّانية، وهي أصحُّ الوجْهَينِ في «المحرَّر»: المنْعُ؛ لأِنَّها لَيْسَتْ من الشَّرِكَة، وفيه غَرَرٌ. الثانية (١): في البَيعِ إلى أَجَلٍ، وهُوَ يُخرَّجُ على الرِّوايَتَينِ في الوَكِيلِ، وقد تَقَدَّمَ، فإنِ اشْتَرَى شَيئًا بِنَقْدٍ عِنْدَه مِثْلُه، أو نَقْدٍ من غير (٢) جِنْسِه، أو اشْتَرَى بشَيءٍ (٣) من ذوات (٤) الأمْثالِ وعِنْدَه مِثْلُه؛ جاز، وإلاَّ فالشِّراءُ له خاصَّةً، ورِبْحُه له، وضَمانُه عَلَيهِ. الثَّالِثَةُ: في الإبْضاعِ، وهو في الأصْل: عِبارةٌ عن طائفةٍ من المال تُبْعَثُ للتِّجارة، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ (٥)، ويأتي تَفْسِيرُه، والأصح (٦): أنَّه لا يَمْلِكُه؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الغَرَرِ. والثَّانِي: بَلَى، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه عادةُ التُّجَّارِ. الرَّابِعةُ: التَّوكيلُ فيما يتولَّى مِثْلَه بنَفْسِه، وفِيهِ وجْهانِ مَبْنِيَّانِ على الوَكِيلِ. وقِيلَ: يجوز للشَّريك التَّوكِيلُ، بِخِلافِ الوَكِيلِ؛ لأِنَّه يَسْتَفِيدُ مِثْلَ عَقْدِ مُوَكِّلِه، بِخِلافِ وَكِيلِ الشَّرِيكِ، فإنَّه لا يَسْتَفِيدُ مِثْلَ عَقْدِ مُوَكِّلِه، بَلْ يَسْتَفِيدُ ما هو أخَصُّ مِنْهُ.

стр. 3097

فإنْ وكَّلَ؛ مَلَكَ الآخَرُ عَزْلَهُ، ويَتَصَرَّفُ المعْزُولُ في قَدْر نَصِيبِهِ. وعُلِمَ منه: أنَّه يَمْلِكُ التَّوكيلَ فيما لا يَتَوَلَّى مِثْلَه بِنَفْسِه. الخامِسةُ: في الرَّهن والاِرْتِهانِ، والأصحُّ: أنَّه يَمْلِكُهما، زاد في «الشَّرح»: عند الحاجة؛ لأِنَّ الرَّهْنَ يُرادُ لِلإِيفاءِ، والاِرْتِهانَ يُرادُ لِلاِسْتِيفاء، وهو يَمْلِكُهما، فكذا ما يُرادُ لَهُما. والثَّانِي: لَيسَ له ذلِكَ؛ لأِنَّ فِيهِ خَطَرًا. وعلى الأوَّل: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يكونَ مِمَّنْ وَلِيَ العَقْدَ أوْ مِنْ غَيرِه؛ لِكَونِ القَبْضِ مِنْ حُقُوقِ العَقْد. فلَوْ قال: اعْمَلْ بِرَأْيِك، وَرَأَى مصلحةً، جاز الكُلُّ؛ لأِنَّه فَوَّضَ إلَيهِ الرَّأْيَ في التَّصرُّف الذي تَقْتَضيهِ الشَّرِكة، فجاز كلُّ ما (١) هو من التِّجارَةِ. تنبيهٌ: لم يَذكُرِ المؤلِّفُ السَّفَرَ بالمال، والأصحُّ: أنَّه يَمْلِكُه مع الأمْن، وفِيهِ روايةٌ صحَّحَها الأَزَجِيُّ. وإن سافَرَ والغالِبُ العَطَبُ؛ ضَمِنَ، ذَكَرَه أبو الفَرَجِ، وظاهِرُ كلامِ غَيرِه: فيما لَيسَ الغالِبُ السَّلامةَ. وذَكَرَ جماعةٌ: أنَّه يَتَّجِرُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ بِمالِه مَوضِع أمْنٍ، فإنْ لم يَعلَما بِخَوفِه، أو بِفَلَسِ مُشْتَرٍ؛ فلا ضَمانَ، ذَكَرَه أبو يَعْلَى الصَّغيرُ. فَرْعٌ: إذا ادَّعَى هَلاكَهُ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ؛ صُدِّقَ فِي الأَصَحِّ، وإنْ كانَ بِسَبَبٍ ظاهِرٍ؛ لم يَضْمَنْه إذا أقام بيِّنةً به، ويَحْلِف معها أنَّه هَلَكَ به، ويُصدَّق مُنكِرُ الخِيانَةِ. وإنْ (٢) قال لِمَا بِيَدِه: هذا لِي، أوْ لَنَا، أو اشْتَرَيتُه مِنْهَا لِي، أوْ لَنَا؛ صُدِّقَ

стр. 3098

مع يَمِينِه، سَواءٌ رَبِحَ أو خَسِرَ، وإن قال: صارَ لِي بالْقِسْمَةِ؛ صُدِّق مُنْكِرُها. (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ)؛ لأِنَّه يُدخِلُ فيها أكثرَ ممَّا رَضِيَ الشَّرِيكُ بالمشارَكة فيه، فلم يَجُزْ؛ كما لو ضمَّ إليها ألْفًا من ماله، ومعناها: أنْ يَشْتَرِيَ بأكثرَ من رأس المال، أوْ بثَمَنٍ ليس معه من جنسه. (فَإِنْ فَعَلَ؛ فَهُوَ عَلَيْهِ، وَرِبْحُهُ لَهُ)، قال أحمدُ في روايةِ صالِحٍ فِيمَنِ اسْتَدَانَ من المال بوَجْهِه ألْفًا: فهو له؛ ربحه (١) له، ووضيعتُه عليه (٢)، ومعناه: أنَّه يختصُّ بنفعه وضرِّه؛ لكونه لم يَقَعْ للشَّرِكة، (إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ شَرِيكُهُ)، فإنَّه يجوز؛ كبقيَّة أفْعالِ التِّجارة المأْذُون فيها. وقال القاضِي: إذا اسْتَقْرَضَ شيئًا؛ لَزِمَهما، ورِبْحُه لَهما؛ لأِنَّه تَمْلِيكُ مالٍ بمالٍ، أشْبَهَ الصَّرْفَ. ورُدَّ: بالفرْق، فإنَّ الصَّرفَ بَيعٌ وإبْدالُ عَينٍ بِعَينٍ؛ فهو كبيع الثِّياب. (وَإِنْ أَخَّرَ حَقَّهُ مِنَ الدَّيْنِ) الحالِّ؛ (جَازَ)؛ لأِنَّه أسقط حقَّه من المطالَبة، فصحَّ أن يَنفرِدَ به كالإبْراء، فلو قَبَضَ شريكُه شَيئًا ممَّا لم يُؤخَّرْ؛ كان له مشارَكتُه فيه. وقيل: وله تأخيرُ حقِّ شَرِيكِه، ويَضْمَنُه إن تَلِف، أو ماتَ المدينُ. (وَإِنْ تَقَاسَمَا الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ؛ لَمْ يَصِحَّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ حَنْبَلٍ (٣)، وجَزَم به في «الوجيز»، وصححه (٤) ابنُ عَقِيلٍ؛ لأِنَّ الذِّمَمَ لا تتكافَأُ ولا تتعادَلُ، والقِسْمَةَ تَقْتَضِيهَا؛ لأِنَّها بِغَيرِ تَعْدِيلٍ بمنزلة البَيع، ولا

стр. 3099

يجوز بَيعُ الدَّين، فَعَلَيهَا: لو تَقاسَما ثمَّ تَوَى (١) بعضُ المالِ؛ رَجَعَ الذي تَوَى (٢) مالُه على الآخَرِ. والثَّانيةُ، ونَقَلَها حَرْبٌ (٣)، وقَدَّمها في «الرِّعاية»: الجَوازُ؛ لأِنَّ الاِخْتِلافَ لا يَمنَع (٤) القِسْمةَ؛ كاخْتِلافِ الأعْيان، فَعَلَيها: لا رُجوعَ إذا أَبْرَأَ كلٌّ مِنْهُما صاحِبَه. وأَطْلقَهما في «الفروع» إذا كان في ذِمَمٍ لا ذِمَّةٍ واحدةٍ؛ لأِنَّه لا تُمْكِنُ (٥) القِسمةُ، وهي إفرازٌ، ولا يتصور (٦) فِيهَا. فَعَلَى الأوَّلِ: إنْ تَكَافَأَتْ؛ فَقِياسُ المذْهَبِ مِنَ (٧) الحَوالة على مَلِيءٍ وُجوبُه، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٨). (وَإِنْ أَبْرَأَ مِنَ الدَّيْنِ)، أوْ أجَّلَ ثَمَنَ المبِيعِ في مُدَّة الخِيارِ؛ (لَزِمَ فِي حَقِّهِ)؛ لأِنَّه تبرُّعٌ، (دُونَ صَاحِبِهِ)؛ لأِنَّه لَيسَ من التِّجارَةِ، وكالصَّدقةِ. (وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ)؛ أيْ: يَلزَمُ المقِرَّ دُونَ صاحِبِهِ على المذْهَبِ، سَواءٌ أَقَرَّ بدَينٍ أوْ عين (٩)؛ لأِنَّ شَرِيكَه إنَّما أذِنَ له في التِّجارَةِ، ولَيسَ الإقرارُ داخِلاً فِيهَا. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ)؛ لأِنَّ له أنْ يَشْتَريَ نَساءً،

стр. 3100

وهو إقرارٌ بِبَقاءِ الثَّمَن، قالَهُ ابنُ المنجَّى، وفيه شَيءٌ، وعلَّله في «الشَّرح»: بأنَّ له أنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيرِ أنْ يُسَلِّمَ الثَّمَنَ في المجْلِس، فلو لم يُقبَلْ إقْرارُه؛ لَضاعَتْ أمْوالُ النَّاس، وامْتَنَعوا من مُعامَلَته؛ لأِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُحتاجُ إلَيهِ؛ كالإقْرارِ بالعَيب. وقيَّدَه في «الرِّعاية» في الإقْرارِ، و «الفُروع»: قَبل الفُرقةِ بَينَهما، لا بعدها. مسألةٌ: أقرَّ غَريمٌ لهما بدَينٍ عِنْدَ حاكِمٍ، فطلب (١) أحدُهما حَبْسَه، ومَنَعَ الآخَرُ مِنْهُ؛ فَفِي وُجوبِ حَبْسِه رِوايَتانِ، قاله في «المستوعب» وغَيره. تنبيهٌ: إذا كان بَينَهما دَينٌ مُشْتَرَكٌ بإرْثٍ أو إتْلافٍ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين: أو ضَريبةٍ سَبَبُ اسْتِحْقاقِها واحِدٌ (٢)، فَلِشَرِيكِهِ الأخذُ مِنْ الغَرِيمِ ومِن القابِضِ، جَزَمَ به الأكْثَرُ؛ لأِنَّهما سَواءٌ في الملْكِ، وظاهِرُه: ولو أخْرَجَهُ القابِضُ بِرَهْنٍ أوْ قَضاءِ دَينٍ؛ كالمقْبوضِ بِعَقْدٍ فاسِدٍ. وعنه: يَختَصُّ به، وقاله جماعةٌ منهم: أبو العالِيَةِ وابنُ سِيرِينَ، كما لو تَلِفَ المقبوضُ في يَدِ قابِضِه؛ تَعيَّنَ حقُّه فِيهِ (٣)، ولم يَرجِعْ على الغَرِيمِ؛ لِعَدَم تَعَدِّيهِ. وإنْ كانَ بعَقْدٍ، أوْ بَعْدَ تَأْجِيلِ شَرِيكِه حَقَّه، فوجْهانِ: أحدُهما: له المشارَكةُ؛ كالمورُوث. والثَّاني: لا؛ لأِنَّه مُسْتَقِلٌّ بالعَقْد على نَصِيبِه، فهو كالمنفَرِدَينِ. (وَ) يَجِبُ (عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَلَّى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلاَّهُ؛ مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ، وَطَيِّهِ، وَخَتْمِ الْكِيسِ، وَإِحْرَازِهِ)، وقَبْضِ النَّقْد؛ لأِنَّ إطْلاقَ الإذْن يُحمَلُ على العُرْف، وهو يَقْتَضِي أنَّ مِثْلَ هذه الأمورِ يتولاَّها بِنَفْسِه.

стр. 3101

(فَإِنِ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ) في ماله؛ لأِنَّه بَذَلَها عِوَضًا عمَّا يَلزَمُه. (وَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ)؛ كحَمْل الطَّعام والمتاع، ووَزْن ما يُنقَل، والنِّداءِ؛ (فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ) مِنْ مالِ الشَّرِكَةِ (مَنْ يَفْعَلُهُ)؛ لأِنَّه العُرْفُ. (فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَأْخُذَ أُجْرَتَهُ؛ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، هُمَا روايتان في «المغْنِي» و «المحرَّر»: الأصحُّ: أنَّه لا شَيءَ لَهُ؛ لأِنَّه تَبرَّعَ بما يَلزَمُه، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيئًا، كالمرأة التي تَسْتَحِقُّ خادِمًا إذا خَدَمَتْ نَفْسَها (١). والثَّاني: بَلَى؛ لأِنَّه فَعَلَ ما لا بُدَّ من فِعْله، فاسْتَحَقَّ الأُجْرةَ؛ كالأجْنَبِيِّ. وعلى الأوَّل: إذا شَرَطَها اسْتَحَقَّها. فَرْعٌ: إذا استأجَر أحدُهما الآخَرَ فيما لا يَسْتَحِقُّ أُجْرتَه إلاَّ بِعَمَلٍ فيه؛ كنَقْلِ طَعامٍ بِنَفْسِه، أوْ غُلامِهِ، أو دابَّتِه؛ جازَ، نَقَلَه الأكثرُ؛ كَدَارِهِ. وعنه: لا؛ لِعَدَمِ إمْكانِ إيقاعِ العَمَلِ فيه؛ لِعَدَمِ تَمْيِيز نَصِيبِهما، اخْتارَهُ ابنُ عَقِيلٍ. ويَحرُمُ على شَرِيكٍ في زَرْعٍ فَرْكُ شَيءٍ مِنْ سُنْبُلِه يأكُلُه بلا إذن، ويَتَوجَّهُ عَكْسُه، قالَهُ في «الفروع».

стр. 3102

(فَصْلٌ) (وَالشُّرُوطُ فِي الشَّرِكَةِ ضَرْبَانِ)؛ لأنها (١) عَقْدٌ، فانْقَسَمتْ شُروطُها إلى صحيحٍ وفاسِدٍ؛ كالبَيعِ. (صَحِيحٌ؛ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ: أَنْ لاَّ يَتَّجِرَ إِلاَّ فِي نَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ)، سَواءٌ كان مِمَّا يَعُمُّ وُجودُه أو لا، وقال في «الرِّعاية»: عامُّ الوُجود، والمرادُ به: عُمومُه حالَ العَقْدِ في الموْضِعِ المعَيَّنِ للتِّجارة، لا عُمُومُه في سائِرِ الأزْمِنَة والأمْكِنَة، (أَوْ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ)؛ كمكَّةَ ونحوِها، (أَوْ لَا يَبِيعَ إِلاَّ بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أَوْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ، أَوْ لَا يَبِيعَ إِلاَّ مِنْ فُلَانٍ)، أَوْ لا يَشْتَرِيَ إلاَّ مِنْ فُلانٍ، فهذا كلُّه صحيحٌ، سَواءٌ كان الرَّجُلُ مِمَّا يَكْثُرُ المتاعُ عِنْدَه أوْ يَقِلُّ؛ لأِنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ تخصيصُه بنوعٍ (٢)، فصحَّ تخصيصُه برجُلٍ وبَلَدٍ مُعيَّنَينِ (٣) كالوكالة. فإنْ جَمَعَ البَيعَ والشراء من واحِدٍ؛ فإنَّه لا يَضُرُّ، ذَكَرَه في «المستوعب»، وفي «المغْنِي» و «الشَّرح» خلافُه، وهو ظاهِرٌ. (وَفَاسِدٌ؛ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ)؛ كما لو شرط له (٤) رِبْحَ أحدِ الكِيسَينِ، أو الأَلْفَينِ، أو جُزْءًا مجهولاً؛ كنَصِيبٍ؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى جَهْلِ حقِّ كُلِّ واحِدٍ من الرِّبْح، أو إلى فَواته حَيثُ شَرَطَ دَراهِمَ معلومةً، (أَوْ ضَمَانَ الْمَالِ)؛ لِمُنافاتِه مُقْتَضَى العَقْدِ، (أَوْ أَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الْوَضِيعَةِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَالِهِ)؛ لِلْمُنافاة، (أَوْ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا يَخْتَارُ مِنَ السِّلَعِ)، إذْ لَا مَصْلحةَ للعَقْد فيه، أشْبَهَ ما

стр. 3103

لو شَرَطَ ما يُنافِيهِ. مسألةٌ: إذا شَرَطَ أحدُهما على الآخَرِ: متى باعه فهو أحقُّ به، فباعه من غَيرِه؛ فقال أحمدُ: أحبُّ إلَيَّ أنْ يَفِيَ بِشَرْطِه. وقال ابنُ عَقِيلٍ، وذَكَرَه في «الشَّرح» وغيره: إنَّه شَرْطٌ باطِل؛ لأِنَّه يَقطَع إطْلاقَ تصرُّفِ الشَّرِيكِ الآخَرِ، وظاهِرُ كلامِ أحمدَ خِلافُه. (أَوْ يَرْتَفِقَ بِهَا)؛ كلُبْسه الثَّوْبَ، واسْتِخْدامه العبدَ. (أَوْ لَا يَفْسَخَ الشَّرِكَةَ مُدَّةً بِعَيْنِهَا)؛ لأِنَّها عَقْدٌ جائزٌ، فاشتراط (١) لُزُومِها يُنافِي مقتضاها؛ كالوكالة، مع أنَّه يَصِحُّ توقيتُها كالوكالة، نَصَّ عليه (٢). (فَمَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ؛ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ)؛ لأِنَّ الفسادَ لِمَعْنًى في العِوَضِ المعقودِ عليه، فأفْسَدَ العَقْدَ؛ كما لو جَعَلَ رأسَ المال خَمْرًا، ولأِنَّ الجهالةَ تَمنَعُ من التَّسْلِيم فيُفْضِي إلى التَّنازُع. (وَيُخَرَّجُ فِي سَائِرِهَا)؛ أيْ: باقِيهَا (رِوَايَتَانِ)، المنصوصُ عنه (٣): أنَّ العَقْدَ صحيحٌ، ويَلْغُو الشَّرْطُ؛ لأِنَّه عَقْدٌ على مجهولٍ، فلم تُبْطِلْه الشُّروطُ الفاسدةُ؛ كالنِّكاح. والثَّانيةُ: يبطل (٤)، وذَكَرَه في «المحرَّر» تخْرِيجًا؛ لأِنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأبْطَلَ العَقْدَ؛ كالمزارَعة إذا شُرِطَ البَذْرُ من العامِل، وكالشُّروطِ الفاسِدَةِ في البَيْع؛ ولأنه (٥) إنَّما رَضِيَ بالعَقْد بهذا الشَّرطِ، فإذا فَسَدَ فات الرِّضا به. (وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ؛ قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ)؛ لأِنَّ التَّصرُّفَ صحيحٌ؛

стр. 3104

لِكَونِه بإذْن مالِكِه، والرِّبْحُ نَماءُ المال (١)، فرِبْحُ المضارَبة للمالك، وعليه أجرةُ مِثْلِ العامِل مطلقًا، والعِنانِ والوُجوهِ على قَدْر المالَينِ، والأبْدانِ تقسم (٢) أُجْرةُ ما تحمَّلاه بالسَّوِيَّة، والوضِيعةِ بقَدْر المالَينِ. وظاهِرُه: أنَّه إذا لم تَفْسُدْ (٣)؛ فإنَّ الرِّبْحَ يُقسَم بَينهُما على ما شَرَطاهُ؛ كروايةٍ في الفاسِدِ. (وَهَلْ يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ)؛ أي: نصف عمله؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: أحدهما: لا رُجوعَ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «شرح المحرَّر»؛ لأِنَّهما عَمِلا لِأَنفُسِهما، فلا يَرجِعُ أحدُهما على الآخَر بما (٤) لم يَعمَلْ له، فعليه: يَقْتَسِمان الرِّبحَ على ما شَرَطَاهُ؛ لأِنَّه عَقْدٌ يَجُوزُ أن يكونَ عِوَضُه مجهولاً؛ فَوَجَبَ المسمَّى في فاسِدِه؛ كالنِّكاح. والثَّاني: يَرجِعُ، جَزَمَ به في «الكافي»، وهو الأصحُّ؛ لأِنَّه عَمَلٌ في نصيبِ شَرِيكِه، فيَرجِعُ به؛ لأِنَّه عَقْدٌ يَبْتَغِي (٥) الفَضْلَ فِيهِ في ثانِي الحال، فوجب أن يُقابِلَ العملَ فيه عِوَضٌ كالمضارَبة، فإنْ تَساوَى عَمَلُهُما؛ تَقَاصَّ الدَّيْنانِ، وإنْ فَضَلَ أحدُهما؛ تقاصَّ دَينُ القليل بمِثْله، ويَرجِعُ على الآخَر بالفَضْل. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ قُسِمَ الرِّبحُ على قَدْرهما؛ رَجَعَ، وإلاَّ فلا. وقال القاضِي: إنْ فَسَدَ العقدُ لِجَهْلِ (٦) الرِّبح؛ فكذلِكَ، وإنْ فَسَدَ

стр. 3105

لِغَيرِه (١)؛ وَجَبَ المسمَّى فيه كالصَّحيح؛ لأِنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ مع جَهْلِ العِوَض، فَوَجَبَ المسمَّى فيه مع فساده؛ كالنِّكاح. فَرْعٌ: إذا مات أحدُهما، فلِوَارِثه إتْمامُ الشَّرِكة، فيأْذَنُ (٢) كلٌّ منهما للآخَر في التَّصرُّف. وقيل: إنْ كان المالُ عَرْضًا؛ جَدَّدَا عَقْدًا، وله المطالَبةُ بالقِسمة. فإنْ كان على الميت دَينٌ؛ تعلَّق بتَرِكَتِه، ولَيسَ للوارث الشَّرِكةُ فيه حتَّى يَقضِيَ دَينَه، فإنْ قَضاهُ من غَيرِ مالِ الشَّرِكة؛ فله إتْمامُها، وإنْ قضاهُ منها؛ بَطَلَتْ في قَدْر ما مَضَى. تنبيهٌ: كلُّ عَقْدٍ فاسِدٍ في (٣) أمانةٍ وتبرُّعٍ (٤)؛ بمضارَبةٍ، وشَرِكةٍ، ووكالةٍ، وَوَدِيعَةٍ؛ كصحيحٍ في ضمانٍ وعَدَمِه. وكلُّ عَقْدٍ لازِمٍ يَجِبُ الضَّمانُ في صحيحه؛ يَجِبُ في فاسده كبيعٍ، وإجارةٍ، ونكاحٍ.

стр. 3106

(فَصْلٌ) الثَّانِي: شركة الْمُضَارَبَةُ (الثَّانِي: الْمُضَارَبَةُ)، وهي تَسْميةُ أهل العراق، مأْخُوذَةٌ من الضَّرْب في الأرض، وهو السَّفَر فيها للتِّجارَةِ، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المُزّمل: ٢٠]. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ (١) من ضَرْبِ كلٍّ منهما بِسَهْمٍ من الرِّبح. وسمَّاه أهلُ الحِجاز: قِراضًا، فقيل: هو مُشْتَقٌّ من القَطْع، يقال: قَرَضَ الفأر الثَّوبَ؛ أيْ: قَطَعَه، فكأنَّ صاحبَ المال اقْتَطَع منه قِطعةً، وسلَّمَها إلى العامِل، واقْتَطَع له قِطْعةً مِنْ رِبْحها. وقيل: هو مُشْتَقٌّ من المساواة والموازَنَة، يقال: تقارض (٢) الشَّاعِرانِ؛ إذا تَوَازَنا. وهي جائزةٌ بالإجْماع، حكاه ابنُ المنذِر (٣). ورَوَى حُمَيدُ بن عبد الله، عن أبيه، عن جدِّه: «أنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب أعطاه مالَ يتيمٍ مُضارَبةً يَعمَلُ به (٤) في (٥) العراق» (٦)، ورُوِي جَوازُه عن

стр. 3107

عُثمانَ (١)، وعليٍّ (٢)، وابنِ مسعودٍ (٣)،

стр. 3108

وحكيمِ بن حِزامٍ (١)، ولم يُعرَفْ لهم مخالِفٌ. مع أنَّ الحِكمةَ تَقْتَضِيهِ؛ لأِنَّ بالنَّاس حاجةً إلَيهَا، فإنَّ النَّقْدَينِ لا تُنَمَّى إلاَّ بالتِّجارَةِ، ولَيسَ كلُّ مَنْ يَمْلِكُها يُحسِنُ التِّجارةَ، ولا كُلُّ مَنْ يُحْسِنُها له مالٌ؛ فشُرِعَتْ لِدَفْع الحاجَةِ. (وَهِيَ (٢) أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ إِلَى آخَرَ يَتَّجِرُ فِيهِ (٣)، يُشْتَرَطُ في المال المدْفوعِ: أن يكونَ مَعْلُومًا، فلو دَفَعَ صُبْرَةَ نَقْدٍ، أو أحدَ كيسَيْنِ؛ لم يَصِحَّ. قَوْلُه: (إِلَى آخَرَ) لَيس شَرْطًا فيه، فلو دَفَعَه إلى اثْنَينِ فأكثرَ مضارَبةً في عَقْدٍ واحدٍ؛ جاز. قَوْلُهُ: (يتَّجِر فِيهِ) ظاهِرٌ. (وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ)؛ أيْ: مِنْ شَرْطِ صِحَّتها: تقديرُ نَصِيبِ العامِلِ منه؛ لأِنَّه لا يَسْتَحِقُّه إلاَّ بالشَّرْط، فلو قال: خُذْ هذا المالَ مُضارَبةً، ولم يَذْكُرْ سَهْمَ العامِل؛ فالرِّبْحُ كلُّه لربِّ المال، والوضيعةُ عليه، وللعامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِه، نَصَّ عليه (٤)، وهو قولُ الجمهور. فلو شَرَطَ جُزءًا من الرِّبْح لِعَبْدِ (٥) أحدِهما، أوْ لِعَبْدِهما (٦)؛ صحَّ وكان لِسَيِّده.

стр. 3109

وإنْ شَرَطاهُ لِأَجْنَبِيٍّ، أوِ لولد أحدِهما، أو امْرأَتِه، أو قَرِيبِه، وشَرَطَا عليه عَمَلاً مع العامِل؛ صحَّ، وكانا عامِلَينِ، وإلاَّ لم تَصِحَّ المضارَبةُ، كما لو قال: لك الثُّلُثانِ على أنْ تُعطِيَ امرأتَكَ نصفَه. (فَإِنْ قَالَ: خُذْهُ فَاتَّجِرْ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي؛ فَهُوَ إِبْضَاعٌ)؛ أيْ: يَصِيرُ جَمِيعُ الربح (١) لِرَبِّ المال، لا شَيءَ للعامِلِ فِيهِ، فَيَصِيرُ وكِيلاً مُتَبرِّعًا؛ لأِنَّه قَرَنَ به حُكْمَ الإبْضاعِ، فانْصرَفَ إلَيهِ، فَلَوْ قال مع ذلِكَ: وعَلَيكَ ضَمانُه؛ لم يَضْمَنْهُ؛ لأِنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي كَونَه أمانةً غَيرَ مَضْمونٍ، فلا يَزُولُ ذلِكَ بِشَرْطِه. (وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ؛ فَهُوَ) أي: المالُ المدفوعُ؛ (قَرْضٌ)، لا قِراضٌ؛ لأِنَّ اللَّفظَ يَصلُحُ له، وقد قَرَنَ به حُكمَه، فانْصَرَفَ إلَيهِ؛ كالتَّمْلِيك. فإنْ قَرَن به: ولا ضمانَ عَلَيكَ؛ فهو قَرْضٌ شُرِط فيه نَفْيُ الضَّمان، فلم يَنْتَفِ به (٢). (وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ (٣) بَيْنَنَا؛ فَهُوَ بَينَهما نِصفَينِ)؛ لأِنَّه أضافَهُ إلَيهِما إضافةً واحدةً، ولم يَترجَّحْ فِيهَا أحدُهما على الآخَر، فاقْتَضَى التَّسْوِيةَ؛ ك: هذِهِ الدَّارُ بَيْنِي وبَينَك. (وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ، أَوْ لِي؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّ المضارَبةَ تَقْتَضِي كَونَ الرِّبْح بينَهما، فإذا شَرَطَ اخْتِصاصَ أحدِهما بالرِّبح؛ فقد شَرَطَ ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْد، فَفَسَدَ، كما لو شَرَطَ الرِّبْحَ كُلَّه في شَرِكة العِنان لِأَحدِهما، ويُفارِقُ إذا لم يَقلْ: مُضارَبةً؛ لأِنَّ اللَّفظَ يَصلُح لِمَا أُثْبِتَ حُكمُه من الإبْضاع والقَرْض، ويَنفُذُ تَصَرُّفُ العامِلِ؛ لأِنَّ الإذْنَ باقٍ. (وَإِنْ قَالَ): خُذْهُ مُضارَبةً (وَلَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ)، أوْ رُبُعُه، أوْ جُزْءٌ مَعْلومٌ؛

стр. 3110

(صَحَّ)؛ لأِنَّ نَصيبَ العامِلِ معلومٌ، (وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ)؛ لأِنَّه يَسْتَحِقُّ الرِّبحَ بماله؛ لكَونه نَماءَه وفَرْعَه، والعامِلُ يأخُذُ بالشَّرْطِ، فما شُرِطَ له اسْتَحَقَّه، وما بَقِيَ؛ فلِرَبِّ المال بحُكم الأصْل. (وَإِنْ قَالَ: وَلِي ثُلُثُ الرِّبْحِ)، ولم يَذكُر نَصيبَ العامِل؛ (فَهَلْ يَصِحُّ (١)؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: يَصِحُّ، وقاله أبو ثَورٍ؛ لأِنَّ الرِّبْحَ يستحقَّانه، فإذا قُدِّرَ نَصيبُ أحدِهما منه، فالباقي للآخَر بمفهوم اللَّفظ، كما عُلِمَ أنَّ ثُلُثَي الميراث للأب من (٢) قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النِّسَاء: ١١]. والثَّاني: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّ العامِلَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْط، ولم يُوجَدْ، فتكونُ المضارَبةُ فاسدةً. فإن قال: لي النِّصفُ، ولك الثُّلثُ، وسكت عن الباقي؛ صحَّ، وكان (٣) لربِّ المال. وإن قال: خُذْه مضارَبةً على الثُّلث، أو بالثُّلث؛ صحَّ، وكان تقديرًا لِنَصيب العامِلِ. تنبيهٌ: إذا قال: لك ثُلث الرِّبح وثُلث ما يَبقَى من الرِّبح؛ صحَّ، وله خمسةُ أتْساعه، وإن قال: لك رُبُع الرِّبح ورُبُع ما يَبقَى؛ فله ثلاثةُ أثْمانٍ ونِصفُ ثُمُنٍ، سواءٌ عَرَفا الحسابَ، أو جهلاه (٤) في الأصحِّ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا لِمَنِ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ)، قليلاً كان أوْ كثيرًا؛ (فَهُوَ لِلْعَامِلِ)؛ لأِنَّه يَسْتَحِقُّه بالعمل، وهو يَقِلُّ ويَكْثُرُ، وإنَّما تتقدر حِصَّتُه بالشَّرْط، بخلاف

стр. 3111

ربِّ المال، فإنَّه يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بماله، ويُحَلَّفُ مُدَّعِيهِ؛ لأِنَّه يَحْتَمِلُ خِلافَ ما قاله، فيَجِبُ؛ لنفي الاحْتِمال. فلو اخْتَلَفا في قَدْر الجزء بعد الرِّبْح، فقال العامل: شَرَطْتَ لي النِّصفَ، وقال المالِكُ: الثُّلثَ؛ قُدِّم قَولُه؛ لأِنَّه مُنكِرٌ للزِّيادة. وعنه: يُقبَل قَولُ العامِلِ إنِ ادَّعَى تَسْميةَ المِثْل أوْ دونها (١)؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ معه. ولو قيل بالتَّحالُف لم يَبْعُد؛ كالبيع. فإن أقام كلٌّ منهما بيِّنةً؛ قُدِّمت بيِّنةُ العامِلِ. (وكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ)؛ قِياسًا عليها؛ لأِنَّ العامِلَ في كلٍّ منهما (٢) إنَّما يَسْتَحِقُّ بالعمل، وشَمِلَ هذا التَّشْبيهُ للأحكام السَّابقةِ. (وَحُكْمُ الْمُضَارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فِيمَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ، وَمَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، وَفِي الشُّرُوطِ)؛ لاِشْتِراكِهِما في التَّصرُّف بالإذْن، فما جاز للشَّريك فِعْلُه؛ جاز للمضارِب، وما مُنِعَ منه مُنِعَ منه، وما اختلف فيه فههنا مِثْلُه، وما جاز أن يكون رأسَ مالِ الشَّرِكَة؛ جاز أن يكون رأس مال المضارَبة، ولا يُعْتَبَرُ قبضُ رأس المال، وتكفي مباشَرَتُه، وقيل: يُعْتَبَر نُطْقُه. (وَإِذَا (٣) فَسَدَتِ) المضارَبةُ؛ (فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ)، قال القاضي: هذا هو المذهَبُ؛ لأِنَّه نَماءُ ماله، وإنَّما يَسْتَحِقُّ العامِلُ بالشَّرط، فإذا فسدت فسد الشَّرْط، فلم يَسْتَحِقَّ شَيئًا. (وِلِلْعَامِلِ الْأُجْرَةُ)؛ أيْ: أُجْرةُ مِثْلِهِ، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّ عَمَلَه إنَّما كان في

стр. 3112

مُقابَلة المسمَّى، فإذا لم تَصِحَّ التَّسْمِيةُ؛ وَجَبَ رَدُّ عَمَلِه عليه، وذلك متعذِّرٌ، فوجب له أجرةُ (١) المثل، كما لو اشترى شراءً فاسدًا، فقبضه، وتَلِفَ أحدُ العِوَضَينِ في يَدِ قابِضه؛ فيجب ردُّ بَدَلِه. وسَواءٌ ظهر في المال ربحٌ، أو لا. (وَعَنْهُ: لَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الْأُجْرَةِ، أَوْ مَا شُرِطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ)؛ لأِنَّه إنْ كان الأقلُّ الأُجْرةَ؛ فهو لا يَسْتَحِقُّ غَيرَها؛ لِبُطْلان الشَّرْط، وإن كان الأقلُّ المشروطَ؛ فهو قد رَضِيَ به. واخْتارَ الشَّريفُ أبو جَعْفَرٍ: أنَّ الرِّبحَ بَينَهما على ما شَرَطَاهُ، واحْتَجَّ بأنَّ أحمدَ قال: إذا اشْتَرَكا في العُرُوض قُسِمَ الرِّبحُ على ما شَرَطاهُ (٢)، فأثْبَتَ فِيهَا ذلِكَ مع فسادها. ورُدَّ: بأنَّ كلامَه محمولٌ على صِحَّة الشَّرِكة بالعُروض، والتَّصرُّفُ فيها صحيحٌ مستَنِدًا إلى الإذْن؛ كالوَكِيلِ. لا يُقالُ: لو اشترى شراءً فاسِدًا ثمَّ تصرَّف فيه؛ لم ينفُذْ، مع أنَّ البائعَ قد أذِنَ له في التَّصرُّف؛ لأِنَّ المشتريَ يتصرَّفُ من جِهة الملْك لا بالإذْن. (وَإِنْ شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبةِ)؛ بأنْ يَقولَ: ضارَبْتُكَ على هذِهِ الدَّراهمِ سَنَةً، فإذا مَضَتْ فلا تَبِعْ، ولا تَشْتَر؛ (فَهَلْ تَفْسُدُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصحُّهما: الصِّحَّةُ، قال مهنَّى: سألتُ أحمدَ عن رَجُلٍ أعْطَى آخَرَ ألْفًا مُضارَبةً شَهْرًا، فإذا مضى يكون قَرْضًا؟ قال: لا بَأْسَ به، قال: فإن جاء الشَّهْرُ وهو مَتاعٌ؟ قال: إذا باع المتاعَ يكون قَرْضًا (٣)؛ لأِنَّه قد يكونُ لربِّ المال فِيهِ غَرَضٌ.

стр. 3113

والثَّانيةُ: لا تَصِحَّ (١)، وهي اختيارُ أبي حَفْصٍ العكبري؛ لأِنَّه عَقْدٌ يَقَعُ مُطْلَقًا، فإذا شُرِطَ قَطْعُه؛ لم يَصِحَّ كالنِّكاح، ولأِنَّه لَيسَ مِنْ مُقْتَضَى العَقد ولا مصلحته. ورُدَّ: بأنَّه تَصرُّفٌ يتوقَّت بِنَوعٍ من المتاع، فجاز تَوقِيتُه بالزَّمان؛ كالوكالة. (وَإِنْ قَالَ: بِعْ هَذَا الْعَرْضَ وَضَارِبْ بِثَمَنِهِ)؛ صحَّ؛ لأِنَّه وَكِيلٌ في بَيع العَرْض، فإذا باعَهُ؛ صارَ الثَّمَنُ في يَدِهِ أمانةً، أشْبَهَ ما لَوْ كان المالُ عِندَه وديعةً. (أَوِ اقْبِضْ وَدِيعَتِي وَضَارِبْ بِهَا)؛ لأِنَّه وَكِيلٌ في قَبْضِ الوَدِيعَةِ، ومأْذُونٌ له في التَّصرُّف مُؤْتَمَنًا عَلَيهِ، فجَازَ جَعْلُه مُضارَبةً، كما لَوْ قال: اقْبِضْه من غُلامِي وضارِبْ به، وكما لَوْ كَانَ في يَدِ إنسانٍ وديعةً، فقال له ربُّها: ضارِبْ بها. (أَوْ إِذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَضَارِبْ بِهَذَا (٢)؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه إذْنٌ في التَّصرُّف، فَجَازَ تعليقُه على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ؛ كالوَكالة. فَرْعٌ: إذا قال: ضارِبْ بِعَينِ المال الذي غَصَبْتَه منِّي؛ صحَّ كالوديعة، فإذا ضارَبَ به؛ سَقَطَ عنه الضَّمانُ. وقال القاضِي: لا يَزولُ ضَمانُ الغَصْبِ إلاَّ بِدَفْعِه ثمنًا (٣)؛ لأِنَّ القِراضَ لا يُنافِي الضَّمانَ، بدَلِيلِ ما لَوْ تعدَّى. ورُدَّ: بأنَّه مُمْسِكٌ بإذْنِ مالِكِه، ولا يَخْتَصُّ بنَفْعه، أشْبَهَ ما لَوْ قَبَضَه ثُمَّ قَبَّضَه إيَّاه. (وَإِنْ قَالَ: ضَارِبْ بِالدَّيْنِ الذِي عَلَيْكَ)، أوْ تصدَّقْ به عَنِّي؛ (لَمْ يَصِحَّ)،

стр. 3114

نَصَّ عَلَيهِ (١)، وهو قَولُ أكثرِ العلماء؛ لأِنَّ المالَ الذي في يَدِ مَنْ عَلَيهِ الدَّينُ له، وإنَّما يَصيرُ لِغَرِيمِه بقَبْضِه، ولم يُوجَدْ. وقال بَعْضُ أصْحابِنَا: يَصِحُّ؛ لأِنَّه إذا (٢) اشْتَرَى شَيئًا للمضارَبة؛ فقد اشْتَراهُ بإذْن مالِكِه، ودَفَعَ الثَّمَنَ إلى مَنْ أُذِن له في دَفْع الثَّمَن إلَيهِ، فتَبْرَأُ ذمَّتُه مِنْهُ. فلَوْ قال: اعزِلِ المالَ الذي عَلَيكَ وضارِبْ به؛ صَحَّ، سَواءٌ اشْتَراهُ بعَينِ المالِ، أوْ فِي الذِّمَّة؛ لأِنَّه اشْتَرَى لِغَيرِه بمالِ نفسِه. فَرْعٌ: إذا دَفَعَ إليه ألْفًا مُضارَبةً، وقال له: أضِفْ إليها مِثْلَها، واتَّجِرْ بِهِما، والرِّبحُ لك ثُلُثاه ولي ثُلُثُهُ؛ صحَّ، وكان شَرِكةً ومُضارَبةً. وإنْ شَرَطَ غَيرُ العامِلِ لِنَفْسِه ثُلُثَيِ الرِّبْحِ؛ لم يَجُزْ، خِلافًا للقاضِي. (وَإِنْ أَخْرَجَ مَالاً لِيَعْمَلَ هُوَ فِيهِ (٣) وَآخَرُ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا؛ صَحَّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ أبي الحارِث (٤)، ويَكونُ مضاربةً (٥)؛ لأِنَّ غَيرَ صاحِبِ المال يَسْتَحِقُّ المشروطَ بعَمَلِه مِنْ الرِّبْح في مالِ غَيرِه، وهذا حقيقةُ المضارَبةِ. (وَقَالَ الْقَاضِي) تَبَعًا لاِبْنِ حامِدٍ، واخْتارَه أبو الخَطَّاب: (إِذَا شَرَطَ الْمُضَارَبُ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ؛ لَمْ يَصِحَّ)، وهو قَولُ أكْثَرِهم؛ لأِنَّ المضارَبةَ تَقْتَضِي تسليمَ المالِ إلى المضارَب، فإذا شَرَطَ عليه العملَ؛ لم يَتَسلَّمْه؛ لأِنَّ يَدَه عَلَيهِ، وذلِكَ يخالف (٦) مُقْتَضَاها، وحَمَلَ القاضِي كلامَ

стр. 3115

أحمدَ والخِرَقِيِّ: على أنَّ ربَّ المال عَمِلَ فيه من غَيرِ شَرْطٍ. والأوَّلُ أظْهرُ؛ لأِنَّ العملَ أحدُ رُكْنَي المضاربة، فجاز أن يَنفرِدَ به أحدُهما مع وجود الأَمْرَينِ من الآخَر؛ كالمال. وقَولُهم: (إنَّ المضارَبةَ تَقْتَضِي) إلى آخِرِه؛ مَمْنُوعٌ، وإنَّما تَقْتَضِي إطلاقَ التَّصرُّف في مالِ غَيرِه بِجُزْءٍ مُشاعٍ من رِبْحِه، وهذا حاصِلٌ مع اشْتِراكِهِما في العَمَلِ. (وَإِنْ شَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أَشْهَرُهما: يَصِحُّ؛ لأِنَّ عَمَلَ الغُلام في مالِ سَيِّده، فصحَّ (١) ضمُّه إلَيهِ، كما لو ضَمَّ إلَيهِ بهيمتَه يَحْمِل عَلَيهَا. والثَّانِي: لا؛ لأِنَّ يَدَ العَبْدِ كَيَدِ سيِّده، وعَمَلَه كَعَمَلِهِ.

стр. 3116

(فَصْلٌ) (وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ)؛ أيْ: بِغَيرِ إذْنِه؛ لأِنَّ فيه ضَرَرًا، ولا حَظَّ للتِّجارَةِ فِيهِ؛ إذْ هِيَ مَعْقودةٌ للرِّبْح حقيقةً أوْ مَظِنَّةً، وهُمَا مُنْتَفِيانِ هُنَا. (فَإِنْ فَعَلَ؛ صَحَّ) الشِّراءُ في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ (١)؛ لأِنَّه مالٌ مَتَقَوِّمٌ قابِلٌ للعُقود، فصحَّ شراءُ العامل؛ كما لو اشترى (٢) مَنْ نَذَرَ ربُّ المال حُرِّيَّتَه إذا مَلَكَه، (وَعَتَقَ)؛ أيْ: على ربِّ المالِ؛ لأِنَّه (٣) مَلَكَهُ، وذلِكَ (٤) مُوجِبٌ للعِتْق، وتَنْفَسِخُ فيه المضارَبةُ، (وَضَمِنَ) العامِلُ (ثَمَنَهُ)؛ لأِنَّ التَّفْريطَ مِنْهُ. (وَعَنْهُ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ)؛ لأِنَّ الملْكَ ثَبَتَ فيه ثُمَّ تَلِفَ، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَه بفِعْله. (عَلِمَ) أنَّه يَعْتِقُ بالشِّراءِ، (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّ الإتْلافَ الموجِبَ للضَّمان لا فَرْقَ فِيهِ بَينَ العِلْم والجَهْل. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لأِنَّه مَعْذُورٌ؛ إذِ التَّلَفُ حَصَلَ لِمَعْنًى في المبيع (٥)، ولم يَعْلَمْ به، فلم يَضْمَنْه؛ كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعلَمْ عَيْبَه فتَلِفَ به. وفي «الشَّرح»: ويَتَوَجَّهُ: ألاَّ يَضْمَنْ وإنْ عَلِمَ.

стр. 3117

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَصِحَّ الْبَيْعُ)؛ لأِنَّ الإذْنَ في المضارَبة إنَّما يَنْصَرِفُ (١) إلى ما يُمكِنُ بَيعُه والرِّبْحُ فِيهِ، ومَنْ يَعْتِقُ على ربِّ المال لَيسَ كذلِكَ. وقيَّدَه في «الشَّرح»: إذا كانَ الثَّمَنُ عَيْنًا؛ لأِنَّ العامِلَ اشْتَرَى ما لَيسَ له أنْ يَشْتَرِيَه، وإن كان اشْتَراهُ بثَمَنٍ في الذِّمَّة؛ وَقَعَ الشِّراءُ للعاقِد، ولَيسَ له دَفْعُ الثَّمَنِ مِنْ مالِ المضارَبة، فإنْ فَعَلَ؛ ضَمِنَ في قَولِ أكثرِ الفُقَهاء. فأمَّا إذا اشْتَراهُ بإذْنِه؛ صَحَّ؛ لأِنَّه يَصِحُّ شِراؤهُ بِنَفْسِه، فكذا نائبُه. فإن كان على المأْذُون له دَينٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه وما في يَدِه، وقُلْنا: يتعلَّق بِرَقَبته؛ فعَلَيهِ دَفْعُ قِيمَتِه إلى الغُرَماء؛ لأِنَّه أتْلَفَه عَلَيهم بالعِتْقِ. وإنْ نَهاهُ عنه؛ فهو باطِلٌ. وإنْ أطْلَقَ؛ فوَجْهانِ؛ كشِرائه امرأةَ ربِّ المالِ. (وَإِنِ اشْتَرَى) المضارِبُ (امْرَأَتَهُ) أوْ بعضَها؛ (صَحَّ)؛ لأِنَّه اشْتَرَى ما يُمكِنُ طَلَبُ الرِّبحِ فِيهِ أشْبَهَ ما لو اشْتَرى أجْنَبِيَّةً، (وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ)؛ لأِنَّها دَخَلَتْ في مِلْكِ زَوْجِها. فإنْ (٢) كان قَبْلَ الدُّخول فهل يَلزَمُ الزَّوجَ نِصْفُ الصَّداقِ؟ فيه وَجْهانِ، فإنْ قُلْنا: يَلزَمُه رجع به (٣) على العامِلِ؛ لأِنَّه سَبَبُ تَقْرِيره عَلَيهِ، فرجع (٤) عَلَيهِ كما لو أَفْسَدتِ امرأتُه نِكاحَها بالرَّضاع، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». فَرْعٌ: إذا اشْتَرى زَوجَ ربَّة المال؛ صحَّ، وانْفَسَخ نكاحُها، ولا ضَمان عَلَيهِ فِيما يَفوتُ من المهْرِ ويَسقُط من النَّفقة؛ لأِنَّ ذلِكَ لا يَعُودُ إلى المضارَبة،

стр. 3118

وإنَّما هو بسببٍ (١) آخَرَ، ولا فَرْقَ بَينَ شرائه في الذِّمَّة أو بعَين المال. (وَإِنِ اشْتَرَى) المضارِبُ (مَنْ يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ؛ لَمْ يَعْتِقْ)؛ لأِنَّه لا يَمْلِكُه، وإنَّما هو ملْكُ ربِّ المال. وقيل: بَلَى؛ كسابِقَتِه (٢). (وَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ؛ فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، هما مَبْنِيَّانِ على أنَّ العامِلَ متى يَمْلِك (٣) الرِّبْحَ، فإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالقِسْمة؛ لم يَعْتِقْ منه شَيْءٌ؛ لأِنَّه لم يَمْلِكْه، وإنْ قُلْنا: بالظُّهور؛ فوجهان: أحدهما، واختاره أبو بَكْرٍ: لا يَعْتِقُ؛ لأنَّ ملْكَه غَيرُ تامٍّ؛ لكَونِ الرِّبْحِ وِقايةً لِرَأْسِ المالِ. والثَّانِي: يَعتِقُ منه بِقَدْر حِصَّته إنْ كان معسِرًا، ويُقوَّمُ عليه باقِيهِ إنْ كان مُوسِرًا، وهو قَولُ القاضِي؛ لأِنَّه مَلَكَه بفِعْله، فَعَتَقَ عليه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراه بماله. وإن اشتراه ولم يَظْهَرْ رِبْحٌ، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذلِكَ، والعَبْدُ باقٍ في التِّجارَةِ؛ فهو كما لَوْ كانَ ظاهِرًا. مسألةٌ: إذا تَعَدَّى المضارَبُ بالشَّرْط، أو فَعَلَ ما لَيسَ له فِعْلُه، أو تَرَكَ ما يَلزَمُه؛ ضَمِنَ المالَ، ولا أجرةَ له، ورِبْحُه لِمَالِكِه. وقيل: له أُجْرة المِثْل. وعنه: له الأقلُّ منها، أو ما سُمِّيَ له من الرِّبْح. وعَنْهُ: يتصدَّقانِ، قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا على سَبِيلِ الوَرَعِ. وقيل: إن اشْتَرَى بعَينِ المال؛ بطل على المذهب، والنَّماء للبائع.

стр. 3119

وعنه: إنْ أجازه ربُّه؛ صحَّ، ومَلَكَ النَّماء، وإلاَّ بَطَلَ. (وَلَيْسَ لِلْمُضَارَبِ) أنْ يَشْتَرِيَ بأكثرَ من رأس المال؛ لعَدَم تناوُل الإذْن له، فإنْ فَعَلَ؛ صحَّ، وكان له، وهل يَقِفُ على إجازة ربِّ المال؟ فيه روايتانِ. و (أَنْ يُضَارِبَ لآِخَرَ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ)، ولم يَأْذَن فيه (١)؛ ككون المال الثَّاني كثيرًا، فيَستوعِبُ زمانَه، فيَشْغَله عن تجارة الأوَّل. وقال أكثرُ الفقهاء: بجوازه؛ لأِنَّه عَقْدٌ لا يَملِكُ به منافِعَه كلَّها، فلم يَمنَع من المضارَبة، كما لو لم يكن فيه ضررٌ، وكالأجير (٢) المشترَك. ورُدَّ: بأنَّها تنعقد على الحظِّ والنَّماء، فإذا فعل ما يمنعه؛ لم يَجُزْ له، كما لو أراد التَّصرُّف بالعين (٣). وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يكن فيها ضررٌ على الأوَّل؛ أنَّه لا يمنع بغير خلافٍ نعلمه (٤)، وكما لو أذِن فيها. (فَإِنْ فَعَلَ؛ رَدَّ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ) نَصَّ عليه (٥)؛ لأِنَّه استَحَقَّ ذلك بالمنفعة الَّتي استُحِقَّت بالعقد الأوَّل، فيُنظَر في المضاربة الثَّانيةِ، فيُدفَع إلى ربِّ مالها منه نصيبه؛ لأِنَّ العدوان من المضارِب لا يُسْقِطُ حقَّ ربِّ المال الثَّاني، ويأخذ المضارِبُ نصيبَه من الرِّبح، فيضمُّه (٦) إلى ربح المضاربة الأولى، فيَقْتَسِمانِه.

стр. 3120

قال في «المغني» و «الشَّرح»: النَّظَرُ يَقْتَضِي أنَّ ربَّ المضارَبَة الأولى لا يَستحِقُّ من ربح الثَّانية شَيئًا؛ لأِنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بمالٍ أو عملٍ، وهما مُنْتَفِيانِ، وتعدِّي المضارِب بترك العمل واشتغاله عن المال الأوَّل لا يُوجِب عِوَضًا، كما لو اشتغل بالعمل في مال نفسه، أو آجر نفسه. (وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ)، هذا هو الرَّاجِحُ؛ لأِنَّه مِلْكُه، فلم يصحَّ شراؤه له؛ كشرائه من وكيله. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ)، صحَّحها الأَزَجِيُّ؛ لأِنَّه قد تعلَّقَ به حقُّ المضارَب، فجاز شراؤه منه كمُكاتَبه (١). والفَرْقُ ظاهِرٌ، فإنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ ما في يد المكاتَب، ولا تَجِبُ زكاتُه عَلَيهِ. وعلى الثَّانية: يأخُذ بالشُّفْعة. وظاهِرُه: أنَّ له الشِّراءَ من غَيرِ المضارَبة في المنصوص، قال أحمد: إن لم يَبِعْه مرابَحةً فهو أعْجَبُ إليَّ (٢)، فإنَّ المضارِبَ له أنْ يَشترِيَ من مال المضارَبة إذا لم يَظهَرْ رِبْحٌ، نَصَّ عليه، وهو قولُ الجمهور؛ لأنَّه ملْكُ غَيرِه، فصحَّ كشراء الوَكيل من مُوَكِّله، وإنْ ظَهَرَ ربحٌ فلا. (وَكَذَلِكَ شِرَاءُ السَّيِّدِ مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ (٣). وقيل: يَصِحُّ إذا اسْتَغْرَقَتْهُ الدُّيونُ؛ لأِنَّ الغُرَماء يأخُذُون ما في يده؛ لأنَّه صار مستحَقًّا لهم؛ لتعلُّق (٤) الدَّين برَقَبته.
следующие страницы →