← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

(فَصْلٌ) (وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ)؛ أيْ: بِغَيرِ إذْنِه؛ لأِنَّ فيه ضَرَرًا، ولا حَظَّ للتِّجارَةِ فِيهِ؛ إذْ هِيَ مَعْقودةٌ للرِّبْح حقيقةً أوْ مَظِنَّةً، وهُمَا مُنْتَفِيانِ هُنَا. (فَإِنْ فَعَلَ؛ صَحَّ) الشِّراءُ في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ (١)؛ لأِنَّه مالٌ مَتَقَوِّمٌ قابِلٌ للعُقود، فصحَّ شراءُ العامل؛ كما لو اشترى (٢) مَنْ نَذَرَ ربُّ المال حُرِّيَّتَه إذا مَلَكَه، (وَعَتَقَ)؛ أيْ: على ربِّ المالِ؛ لأِنَّه (٣) مَلَكَهُ، وذلِكَ (٤) مُوجِبٌ للعِتْق، وتَنْفَسِخُ فيه المضارَبةُ، (وَضَمِنَ) العامِلُ (ثَمَنَهُ)؛ لأِنَّ التَّفْريطَ مِنْهُ. (وَعَنْهُ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ)؛ لأِنَّ الملْكَ ثَبَتَ فيه ثُمَّ تَلِفَ، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَه بفِعْله. (عَلِمَ) أنَّه يَعْتِقُ بالشِّراءِ، (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّ الإتْلافَ الموجِبَ للضَّمان لا فَرْقَ فِيهِ بَينَ العِلْم والجَهْل. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لأِنَّه مَعْذُورٌ؛ إذِ التَّلَفُ حَصَلَ لِمَعْنًى في المبيع (٥)، ولم يَعْلَمْ به، فلم يَضْمَنْه؛ كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعلَمْ عَيْبَه فتَلِفَ به. وفي «الشَّرح»: ويَتَوَجَّهُ: ألاَّ يَضْمَنْ وإنْ عَلِمَ.

стр. 3117

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَصِحَّ الْبَيْعُ)؛ لأِنَّ الإذْنَ في المضارَبة إنَّما يَنْصَرِفُ (١) إلى ما يُمكِنُ بَيعُه والرِّبْحُ فِيهِ، ومَنْ يَعْتِقُ على ربِّ المال لَيسَ كذلِكَ. وقيَّدَه في «الشَّرح»: إذا كانَ الثَّمَنُ عَيْنًا؛ لأِنَّ العامِلَ اشْتَرَى ما لَيسَ له أنْ يَشْتَرِيَه، وإن كان اشْتَراهُ بثَمَنٍ في الذِّمَّة؛ وَقَعَ الشِّراءُ للعاقِد، ولَيسَ له دَفْعُ الثَّمَنِ مِنْ مالِ المضارَبة، فإنْ فَعَلَ؛ ضَمِنَ في قَولِ أكثرِ الفُقَهاء. فأمَّا إذا اشْتَراهُ بإذْنِه؛ صَحَّ؛ لأِنَّه يَصِحُّ شِراؤهُ بِنَفْسِه، فكذا نائبُه. فإن كان على المأْذُون له دَينٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه وما في يَدِه، وقُلْنا: يتعلَّق بِرَقَبته؛ فعَلَيهِ دَفْعُ قِيمَتِه إلى الغُرَماء؛ لأِنَّه أتْلَفَه عَلَيهم بالعِتْقِ. وإنْ نَهاهُ عنه؛ فهو باطِلٌ. وإنْ أطْلَقَ؛ فوَجْهانِ؛ كشِرائه امرأةَ ربِّ المالِ. (وَإِنِ اشْتَرَى) المضارِبُ (امْرَأَتَهُ) أوْ بعضَها؛ (صَحَّ)؛ لأِنَّه اشْتَرَى ما يُمكِنُ طَلَبُ الرِّبحِ فِيهِ أشْبَهَ ما لو اشْتَرى أجْنَبِيَّةً، (وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ)؛ لأِنَّها دَخَلَتْ في مِلْكِ زَوْجِها. فإنْ (٢) كان قَبْلَ الدُّخول فهل يَلزَمُ الزَّوجَ نِصْفُ الصَّداقِ؟ فيه وَجْهانِ، فإنْ قُلْنا: يَلزَمُه رجع به (٣) على العامِلِ؛ لأِنَّه سَبَبُ تَقْرِيره عَلَيهِ، فرجع (٤) عَلَيهِ كما لو أَفْسَدتِ امرأتُه نِكاحَها بالرَّضاع، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». فَرْعٌ: إذا اشْتَرى زَوجَ ربَّة المال؛ صحَّ، وانْفَسَخ نكاحُها، ولا ضَمان عَلَيهِ فِيما يَفوتُ من المهْرِ ويَسقُط من النَّفقة؛ لأِنَّ ذلِكَ لا يَعُودُ إلى المضارَبة،

стр. 3118

وإنَّما هو بسببٍ (١) آخَرَ، ولا فَرْقَ بَينَ شرائه في الذِّمَّة أو بعَين المال. (وَإِنِ اشْتَرَى) المضارِبُ (مَنْ يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ؛ لَمْ يَعْتِقْ)؛ لأِنَّه لا يَمْلِكُه، وإنَّما هو ملْكُ ربِّ المال. وقيل: بَلَى؛ كسابِقَتِه (٢). (وَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ؛ فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، هما مَبْنِيَّانِ على أنَّ العامِلَ متى يَمْلِك (٣) الرِّبْحَ، فإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالقِسْمة؛ لم يَعْتِقْ منه شَيْءٌ؛ لأِنَّه لم يَمْلِكْه، وإنْ قُلْنا: بالظُّهور؛ فوجهان: أحدهما، واختاره أبو بَكْرٍ: لا يَعْتِقُ؛ لأنَّ ملْكَه غَيرُ تامٍّ؛ لكَونِ الرِّبْحِ وِقايةً لِرَأْسِ المالِ. والثَّانِي: يَعتِقُ منه بِقَدْر حِصَّته إنْ كان معسِرًا، ويُقوَّمُ عليه باقِيهِ إنْ كان مُوسِرًا، وهو قَولُ القاضِي؛ لأِنَّه مَلَكَه بفِعْله، فَعَتَقَ عليه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراه بماله. وإن اشتراه ولم يَظْهَرْ رِبْحٌ، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذلِكَ، والعَبْدُ باقٍ في التِّجارَةِ؛ فهو كما لَوْ كانَ ظاهِرًا. مسألةٌ: إذا تَعَدَّى المضارَبُ بالشَّرْط، أو فَعَلَ ما لَيسَ له فِعْلُه، أو تَرَكَ ما يَلزَمُه؛ ضَمِنَ المالَ، ولا أجرةَ له، ورِبْحُه لِمَالِكِه. وقيل: له أُجْرة المِثْل. وعنه: له الأقلُّ منها، أو ما سُمِّيَ له من الرِّبْح. وعَنْهُ: يتصدَّقانِ، قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا على سَبِيلِ الوَرَعِ. وقيل: إن اشْتَرَى بعَينِ المال؛ بطل على المذهب، والنَّماء للبائع.

стр. 3119

وعنه: إنْ أجازه ربُّه؛ صحَّ، ومَلَكَ النَّماء، وإلاَّ بَطَلَ. (وَلَيْسَ لِلْمُضَارَبِ) أنْ يَشْتَرِيَ بأكثرَ من رأس المال؛ لعَدَم تناوُل الإذْن له، فإنْ فَعَلَ؛ صحَّ، وكان له، وهل يَقِفُ على إجازة ربِّ المال؟ فيه روايتانِ. و (أَنْ يُضَارِبَ لآِخَرَ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ)، ولم يَأْذَن فيه (١)؛ ككون المال الثَّاني كثيرًا، فيَستوعِبُ زمانَه، فيَشْغَله عن تجارة الأوَّل. وقال أكثرُ الفقهاء: بجوازه؛ لأِنَّه عَقْدٌ لا يَملِكُ به منافِعَه كلَّها، فلم يَمنَع من المضارَبة، كما لو لم يكن فيه ضررٌ، وكالأجير (٢) المشترَك. ورُدَّ: بأنَّها تنعقد على الحظِّ والنَّماء، فإذا فعل ما يمنعه؛ لم يَجُزْ له، كما لو أراد التَّصرُّف بالعين (٣). وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يكن فيها ضررٌ على الأوَّل؛ أنَّه لا يمنع بغير خلافٍ نعلمه (٤)، وكما لو أذِن فيها. (فَإِنْ فَعَلَ؛ رَدَّ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ) نَصَّ عليه (٥)؛ لأِنَّه استَحَقَّ ذلك بالمنفعة الَّتي استُحِقَّت بالعقد الأوَّل، فيُنظَر في المضاربة الثَّانيةِ، فيُدفَع إلى ربِّ مالها منه نصيبه؛ لأِنَّ العدوان من المضارِب لا يُسْقِطُ حقَّ ربِّ المال الثَّاني، ويأخذ المضارِبُ نصيبَه من الرِّبح، فيضمُّه (٦) إلى ربح المضاربة الأولى، فيَقْتَسِمانِه.

стр. 3120

قال في «المغني» و «الشَّرح»: النَّظَرُ يَقْتَضِي أنَّ ربَّ المضارَبَة الأولى لا يَستحِقُّ من ربح الثَّانية شَيئًا؛ لأِنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بمالٍ أو عملٍ، وهما مُنْتَفِيانِ، وتعدِّي المضارِب بترك العمل واشتغاله عن المال الأوَّل لا يُوجِب عِوَضًا، كما لو اشتغل بالعمل في مال نفسه، أو آجر نفسه. (وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ)، هذا هو الرَّاجِحُ؛ لأِنَّه مِلْكُه، فلم يصحَّ شراؤه له؛ كشرائه من وكيله. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ)، صحَّحها الأَزَجِيُّ؛ لأِنَّه قد تعلَّقَ به حقُّ المضارَب، فجاز شراؤه منه كمُكاتَبه (١). والفَرْقُ ظاهِرٌ، فإنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ ما في يد المكاتَب، ولا تَجِبُ زكاتُه عَلَيهِ. وعلى الثَّانية: يأخُذ بالشُّفْعة. وظاهِرُه: أنَّ له الشِّراءَ من غَيرِ المضارَبة في المنصوص، قال أحمد: إن لم يَبِعْه مرابَحةً فهو أعْجَبُ إليَّ (٢)، فإنَّ المضارِبَ له أنْ يَشترِيَ من مال المضارَبة إذا لم يَظهَرْ رِبْحٌ، نَصَّ عليه، وهو قولُ الجمهور؛ لأنَّه ملْكُ غَيرِه، فصحَّ كشراء الوَكيل من مُوَكِّله، وإنْ ظَهَرَ ربحٌ فلا. (وَكَذَلِكَ شِرَاءُ السَّيِّدِ مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ (٣). وقيل: يَصِحُّ إذا اسْتَغْرَقَتْهُ الدُّيونُ؛ لأِنَّ الغُرَماء يأخُذُون ما في يده؛ لأنَّه صار مستحَقًّا لهم؛ لتعلُّق (٤) الدَّين برَقَبته.

стр. 3121

والأصحُّ المنْعُ (١)؛ لأِنَّ ملْكَ السَّيِّد لم يَزُلْ عنه، واسْتِحْقاقَ انْتِزاع ما في يَدِه لا يُوجِبُ زوالَ الملْكِ؛ كالمفْلِس. (وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه ملْكٌ لغَيره، فصحَّ شِراؤه كالأجنبيِّ، إلاَّ أنَّ مَنْ عَلِمَ مَبْلَغ شَيءٍ لم يَبِعْه صُبْرةً، وإلاَّ جاز بكَيله أو وزْنِه. ونقل حنبلٌ: المنْعَ في غَيرِ مَكِيلِ أو مَوْزونٍ (٢)، وعلَّله في «النِّهاية»: بعَدَم التَّعْيِين فيهما. (وَإِنِ اشْتَرَى الْجَمِيعَ؛ بَطَلَ فِي نَصِيبِهِ)؛ لأِنَّه ملْكُه، (وَفِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ؛ وَجْهَانِ) مَبْنِيَّان على تفريق الصَّفْقَة، والمذهَبُ: صحَّتُه. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَصِحَّ فِي الْجَمِيعِ)؛ بِناءً على صحَّة شراء ربِّ المال من مال المضارَبة. (وَلَيْسَ لِلْمُضَارَبِ نَفَقَةٌ)؛ لأِنَّه دَخَلَ على أنَّه يَسْتَحِقُّ من الرِّبح شَيئًا، فلم يَسْتَحِقَّ غَيرَه؛ إذ لو اسْتَحَقَّها لَأفْضَى إلى اخْتِصاصه به، حَيثُ لم يَربَحْ سِوَى النَّفقة، (إِلاَّ بِشَرْطٍ)، نَصَّ عليه (٣)؛ كوَكِيلٍ، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أو عادةٍ (٤)، ولأِنَّ في تَقْديرِها قَطْعًا للمنازَعة. (فَإِنْ شَرَطَهَا (٥) لَهُ)، قال أحمدُ في رواية الأثرم: أَحَبُّ إلَيَّ أنْ يَشْتَرِطَ نفقةً محدودةً (٦)، وله ما قُدِّر له من مأكولٍ، وملبوسٍ، ومركوب (٧)، وغيره،

стр. 3122

(وَأَطْلَقَ)؛ صحَّ، نَصَّ عليه (١)؛ (فَلَهُ جَمِيعُ نَفَقَتِهِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَلْبُوسِ بِالْمَعْرُوفِ)؛ لأِنَّه كذلِكَ تَجِبُ (٢) لِمَنْ تَجِبُ عليه نفقتُه، ونَصَّ أحمدُ: أنَّه يَسْتَحِقُّ المأكولَ فقطْ، إلاَّ أنْ يَطُولَ سَفَرُه (٣)، ويَحتاجَ إلى تجديدِ كِسْوةٍ، فإنَّه يَجُوزُ (٤)، قاله في «المغني» و «الشَّرح». ونَقَلَ حنبلٌ: يُنْفِقُ على مَعْنَى ما كان يُنْفِقُ على نفسه، غير مُتَعَدٍّ بالنَّفَقة، ولا مضر (٥) بالمال (٦)، ولم يَذْهَب إلى تَقْدِيرها؛ لأنَّ (٧) الأسْعارَ تَخْتَلِفُ (٨). (فَإِنِ اخْتَلَفَا؛ رُجِعَ فِي الْقُوتِ إِلَى الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَفِي الْمَلْبُوسِ إِلَى أَقَلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ)، وقاله أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّه العادةُ، فيَنصرِفُ الإطْلاقُ إليه، كما انْصرَف إليه في الإطْعام في الكفَّارة. والأَوْلَى: أنْ يُرجَعَ فِيهِما إلى قُوتِ مِثْلِه، ومَلْبُوسِ مِثْلِه؛ كالزوجة (٩)، جَزَمَ به في «المحرَّر». مسألةٌ: لو كان معه مُضارَبةٌ ثانيةٌ، أو مالٌ لنفسه؛ فالنَّفقةُ على قَدْر المالَينِ، إلاَّ أن يَشرِط أحدهما النَّفقةَ من ماله مع عِلْمِه بذلِكَ. فلو لَقِيَه بِبَلَدٍ (١٠) أذِنَ في سَفَرِه إلَيهِ، وقد نَضَّ المالُ؛ فله نفقةُ رُجوعِه في وجْهٍ، وجَزَمَ في «الشَّرح» بخِلافِه؛ لأِنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّه ما دامَ في القِراض، وقد

стр. 3123

زال فزالتْ. (وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي، فَاشْتَرَى) من مال المضارَبة (جَارِيَةً؛ مَلَكَهَا)؛ لأِنَّ ربَّ المال قد أذِنَ له في التَّسَرِّي، والإذْنُ فِيهِ يَسْتَدْعِي الإذْنَ في الوَطْء؛ لأِنَّ البُضْعَ لا يُباحُ إلاَّ بِملْكٍ أو نكاح (١)، (وَصَارَ ثَمَنُهَا قَرْضًا) في ذِمَّته؛ (نَصَّ عَلَيْهِ (٢)؛ لأِنَّ ربَّ المال لم يُوجَدْ منه ما يَدُلُّ على تبرُّعه به (٣)، فوجب كَونُه قَرْضًا؛ لأِنَّه المتَيَقَّنُ، ونقل يعقوبُ اعْتِبارَ تَسْمِيةِ ثَمَنِها (٤). وعنه: له التَّسرِّي (٥) بإذْنه؛ أيْ: تكون (٦) ملْكًا له مَجَّانًا. واختار أبو بكرٍ الأوَّلَ، وهو عند القاضي روايةٌ واحدةٌ. تنبيهٌ: إذا وَطِئَ جاريةً من المال؛ عُزِّرَ، نَصَّ عليه (٧)، وقيل: يُحَدُّ قبل الرِّبْح، ذَكَرَه ابنُ رَزِينٍ، وذَكَرَ غَيرُه: إن ظَهَرَ رِبْحٌ عُزِّرَ، ويَلْزَمُه المهْرُ، وقِيمتُها إنْ أَوْلَدَها، وإلاَّ حُدَّ عالِمٌ، ونَصُّه: يُعزَّرُ (٨)، ويُسقَطُ من المهر والقِيمة قَدْرُ حقِّ العامِلِ. ولَيس لِربِّ المال وَطْءُ الأَمَة، ولو عدِم الرِّبحَ؛ لأِنَّه يَنقُصها إنْ كانَتْ بِكْرًا، أوْ يُعرِّضُها للخروج من المضارَبة والتَّلَف، فإنْ فَعَلَ؛ فلا حَدَّ عليه، فإنْ (٩) أحْبَلَها؛ صارتْ أُمَّ وَلَدٍ له، وهو حُرٌّ؛ لأِنَّها ملْكُه، وتَخْرُج من

стр. 3124

المضارَبة، وتُحْسَبُ قِيمتُها، ويضاف إلَيهِ بقيَّةُ المال، فإنْ كان فِيهِ (١) رِبْحٌ؛ فللعامِلِ حِصَّتُه منه. (وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ رِبْحٌ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ الْمَالِ)، بِغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٢)؛ يَعْنِي: أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أخْذَ شَيءٍ من الرِّبح حتَّى يُسلِّمَ رأْسَ المال إلى ربِّه، فمتى كان فيه رِبْحٌ وخُسْرانٌ؛ جُبِرت الوضِيعةُ من الرِّبح؛ لأِنَّه هو الفاضِلُ عن رأس المال، وما لم يَفْضُلْ؛ فلَيس بِرِبْحٍ. فلو كان مائَةً، فخَسِرَ عَشَرَةً، ثُمَّ أخَذَ ربُّه عَشَرَةً؛ نقص بها، وقِسْطُها ممَّا خَسِر دِرْهَمٌ وتُسُعٌ، ويَبْقَى رأسُ المال ثمانيةً وثمانِينَ وثمانيةَ أتْساعِ دِرْهَمٍ. ولو رَبِحَ فيها عشرين، فأخذها ربُّ المال؛ فقد أخذ سُدُسَه، فنقص رأسُ المال سدسه (٣)، وهو: سِتَّةَ عَشَرَ وثُلثان، وحَظُّها من الرِّبْح: ثلاثةٌ وثُلُثٌ. فَرْعٌ: يُحْسَبُ من الرِّبْح: المهْرُ، والثَّمَرةُ، والأجرةُ، وأرْشُ العَيبِ، وكذا نِتاجُ الحَيَوانِ، وفي «الفروع»: ويتوجَّه وجْهٌ. (وَإِنِ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ فَرَبِحَ فِي إِحْدَاهُمَا (٤) وَخَسِرَ فِي الْأُخْرَى، أَوْ تَلِفَتْ) إحْداهما؛ (جُبِرَتِ الْوَضِيعَةُ مِنَ الرِّبْحِ)؛ أيْ: وَجَبَ جَبْرُ الخُسْران من الرِّبح، ولا يَسْتَحِقُّ المضارَبُ شَيئًا إلاَّ بَعْدَ كمالِ رأْسِ المالِ؛ لأِنَّها مضارَبةٌ واحدةٌ. ويَلْحَقُ بذلك: ما إذا تَعَيَّبَ، أوْ نَزَلَ سِعْرُه بَعْدَ التَّصرُّف. ونَقَلَ حَنبَلٌ: وقَبْلَه جُبِرَت الوَضِيعةُ من رِبْح باقِيهِ قَبْلَ قِسْمَته نَاضًّا، أوْ تَنْضِيضِه مع محاسَبَته، نَصَّ عليهما (٥).

стр. 3125

ونَقَلَ ابنُ منصورٍ وحَرْبٌ: إذا احْتَسَبا وعَلِما ما لهما (١)، واحْتَجَّ به في «الانتصار»، وأنَّه يَحْتَمِل: أنَّه يَسْتَحِقُّ رِبْحَ رِبْحه. (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ انْفَسَخَتْ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ)، وكان رأسُ المال الباقِيَ خاصَّةً؛ لأِنَّه مالٌ هَلَكَ على جِهَتِه قبل التَّصرُّف، أشْبَهَ التَّالِفَ قَبْلَ القَبْض، وفارَقَ ما بَعْدَ التَّصرُّف؛ لأِنَّه دارَ في التِّجارةِ، وَشَرَعَ فِيما قُصِد بالعَقْد من التَّصرُّفات المؤدِّية إلى الرِّبح. فرعٌ: لو دَفَع إليه ألْفَينِ في وَقْتَينِ؛ لم يَخْلِطْهُما، نَصَّ عليه (٢)، ويتوجَّه جوازُه. وإنْ أَذِنَ قَبْلَ تصرُّفه في الأوَّل أوْ بَعْدَه وقد نَضَّ المالُ؛ جَازَ؛ لِزَوالِ المعْنَى المقْتَضِي للمَنْعِ. (وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ، ثُمَّ اشْتَرَى سِلْعَةً لِلْمُضَارَبَةِ؛ فَهِيَ لَهُ وَثَمَنُهَا عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه اشتراها (٣) في ذِمَّته، ولَيستْ من المضارَبة؛ لاِنْفِساخها بالتَّلَف، فاخْتَصَّتْ (٤) به، ولو كانت للمضارَبة لكان مُسْتَدِينًا على غَيرِه، والاِسْتِدانةُ على الغَير بغَير إذْنِه لا تجوز (٥)، وسَواءٌ عَلِمَ بتَلَفِ المال قبل نَقْد الثَّمَن أو جَهِلَه. (إِلاَّ أَنْ يُجِيزَهُ رَبُّ الْمَالِ)، فيَجوزُ في رِوايةٍ، وهو مَبْنِيٌّ على تصرُّف الفُضولِيِّ. والمذْهَبُ: أنَّه للعامِل بكلِّ حالٍ؛ لأِنَّ هذا زيادةٌ في مال المضارَبة؛ فلم يَجُزْ.

стр. 3126

(وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ الشِّرَاءِ) قَبْلَ نَقْدِ ثَمَنِها؛ (فَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا)؛ لأِنَّ الموجِبَ لفسخها هو التَّلَفُ، ولم يُوجَدْ حِينَ الشِّراء ولا قَبْلَه، (وَالثَّمَنُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ)؛ لأِنَّ الشِّراءَ صَادَفَ المضارَبةَ باقِيةً بحالها، وذلك يُوجِبُ كَونَ المشتَرَى له، والثَّمَنِ عليه، وحِينَئِذٍ فَلِرَبِّ السِّلْعَة مطالَبةُ كلٍّ مِنْهُما بالثَّمَن، ويَرجِعُ به على العامِلِ، ويَصيرُ رأسُ المال الثَّمَنَ دُونَ التَّالِفِ؛ لأِنَّه تَلِفَ قَبْلَ التَّصرُّف فيه، فهو كما لو تَلِفَ قَبْلَ قَبْضه. مسألةٌ: مَنْ أتْلَفَه؛ ضَمِنَ الرِّبْحَ للآخَر، ثم (١) إنْ كان تَلَفُه بعد التَّصرُّف؛ فالمضارَبةُ بحالها، وإلاَّ فهي في قَدْر ثَمَنِها. (وَإِذَا ظَهَرَ الرِّبْحُ لَمْ يَكُنْ (٢) لِلْعَامِلِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ)؛ لِأُمورٍ: أحدها: أنَّ الرِّبْحَ وِقايَةٌ لِرأْسِ المال، فلا يَأْمَنُ الخُسْرانَ الذي يَنْجَبِرُ بالرِّبْح. الثاني: أنَّ ربَّ المال شَرِيكُه، فلم يَكُنْ له مُقاسَمَةُ نفسه. الثالث: أنَّ ملْكَه غَيرُ مُسْتَقِرٍّ عليه؛ لأِنَّه بِعَرضِيَّةِ أن يَخْرُج عن يَدِهِ لِجُبْران خَسارةِ المالِ. (إِلاَّ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ)؛ لأنَّ (٣) الحقَّ لا يَخْرُج عنهما، وظَهَرَ منه: أنَّه يَحْرُم قِسمةُ الرِّبْح والعَقْدُ باقٍ إلاَّ باتِّفاقهما. (وَهَلْ يَمْلِكُ العَامِلُ (٤) حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما، وهي المذهَبُ والمجزومُ بها عِنْدَ الأَكْثَرِ: أنَّه يَمْلِكُ حصَّتَه مِنْهُ بظُهوره؛ لأِنَّ الشَّرْطَ صحيحٌ، فيَثْبُتُ مُقْتَضَاهُ، وهو أنْ يَكونَ له جُزْءٌ من

стр. 3127

الرِّبْحِ، وكما (١) يَمْلِكُ المُساقِي حِصَّتَه من الثَّمْرة بِظُهُورها في الأصحِّ. والثَّانيةُ: لا يَمْلِكُه إلاَّ بالقِسْمة، اخْتارَها القاضي وغيرُه؛ لأِنَّه لو مَلَكَهُ به لَاخْتَصَّ برِبْحه، ولَوَجَبَ أنْ يكونَ شريكًا لِربِّ المال؛ كَشَرِيكَيِ العِنانِ، ولأِنَّه لوِ اشْتَرى عَبْدَينِ بالمال كلُّ واحِدٍ يُساوِيه، فأعْتَقَهما ربُّ المال؛ عَتَقَا، ولم يَضْمَنْ للعامل شَيئًا، ذَكَرَه الأَزَجِيُّ مع أنَّه ذَكَرَ لوِ اشْترَى قريبَه فعتق (٢)؛ لَزِمَه حصَّته من الرِّبح؛ كما لَوْ أتْلَفه. والثَّالثةُ: يَمْلِكُه بالمحاسَبَةِ والتَّنْضِيضِ والفَسْخِ. فَعَلَى الأُولَى: لا يَسْتَقِرُّ؛ كشَرْطه (٣) ورِضاهُ بضمانه (٤). وفي عِتْق من يَعْتِقُ عَلَيهِ، وقيل: ولو لم يَظْهَرْ رِبْحٌ؛ وجْهانِ. فَرْعٌ: إتْلافُ المالِكِ كالقِسمة، فيَغرَمُ نصيبَ الآخَر، وكذا الأجنبيُّ. (وَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ، فَأَبَى رَبُّ الْمَالِ؛ أُجْبِرَ)؛ أيْ: على البيع (إِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لأِنَّ حقَّ العامِلِ في الرِّبح لا يَظْهَرُ إلاَّ بالبيع، فأُجْبِر الممتَنِعُ من (٦) أدائه كَسائِرِ الحُقوق. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إذا لم يَظْهَرْ رِبْحٌ؛ لم يُجْبَرِ الممْتَنِعُ على البيع؛ لأِنَّه لا حَقَّ للعامِلِ فِيهِ، وقد رَضِيَهُ مالِكُه كذلِكَ (٧)، فلم يُجْبَرْ على بيعه. وقيل: يُجْبَرُ مُطْلَقًا؛ لأِنَّه ربما زاد فِيهِ راغِبٌ، فزاد على ثَمَنِ المِثْل، فيَكونُ للعامِل فِيهِ حَظٌّ.

стр. 3128

ورُدَّ: بأنَّها حَصَلَتْ بعد الفسخ، فلم يَسْتَحِقَّها العامِلُ. فعلى تقدير الخَسارة يتَّجِه مَنْعُه من ذلك، ذَكَرَه الأَزَجِيُّ. فَرْعٌ: للعامل شِراءُ البَعْض من المالِك إن لم يَظْهَرْ رِبْحٌ، وقيل: مُطْلَقًا، وكذا من نفسه، ويَحْتَمِلُ: أنْ لا يَصِحَّ مطلقًا (١). (وَإِنِ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ وَالْمَالُ عَرْضٌ، فَرَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ عَرْضًا)؛ أيْ: فله تقويمُه، ودَفْعُ حصَّته؛ لأِنَّه أسْقَطَ البَيعَ عن المضارَب، وأَخَذَ العُرُوضَ بثَمَنِها الذي يَحصُلُ مِنْ غَيرِه، وحينئِذٍ يَمْلِكُها، نَصَّ عليه (٢)، إنْ لم يَكُنْ حيلةٌ، فإنِ ارْتَفَعَ السِّعْرُ؛ لم يُطالِبْه (٣) بِقِسْطه في الأصحِّ. قال (٤) ابنُ عَقِيلٍ: لو قَصَدَ ربُّ المالِ الحِيلَةَ لِيَخْتَصَّ بالرِّبْح؛ بِأنْ (٥) كانَ العامِلُ اشْتَرَى خزًّا (٦) في الصَّيف ليَرْبَحَ في الشِّتاء، أو يَرْجُوَ دُخُولَ مَوسِمٍ أوْ قَفْلٍ؛ أنَّ حَقَّه يبقى (٧) في الرِّبْحِ، قال الأَزَجِيُّ: أصْلُ المذْهَبِ: أنَّ الْحِيَلَ لا أَثَرَ لَهَا. (أَوْ طَلَبَ) ربُّ المال (الْبَيْعَ؛ فَلَهُ ذَلِكَ)؛ أيْ: يُجْبَرُ العامِلُ على بَيعِه وقَبْض ثَمَنِه حَيثُ لم يَرْضَ المالِكُ، هذا هو الأصحُّ؛ لأِنَّ عَلَيهِ ردَّ المالِ ناضًّا كما أخَذَهُ. والثَّانِي: لا يُجبَرُ إذا لم يَكُنْ في المال رِبْحٌ، أو أَسْقَطَ حقَّه منه؛ لأِنَّه بالفَسْخِ زال تصرُّفه، وصار أجْنَبِيًّا من المال، أشْبَهَ الوكيلَ إذا اشْتَرَى ما

стр. 3129

يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ، فأخَّرَه حتَّى زالت الوَكالةُ. وإذا لم يَلزَمْه؛ ففي استقراره بالفَسْخ وجْهانِ. وذَكَرَ المؤلِّفُ وغيرُه: يَلزَمُه بِقَدْرِ رأسِ المال. فَرْعٌ: إذا كان رأسُ المال دَنانِيرَ، فصار دراهمَ، أو بالعكس؛ فكعَرْضٍ، ذَكَرَه الأصْحابُ. وقال الأَزَجِيُّ: إنْ قُلْنا هما شَيءٌ واحِدٌ، وهو قِيمةُ الأشياء؛ لم يَلْزَمْه، ولا فَرْقَ؛ لقيام كلِّ واحدٍ مقامَ الآخَر. وإذا نَضَّ رأسُ المال؛ لم يَلزَم العامِلَ أنْ ينضَّ له الباقِيَ؛ لأِنَّه شَرِكَةٌ بَينَهُما. ولو كان صِحاحًا، فنَضَّ قُراضَةً أو مُكسَّرةً؛ لَزِمَ العامِلَ ردُّها إلى الصِّحاح، فيَبِيعُها بصِحاحٍ، أو بِعَرْضٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيها به. (وَإِنْ كَانَ دَيْنًا؛ لَزِمَ الْعَامِلَ تَقَاضِيهِ) مُطْلَقًا؛ أي: إنْ ظَهَر رِبحٌ أوْ لا؛ لأِنَّ المضارَبةَ تَقْتَضِي ردَّ المال على صِفَتِه، والدُّيونُ لا تَجرِي مَجْرَى النَّاضِّ، فَلَزِمَه ذلك؛ كما لو ظَهَرَ رِبْحٌ. وقِيلَ: يَلزَمُه في قَدْرِه، ولا يَلْزَمُ وَكِيلاً. وذَكَرَ أبو الفَرَجِ: يَلزَمُه ردُّه على حاله إنْ فَسَخَ بلا إذْنِه، قال: وكذا شَرِيكًا. (وَإِنْ قَارَضَ فِي الْمَرَضِ)؛ صحَّ؛ لأِنَّه عَقْدٌ يَبْتَغِي (١) فيه الفَضْلَ، أشْبَهَ المعاوَضةَ؛ (فَالرِّبْحُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ)، ولا يَحْتَسِبُ به من ثُلُثِه، (وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَةِ (٢) الْمِثْلِ)؛ لأِنَّ ذلِكَ غَيرُ مُسْتَحَقٍّ من مال ربِّ المال، وإنَّما حَصَلَ بعَمَل

стр. 3130

المضارَب (١)، فيما (٢) يوجد (٣) منه يَحدُث على ملْكِ العامِلِ، ولا يُزاحَم به أصحابُ الوصايا؛ لأِنَّه لو أقْرَضَ المالَ كان (٤) الرِّبْحُ كلُّه للمُقْتَرِضِ، فبعضه أَوْلَى، بخلاف ما لو حابَى الأجيرَ في الأجر، فإنَّه يُحتَسَب بالمحاباة من ثُلُثه؛ لأِنَّ الأجرَ يؤخَذُ من ماله. (وَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ)؛ أيْ: إذا ماتَ ربُّ المال؛ لأِنَّه يَمْلِكُ الرِّبحَ بالظُّهور، فكان شريكًا فِيهِ، ولأِنَّ حقَّه متعلِّقٌ بعَين المال لا الذمة (٥)، فكان مقدَّمًا على ما يتعلَّق بالذِّمَّة كالجِناية، أو يُقالُ: حقُّه متعلِّقٌ بالمال قَبْلَ الموت، فكان أسْبَقَ، فقُدِّم كالرَّهن. فرعٌ: إذا شُرِط في المزارَعة والمساقاة أكثرُ من أجرة (٦) المِثْل؛ فَقِيلَ مِثْلُها؛ لأِنَّ الثَّمرة تَخرُج عن ملْكهما كالرِّبح، وقيل: من ثُلُثِه كالأجير. (وَإِنْ مَاتَ الْمُضَارَبُ)، نَصَّ عليه (٧)، وعنه: غَيرَ فَجْأَةٍ، (وَلَمْ يُعْرَفْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ)؛ أيْ: جُهِلَ؛ (فَهُوَ دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ)؛ أيْ: صاحبُه أسْوةُ الغُرَماء؛ عمَلاً بالأصل، ولأِنَّه لمَّا أخْفاهُ ولم يُعيِّنه؛ فكأنَّه غاصِبٌ، فيتعلَّق بذمَّته، وكما لو جُنَّ جُنونًا مُطْبِقًا مأْيُوسًا من بُرْئه، ذَكَرَه في «الرِّعاية الكبرى». (وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ)؛ لاِسْتِوائهما في المعْنَى. والأصحُّ: أنَّها في تَركَته. وفيها في «التَّرغيب»: إلاّ أنْ يموتَ فَجْأةً، وزاد في «التَّلخيص»: أو يُوصِيَ إلى عَدْلٍ، ويَذكُر جنسَها؛ كقوله: قميصٌ، فلم يُوجَد.

стр. 3131

وإن مات وصِيٌّ، وجُهِلَ بقاءُ مال مَوْلِيِّهِ؛ قال في «الفروع»: (فيتوجَّه كذلك، قال شيخنا: هو (١) في تَرِكَتِه) (٢). مسألةٌ: إذا مات ربُّ المال؛ مُنِع المضارَبُ من البيع والشِّراء إلاَّ بإذن الوارث، نَصَّ عليه (٣)، وظاهِرُه: بقاءُ العامل على قِراضه؛ لأِنَّه إتمامٌ له، لا ابْتِداءُ قراض (٤). وحكى القاضي وجْهًا، وفي «المغني»: وهو (٥) أقْيَسُ: بطلانه؛ لأِنَّ القِراضَ قد بَطَلَ بالموت، وهذا ابْتداءُ قِراضٍ على عُروضٍ، نعم؛ لو كان ناضًّا؛ كان ابتداءَ قِراضٍ، والرِّبحُ مُشْترَكٌ بينهما. وقال القاضي: للعامل البيعُ حتَّى يَنِضَّ المالُ ويَظْهَر الرِّبحُ، إلاَّ أنْ يختارَ ربُّ المال تقويمَه ودَفْعَ الخصومة؛ فله ذلِكَ، وعليه يُحمَلُ كلامُ أحمدَ. وإن أراد المضاربة (٦)، والمالُ عَرْضٌ؛ فمُضارَبةٌ مُبْتَدأةٌ. وإنْ مات العامِلُ، أو جُنَّ، فإنْ كان المالُ ناضًّا؛ جاز، وكذا إنْ كان عَرْضًا في قولٍ. ولو أراد المالِكُ تقريرَ وارِثِه؛ فمُضارَبةٌ مبتدَأةٌ. ولا يَبِيعُ عَرْضًا بلا إذْنِه، فَيَبِيعُهُ حاكِمٌ، ويَقْسِمُ الرِّبحَ.

стр. 3132

(فَصْلٌ) (وَالْعَامِلُ أَمِينٌ)؛ لأِنَّه مُتصرِّفٌ (١) في مالِ غَيرِه بإذْنِه، لا لِمَحْض مَنفَعَتِه، فكان أمينًا كالوَكِيل، بخِلافِ المسْتَعِير، فإنَّه قَبَضَه لِمنفَعَتِه (٢) خاصَّةً. (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ هَلَاكٍ وَخُسْرَانٍ)؛ لأِنَّ تأْمينَه يَقْتَضِي ذلك، ولأِنَّه مُدَّعًى عليه، وهو يُنكِرُه، والقَولُ قَولُ المنكِر مع يمينه، وكما يُقبَلُ قَولُه في قَدْر رأس المال إجْماعًا، ذَكَرَه ابنُ المنذِرِ (٣). وذَكَرَ الحُلْوَانِيُّ فيه رواياتٍ؛ كَعِوَض كِتابَةٍ. والثَّالِثةُ: يَتَحالَفانِ. وجزم أبو محمَّدٍ الجَوْزيُّ: بقول ربِّ المال. (وَمَا يَذْكُرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِلْقِرَاضِ)؛ لأِنَّ الاِخْتِلافَ هنا في نِيَّته، وهو أعْلَمُ بها، فقُبِلَ قَولُه فيما نواه؛ كنِيَّة الزَّوج في كِتابَةِ (٤) الطَّلاق. فلو اشترى شَيئًا، فقال المالِكُ: كنتُ نَهيتُكَ عن شرائه، فأنكره العامِلُ؛ قُبِل قَولُه؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ النَّهْيِ، وكما يُقْبَلُ قَولُه في أنَّه رَبِحَ أمْ لَا. (وَمَا (٥) يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ (٦)، أو تفريطٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. (وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ) مع يَمِينِه (فِي رَدِّهِ إِلَيْهِ)، نَصَّ عليه (٧)؛ لأِنَّه قَبَضَ

стр. 3133

المال لِمَنْفَعَةِ نَفْسِه، فلم يُقبَلْ قَولُه في الرَّدِّ كالمسْتَعِيرِ، ولأِنَّ ربَّ المالِ منكر (١)، فقُدِّمَ قَولُه. وقيل: يُقبَل قَولُ العامِلِ؛ لأِنَّه أمينٌ، ومعظم (٢) النَّفع لِرَبِّ المالِ، فالعامِلُ كالمودَع. وهو مَبْنِيٌّ على دَعْوَى الوَكِيلِ الرَّدَّ إذا كان بجُعْلٍ، قالَهُ في «الشَّرح». (وَالْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِلِ)؛ أيْ: إذا اخْتَلَفا في قَدْر المشْرُوط بَعْدَ الرِّبْح؛ قُدِّم قَولُ المالِكِ، نَصَّ عليه في رواية ابْنِ مَنْصُورٍ وسِنْدِيٍّ (٣)، وهو قَولُ أكثرِهم؛ لأِنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادة الَّتي ادَّعاها العامِلُ، والقَولُ قَوْلُ المنكِرِ، وكقَبولِه في صِفةِ خُروجه عن يَدِه. (وَفِي الْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ نَسَاءً، وفِي الشِّرَاءِ (٤) بِكَذَا)؛ أي: إذا أنْكَرَ ربُّ المال، بأنْ قال: إنَّما أَذِنْتُ في البيع حالًّا، وفي الشِّراء بثلاثةٍ، قُدِّمَ قَولُه، وحَكاهُ في «الشَّرح» قَولاً؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ الإذْن، والقَولُ قَولُه في أصْلِ الإذْنِ، فكذا في صِفَتِه. والمنصوصُ: أنَّه يُقبَل قَولُ العامِلُ (٥)؛ لأِنَّهما اتَّفقا على الإذْنِ، واخْتَلَفا في صِفَتِه، كما لَوْ قال: نَهيتُك عن شراء عَبْدٍ، فأنكره (٦)، وهذا هو المذهَبُ في البيع نَساءً. وما جزم به المؤلِّفُ لا نَعرف (٧) به روايةً ولا وَجْهًا، غَيرَ أنَّ صاحِبَ

стр. 3134

«المستوعب» حَكَى بَعْدَ هذا: أنَّ ابن أبي موسى قال: ويتَّجه أن يكون القولُ قولَ ربِّ المال، فَظَنَّ بعضُهم أنَّه وجْهٌ، والفرق بينهما ظاهِرٌ؛ لأِنَّه لم يُوجَدْ في الإذْنِ في المقْدار قرينةٌ تَدُلُّ على صِدْق العامِلِ، والأصلُ يَنْفِي قولَه، فوجب العملُ به؛ لوجود مقتضاه، بخلاف الإذن في البيع نَساءً، فإنَّ فيه قرينةً تدلُّ على صِدْقِ العامل، فعارضت الأصلَ؛ إذ (١) عَقْدُ المضارَبة يَقْتَضِي الرِّبحَ، والنَّساءُ مَظِنَّتُه. (وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ إِنِ ادَّعَى أُجْرَةَ الْمِثْلِ)، زاد في «المغني» و «الشَّرح» تَبَعًا لابْنِ عَقِيلٍ: أو ما يتغابَنُ النَّاسُ به؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُه، فلو ادَّعَى أكثرَ؛ قُبِلَ قَوْلُ ربِّ المال، كالزَّوجَينِ إذا اخْتَلَفا في الصَّداق. (وَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ (٢): رَبِحْتُ أَلْفًا ثُمَّ خَسِرْتُهَا، أَوْ هَلَكَتْ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ)؛ لأِنَّه أَمِينٌ، فقبل (٣) قَولُه؛ كالوَكِيل المتبرِّع. (وَإِنْ قَالَ: غَلِطْتُ)، أوْ كَذَبتُ، أو نَسِيتُ؛ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ)؛ لأِنَّه مُقِرٌّ، فلا يُقْبَلُ قَولُه في الرُّجوع عن إقْراره؛ كدَعْوَى (٤) اقْتِراضٍ تمَّم به (٥) رأسَ المال بعد إقْراره به لربِّ المال. وعنه: يُقبَلُ؛ لَأَمانَتِه، ونَقَلَ أبو داودَ ومهنَّى: إذا أَقرَّ بِرِبْحٍ، ثُمَّ قال: إنَّما كنتُ أعطيك (٦) من رأس مالِكَ: يُصدَّقُ (٧)، قال أبو بَكْرٍ: وعَلَيهِ العملُ.

стр. 3135

ويَتَخَرَّجُ: ألاَّ يُقبَلَ إلاَّ بِبَيِّنةٍ؛ لأِنَّه مُدَّعٍ للغَلَطِ، فإذا قامت البيِّنةُ عليه؛ قُبِل كسائِرِ الدَّعاوَى. تنبيهٌ: إذا دفع (١) إليه مَبْلَغًا يَتَّجِرُ فيه، فرَبِحَ، فقال العامِلُ: هو قَرْضٌ رِبْحُه لي، وقال المالِكُ: هو قِراضٌ رِبْحُه بَيْنَنا؛ قُبِل قَولُ المالِكِ؛ لأِنَّه ملْكُه، فكان القَولُ قَولُه في صفةِ خروجه عن يَدِه، فإذا حَلَفَ؛ قُسِمَ الرِّبْحُ بَينَهما. وقيل: يَتَحالَفانِ، وللعامِلِ أكثرُ الأمْرَينِ ممَّا شُرِطَ له من الرِّبْح أو أُجْرَةِ مِثْلِه. فإن أقامَ كلٌّ منهما بيِّنةً؛ فنَصَّ أحمدُ: أنَّهما يَتعارَضانِ، ويُقسَمُ الرِّبحُ بَينَهما (٢)، وهو معنَى كلامِ الأَزَجِيِّ. وقَدَّمَ في «الفُروع»: تُقَدَّمُ بينة عامِلٍ؛ لأِنَّه خارِجٌ. وقِيلَ: عَكْسُه.

стр. 3136

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الْوُجُوهِ)، سُمِّيتْ به؛ لأِنَّهما يُعامِلانِ (١) فيها بِوجْهِهما، والجاهُ والوجْهُ واحِدٌ، يقال: فلانٌ وجيهٌ، إذا كان ذا جاهٍ. وهي جائزةٌ؛ إذْ مَعْناها وكالةُ كلِّ واحِدٍ منهما صاحبَه في الشِّراءِ والبَيعِ والكَفالةِ بالثَّمن، وكلُّ ذلك صحيحٌ؛ لاِشْتِمالها على مصلحةٍ من غَير مضرَّة. (وَهِيَ (٢) أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِجَاهِهِمَا دَيْنًا)؛ أيْ: في ذِممهما (٣) من غير أن يكونَ لهما مالٌ، (فَمَا رَبِحَا؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) على ما شَرَطَاهُ، وسَواءٌ عَيَّنَ أحدُهما لصاحبه ما يَشْتَريهِ، أوْ قَدْرَه، أو وقَّت، أو لم يُعَيِّنْ شَيئًا من ذلك، فلو قال كلٌّ منهما للآخَر: ما اشْتَرَيتَ مِنْ شَيءٍ فبَينَنا؛ صحَّ. (وَكُلُّ (٤) وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ، كَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ)؛ لأِنَّ مَبْناها على الوكالة والكَفالة؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وكيلُ الآخر (٥) فيما يَشْترِيه ويَبيعُه، كَفِيلٌ عنه بالثَّمن. (وَالْمِلْكُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ)؛ لقَوله ﵇: «المؤمِنُونَ على شُروطهم» (٦)؛ ولأن (٧) العَقْدَ مَبناهُ على الوكالة، فتَقيَّدَ بِما أَذِنَ فيه. (وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِيهِ (٨)؛ كشَرِكَةِ العِنان؛ لأِنَّها في مَعْناها.

стр. 3137

(وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ)؛ لأِنَّ العملَ مِنهُما قد يَتَساوَيانِ فِيهِ، فكانَ الرِّبْحُ بحَسَبِ الشَّرْطِ؛ كالعِنان، فإذا كان لأِحَدِهِما ثُلُثُ الرِّبْح؛ كان له ثُلُثُ المشْتَرَى، وإنْ كان له نِصْفُه كان له نِصْفُ المشْتَرَى؛ لأِنَّ الأصْلَ في الرِّبح المالُ، فكلُّ جُزْءٍ من الرِّبْح بإزاءِ جُزْءٍ من المال، فإذا عُلِمَ نَصِيبُ أحدِهما من الرِّبْح؛ عُلِمَ قَدْرُ ما يملكه (١) من المال؛ لأِنَّه تابِعٌ له. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِيهِ (٢)، قاله القاضِي، وجَزَم به في «الفُصول»؛ لأِنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بالضَّمان؛ إذِ الشَّرِكةُ وَقَعَتْ عليه خاصَّةً؛ إذْ لا مالَ لَهُما، فيَشْتَرِكانِ فيه على العمل، والضَّمانُ لا تَفاضُلَ فيه، فلا يجوز التَّفاضُل في الرِّبْح. والأوَّلُ المذهَبُ؛ لأِنَّهما شَريكانِ في المال والعَمَل، فجاز تفاضُلُهما في الرِّبح مع تَساوِيهِما في المال؛ كشَرِيكَيِ العِنان. (وَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ (٣) كَشَرِيكَيِ الْعِنَانِ)، يعْنِي: فيما يَجِبُ لهما وعَلَيهِما، وفي إقْرارهما وخُصومَتِهما، وغيرِ ذلك على ما مرَّ. وهل ما يَشْتَرِيه أحدُهما بَينَهما أمْ تُعْتَبَر النِّيَّةُ كوكالةٍ؟ فِيهِ وجْهانِ، قال في «الفروع»: ويتوجَّه في عِنانٍ مِثْلُه، وقَطَعَ جَماعَةٌ بالنِّيَّةِ. فَرْعٌ: إذا قَضَى بمالِ (٤) المضارَبة دَينَه، ثُمَّ اتَّجَرَ بِوَجْهه، وأعْطَى ربَّ المال نِصفَ الرِّبْح، فَنَقَلَ صالِحٌ: أمَّا الرِّبْحُ؛ فأرْجُو إذا كان مُتَفَضِّلاً عليه (٥).

стр. 3138

(فَصْلٌ) الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ (الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ) وبدأ بها (١) في «المحرَّر»، (وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا)؛ أي: اثْنانِ فأكثرُ (فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا)؛ أيْ: يَشْتَرِكونَ فيما يَكْتَسِبُون بأيْدِيهِم وصنائعهم (٢)، فما رَزَقَ الله فهو بَينَهم. وفي «الفروع»: وهي أنْ يَشْتَرِكا فِيمَا يَتَقَبَّلانِ في ذِمَمِهِما من (٣) عَمَلٍ. (فَهِيَ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لِمَا رَوَى أبو داودَ بإسْناده عن عبد الله قال: «اشْتَرَكْتُ أنا وسَعْدٌ وعَمَّارٌ يَومَ بَدْرٍ، فلم أَجِئْ أنا وعَمَّارٌ بشَيءٍ، وجاء سَعْدٌ بأَسِيرَينِ» (٥)، ومِثْلُه لا يَخْفَى عن النَّبيِّ ﷺ ، وقد أقرَّهم، وقال أحمدُ: أَشْرَك بَينَهم ﷺ (٦). فإنْ قُلْتَ: المغانِمُ مُشْتَرَكةٌ بَينَ الغانِمينَ، فكَيفَ يَصِحُّ اخْتِصاصُ هؤلاء بالشَّرِكة فيها؟ وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ … (٧)

стр. 3139

غنائم بَدْرٍ كانَتْ لِمَنْ أَخَذَها قَبْلَ أنْ يُشْرَك بَينَهم، بِدلِيلِ: أنَّه قال (١): «مَنْ أخَذَ شَيئًا؛ فهو له» (٢)، فكان من قَبِيلِ المباحات، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَرَّك بَينَهم فِيما يُصِيبُونَه من الأسْلاب والنَّفَل، وبأنَّ الله إنَّما جَعَلَ الغَنِيمةَ لِنَبِيِّه (٣) واخْتَلَفوا في الغَنائم، فأَنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ … (١)﴾ الآية [الأنفَال: ١]، والشَّرِكَة كانت (٤) قَبْلَ ذلك. والرِّبْحُ على ما شَرَطاهُ، نَصَّ عليه (٥). (وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْعَمَلِ؛ يَصِيرُ فِي ضَمَانِهِمَا، يُطَالَبَانِ بِهِ، وَيَلْزَمُهُمَا عَمَلُهُ)؛ لأِنَّ شَرِكَةَ الأبْدان لا تَنْعَقِدُ إِلاَّ على ذلك. وذَكَرَ المؤلِّفُ عن القاضي احْتِمَالاً: لا يَلزَمُ أحدَهما ما يَلزَم الآخَرَ؛ كالوكِيلَينِ. (وَهَلْ يَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ)؛ كقَصَّارٍ مع خَيَّاطٍ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ): الأَصَحُّ: الصِّحَّةُ؛ لأِنَّهما اشْتَرَكا في تَكَسُّبٍ مُباحٍ، فصحَّ، كما لو اتَّفَقَت الصَّنائعُ.

стр. 3140

والثَّانِي: لا يَصِحُّ، اخْتاره أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ مُقْتَضاها أنَّ ما يَتَقَبَّلُه كلُّ واحِدٍ من العمل يَلْزَمُهما، ويُطالَبانِ به، ولا يتأتَّى (١) ذلك مع اخْتِلاف صنائعهما؛ لأِنَّه لا قُدرةَ له عليه. ورُدَّ: بأنَّ تحصيلَ ذلك يُمكِنُه بالأُجْرة، أوْ بِمَنْ يَتَبَرَّعُ له بِعَمَله. تنبيهٌ: لا يُشتَرَط مَحَلُّ عملهما (٢)، ولا تَساوِيهِما فيه، ولكلِّ واحدٍ منهما طَلَبُ الأُجْرة، وللمستأْجِر دَفْعُها إلى أحدهما، ومن تَلِفَ بِيَده بغَير تَفْرِيطٍ؛ لم يَضْمَنْ، وإنْ فرَّط أوْ تَعَدَّى؛ ضَمِنَ فقطْ (٣)، فإذا أقرَّ أحدُهما بما (٤) في يده؛ قُبِل عليه وعلى شَرِيكه؛ لأِنَّ اليَدَ له، ولا يُقبَل إقْرارُه بما في يد شَرِيكه؛ لأِنَّه لا يَدَ له على (٥) ذلك. (وَيصحُّ (٦) فِي الاِحْتِشَاشِ)؛ لأِنَّه اشْتِراكٌ في مَكْسَبٍ مُباحٍ؛ كالقِصارة، (وَالاِصْطِيَادِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ)؛ كالحَطَب، والثِّمار المأْخُوذة من الجبال، والمعادِن، وهذا هو الأصحُّ فِيهِنَّ، ونَصَّ أحمدُ في روايةِ أبي طالِبٍ، واحْتَجَّ له: بالاِشْتِراك في الغَنيمة، فقال: يَشْتَرِكانِ فيما يُصِيبانِ من سَلَبِ المقْتولِ؛ لأِنَّ القاتِلَ يَختَصُّ به دُونَ الغانِمِينَ (٧). (وَإِنْ (٨) مَرِضَ أَحَدُهُمَا؛ فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا)؛ أيْ: إذا عَمِلَ أحدُهما دُونَ

стр. 3141

الآخَر فالكسْبُ بَينَهما، نَصَّ عليه في روايةِ إسْحاقَ بنِ مَاهَانَ، قالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (١)، واحْتَجَّ له الإمامُ: بحديثِ سَعْدٍ (٢). وسَواءٌ تَرَكَ العَمَلَ لِعُذْرٍ أو غَيرِه، وهو الأصحُّ فيه. (فَإِنْ طَالَبَهُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ)؛ لأِنَّهما دَخَلَا على أنْ يَعْمَلا، فإذا تعذَّر العَمَلُ بنفسه؛ لَزِمَه أنْ يُقِيمَ مَقامَه تَوفِيَةً للعَقْد ما يَقْتَضِيهِ، فإنِ امْتَنَع فَلِلآْخَرِ الفَسْخُ. فَرْعٌ: تَصِحُّ شَرِكَةُ شُهودٍ، قالَه الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين، ولأِحدهما أَنْ يُقِيمَ مَقامَه إنْ كان على عَمَلٍ في الذِّمَّة، وإنْ كانَ الجُعْلُ على شهادته بِعَينه؛ فالأصحُّ: جَوازُه (٣). ومُوجِبُ العَقْد المطْلَق: التَّساوِي في العَمَل والأَجْر، ولو عَمِلَ أكثرَ ولم يَتَبرَّعْ؛ طالب (٤) بالزِّيادة. وكذا الخلافُ في شَرِكَة الدَّلاَّلِينَ، وجَزَم في «التَّرغيب» وغيره، وهو الأشهرُ: بِعَدَم صِحَّتِها؛ لأِنَّه لا بُدَّ فيها من وكالةٍ، وهي على هذا الوجْهِ لا تَصِحُّ (٥)، كآجِرْ دابَّتَكَ والأُجْرةُ بَينَنَا. (وَإِنِ (٦) اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَا (٧) عَلَى دَابَّتَيْهِمَا وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ الحَمْلَ في الذِّمَّة، وهو نَوعُ اكْتِسابٍ، والدَّابَّتانِ آلَتانِ أشْبَهَا الأداةَ.

стр. 3142

ولو اشْتَرَكا في أُجْرةِ عَينِ الدَّابَّتَينِ، أوْ أنْفُسِهما إجارةً خاصَّةً؛ لم يَصِحَّ. (وَإِنْ (١) تَقَبَّلَا حَمْلَ شَيْءٍ، فَحَمَلَاهُ عَلَيْهِمَا)، أو على غَيرِ الدَّابَّتَيْنِ؛ (صَحَّتِ الشَّرِكَةُ)؛ لأِنَّ تَقَبُّلَهما الحَمْلَ أثْبَت الضَّمانَ في ذِمَّتهما، ولهما أنْ يَحْمِلا بأي ظَهْرٍ كان، أشْبَهَ ما لو تَقَبَّلَا قِصارةً، فَقَصَرَاها بغَيرِ أداتهما (٢). (وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ)؛ كشَرِكة الوُجوه. وقِيلَ: نِصْفَينِ كما لو أطْلَقَا. (وَإِنْ آجَرَاهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا؛ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أُجْرَةُ دَابَّتِهِ)؛ أيْ: إذا آجَرَا دابَّتَيهِما بأعْيانهما على حَمْل شَيءٍ بأُجْرةٍ مَعْلُومةٍ، واشْتَرَكا (٣) على ذلك؛ لم تَصِحَّ الشَّرِكَةُ في الأصحِّ، واسْتَحَقَّ كلٌّ منهما أُجْرةَ دابَّته؛ لأِنَّه لم يَجِبْ ضَمانُ الحَمْلِ في ذِمَّتهما، وإنَّما اسْتَحَقَّ الْمُكْتَرِي منفعة (٤) البهيمة الَّتي استأْجَرَها، ولهذا تَنْفَسِخُ الإجارةُ بمَوت الدَّابَّة المستأْجَرة؛ إذ الشَّرِكةُ إنَّما تَنعَقِدُ على الضَّمان في ذِمَمِهِما، أو على عَمَلِهِما، وهذا لَيسَ بواحد (٥) منهما، وهي تتضمَّن (٦) الوكالةَ، وعلى هذا الوجْهِ لا تَصِحُّ. ولِهذا لَوْ قال: آجِرْ عَبدَكَ والأُجْرةُ بَينَنَا، أوْ بِعْه والثَّمَنُ بَينَنَا؛ لم يَصِحَّ. وقِيلَ: بَلَى، وحَكاهُ في «المغْنِي» احْتِمالاً، كما لو اشْتَرَكا فِيما يَكْتَسِبانِ (٧) بأبْدانِهما من المباح.

стр. 3143

فإنْ أَعانَ أحدُهما صاحِبَه في التَّحْميل والنَّقْلِ؛ فله أُجْرةُ مِثْله؛ لأِنَّها مَنافِعُ وفَّاها بشبْهةِ عَقْدٍ. تنبيهٌ: اشْتَرك اثْنانِ لِأَحدِهما آلَةُ قِصارَةٍ، ولآِخَرَ بَيتٌ يَعْمَلانِ بها فيه؛ صَحَّ. ولو اشْتَرَكَ ثلاثةٌ لأِحدهم دابَّةٌ، ولآخر (١) رَاوِيَةٌ، ومن الثَّالِث العَمَلُ، على ما رَزَق الله (٢) بَينَهُم؛ فهو صحيحٌ، ويُعمَلُ به على ما اتَّفَقُوا عليه. وقال القاضِي: العَقْدُ فاسِدٌ، فعلى هذا: الأجْرُ كلُّه لِلسَّقَّاءِ، وعليه لصاحِبَيْهِ أُجْرَةُ المِثْل، واقْتَصَر عليه في «الفُصول»؛ لأِنَّ هذا ليس بِشَرِكةٍ، ولا مُضارَبَةٍ؛ لأِنَّه لا يَجوزُ أنْ يكونَ رأْسُ مالِهما العُروضَ، ولا إجارةً؛ لاِفْتِقارها إلى مُدَّةٍ مَعْلومةٍ وأجْرٍ مَعْلُومٍ. والأوَّلُ المذْهَبُ؛ لأِنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعمل عليها. وكذا الخِلافُ لو كانوا أربعةً؛ لأِحدِهم دابَّةٌ، ولآخر (٣) رَحًى، ولثالث (٤) دُكَّانٌ، ومِنَ الرَّابِع العَمَلُ. مسألةٌ: قال ابْنُ عَقِيلٍ وغَيرُه: لَوْ دَفَعَ شَبَكَةً إلى صَيَّادٍ لِيَصِيدَ بها السَّمكَ بَينَهما نِصْفَينِ؛ فالصَّيدُ كلُّه للصَّيَّاد، ولِصاحِب الشَّبَكَة أُجْرَةُ مِثْلِها. وقِياسُ قَولِ أحمدَ صِحَّتُها، فَمَا رَزَق اللهُ فهو بَينَهما على ما شَرَطاهُ؛ لأِنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ، فصَحَّ (٥) دَفْعُها ببعض نَمائها؛ كالأرض (٦).

стр. 3144

وقَفِيزُ الطَّحَّان: أنْ يُعطَى الطَّحَّانُ أقْفِزةً معلومةً يَطْحَنها بقفيز (١) دقيقٍ منها؛ يَنْبَنِي على ذلك. فَرْعٌ: دَفَع دابَّتَه إلى آخَرَ يَعْمَلُ عليها، وما رَزَقَ اللهُ بَينَهُما نِصْفَينِ، أوْ ما شَرَطاهُ؛ صَحَّ، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّها عَينٌ تُنمَّى بالعمل عليها، فصحَّتْ ببعض نَمائها؛ كالنَّقْدَينِ. وفي «الفصول»: هي (٣) مُضارَبةٌ على القَول بصِحَّتها في العُروض، ولَيسَتْ شَرِكَةً، نَصَّ عليه. وقيل: لا تَصِحُّ، والرِّبْحُ كُلُّه لِرَبِّ المال، وللعامِلِ أُجْرةُ مِثْلِه. (وَإِنْ جَمَعَا بَيْنَ شَرِكَةِ الْعِنَانِ، وَالْأَبْدَانِ، وَالْوُجُوهِ، وَالْمُضَارَبَةِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منها (٤) يَصِحُّ مُنْفَرِدًا، فصَحَّ مع غَيرِه، قال ابنُ المنَجَّى: وكما لَوْ ضَمَّ ماءً طَهُورًا إلى مِثْلِه، وهذا هو أحدُ قِسْمَيْ شَرِكَةِ المُفاوَضَةِ. الْخَامِسُ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ

стр. 3145

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ)، وهِي مُفاعَلَةٌ، يُقالُ: فاوَضَه مُفاوَضَةً؛ أيْ: جازاهُ، وتَفاوَضُوا في الأمر؛ أيْ: فَاضَ (١) بعضُهم بعْضًا. (وَهِيَ أَنْ يُدْخِلَا فِي الشَّرِكَةِ الْأَكْسَابَ (٢) النَّادِرَةَ؛ كَوِجْدَانِ) - بكَسْر الواو، مصدَرُ وَجَدَ - (لُقَطَةٍ أَوْ رِكَازٍ، وَمَا (٣) يَحْصُلُ لَهُمَا مِنْ مِيرَاثٍ، وَمَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّه يَكْثُرُ فيها الغَرَرُ، ولم يَصِحَّ (٥) بَينَ مُسْلِمٍ وذَمِّيٍّ، فلم يَصِحَّ بين المسلمين؛ كسائر العُقود المنهيِّ عَنْهَا، ولأِنَّ حُصولَ الكَسْب فيها وَهَمٌ، ولأِنَّها تَضَمَّنتْ كَفالَةً وغَيرَها مِمَّا لا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ، فكانَتْ باطِلَةً. والثَّاني: تَفْوِيضُ كُلٍّ مِنْهما إلى صاحِبِه شِراء، وبَيعًا، ومُضارَبةً، وتَوكِيلاً، وابْتِياعًا في الذِّمَّة، ومُسافَرَةً بالمال، وارْتِهانًا، وضَمانَ ما يَرَى من الأعْمال؛ فَشَرِكَةٌ صحيحةٌ، وكذا لو اشْتَرَكا في كلِّ ما ثَبَتَ لَهُما أوْ عَلَيهِما إن لم يُدخلا (٦) فِيهَا كَسْبًا نادِرًا وغَرامَةً. وأطْلَقَ في «المحرَّر»: إنْ شَرَطَ أنْ يَشْتَرِكا في كلِّ ما ثَبَتَ لَهُما أوْ عَلَيهِما؛ كشرط فاسد، وذَكَرَه في «الرِّعاية» قَولاً. وفي طريقة بعضِ أصحابنا: شَرِكَةُ المفاوَضَةِ أنْ يَقولَ: أنْتَ شَرِيكِي في

стр. 3146

كلِّ ما يَحصُلُ لي بأيِّ جهةٍ كانت، من إرْثٍ وغَيرِه، وفيها رِوايتانِ، المنصورُ: لا يَصِحُّ، والله أعلم (١).

стр. 3147

(بَابُ الْمُسَاقَاةِ) (١) هي مُفاعَلةٌ من السَّقْيِ؛ لأِنَّه أَهَمُّ أَمْرِها، وكانت النَّخلُ بالحِجاز تُسْقَى نَضْحًا؛ أي: من الآبار، فيَعظُمُ أمْرُه، وتَكثُرُ مَشَقَّتُه (٢). وهي عِبارة: أنْ يَدفَعَ إنسانٌ شَجَرَه إلى آخَرَ لِيَقُومَ بسقيه، وما يَحْتاجُ إليه، بجُزْءٍ معلومٍ له من ثَمَره، قاله في «المغْنِي» و «الشَّرح». وليس بجامِعٍ؛ لِخُروج ما يَدْفَعُه إليه لِيَغْرِسَه ويَعْمَلَ عليه، ولا بِمانِعٍ؛ لِدُخولِ ما لَه ثمرٌ غَيرُ مَقْصودٍ؛ كالصَّنَوْبَرِ. والأصلُ في جَوازها السُّنَّةُ، فَمِنْها: ما رَوَى ابنُ عُمَرَ قال: «عامَلَ النَّبيُّ ﷺ أهلَ خَيبَرَ بشطر (٣) ما يَخرُج منها من ثَمَرٍ أوْ زَرْعٍ» مُتَّفَقٌ عليه (٤)، وقال أبو جَعْفَرٍ: «عامَلَ النَّبيُّ ﷺ أهْلَ خَيْبَرَ بالشَّطْر، ثُمَّ أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ أهلوهم (٥) إلى اليوم يُعْطُون الثُّلُثَ أوِ الرُّبُعَ» (٦)، وهذا عَمِل به الخُلفاءُ الرَّاشِدونَ ولم يُنكَرْ، فكان كالإجْماع. (تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ)، وعليه اقْتَصَرَ داودُ، (وَكُلِّ (٧) شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ)؛ لأِنَّ الحاجةَ تدْعُو إلى ذلك؛ لأِنَّ كَثيرًا من النَّاس لا شَجَرَ لهم، ويَحْتاجُونَ إلى الثَّمَر، ففي تَجْوِيز المساقاة دَفْعُ الحاجَتَينِ، وحُصولُ المنفعة

стр. 3148

لهما، فجاز كالمضارَبة. والمنتَفَعُ به: كالمأْكول. ومُقْتَضَى ما ذَكَروهُ: أنَّها لا تَصِحُّ على مَا لا ثَمَرَ له؛ كالحَور (١)، أوْ له ثَمَرٌ غَيرُ مَقْصودٍ؛ كالصَّنَوبَر، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح» بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ إذْ لَيسَ مَنصوصًا عليه، ولا هو في مَعْنَى المنصوص. لكِنْ إنْ قُصِدَ وَرَقُه كالتُّوت، أوْ زَهْرُه كالوَرْد؛ فالقِياسُ جَوازُه؛ لأِنَّه في معْنَى الثَّمَرة؛ لكَونه يتكرَّر كلَّ عامٍ، ويُمكِنُ أخْذُه، وقد يُقالُ: إنَّ النُّصوصَ تشمله (٢). (بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ)؛ أيْ: بِجُزْءٍ مُشاعٍ؛ كالثُّلُث ونحوِه؛ للخَبَر، لا عَلَى صاعٍ، أَوْ آصُعٍ، أوْ ثَمَرَة نَخْلَةٍ بِعَينِها؛ لِمَا فيه من الغَرَرِ؛ إذْ يَحْتَمِلُ ألاَّ يَحصُلَ إلاَّ ذلك، فيتضرَّرُ المالِكُ، أوْ يَكْثُرُ الحاصِلُ فيتضرَّرُ العامِلُ، وتكون (٣) التَّسْمِيةُ له؛ لأِنَّ المالِكَ يَسْتَحِقُّ بالأصل. ومُقْتَضاهُ: أنْ تكونَ (٤) من تلك (٥) الثَّمرةِ، فلو شَرَطَ له ثَمَرَ نَخْلٍ غَيرِ الَّذي سَاقَاهُ عليها، أوْ ثَمَرَةَ سَنَةٍ غيرِ الذي ساقاهُ عَلَيها؛ لم يَصِحَّ؛ لِمخالَفة مَوضُوعها، ولا فَرْقَ فيه بَينَ السَّقْي والبَعْل عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُها. أصلٌ: لا يُقالُ: ابنُ عَمَرَ قد رَجَعَ عمَّا رَوَى لقوله (٦): «كُنَّا نُخابِرُ أرْبَعينَ

стр. 3149

سَنَةً حتَّى حَدَّثَنا رافِعُ بنُ خَدِيجٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن المخابَرة» (١)؛ لأِنَّه لا يجوز حَمْلُ حديثِ رافِعٍ على ما يُخالِفُ الإجْماعَ؛ لأِنَّه ﵇ لم يَزَلْ يُعامِلُ أهلَ خَيبَرَ حتَّى مات، ثُمَّ عَمِل به الخُلَفاءُ، ثم (٢) مَنْ بَعْدَهم، فكيف يُتَصَوَّرُ نَهْيُه ﵇ عن ذلِكَ. وقد رَوَى طاوُسٌ: أنَّ أعْلَمَهم - يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ - أخْبَرَ أنَّه ﷺ لم يَنْهَ (٣) عَنْهُ، وقال: «لأن (٤) يَمْنَحَ أحدُكم أخاهُ أرْضَه؛ خَيرٌ له من أن يأخُذَ عَلَيهِ أجْرًا معلومًا» مُتَّفَقٌ عليه (٥). ثُمَّ حديثُ رافِعٍ محمولٌ على ما قُلْنا؛ لِمَا رَوَى البُخاريُّ بإسْنادِه قال: «كنَّا (٦) أكثرَ الأنصار حَقْلاً، فكُنَّا نُكْرِي الأرضَ على أنَّ لنا هذِهِ ولَهُم هذِهِ، فربَّما أخْرَجَتْ هذِهِ ولم تُخرِجْ هذِهِ، فنهانا عنه، فأمَّا الوَرِق فلم يَنْهَنا» (٧). ورُجوعُ ابنِ عُمَرَ يَحتَمِلُ: أنَّه رَجَعَ عن شَيءٍ من المعامَلاتِ الفاسِدةِ، معَ أنَّ فِيهِ اضْطِرابًا، قال الأثْرَمُ: سَمِعتُ أبا عبد الله يُسأَلُ عن حديث رافِعٍ، فقال: يُرْوَى فيه ضُروبٌ، كأنَّه يُريدُ اخْتِلافَ الرِّوايات عنه (٨). (وَتَصِحُّ) من كلِّ جائز التَّصرُّف، (بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ)؛ لأِنَّها مَوضُوعُها حقيقةً، (وَالْمُعَامَلَةِ)؛ لِقَوله: «عامَلَ أهلَ خَيبَرَ»، (وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا)؛ كَ: فَالَحْتُكَ، و: اعْمَلْ في بُسْتانِي هذا حتَّى تَكمُلَ ثَمَرَتُه؛ لأِنَّ القَصْدَ

стр. 3150

المعْنَى، فإذا أَتَى بِلَفْظٍ دالٍّ عليه؛ صحَّ كالبَيع. (وَتَصِحُّ) هي ومزارعةٌ (بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه مُؤَدٍّ للمَعْنَى، فصحَّ به العَقْدُ؛ كسائر الألفاظ المتَّفَق عليها. والثَّاني: لا، واخْتاره أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ الإجارة يُشْتَرَطُ لها ما لا يُشْتَرَطُ لِلْمُساقاة، وهما مُخْتَلِفانِ في اللُّزوم والجواز، فلم تصحَّ (١) بلفظ الإجارةِ؛ كما لا تصح (٢) بلفظ البَيع. (وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ فِيمَنْ قَالَ: آجَرْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَنَّهُ يَصِحُّ (٣)، وَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ)، فعَبَّر بالإجارة عن المزارَعة على (٤) سَبِيلِ المجاز، كما يُعبَّر عن الشُّجاع بالأسد (٥)، فعلى هذا يكون نَهْيُه عن كِراء الأرض بثُلُثِ ما يَخرُج منها: أنَّه يَنصَرِفُ إلى الإجارة الحقيقيَّة، لا المزارَعة. (وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: هِيَ إِجَارَةٌ)؛ لأِنَّها مَذْكُورةٌ بِلَفْظها، فتكونُ إجارةً حقيقةً، ويُشْتَرَطُ فيها شُروطُ الإجارة، وتَصِحُّ بِبَعْضِ الخارِج منها كما تَصِحُّ بالدَّراهِم، ونَصَّ عَلَيهِ (٦)، واخْتاره الأكثرُ. وعَنْهُ: لا، اخْتارَهُ أبو الخَطَّاب والمؤلِّفُ. وقِيلَ: يُكرَه. وإن (٧) صحَّ إجارةً، أَوْ مُزارَعَةً فلم يزْرَعْ؛ نُظِرَ إلى مُعَدَّل المغَلِّ، فيَجِبُ

стр. 3151

القِسْطُ المسمَّى فيه. (وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ، وَأَصَحُّ) دليلاً عنده؛ إذِ الخَبَرُ يَدُلُّ عليه، واللَّفْظُ قد يُعدَلُ عن حقيقته إلى مَجازه لِدليلٍ. (وَهَلْ يَصِحُّ (١) عَلَى ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ) لم تَكمُلْ، وعلى زَرْعٍ نابِتٍ (٢) يُنَمَّى بالعَمَل؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يَجُوزُ؛ لأِنَّه «﵇ عامَلَ أهلَ خَيبَرَ بشَطْرِ ما يَخرُجُ منها من ثَمَرٍ أوْ زَرْعٍ» (٣)، وذلك مفقودٌ هنا، ولأِنَّ الثَّمرةَ إذا ظَهَرَتْ فقد حَصَلَ المقصودُ، وصار بمنزلة مضارَبته على المال بعد ظُهور الرِّبْح. والثَّانيةُ، وهي الأصح: الجواز (٤)؛ لأِنَّها إذا جازت في المعدوم مع كَثْرَة الغَرَر فيها؛ فَمَعَ وُجودها وقِلَّةِ الغَرَر فيها أَوْلَى. ومَحَلُّها: إذا بَقِيَ من العمل ما تَزيدُ به الثَّمرةُ؛ كالتَّأْبِير، والسَّقْيِ، والإصْلاحِ، فإنْ بَقِيَ ما لا تَزيدُ به؛ كالجداد؛ لم يَجُزْ بغَير خِلافٍ (٥). (وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ، وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ، بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ؛ صَحَّ) في المنصوص، قال في روايةِ أَبِي داودَ: إذا قال لِرجُلٍ: اغْرِسْ في أرْضِي هذه شَجَرًا، أوْ نَخْلاً، فما كان من غلَّةٍ (٦) فلك بِعَمَلِك كذا، فأجازه (٧)، واحتجَّ بحديث خَيبَرَ (٨)،

стр. 3152

ولأنَّ العَمَلَ وعوضه (١) مَعْلُومانِ، فصحَّتْ؛ كالمساقاة على شَجَرٍ مَوجُودٍ. ويُعْتَبَرُ أن يَكُونَ الغراس (٢) من ربِّ الأرض كالمزارَعة، فإن كان من (٣) العامِل؛ فعلى الرِّوايَتَينِ في المزارَعة إذا شُرِطَ البَذْرُ من العامِلِ. وقال القاضِي: المعامَلةُ باطِلَةٌ، وصاحِبُ الأرض مُخَيَّرٌ بَينَ تكليفه قَلْعَها، ويَضْمَنُ له نَقْصَها، وبَينَ تَرْكِها في أرضه، ويَدْفَعُ إليه قِيمَتَها، فإنِ اخْتارَ العامِلُ قَلْعَ شَجَرِه فله ذلك، سَواءً بَذَلَ له القِيمةَ أوْ لَا؛ لأِنَّه ملْكُه، فلم يُمْنَعْ من تَحْوِيله، وإنِ اتَّفَقا على إبْقاء الغِراس ودَفْعِ أجْرِ الأَرض؛ جاز. تنبيهٌ: ظاهِرُ نَصِّه: أنَّها تَصِحُّ بجُزْءٍ من الشَّجَر، وبجُزْءٍ منهما؛ كالمزارَعة، وهي المغارَسةُ والمناصَبةُ، اخْتارَهُ أبو حَفْصٍ العُكْبُرِيُّ، والقاضِي في «تعليقه» والشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وذَكَرَه ظاهِرَ المذْهَبِ، ولو كان مَغْروسًا، ولو كان ناظِرَ وقْفٍ، وأنَّه لا يَجُوزُ لناظِرٍ بَعْدَه بيع (٤) نَصيبِ الوقْف بلا حاجةٍ، وأنَّ لِحاكِمٍ الحُكْمَ بلُزومها في محلِّ النِّزاع فقطْ، والحُكمَ به من جِهَةِ عِوَضِ المِثْل، ولو لم تَقُمْ به بيِّنةٌ؛ لأِنَّه الأصلُ في العُقود (٥). قال في «الفروع»: ويتوجَّه اعْتِبارُ بيِّنةٍ. وقدَّم في «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّه لا يَصِحُّ، فلو دَفَعَها إليه على أنَّ الأرضَ والشَّجَرَ بَينَهما، فذلك فاسِدٌ بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٦). فَرْعٌ: عَمِلَا في شَجَرٍ بَينَهما نِصفَينِ، وشَرَطَا التَّفاضُل في (٧) ثَمَرِه؛ صحَّ، كاشْتِراط العامِل من (٨) كلِّ نَوعٍ جُزْءًا معلومًا، وكتعدده (٩).

стр. 3153

ويُشتَرَط لِصِحَّتِها: أن يكونَ الشَّجَرُ معلومًا كالبَيع، فإنْ سَاقَاهُ على بُسْتانٍ لم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له؛ لم يَصِحَّ، كمُسَاقَاتِهِ على أحدِ هذَينِ الحائطَينِ. (وَالْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)، وكذا المزارَعة، أَوْمَأَ إلَيهِ أحمدُ في رواية الأثْرَمِ، وقد سُئِل عن الأَكَّار يَخرُجُ من الضَّيعة من غَير أنْ يُخرِجَه صاحبُها؛ فلم يَمْنَعْه من ذلك (١)، ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ، وقاله بعضُ المحدِّثين؛ لِمَا رَوَى مسلِمٌ عن ابن عمرَ في قضيَّة خَيبَرَ، فقال رسول الله ﷺ : «نُقِرُّكم على ذلك ما شِئْنا» (٢)، ولو كانَ لازِمًا لم يَجُزْ بغَير تقديرِ مدَّةٍ، ولا أنْ يَجعَلَ الخِيَرةَ إليه في مدَّة إقْرارِهم، ولأِنَّها عَقْدٌ على جزء من (٣) نَماء (٤) المال، فكانَتْ جائزةً؛ كالمضارَبة. (لَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ)؛ لأِنَّه ﵇ لم يَضرِبْ لأِهل خَيبَرَ مدَّةً، ولا خُلَفاؤه مِنْ بَعْدِه، وكما لا يَفْتَقِرُ (٥) إلى القَبول لَفْظًا. (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا)؛ لأِنَّه شَأْنُ العُقود الجائزةِ، (فَمَتَى انْفَسَخَتْ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ فَهِيَ بَيْنَهُمَا) على ما شَرَطاهُ؛ لأِنَّها حَدَثَتْ على ملْكَيْهِما، ويَلزَمُ العامِلَ تمامُ العَمَلِ؛ كالمضارِبِ.

стр. 3154

(وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ ظُهُورِهَا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأِنَّه رَضِيَ بإسْقاط حقِّه، فهو كعامِلِ المضارَبة والجِعالَةِ. (وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ)؛ أيْ: قَبْلَ ظُهور الثَّمَرة؛ (فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ)؛ أيْ: أُجْرة مِثْلِه؛ لأِنَّه مَنَعَه من إتمام (١) عَمَله الَّذي يَسْتَحِقُّ به العِوَضَ؛ كجِعالةٍ، وفارَقَ ربَّ المال في المضارَبة (٢) إذا فَسَخَها قَبْلَ ظُهور الرِّبْح؛ لأِنَّ هذا يُفْضِي إلى ظُهور الثَّمرة غالِبًا، فلولا الفَسْخُ لَظَهَرت الثَّمرة، فَمَلَك نَصيبَه منها، بخلاف المضارَبة، فإنَّه لا يُعلَمُ إفْضاؤها إلى الرِّبح. (وَقِيلَ: هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ)، في قَول أكثرِ الفُقَهاء؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فكان لازِمًا كالإجارة؛ إذْ لَوْ كانَتْ جائزةً لَمَلَكَ ربُّ المال فَسْخَها إذا ظَهَرَتْ، فيَسقُطُ سَهْمُ العامِلِ، فيَتَضرَّرُ، (تَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ فِيهَا (٣)؛ لأِنَّها أشْبَهُ بالإجارة؛ لكَونها تَقْتَضِي العَمَلَ مع بَقائها، ولا يتقدَّرُ أكثرُ المدَّة، بل يَجُوزُ ما يتَّفِقانِ عليه من المدَّة الَّتي يَبْقَى (٤) فيها الشَّجَرُ، وإنْ طالَتْ. وقيل: لا تَجُوزُ أكثرَ من ثلاثين سَنَةً. رُدَّ: بأنَّه تَحكُّمٌ (٥) وتَوقِيتٌ لا يُصارُ إليه إلاَّ بدليلٍ. (فَإِنْ (٦) جَعَلَا مُدَّةً لَا تَكْمُلُ فِيهَا؛ لَمْ تَصِحَّ)؛ لأِنَّ المقصودَ اشْتِراكُهما في الثَّمرةِ، ولا توجد (٧) في أقلَّ منها. (وَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)؛ أيْ: إذا ظَهَرَت الثَّمَرةُ ولم تَكْمُلْ،

стр. 3155

فله أُجْرةُ مِثْلِه؛ لأِنَّه لم يَرْضَ إلاَّ بِعِوَضٍ، وهو جُزءٌ من الثَّمرة، وهو مَوجُودٌ، لكن لا يُمْكِنُ تسلِيمُه، فاسْتَحَقَّ أُجْرةَ المِثْل؛ كالإجارة الفاسدةِ. والثَّانِي: لا شَيْءَ له؛ لأِنَّه رَضِيَ بالعمل بغَيرِ عِوَضٍ، فهو كالمتَبَرِّع، وكما لو لم تَظْهَرِ الثَّمرةُ. (وَإِنْ جَعَلَا مُدَّةً قَدْ تَكْمُلُ فِيهَا وَقَدْ لَا تَكْمُلُ)، أو إلى الجَداد، أو إدْراكها؛ (فَهَلْ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: تَصِحُّ؛ لأِنَّ الشَّجرَ يَحْتمِلُ أن يَحمِلَ، ويَحْتَمِلُ عَدَمَه، والمساقاةُ جائزةٌ فيه. والثَّانِي: لا تصح (١)؛ لأِنَّه عَقْدٌ على معدومٍ (٢) لَيسَ الغالِبُ وُجودَه، فلم تَصِحَّ كالسَّلَم. فَعَلَى الأوَّل: له حِصَّتُه من الثَّمَرةِ. (فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ (٣)؛ فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أظْهَرُهما، وذَكَرَه في «المغْنِي» وجْهًا واحِدًا: له أجْرُ المِثْل؛ لأِنَّه لم يَرْضَ بغَيرِ عِوَضٍ، ولم يُسَلَّمْ إليه، فاسْتَحَقَّ أجْرَ المِثل، سَواءٌ حَمَلَتْ أوْ لَا. والثَّانِي: لا شَيءَ له، كما لَوْ شَرَطَا مُدَّةً لا يَكمُلُ (٤) فيها الشَّجَرُ غالِبًا. (وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ)، أوْ جُنَّ، أوْ حُجِر عليه لسَفَهٍ؛ انْفَسَختْ على المذهب؛ كربِّ المال، وإن قيل بلُزومها؛ (تَمَّمَ الْوَارِثُ)؛ لأِنَّها عَقْدٌ لازِمٌ كالإجارة.
следующие страницы →