← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

القِسْطُ المسمَّى فيه. (وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ، وَأَصَحُّ) دليلاً عنده؛ إذِ الخَبَرُ يَدُلُّ عليه، واللَّفْظُ قد يُعدَلُ عن حقيقته إلى مَجازه لِدليلٍ. (وَهَلْ يَصِحُّ (١) عَلَى ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ) لم تَكمُلْ، وعلى زَرْعٍ نابِتٍ (٢) يُنَمَّى بالعَمَل؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يَجُوزُ؛ لأِنَّه «﵇ عامَلَ أهلَ خَيبَرَ بشَطْرِ ما يَخرُجُ منها من ثَمَرٍ أوْ زَرْعٍ» (٣)، وذلك مفقودٌ هنا، ولأِنَّ الثَّمرةَ إذا ظَهَرَتْ فقد حَصَلَ المقصودُ، وصار بمنزلة مضارَبته على المال بعد ظُهور الرِّبْح. والثَّانيةُ، وهي الأصح: الجواز (٤)؛ لأِنَّها إذا جازت في المعدوم مع كَثْرَة الغَرَر فيها؛ فَمَعَ وُجودها وقِلَّةِ الغَرَر فيها أَوْلَى. ومَحَلُّها: إذا بَقِيَ من العمل ما تَزيدُ به الثَّمرةُ؛ كالتَّأْبِير، والسَّقْيِ، والإصْلاحِ، فإنْ بَقِيَ ما لا تَزيدُ به؛ كالجداد؛ لم يَجُزْ بغَير خِلافٍ (٥). (وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ، وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ، بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ؛ صَحَّ) في المنصوص، قال في روايةِ أَبِي داودَ: إذا قال لِرجُلٍ: اغْرِسْ في أرْضِي هذه شَجَرًا، أوْ نَخْلاً، فما كان من غلَّةٍ (٦) فلك بِعَمَلِك كذا، فأجازه (٧)، واحتجَّ بحديث خَيبَرَ (٨)،

стр. 3152

ولأنَّ العَمَلَ وعوضه (١) مَعْلُومانِ، فصحَّتْ؛ كالمساقاة على شَجَرٍ مَوجُودٍ. ويُعْتَبَرُ أن يَكُونَ الغراس (٢) من ربِّ الأرض كالمزارَعة، فإن كان من (٣) العامِل؛ فعلى الرِّوايَتَينِ في المزارَعة إذا شُرِطَ البَذْرُ من العامِلِ. وقال القاضِي: المعامَلةُ باطِلَةٌ، وصاحِبُ الأرض مُخَيَّرٌ بَينَ تكليفه قَلْعَها، ويَضْمَنُ له نَقْصَها، وبَينَ تَرْكِها في أرضه، ويَدْفَعُ إليه قِيمَتَها، فإنِ اخْتارَ العامِلُ قَلْعَ شَجَرِه فله ذلك، سَواءً بَذَلَ له القِيمةَ أوْ لَا؛ لأِنَّه ملْكُه، فلم يُمْنَعْ من تَحْوِيله، وإنِ اتَّفَقا على إبْقاء الغِراس ودَفْعِ أجْرِ الأَرض؛ جاز. تنبيهٌ: ظاهِرُ نَصِّه: أنَّها تَصِحُّ بجُزْءٍ من الشَّجَر، وبجُزْءٍ منهما؛ كالمزارَعة، وهي المغارَسةُ والمناصَبةُ، اخْتارَهُ أبو حَفْصٍ العُكْبُرِيُّ، والقاضِي في «تعليقه» والشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وذَكَرَه ظاهِرَ المذْهَبِ، ولو كان مَغْروسًا، ولو كان ناظِرَ وقْفٍ، وأنَّه لا يَجُوزُ لناظِرٍ بَعْدَه بيع (٤) نَصيبِ الوقْف بلا حاجةٍ، وأنَّ لِحاكِمٍ الحُكْمَ بلُزومها في محلِّ النِّزاع فقطْ، والحُكمَ به من جِهَةِ عِوَضِ المِثْل، ولو لم تَقُمْ به بيِّنةٌ؛ لأِنَّه الأصلُ في العُقود (٥). قال في «الفروع»: ويتوجَّه اعْتِبارُ بيِّنةٍ. وقدَّم في «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّه لا يَصِحُّ، فلو دَفَعَها إليه على أنَّ الأرضَ والشَّجَرَ بَينَهما، فذلك فاسِدٌ بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٦). فَرْعٌ: عَمِلَا في شَجَرٍ بَينَهما نِصفَينِ، وشَرَطَا التَّفاضُل في (٧) ثَمَرِه؛ صحَّ، كاشْتِراط العامِل من (٨) كلِّ نَوعٍ جُزْءًا معلومًا، وكتعدده (٩).

стр. 3153

ويُشتَرَط لِصِحَّتِها: أن يكونَ الشَّجَرُ معلومًا كالبَيع، فإنْ سَاقَاهُ على بُسْتانٍ لم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له؛ لم يَصِحَّ، كمُسَاقَاتِهِ على أحدِ هذَينِ الحائطَينِ. (وَالْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)، وكذا المزارَعة، أَوْمَأَ إلَيهِ أحمدُ في رواية الأثْرَمِ، وقد سُئِل عن الأَكَّار يَخرُجُ من الضَّيعة من غَير أنْ يُخرِجَه صاحبُها؛ فلم يَمْنَعْه من ذلك (١)، ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ، وقاله بعضُ المحدِّثين؛ لِمَا رَوَى مسلِمٌ عن ابن عمرَ في قضيَّة خَيبَرَ، فقال رسول الله ﷺ : «نُقِرُّكم على ذلك ما شِئْنا» (٢)، ولو كانَ لازِمًا لم يَجُزْ بغَير تقديرِ مدَّةٍ، ولا أنْ يَجعَلَ الخِيَرةَ إليه في مدَّة إقْرارِهم، ولأِنَّها عَقْدٌ على جزء من (٣) نَماء (٤) المال، فكانَتْ جائزةً؛ كالمضارَبة. (لَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ)؛ لأِنَّه ﵇ لم يَضرِبْ لأِهل خَيبَرَ مدَّةً، ولا خُلَفاؤه مِنْ بَعْدِه، وكما لا يَفْتَقِرُ (٥) إلى القَبول لَفْظًا. (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا)؛ لأِنَّه شَأْنُ العُقود الجائزةِ، (فَمَتَى انْفَسَخَتْ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ فَهِيَ بَيْنَهُمَا) على ما شَرَطاهُ؛ لأِنَّها حَدَثَتْ على ملْكَيْهِما، ويَلزَمُ العامِلَ تمامُ العَمَلِ؛ كالمضارِبِ.

стр. 3154

(وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ ظُهُورِهَا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأِنَّه رَضِيَ بإسْقاط حقِّه، فهو كعامِلِ المضارَبة والجِعالَةِ. (وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ)؛ أيْ: قَبْلَ ظُهور الثَّمَرة؛ (فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ)؛ أيْ: أُجْرة مِثْلِه؛ لأِنَّه مَنَعَه من إتمام (١) عَمَله الَّذي يَسْتَحِقُّ به العِوَضَ؛ كجِعالةٍ، وفارَقَ ربَّ المال في المضارَبة (٢) إذا فَسَخَها قَبْلَ ظُهور الرِّبْح؛ لأِنَّ هذا يُفْضِي إلى ظُهور الثَّمرة غالِبًا، فلولا الفَسْخُ لَظَهَرت الثَّمرة، فَمَلَك نَصيبَه منها، بخلاف المضارَبة، فإنَّه لا يُعلَمُ إفْضاؤها إلى الرِّبح. (وَقِيلَ: هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ)، في قَول أكثرِ الفُقَهاء؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فكان لازِمًا كالإجارة؛ إذْ لَوْ كانَتْ جائزةً لَمَلَكَ ربُّ المال فَسْخَها إذا ظَهَرَتْ، فيَسقُطُ سَهْمُ العامِلِ، فيَتَضرَّرُ، (تَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ فِيهَا (٣)؛ لأِنَّها أشْبَهُ بالإجارة؛ لكَونها تَقْتَضِي العَمَلَ مع بَقائها، ولا يتقدَّرُ أكثرُ المدَّة، بل يَجُوزُ ما يتَّفِقانِ عليه من المدَّة الَّتي يَبْقَى (٤) فيها الشَّجَرُ، وإنْ طالَتْ. وقيل: لا تَجُوزُ أكثرَ من ثلاثين سَنَةً. رُدَّ: بأنَّه تَحكُّمٌ (٥) وتَوقِيتٌ لا يُصارُ إليه إلاَّ بدليلٍ. (فَإِنْ (٦) جَعَلَا مُدَّةً لَا تَكْمُلُ فِيهَا؛ لَمْ تَصِحَّ)؛ لأِنَّ المقصودَ اشْتِراكُهما في الثَّمرةِ، ولا توجد (٧) في أقلَّ منها. (وَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)؛ أيْ: إذا ظَهَرَت الثَّمَرةُ ولم تَكْمُلْ،

стр. 3155

فله أُجْرةُ مِثْلِه؛ لأِنَّه لم يَرْضَ إلاَّ بِعِوَضٍ، وهو جُزءٌ من الثَّمرة، وهو مَوجُودٌ، لكن لا يُمْكِنُ تسلِيمُه، فاسْتَحَقَّ أُجْرةَ المِثْل؛ كالإجارة الفاسدةِ. والثَّانِي: لا شَيْءَ له؛ لأِنَّه رَضِيَ بالعمل بغَيرِ عِوَضٍ، فهو كالمتَبَرِّع، وكما لو لم تَظْهَرِ الثَّمرةُ. (وَإِنْ جَعَلَا مُدَّةً قَدْ تَكْمُلُ فِيهَا وَقَدْ لَا تَكْمُلُ)، أو إلى الجَداد، أو إدْراكها؛ (فَهَلْ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: تَصِحُّ؛ لأِنَّ الشَّجرَ يَحْتمِلُ أن يَحمِلَ، ويَحْتَمِلُ عَدَمَه، والمساقاةُ جائزةٌ فيه. والثَّانِي: لا تصح (١)؛ لأِنَّه عَقْدٌ على معدومٍ (٢) لَيسَ الغالِبُ وُجودَه، فلم تَصِحَّ كالسَّلَم. فَعَلَى الأوَّل: له حِصَّتُه من الثَّمَرةِ. (فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ (٣)؛ فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أظْهَرُهما، وذَكَرَه في «المغْنِي» وجْهًا واحِدًا: له أجْرُ المِثْل؛ لأِنَّه لم يَرْضَ بغَيرِ عِوَضٍ، ولم يُسَلَّمْ إليه، فاسْتَحَقَّ أجْرَ المِثل، سَواءٌ حَمَلَتْ أوْ لَا. والثَّانِي: لا شَيءَ له، كما لَوْ شَرَطَا مُدَّةً لا يَكمُلُ (٤) فيها الشَّجَرُ غالِبًا. (وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ)، أوْ جُنَّ، أوْ حُجِر عليه لسَفَهٍ؛ انْفَسَختْ على المذهب؛ كربِّ المال، وإن قيل بلُزومها؛ (تَمَّمَ الْوَارِثُ)؛ لأِنَّها عَقْدٌ لازِمٌ كالإجارة.

стр. 3156

(فَإِنْ أَبَى)؛ لم يُجْبَرْ (١)؛ لأِنَّ الوارث لا يَلزَمُه من الحقوق التي على مَورُوثه إلاَّ ما أمْكَنَ دَفْعُه من تَرِكَتِه، والعملُ ليس كذلك، (اسْتُؤْجِرَ)؛ أي: استأْجَرَ الحاكِمُ (عَلَى الْعَمَلِ مِنْ تَرِكَتِهِ)؛ لأِنَّ العملَ كان عليه، فوَجَبَ أنْ يتعلَّق بِتَرِكَتِه؛ كسائر ما عليه. (فَإِنْ تَعَذَّرَ)؛ أي: الاِسْتِئْجارُ، بأنْ لا تَرِكَةَ له؛ (فَلِرَبِّ الْمَالِ الْفَسْخُ)؛ لأِنَّه اسْتِيفاءُ (٢) المعْقُودِ عليه، فَثَبَتَ له الفَسْخُ، كما لو تعذَّر ثَمَنُ المبِيعِ قَبْلَ قَبْضِه. (فَإِنْ فُسِخَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ فَهِيَ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّها حَدَثَتْ على ملْكَيهِما، وكالمضارَبةِ إذا انْفَسَخَتْ بعْدَ ظُهور الرِّبْح، فيُباعُ من نصيب العامِل ما يُحتاجُ إليه لأِجْرِ ما بَقِيَ من العمل، وإنِ احْتِيجَ إلى بَيع الجميعِ بِيعَ. ثُمَّ إنْ كانت الثَّمرةُ قد بَدَا صلاحُها؛ خُيِّرَ المالِكُ بَينَ البَيع والشِّراء، فإن اشترَى نَصيبَ العامِل؛ جازَ، وإن اخْتار (٣)؛ باعَ نَصيبَه، والحاكِمُ نَصيبَ العامِلِ، وبقيَّةُ العمل عليهما، وإنْ أبى؛ باع الحاكِمُ نَصيبَ عامل (٤) فقطْ، وما يَلزَمه يستأْجِرُ عنه، والباقِي لورَثَتِه. وإنْ لم يَبْدُ صلاحُها؛ خُيِّر المالِكُ. فإنْ بِيعَ لأِجْنَبيٍّ؛ لم يُبَعْ إلاَّ بِشَرْطِ القَطْعِ. ولا يُباعُ نَصيبُ عامِلٍ وحدَه، وفي شراء المالِك له، واسْتِحْقاق الميت أُجْرةً؛ وجْهانِ.

стр. 3157

وكذا (١) الحُكمُ فيما انْفَسَخَت المساقاةُ بِمَوت العامِل إذا (٢) قُلْنا بجوازها، وأبى (٣) الوارِثُ العَمَلَ، ذَكَرَه في «الشَّرح» وغيره. (وَإِنْ فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِهَا (٤)؛ فَهَلْ لِلْعَامِلِ (٥) أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أظْهَرُهُما: له الأُجْرَةُ؛ لأِنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي العِوَضَ المسمَّى، فإذا تعذَّر رجع إلى (٦) الأُجْرة، كما لو فُسِخَ بغَيرِ عُذْرٍ. والثَّاني: لا شَيءَ له؛ لأِنَّ الفَسْخَ مُسْتَنِدٌ إلى مَوته، أشْبَهَ ما لو فَسَخَ هُوَ. (وَكَذَلِكَ إِنْ هَرَبَ الْعَامِلُ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهَا) أيْ: حُكْمُه حُكْمُ ما إذا مات؛ لأِنَّهما اشْتَرَكا في تعذُّر العَمَلِ، وتضَرُّرِ المالِكِ بِتَعذُّر الفَسْخِ. وظاهِرُه: أنَّه إذا وَجَد له مالاً، أوْ أمكنه الاقتراض (٧) عليه من بيت المال أو غيرِه؛ فَعَلَ ذلك، وكذا إذا وَجَدَ مَنْ يَعْمَلُه بأُجْرةٍ مُؤَجَّلةٍ إلى وَقْتِ إدْراكِ الثَّمرةِ. والْأَوْلَى أنَّ العامِلَ لا يَسْتَحِقُّ أُجْرةً؛ لتركه (٨) العَمَلَ باخْتِياره، كما لو تَرَكَهُ من غَيرِ هَرَبٍ مع القُدرة عليه. (فَإِنْ (٩) عَمِلَ فِيهَا رَبُّ الْمَالِ بِإِذْنِ حَاكِمٍ، أَوْ إِشْهَادٍ؛ رَجَعَ بِهِ)؛ أيْ: بما أنْفَق؛ لأِنَّ الحاكِمَ نائِبٌ عن الغائب، ولأِنَّه إذا أَشْهَدَ على الإنفاق مع عَجْزه

стр. 3158

عن إذْنِ الحاكم؛ فهو مُضْطَرٌّ. فإنْ أمكنه (١) اسْتِئْذانُ الحاكِمِ، فأنْفَقَ بِنِيَّة الرُّجوع ولم (٢) يَسْتَأْذِنْه؛ فوجْهانِ مَبْنِيَّانِ على ما إذا قَضَى دَينَه بغَير إذْنه. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: لا رُجوعَ له إذا لم يُوجَدْ إذْنٌ ولا إشْهادٌ؛ لأِنَّه مُتَبَرِّعٌ بالإنْفاق، كما لَوْ تَبَرَّع بالصَّدَقة. حُكْمُ ما لو اسْتَأْجَرَ أو اقْتَرَض بإذْنِ الحاكِمِ؛ حُكْمُ ما لَوْ عَمِلَ فيها بإذْنِه. فَرْعٌ: إذا بَانَ الشَّجَرُ مُسْتَحَقًّا؛ فله أُجْرَةُ مِثْلِه على غاصِبِه. واخْتارَ فِي «التَّبْصِرة»: أنَّها جائزةٌ مِنْ جِهَةِ عامِلٍ، لازِمةٌ من جِهةِ مالِكٍ، مأخوذة (٣) من الإجارة. وفيه شَيءٌ.

стр. 3159

(فَصْلٌ) (وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ مَا فِيهِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا؛ مِنَ السَّقْيِ، وَالْحَرْثِ، وَالزِّبَارِ، وَالتَّلْقِيحِ، وَالتَّشْمِيسِ، وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ، وَمَوْضِعِ التَّشْمِيسِ، وَنَحْوِهِ)؛ كآلةِ حَرْثٍ، وبَقَرةٍ، وَتَفْرِيقِ زِبْلٍ، وقَطْعِ الحَشِيشِ المضِرِّ، وَقَطْعِ الشَّجَرِ اليابِسِ، وحِفْظِ الثَّمَر على الشَّجَر إلى أنْ يُقْسَمَ، وإنْ كان مِمَّا يُشَمَّسُ فعَلَيهِ تَشْمِيسُه، وفي «الفنون» (١) وغيره: والفَأْسِ (٢) النُّحَاسِ تَقْطَعُ (٣) الدَّغَلَ؛ لأِنَّه يَلزَمُ العامِلَ بإطْلاقِ عَقْد المساقَاةِ ما فيه صَلاحُ الثَّمَرة وزيادَتُها، وهذا كلُّه مِنْهُ. (وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مَا فِيهِ حِفْظُ الْأَصْلِ؛ مِنْ سَدِّ الْحِيطَانِ، وَإِجْرَاءِ الْأَنْهَارِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَالدُّولَابِ، وَمَا يُدِيرُهُ)؛ من آلةٍ ودابَّةٍ، وجَزَمَ به الأكْثَرُ، وشِراءِ ما يُلَقَّحُ (٤) به، وماءٍ، وتَحصِيلِ زبْلٍ، وذَكَرَ المؤلِّفُ تَبَعًا لاِبْنِ أبِي مُوسَى: أنَّ بَقَرَ الدُّولابِ على العامِلِ؛ لأِنَّها لَيسَتْ من العَمَل، وذَكَرَ ابنُ رَزِينٍ رِوايَتَينِ في بَقَرِ حَرْثٍ وسناية (٥)، وما يُلَقَّحُ به. (وَقِيلَ: مَا (٦) يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ) كالحرْث؛ (فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ)، قال في «المغْنِي»، وهذا أصحُّ، إلاَّ في شِراءِ ما يُلَقَّحُ به، فإنَّه على ربِّ المال وإنْ

стр. 3160

تَكرَّر؛ لأِنَّه ليس من العمل، (وَمَا لَا فَلَا)؛ لأِنَّ ذلك لا تعلُّق له بالعمل، أشْبَهَ ما فيه حِفْظُ الأصل. وفي النَّاطُور (١) لِمَا بَدَا صلاحُه؛ وجْهانِ. وهذا كلُّه إذا أُطْلِقَ العَقْدُ، فإنْ شُرِطَ أنْ يكونَ عليه ما يَلزَمُه؛ فهو تأْكيدٌ. وإنْ شُرِطَ على أحدهما ما يَلزَمُ الآخَرَ؛ فمَنَعَه القاضي وأبو الخَطَّاب، فتَفْسُدُ المساقاةُ؛ لأِنَّه شَرْطٌ يُنافِي مُقْتَضَى العَقد، فأفْسَدَه، كالمضارَبة إذا شُرِطَ العملُ فيها على ربِّ المال. وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّ الجَدادَ عَلَيهِمَا، إلاَّ أنْ يَشْرِطَه على العامِلِ (٢)، فيُؤخَذُ منه صِحَّةُ شَرْطِ كلِّ واحِدٍ ما على الآخَر أو بعضِه، لكِنْ يُعتَبَر ما يَلزَم كُلًّا منهما مَعْلومًا، وفي «المغْنِي»: وأنْ يَعْمَلَ العامِلُ أكثرَ العمل. والأَشْهَرُ يَفْسُدُ الشَّرْطُ، وفي العَقْدِ روايتانِ. وذَكَرَ أبو الفَرَجِ: يَفْسُدُ بِشَرْطِ خَراجٍ أوْ بعضِه على عامِلٍ. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: والسِّياجُ على المالِكِ، ويُتْبَعُ في الكُلَفِ السُّلْطانِيَّةِ العُرْفُ، ما لم يَكُنْ شَرْطٌ (٣). (وَحُكْمُ الْعَامِلِ؛ حُكْمُ الْمُضَارَبِ فِيمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَمَا يُرَدُّ)؛ لأِنَّ المالِكَ قد ائْتَمَنَه، أشْبَهَ المضارَبَ، وكذا في مُبْطِل العَقْد، وجُزْءٍ مَشْرُوطٍ. وفي «الموجز»: إنِ اخْتَلَفا فِيما شُرِط له؛ صُدِّق عامل في أصح الرِّوايَتَينِ، ويَحْلِفُ إنِ اتُّهِم، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». وذَكَرَ غيرُهما: للمالِك ضَمُّ أَمِينٍ بأُجْرةٍ مِنْ نَفْسِه (٤).

стр. 3161

(وَإِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ؛ ضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ يُشَارِفُهُ)؛ لأِنَّه أمْكَنَ دفع (١) الضَّرَرِ عن المالِك بذلِكَ مع بَقاءِ العامِلِ على عَمَلِه، والأُجْرةُ عَلَيهِ. (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ (٢) حِفْظُهُ؛ اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ)؛ لأِنَّه تعذَّر اسْتِيفاءُ العَمَلِ منه، فاستوفي (٣) بغَيره؛ كما لو هَرَبَ أو عَجَزَ عن العَمَل. تنبيهٌ: يَمْلِك العامِلُ حصَّتَه من الثَّمَرة بظهورها، فلو تَلِفَتْ إلاَّ واحدةً؛ فهي بَينَهما. وقيل: لا يَملِكُه إلاَّ بالمقاسَمة؛ كالمضارَبة. ورُدَّ: بأنَّ القِراضَ يُمْلَك الرِّبحُ فيه بالظُّهور. ولا يجوز أن يُجعَلَ للعامِل فَضْلُ دَراهِمَ زائدًا على ما شُرِطَ (٤) له من الثَّمرة، بغَير خِلافٍ (٥)، ولا أنْ يُساقِيَ غَيرَه على الأرض أو الشَّجَر. (وَإِنْ شَرَطَ إِنْ سَقَى سَيْحًا) - ونَصْبُهُ على المصدر، أو على نَزْعِ الخافِضِ -؛ (فَلَهُ الرُّبُعُ، وَإِنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ؛ فَلَهُ النِّصْفُ، وَإِنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا؛ فَلَهُ الرُّبُعُ، وَإِنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً؛ فَلَهُ النِّصْفُ؛ لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هذا هو المذهَبُ؛ لأِنَّ العَمَلَ مجهولٌ، والنَّصيبَ مَجهولٌ، وهو في مَعْنَى بَيعَتَينِ في بَيعةٍ. والثَّانِي: يَصِحُّ بِناءً على قَولِه في الإجارة: إنْ خِطْتَه رُومِيًّا فلك دِرْهَمٌ، وإنْ خِطْتَه فارِسِيًّا فلك نِصْفُ دِرْهَمٍ، قاله في «الشَّرح»، وفيه شَيءٌ سيأْتِي، وكقَوله (٦): ما زَرَعْتَ من شَيءٍ فَلِي نِصْفُه؛ لِقِصَّةِ أهلِ خَيبَرَ.

стр. 3162

فإنْ زَرَعَها جِنْسَينِ فأكثرَ، وبيَّنَ قَدْرَ كلِّ جنسٍ وحقَّه منه؛ صحَّ (١)، وإلاَّ فَلَا. (وَإِنْ قَالَ: مَا زَرَعْتَ مِنْ شَعِيرٍ؛ فَلِي رُبُعُهُ، وَمَا زَرَعْتَ مِنْ حِنْطَةٍ؛ فَلِي نِصْفُهُ)؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ ما يَزْرَعُه من كلٍّ مَنْهُما مجهولُ القدر (٢)، فهو لو (٣) شَرَطَ له في المساقاة ثُلُثَ هذا النَّوعِ ونِصْفَ الآخَرِ. (أَوْ سَاقَيْتُكَ هَذَا الْبُسْتَانَ بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ أُسَاقِيَكَ الآْخَرَ بِالرُّبُعِ؛ لَمْ يَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا)؛ لأِنَّه شَرَطَ عَقْدًا في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ كالبيع. وكذا إذا قال: لك الخُمُسانِ إنْ كانَتْ عَلَيكَ خَسارةٌ، وإلاَّ فَلَكَ الربع (٤)، نَصَّ عليه (٥)، وقيل: بَلَى. فَرْعٌ: إذا آجَرَه الأرضَ، وساقاهُ على الشجر (٦)؛ فكجَمْعِ بَيعٍ وإجارةٍ، وإن كان حيلةً فالمذْهَبُ: بُطْلانُه، وذَكَرَ القاضي في إبْطال الحِيَلِ جَوازَهُ. ثمَّ إنْ كانت المساقاةُ في عَقْدٍ ثانٍ؛ فهل تَفْسُدُ، أو هما؟ فيه وَجْهانِ. وإنْ جَمَعَهُما في عَقْدٍ؛ فكتَفْريقِ صفقةٍ، وللمستأْجِر فَسْخُ الإجارة، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: سَواءٌ صحَّت الإجارةُ أو لا (٧)، فما ذَهَبَ من الشَّجَر؛ ذهب ما يُقابِلُه من العِوَضِ (٨).

стр. 3163

(فَصْلٌ فِي الْمُزَارَعَةِ) هي (١) مُفاعَلةٌ من الزَّرْع، وهي دَفْعُ أرْضٍ وحَبٍّ لِمَنْ يَزْرَعُه ويَقُومُ عليه، بِجُزْءٍ مُشاعٍ معلومٍ منه. (تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ) مُشاعٍ (مَعْلُومٍ (٢)، يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنَ الزَّرْعِ)، هذا قَولُ أكثرِ العلماء، قال البُخارِيُّ: (قال أبُو جَعْفَرٍ: «ما بالمدينة أهلُ بَيتٍ إلاَّ يَزْرَعُون علَى الثُّلُثِ والرُّبُعِ» (٣)، وزارَعَ عليٌّ (٤)، وابنُ مَسْعُودٍ وسَعْدٌ (٥)، وعُمَرُ ابنُ عبدِ العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبِي بكْرٍ، وآلُ عُمَرَ (٦)، وابْنُ سِيرِينَ، وعامَلَ عُمَرُ عَلَى أنَّه إنْ جاء بالبَذْر فله الشَّطْرُ، وإنْ جاؤوا بالبَذْر فلهم كذا (٧).

стр. 3164

وحَكَى أبُو الخَطَّاب في المساقاة رِوايةً بِمَنْعِها. وعن ابنِ عبَّاسٍ الأَمْرانِ (١). وحديثُ رافِعٍ وإن كان في الصَّحِيحَينِ (٢)؛ ففيه (٣) اضْطِرابٌ كثيرٌ، قال ابنُ

стр. 3165

المنْذِر: وقد أنْكَرَه فَقِيهانِ من الصَّحابة: زَيْدُ بنُ ثابِتٍ (١)، وابنُ عبَّاسٍ (٢). لا يُقالُ: أحادِيثُكم محمولةٌ على الأرض التي بَينَ النَّخيل، وأحاديثُ النَّهْيِ على الأرض البَيْضاءِ؛ لأِنَّه بعيدٌ مِنْ أَوْجُهٍ: (١) أنَّه يَبْعُدُ أنْ يكونَ بلدةٌ كبيرةٌ يأتي منها أرْبَعونَ ألْفَ وسْقٍ ليس فيها أرضٌ بَيضاءُ، وتَبْعُدُ (٣) مُعامَلَتُهم بعضِهم على بَعْضٍ؛ لِنَقْل الرُّواة القصة (٤) على العُموم. (٢) لا دليلَ على ما ذَكَرْتُم من التَّأْوِيل، وما قلناه (٥) وَرَدَ مُفَسَّرًا. (٣) أنَّ قولَكم يفضي (٦) إلى تَقْيِيدِ كلٍّ من الحَدِيثَينِ، وما ذَكَرْناه فيه حَمْلُ أحدِهما على الآخَر.

стр. 3166

(٤) إنَّ عَمَلَ الخُلفاءِ والفقهاء (١) من الصَّحابة وغيرِهم دالٌّ على ما ذَكَرْنَا. (٥) إنَّ مذْهَبَنا صار (٢) مُجْمَعًا عليه؛ فلا يجوز لأِحَدٍ خِلافُه، مع أنَّ القياسَ يَقْتِضِيهِ؛ لأِنَّ الأَرضَ عَينٌ تنمى (٣) بالعمل، فجازت المعامَلةُ عليها ببعض نَمائها؛ كالمال في المضارَبة، والنَّخل في المساقاة، والحاجةُ داعِيَةٌ إليها؛ لكَون أصحاب الأرض لا يَقْدِرونَ على زَرْعها، والأكثرُ يحتاجون إلى الزَّرع ولا أرْضَ، فاقْتَضَت الحِكمةُ جَوازَها. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: هي أَحَلُّ (٤) من الإجارة؛ لاِشْتِراكِهما في المغْنَم والمغْرَم (٥). (فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ شَجَرٌ، فَزَارَعَهُ) على (الْأَرْضِ وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما عَقْدٌ لو انْفَرَد؛ لَصَحَّ، فكذا إذا اجْتَمَعا، وسَواءٌ قلَّ بَياضُ الأرض أو كَثُرَ، نَصَّ عليه (٦)، وسَواءٌ تَساوَى نصيبُ العامل فيهما أو اخْتَلَفَ، وسَواءٌ كان بِلَفْظِ المعامَلة أو المساقاة. فلو زارَعَه على أرْضٍ فيها شَجَرٌ؛ لم يَجُزْ للعامِل اشْتِراطُ ثَمَرَتها؛ لأِنَّه اشْتَرَطَ كلَّ الثَّمَرَة، فلم يَجُزْ، كما لو كان الشَّجَرُ أكثرَ من الثُّلُثِ. فَرْعٌ: لا تَجُوز إجارةُ أرْضٍ وشَجَرٍ فِيهَا، قال أحمدُ: أخافُ أنَّه اسْتَأْجَرَ شَجَرًا لم يُثْمِرْ، وذَكَرَ أبُو عُبَيدٍ تَحْرِيمَه إجماعًا (٧).

стр. 3167

وجَوَّزه ابْنُ عَقِيلٍ تَبَعًا، ولو كان الشَّجَرُ أكْثرَ؛ لأِنَّ «عُمَرَ ضَمَّنَ حَدِيقةَ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ لَمَّا مات ثلاثَ سِنينَ لوفاء دَينه» رواهُ حَرْبٌ وغَيرُه (١)، ولأِنَّه وُضِعَ الخَراج على أرْضِ الخَراج، وهو أُجْرَةٌ. وجَوَّز الشَّيخُ تقيُّ الدِّين إجارةَ الشَّجَر مُفْرَدًا، ويَقومُ (٢) عليها المسْتَأْجِرُ كأرْضٍ لِزَرْعٍ، فإن تَلِفَت الثَّمرةُ فلا أُجْرةَ، وإن نَقَصَت عن العادة؛ فالفَسْخُ أو الأَرْشُ؛ لِعَدَم المنْفَعة المقْصُودة بالعَقْد، وهو كَجَائِحَةٍ (٣). (وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ)، فيَجُوز أنْ يُخرِجَه العامِلُ في قَول عُمرَ وابنِ مَسْعودٍ وغيرِهما (٤)، ونَصَّ عليه في روايةِ مهنَّى (٥)، وصحَّحه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، واختاره أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦)؛

стр. 3168

لأِنَّ الأصْلَ المعوَّلَ عَلَيهِ في المزارَعة: قَضِيَّةُ خَيبَرَ، ولم يَذْكُرِ النَّبيُّ ﷺ أنَّ البَذْرَ على المسْلِمِينَ. (وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: اشْتِرَاطُهُ)، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ جماعةٍ (١)، واختاره الخرقي وعامَّةُ الأصْحاب (٢)؛ لأِنَّهما يَشْتَرِكانِ في نَمائه، فَوَجَبَ أنْ يكونَ رأسُ المال من أحَدِهما؛ كالمضارَبة. ورُدَّ: بأنَّه قِياسٌ في مقابَلةِ نَصٍّ، ثُمَّ هو مَنْقُوضٌ بِمَا إذا اشْتَرَكَ مالانِ وبَدَن أحدِهما. تنبيهٌ: إذا كان البَذْرُ بَينَهما نِصفَينِ، وشَرَطَا المناصَفة في الزَّرع؛ فهو بَينَهما، سَواءٌ قِيلَ بِصِحَّة المزارَعة أو فَسادِها، فإنْ حُكِمَ بِصِحَّتِها؛ لم يَرْجِعْ أحدُهما على الآخَرِ بشَيءٍ، وإنْ حَكَمْنا بفَسادها: فَعَلَى العامِلِ نِصْفُ أجْرِ الأرض، وله على ربِّها نِصْفُ أجْرِ عَمَلِه، فَيَتَقَاصَّانِ بِقَدْرِ الأقلِّ مِنْهما، ويَرجِعُ أحدُهما على الآخَر بالفَضْل. وإنْ شَرَطا التَّفاضُل في الزَّرْع؛ فظاهِرٌ على الصِّحَّة، وعلى الفساد: الزَّرْعُ بَينَهما على قَدْر البَذْر، ويَتَراجَعان كما ذَكَرْنا. (وَإِنْ (٣) شَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ بَذْرِهِ وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِيَ)؛ لم يَصِحَّ، كأنَّه اشْتَرَط لنفسه قُفْزانًا مَعْلُومةً، وهو شَرْطٌ فاسِدٌ تَفْسُد به المزارَعة؛ لأِنَّ الأرضَ لم تُخرِج إلاَّ ذلك القَدْرَ، فيَخْتَصُّ به المالِكُ، وربَّما لا تُخْرِجُه، ومَوضُوعُها على الاِشْتِراكِ. (أَوْ شَرَطَا لِأًحَدِهِمَا قُفْزَانًا مَعْلُومَةً)؛ لِمَا ذَكَرْنا، (أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً)؛ لأِنَّه

стр. 3169

ربما لا تُخرج (١) الأرضُ ما يُساوِي ذلك، فيؤدِّي إلى الضَّرَرِ، (أَوْ زَرْعَ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْأَرْضِ؛ فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ وَالمُسَاقَاةُ (٢)، بإجْماعِ العُلَماء (٣)؛ كأنْ يَشْتَرِطَ ما على الجَداوِل، قيل: وهي المخابَرةُ، سَواءٌ كان مُنفَرِدًا، أوْ شَرَطَه مع نصيبه؛ لأِنَّ الخَبَرَ الصَّحيحَ في النهي (٤) عنه غيرُ مُعارَضٍ ولا مَنْسُوخٍ، ولأِنَّه ربما تَلِفَ ما عَيَّنَ له دُونَ الآخَرِ، فَيَنفَرِدُ أحدُهما بالغلَّة (٥) دُونَ صاحِبِه. (وَمَتَى فَسَدَتْ؛ فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ)؛ لأِنَّه عَينُ مالِه يَنْقَلِبُ من حالٍ إلى حالٍ، ويَنْمُو، فهو كأغْصان الشَّجَر إذا غُرِسَ، (وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ صَاحِبِهِ)؛ لأِنَّه دَخَلَ على أنْ يأْخُذَ ما سُمِّيَ له، فإذا فات (٦) رَجَعَ إلى بَدَلِه؛ لكَونِه لم يَرْضَ بالعَمَلِ مجَّانًا. فعلى المذْهَب: إنْ كان البَذْرُ من العامل؛ فهو له، وعليه أُجْرَةُ مِثْلِ الأرض لربِّها، وهي المخابَرةُ، وإن كان البَذْرُ مِنْ ربِّ الأرض؛ فهو له، وعليه أُجْرةُ مِثْلِ العامِلِ، وإن كان منهما؛ فالزَّرعُ بَينَهما، ويَتَراجَعان بالفاضِلِ. فرعٌ: يُشْتَرَطُ معرفةُ جِنْس البَذْر ولو تعدَّد، وقَدْرِه، فلو دَفَعَه إلى صاحِبِ أرض (٧) لِيَزْرَعَه فيها، وما يَخرُجُ يكون بَينَهما؛ فهو فاسِدٌ؛ لأِنَّ البَذْرَ لَيسَ من ربِّ الأرض، ولا مِنْ العامِل، فالزَّرْعُ لِمالِكِ البَذْر، وعليه أجرةُ الأرض والعَمَلِ.

стр. 3170

وقِيلَ: يَصِحُّ، مأْخُوذٌ من مسألة الاشتراك. (وَحُكْمُ الْمُزَارَعَةِ؛ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا ذَكَرْنَا)؛ أيْ: من الجَواز واللُّزوم، وأنَّها لا تَجُوزُ إلاَّ بِجُزْءٍ مُشاعٍ مَعْلُومٍ لِلعامِل، وما يَلْزَمُه وربَّ الأرضِ، وغَيرِ ذلِكَ من أحْكامها؛ لأِنَّها مُعامَلةٌ على الأرض بِبَعْضِ نَمائِها. (وَالْحَصَادُ عَلَى الْعَامِلِ، نَصَّ عَلَيْهِ (١)؛ لِقِصَّةِ خَيبَرَ، ولأِنَّه من العمل الذي لا يُسْتَغْنَى عنه. وقيل: عَلَيهِما؛ لِلاِشْتِراك فِيهِ. وفي «الموجز»: فِيهِ، وفي دِيَاسٍ وبَذْرِهِ وحِفْظه بِبَيْدَره؛ رِوايَتَا جَدادٍ. واللِّقَاطُ كالحَصَاد، ويُكْرَهانِ لَيلاً، نَصَّ عليه (٢). (وَكَذَلِكَ الْجَدَادُ)؛ أيْ: على العامِل؛ لأِنَّه من العمل، فكان عليه؛ كالتَّشْمِيس. (وَعَنْهُ: أَنَّ الْجَدَادَ عَلَيْهِمَا)، وهو الأصحُّ، بحِصَّتهما؛ لأِنَّه يُوجَدُ بَعْدَ تَكامُل النَّماء، أشْبَهَ نَقْلَهُ إلى منزله. ونَصَرَ في «المغْنِي» و «الشَّرحِ» الأوَّلَ، ونَقَضَ دَلِيلَ الثَّانية بالتَّشْمِيس، وفارَق النَّقْلَ إلى المنزل، فإنَّه يكون بَعْدَ القِسْمة وزَوالِ العَقْد، أشْبَهَ المخْزَنَ. (وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَزْرَعُ الْأَرْضَ بِبَذْرِي وَعَوَامِلِي، وَتَسْقِيهَا بِمَائِكَ، وَالزَّرْعُ بَيْنَنَا؛ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «الفُروع»: إحْداهما: لا يَصِحُّ، اخْتارَها القاضِي، وصحَّحها في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ مَوضُوعَ المزارَعة على أنْ يكونَ من أحدِهما الأرضُ ومن الآخَر العملُ، وصاحِبُ الماء لَيسَ مِنهُ أرضٌ ولا عَمَلٌ ولا بَذْرٌ، ولأِنَّ الماءَ

стр. 3171

لا يُباعُ ولا يُسْتَأْجَرُ، فكَيفَ تَصِحُّ المزارَعةُ به. والثَّانيةُ: بَلَى، نَقَلَها يَعْقُوبُ وحَرْبٌ (١)، واخْتارها أبو بكْرٍ؛ لأِنَّ الماءَ من جُمْلةِ ما يَحتاجُ إليه الزَّرعُ، فجاز جَعْلُه من أحَدِهِما؛ كالأرضِ والعملِ، ولأِنَّه لَمَّا جازَ إِيجارُ الأرضِ بِبَعْضِ ما يَخرُجُ مِنْها وهو مجهولٌ؛ جاز أنْ يُجعَلَ عِوَضُ الماء كذلِكَ. ورُدَّ: بالمنْعِ في العِلَّة الأخيرة، وبتقدير التَّسْليم؛ فما الجامِعُ؟ فَرْعٌ: آجَرَ أرْضَه للزَّرْع، فزَرَعَها، فلم تُنْبِتْ، ثُمَّ نَبَتَ في سَنَةٍ أُخْرَى؛ فهو للمُسْتَأْجِر، وعليه أجرةُ الأرضِ مُدَّةَ احْتِباسِها. (وَإِنْ زَارَعَ شَرِيكَهُ فِي نَصِيبِهِ؛ صَحَّ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه بمنزلةِ شِراء الشَّريكِ نَصِيبَ شَريكِه، وشَرْطُه: أنْ يَجْعَلَ له في الزَّرْعِ أكثرَ من نصيبه، مِثْلَ أنْ تكونَ الأرضُ بَينَهُما نِصْفَينِ، فيَجْعَلَ للعامِل الثُّلُثَينِ، فيصير (٢) السُّدُسُ حِصَّتَه في المزارَعة، فصار كأنَّه قال: زارَعْتُكَ على نَصِيبِي بالثُّلُث، فصحَّ كالأجنبيِّ. والثَّانِي: لا تصح (٣)؛ لأِنَّ النِّصْفَ للمُزارِع، ولا يَصِحُّ أنْ يُزارِعَ الإنسانُ لِنَفْسِه، فإذا فَسَدَ في نِصيبِه؛ فَسَدَ في الجَميعِ، كما لَوْ جَمَعَ في البَيع بَينَ ما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ. مَسائِلُ: الأولى (٤): اشْتَرك ثلاثةٌ، مِنْ أحدِهم البَذْرُ، ومِنَ الآخَرِ الأرضُ، ومِنَ الثَّالِث العَمَلُ على أنَّ مهما فَتَحَ الله تعالى بَينَهُمْ فهو فاسِدٌ، نَصَّ عليه (٥)،

стр. 3172

وقاله جماهيرُ العلماء؛ لأِنَّ مَوضوعَ المزارَعة: أنَّ البَذْرَ من ربِّ الأرض أو العامل (١)، ولَيْستْ شَرِكَةً ولا إجارةً، فعلى هذا (٢): الزَّرْعُ لصاحِبِ البَذْرِ، وعليه لصاحِبَيهِ أُجْرةُ مِثْلِهِما. وفي الصِّحَّة تَخْرِيجٌ، وذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين روايةً واخْتاره (٣)، وفي (٤) «مختصر ابنِ رَزِينٍ»: أنَّه الأَظْهَرُ، فإنْ كان البَقَرُ من رابِعٍ؛ فحديثُ مُجاهِدٍ، وضعَّفه أحمدُ (٥)؛ لأِنَّه جَعَلَ فيه الزَّرْعَ لربِّ البَذْرِ، والنَّبيُّ ﷺ جَعَلَه لربِّ الأرض. الثَّانِيةُ: اشْتَرَك ثلاثةٌ في أرْضٍ لهم على أنْ يَزْرَعُوها بِبَذْرهم ودَوَابِّهم وأعْوانِهم، على أنَّ ما خَرَجَ منها بَينَهم على قَدْرِ ما لَهُم، جازَ بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٦). الثَّالثةُ: ما سَقَطَ من حَبٍّ وَقْتَ حصادٍ، فَنَبَت عامًا آخَرَ؛ فَلِرَبِّ الأرضِ، نَصَّ عليه (٧). وفي «المبهِج» وَجْهٌ: لهما. وفي «الرِّعاية»: لربِّ الأرضِ،

стр. 3173

مالِكًا أو مُسْتَأْجِرًا أوْ مُسْتَعِيرًا. وقيل: له حكمُ عارِيةٍ. وقيل: غَصْبٍ. وكذا نَصَّ فِيمَنْ باعَ قَصِيلاً فَحُصِدَ، وبَقِيَ يَسِيرٌ، فَصارَ سُنْبُلاً؛ فَلِرَبِّ الأرضِ (١). الرَّابِعةُ: لا خِلافَ في إباحة ما يَترُكُه الحَصَّادُ، وكذا اللَّقَّاطُ (٢)، وفي «الرِّعاية»: يَحرُم مَنْعُه، نَقَلَ المرُّوذِيُّ: إنَّما هو بمنزلة المباح (٣)، ونَقَلَ عنه: لا يَنْبَغِي أنْ يَدخُلَ مزْرعَةَ أَحَدٍ إلاَّ بإِذْنه، وقال: لم يَرَ بأْسًا بدخوله، يَأْخُذُ كَلَأً وَشَوْكًا (٤)؛ لِإباحَته ظَاهِرًا، وعُرْفًا (٥)، وعادةً (٦).

стр. 3174

(بَابُ الْإِجَارَةِ) وهي (١) مُشْتَقَّةٌ من الأَجْر، وهو العِوَض، ومنه سُمِّيَ الثَّوابُ أجْرًا؛ لأِنَّ الله تعالى يُعَوِّضُ العَبْدَ به على طاعَتِه، أوْ صَبْرِه على مَعْصِيَتِه. وهي ثابِتَةٌ بالإجماع (٢)، ولا عِبْرةَ بمخالَفةِ عبدِ الرَّحْمنِ الأصمِّ، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ٦]، و ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ … (٢٦)﴾ الآية [القَصَص: ٢٦]، و ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. وعن عائشةَ في حديثِ الهِجْرة قالَتْ: «واسْتَأْجَرَ رسولُ الله ﷺ وأبو بكْرٍ رجُلاً من بَنِي الدِّيلِ هادِيًا خِرِّيتًا»، والخِرِّيتُ: الماهِرُ بالهِدايَة، رواهُ البُخارِيُّ (٣)، وعن عُتْبةَ بنِ النُّدَّرِ (٤) قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ ، فقرأ ﴿طسم (١)﴾ [القَصَص: ١]، حتَّى بَلَغَ قِصَّةَ موسَى ﵇، فقال: «إنَّ مُوسَى آجَرَ نَفْسَه ثَمانَ سِنِينَ، أوْ عَشْرَ سِنِينَ على عِفَّةِ فَرْجِه، وطَعَامِ بَطْنِه» رواهُ ابْنُ ماجَهْ، من رِوايةِ مَسْلَمَةَ بنِ عَلِيٍّ، وقد ضعَّفَه جَماعةٌ (٥).

стр. 3175

والحاجَةُ داعِيةٌ إلَيْهَا؛ إذْ كُلُّ أحدٍ لا يَقْدِرُ على عَقَارٍ يَسْكُنُه، ولا على حَيَوانٍ يَرْكَبُه، ولا على صَنْعَةٍ يَعْمَلُها، وهم لا يَبْذُلونَ ذلك مَجَّانًا، فَجُوِّزَتْ؛ طَلَبًا لتحصيل (١) الرِّزْق. وحَدَّها في «الوجيز»: بِأنَّها عِوَضٌ مَعْلُومٌ، في مَنْفَعةٍ مَعْلُومةٍ، مِنْ عَينٍ مُعَيَّنةٍ، أوْ مَوصُوفةٍ في الذِّمَّةِ، أو في عَمَلٍ مَعْلُومٍ. ويَرِدُ عليه: دُخولُ الممَرِّ، وعُلْوِ بَيْتٍ ونحوِه، والمنافِعِ المحرَّمةِ، وما فُتِحَ عَنْوةً ولم يُقْسَمْ، فِيما فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ (٢). (وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ) في قَول أكْثَرِ العُلَماء. وذَكَرَ بعْضٌ: أنَّ المعْقودَ عليه العَيْنُ؛ لأِنَّها الموجودةُ، والعَقْدُ يُضافُ إليها، فيَقولُ: أجَرْتُكَ دارِي. ورُدَّ: بأنَّ المعْقُودَ عَلَيهِ هو المسْتَوْفَى بالعَقْدِ، وذلك هو المنافِعُ دونَ الأعْيانِ؛ إذِ الأجر (٣) في مقابَلة المنفَعةِ، بدَليلِ: أنَّه يُضْمَنُ دُونَ العَينِ، وإضافةُ العَقْد إلى العَينِ؛ لأِنَّها مَحلُّ المنْفَعَةِ، كما يُضافُ (٤) عَقْدُ المساقاةِ إلى البُسْتان، والمعْقودُ عليه الثَّمَرةُ، فتُؤْخَذُ المنافِعُ شَيئًا فشَيئًا، وانْتِفاعُه تابِعٌ له. وقد قِيلَ: هي خِلافُ القِياسِ، والأصحُّ: لا؛ لأِنَّ مَنْ لا يُخَصِّصُ العِلَّةَ؛ لا يُتَصَوَّرُ عِنْدَه مُخالَفةُ قِياسٍ صَحِيحٍ، ومَنْ خصَّصها؛ فإنَّما يكونُ الشَّيءُ خِلافَ القِياسِ إذا كانَ المعْنَى المقْتَضِي للحُكْمِ مَوْجُودًا فِيهِ وتَخَلَّفَ الحُكْمُ عَنْهُ.

стр. 3176

وفي «البُلْغة»: لها خَمْسةُ أرْكانٍ: الصِّيغَةُ، والأُجْرةُ، والمتعاقِدانِ، والمنْفَعَة. (تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ: الْإِجَارَةِ، وَالْكِرَاءِ)؛ لأِنَّهما مَوضُوعانِ لها، (وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا)؛ لحصول المقْصود به إنْ أضافه إلى العَينِ، فإنْ أضافَهُ إلى المنفعة بأنْ قال: أجَرْتُكَ مَنْفَعَةَ دارِي شَهْرًا؛ صحَّ في الأصحِّ. (وَفِي لَفْظِ الْبَيْعِ؛ وَجْهَانِ)، كذا في «الفروع»: أحدهما: تَنعَقِدُ به؛ لأِنَّها بَيعٌ، فانْعَقَدَتْ بِلَفْظِهِ؛ كالصَّرْف. والثَّانِي: لا؛ لأِنَّ فِيها مَعْنًى خاصًّا، فافْتَقَرَتْ إلى لَفْظٍ يَدُلُّ على ذلك المعْنَى، ولأِنَّها تُضافُ إلى العَينِ الَّتي يُضافُ إليها البَيعُ إضافةً واحدةً، فافْتَقَرَتْ إلى لَفْظٍ يُفرِّق بَينَهما، كالعُقود المتبايِنة. وبَناهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: على أنَّ هذه المعاوَضةَ نَوعٌ من البَيعِ، أوْ شَبِيهٌ به (١). وفِي «التَّلخيص»: مضافًا إلى النَّفْع، كبِعْتُك نَفْعَ هذه الدَّارِ شَهْرًا، وإلاَّ لم يَصِحَّ، نحو: بِعْتُكَهَا شهْرًا. ولا تَنْعَقِدُ إلاَّ مِنْ جائزِ التَّصرُّف كالبَيعِ. (وَلَا تَصِحُّ إِلاَّ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ): (أَحَدُهَا (٢): مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ)؛ لأِنَّها هي المعْقُودُ عَلَيهَا، فاشْتُرِطَ العِلْمُ بها كالمبِيع، (إِمَّا (٣) بِالْعُرْفِ)؛ أيْ: ما يَتَعارَفُه النَّاس بَينَهم؛ (كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا)؛ لأِنَّها لا تُكْرَى إلاَّ لذلِكَ (٤)، فلا يَعْمَل فيها حدادة ولا قِصارةً، ولا

стр. 3177

دابَّةً، والأَشْهَرُ: ولا مَخْزَنًا للطَّعام، ويُسْتَحَقُّ ماءُ البِئْرِ تَبَعًا لِلدَّار في (١) الأصحِّ، قِيلَ لأِحمدَ: يَجيءُ زوار (٢)، عليه أنْ يُخبِرَ صاحِبَ البيت بِهِمْ؟ قال: ربما كَثُرُوا، ورَأَى أنْ يُخْبِرَ (٣)، وله إسْكانُ ضَعِيفٍ وزائرٍ. وفي «الرِّعاية»: يَجِبُ ذِكْرُ السُّكْنَى، وصِفَتِها، وعَدَدِ مَنْ يَسْكُنُها، وصِفَتِهم إنِ اخْتَلَفَت الأُجْرةُ. ورُدَّ: بأنَّ التَّفاوُت في السُّكْنَى يَسيرٌ، فلم يُحْتَجْ إلى ضَبْطِه. (وَخِدْمَةِ الْعَبْدِ)، ولو عَبَّر بالآدَمِيِّ لَعَمَّ، (سَنَةً)؛ لأِنَّها مَعْلُومةٌ بالعُرْف، فلم يُحْتَجْ إلى بَيَانِها كالسُّكْنَى، وفي «النَّوادِر» و «الرِّعاية»: يَخدُمُ لَيْلاً ونَهارًا، فإنِ اسْتَأْجَرَه للعَمَلِ اسْتَحقَّه لَيْلاً. قال أحْمدُ: (أجِيرُ المشاهَرَة يَشْهَدُ الأعْيادَ والجُمَعَ، قيل له: فيتطوَّع بالرَّكْعَتينِ؟ قال: ما لم يَضُرَّ بِصَاحِبِه) (٤)؛ لأِنَّ الصَّلاةَ مُسْتَثْناةٌ من الخِدْمة. فإن اسْتَأْجَر حُرَّةً أو أمةً للخِدْمة؛ صَرَفَ وجْهَه عن النَّظَر. وعُلِم منه: إباحةُ إجارةِ العَقار والحَيَوانِ، حكاهُ ابنُ المنْذِر إجْماعًا (٥). (وَإِمَّا بِالْوَصْفِ؛ كَحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُهَا كَذَا، إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ)؛ أيْ: لا بُدَّ مِنْ ذِكْر الوَزْن والمكان التي تُحمَلُ إليه؛ لأِنَّ المنْفَعةَ إنَّما تُعْرَفُ بذلك، فيُشْتَرَطُ ذلك في كلِّ محْمولٍ، فلَوْ كان كتابًا، فَوَجَدَ المحْمولَ إليه غائِبًا؛ فله الأجْرُ (٦) لِذَهابِه وردِّه، وفي «الرِّعاية»، وهو ظاهِرُ «التَّرغيب»: إن وَجَدَه مَيتًا؛ فالمسمَّى فقطْ، ويَرُدُّه.

стр. 3178

(وَبِنَاءِ حَائِطٍ يَذْكُرُ طُولَهُ، وَعَرْضَهُ، وَسَمْكَهُ (١)، وَآلَتَهُ)؛ لأِنَّ المعرفةَ لا تَحصُلُ إلاَّ بذلك، والغَرَضُ يَخْتَلِفُ، فلم يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِه، فيَذكُرُ آلةَ البِناء مِنْ حِجارةٍ، أَوْ آجُرٍّ، أوْ لَبِنٍ، فلو عَمِلَه ثُمَّ سَقَطَ؛ فله أَجْرُه؛ لأِنَّه وَفَى بِعَمَلِه. وإنْ فَرَّطَ أوْ بَنَاهُ مَحْلُولاً، فَسَقَطَ؛ لَزِمَه إعادتُه وغَرامَةُ ما تَلِفَ منه. وإنْ شارَطَه على رَفْعِه أذْرُعًا معلومةً، فَرَفَعَ بعضَه ثُمَّ سَقَطَ؛ فعليه إعادةُ ما سَقَطَ، وإتْمامُ ما وَقَعَتْ عليه الإجارةُ مِنَ الذَّرْعِ. فَرْعٌ: يَجُوزُ الاِسْتِئْجارُ لِضَرْبِ اللَّبِنِ، ويكونُ على مُدَّةٍ وعَمَلٍ، فإنْ قدَّره بالعَمَل احْتاجَ إلى تَعْيِينِ عَدَدِه، وذِكْرِ قَالَبِه، ومَوْضِعِ الضَّرْب؛ لأِنَّه يَخْتَلِفُ باعْتِبار التُّراب والماء، ولا يَكْتَفِي بمُشاهَدَة الْقَالَبِ إذا لم يَكُنْ مَعْرُوفًا؛ كالسَّلَم، ولا يَلزَمُه إقامَتُه لِيَجِفَّ (٢)، وقيل: بلى إنْ كان عُرْفَ مَكانِه. (وَإِجَارَةِ أَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ)؛ أيْ: مَعْلُومَةٍ، (لِزَرْعِ (٣) كَذَا أَوْ غَرْسٍ (٤)، أَوْ بِنَاءٍ مَعْلُومٍ)؛ لأِنَّها تُؤَجَرُ لذلك كلِّه، وضَرَرُه يَخْتَلِفُ، فَوَجَبَ بَيَانُه، ويأتي (٥) الخِلافُ فِيما إذا أَطْلَقَ. (وَإِنِ (٦) اسْتَأْجَرَ لِلرُّكُوبِ؛ ذَكَرَ الْمَرْكُوبَ؛ فَرَسًا أَوْ بَعِيرًا، أَوْ نَحْوَهُ (٧)؛ لأِنَّ منافِعَها تَخْتَلِفُ، ويُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُه برُؤْيَةٍ أوْ صِفَةٍ؛ كمبيع، وما يُرْكَبُ به مِنْ

стр. 3179

سَرْجٍ وغيرِه، وكَيفِيَّة سَيرِه كقَطُوفٍ (١) ونحوِه، وقَدَّم في «التَّرغيب»: لا يُشْتَرَطُ (٢). وظاهِرُه: أنَّه لا يُحتاجُ إلى ذكوريته وأُنُوثِيَّته في الأصحِّ؛ لأِنَّ التَّفاوُتَ بَينَهما يَسيرٌ. ولا بُدَّ من مَعْرِفةِ الرَّاكِبِ؛ كمَبيعٍ. وقال الشَّريفُ: لا يُجْزِئُ فيه إلاَّ الرُّؤيةُ؛ لأِنَّ الصِّفةَ (٣) لا تأتِي عَلَيهِ. ومَعْرفةُ المحامِلِ، والأوْطِئةِ، والأغْطِيةِ، ونحوِها؛ إمَّا بِرُؤْيةٍ أوْ صِفةٍ أو وَزْنٍ. وقيل: لا يَجِبُ ذكر (٤) تَوابِعِ الرَّاكِبِ، فلَوْ شَرَطَ حَمْلَ زادٍ مَعْلُومٍ وأطْلَقَ؛ فله حَمْلُ ما نَقَصَ؛ كالماء. وقيل: لا بأكل (٥) مُعْتادٍ، وفي وُجوبِ تَقْديرِ الطَّعامِ في السَّفَرِ احْتِمالانِ. (وَإِنْ (٦) كَانَ لِلْحَمْلِ؛ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهِ)؛ لأِنَّ الغَرَضَ في ذلك لا يَخْتَلِف، لكِنْ إنْ كان المحْمُولُ خَزَفًا أوْ زُجاجًا؛ تعيَّنَ مَعْرفةُ الدَّابَّة في الأصحِّ؛ لأِنَّ فيه غَرَضًا. وقيل: يُعْتَبَرُ مُطْلَقًا. ويتوجَّهُ مِثْلُه: ما يُدِيرُ دُولَابًا أوْ رحًى، واعْتَبَرهُ في «التَّبصِرة». ويُشْتَرَطُ معرفةُ محمولٍ برُؤْيةٍ أوْ صِفَةٍ، ويَذْكُرُ جِنْسَه مِنْ حَدِيدٍ وقُطْنٍ؛ لأِنَّ

стр. 3180

ضَرَرَه يَخْتَلِفُ، واكْتَفَى ابنُ عَقِيلٍ وصاحِبُ «التَّرغيب» بالوَزْن (١).

стр. 3181

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الْأُجْرَةِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (١)؛ لِمَا رَوَى أبو (٢) سعيدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن اسْتِئْجار الأجِيرِ حتَّى يُبَيَّنَ له أَجْرُه» رواه أحمدُ (٣). ويُعْتَبَرُ العِلْمُ بها مضْبُوطًا بالكيل (٤) أو الوَزْن؛ لأِنَّها أَحَدُ العِوَضَينِ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَتُها؛ كالعِوَضِ في البَيع. فإنْ كانَ معلومًا بالمشاهَدَة؛ كصُبْرةِ نَقْدٍ، أوْ طَعامٍ؛ فوجْهانِ، فإنْ كان في الذِّمَّة؛ فكالثَّمَنِ، وإن كان مُعَيَّنًا؛ فكالمبيع، فلو آجَرَ (٥) الدار (٦) بعِمارتِها؛ لم تصح (٧)؛ للجَهالة. ولو آجَرَها بمُعَيَّنٍ، على أنَّ ما تَحتاجُ (٨) إليه؛ بنفقة (٩) المسْتَأْجِر؛ مُحْتَسِبًا

стр. 3182

به من الأُجْرة؛ صحَّ؛ لأِنَّ الإصلاح (١) على المالِكِ، وقد وكَّلَه فيه، ولو شَرَطَ أنْ تكونَ (٢) عليه خارِجًا عن الأُجْرةِ؛ لم يَصِحَّ. (إِلاَّ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ)؛ رُوِيَ عن أبي بَكْرٍ وعُمَرَ وأبِي مُوسى (٣)؛ لِمَا تقدَّم مِنْ قَولِه ﵇: «رَحِمَ اللهُ أخِي مُوسَى» الخَبَرَ (٤)، وشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه، ولأِنَّ العادةَ جاريةٌ بِه من غَيرِ نَكِيرٍ، فكان كالإجْماع، ولأِنَّه مَقِيسٌ على الظِّئْرِ المنصُوصِ عليه، فَقَامَ العِوَضُ فيه مَقامَ التَّسْمية؛ كنَفَقَةِ الزَّوْجة. وعَنْهُ: لا يَجُوزُ، اختاره (٥) القاضِي؛ لأِنَّه مجهولٌ، وإنَّما جاز في الظِّئْر؛ للنَّصِّ. وعلى الأوَّل: يكون الإطْعامُ والكُسْوةُ عِنْدَ التَّنازُع؛ كالزَّوجة، نَصَّ عليه (٦). وعَنْهُ: كمِسْكِينٍ في الكَفَّارة. قال في «الشَّرح»: لأِنَّ للكسوة (٧) عُرْفًا، وهي كُسْوةُ الزَّوجات، وللإطْعام

стр. 3183

عُرْفًا، وهو الإطْعام في الكَفَّارات، وفي الملْبُوس إلى أقلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِه؛ لأِنَّ الإطْلاقَ يُجْزِئُ فيه أقلُّ ما يَتَناوَلُه اللَّفْظُ كالوصيَّة، وليس له أنْ يُطْعِمَه إلاَّ ما يُوافِقُه من الأَغْذيةِ. فإنِ احْتاجَ إلى دواءٍ لمَرَضِه؛ لم يَلْزَم المسْتَأْجِرَ؛ لِعَدَمِ شَرْطِه. وعَنْهُ: يَصِحُّ في دابةٍ (١) بِعَلَفِها. (وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ)، إجْماعًا (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ٦]، و «اسْتَرْضَعَ النَّبيُّ ﷺ لِوَلَده إبْراهِيمَ» (٣)، ولأِنَّ الحاجةَ تَدْعُو إليه؛ لأِنَّ الطِّفلَ في العادَةِ لا يَعِيشُ إلاَّ بالرَّضاع. فإنْ جَعَلَ الأُجْرةَ طعامَها وكِسوتَها؛ جاز على المذْهَبِ؛ لِقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]. وعَنْهُ: المنْعُ منه؛ لأِنَّه يَخْتَلِف، فيكونُ مَجْهولاً. فعلى الصِّحَّة: لو اسْتَأْجَرَ للرَّضاع دُونَ الحَضانَة، أوْ بالعَكْس؛ اتُّبِعَ، فإنْ أطْلَقَ للرَّضاع؛ دَخَلَت الحَضانةُ في وَجْهٍ؛ للعُرْف. والثَّانِي: لا؛ لأِنَّ العَقْدَ لم يَتَناوَلْها؛ إذِ الحَضانةُ عِبارةٌ عن تَرْبِيَة الطِّفْل وحِفْظِه، وجَعْلِه في سَرِيره، ودَهْنه، وكَحْلِه، وغَسْلِ خِرَقِه، ونحوِه. ويُشْتَرَطُ لصِحَّة العَقْد: العِلْمُ بمُدَّة الرَّضاع، ومعرفةُ الطِّفل بالمشاهَدَة، قال القاضِي: أو بالصِّفة، ومَوضِعِ الرَّضاع، ومَعْرفةُ العِوَضِ. والمعقود (٤) عليه في الرَّضاع: خِدْمةُ الطِّفل، وحَمْلُه، وَوَضْعُ الثَّدْيِ في فِيهِ، واللَّبَنُ تَبَعٌ؛ كالصَّبْغ.

стр. 3184

وقيل: اللَّبَنُ، قال القاضِي: هو أَشْبَهُ؛ لأِنَّه المقصودُ، ولِهَذَا يُسْتَحَقُّ الأجْرُ بالرَّضاع دُونَ الخِدْمَةِ. وهذا خاصٌّ بالآدَمِيِّينَ؛ للضرورة (١) إلى حِفْظه وبَقائه. مسألةٌ: للمُرْضِعة أنْ تَأْكُلَ وتَشْرَبَ ما يُدِرُّ لَبَنَها، ويَصْلُحُ (٢) به، وللمُكْتَرِي مُطالَبتُها بذلِكَ، فلو سَقَتْهُ لبن (٣) غَنَمٍ، أو دَفَعَتْهُ إلى غَيرِها؛ فلا أُجْرةَ لها؛ لأِنَّها لم تَفِ بالمعْقُودِ عَلَيْهِ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُعْطَى) إذا كانَتْ حُرَّةً (عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أَوْ وِلِيدَةً، إِذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا)؛ لِمَا رَوَى أبُو داودَ بإسْنادِه عن حَجَّاجِ بنِ حَجَّاجٍ الأَسْلَمِيِّ، عن أَبِيهِ قال: قُلْتُ يا رسول الله! ما يُذْهِبُ عنِّي مَذمَّةَ الرَّضاع؟ قال: «الْغُرَّةُ، الْعَبْدُ أو الْأَمَةُ» (٤)، المذمَّةُ: بكَسْرِ الذَّال من الذِّمام، وبِفَتْحها من الذَّمِّ، ولأنَّ (٥) ذلك سببُ حياةِ الولد وبَقائه، فاسْتُحِبَّ للمُوسِرِ جَعْلُ الجَزاء رَقَبَةً؛ لِتَنَاسُب ما بَينَ النِّعْمة والشُّكْر. وأَوْجَبَهُ أبو بَكْرٍ؛ لِمَا ذَكَرْناه. فإنْ كانَتِ المرْضِعَةُ أَمَةً؛ سُنَّ إعْتاقُها؛ لأِنَّه تَحْصُلُ (٦) به المُجازاةُ.

стр. 3185

(وَإِنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ لِيَعْمَلَاهُ)؛ أيْ: بالقَصْر أو الخِياطة، (وَلَهُمَا عَادَةٌ بِأُجْرَةٍ؛ صَحَّ، وَلَهُمَا ذَلِكَ)؛ أي: أجرة (١) المِثْلِ، (وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَا عَقْدَ إِجَارَةٍ)؛ لأِنَّ العُرْفَ الجارِيَ بذلِكَ يَقُومُ مَقامَ القَولِ، فصار كنَقْدِ البلد. وقِيلَ: يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ مَنْ عُرِفَ بِأخْذِها. وهذا إذا كانا مُنْتَصِبَينِ لذلك، وإلاَّ لَمْ يَسْتَحِقَّا أَجْرًا إلاَّ بِعَقْدٍ، أوْ بِشَرْطِ العِوَض، أوْ تَعْرِيضٍ؛ لأِنَّه لم يَجْرِ (٢) عُرْفٌ يَقُومُ مَقامَ العَقْد، فهو كما لو عَمِلَ بغَيرِ إذْنِ مالِكِه. وكذا لَوْ دَفَعَ متاعَه لِيَبِيعَه، نَصَّ عليه، أو اسْتَعْمَلَ حَمَّالاً، أوْ شاهِدًا، أوْ نحوَه؛ فله أُجْرةُ مِثْلِه، ولو لم يَكُنْ (٣) له عادةٌ بِأَخْذِ الأجرة. (وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ، وَالرُّكُوبُ فِي سَفِينَةِ الْمَلاَّحِ)؛ أيْ: يَسْتَحِقَّانِ أُجْرةَ المِثْل بِدُونِ العَقْد؛ لأِنَّ شاهِدَ الحالِ يَقْتَضِيهِ، فصار كالتَّعريضِ، وكذا لو حَلَقَ رأْسَه، أوْ غَسَلَه، أوْ شَرِبَ منه ماءً، قالَهُ في «الرِّعاية». وما يُعْطاهُ الحَمَّامِيُّ؛ فهو أُجْرةُ المكان، والسَّطْلِ، والمِئْزَر، ويَدْخُلُ الماءُ تَبَعًا، ولَيسَ عَلَيهِ ضَمانُ الثِّيابِ إلاَّ أنْ يَسْتَحْفِظَه إيَّاها بالقَول صَرِيحًا، ذَكَرَه في «التَّلخيص». (وَتَجُوزُ إِجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ، وَخِدْمَةِ عَبْدٍ، وَتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ)؛ لقِصَّة شُعَيبٍ ﵇؛ لأِنَّه جَعَلَ النِّكاحَ عِوَضَ الأُجْرَة، ولأِنَّ كلَّ ما جاز أنْ يكونَ ثَمَنًا في البَيعِ؛ جازَ أن يكون (٤) عِوَضًا في الإجارة، فكما (٥) جازَ أنْ يكونَ

стр. 3186

العِوَضُ عَينًا؛ جازَ أنْ يكونَ مَنْفَعَةً، سَواءً كان الجِنْسُ واحِدًا كالأوَّل، أو مُخْتَلِفًا كالثَّانِي. ومَنَعَها أبُو حَنِيفةَ في المتَّفِقِ دُونَ المخْتَلِف (١)، كسُكْنَى دَارٍ بِمَنْفَعَةِ بَهِيمةٍ؛ لأِنَّ الجِنْسَ الواحِدَ عِنْدَه يَحرُم فيه النَّساءُ. وجَوابُه: بِأنَّ المنافِعَ في الإجارة لَيسَتْ في تَقْدِير النَّسِيئة، ولو كانَتْ نَسِيئَةً ما جاز في جِنْسَيْنِ؛ لأِنَّه يكونُ بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». (وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْحُلِيِّ) لِلُّبْس والعارِية، نَصَّ عليه (٢)، وقالَهُ أكْثَرُ العُلَماء، (بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ)؛ لأِنَّ الحُلِيَّ عَيْنٌ يُنْتَفَعُ بِها مَنْفَعَةً مُباحَةً مَقْصودَةً معَ بَقائِها، فَجازَ كالأراضِي. (وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ (٣)؛ لأِنَّها تَحْتَكُّ بالاِسْتِعْمال، فيَذْهَبُ منه أجزاءٌ وإنْ كانَتْ يَسِيرةً، فيَحصُلُ الأجر في مقابَلَتها، ومُقابَلة الاِنْتِفاع بها يُفْضِي إلى بَيعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وشَيءٍ آخَرَ. وعنه: الوَقْفُ، قال القاضِي: هذا مَحْمُولٌ على إجارته بأُجْرةٍ من جِنْسه، فأمَّا بغَيرِ جِنسه؛ فلا بَأْسَ؛ لِتَصْرِيحِه بِجَوازِه. وما ذَكَرَه أوَّلاً هو الأَوْلى؛ لأنَّه لو قُدِّر نَقْصُها؛ فهو شَيءٌ يسيرٌ لا يُقابَل بِعِوَضٍ، ولا يَكادُ يَظْهَرُ في وَزْنٍ، ولو ظَهَرَ؛ فالأجرة (٤) في مُقابَلة الاِنْتِفاع لا في مُقابَلة الأجزاء (٥)؛ لأِنَّ الأجر (٦) إنَّما هو عِوَضُ المنْفَعة، ولو كان في

стр. 3187

مُقابَلة الجُزْء الذاهب (١) لَمَا جازَ إجارةُ أحَدِ النَّقْدَينِ بالآخَرِ؛ لِإفْضائه إلى التَّفرُّق قَبْلَ القَبْضِ. تنبيهٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ: أنَّه لَوِ اسْتَأْجَر مَنْ يَسْلُخُ له بهيمةً بجِلْدها؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّه لا يُعلَمُ هل يَخرُج سليمًا أوْ لَا، وهل هو ثَخِينٌ أو رَقِيقٌ، ولأِنَّه لا يجوز أن يكونَ عِوَضًا في البَيع، فكذا هُنَا، فلو (٢) سَلَخَها بذلك؛ فله أجْرُ المِثْل. وكذا لو اسْتَأْجَرَ راعِيًا بثُلُثِ دَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها، أو جميعِه، نَصَّ عليه في رواية سعيدِ بنِ محمَّدٍ النَّسائِيِّ (٣)؛ إذ العِوَضُ مَعْدومٌ مَجْهولٌ لا يُدْرَى هل يُوجَدُ أمْ لَا، ولا يَصْلُح ثَمَنًا. لا يُقال: قد جَوَّزْتُمْ دَفْعَ الدَّابَّةِ إلى مَنْ يَعْمَلُ عليها بِجُزْءٍ مِنْ مَغَلِّها؛ لأِنَّه إنَّما جاز تشبيهًا (٤) بالمضارَبة؛ لأِنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ، فجَازَ، بخِلافه هُنا، مع أنَّ المجْدَ حَكَى روايةً بالجَواز، وحِينَئِذٍ فلا فَرْقَ. وقِياسُ ذلك لَوْ دَفَعَ نَحْلَه إلى مَنْ يَقومُ عليه بجُزْءٍ مِنْ عَسَلِه أوْ شَمْعِه، والمذْهَبُ: لا يَصِحُّ؛ لِحُصولِ نَمائه بغَيرِ عَمَلِه، واخْتار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: الجَوازَ. فلَوِ اكْتَرَاهُ على رَعْيِها مُدَّةً مَعْلومةً بِجُزْءٍ مَعْلومٍ مِنْها؛ صَحَّ؛ لأِنَّ العَمَلَ والمُدَّةَ والأجْرَ مَعْلُومٌ، أشْبَهَ ما لَوْ جَعَلَه دَراهِمَ.

стр. 3188

(وَإِنْ قَالَ: إِنْ خِطْتَ هَذَا (١) الثَّوْبَ الْيَوْمَ؛ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا؛ فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصَحُّهُما: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه عَقْدٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَ فيه العِوَضُ بالتَّقْديم والتَّأْخِير، فلم يَصِحَّ، كما لَوْ قال: بِعْتُكَ بِدِينارٍ نَقْدًا وبدينارين (٢) نَسِيئَةً، فَعَلَى هذا: له أجْرُ المِثْل إنْ فَعَلَ. والثَّانِيةُ: يَصِحُّ، قالَهُ الحارِثُ العُكْلِيُّ (٣)؛ لأِنَّه سَمَّى لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، كما لَوْ قال: كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ. وكذا الخِلافُ: إنْ زَرَعَهَا بُرًّا فَبِخَمْسَةٍ، وذُرةً (٤) بِعَشَرَةٍ. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ خِطْتَهُ رُومِيًّا؛ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا؛ فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، بِناءً على التي قَبْلَها، والأصحُّ: أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ لم (٥) يَتَعَيَّنْ فِيهِ العِوَضُ ولا المعَوَّضُ، بخِلافِ: كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرةٍ، مِنْ حَيْثُ إنَّ العَمَلَ الثَّانِيَ يَنْضَمُّ إلى الأوَّلِ، ولِكُلٍّ عِوَضٌ مُقَدَّرٌ. وعَنْهُ: فِيمَن اسْتَأْجَرَ رَجُلاً يَحمِل له كِتابًا إلى الكُوفَة، وقال: إن أوْصَلْتَه يوم (٦) كذا فلك عِشرُونَ، وإنْ تأخَّرْتَ بَعْدَه فلك عَشَرَةٌ؛ أنَّها فاسِدةٌ، وله أجْرُ المِثْلِ (٧). (وَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً، وَقَالَ (٨): إِنْ رَدَدْتَهَا الْيَوْمَ فَكِرَاؤُهَا خَمْسَةٌ، وَإِنْ رَدَدْتَهَا

стр. 3189

غَدًا فَكِرَاؤُهَا عَشَرَةٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ)، نَقَلَه عبدُ الله (١)، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه لا يُؤَدِّي إلى التَّنازُع. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ)؛ لأِنَّه مَعْلُومٌ، (دُونَ الثَّانِي). قال في «الشَّرح»: والظَّاهِرُ عن أحْمَدَ فَسادُ العقد (٢)، على قِياسِ بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ، ثُمَّ قال: وقِياسُ حَدِيثِ عَلِيٍّ والأنصاريِّ صِحَّتُه (٣). (وَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ) في روايةِ أبي الحارِثِ (٤): (هُوَ جَائِزٌ)؛ لأِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فهو كما لَوِ اسْتَقَى كُلَّ دَلْوٍ بَتَمْرةٍ، ونَقَلَ عبدُ الله وابنُ (٥) منصورٍ نحوَه (٦). (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الْعَشَرَةِ وَحْدَهَا)؛ لأِنَّ المُؤْجَرَ الذي تُقابِلُه العَشَرَةُ مَعْلُومٌ دُونَ ما بَعْدَهُ؛ لأِنَّ مُدَّتَه غَيرُ مَعْلومةٍ فلم تصح (٧)، كما لو قال:

стр. 3190

اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْمِلَ هذه الصُّبْرةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزةٍ بِدِرْهَمٍ، وما زاد فلك بحِسابِه. وجَوابُه: بأنَّه لا نَصَّ للإمام فيها، وقِياسُ قَولِه صِحَّتُها، ولو سُلِّم فَسادُها؛ فالقُفْزَانُ الذي شَرَطَ حَمْلَها غَيرُ مَعْلومةٍ، وهي مُختَلِفةٌ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ؛ لِجَهالَتِها، بخلاف الأيَّام، فإنَّها مَعْلومَةٌ. (وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ لِمُدَّةِ غَزَاتِهِ (١)، وهو قَولُ أكْثَرِ العُلَماء؛ لأِنَّ المدَّةَ والعَمَلَ مَجْهُولانِ، فلَمْ يَجُزْ، كما لو اسْتَأْجَرَ لِمدَّةِ سَفَرِهِ في تِجارتِه؛ لاِخْتِلافِها طُولاً وقِصَرًا، فإن فَعَلَ؛ فله أجْرُ المِثْلِ. (وَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا؛ فَجَائِزٌ)؛ لأِنَّ «عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ آجَرَ نَفْسَه كلُّ دَلْو بِتَمْرةٍ، ولم يُنكِرْهُ النَّبيُّ ﷺ » (٢)، ولِأَنَّ الأجْرَ وكُلَّ يَومٍ مَعْلُومانِ؛ فَصَحَّ؛ كما لو آجَرَه شَهْرًا كُلَّ يَومٍ بكذا (٣). وحِينَئِذٍ فلا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ ما يَسْتَأْجِرُ له مِنْ رُكُوبٍ وحَمْلِ مَعْلومٍ، ويَسْتَحِقُّ الأَجْرَ المسَمَّى سَواءٌ أقامَتْ أوْ سارَتْ؛ لأِنَّ المنافِعَ ذَهَبَتْ في مُدَّته، كما لو اسْتَأْجَرَ دارًا وأغْلَقَها. وعنه: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّ المدَّةَ مَجْهُولةٌ. (وَإِنْ أَكْرَاهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ؛ فَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ
следующие страницы →