← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

العِوَضُ عَينًا؛ جازَ أنْ يكونَ مَنْفَعَةً، سَواءً كان الجِنْسُ واحِدًا كالأوَّل، أو مُخْتَلِفًا كالثَّانِي. ومَنَعَها أبُو حَنِيفةَ في المتَّفِقِ دُونَ المخْتَلِف (١)، كسُكْنَى دَارٍ بِمَنْفَعَةِ بَهِيمةٍ؛ لأِنَّ الجِنْسَ الواحِدَ عِنْدَه يَحرُم فيه النَّساءُ. وجَوابُه: بِأنَّ المنافِعَ في الإجارة لَيسَتْ في تَقْدِير النَّسِيئة، ولو كانَتْ نَسِيئَةً ما جاز في جِنْسَيْنِ؛ لأِنَّه يكونُ بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». (وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْحُلِيِّ) لِلُّبْس والعارِية، نَصَّ عليه (٢)، وقالَهُ أكْثَرُ العُلَماء، (بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ)؛ لأِنَّ الحُلِيَّ عَيْنٌ يُنْتَفَعُ بِها مَنْفَعَةً مُباحَةً مَقْصودَةً معَ بَقائِها، فَجازَ كالأراضِي. (وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ (٣)؛ لأِنَّها تَحْتَكُّ بالاِسْتِعْمال، فيَذْهَبُ منه أجزاءٌ وإنْ كانَتْ يَسِيرةً، فيَحصُلُ الأجر في مقابَلَتها، ومُقابَلة الاِنْتِفاع بها يُفْضِي إلى بَيعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وشَيءٍ آخَرَ. وعنه: الوَقْفُ، قال القاضِي: هذا مَحْمُولٌ على إجارته بأُجْرةٍ من جِنْسه، فأمَّا بغَيرِ جِنسه؛ فلا بَأْسَ؛ لِتَصْرِيحِه بِجَوازِه. وما ذَكَرَه أوَّلاً هو الأَوْلى؛ لأنَّه لو قُدِّر نَقْصُها؛ فهو شَيءٌ يسيرٌ لا يُقابَل بِعِوَضٍ، ولا يَكادُ يَظْهَرُ في وَزْنٍ، ولو ظَهَرَ؛ فالأجرة (٤) في مُقابَلة الاِنْتِفاع لا في مُقابَلة الأجزاء (٥)؛ لأِنَّ الأجر (٦) إنَّما هو عِوَضُ المنْفَعة، ولو كان في

стр. 3187

مُقابَلة الجُزْء الذاهب (١) لَمَا جازَ إجارةُ أحَدِ النَّقْدَينِ بالآخَرِ؛ لِإفْضائه إلى التَّفرُّق قَبْلَ القَبْضِ. تنبيهٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ: أنَّه لَوِ اسْتَأْجَر مَنْ يَسْلُخُ له بهيمةً بجِلْدها؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّه لا يُعلَمُ هل يَخرُج سليمًا أوْ لَا، وهل هو ثَخِينٌ أو رَقِيقٌ، ولأِنَّه لا يجوز أن يكونَ عِوَضًا في البَيع، فكذا هُنَا، فلو (٢) سَلَخَها بذلك؛ فله أجْرُ المِثْل. وكذا لو اسْتَأْجَرَ راعِيًا بثُلُثِ دَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها، أو جميعِه، نَصَّ عليه في رواية سعيدِ بنِ محمَّدٍ النَّسائِيِّ (٣)؛ إذ العِوَضُ مَعْدومٌ مَجْهولٌ لا يُدْرَى هل يُوجَدُ أمْ لَا، ولا يَصْلُح ثَمَنًا. لا يُقال: قد جَوَّزْتُمْ دَفْعَ الدَّابَّةِ إلى مَنْ يَعْمَلُ عليها بِجُزْءٍ مِنْ مَغَلِّها؛ لأِنَّه إنَّما جاز تشبيهًا (٤) بالمضارَبة؛ لأِنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ، فجَازَ، بخِلافه هُنا، مع أنَّ المجْدَ حَكَى روايةً بالجَواز، وحِينَئِذٍ فلا فَرْقَ. وقِياسُ ذلك لَوْ دَفَعَ نَحْلَه إلى مَنْ يَقومُ عليه بجُزْءٍ مِنْ عَسَلِه أوْ شَمْعِه، والمذْهَبُ: لا يَصِحُّ؛ لِحُصولِ نَمائه بغَيرِ عَمَلِه، واخْتار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: الجَوازَ. فلَوِ اكْتَرَاهُ على رَعْيِها مُدَّةً مَعْلومةً بِجُزْءٍ مَعْلومٍ مِنْها؛ صَحَّ؛ لأِنَّ العَمَلَ والمُدَّةَ والأجْرَ مَعْلُومٌ، أشْبَهَ ما لَوْ جَعَلَه دَراهِمَ.

стр. 3188

(وَإِنْ قَالَ: إِنْ خِطْتَ هَذَا (١) الثَّوْبَ الْيَوْمَ؛ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا؛ فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصَحُّهُما: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه عَقْدٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَ فيه العِوَضُ بالتَّقْديم والتَّأْخِير، فلم يَصِحَّ، كما لَوْ قال: بِعْتُكَ بِدِينارٍ نَقْدًا وبدينارين (٢) نَسِيئَةً، فَعَلَى هذا: له أجْرُ المِثْل إنْ فَعَلَ. والثَّانِيةُ: يَصِحُّ، قالَهُ الحارِثُ العُكْلِيُّ (٣)؛ لأِنَّه سَمَّى لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، كما لَوْ قال: كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ. وكذا الخِلافُ: إنْ زَرَعَهَا بُرًّا فَبِخَمْسَةٍ، وذُرةً (٤) بِعَشَرَةٍ. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ خِطْتَهُ رُومِيًّا؛ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا؛ فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، بِناءً على التي قَبْلَها، والأصحُّ: أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ لم (٥) يَتَعَيَّنْ فِيهِ العِوَضُ ولا المعَوَّضُ، بخِلافِ: كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرةٍ، مِنْ حَيْثُ إنَّ العَمَلَ الثَّانِيَ يَنْضَمُّ إلى الأوَّلِ، ولِكُلٍّ عِوَضٌ مُقَدَّرٌ. وعَنْهُ: فِيمَن اسْتَأْجَرَ رَجُلاً يَحمِل له كِتابًا إلى الكُوفَة، وقال: إن أوْصَلْتَه يوم (٦) كذا فلك عِشرُونَ، وإنْ تأخَّرْتَ بَعْدَه فلك عَشَرَةٌ؛ أنَّها فاسِدةٌ، وله أجْرُ المِثْلِ (٧). (وَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً، وَقَالَ (٨): إِنْ رَدَدْتَهَا الْيَوْمَ فَكِرَاؤُهَا خَمْسَةٌ، وَإِنْ رَدَدْتَهَا

стр. 3189

غَدًا فَكِرَاؤُهَا عَشَرَةٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ)، نَقَلَه عبدُ الله (١)، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه لا يُؤَدِّي إلى التَّنازُع. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ)؛ لأِنَّه مَعْلُومٌ، (دُونَ الثَّانِي). قال في «الشَّرح»: والظَّاهِرُ عن أحْمَدَ فَسادُ العقد (٢)، على قِياسِ بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ، ثُمَّ قال: وقِياسُ حَدِيثِ عَلِيٍّ والأنصاريِّ صِحَّتُه (٣). (وَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ) في روايةِ أبي الحارِثِ (٤): (هُوَ جَائِزٌ)؛ لأِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فهو كما لَوِ اسْتَقَى كُلَّ دَلْوٍ بَتَمْرةٍ، ونَقَلَ عبدُ الله وابنُ (٥) منصورٍ نحوَه (٦). (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الْعَشَرَةِ وَحْدَهَا)؛ لأِنَّ المُؤْجَرَ الذي تُقابِلُه العَشَرَةُ مَعْلُومٌ دُونَ ما بَعْدَهُ؛ لأِنَّ مُدَّتَه غَيرُ مَعْلومةٍ فلم تصح (٧)، كما لو قال:

стр. 3190

اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْمِلَ هذه الصُّبْرةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزةٍ بِدِرْهَمٍ، وما زاد فلك بحِسابِه. وجَوابُه: بأنَّه لا نَصَّ للإمام فيها، وقِياسُ قَولِه صِحَّتُها، ولو سُلِّم فَسادُها؛ فالقُفْزَانُ الذي شَرَطَ حَمْلَها غَيرُ مَعْلومةٍ، وهي مُختَلِفةٌ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ؛ لِجَهالَتِها، بخلاف الأيَّام، فإنَّها مَعْلومَةٌ. (وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ لِمُدَّةِ غَزَاتِهِ (١)، وهو قَولُ أكْثَرِ العُلَماء؛ لأِنَّ المدَّةَ والعَمَلَ مَجْهُولانِ، فلَمْ يَجُزْ، كما لو اسْتَأْجَرَ لِمدَّةِ سَفَرِهِ في تِجارتِه؛ لاِخْتِلافِها طُولاً وقِصَرًا، فإن فَعَلَ؛ فله أجْرُ المِثْلِ. (وَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا؛ فَجَائِزٌ)؛ لأِنَّ «عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ آجَرَ نَفْسَه كلُّ دَلْو بِتَمْرةٍ، ولم يُنكِرْهُ النَّبيُّ ﷺ » (٢)، ولِأَنَّ الأجْرَ وكُلَّ يَومٍ مَعْلُومانِ؛ فَصَحَّ؛ كما لو آجَرَه شَهْرًا كُلَّ يَومٍ بكذا (٣). وحِينَئِذٍ فلا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ ما يَسْتَأْجِرُ له مِنْ رُكُوبٍ وحَمْلِ مَعْلومٍ، ويَسْتَحِقُّ الأَجْرَ المسَمَّى سَواءٌ أقامَتْ أوْ سارَتْ؛ لأِنَّ المنافِعَ ذَهَبَتْ في مُدَّته، كما لو اسْتَأْجَرَ دارًا وأغْلَقَها. وعنه: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّ المدَّةَ مَجْهُولةٌ. (وَإِنْ أَكْرَاهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ؛ فَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ

стр. 3191

يَصِحُّ (١)، اخْتارَهُ الخِرَقِيُّ والقَاضِي، وعامَّةُ أصحابه (٢)، والشَّيخانِ؛ لِمَا رُوِيَ عن عَلِيٍّ قال: «جُعْتُ مَرَّةً جُوعًا شَدِيدًا، فَخَرَجْتُ أطْلُبُ العملَ في عَوالِي المدينةِ، فإذا أنا بامْرأَةٍ قد جَمَعَتْ مدرًا (٣)، فظَنَنْتُ أنَّها تُريدُ بلَّهُ، فَقَاطَعْتُها كلُّ ذَنُوبٍ بِتَمرةٍ، فمَدَدْتُ سِتَّةَ عَشَرَ ذَنُوبًا، فَعَدَّتْ لِي سِتَّ عَشرَةَ تَمْرةً، فأتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فأخْبَرْتُه، فأَكَلَ مَعِي منها» رواهُ أحْمَدُ (٤). ومِثْلُه: إذا باعَهُ الصُّبْرةَ كلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، فالعِلْمُ بالثَّمَن يَتْبَعُ العِلْمَ بالمثْمَن، فهُنَا كذلك، العِلْمُ بالأجر يَتْبَعُ العِلْمَ بالمنْفَعة. فعلى هذا: تَلزَمُ الإجارةُ في الشَّهْرِ الأوَّلِ بإطْلاقِ العَقْد، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». وما بَعْدَه يكون مُرَاعًى، ونَبَّهَ عليه بقَولِه: (وَكُلَّمَا دَخَلَ شَهْرٌ لَزِمَهُمَا (٥) حُكْمُ الْإِجَارَةِ)، وقالَهُ أكْثَرُ الأصْحابِ؛ لأِنَّ دُخُولَه بمَنزِلة إِيقاعِ العَقْد على عَينِه ابْتِداءً. (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٦) الْفَسْخُ)؛ بأنْ يَقولَ: فَسَخْتُ الإجارَةَ في الشَّهر الآخَرِ، ولَيْسَ بِفَسْخٍ على (٧) الحقيقة؛ لأِنَّ العَقْدَ الثَّانِيَ لم يَثْبُتْ، قالَهُ في «الشَّرح»، (عِنْدَ تَقَضِّي كُلِّ شَهْرٍ)؛ لأِنَّ اللُّزُومَ إنَّما كان لِأَجْلِ الدُّخولِ المنَزَّلِ مَنْزِلَةَ إِيقاعِ العَقْدِ ابْتِداءً، ولم يُوجَدْ بَعْدُ. ومُقْتَضاهُ: أنَّه بِمُجَرَّدِ دخولِ الشَّهْرِ الآخَرِ يَلْزَمُ، ولم يَمْلِكَا الفَسْخَ.

стр. 3192

قال ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: تَلزَمُ (١) بَقِيَّةُ الشُّهُورِ إذا شَرَعَ في أوَّلِ الجُزْءِ مِنْ ذلِكَ الشَّهْرِ. وقال القاضِي: له الْفَسْخُ في جميع اليوم الأوَّلِ من (٢) الشَّهْر الثَّاني، وبه قَطَعَ المجْدُ، وأوْرَدَه ابنُ حَمْدَان مَذْهَبًا، وهو أظْهَرُ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: إذا تَرَكَ التَّلَبُّسَ به؛ فهو كالفَسْخ لا تَلزَمُه (٣) أُجْرةٌ؛ لِعَدَم العَقْد. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ)، وابْنُ عَقِيلٍ، حكاهُ عنه في «الشَّرح»: (لَا يَصِحُّ) العَقْدُ، وهو روايةٌ؛ لأِنَّ المدَّةَ مَجْهولةٌ، وحَمَلَا كلامَ أحْمدَ على أنَّه وَقَعَ على مُعَيَّنةٍ، ولَيسَ بظاهِرٍ. أمَّا لَوْ قال: آجَرْتُكَ دارِي عِشرينَ شَهْرًا، كلُّ شَهْرٍ بِدرْهَمٍ؛ فهو جائزٌ بِغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٤)؛ لأِنَّ المدَّةَ والأَجْرَ مَعْلُومانِ، وليس لِواحِدٍ منهما الفَسْخُ؛ لأِنَّها مُدَّةٌ واحدةٌ، أشْبَهَ ما لو قال: أَجَرْتُكَ عِشْرِينَ شَهْرًا بعِشْرِينَ دِرْهَمًا. فَرْعٌ: إذا قال: آجَرْتُكَ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ، وما زاد فبِحسابِه؛ صحَّ في الشَّهْر الأوَّلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ في كلِّ شَهْرٍ تَلَبَّسَ به، فلو قال: أَجَرْتُكَ هذا الشَّهرَ بِدِرْهمٍ، وكلُّ شَهْرٍ بَعْدَ ذلِكَ بِدِرْهمٍ؛ صَحَّ في الأوَّلِ، وفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهانِ.

стр. 3193

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً) لِغَيرِ ضَرورةٍ مَقْدُورٍ عَلَيهِ، قالَهُ في «المحرَّر» و «الفروع»؛ كإجارةِ دارٍ يَجْعَلُها مَسْجِدًا، وشَجَرٍ لِنَشْرِ ثِيابِه وقُعُودِه بِظِلِّه (١)، (مَقْصُودَةً)، فلا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ شَمْعٍ لِيَتَجَمَّلَ به ويَرَدُّه، وطعامٍ لِيَتَجَمَّلَ به على مائِدَتِه ثُمَّ يَرُدُّهُ، ولا ثَوبٍ يُوضَعُ على سَرِيرِ الميت، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، ولأِنَّ مَا لَا يُقْصَدُ (٢) لا يُقابَلُ بالعِوَضِ. ويُعْتَبَرُ فيها: أنْ تكونَ مُتَقوِّمةً، فلو اسْتَأْجَرَ تفاحة لِلشَّمِّ؛ لم يَصِحَّ. ومَمْلوكَةً لِلْمُسْتأْجِرِ، فلو اكْتَرَى دابَّةً لِرُكُوبِ المُوْجِر؛ فَلَا، ذَكَرَهُ القاضِي وأصحابُه. (فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الزِّنَى، وَالزَّمْرِ، وَالْغِنَاءِ)؛ لأِنَّ المنفَعَةَ المحرَّمةَ مطلوبٌ عَدَمُها، وصحَّةُ الإجارة تُنافِيها؛ إذِ المنفَعَةُ المحرَّمةُ لا تُقابَلُ بالعِوَض في البَيعِ، فكذا في الإجارة، أشْبَهَ إجارةَ أَمَتِه لِلزِّنى، وحَكاهُ ابْنُ المنذِرِ إجْماعًا في المغَنِّيَة والنَّائِحَةِ (٣). (وَلَا إِجَارَةُ الدَّارِ لِتُجْعَلَ) كَنِيسةً، أو (بَيْتَ نَارٍ)، مع ظَنِّ الفِعْل، سَواءٌ شُرِطَ ذلِكَ في العَقْد أو لا، والمرادُ بها: النَّارُ التي يَعْبُدُها المجوسُ، أوْ مَنْ يَعْبُدُها، (أَوْ لِبَيْعِ الْخَمْرِ)؛ ولأِنَّه فِعْلٌ مُحرَّمٌ، فلم تَجُزِ الإجارةُ عَلَيهِ؛ كإجارةِ عَبْدِه للفُجُور، ولِمَا فِيهِ من الإعانَة على المعْصِيةِ. (وَلَا يَجُوزُ (٤) الاِسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْمَيْتَةِ)؛ أيْ: لِلأْكْل، ويُسْتَثْنَى منه:

стр. 3194

المضْطَرُّ، قالَهُ في «الرِّعاية» وغيرِها، (وَالْخَمْرِ)؛ أيْ: لِلشُّرْبِ؛ لأِنَّه ﵇ لَعَنَ حامِلَها والمحْمُولَةَ إلَيهِ (١)، ويَصِحُّ لِإلْقائها وإراقَتِها، وفي «الفروع»: أنَّ طَرْحَها كأَكْلِها. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ)؛ لأِنَّه لا يَتَعَيَّنُ عَلَيهِ، (وَيُكْرَهُ أَكْلُ أُجْرَتِهِ)؛ لاِخْتِلافِ العُلَماء في حُرْمَتِه. وعَنْهُ: فِيمَنْ حَمَلَ خِنْزِيرًا لِذِمِّيَّةٍ، أو خَمْرًا لِنَصْرَانِيٍّ: أكْرَه أكْلَ أُجْرتِه، ويُقْضَى لِلحَمَّال بالكِراء، فإنْ كان لِمُسلْمٍ فهو أَشَدُّ (٢). قال القاضِي: هذا محمولٌ على أنَّه اسْتَأْجَرَه لِيُرِيقَها، فأمَّا لِلشُّرْب؛ فمَحْظُورٌ لا يَحِلُّ أخْذُ الأُجرة (٣) عليه. وبعَّد في «المغْنِي» هذا التَّأْوِيلَ. وفي «الرِّعاية»: هل يَأْكُلُ الأجْرَ أوْ يَتَصَدَّقُ به؟ فيه وَجْهانِ.

стр. 3195

(فَصْلٌ) (وَالْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ): (أَحَدُهُمَا: إِجَارَةُ عَيْنٍ، فَتَجُوزُ إِجَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا)؛ كالأرْضِ، والدُّورِ، والبَهائِمِ، والثِّيَابِ، ونحْوِها. (فَيَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ)؛ أي: إذا كان الخَشَبُ مَعْلُومًا؛ لأِنَّه مَنْفَعَةٌ مُباحةٌ مَقْصودةٌ، مَقْدورٌ على تَسْلِيمها واسْتِيفائها، فجازَتْ؛ كالسَّطْح للنَّوم عليه. (وَحَيَوَانٍ لِيَصِيدَ بِهِ)؛ كالفَهْد والبازِي، في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأِنَّ فِيهِ نَفْعًا مُباحًا تجوز إعارتُه له، فكذا إجارتُه. وفي «التَّبْصِرة»: أنَّه يَصِحُّ إجارتُها للصَّيد، مع أنَّه ذُكِرَ في بَيعِها الخِلافُ. وعُلِمَ منه: أنَّ سِباعَ البَهائِم والطَّيرِ التي لا تصلح (١) لِلصَّيد لا تَجُوزُ إجارتُها؛ لِعَدَمِ النَّفْع فيها (٢). (إِلاَّ الْكَلْبَ)؛ فإنَّه لا يَجُوزُ؛ كالخِنزِير؛ لِعَدَم جَوازِ البَيعِ. وقيل: يَجُوزُ لِصَيدٍ وحِراسةٍ؛ لِوُجودِ النَّفْع المباحِ. (وَاسْتِئْجَارُ كِتَابٍ) فيه عِلْمٌ مُباحٌ (لِيَقْرَأَ فِيهِ)؛ لأِنَّه نَفْعٌ مَقْصودٌ يُحْتاجُ إليه، وكذا النَّسخُ والرِّوايةُ منه، ولو عَبَّر ب (الاِنْتِفاع) لَعَمَّ. وتَجُوزُ إجارةُ كتابٍ فيه خَطٌّ حَسَنٌ يَنْقُلُ مِنْه، ويَكتُبُ عَلَيهِ على قِياسِ ذلِكَ، قالَهُ في «الشَّرح». (إِلاَّ الْمُصْحَفَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه لا يَصِحُّ

стр. 3196

بَيعُه؛ إجْلالاً لِكتابِ الله تعالَى وكلامِه عن المعاوَضَة به، فلم تَجُزْ (١) إجارتُه. والثَّانِي: بَلَى؛ لأِنَّه انْتِفاعٌ مُباحٌ؛ كالإعارة وسائر الكُتُبِ، ولا يَلزَمُ مِنْ عَدَمِ البيع؛ عَدَمُ جَوازِ الإجارة؛ كالحُرِّ، والوقف، وأمِّ الوَلَد. فَرْعٌ: يَصِحُّ نَسخُ المصحَف بأُجْرةٍ، نَصَّ عليه (٢)، فإنْ نَسَخَهُ ذِمِّيٌّ ولم يَحْمِلْه؛ فوجْهانِ. (وَاسْتِئْجَارُ النَّقْدِ لِلتَّحَلِّي)؛ أيْ: لِتَحْلية امرأةٍ، (وَالْوَزْنِ)؛ لأِنَّه أمْكَنَ الاِنْتِفاعُ بها مع بَقاءِ عَينِها، وذَكَر جماعةٌ فيه: بأُجرةٍ من جِنْسه، (لَا غَيْرُ) من الإنفاق (٣) ونحوِه؛ لِمَا فيه من إذْهاب عَينِها، وبقاؤها شَرْطٌ. (فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِجَارَةَ؛ لَمْ يَصِحَّ (٤) فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، قالَهُ القاضِي، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية الكبرى»؛ لأِنَّ الإجارةَ تَقْتَضِي الاِنْتِفاعَ، وهو في النَّقْدَينِ إنَّما هُوَ بأعْيانِهما، وحِينَئِذٍ يَصيرُ قَرْضًا (٥)؛ لأِنَّه إذا أُطْلِق الاِنْتِفاعُ؛ حُمِل على المعْتاد. (وَيَصِحُّ فِي الآْخَرِ)، قالَهُ أبو الخَطَّاب، وصحَّحه في «المغْنِي»؛ لأِنَّ العَقْدَ متى أمْكَنَ حَمْلُه على الصِّحَّة؛ كان أَوْلَى من إفْساده، (وَيُنْتَفَعُ بِهَا فِي ذَلِكَ)؛ أيْ: في الوَزْن والتَّحَلِّي؛ لأِنَّهُما هما اللذان حُمِلَ العَقْدُ عَلَيهِما، أشْبَهَ اسْتِئْجارَ الدَّارِ مُطْلَقًا، فإنَّه يَصِحُّ، ويُحْمَلُ على السُّكْنَى، وَوَضْعِ المتاع فيها. (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ)؛ كالْأَجْنَبِيِّ، وسائِرِ الأَقارِبِ غَيرِ الأبِ. وله (٦) اسْتِئْجارُ مُسْلِمٍ لِعَمَلٍ مُباحٍ.

стр. 3197

وعَنْهُ: غَيرَ خِدْمةٍ. وقيل: إنِ اسْتَأْجَرَه لِعَمَلٍ مُباحٍ في ذِمَّتِه؛ صحَّ، وإلاَّ فَلَا. ويَجُوزُ اسْتِئْجارُ ذِمِّيٍّ لِبِناءِ مَسْجِدٍ ونحوِه. (وَامْرَأتِهِ لِرَضَاعِ وَلَدِهِ وَحَضَانَتِهِ)؛ لِقَولِهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ … ﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ٦]، وقَولِهِ ﵇: «لا تُرضِع لكمُ الحَمْقاءُ» (١)، يَدُلُّ بمَفْهومِه على جَواز اسْتِرْضاع غيرِها، ولأِنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَصِحُّ مع غَيرِ الزَّوجِ؛ فَيَصِحُّ مَعَه كالبَيع، ولا فَرْقَ بَينَ أنْ تكونَ في حِبالِ الزَّوج أوْ مُطَلَّقةً في الأصحِّ. وقال القاضِي: لا يَجُوزُ، وحَمَلَ كَلامَ الخِرَقِيِّ على أنَّها في حِبالِ زَوجٍ آخَرَ. ورُدَّ: بأنَّها لو كانَتْ في حِبالِ زَوجٍ آخَرَ؛ لَسَقَطَ حقُّها من الحَضانة، ثم (٢) لَيسَ لها أنْ تُرْضِعَ إلاَّ بإذْنِ زَوجِها. وبقيَّةُ الْأَقارِبِ كالأمِّ في الجَواز، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ (٣).

стр. 3198

(وَلَا تَصِحُّ (١) إِلاَّ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ): (أَحَدُهَا: أَنْ يَعْقِدَ عَلَى نَفْعِ الْعَيْنِ دُونَ أَجْزَائِهَا)؛ لأِنَّ الإجارةَ هي بَيعُ المنافِعِ، فلا تَدخُلُ الأجْزاءُ فِيهَا، (فَلَا تَصِحُّ (٢) إِجَارَةُ الطَّعَامِ لِلْأَكْلِ، وَلَا الشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ)؛ لأِنَّ هذا لا يُنْتَفَعُ به إلاَّ بإتْلافِ عَينِه؛ فلم يَجُزْ، كما لو اسْتَأْجَرَ دِينارًا لِيُنْفِقَه، فلو اكْتَرَى شَمْعَةً لِيُسْرِجَهَا ويَرُدَّ بَقِيَّتَها وثَمَنَ ما ذَهَبَ وأجْرَ (٣) الباقِي؛ فهو فاسِدٌ؛ لأِنَّه يَشْمَلُ بَيعًا وإجارةً، وما وَقَعَ عليه عَقْدُ البَيعِ مجْهولٌ، وحَيْثُ جُهِلَ؛ جُهِلَ الآخَرانِ. (وَلَا حَيَوَانٍ لِيَأْخُذَ لَبَنَهُ)؛ كالإبِلِ ونحوِها، وأخْذُ الصُّوف، والشَّعر، والوَبَر: كاللَّبَن، وجَوَّزَ الشَّيخُ تقِيُّ الِّدينِ إجارةَ الحَيَوَانِ لأِخْذِ لَبَنِه (٤). فإنْ قام عليها المسْتَأْجِرُ وعَلَفَهَا؛ فكاسْتِئْجار الشَّجَر، وإنْ عَلَفَها ربُّها وأَخَذَ المشْتَرِي اللَّبَنَ؛ فبَيعٌ، ولَيْسَ هذا بِغرَرٍ، فإنَّه كمَنِيحةِ (٥) الشَّارِعِ، وهو عارِيَتُها لِلاِنْتِفاع بلَبَنِها، كما يُعِيرُه الدَّابَّة لِرُكوبِها؛ لأِنَّ هذا يَحْدُثُ شَيئًا فَشَيئًا، فهو بالمنافِع أشْبَهُ، فإلْحَاقُه بها أَوْلَى. (إِلاَّ فِي الظِّئْرِ)؛ فإنَّهُ يَجُوزُ، وقد تقدَّمَ، (وَنَقْعِ الْبِئْرِ)؛ أيْ: ماؤُهَا المسْتَنْقِعُ فيها، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ (٦)، وعبَّر في «المبهج» وغيره: وماء بِئْرٍ، (فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا)، هو عائدٌ إلى الأخير (٧) لِإفْراده الضّمِيرَ، ولا يَصِحُّ عَوْدُه إلى

стр. 3199

الظِّئْر؛ لأِنَّ المعْقُودَ عليه إنْ كان الخِدْمةَ؛ فلا يَصِحُّ استثناؤها (١) مِمَّا ذُكِرَ؛ لأِنَّها لَيستْ من جِنْس المسْتَثْنَى منه؛ لأِنَّ خِدْمةَ المرْضِعَةِ نَفْعٌ (٢) معَ بَقاءِ العَينِ، وإن كانَ اللَّبَنَ، فلا يَصِحُّ قَولُه: (يَدخُلُ تَبَعًا)؛ لأِنَّه مَعْقُودٌ عليه، فهو أصْلٌ لا تَبَعٌ، بخِلافِ نَقْعِ البِئْر، فإنَّ هَواءَ البِئْر وعُمْقَه فيه نَوعُ انْتِفاعٍ لِمرُورِ الدَّلْوِ فيه، وفي «التَّبصِرَة» يعود ذلك إلَيهِما، انْتَهَى. وكذا حِبْرُ ناسِخٍ، وخُيُوطُ خَيَّاطٍ، وكُحْلُ كَحَّالٍ، ومَرْهَمُ طَبِيبٍ، ومَنَعَه في «المغْني». قال ابْنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ البِئْر ليستقي (٣) منه أيَّامًا مَعْلومةً، وفي «الفُصول»: أنَّه لا يُسْتَحَقُّ بالإجارة؛ لأِنَّه إنَّما يُمْلَكُ بحِيازتِه. تَنْبِيهٌ: ذَهَبَ جُمْهورُ العُلَماء: أنَّه لا يَجُوزُ إجارةُ الفَحْل للضراب (٤)؛ «لِنَهْيِه ﵇ عن عَسْبِ الفَحْل» متَّفَقٌ عليه (٥)، ولأِنَّ المقْصودَ الماءُ، وهو مُحرَّمٌ لا قِيمةَ له، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَض عنه؛ كالميتة. وخرَّج أبو الخَطَّاب وجْهًا بجَوازه؛ بِناءً على إجارَةِ الظِّئْر والبِئْرِ؛ لأِنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلَيهِ، فيَنْبَغِي أنْ يُوقَعَ العَقْدُ على العمل، ويُقدِّره (٦) بمَرَّةٍ أوْ مَرَّتَينِ.

стр. 3200

وقيل: يُقدِّره (١) بالمدَّة، وهو بعيدٌ، إلَّا أنْ يَكْتَرِيَ فَحْلاً لإطراق ماشِيَةٍ كثيرةٍ. والمذهَبُ الأوَّلُ، فإنِ احْتاجَ إليه، ولم يَجِدْ مَنْ يُطْرِقُه له؛ جاز أنْ يَبْذُلَ الكِراءَ، ولَيسَ للمُطْرِقِ أخْذُه، فإنْ أطْرَقَ إنْسانٌ فحله (٢) بغير شَرْطٍ، فأُهْدِيَتْ له هَدِيَّةٌ لذلك؛ فلا بَأْسَ، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». ونَقَلَ ابنُ القاسِمِ: لم يَبْلُغْنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعْطَى شَيئًا كالحَجَّام (٣)، فحَمَلَه القاضِي على ظاهِرِه، وأنَّه مُقْتَضَى النَّظَرِ، وحَمَلَه في «المغْنِي» على الوَرَعِ، وهو ظاهِرٌ. قال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ: فَلَوْ أنْزاهُ (٤) على فَرَسِه فَنَقَصَ؛ ضَمِنَ نَقْصَه (٥). (الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ) المؤجَرة (بِرُؤْيَةٍ) إنْ كانَتْ لا تَنْضَبِطُ بالصِّفات؛ كالدَّار والحَمَّام، (أَوْ بِصِفَةٍ (٦) إنْ كانَتْ تَنْضَبِطُ بها؛ كالبَيعِ، (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وهو الأَشْهَرُ، وعليه الأكْثَرُ. فلو اسْتَأْجَرَ دارًا أوْ حَمَّامًا، فلا بُدَّ من الرُّؤْيةِ كالمبِيعِ؛ لأِنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بالصِّغَر والكِبَر، ومَعْرِفةِ مائِه، ومُشاهَدة الإِيوَانِ، ومَطْرَح الرَّمَاد، ومَصْرِف الماءِ، مع أنَّ أحمدَ كَرِهَ كِرَاءَ الحَمَّام (٧)؛ لأِنَّه يَدخُلُه مَنْ تَنْكَشِفُ

стр. 3201

عَورَتُه فيه، وحَمَلَه ابنُ حامِدٍ على التَّنزِيهِ، والعَقْدُ صَحِيحٌ، وحكاهُ ابنُ المنْذِر إجْماعًا حَيْثُ حدَّده (١)، وذَكَرَ جَميعَ آلَتِه شُهورًا مُسَمَّاةً (٢). (وَتَصِحُّ (٣) فِي الآْخَرِ بِدُونِهِ)؛ كالبيع (٤)؛ إذِ الخِلافُ هنا مَبْنِيٌّ على الخِلاف في البَيع، (وِلِلْمُسْتَأْجِرِ خِيارُ الرُّؤْيَةِ)؛ لأِنَّه إذا اشْتَرَى ما لم يَرَهُ ولم يُوصَفْ؛ له الخِيارُ، فكذا هُنَا. (الثَّالِثُ: الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ)؛ لأِنَّها بَيعُ المنافِعِ، أشْبَهَتْ بَيعَ الأعْيانِ، (فَلَا تَصِحُّ إِجَارَةُ الآْبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَلَا الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ (٥)، وَلَا الْمَغْصُوبِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ)؛ لأِنَّه لا يُمْكِنُ تَسْليمُ المعْقُود عليه، فلا تَصِحُّ إجارتُه؛ كبَيعِه. (وَلَا تَجُوزُ (٦) إِجَارَةُ الْمُشَاعِ مُفْرَدًا لِغَيْرِ شَرِيكِهِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفُروع»، ونَقَلَهُ في «الشَّرْح» عن الأصْحابِ؛ لأِنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه إلاَّ بِتَسْليمِ نَصِيبِ شَرِيكِه، ولا ولاية له عَلَيهِ، فلم يَصِحَّ كالمغْصوبِ. (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ)، اخْتارَهُ أبُو حَفْصٍ العكبري، وأبُو الخَطَّابِ، والحُلْوانِيُّ، والحافِظُ ابن عبدِ الهادِي في «حواشيه» (٧)، وصاحِبُ «الفائق»، وغَيرُهم، وعَلَيهِ العَمَلُ؛ لأِنَّه مَعْلُومٌ يَجُوزُ بَيعُه، فجازَتْ إجارتُه

стр. 3202

كالمفْرَزِ، وكشريكه، وكما لو آجَرَه الشَّرِيكانِ مَعًا. قال بعْضُ أصْحابِنا في طَرِيقَتِه: والصَّحيحُ صحَّةُ رَهْنِه، وإجارته، وهِبَتِه، ولا خِلافَ في صحَّةِ بَيعِه عِنْدَ الأَرْبَعةِ (١)، وفيه خِلافٌ، ذَكَرَه ابنُ حَزْمٍ. وهل (٢) إِيجارُ حَيَوانٍ ودَارٍ لاِثْنَينِ وهما لواحِدٍ، أو تَصِحُّ؟ فيه وَجْهانِ. وكذا وصيَّتُه (٣) بمَنفَعَتِه، فلو كانت الدَّارُ لواحِدٍ، فآجَرَ نِصْفَها؛ صحَّ، ثمَّ إنْ آجَرَ الآخَرُ للأوَّل (٤)؛ صحَّ، وإن كان لغَيرِه؛ فوَجْهانِ. فَرْعٌ: إذا اسْتَأْجَرَ ذِمِّيٌّ مُسِلِمًا للخِدْمة؛ لم يَجُزْ، نَصَّ عليه (٥)؛ لأِنَّه حَبْسٌ يَتَضَمَّنُ إذْلالَ المسْلِم، فلم يَصِحَّ على الأصحِّ، بخِلافِ ما إذا آجَرَ نَفْسَه في عَمَلٍ مُعَيَّنٍ في الذِّمَّة؛ كالخِياطة، فإنَّه يَجُوزُ بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٦). فائدةٌ: إذا اسْتَأْجَرَ دِيكًا يُوقِظُه للصَّلاة؛ لم يَجُزْ، نَقَلَهُ إبْراهِيمُ (٧). (الرَّابِعُ: اشْتِمَالُ الْعَيْنِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، فَلَا تَجُوزُ إِجَارَةُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ لِلْحَمْلِ، وَلَا أَرْضٍ) سَبخَةٍ (٨) (لَا تُنْبِتُ للزَّرْعِ (٩)؛ لأِنَّ الإجارةَ عَقْدٌ على المنْفَعَةِ، ولا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هذه المنفَعَةِ في هذه العَينِ، فلا تَصِحُّ إجارَتُها كالآبِقِ. قال في «الموجز»: وحَمَامٍ لِحَمْلِ الكُتُب؛ لِتَعَذُّبِه، وفيه احْتِمالٌ، قال في

стр. 3203

«التَّبْصِرَة»: هو أَوْلَى. (الْخَامِسُ: كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَمْلُوكَةً لِلْمُؤْجِرِ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِيهَا)؛ لأِنَّها بَيعُ المنافِعِ، فاشْتُرِطَ فيها ذلك كالبيع، فلو تَصَرَّفَ فيما لا يَمْلِكُه ولا إذْنَ له فِيه؛ لم يَجُزْ؛ كبَيعِه. وقيل: بلى، ويَقِفُ على الإجازة؛ كالبَيعِ. (فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ إِجَارَةُ الْعَيْنِ)؛ أيْ: بَعْدَ قَبْضِها، نَصَّ عليه (١)، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقالَهُ جَمْعٌ؛ لأِنَّ المنْفَعةَ مَمْلوكَةٌ له، فجاز له إجارتُها؛ كبَيع المبِيعِ، (لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ)؛ أيْ: في (٢) الاِنْتِفاع، أوْ دُونَه؛ لأِنَّ المنفَعَةَ لَمَّا كانَتْ مَمْلُوكةً له؛ جاز له أنْ يَسْتَوْفِيَها بنَفْسِه ونائبه (٣)، ولا يَجُوزُ لِمَنْ هو أكْثَرُ ضَرَرًا منه. وذَكَرَ القاضِي: أنَّه لا يَجُوزُ له إجارتُها؛ لِنَهْيِه ﵇ عن رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ (٤)، والمنافِعُ لم تَدخُلْ في ضَمانه؛ لِعَدَمِ قَبْضِها، أشْبَهَ بَيعَ المكِيلِ قَبْلَ قَبْضِه. وجَوابُه: بأنَّ قَبْضَ العَينِ قائمٌ مَقَامَ قَبْضِ المنافِعِ، كبَيْعِ الثَّمَرة على الشَّجَرِ. فأمَّا إجارتُها قَبْلَ قَبْضِها من غَيرِ المؤْجِر؛ فوَجْهان: أحدهما: يَجُوزُ؛ لأِنَّ قَبْضَ العَينِ لا يَنْتَقِلُ به الضَّمانُ إلَيهِ، فلَمْ يَقِفْ جَوازُ التَّصرُّفِ عَلَيهِ. والثَّانِي: المنْعُ؛ لأِنَّ المنافِعَ مَمْلُوكةٌ بِعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فاعْتُبِرَ في جَوازِ

стр. 3204

العَقْدِ عَلَيها القَبْضُ؛ كالأعْيانِ. (وَيَجُوزُ (١) لِلْمُؤْجِرِ)، ما لم يَكُنْ (٢) حِيلةً؛ كَعِينةٍ. وظاهِرُه: أنَّه يَجُوزُ قَبْلَ القَبْضِ. وفي «الشَّرح»: أنَّها إذا لم تَجُزْ من غَيرِ المؤْجِر؛ فَوَجْهانِ هُنا (٣): أحدُهما: لا يَجُوزُ؛ كغَيرِه. والثَّانِي: بلى؛ لأِنَّ القَبْضَ لا يَتَعذَّرُ عليه، بخِلافِ الأَجْنَبِيِّ. وأصْلُهُما بَيعُ الطَّعام قَبْلَ قَبْضِه؛ هل يَصِحُّ مِنْ بائعِه؟ على رِوايَتَينِ. (وَغَيْرِهِ)، وقد سَبَقَ. (بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ)، فلا شبْهةَ فيه، (وَزِيَادَةٍ) نَصَّ عَلَيهِ (٤)، وهو المذْهَبُ؛ لأِنَّ كلَّ عَقْدٍ جاز (٥) برأْسِ المالِ؛ جازَ بِأَكْثَرَ، كبَيعِ المبِيعِ بَعْدَ قَبْضِه. (وَعَنْهُ: لَا تَجُوزُ (٦) بِزِيَادَةٍ)؛ لِنَهْيِه ﵇ عن رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ (٧)، والمنْفَعةُ في الإجارة غَيرُ مَضْمونَةٍ. (وَعَنْهُ: إِنْ جَدَّدَ فِيهَا عِمَارَةً؛ جَازَتِ الزِّيَادَةُ)؛ لأِنَّ الرِّبْحَ وَقَعَ في مُقابَلةِ العِمارةِ، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: وإنْ لم يُجَدِّدْ فِيها عِمارةً؛ لم تَجُزِ الزِّيادةُ، فلَوْ فَعَلَ تصدَّق بالزِّيادة. وعَنْهُ: إنْ أذِنَ المؤْجِرُ فِيهَا؛ جازَتْ، وإلاَّ فَلَا.

стр. 3205

مسألة: سُئِل أحمدُ عن رجُلٍ يَتَقَبَّلُ عَمَلاً من الأعمال، فتقبَّلَه بأقلَّ من ذلك؛ يجوز له الفَضْلُ؟ قال: ما أدْرِي، هي مسألةٌ فِيهَا بَعْضُ الشَّيءِ (١). وقال النَّخَعِيُّ في الخَيَّاط: إذا تقبل بأجْرٍ معْلومٍ؛ فإنْ أعانَ فيها أخَذَ فَضْلاً، وإلاَّ فله، وحَمَلَ قَولَه في «الشَّرح» على مَذْهَبِه فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ شَيئًا لا يُؤْجِرُه بزيادةٍ. وقِياسُ المذْهَب: جَوازُه، سَواءٌ أعانَ فِيهِ بِشَيءٍ أمْ لا؛ كالبَيعِ. (وَلِلْمُسْتَعِيرِ إِجَارَتُهَا)؛ لأِنَّه لَوْ أَذِنَ له في بَيعِها لَجَازَ؛ فكذا إجارَتُها، ولأِنَّ الحقَّ له فجاز بإذْنِه، (إِذَا (٢) أَذِنَ لَهُ الْمُعِيرُ مُدَّةً بِعَيْنِهَا)؛ لأنَّ الإجارةَ عَقْدٌ لازِمٌ، لا تَجُوزُ إلاَّ في مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. (وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْوَقْفِ)؛ لأِنَّ مَنافِعَهُ مملوكةٌ لِلْمَوقُوف عليه، فجاز له إجارتُها كالمسْتَأْجِر. (فَإِنْ مَاتَ الْمُوْجِرُ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ؛ لَمْ تَنْفَسِخِ الْإِجَارَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، ذَكَرَه (٣) القاضِي في «المجرد»، أنَّه (٤) قِياسُ المذْهَبِ، وجَزَمَ به في «الوَجِيز»، وقدَّمَه في «الفُروعِ»؛ لأِنَّه آجَرَ ملْكَهُ فِي زَمَنِ وِلايَتِه، فلَمْ تَبْطُلْ بِمَوتِه، كما لو أجَرَ ملْكَهُ الطِّلق (٥)، (وَلِلثَّانِي حِصَّتُهُ مِنَ الْأُجْرَةِ)؛ أيْ: مِنْ حِينِ مَوتِ الأوَّلِ، فإنْ كان قَبَضَها؛ رَجَعَ في تَرِكَتِه بحِصَّتِه؛ لأِنَّه تَبَيَّنَ عَدَمُ اسْتِحْقاقِه لها، فإنْ تعذَّرَ أخْذُها، فظاهِرُ كلامِهم: أنَّها تَسقُطُ، وإن لَمْ يَقبِضْ؛

стр. 3206

فَمِنْ مُسْتَأْجِرٍ. وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١): أنَّه لَيسَ لِناظِرِ وَقْفٍ ونحوِه تعْجيلُها كلِّها إلاَّ لحاجةٍ، ولو شَرَطَهُ لم يَجُزْ؛ لأِنَّ الموقوف عليه يَأخُذُ ما لم يَسْتَحِقَّه الآنَ، وعَلَيهِ لِلْبَطْن الثَّاني أنْ يُطالِبُوا بالأُجْرة لِلْمُسْتأْجِرِ؛ لأِنَّه لم يَكُنْ لهم التَّسَلُّفُ (٢)، ولهم أنْ يُطالِبُوا النَّاظِرَ. والثَّاني: أنَّها تَنْفَسِخُ فِيما بَقِيَ منها، جَزَمَ به القاضِي في «خلافه»، وقال: إنَّه ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وابنه أبو الحُسَينِ، وابْن شَاقْلَا، وابن عَقِيلٍ؛ لأِنَّ البطنَ الثَّانيَ يَسْتَحِقُّ العَينَ بجميع منافِعِها تَلَقِّيًا من الواقِفِ بانْقِراضِ الأوَّلِ، بخلاف الطلق (٣)، فإنَّ المالِكَ مَلَكَ من جِهَةِ المورُوث، فلا يَملِك إلاَّ ما خلَّفه، وحقُّ المالِكِ لم يَنقَطِعْ عن مِيراثه بالكُلِّيَّة، بل آثارُه باقِيَةٌ فيه، ولهذا تُقْضَى (٤) منه دُيُونُه، وتُنفَّذُ (٥) وصاياهُ. فعلى هذا: يَرجِعُ مُسْتأجِرٌ على وَرَثَة مُؤْجِرٍ قابِضٍ بحِصَّته من الباقِي. وخرَّجَ في «المغْنِي» و «الشَّرح» وجْهًا: ببُطْلانِ الإجارةِ من أصْلِها؛ بِناءً على تَفْريق الصَّفْقة، وحِينَئِذٍ يَلزَمُ المسْتَأْجِرَ أجْرُ المِثْل، ثُمَّ إنْ كانت الأُجْرةُ مُقَسَّطةً على أشْهُرِ الإجارة، أوْ أعْوامِها؛ فهي صَفْقَتانِ في الأصحِّ، لا تَبطُلُ جَميعُها بِبُطْلانِ بَعْضِها، وإن لم تَكُنْ مُقَسَّطةً؛ فهي صَفْقَةٌ واحدةٌ، فيَطَّرِدُ فيها الخِلافُ. واعْلَمْ: أنَّها لا تَنْفَسِخُ إذا كان الآجِرُ النَّاظِرَ العامَّ، أوْ مَنْ شَرَطَهُ له وكان

стр. 3207

أجْنَبِيًّا؛ بمَوته ولا عَزْله. فَرْعٌ: إذا آجَرَ الوَقْفَ بأُجْرة المِثْل، فطَلَبَه غَيرُ مُسْتَأْجرِه بزيادةٍ؛ فلا فَسْخَ، وكذا لو آجَرَهُ المتَوَلِّي على ما هو على سبيل الخَير. وقِيلَ: بلى، وقالَهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّة (١)، قال في «المفِيد» لهم: لا يُعرَفُ له وَجْهٌ. أصْلٌ: تَجُوزُ إجارةُ الإقْطاعِ كمَوقُوفٍ، ذَكَرَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ (٢)، وخالَفَ فِيهِ جَمْعٌ، فلو آجَرَه، ثُمَّ انْتَقَلَ عنه إلى غَيرِه بإقْطاعٍ آخَرَ؛ فكمَوقُوفٍ، ذَكَرَهُ في «القَواعِد». (وَإِنْ آجَرَ الْوَلِيُّ الْيَتِيمَ)، أوْ مالَه، (أَوِ) السَّيِّدُ (الْعَبْدَ) مُدَّةً، (ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ) ورَشَدَ، (وَعَتَقَ الْعَبْدُ) في أثْنائِها؛ (لَمْ تَنْفَسِخِ الْإِجَارَةُ) على المذْهَبِ، ونَصَرَه القاضِي وأصْحابُه؛ لأِنَّه تَصرَّفَ له تَصرُّفًا لازِمًا، فلا تَنْفَسِخُ ببلوغِ الصَّبِيِّ، كما لو زوَّجه أو باع عَقارَه، ولا بعْتِقِ (٣) العبدِ، كما لو زوَّج أمَتَه ثُمَّ باعها. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَنْفَسِخَ)، هذا وجْهٌ؛ لأِنَّه أَجَرَهُ مُدَّةً لا وِلايَةَ له عليها بالكُلِّيَّة، أشْبَهَ إجارةَ الوقْفِ، ويَفْترِقانِ من حَيثُ إنَّه يَنْبَرِمُ في الحال، ويَنقَطِعُ عنه. نعم؛ لو كان بلوغه في مدة الخيار؛ ففيه نظر، وكذلك النكاح ينبرم من حينه، ويستقر المهر فيه بالدخول، بخلاف الإجارة، فإنَّ الأجرة تقسَّط على المدة، ولا يستقر الملك فيها إلا باستيفاء المنافع شيئًا بعد شيء.

стр. 3208

وذَكَرَ في «المغْنِي» و «الشَّرح» وجْهًا: أنَّه إذا آجَرَه مُدَّةً يَعلَمُ بُلوغَهُ فيها قَطْعًا؛ لَمْ يَصِحَّ (١) في الزَّائد، ويُخرَّجُ الباقِي على تَفْريقِ الصَّفقة. تنبيهٌ: إذا مات الوَلِيُّ، أوْ عُزِلَ، وانْتَقَلَتْ عنه الوِلايةُ إلى غَيره؛ لم يَبطُلْ عَقْدُه؛ لأِنَّه تَصرَّفَ وهو من أهل التَّصرُّف فيما له الوِلايةُ عَلَيهِ، فلم يَبطُلْ تصرُّفه، كما لو مات ناظِرُ الوَقْف أو عُزِلَ، أو الحاكِمُ.

стр. 3209

(فَصْلٌ) (وَإِجَارَةُ الْعَيْنِ تَنْقَسِمُ إِلَى (١) قِسْمَيْنِ): (أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى مُدَّةٍ؛ كَإِجَارَةِ الدَّارِ شَهْرًا)، وهو اسْمٌ لِمَا بَينَ الهِلالَينِ، سَواءٌ كان تامًّا أوْ ناقِصًا، (وَالْأَرْضِ عَامًا)، وشاهِدُه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقَرَة: ١٨٩]، فلَوْ قدَّرها بِسَنَةٍ مُطْلَقةٍ؛ حُمِل على الهِلالِيَّةِ؛ لأِنَّها المعْهُودةُ، فإذا وَصَفَها به؛ كان تأكيدًا، فإنْ قال: عَدَدِيَّةً، فهي ثلاثُمائَةٍ وسِتُّونَ يومًا، فإنْ قال: رُومِيَّةً، أوْ شَمْسِيَّةً، أو فارِسِيَّةً، أوْ قِبْطِيَّةً، وهُما يَعْلَمانِه؛ جاز، وكان ثلاثَمائة (٢) وخمسةً وسِتِّينَ يَومًا، فإنَّ أشْهُرَ الرُّومِ منها سَبْعةٌ: أحَدٌ وثَلاثونَ يَومًا، وأرْبعةٌ: ثَلاثونَ يومًا (٣)، وواحِدٌ: ثمانيةٌ وعِشرونَ يومًا، وهو شُبَاطُ، وزاده الحُسَّابُ (٤) رُبُعًا، وشُهورُ القِبْطِ كلُّها ثلاثونَ ثلاثونَ، وزادُوها خَمْسةً؛ لِتُساوِي سَنَتُهم السَّنَةَ الرُّومِيَّةَ. (وَالْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِلرَّعْيِ مُدَّةً مَعْلُومَةً)، فعُلِم منه: أنَّ إجارةَ العَينِ تارةً تكونُ في الآدَمِيِّ، وتارةً في غَيرِه من المنازِل والدَّوابِّ، وقد حكاهُ ابنُ المنذِر إجْماعًا (٥). (وَيُسَمَّى الْأَجِيرُ فِيهَا: الْأَجِيرَ الْخَاصَّ)؛ لاِخْتِصاص المسْتَأْجِر بمَنفَعَتِه في مُدَّة الإجارة لا يُشارِكُه فيها غَيرُه.

стр. 3210

(وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ (١) الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً)، هذا تَكْرارٌ، (يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْعَيْنِ فِيهَا)؛ لأِنَّ المدَّةَ هي الضَّابِطةُ للمَعْقُودِ عَلَيهِ، المعرِّفةُ له، فاشْتُرِط العِلْمُ بها؛ كالمكِيلاتِ، (وَإِنْ طَالَتْ)، في قَولِ أكْثَرِ العُلَماء؛ لأِنَّ المصحح لها كَوْنُ المسْتَأْجِرِ يُمْكِنُه اسْتِيفاءُ المنفَعَةِ منها غالِبًا، وظاهِرُه: ولو ظُنَّ عَدَمُ العاقِد، ولو مُدَّةً لا يُظَنُّ فَناءُ الدُّنْيا فيها. وقِيلَ: بَلْ (٢) تَصِحُّ إلى سَنَةٍ، اخْتارَه ابنُ حامِدٍ. وقيل: ثلاثٍ. وقيل: ثلاثينَ، وحكاه في «الرِّعاية» نَصًّا؛ لأِنَّ الغالِب أنَّ الأعْيانَ لا تَبْقَى إلى أكثرَ منها، وتتغيَّر الأسعار. ولا فَرْقَ بَينَ الوقْف والملْك، بل الوَقْفُ أَوْلَى، قاله في «الرِّعاية»، وفيه نَظَرٌ. والمسقَّف والبَسيط (٣) سَواءٌ. فَرْعٌ: ليس لوكيلٍ (٤) مُطْلَقٍ إِيجارُها مدَّةً طويلةً، بل العُرْف؛ كسَنَتَينِ ونحوِهما، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥). مسألةٌ: لو علَّقَها على ما يَقَعُ اسمُه على شَيئَينِ؛ كالعِيدِ ورَبِيعٍ؛ صحَّ، وانصرَفَ إلى الأوَّل، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». وقال القاضِي: لا يَصِحُّ حتَّى يُعَيِّن ذلِكَ. وعلى شَهْرٍ مُفْرَدٍ؛ فلا بُدَّ من تَعْيِينه من أيِّ سَنَةٍ، وعلى يَومٍ؛ يبيِّنه (٦) من

стр. 3211

أيِّ أُسْبُوعٍ. (وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَلِيَ الْعَقْدَ)؛ لأِنَّها مُدَّةٌ يَجوزُ العَقْدُ عليها مع غيرها، فجاز العَقْدُ عليها مُفْرَدَةً؛ كالَّتي تَلِي العَقْدَ، (فَلَوْ أَجَرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ؛ صَحَّ سَوَاءٌ كَانَتِ الْعَيْنُ مَشْغُولَةً وَقْتَ الْعَقْدِ) بإجارةٍ أو رَهْنٍ إنْ قَدَرَ على تَسْلِيمِها عند وُجوبِه، (أَوْ لَمْ تَكُنْ)؛ لأِنَّه إنَّما تُشْتَرَطُ (١) القُدْرةُ على التَّسْلِيمِ عِنْدَ وُجوبه؛ كالسَّلَم، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ وُجودُ القُدْرةِ عليه حالَ العَقْدِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَتَصَرَّفُ مالِكُ العَقَار في المنافِع بإجارةٍ ولا عاريةٍ إلاَّ بَعْدَ انْقِضَاء المدَّة، واسْتِيفاء المنافِع المسْتَحَقَّةِ عَلَيهِ بعَقْد الإجارة؛ لأنَّه ما لم تَنْقَضِ المدَّةُ؛ له حقَّ الاِسْتِيفاءِ، فلا يَصِحُّ تصرُّفاتِ المالِكِ في مَحْبُوسٍ بحَقٍّ؛ لأِنَّه يَتَعذَّرُ التَّسْليمُ المسْتَحَقُّ بالعَقْد. فمُرادُ الأصْحابِ متَّفِقٌ، وهو أنَّه يَجُوزُ إجارةُ المؤْجَرِ، ويُعْتَبَرُ التَّسليمُ وقْتَ وُجُوبِه، وأنَّه لا يجوز إِيجارُه لِمَنْ يَقُومُ مقامَ المؤْجِرِ. وظاهر (٢) إطلاقِ كثيرٍ من أصحابنا: أنَّه لا يَصِحُّ إجارةُ المشغول بمِلْكِ غيرِ المسْتَأْجِر. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين بجوازه فيمن اسْتَأْجَر أرْضًا مِنْ جُنْدِيٍّ وغَرَسَها قصبًا (٣)، ثُمَّ انتقَلَ الإقْطاعُ عن الجُنْدِيِّ: أنَّ الثَّانِيَ لا يَلزَمُه حكمُ الإجارَةِ، وأنَّه إنْ شَاءَ أنْ يؤْجِرَها لِمَنْ له القَصَبُ (٤) أوْ لِغَيرِه (٥). تنبيه: إذا وقعت على مدَّةٍ تَلِي العَقْدَ؛ لم يُشتَرَط ذِكرُ ابْتِدائها، وهي مِنْ

стр. 3212

حِينِ العَقْد، وإن كانَتْ لا تَلِيهِ؛ اشْتُرِط ذلك؛ كالانْتِهاء، فلو آجَرَه شهرًا أو سنةً؛ لم يَصِحَّ، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّه مُطْلَقٌ، فافْتَقَر إلى التَّعْيينِ. وعنه: يَصِحُّ، اختاره (٢) في «المغْنِي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وابْتِداؤها مِنْ حِينِ العَقْد؛ لقصة شُعَيبٍ، وكمدَّة التَّسْليمِ. (وَإِذَا آجَرَهُ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ سَنَةً، اسْتَوْفَى شَهْرًا بِالْعَدَدِ)؛ أي: الأوَّل، نَصَّ عليه في نَذْرٍ وصَومٍ (٣)؛ لأِنَّه تعذَّر اسْتِيفاؤه بالهلال (٤)، فتَمَّمْناهُ بالعَدَدِ، (وَسَائِرَهَا بِالْأَهِلَّةِ)؛ لأِنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاؤها بالأَهِلَّة، فَوَجَبَ اعْتِبارُه؛ لأِنَّه الأصْلُ. (وَعَنْهُ: يَسْتَوْفِي الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ)؛ لأِنَّ الشَّهرَ الأوَّلَ يَنبَغِي (٥) أنْ يُكَمَّلَ من الثَّاني، فيَحصُل ابْتِداءُ الشَّهر الثَّاني في أثنائه، وكذا كلُّ شهرٍ يأتي بَعْدَه. (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَشْهُرُ؛ كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَشَهْرَيْ صِيَامِ الْكَفَّارَةِ)، نَصَّ عَلَيهِما في نَذْرٍ (٦)؛ لأِنَّه سَاوَى ما تقدَّم مَعْنًى. قال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ: إلى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعةِ (٧).

стр. 3213

(فَصْلٌ (١) (الْقِسْمُ الثَّانِي: إِجَارَتُهَا) أي: العَينِ (لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ)؛ لأِنَّ الإجارةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يكونَ العِوَضُ فيها مَعْلُومًا؛ لِئَلاَّ يُفْضِي إلى التَّنازُع والاِخْتِلاف؛ كالبَيعِ؛ (كَإِجَارَةِ الدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثِ مَكَانٍ)؛ لأِنَّها خُلِقَتْ له، وقد أخْرَجاهُ في «الصَّحِيحَينِ» (٢). وتُعْتَبَرُ (٣) معرفةُ الأرض بالمشاهَدَة؛ لاِخْتِلافها بالصَّلابة والرَّخاوَة. وتقدير العمل: إمَّا بالمدَّة؛ كيَومٍ، وإمَّا بمعرفة الأرض؛ كهذه، أو بالمساحة؛ كجَرِيبٍ. فإن قدَّره بالمدة؛ فلا بدَّ من معرفة البقر التي تعمل (٤) عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِف باخْتِلافها، ويجوز أنْ يَسْتَأْجِرَها مُفْرَدَةً؛ لِيَتَوَلَّى ربُّ الأرض الحَرْثَ بها، ومع صاحبها، بآلتها وبدونها، وتكونُ الآلةُ مِنْ عند صاحِبِ الأرض. (أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ)؛ لأِنَّها مَنفَعةٌ مُباحةٌ مقصودةٌ كالحرث، وليس ذلك خاصًّا بها، لكِنْ إن كان على مدَّةٍ؛ احْتِيجَ إلى معرفة الحَيَوان؛ لأِنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ، فمنه ما رَوثُه طاهِرٌ، ومنه ما هو نَجِسٌ، ولا يحتاج إلى معرفة عَينه، وإن كان على زرعٍ مُعَيَّنٍ، أو مَوصُوفٍ؛ فلا؛ كالحرث. فائدةٌ: يجوز اكْتِراءُ الحيوان لغير ما (٥) خُلِقَ له؛ كالبقر للرُّكُوب أو

стр. 3214

الحمل، والإبل والحُمُر للحَرْث؛ لأِنَّها منفعةٌ مقصودةٌ، أمْكَنَ اسْتِيفاؤها من الحَيَوان، لم يَرِدِ الشَّرعُ بتحريمها؛ فجاز (١)؛ كالتي خُلِقَت له. وقَولُها: «إنَّما خُلِقْتُ للحرث»؛ أيْ: مُعظَمُ نَفْعِها، ولا يَمنَعُ ذلك الاِنْتِفاعَ بها في شَيءٍ آخَرَ. (وَاسْتِئْجَارِ عَبْدٍ لِيَدُلَّهُ عَلَى طَرِيقٍ)؛ لأِنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ اسْتَأْجَرا عبدَ الله ابنَ الأُرَيْقِط هادِيًا خِرِّيتًا - وهو الماهِرُ بالهِداية - لِيَدُلَّهُما على الطريق (٢) إلى المدينة (٣)، ولو عبَّر ب «مَنْ» لَعَمَّ. (أَوْ رَحًى لِطَحْنِ قُفْزَانٍ مَعْلُومَةٍ)، ويُحتاجُ إلى معرفة جِنْس المطْحون؛ لأِنَّه يَخْتَلِف، فمنه ما يَسْهُلُ، ومنه ما يَعْسُرُ، فلا بدَّ من معرفته؛ لِتَزولَ (٤) الجَهالةُ. (فَيُشْتَرَطُ: مَعْرِفَةُ الْعَمَلِ، وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ)؛ لأِنَّ العَمَلَ إذا لم يَكُنْ مَعْروفًا مَضْبوطًا بما ذُكِرَ؛ يكون مَجْهولاً، فلا تَصِحُّ الإجارةُ مَعَه؛ لأِنَّ العَمَلَ هو المعْقُودُ عليه، فاشْتُرِطَ معرفتُه وضَبْطُه بما ذُكِرَ؛ كالمبيع (٥). مَسَائِلُ: الأُولَى: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ بَهِيمةٍ لِإدارةِ الرَّحَى، ويُفْتَقَرُ (٦) إلى مَعْرِفة الحَجَرِ بالمشاهَدَة أوِ الصِّفَةِ؛ لأِنَّ عَمَلَها فيه يَخْتَلِفُ، وإلى تَقْدِير العَمَلِ بالزَّمان كيَومٍ، أو بالطَّعام كقَفِيزٍ، ويَذْكُر جِنسَه إن اخْتَلَف.

стр. 3215

وإن اكتراها (١) لإدارةِ دُولابٍ فلا بُدَّ من مُشاهَدَته، ويُقدَّرُ بالزَّمان ومَلْءِ الحَوضِ (٢). الثَّانيةُ: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ كيَّال (٣) أوْ وَزَّانٍ لعَمَلٍ مَعْلومٍ، أوْ في مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِغَيرِ خِلافٍ (٤). الثَّالِثةُ: يَجُوزُ أنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلاً لِيُلازِمَ غَرِيمًا يَسْتَحِقُّ مُلازَمَتَهُ. وعَنْهُ: يُكرَهُ. وعَنْهُ: لا بَأْسَ بِهِ. الرَّابِعةُ: يَجُوزُ الاِسْتِئْجارُ لِحَفْر الآبارِ والأَنْهار والقَنَى؛ كالخِدْمة، ولا بُدَّ من تَقْديرِ العمل، ويَفْتَقِرُ إلى معرفة الأرض في الأصحِّ. فإذا حَفَرَ بِئْرًا؛ فعَلَيهِ شَيلُ التُّراب، فإن تَهَرَّرَ من جانِبَيهِ، أوْ سَقَطَتْ بَهِيمةٌ؛ لم يَلزَمْهُ شَيْلُه، وكانَ على صاحِبِ الأرض. فإنْ وَصَلَ إلى صَخْرةٍ أو جماد (٥) يَمنَعُ الحَفْر؛ لم يَلزَمْه، وله الفَسْخُ، فإنْ فَسَخَ فله من الأجْرِ بقِسْطِ ما عَمِلَ، فيُقَسَّطُ الأجْرُ على ما عَمِلَ وعلى ما بَقِيَ، ولا يُقَسَّطُ على أَذْرُعٍ ونحوِه؛ لأِنَّ أعْلاهُ يَسْهُلُ نَقْلُ التُّراب منه، بخِلافِ أسْفَلِه، ونبع الماء منه؛ كالصَّخرة إذا ظَهَرَتْ. الخامِسةُ: يَجُوزُ أنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَبِيعُ له أثْوابًا مُعَيَّنةً، فإنِ اسْتَأْجَرَه على شِراءِ ثِيابٍ مُعَيَّنةٍ من رَجُلٍ مُعَيَّنٍ، أو على بَيعِها من رَجُلٍ مُعَيَّنٍ؛ ففي الصِّحَّة احْتِمالانِ.

стр. 3216

(فَصْلٌ) (الضَّرْبُ الثَّانِي: عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ، مَضْبُوطَةٍ بِصِفَاتٍ كَالسَّلَمِ؛ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ، وَحَمْلٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ)، نَقُولُ: يَجُوز للآدَمِيِّ أنْ يُؤْجِرَ نَفْسَه بغَيرِ خِلافٍ (١)؛ لأِنَّ مُوسَى ﵇ آجَرَ نَفْسَه لِرعايَةِ الغَنَم (٢)، ولأِنَّه يُنتَفَعُ به مع بقاءِ عَينِه، أشْبَهَ الأرضَ. ثُمَّ إنْ كانت على مُدَّةٍ بعَينها، وعَمَلٍ بعَينه؛ فواضِحٌ، وإن كانت على عَمَلٍ مَوصُوفٍ في الذِّمَّة؛ فيكون (٣) كالسَّلَم؛ أي: لا بُدَّ أن يكونَ مضبوطًا بصِفاتِ السَّلَم؛ لِيَحصُلَ العِلْمُ به. (وَلَا يَكُونُ الْأَجِيرُ فِيهَا إِلاَّ آدَمِيًّا)؛ لأِنَّها مُتعَلِّقةٌ بالذِّمَّة، ولا ذِمَّةَ لغَيرِ الآدَمِيِّ، (جَائِزَ التَّصَرُّفِ)؛ لأِنَّها مُعاوَضةٌ لِعَمَلٍ في الذِّمَّة، فلم يَجُزْ (٤) مِنْ غَيرِ جائزِ التَّصرُّف، (وَيُسَمَّى: الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ)؛ لأِنَّه يَتَقَبَّلُ أعْمالاً لِجماعةٍ، فتكونُ مَنْفَعَتُه مُشْتَرَكةً (٥) بَينَهم. ويَلزَمُه الشُّروعُ عَقِبَ العَقْد. وإنْ تَرَكَ ما يَلزَمُه، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: بلا عُذْرٍ، فَتَلِفَ بِسَبِبِه؛ ضَمِنَه (٦). وله الاِسْتِنابَةُ، فإنْ مَرِضَ أوْ هَرَبَ؛ اكْتَرَى مَنْ يعمله (٧) عليه، فإنْ شَرَطَ

стр. 3217

مُباشَرتَه بنفسه؛ فلا عَمَلَ ولا اسْتِنابَةَ إذًا. وفي «المغْنِي»: إنِ اخْتَلَفَ القَصْدُ فيه؛ كَنَسْجٍ؛ لم يَلْزَمْهُ ولا المكْتَرِي قَبولُه، وإنْ تعذَّرَ فله الفَسْخُ. ويَنْفَسِخُ العَقْدُ بتَلَفِ مَحَلِّ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ. (وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ؛ كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ)؛ لم يصح (١) في الأَشْهَر؛ لأِنَّ الجَمْعَ بَينَهُما يَزيدُ الإجارةَ غَرَرًا لا حاجةَ إلَيهِ؛ لأِنَّه قد يَفْرَغُ من العمل قَبْلَ انْقِضاء اليوم، فإن اسْتُعْمِلَ في بَقِيَّته؛ فقد زاد على ما وَقَعَ العَقْدُ عليه، وإن لم يَعْمَل؛ كان تارِكًا للعمل في بعضه، فهذا غَرَرٌ أمكن (٢) التَّحرُّزُ منه، ولم يُوجَدْ مِثْلُه في محلِّ الوِفاق، فلم يَجُزِ العَقْدُ معه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَصِحَّ)، هذا روايةٌ؛ لأِنَّ الإجارةَ مَعْقُودةٌ على العمل، والمدَّةُ إنَّما ذُكِرتْ للتَّعْجيل، فلا يَفْسُد العَقْدُ، وكجعالة (٣)، وفيها وَجْهٌ. قال في «التَّبصِرة»: وإن اشْتَرط تعجيلَ العمل في أقصى (٤) مُمْكِنٍ؛ فله شَرطُه. وعليها: إذا تَمَّ العملُ قَبْلَ انْقِضاء المدَّة؛ لم يَلزَمْه العملُ في بَقِيَّتها؛ كقضاء الدَّين قَبْلَ أجَلِه. وإنْ مَضَت المدَّةُ قَبْلَ العمل؛ فللمُسْتَأْجِر الفَسْخُ، فإنْ رَضِيَ بالبقاء عَلَيهِ؛ لم يَكُنْ للآخَر الفَسْخُ، فإن اخْتارَ إمْضاءَ العَقْد؛ طالَبَه بالعمل فقطْ، كالمسْلِم إذا صَبَرَ عِنْدَ التَّعذُّر، وإن فَسَخَ قَبْلَ العمل؛ سَقَطَ الأجْرُ والعمَلُ، وإنْ كان

стр. 3218

بَعْدَ عَمَلِ بعضِه؛ فله أجْرُ المِثْل؛ لأِنَّ العَقْدَ انْفَسَخَ وسَقَطَ المسمَّى. (وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ)؛ أيْ: مُسْلِمًا؛ (كَالْحَجِّ)؛ أي: النِّيابة فيه، (وَالْأَذَانِ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كإمامةِ صلاةٍ، وتعليمِ (١) قُرْآنٍ في المشهور؛ لِمَا رَوَى عُبادةُ قال: علَّمت ناسًا (٢) من أهل الصُّفَّة القرآنَ، فأَهْدَى لي رجلٌ منهم قَوسًا، فذَكَرْتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: «إنْ سرَّك أنْ يُقلِّدَكَ الله قَوسًا من نارٍ فاقْبَلْه» (٣)، وعن أُبَيِّ بن كَعْبٍ: أنَّه علَّم رجلاً سُورةً من القرآن، فأَهْدَى له خَمِيصةً أو ثَوبًا، فذَكَرَ ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «إنَّكَ لو لَبِسْتَها؛ ألْبَسَكَ اللهُ مكانَها ثَوبًا من نارٍ» رواهما الأثْرَمُ (٤)، ولأِنَّ مِنْ (٥) شَرْطِ هذه الأفعالِ كونَها قُرْبةً إلى الله تعالى، فلم يَجُزْ

стр. 3219

أخْذُ الأُجْرة، كما لو اسْتأْجَر قَومًا يُصلُّونَ خَلْفَه. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ)؛ لأِنَّه «﵇ زوَّجَ رجُلاً بما معه من القرآن» متَّفَقٌ عليه (١)، فإذا جاز تعليمُ القرآن عوضًا (٢) في النِّكاح، وقام مَقامَ المهْر؛ جازَ أخْذُ الأجرة (٣) عليه، ولِحديثِ أبِي سَعِيدٍ في الرُّقْيةِ (٤)، ولأِنَّه يَجُوز أخْذُ الرزق (٥) عَلَيهِ من بَيتِ المال؛ فجَازَ أخْذُ الأجرة (٦) عَلَيهِ؛ كبِناءِ المساجِد، مع أنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى الاِسْتِنابة في الحجِّ وغيرِه، وكمَنْ أعْطَى بلا شَرْطٍ، نَصَّ عليه (٧)، وكَجعالةٍ، وفيها وَجْهانِ. وفي «المنتخب»: الجُعْل في حجٍّ كأُجْرةٍ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ تعليمَ القُرآن وجَعْلَه صَداقًا فيه عنه اخْتِلافٌ، ولَيْسَ في الخَبَر تصريحٌ به، فيَحْتَمِلُ أنَّه زوَّجه بغَيرِ صَداقٍ؛ إكْرامًا له، كما زوَّج أبا طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيمٍ على إسْلامه (٨)، ولو سُلِّم جوازُه؛ فالفَرْقُ بَينَ المهر والأجْر: أنَّ المهْرَ لَيْسَ بِعِوَضٍ مَحْضٍ؛ لأِنَّه يَجُوزُ خُلُوُّ العَقْد عن تَسْمِيته، ويَصِحُّ مع

стр. 3220

فَساده، بخلاف الأجْر. وأمَّا الرُّقْيةُ؛ فنَصَّ أحمدُ على جوازه (١)؛ لأِنَّها مُداواةٌ، والمأْخُوذُ عليها جُعْلٌ. وفي حَدِيثٍ وفِقْهٍ وجْهانِ، أشْهَرُهما: المنْعُ، وكذا القَضاءُ، قالَهُ ابْنُ حمدان. وجوَّز ذلك الشَّيخُ تقيُّ الدِّين لحاجةٍ (٢). ونَقَلَ حَنْبَلٌ: يُكرَه للمؤذِّن أنْ يأْخُذَ على أذانه أجْرًا (٣). وظاهِرُه: أنَّ ما لا يَخْتَصُّ فاعِلُه أنْ يكونَ من أهل القُرْبة؛ فيَجُوزُ؛ كتعليم الخَطِّ والحِساب، وفي «المبهج»: لا مُشاهَرَةٍ (٤). وله أخْذُ رزْقٍ على ما يَتَعَدَّى نَفْعُه، لا على ما لا يَتَعَدَّى نَفْعُه كصَومٍ، وصلاةٍ خَلْفَه، ونحوِه. (وَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْجُمَهُ؛ صَحَّ) في الأصحِّ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ قال: «احْتَجَم النَّبيُّ ﷺ ، وأعْطَى الحَجَّامَ أجْرَه»، قال ابنُ عَبَّاسٍ: «ولو كان حَرامًا لم يُعْطِه» متَّفَقٌ عليه (٥)، ولأِنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ، لا يَخْتَصُّ فاعِلُها أنْ يكونَ من أهْلِ القُرْبة، فجازَ الاِسْتِئْجارُ عليه؛ كالفَصْدِ والخِتانِ ونحوِهما. (وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ أُجْرَتِهِ)؛ لقَولِه ﵇: «كَسْبُ الحَجَّام خَبِيثٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٦)، ولا يَلزَمُ منه التَّحريمُ، فإنَّه قد سَمَّى البَصَلَ والثُّومَ خَبِيثَينِ مع

стр. 3221

إباحَتهما، وخُصَّ الحُرُّ بذلك؛ تَنْزيهًا له. وعنه: يَحرُم. ومَنَعَ في «الشَّرح» أنْ يكونَ عن أحمدَ نَصٌّ بالتَّحريمِ، وإنَّما قال: نَحْنُ نُعْطِيهِ، كما أَعْطَى النَّبيُّ ﷺ (١). وقال القاضِي في «الخلاف»: يَحرُمُ على السَّيِّد خاصَّةً دُونَ سائِرِ الأحْرارِ، واسْتَنْبَطَهُ من كلامِ أحمدَ. (وَيُطْعِمُهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ)؛ لقَولِه ﵇: «أطْعِمْهُ ناضِحَكَ، ورَقيقَك (٢)» رواه التِّرمذيُّ وحسَّنَه (٣)، وفي «الرِّعاية» مِثْلُه. وقِيلَ: يُكرَهُ، وهو ظاهِرٌ؛ لأِنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ على إباحته؛ إذْ غَيرُ جائِزٍ أنْ يُطعِمَ رقيقَه ما يَحرُمُ أكْلُهُ، فإنَّ الرَّقيقَ آدَمِيٌّ يُمنَعُ منه ما يُمنَعُ الحُرُّ. (وَقَالَ الْقَاضِي) والحُلْوانِيُّ: (لَا تَصِحُّ (٤) الإجارةُ، نَصَّ عليه (٥)، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لظاهِرِ الخَبَر. وكذا أخْذُه بلا شَرْطٍ، وجوَّزه في «الشَّرح»، ويَصرِفُه في عَلَفِ دابَّتِه، ومُؤْنَةِ صِناعَتِه، ولا يَحِلُّ أكْلُه، وكذا جَزَمَ به الحُلْوانِيُّ لغَيرِ حُرٍّ.

стр. 3222

(فَصْلٌ) (وَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ)؛ لأِنَّ أصْلَ العَقْد يُرادُ لِلْعاقِد، فلو شُرِطَ عليه اسْتِيفاؤها بِنَفْسِه؛ فقِياسُ قَولِ أصْحابِنا: صِحَّةُ العَقْد وبُطْلانُ الشَّرْط؛ لأِنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العَقْد؛ إذْ مُوجِبُه ملْكُ المنْفَعَة والتَّسْلِيطُ على اسْتِيفائِها بِنَفْسِه ونائبِه. وقِيلَ: يَصِحُّ؛ لأِنَّه قد يَكُونُ له غَرَضٌ في تَخْصِيصِه. (وَبِمِثْلِهِ)؛ أيْ: إذا كان مِثْلَه في الضَّرَر أوْ دُونَه؛ لأِنَّه لم يَزِدْ على اسْتِيفاءِ حَقِّه، فيُعْتَبَرُ كَون راكِبٍ مِثْلَهُ في طُولٍ وقِصَرٍ، لا المعرفةُ بالرُّكُوب، خِلافًا للقاضِي؛ لأِنَّ التَّفاوُتَ في هذا يَسِيرٌ. (وَلَا يَجُوزُ بِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ)؛ لأِنَّ العَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفاءَ مَنْفَعَةٍ مُقدَّرةٍ، فلا يَجوزُ بأكْثَرَ منه؛ لأِنَّه زائِدٌ على ما عَقَدَ عليه. (وَلَا بِمَنْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ)؛ لأِنَّه يَسْتَوْفِي أكْثرَ مِنْ حَقِّه أوْ غَيرَ ما يَسْتَحِقُّه. (وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ) المعْقُودَ عَلَيها مِنْ زَرْعٍ أوْ بِنَاءٍ؛ لأِنَّه هو المقْصودُ، (وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ مِنْ جِنْسِهَا)؛ لأِنَّه إذا كان له اسْتِيفاءُ نَفْسِ المنْفَعَة المعْقُود عَلَيها؛ فما دُونَها أَوْلَى، قال أحْمَدُ: إذا اسْتَأْجَرَ دابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيها تَمْرًا، فحَمَلَ عَلَيها حِنْطَةً؛ أرجو ألاَّ يكونَ به بأْسٌ إذا كان الوَزْنُ واحِدًا (١). (فَإِذَا اكْتَرَى لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ؛ فَلَهُ زَرْعُ الشَّعِيرِ وَنَحْوِهِ)؛ كَبَاقِلَاءَ؛ لأِنَّه دُونَه في الضَّرر، وعُلِم منه: جَوازُ زَرْعِ الحِنْطَة؛ لأِنَّها المعْقُودُ عَلَيها.

стр. 3223

فلو قال: ازْرَعْ حِنْطَةً، ولا تَزْرَعْ غَيرَها؛ فذَكَرَ القاضِي: بُطْلانَ الشَّرْط؛ لأِنَّ مُقْتَضَى العَقْد اسْتِيفاءُ المنْفَعَة كَيفَ شاء، فلم يَصِحَّ الشَّرْطُ. وفيه وَجْهٌ: أنَّه لا يجوز له زَرْعُ غَيرِ ما عَيَّنَه، حتَّى لو وَصَفَ الحِنْطةَ بأنَّها سَمْراءُ؛ لم يَجُزْ أنْ يَزْرعَ بَيضاءَ؛ لأِنَّه عيَّنه، فلم يَجُزِ العُدولُ عنه؛ كالدَّراهِم في الثَّمَن. ورُدَّ: بالفَرْق. والماء على ربِّ الأرض (١). (وَلَيْسَ لَهُ زَرْعُ الدُّخْنِ (٢) وَنَحْوِهِ)؛ كَقُطْنٍ؛ لأِنَّه فَوقَه في الضَّرَرِ، فإنْ فَعَلَ؛ لَزِمَه المسمَّى مع تفاوُتِهما في أجْرِ المِثْل، نَصَّ عليه (٣)، وأوْجَبَ أبو بَكْرٍ والمؤلِّفُ أجْرَ المِثْل خاصَّةً. ومِثْلُه: لو سَلَكَ طَرِيقًا أشَقَّ، قالَهُ في «الشَّرح» و «الفروع». (وَلَا يَمْلِكُ الْغَرْسَ، وَلَا الْبِنَاءَ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِأًحَدِهِمَا؛ لَمْ يَمْلِكِ الآْخَرَ)؛ لأِنَّ ضَرَرَ كلِّ واحِدٍ يُخالِفُ ضَرَرَ الآخَرِ؛ لأِنَّ الغَرْسَ يَضُرُّ بباطِنِ الأرض، والبِناءَ يَضُرُّ بظاهِرِها. (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِلْغَرْسِ؛ مَلَكَ الزَّرْعَ)؛ لأِنَّ ضَرَرَه أقلُّ من ضَرَر الغَرْس، وهو من جِنْسِه؛ لأِنَّ كُلًّا منهما يَضُرُّ بباطِن الأرض. وإنِ اكْتَراها للبناء (٤)؛ هل يَمْلِكُ الزَّرْعَ؟ وفيه وَجْهانِ. تنبيه: إذا اكْتَرى أرْضًا لِيَزْرَعَها أوْ يَغْرِسَها؛ لم يَصِحَّ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ، فلو

стр. 3224

قال: لِزَرْعِ ما شاء، أوْ غَرْسِه، أو: وغَرْسِه؛ صَحَّ في الأصحِّ فيهما؛ كزَرْعِ ما شِئْتَ، وتَغْرِس ما شِئْتَ، وإنْ أطلق وتصلح (١) لزَرْعٍ وغَيرِه؛ صَحَّ في الأصحِّ (٢). وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إنْ أطْلَقَ، أو قال: انْتَفِعْ بها بما شِئْتَ؛ فله زَرْعٌ، وغَرْسٌ، وبِناءٌ (٣). (وَإِنِ اكْتَرَى دَابَّةً لِلرُّكُوبِ، أَوِ الْحَمْلِ (٤)؛ لَمْ يَمْلِكِ الآْخَرَ)؛ لاِخْتِلافِ الضَّرَرِ؛ لأِنَّ الرَّاكِبَ يُعِينُ الظهر (٥) بحَرَكته، فلا يَمْلِك الحَمْلَ، والرُّكوبُ أشدُّ على الظَّهْر؛ لأِنَّه يَقْعُدُ في مكانٍ واحدٍ، والمتاعُ يَتَفَرَّقُ على جَنبَيهِ، فلا يَمْلِكُ الرُّكوبَ. فإذا اكْتَراها لِحَمْلِ دقيقٍ من طاحُونٍ؛ فلم يَجِدْه طُحِنَ؛ وَجَبَتْ أُجْرَتُها. وإنِ اكْتَراها إلى بلدٍ؛ فله الرُّكوبُ إلى مَقَرِّه. وقيل: بل (٦) إلى أوَّلِ عِمارَتِه. (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ الْحَدِيدِ، أَوِ الْقُطْنِ؛ لَمْ يَمْلِكْ حَمْلَ الآْخَرِ) على المعروفِ؛ لأِنَّه إذا اكْتَراها لِحَمْلِ الحَديدِ؛ لم يَحْمِلْ (٧) قُطْنًا؛ لأِنَّه يَتَجَافَى، وتَهُبُّ فيه الرِّيحُ، فيَتْعَبُ الظَّهْرُ، وعَكْسُه؛ لأِنَّ الحديدَ يَجْتَمِعُ في مَوضِعٍ واحِدٍ، فيَثْقُلُ عَلَيهِ. وقيل: بلى بِوَزْنه، ولا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ.

стр. 3225

(فَإِنْ فَعَلَ)؛ كان ضامِنًا، (وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ)؛ لأِنَّه عَدَلَ عن المَعْقُودِ عَلَيهِ إلى غَيرِه، أشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا؛ فزَرَعَ غَيرَها. (وَإِنْ اكْتَرَاهَا لِحُمُولَةِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ إِلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَهُ؛ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ)؛ أي: المسمَّاةُ؛ لاِسْتِيفاء المعْقُود عَلَيهِ مُتَمَيِّزًا عن غَيرِه، (وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، قال القاضِي: لا يَخْتَلِفُ فيه أصْحابُنا؛ أيْ: في الثَّانية، وحكاه أبو الزِّناد عن الفُقهاء السَّبْعة؛ لأِنَّه مُتَعَدٍّ في ذلك، فهو كغاصِبٍ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ)؛ لأِنَّه عَدَلَ عن المعْقُود عَلَيهِ إلى غَيرِه، أشْبَهَ ما لو فَعَلَه بغَير إجارةٍ. ولم يُصرِّحْ به أبو بَكْرٍ فيما إذا اكْتَرَى لِحُمولةِ شَيءٍ فزاد عَلَيهِ، وإنَّما أُخِذَ ذلك من قَولِه: إذا اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِزَرْعِ شَعِيرٍ، فَزَرَعَها حنطة (١): أنَّ عَلَيهِ أُجْرةَ المِثْلِ للجميع، فجمع القاضي بين (٢) مسألة الخِرَقِيِّ ومسألةِ أبي بَكْرٍ، فنَقَل (٣) كُلًّا منهما إلى الأخرى؛ لِتَساوِيهِما في أنَّ الزِّيادةَ لا تَتَمَيَّزُ، فيكونُ فِيهِما وَجْهانِ. وليس كذلك، فإنَّه يُفرَّقُ بَينَهُما، بأنَّ (٤) ما حصل التَّعَدِّي فيه (٥) في الحَمْل مُتَمَيِّزٌ، بخلاف الزَّرع، فإنَّه مُتَعَدٍّ به كُلِّه، أشْبَهَ الغاصِبَ، ولهذا عَلَّلَ أبو بَكْرٍ: بالعُدول عن المعْقُود عليه، فإلحاقها (٦) بما إذا اكْتَرَى إلى مَوضِعٍ فجاوَزَهُ أشدُّ؛ لِشِدَّة شَبَهِها به، وهو الذي قَطَعَ به في «الكافي» و «المحرَّر»، مع أنَّ
следующие страницы →