← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

إباحَتهما، وخُصَّ الحُرُّ بذلك؛ تَنْزيهًا له. وعنه: يَحرُم. ومَنَعَ في «الشَّرح» أنْ يكونَ عن أحمدَ نَصٌّ بالتَّحريمِ، وإنَّما قال: نَحْنُ نُعْطِيهِ، كما أَعْطَى النَّبيُّ ﷺ (١). وقال القاضِي في «الخلاف»: يَحرُمُ على السَّيِّد خاصَّةً دُونَ سائِرِ الأحْرارِ، واسْتَنْبَطَهُ من كلامِ أحمدَ. (وَيُطْعِمُهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ)؛ لقَولِه ﵇: «أطْعِمْهُ ناضِحَكَ، ورَقيقَك (٢)» رواه التِّرمذيُّ وحسَّنَه (٣)، وفي «الرِّعاية» مِثْلُه. وقِيلَ: يُكرَهُ، وهو ظاهِرٌ؛ لأِنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ على إباحته؛ إذْ غَيرُ جائِزٍ أنْ يُطعِمَ رقيقَه ما يَحرُمُ أكْلُهُ، فإنَّ الرَّقيقَ آدَمِيٌّ يُمنَعُ منه ما يُمنَعُ الحُرُّ. (وَقَالَ الْقَاضِي) والحُلْوانِيُّ: (لَا تَصِحُّ (٤) الإجارةُ، نَصَّ عليه (٥)، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لظاهِرِ الخَبَر. وكذا أخْذُه بلا شَرْطٍ، وجوَّزه في «الشَّرح»، ويَصرِفُه في عَلَفِ دابَّتِه، ومُؤْنَةِ صِناعَتِه، ولا يَحِلُّ أكْلُه، وكذا جَزَمَ به الحُلْوانِيُّ لغَيرِ حُرٍّ.

стр. 3222

(فَصْلٌ) (وَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ)؛ لأِنَّ أصْلَ العَقْد يُرادُ لِلْعاقِد، فلو شُرِطَ عليه اسْتِيفاؤها بِنَفْسِه؛ فقِياسُ قَولِ أصْحابِنا: صِحَّةُ العَقْد وبُطْلانُ الشَّرْط؛ لأِنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العَقْد؛ إذْ مُوجِبُه ملْكُ المنْفَعَة والتَّسْلِيطُ على اسْتِيفائِها بِنَفْسِه ونائبِه. وقِيلَ: يَصِحُّ؛ لأِنَّه قد يَكُونُ له غَرَضٌ في تَخْصِيصِه. (وَبِمِثْلِهِ)؛ أيْ: إذا كان مِثْلَه في الضَّرَر أوْ دُونَه؛ لأِنَّه لم يَزِدْ على اسْتِيفاءِ حَقِّه، فيُعْتَبَرُ كَون راكِبٍ مِثْلَهُ في طُولٍ وقِصَرٍ، لا المعرفةُ بالرُّكُوب، خِلافًا للقاضِي؛ لأِنَّ التَّفاوُتَ في هذا يَسِيرٌ. (وَلَا يَجُوزُ بِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ)؛ لأِنَّ العَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفاءَ مَنْفَعَةٍ مُقدَّرةٍ، فلا يَجوزُ بأكْثَرَ منه؛ لأِنَّه زائِدٌ على ما عَقَدَ عليه. (وَلَا بِمَنْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ)؛ لأِنَّه يَسْتَوْفِي أكْثرَ مِنْ حَقِّه أوْ غَيرَ ما يَسْتَحِقُّه. (وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ) المعْقُودَ عَلَيها مِنْ زَرْعٍ أوْ بِنَاءٍ؛ لأِنَّه هو المقْصودُ، (وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ مِنْ جِنْسِهَا)؛ لأِنَّه إذا كان له اسْتِيفاءُ نَفْسِ المنْفَعَة المعْقُود عَلَيها؛ فما دُونَها أَوْلَى، قال أحْمَدُ: إذا اسْتَأْجَرَ دابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيها تَمْرًا، فحَمَلَ عَلَيها حِنْطَةً؛ أرجو ألاَّ يكونَ به بأْسٌ إذا كان الوَزْنُ واحِدًا (١). (فَإِذَا اكْتَرَى لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ؛ فَلَهُ زَرْعُ الشَّعِيرِ وَنَحْوِهِ)؛ كَبَاقِلَاءَ؛ لأِنَّه دُونَه في الضَّرر، وعُلِم منه: جَوازُ زَرْعِ الحِنْطَة؛ لأِنَّها المعْقُودُ عَلَيها.

стр. 3223

فلو قال: ازْرَعْ حِنْطَةً، ولا تَزْرَعْ غَيرَها؛ فذَكَرَ القاضِي: بُطْلانَ الشَّرْط؛ لأِنَّ مُقْتَضَى العَقْد اسْتِيفاءُ المنْفَعَة كَيفَ شاء، فلم يَصِحَّ الشَّرْطُ. وفيه وَجْهٌ: أنَّه لا يجوز له زَرْعُ غَيرِ ما عَيَّنَه، حتَّى لو وَصَفَ الحِنْطةَ بأنَّها سَمْراءُ؛ لم يَجُزْ أنْ يَزْرعَ بَيضاءَ؛ لأِنَّه عيَّنه، فلم يَجُزِ العُدولُ عنه؛ كالدَّراهِم في الثَّمَن. ورُدَّ: بالفَرْق. والماء على ربِّ الأرض (١). (وَلَيْسَ لَهُ زَرْعُ الدُّخْنِ (٢) وَنَحْوِهِ)؛ كَقُطْنٍ؛ لأِنَّه فَوقَه في الضَّرَرِ، فإنْ فَعَلَ؛ لَزِمَه المسمَّى مع تفاوُتِهما في أجْرِ المِثْل، نَصَّ عليه (٣)، وأوْجَبَ أبو بَكْرٍ والمؤلِّفُ أجْرَ المِثْل خاصَّةً. ومِثْلُه: لو سَلَكَ طَرِيقًا أشَقَّ، قالَهُ في «الشَّرح» و «الفروع». (وَلَا يَمْلِكُ الْغَرْسَ، وَلَا الْبِنَاءَ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِأًحَدِهِمَا؛ لَمْ يَمْلِكِ الآْخَرَ)؛ لأِنَّ ضَرَرَ كلِّ واحِدٍ يُخالِفُ ضَرَرَ الآخَرِ؛ لأِنَّ الغَرْسَ يَضُرُّ بباطِنِ الأرض، والبِناءَ يَضُرُّ بظاهِرِها. (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِلْغَرْسِ؛ مَلَكَ الزَّرْعَ)؛ لأِنَّ ضَرَرَه أقلُّ من ضَرَر الغَرْس، وهو من جِنْسِه؛ لأِنَّ كُلًّا منهما يَضُرُّ بباطِن الأرض. وإنِ اكْتَراها للبناء (٤)؛ هل يَمْلِكُ الزَّرْعَ؟ وفيه وَجْهانِ. تنبيه: إذا اكْتَرى أرْضًا لِيَزْرَعَها أوْ يَغْرِسَها؛ لم يَصِحَّ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ، فلو

стр. 3224

قال: لِزَرْعِ ما شاء، أوْ غَرْسِه، أو: وغَرْسِه؛ صَحَّ في الأصحِّ فيهما؛ كزَرْعِ ما شِئْتَ، وتَغْرِس ما شِئْتَ، وإنْ أطلق وتصلح (١) لزَرْعٍ وغَيرِه؛ صَحَّ في الأصحِّ (٢). وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إنْ أطْلَقَ، أو قال: انْتَفِعْ بها بما شِئْتَ؛ فله زَرْعٌ، وغَرْسٌ، وبِناءٌ (٣). (وَإِنِ اكْتَرَى دَابَّةً لِلرُّكُوبِ، أَوِ الْحَمْلِ (٤)؛ لَمْ يَمْلِكِ الآْخَرَ)؛ لاِخْتِلافِ الضَّرَرِ؛ لأِنَّ الرَّاكِبَ يُعِينُ الظهر (٥) بحَرَكته، فلا يَمْلِك الحَمْلَ، والرُّكوبُ أشدُّ على الظَّهْر؛ لأِنَّه يَقْعُدُ في مكانٍ واحدٍ، والمتاعُ يَتَفَرَّقُ على جَنبَيهِ، فلا يَمْلِكُ الرُّكوبَ. فإذا اكْتَراها لِحَمْلِ دقيقٍ من طاحُونٍ؛ فلم يَجِدْه طُحِنَ؛ وَجَبَتْ أُجْرَتُها. وإنِ اكْتَراها إلى بلدٍ؛ فله الرُّكوبُ إلى مَقَرِّه. وقيل: بل (٦) إلى أوَّلِ عِمارَتِه. (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ الْحَدِيدِ، أَوِ الْقُطْنِ؛ لَمْ يَمْلِكْ حَمْلَ الآْخَرِ) على المعروفِ؛ لأِنَّه إذا اكْتَراها لِحَمْلِ الحَديدِ؛ لم يَحْمِلْ (٧) قُطْنًا؛ لأِنَّه يَتَجَافَى، وتَهُبُّ فيه الرِّيحُ، فيَتْعَبُ الظَّهْرُ، وعَكْسُه؛ لأِنَّ الحديدَ يَجْتَمِعُ في مَوضِعٍ واحِدٍ، فيَثْقُلُ عَلَيهِ. وقيل: بلى بِوَزْنه، ولا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ.

стр. 3225

(فَإِنْ فَعَلَ)؛ كان ضامِنًا، (وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ)؛ لأِنَّه عَدَلَ عن المَعْقُودِ عَلَيهِ إلى غَيرِه، أشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا؛ فزَرَعَ غَيرَها. (وَإِنْ اكْتَرَاهَا لِحُمُولَةِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ إِلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَهُ؛ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ)؛ أي: المسمَّاةُ؛ لاِسْتِيفاء المعْقُود عَلَيهِ مُتَمَيِّزًا عن غَيرِه، (وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، قال القاضِي: لا يَخْتَلِفُ فيه أصْحابُنا؛ أيْ: في الثَّانية، وحكاه أبو الزِّناد عن الفُقهاء السَّبْعة؛ لأِنَّه مُتَعَدٍّ في ذلك، فهو كغاصِبٍ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ)؛ لأِنَّه عَدَلَ عن المعْقُود عَلَيهِ إلى غَيرِه، أشْبَهَ ما لو فَعَلَه بغَير إجارةٍ. ولم يُصرِّحْ به أبو بَكْرٍ فيما إذا اكْتَرَى لِحُمولةِ شَيءٍ فزاد عَلَيهِ، وإنَّما أُخِذَ ذلك من قَولِه: إذا اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِزَرْعِ شَعِيرٍ، فَزَرَعَها حنطة (١): أنَّ عَلَيهِ أُجْرةَ المِثْلِ للجميع، فجمع القاضي بين (٢) مسألة الخِرَقِيِّ ومسألةِ أبي بَكْرٍ، فنَقَل (٣) كُلًّا منهما إلى الأخرى؛ لِتَساوِيهِما في أنَّ الزِّيادةَ لا تَتَمَيَّزُ، فيكونُ فِيهِما وَجْهانِ. وليس كذلك، فإنَّه يُفرَّقُ بَينَهُما، بأنَّ (٤) ما حصل التَّعَدِّي فيه (٥) في الحَمْل مُتَمَيِّزٌ، بخلاف الزَّرع، فإنَّه مُتَعَدٍّ به كُلِّه، أشْبَهَ الغاصِبَ، ولهذا عَلَّلَ أبو بَكْرٍ: بالعُدول عن المعْقُود عليه، فإلحاقها (٦) بما إذا اكْتَرَى إلى مَوضِعٍ فجاوَزَهُ أشدُّ؛ لِشِدَّة شَبَهِها به، وهو الذي قَطَعَ به في «الكافي» و «المحرَّر»، مع أنَّ

стр. 3226

أحمدَ نَصَّ في الزَّرع (١): أنَّه يَنْظُرُ ما يَدْخُل على الأرض من النُّقْصان، فيُعْطاهُ ربُّ الأرض، فيُقالُ: أُجْرةُ مِثْلِها إذا زَرَعَها حِنْطةً مائة، وأجْرةُ مِثْلِها إذا زَرَعَها شَعِيرًا ثمانُونَ؛ فالواجِبُ ما بَينَهما وهو عِشْرونَ. ونَظِيرُهما: لو اكْتَرَى غُرْفةً لِيَجْعَلَ فيها أقفزة (٢) معلومةً، فزاد عليها، ولو اكْتَراها لِيَجْعَلَ فيها قِنطارَ قُطْنٍ، فجَعَل قِنطارَ حديدٍ؛ ففي الأُولى له المسمَّى وأجرة (٣) الزِّيادة، وفي الثَّانية: يُخرَّجُ فيها الخِلافُ في مسألة الزَّرعِ. (وَإِنْ تَلِفَتْ؛ ضَمِنَ قِيمَتَهَا)، سَواءٌ تَلِفَتْ في الزِّيادة، أو بَعْدَ ردِّها إلى المسافة؛ لأِنَّه مُتَعَدٍّ، أشْبَهَ الغاصِبَ، (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ صَاحِبِهَا) ولا شَيءَ عَلَيها، (فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّه اجْتَمَع عَلَيهَا يَدانِ؛ يَدُ صاحِبِها ويَدُ المسْتَأْجِر، فالذي يُقابِلُه: النِّصفُ، فيَضْمَنُ، وكما لو زاد سَوْطًا في الحَدِّ. والثَّاني: تَلزَمُه (٤) القِيمةُ كلُّها حَيثُ لم يَرْضَ مالكُها، وهو المذْهَبُ، ونَصَرَه الأكْثَرُ؛ إناطةً بالتَّعَدِّي، وسكوتُ صاحبها لا يَدُلُّ على الرِّضا، كما لو أبِيعَ ملْكُه وهو ساكِتٌ لم يَمْنَعْه. وذَكَرَ القاضِي في «الشَّرح الصَّغير»: أنَّه لا ضَمانَ؛ لوجود يَدِ المالِك. وذَكَرَ في مَوضِعٍ آخَرَ: إنْ تَلِفَتْ وهو (٥) راكِبها، أو له عليها حَمْلٌ؛ ضَمِنَها، وإن كان سلَّمها لمالكها (٦) لِيَسْقِيَها، أو لِيُمْسِكَها؛ فلا ضَمانَ عَلَيهِ. وَوَافَقَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح» على ذلك، إلاَّ أنَّهما اسْتَثْنَيَا فيما إذا تَلِفَتْ

стр. 3227

في يد مالكها بسبب تَعَبِها من الحَمْل ونحوِه، فالضَّمانُ على المتعَدِّي، كما لو أَلْقَى حَجَرًا في سفينةٍ مُوقَرَةٍ (١) فغَرَّقَها، ولا يَسْقُطُ الضَّمانُ بردِّها إلى المسافة. فَرْعٌ: لو اكْتَرَى زَوْرَقًا، فَزَواهُ مع زَوْرَقٍ، فغَرِقَا؛ ضَمِنَ؛ لأِنَّها مُخاطَرَةٌ؛ لاِحْتِياجِهِما إلى المساواة، كَكِفَّةِ المِيزانِ، كما لو اكْتَرَى ثَوْرًا لاِسْتِقاء الماء، فجَعَلَه فَدَّانًا (٢). أَصْلٌ: إذا اكْتَرى لنَسْخ كتابٍ يُباحُ ما فيه، أو خِياطةٍ، أو قِصارةٍ، أو صَبْغٍ، أو كحْلٍ، أو مُداواةِ جُرْحٍ؛ صَحَّ، ولَزِمَه حِبرٌ، وخُيُوطٌ، وكُحْلٌ، ومَرْهَمٌ، ونحوُ ذلك. وقيل: يَلزَمُ مُسْتَأْجِرًا، وهو مَعْنَى ما في «المستوعب». وقيل: بل يَتْبَعُ العُرْفَ. وقيل: الكلُّ على الأَجِيرِ إلاَّ الخُيوطَ، فإنَّها على المسْتَأْجِر. وجَزَمَ في الشَّرح: أنَّه لا يَجُوزُ اشْتِراطُ الدَّواء على الطَّبِيبِ، بخلاف الكُحْل؛ للحاجة إليه. وليس له محادثته حال النَّسخ، وإنْ أخْطَأَ النَّاسِخُ بِشَيءٍ يَسِيرٍ؛ عُفِيَ عنه، وإنْ كَثُرَ؛ فلا، وهو عَيبٌ يُرَدُّ به. مسألةٌ: اسْتَأْجَرَه مدَّةً، فكَحَله، فلم تَبْرَأْ عَينُه؛ اسْتَحَقَّ الأجْرَ (٣) في قول الأكْثرِ، فإن شارَطَه على البُرْءِ؛ فهي جعالةٌ، فلو بَرَأَ بغَيرِ كُحْلِه، أوْ تعذَّر (٤) من جِهَةِ (٥) المسْتَأْجِر؛ فله أجْرُ مِثْلِه.

стр. 3228

(فَصْلٌ) (وَيَلْزَمُ الْمُؤْجِرَ كُلُّ مَا يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ؛ كَزِمَامِ الْجَمَلِ)، وهو الَّذي يَقُودُه به، (وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ)؛ بكَسْر الحاء، وهو ما تُحزَمُ (١) به البرذعة ونحوُها، (وَالشَّدِّ عَلَيْهِ، وَشَدِّ الْأَحْمَالِ وَالْمَحَامِلِ، وَالرَّفْعِ وَالْحَطِّ، وَلُزُومِ الْبَعِيرِ لِيَنْزِلِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ)، وقَضاء حاجة الإنسان، والطَّهارة، وَيَدَعُ البعيرَ واقِفًا حتَّى يَقْضِيَ ذلك، وفَرْضُ الكِفاية كالعَينِ. وذَكَرَ جماعةٌ: أنَّ نُزولَه لِسُنَّةٍ راتِبةٍ؛ كفَرْضٍ. فإنْ كان الرَّاكِبُ لا يَقْدِرُ على الرُّكوب والبَعيرُ قائِمٌ، فعلى الجَمَّال أنْ يُبْرِكَ له البعيرَ لِرُكوبه، وإلاَّ لم يَلزَمْهُ، فإنْ كان قَوِيًّا حالَ العَقْد، ثُمَّ عرض له (٢) الضَّعفُ، أوْ بالعَكْس؛ فالاِعْتِبارُ بحال الرُّكوب؛ لأِنَّ العَقْدَ اقْتَضَى رُكوبَه بِحَسَبِ العادة، قاله في «الشَّرح». وفي آخَرَ: لا. فلو أراد إطالةَ الصَّلاة، فطالَبَه الجَمَّالُ بِقِصَرها؛ لم يَلْزَمْهُ. والمشْيُ المعتادُ قُرْبَ المنزل؛ لا يَلزَمُ راكِبًا ضعيفًا أو امْرَأَةً، وإن كان جَلْدًا قَوِيًّا؛ فاحْتِمالانِ. فَرْعٌ: أُجْرةُ دليلٍ، وبَكْرةٍ، وحَبْلٍ، ودلوٍ (٣)؛ على مُكْتَرٍ؛ كمَحْمِلٍ، وغِطاءٍ، ووِطاءٍ فَوقَ الرَّحْلِ. قال في «التَّرغِيب»: وعِدْلُ القُمَاشِ على مُكْرٍ إنْ كانَتْ في الذِّمَّة.

стр. 3229

(وَمَفَاتِيحِ الدَّارِ)؛ أي: عليه تَسْليمُ مَفاتِيحِها؛ لأِنَّ عليه التَّمكينَ من الاِنْتِفاع، وبه يَحصُلُ، وهي أمانةٌ في يَدِ المسْتَأْجِر، (وَعِمَارَتِهَا)، فلو سَقَطَ حائِطٌ أوْ خَشَبةٌ، أو انْكَسَرتْ؛ فعَلَيهِ بِناءُ الحائِطِ، وإبْدالُ الخَشَبَةِ، وتَبْلِيطُ الحمَّام، وعَمَلِ الأبواب والبِرَك، ومَجْرَى الماء؛ لأِنَّ بذلك يَحْصُلُ الاِنْتِفاعُ ويُتَمَكَّنُ منه، (وَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ)؛ كالقَتَب للجَمَل، والسرج (١) واللِّجَام للفَرَس، والبَرْذَعَة والإِكَافِ للبَغْل والحِمار؛ لأِنَّ العادةَ جاريةٌ به، ويَلْزَمُه سائِقٌ وقائِدٌ، قالَهُ في «الفروع». وذَكَرَ في «المغْنِي» و «الشَّرح»: إنْ كانت الإجارةُ على تسليم الرَّاكِب البهيمةَ لِيَرْكَبَها لنفسه؛ فكلُّ ذلك عليه، وقد سلَّمها. وتنظيفُ السَّطْح من الثَّلْج على المؤْجِر، قاله في «التَّلخيص». (فَأَمَّا تَفْرِيغُ الْبَالُوعَةِ، وَالْكَنِيفِ)، وما في الدَّار من زِبْلٍ (٢)، وقُمامةٍ، ومصارِفِ حَمَّامٍ؛ (فَيَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ) تنظيفُها (إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً) مِنْ ذلك؛ لأِنَّه حَصَلَ بفِعْل المكْتَرِي، فكان عليه تنظيفُه، كما لو طَرَحَ فيها قُمَاشًا. مسألةٌ: إذا شَرَطَ على مُكْتَرِي الحَمَّام، أوْ غَيرِه: أنَّ مُدَّةَ تَعْطيله عليه؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّه لا يَجُوزُ أنْ يُؤْجِرَه مُدَّةً لا يُمْكِنُ الاِنْتِفاعُ في بَعْضِها، ولا يَجُوزُ أن يَشرِط أنَّه يَسْتَوْفِي بقَدْرها بَعْدَ انْقِضاء مُدَّتِه؛ لأِنَّه يُؤدِّي إلى جَهالةِ مُدَّةِ الإجارة. فإنْ أطْلَق، وتعطَّل؛ خُيِّرَ بَينَ الإمساك بكلِّ الأجْرِ وبَينَ الفَسْخِ. وقيل: له أرْشُ العَيبِ. فإنْ لم يَعْلَمْ به حتَّى انْقَضَتِ المدَّةُ؛ فعليه جميعُ الأجْرِ.

стр. 3230

وإنْ شَرَطَ أن يُنفِقَ مُسْتَأْجِرٌ ما يَحتاجُه من عِمارةٍ واجبةٍ؛ لم يَصِحَّ، فإنْ أنْفَقَ بِناءً على هذا الشَّرْطِ؛ رَجَعَ به على الآجِر (١)، ويُقبَلُ قَولُه في قَدْره؛ لأِنَّه مُنكِرٌ، وإنْ أنْفَقَ بغَيرِ إذْنه فلا رُجوعَ بشَيءٍ. خاتمةٌ: يَصِحُّ كِراءُ العُقْبَةِ، ومَعْناهُ (٢): أنْ يَرْكَبَ في بَعْض الطَّريق، ويَمْشِي في بعْضٍ، ولا بُدَّ من العِلْم به إمَّا بالفَراسِخ، أوْ بالزَّمان، فإنْ شَرَطَ أنْ يَركَبَ يَومًا، ويَمْشِي آخَرَ؛ جاز، فإنْ أَطْلَق؛ فاحْتِمالانِ. وإنِ اكْتَرَى اثْنانِ جَمَلاً يَتَعاقَبانِ عليه؛ جاز، والاِسْتِيفاءُ بَينَهُما بِحَسَبِ الاِتِّفاق، فإنْ تَشَاحَّا؛ قُسِمَ بَينَهما بالفَراسِخ، أوْ بالزَّمان، وإنِ اخْتَلَفا في البادِئ مِنْهُما؛ أُقْرِعَ بَينَهُما في الأصحِّ.

стр. 3231

(فَصْلٌ) (وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ)؛ لأِنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ أشْبَهَت البَيعَ، ولأِنَّها نَوْعٌ من البَيع، وإنَّما اخْتَصَّتْ باسْمٍ؛ كالصَّرْف والسَّلَم، (لَيْسَ لِأًحَدِهِمَا فَسْخُهَا)؛ لِلُزُومِها، إلاَّ أنْ يَجِدَ العَينَ مَعِيبَةً عَيْبًا لم يَعْلَمْ به، فله الفَسْخُ بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (١)؛ لأِنَّه عَيبٌ في المعْقُود عليه، فأثْبَتَ الخِيارَ؛ كالعَيب في المبِيع. والعَيبُ الَّذي يُرَدُّ به: ما تَنقُص به المنْفَعَةُ، كالبعير الَّذي يتأخَّرُ عن القافلة، ورَبَضِ (٢) البَهِيمة بالحِمْلِ، وكَونِها جموحًا (٣)، أوْ عَضُوضًا ونحوَه، وفي المكْتَرَى للخِدْمة: ضَعْفُ البَصَر والجُنون، وفي الدَّار: انْهِدامُ الحائط، والخَوفُ من سُقوطها، وانْقِطاعُ الماء من بِئْرِها، فإنْ رَضِيَ بالمقام؛ لَزِمَه جَميعُ الأجر (٤)، وإنْ اخْتَلَفا فيه؛ رُجِع إلى أهل الخِبْرة. هذا إذا كان العَقْدُ على العَين، فإنْ كانَتْ مَوصُوفَةً في الذِّمَّة؛ لم تنْفَسِخْ (٥)، وعلى المكْرِي إبْدالُه؛ كالمسْلَمِ فيه، فإنْ عَجَزَ عن الإبْدال، أو امْتَنَعَ منه؛ فله الفَسْخُ. (فَإِنْ (٦) بَدَا لَهُ قَبْلَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ؛ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ)؛ لأِنَّها عَقْدٌ لازِمٌ، يَقْتَضِي (٧) أنْ يَمْلِكَ المؤْجِرُ الأجْرَ، والمسْتَأْجِرُ المنافِعَ، وقد وُجِدَتْ،

стр. 3232

فيترتَّب (١) مُقْتَضاها. فإنْ سَكَنَ الآجِرُ بعضَ المدَّة؛ فهل تَلْزَمُه (٢) أُجْرةُ المِثْل، أو بالقِسْط؟ على وَجْهَينِ. (وَإِنْ حَوَّلَهُ الْمَالِكُ قَبْلَ تَقَضِّيهَا)؛ أيْ: تَقَضِّي المدِّةِ المعْقُودِ عَلَيهَا؛ (لَمْ يكَنُ لَهُ أُجْرَةٌ لِمَا سَكَنَ، نَصَّ عَلَيْهِ (٣)، وعليه الأصْحابُ؛ لأِنَّه لم يُسَلِّم له ما تَناوَلَه عَقْدُ الإجارة، فلم يَسْتَحِقَّ شَيئًا، كما لو اسْتأْجَره لِيَحْفِرَ له عِشْرينَ ذِراعًا، فحَفَرَ بَعْضَها وامْتَنَع من الباقي، أو لِيَحْمِلَ له كِتابًا إلى بلدٍ، فحَمَلَهُ بعْضَ الطَّريق. (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ لَهُ مِنَ (٤) الْأُجْرَةِ بِقِسْطِهِ)، وهو قَولُ أكثرِ الفُقَهاء؛ لأِنَّه اسْتَوفَى ملْكَ غَيره على وجْه المعاوَضَة، فَلَزِمَه عِوَضُه؛ كالمبِيع إذا اسْتَوْفَى بعضَه ومَنَعَه المالِكُ بَقِيَّتَه. والأوَّلُ أَوْلَى. تنبيهٌ: إذا (٥) أَبَى المؤْجِرُ تسليمَ ما آجَرَه، أو مَنَعَ مُسْتَأْجِرَه الاِنْتِفاعَ به كلَّ المدَّة؛ فله الفَسْخُ وجْهًا واحدًا، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». وقيل: يَبطُل العَقْدُ مَجَّانًا. وكذا إذا أكرى (٦) عبدَه للخدمة مدَّةً، وامْتَنَع من تمامها، أو آجَرَ نفسَه لبناء حائطٍ أو خِياطةٍ، وامْتَنَع من إتْمامِ العَمَل مع القُدْرة عليه. (وَإِنْ هَرَبَ الْأَجِيرُ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ؛ انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ)؛ لأِنَّ المعْقُودَ

стр. 3233

عليه يَفُوتُ بانْقِضائها، أشْبَهَ تَلَفَ العَينِ. وظاهِرُه: أنَّها لا تَنْفَسِخُ قبل انْقِضائها، وصرَّح به في «المغْنِي»؛ لأِنَّ المدَّةَ إذا لم تَنْقَضِ؛ لم يَفُت المعْقُودُ عليه. وفيه شَيءٌ، فَقَدْ فات بَعْضُه. (وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ)؛ كخياطة (١) ثَوبٍ، وبِناءِ حائطٍ، أوْ حَمْلٍ إلى مَوضِعٍ مَعْلومٍ؛ اسْتُؤْجِرَ من ماله مَنْ يَعْمَلُ العَمَلَ، فإنْ تعذَّر؛ (خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالصَّبْرِ)؛ لأِنَّه عَمَلٌ في الذِّمَّة ليس له مُدَّةٌ يَفُوتُ (٢) بِفَواتها. وقيل: يَبطُلُ العَقْدُ، ولا أُجْرةَ له في زمن الهَرَب. وقيل: ولا قَبْلَه. وحُكْمُ مَنْ آجر نَفْسَه مدَّةً وهَرَبَ، أو امْتَنَع من العمل؛ كذلك، وكذا لو آجَرَه دابَّةً ثُمَّ شَرَدَتْ. (وَإِنْ هَرَبَ الْجَمَّالُ، أَوْ مَاتَ وَتَرَكَ الْجِمَالَ؛ أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ مِنْ مَالِ الْجَمَّالِ) إنْ كان له مالٌ؛ لأِنَّ نَفَقَةَ الحَيَوَان واجِبةٌ على المالِكِ وهو غائبٌ، والحاكمُ نائبُه. (أَوْ أَذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهَا) من ماله (٣) بالمعروف ليكون دَينًا عليه؛ لأِنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، ولأِنَّ إقامةَ أمِينٍ غَيرِ المستأْجِر تَشُقُّ (٤)، ويتعذَّر مباشَرَتُه كلَّ وقْتٍ. فإذا رجع، واختلفا في النَّفقة: فإن كان الحاكمُ قدَّرها؛ قُبِلَ قَولُ المستأْجِر فيها، وكذا إن كانت غيرَ مقدَّرةٍ، وكانت بالمعروف؛ لأِنَّه أمينٌ. فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، أوْ عَجَزَ عن اسْتِئْذانه؛ فله أن يُنفِقَ عليها، فإن نوى

стр. 3234

الرُّجوعَ، وأشْهَدَ؛ رَجَعَ، وإن لم يُشْهِدْ؛ فوجْهانِ، وقياس المذهب: أنَّه يرجع؛ قياسًا على نفقة (١) الآبِق، وعيالِ الغائب، قاله في «المغْنِي». فإن أنفق من غير استئذانه مع القدرة عليه، وأشْهَدَ على ذلك؛ ففي رجوعه وجْهانِ. فإن لم يكن مع المستأْجِر مالٌ يُنْفِقُ عليها؛ لم يَجُزْ أن يَبِيعَ منها شيئًا؛ لأِنَّه إنَّما يكون من المالك، أو نائبه، أو مَنْ له ولايةٌ عليه. (فَإِذَا انْقَضَتِ الْإِجَارَةُ؛ بَاعَهَا الْحَاكِمُ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، وكذا إن (٢) كان فيها فَضْلَةٌ عن الكِراء، (وَوَفَّى الْمُنْفِقَ)؛ لأنَّ (٣) في ذلك تخليصًا لذمَّة الجَمَّال، وإيفاءً لحقِّ صاحب النَّفقة، (وَحَفِظَ بَاقِيَ ثَمَنِهَا لِصَاحِبِهِ)؛ لأِنَّ الحاكِمَ يَلْزَمه حِفْظُ مالِ الغائب. فلو هَرَبَ الجمَّالُ بجِماله، ولم يَجِد المستأْجِرُ ما يَسْتَوْفِي منه حقَّه؛ فله الفَسْخُ؛ لأِنَّه تعذَّر عليه قَبْضُ المعْقُود عليه، فإنْ فَسَخَ وكان الجمَّالُ قد قَبَضَ الأجرة (٤)؛ فهو دَينٌ في ذمَّته. وإن اختار المقامَ، وكانت على عَمَلٍ في الذِّمَّة؛ فله ذلك، ويُطالِبُه متى قَدَرَ عليه. وإن كانت على مدَّةٍ وانْقَضَتْ في هَرَبِه؛ انْفَسَخَت الإجارةُ. وإن كان العَقْدُ على مَوصُوفٍ غَيرِ مُعَيَّنٍ؛ لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، ويَرفَعُ الأمرَ إلى الحاكم، فإن وَجَدَ له مالاً؛ اكْتَرَى به، وإلاَّ اقْتَرَض عليه ما يَكْتَرِي به،

стр. 3235

فإن دَفَعَه ليكْتَرِيَ لنفسه؛ جاز، وإن كان القرض من المكتري (١) جاز، وصار دَينًا في ذمَّة الجمَّال. وإن كان العَقْدُ على مُعَيَّنٍ؛ لم يَجُزْ إبدالُه؛ لأِنَّ العَقْدَ تعلَّق بعَينه، فيُخَيَّرُ المكْتَرِي. (وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا)؛ كدابَّةٍ نَفَقَتْ وعبدٍ مات؛ لأِنَّ المنفعةَ زالت بالكُلِّيَّة بِتَلَفِ المعْقُودِ عليه، فانْفَسَخَتْ؛ كتَلَفِ المبِيع قَبْلَ قَبْضِه، وله أحْوالٌ: أحدُها: أنْ تَتْلَفَ العَينُ قَبْلَ قَبْضها، ولا خِلافَ في انفساخها (٢). الثَّاني: أنْ تَتْلَفَ عَقِبَ قَبْضِها، وقَبْلَ مُضِيِّ مدَّةٍ لا أجْرَ لها (٣)، فتنفسخ أيضًا، ويَسْقُطُ الأجْرُ عند عامَّة الفقهاء. الثَّالِثُ: أنْ تَتْلَفَ بَعْدَ مُضِيِّ بعضِ المدَّة؛ فتنفسخ (٤) فيما بَقِيَ من المدَّة خاصَّةً في الأصحِّ، كما لو اشْتَرَى صُبْرَتَينِ، فَقَبَضَ إحْداهما وتَلِفَت الأخرى بأمْرٍ سَماوِيٍّ قَبْلَ قَبْضِها. ثمَّ إنْ كان أجر (٥) المدَّة متساوِيًا، وقد اسْتَوْفَى نصفَها؛ فعليه نِصْفُ الأجرة (٦). وإنِ اخْتلف؛ بأنْ يكونَ أجْرُها في الصَّيف أكْثَرَ من الشِّتاء، أوْ بالعَكْس؛ فإنَّ الأجْرَ المسمَّى يُقَسَّط على ذلك، فإذا قيل: أجْرُها في الصَّيف يساوي

стр. 3236

مائة (١)، وفي الشِّتاء يُساوِي خَمْسينَ، وكان قد سَكَنَ الصَّيفَ؛ فعَلَيهِ بقَدْرِ ثُلُثَي المسمَّى. وقيل: يَلزَمُه بحصَّته من المسمَّى. (وَمَوْتِ الصَّبِيِّ الْمُرْتَضِعِ)؛ لأِنَّه تَعذَّرَ اسْتِيفاءُ المعْقُود عَلَيهِ لِكَونِ غَيرِه لا يَقومُ مَقامَه؛ لاِخْتِلافِهم في الرَّضاع، وقد يَدُرُّ اللَّبَنُ على وَلَدٍ دُونَ آخَرَ. فإنْ كان مَوتُه عَقِبَ العَقْد؛ زالَت الإجارةُ مِنْ أصْلِها، ورَجَعَ (٢) المسْتَأْجِرُ بالأجْر كُلِّه، وإن كانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ؛ رَجَعَ بحِصَّة ما بَقِيَ. وكذا تَنْفَسِخُ (٣) بمَوت المرْضِعَة؛ لِفَوات المنْفَعَة بهلاك مَحَلِّها. وعنه: لا تَنْفَسِخ (٤) بمَوتِها، اختارها (٥) أبو بَكْرٍ، ويَجِبُ (٦) في مالها أجْرُ مَنْ تُرْضِعُه تمامَ الوقْت؛ كالدَّين. وجوابُه: بأنَّ المعْقُود عَلَيهِ هَلَكَ، أشْبَهَ هَلاكَ البَهيمةِ المسْتَأْجَرَةِ. (وَمَوْتِ الرَّاكِبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ (٧) مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ)؛ بِأَنْ لم يَكُنْ له وارِثٌ، أوْ كان غائِبًا، كَمَنْ يَمُوتُ بطريقِ مكَّةَ، ويَتْرُكُ جَمَلَه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ (٨): أنَّها تَنفَسِخُ فيما بَقِيَ؛ لأِنَّه قد جاء أمْرٌ غالِبٌ يَمنَعُ المسْتَأْجِرَ مَنْفَعَةَ العَينِ، أشْبَهَ ما لو غُصِبَتْ، ولأِنَّ بقاءَ العَقْد ضَرَرٌ في حقِّهما. وظاهِرُه: أنَّها لا تَنفَسِخُ إذا كان له مَنْ يَقُومُ مَقامَه؛ لأِنَّ الاِسْتِيفاءَ غَيرُ

стр. 3237

مُتَعذِّرٍ، وبه يَحصُلُ الجَمْعُ بَينَ هذا وبَينَ قَولِه: (ولا تَنْفَسِخُ بمَوتِ المُكْرِي ولا الْمُكْتَرِي) (١). (وَانْقِلَاعِ الضِّرْسِ الذِي اكْتُرِيَ لِقَلْعِهِ، أَوْ بُرْئِهِ)؛ لِتَعذُّر اسْتِيفاءِ المعْقُود عليه كالموت، فإنْ لَمْ يَبْرَأْ، وامْتَنَعَ المسْتَأْجِرُ مِنْ قَلْعِه؛ لم يُجْبَرْ، (وَنَحْوِ هَذَا)؛ كاسْتِئْجارِ طَبيبٍ لِيُداوِيَه، فَبَرَأَ. تنبيهٌ: ظاهِرُه: أنَّ المسْتَأْجِر إذا أتْلَفَ العَينَ؛ فإنَّها يَثْبُتُ فيها ما تقدَّمَ، ويَضْمَنُ ما أتلف (٢)، ومِثْلُه: جَبُّ المرأةِ زَوْجَها؛ فإنَّها تَضْمَنُ، ولها الفَسْخُ. (وَإِنِ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَتْ، أَوْ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا؛ انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هذا مُقْتَضَى كلامِ الخِرَقِيِّ و «الوجيز»، وقَطَعَ به ابنُ أبي مُوسَى وغيرُه، واختاره المؤلِّفُ، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ المقصودَ بالعَقْد قد فاتَ، أشْبَهَ ما لو تَلِفَ. وقيل: ويَنفَسِخُ (٣) فِيمَا مَضَى. (وَفِي الآْخَرِ: يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ)، صحَّحه في «التَّلخيص»، وقاله القاضِي في الدَّار؛ لِإمْكان الاِنْتِفاع بالعَرْصةِ (٤) بنَصْبِ خَيمةٍ، أوْ جَمْعِ حَطَبٍ، ونحوِ ذلك، أشْبَهَ نَقْصَ العَينِ. أمَّا لو زالت منافِعُها بالكُلِّيَّة، أو الَّذي بَقِيَ فيها لا يُباحُ اسْتِيفاؤه بالعَقْد؛ كدابَّةٍ اسْتَأْجَرها للرُّكوب، فصارت لا تَصلُحُ إلاَّ للحَمْل؛ فإنَّه يَنْفَسِخُ العَقْدُ وجْهًا واحدًا. وقال القاضِي في الأرض الَّذي انْقَطَعَ ماؤها: لا تَنْفَسِخُ الإجارةُ ويُخَيَّرُ،

стр. 3238

فإنِ اخْتار المقامَ؛ لَزِمَه جميعُ الأجْر، وإن لم يَخْتَرِ الفَسْخَ ولا الإمضاءَ؛ إمَّا لِجَهْله بأنَّ له الفَسْخَ، أو لغَيرِ ذلك؛ فله الفَسْخُ. فَرْعٌ: إذا آجَرَه أرضًا بلا ماءٍ؛ صحَّ، فإن أطْلَقَ؛ فاخْتار المؤلِّفُ صحَّتَها مع عِلْمِه بحالها، وقِيلَ: لا، كظنِّه (١) إمكانَ تَحْصيله. وإن ظَنَّ وُجودَه بالأمْطار، وزيادة الأنْهار؛ صَحَّ، جَزَمَ به جماعةٌ؛ كالعِلْم، وفي «التَّرغيب» وغيره (٢): وجْهانِ. (وَلَا تَنْفَسِخُ (٣) بِمَوْتِ الْمُكْرِي وَلَا المُكْتَرِي (٤)، نَصَّ عليه (٥)، وقالَهُ أكْثَرُ العلماء؛ لأِنَّها عَقْدٌ لازِمٌ، فلم تَنْفَسِخْ (٦) بمَوتِ العاقِد مع سلامة المعْقُود عَلَيهِ. وعنه: تَنفَسِخُ بمَوتِ مُكْتَرٍ لا قائِمَ مَقامَهُ؛ كبُرْءِ ضِرْسٍ اكْترِي لقَلْعه؛ لأِنَّ استيفاء المنْفَعَة يَتَعذَّرُ بمَوتِه. وجوابُه: بأنَّ المسْتَأْجِرَ قد مَلَكَ المنافِعَ، وأنَّ الأُجْرةَ قد مُلِكت عليه كاملةً وقْتَ العَقْد، ويَلزَمُهم: ما لو زوَّج أمَتَه ثُمَّ مات (٧). وفي «الرِّعاية»: مَنِ اسْتُؤْجِر لحجٍّ أو عُمرةٍ فمات؛ بَطَلَ العَقْدُ. وعنه: لا، بل وارِثُه كهُوَ. وقيل: إن مات قَبلَ الإحرام؛ فلا أُجْرةَ له. وقيل: له أجرةُ المثل لِمَا قَطَعَ من المسافة الواجب قَطْعُها.

стр. 3239

وإن مات بَعْدَ الأركان؛ فله الأجرةُ، وعليه دمٌ لِمَا بَقِيَ، وإن عَمِلَ بَعْضَها؛ فله بقَدْر ما عَمِلَ، وعليه أُجْرةُ مَنْ يَعمَلُ الباقِيَ. (وَلَا) تَنفَسِخُ (بِعُذْرٍ لِأًحَدِهِمَا، مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَ لِلْحَجِّ فَتَضِيعَ نَفَقَتُهُ، أَوْ دُكَّانًا فَيَحْتَرِقَ مَتَاعُهُ)، في قَولِ الجَماهِير؛ لأِنَّه عَقْدٌ لا يَجُوزُ فَسْخُه لِغَيرِ عُذْرٍ، فلَمْ يَجُزْ لعُذْرٍ مِنْ غَيرِ المعْقُود عَلَيهِ؛ كالبَيع، ويُفارِقُ الإباقَ، فإنَّه عُذْرٌ في المعْقُود عَلَيهِ. (وَإِنْ غُصِبَتِ الْعَيْنُ؛ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ)؛ لأِنَّ في عَدَمِ ثُبوت الخِيار تأْخِيرًا لِحَقِّه، ولأِنَّ تَعَذُّرَ الاِنْتِفاعِ بذلك مِنْ غَيرِ جِهَتِه عَيبٌ في المعْقُودِ عَلَيهِ، فَمَلَكَ الخِيَرَةَ به (١)، كالعَيبِ في المبِيعِ. وحِينَئِذٍ: له الخِيارُ بَينَ الفَسْخِ والرُّجوع بالمسمَّى فِيمَا بَقِيَ من المدَّة، وبَينَ البَقاء على العَقْد ومُطالَبةِ الغاصِبِ بأُجْرةِ المِثْلِ. ولم يَنْفَسِخِ العَقْدُ بمُجَرَّدِ الغَصْبِ؛ لأِنَّ المعْقُودَ عَلَيهِ لم يَفُتْ مُطْلَقًا، بل فاتَ إلى بَدَلٍ، وهو القِيمةُ، أشْبَهَ ما لَوْ أتْلَفَ الثَّمَرةَ المبِيعةَ آدَمِيٌّ قَبْلَ قَطْعِها. وخرَّجَ أبو الخَطَّاب: الاِنْفِساخَ إنْ قِيلَ بِعَدَمِ ضَمانِ منافِعِ الغصب (٢). وفي «الانتصار»: تَنْفَسِخُ تلك المدَّةُ، والأُجْرةُ للمُؤْجِر؛ لاِسْتِيفاء المنافِعِ على ملكه. فلو غَصَبَها مالكها؛ فلا شَيءَ له مُطْلقًا، نَصَّ عَلَيهِ (٣). وقيل: بلى؛ كغَصْبِ غَيرِه. (فَإِنْ فُسِخَ؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى)، وكان الحكمُ فيه كما لو انْفَسَخَ العَقْدُ بتَلَفِ العَينَ.

стр. 3240

فإن رُدَّتْ في أثْناء المدَّة، ولم يكن فَسْخٌ؛ اسْتَوْفَى ما بَقِيَ منها، ويكون فيما مَضَى مُخَيَّرًا. فإنْ كانت الإجارةُ على عَينٍ مَوصُوفةٍ في الذِّمَّة؛ لَزِمَه بَدَلُها، فإنْ تعذَّر؛ فله الفَسْخُ. وإنْ كانت على عَينٍ مُعَيَّنةٍ لعَمَلٍ؛ خُيِّرَ بَينَ الصَّبْر والفَسْخِ إلى أنْ يَقدِرَ عَلَيهَا. (قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَحْجُزُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ؛ فَعَلَيْهِ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ)، هذا تأْكِيدٌ لِوُجوبِ الأُجْرة فِيمَا مَضَى، وقَولُه شامِلٌ لغَصْب العَين وتَلَفِها، وحُدُوثِ ما يَمنَعُ من الاِنْتِفاع بها؛ كانْهِدامِ دارٍ، وغَرَقِ الأرضِ، وحُدوثِ خَوفٍ عامٍّ؛ لأِنَّه أمْرٌ غالِبٌ، فثَبَتَ له الخِيارُ؛ كغَصْبِ العَينِ، فلو كان الخوفُ (١) خاصًّا بالمسْتَأْجِر لِقُرْبِ أعدائه، أوْ حُلولِهم في طَريقه؛ لم يَمْلِك الفَسْخَ؛ كمَرَضِه وحَبْسِه. (وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَيْءٍ) في الذِّمَّة، ولم يُشْرَطْ عَلَيهِ مُباشَرَتُه، (فَمَرِضَ؛ أُقِيمُ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُهُ)؛ لِيَخرُجَ من الحقِّ الواجِبِ في ذِمَّته؛ كالمسْلَمِ فيه، (وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ)؛ أيْ: على المريض؛ لأِنَّها في مُقابَلَةِ ما وَجَب عَلَيهِ، ولا يَلزَمُ المسْتَأْجِرَ إنْظارُه؛ لأِنَّ العَقْدَ بإطْلاقه يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ، ما لم يَخْتَلِفِ القَصْدُ فيه؛ كالنَّسخ (٢). فإنْ كانت الإجارةُ على عَينِه في مدَّةٍ أو غَيرِها؛ كأنْ تَخِيطَ لي أنت هذا الثَّوبَ؛ لم يَقُمْ غَيرُه مَقامَه؛ كالبَيع، بل يُخَيَّرُ المسْتَأْجِرُ بَينَ الفَسْخِ والصَّبْرِ حتَّى يَتَبَيَّنَ له الحالُ.

стр. 3241

(فَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ مَعِيبَةً، أَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ)، وهو ما يَظهَرُ به تَفاوُت الأجْرِ؛ (فَلَهُ الْفَسْخُ) إن لم يَزُلْ بلا ضَرَرٍ يَلْحَقُه، والإمْضاءُ مَجَّانًا، وظاهِرُه أنَّها: لا تَنفَسِخُ بذلك. وهو مُخَيَّرٌ بَينَ الإمساك بكلِّ الأجْر، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وجَزَمَ به في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وذَكَرَ المجْدُ والجَدُّ: مَعَ الأرْشِ، في قياس المذْهَبِ، وبَيْنَ الفَسْخ؛ اسْتِدْراكًا لِظُلامَتِه، ولا يَبْطُلُ الخِيارُ بالتَّأْخِير. (فَإِنْ فَسَخَ؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى)؛ لأِنَّ المنافِعَ لا يَحصُلُ قَبضُها إلاَّ بالاِسْتِيفاء، فإنْ بَادَرَ المُكْرِي إلى إزالته مِنْ غَيرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ المسْتَأْجِرَ؛ كإصْلاحِ تَشْعِيثِ الدَّارِ، فلا خِيارَ له؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ. فإنْ سَكَنَها مع عَيبِها؛ فعليه الأُجْرةُ، عَلِمَ أوْ لم يَعْلَمْ، ولو احْتاجَتْ إلى تَجْديدٍ؛ فإنْ جَدَّدَ وإلاَّ فَسَخَ، ولَيسَ له إجْبارُه على التَّجْديد في الأصحِّ. مسألةٌ: (مَتَى زَرَعَ الأرضَ فغَرِقَتْ، أو تلف (١)، أو لم يَنْبت (٢)؛ فلا خِيارَ له، وتَلزَمُه الأُجْرةُ، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، فإنْ تَعذَّرَ زَرْعُها لِغَرَقِها؛ فله الخِيارُ، وكذا لِقلَّةِ ماءٍ قَبْلَ زَرْعِها أوْ بَعْدَه، أو عابَتْ بغَرَقٍ يَعِيبُ به بَعْضُ الزَّرْع، واخْتارَ شَيخُنَا: أوْ بَرْدٍ، أوْ فَأْرٍ، أوْ عُذْرٍ، فإنْ أمْضَى فله الأَرْشُ كعَيبِ الأعْيان، وإنْ فَسَخَ فَعَلَيهِ القِسْطُ قبل القَبْضِ ثُمَّ أُجْرةُ المِثْلِ إلى كمالِه، وما لم يُرْوَ من الأرض فلا أُجْرةَ له اتِّفاقًا)، ذَكَرَهُ في «الفروع». (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ (٤)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، سَواءٌ باعَها لِمُسْتَأْجِرها

стр. 3242

أوْ لِغَيرِه؛ لأِنَّها عَقْدٌ على المنافِعِ، فلم يَمنَع (١) الصِّحَّةَ؛ كبَيعِ الأَمَةِ المزَوَّجَة، ولأِنَّ يَدَ المسْتَأْجِرِ على المنافِعِ، والبَيع على الرَّقَبة، فلا يَمْنَعُ ثُبوتُ اليَدِ على أحَدِهما تَسْلِيمَ الآخَرِ، وإنْ مَنَعَت التَّسليمَ في الحال فلا تَمْنَعُه (٢) في الوقْت الذي يَجِبُ فيه التَّسليمُ، وهو عِنْدَ انْقِضاء الإجارةِ، وتَكْفِي القُدْرةُ على التَّسْليم حِينَئِذٍ؛ كالمسْلَمِ فيه. ولِمُشْتَرٍ الفَسْخُ أو الْإِمْضاءُ إنْ لم يَعْلَمْ، ذَكَرَهُ في «المغني» و «الشرح»؛ لأِنَّ ذلك عَيْبٌ، قالَهُ أحْمَدُ (٣)، وفي «الرعاية»: له الأَرْشُ مع الإمساك، وإِنْ عَلِمَ ورَضِيَ؛ لم يَتصرَّفْ في العَين حتَّى تَفرُغَ المدَّة. (وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ)؛ لأِنَّها سابِقَةٌ على عَقْدِ البَيع، واللاَّحِقُ لا يُوجِبُ فسخ (٤) السَّابِقِ، كما لو زوَّجَ أَمَتَه ثُمَّ باعَها. (إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْمُسْتَأْجِرُ، فَتَنْفَسِخُ (٥) فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، كذا أطْلَقَهُما في «الفروع»، وحكاهما في «المغْنِي» و «الشَّرح» وجْهَينِ: أحدُهما: تَنْفَسِخُ (٦) فِيمَا بَقِيَ من المدَّة؛ لأِنَّ ملْكَ الرَّقَبة لَمَّا مَنَعَ ابْتِداءَ الإجارة؛ مَنَعَ اسْتِدامَتَها؛ كالنِّكاح لَمَّا مَنَعَ ملْكَ اليمين؛ مَنَعَ اسْتِدامَتَه، فعلى هذا: يَسْقُطُ عن المشْتَرِي الأجْرُ فِيمَا بَقِيَ؛ كما لو تَلِفَتِ العَينُ، وإن كان المؤْجِرُ قَبَضَ الأَجْرَ كلَّه؛ حُسِبَ عليه من الثَّمَن إنْ كان مِنْ جِنْسِه. والثَّانيةُ، وهي الأصح: لا تَنْفَسِخُ؛ لأِنَّه مَلَكَ المنفعةَ بعَقْدٍ، ثُمَّ مَلَكَ الرَّقَبةَ بآخَرَ، فلم يَتَنَافَيَا؛ كمِلْك الثَّمَرة ثُمَّ الأصل، فيَجْتَمِع على المشْتَرِي

стр. 3243

الأَجْرُ، والثَّمَنُ للبائع، كما لَوْ كان المشْتَرِي غَيرَه، ولو آجَرَها لِمُؤْجِرها، فإنْ قُلْنا: لا تَنفَسِخُ صَحَّ، وإلاَّ فَلَا. فَرْعٌ: إذا وَرِثَ المسْتَأْجِرُ العَينَ المؤْجَرَةَ، أوْ وُهِبَتْ لَه، أوْ أَخَذَها بِوصيَّةٍ، أوْ صَداقٍ، أوْ عِوَضٍ في خُلْعٍ، أوْ في صُلْحٍ ونحوِه؛ فالحُكْمُ فِيهِ كما لو اشْتَراها.

стр. 3244

(فَصْلٌ) (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ الْخَاصِّ)، نَصَّ عَلَيهِ (١)، (وَهُوَ الذِي يُسَلِّمُ نَفْسَهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ)؛ أيْ: يَقَعُ عَلَيهِ العَقْدُ مدَّةً مَعْلُومةً، يَسْتَحِقُّ المسْتَأْجِرُ نَفْعَه في جَمِيعِها، سِوَى فِعْلِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ في أوْقاتها بِسُنَنِها، وصلاةِ جُمُعةٍ وعِيدٍ، ولا يَسْتَنِيبُ، وسُمِّيَ خاصًّا؛ لاِخْتِصاصِ المسْتَأْجِرِ بنَفْعِه تِلْكَ المدَّةَ. وقيل: هو مَنْ سَلَّمَ نَفْسَه لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ مُباحٍ. (فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِهِ)، الجارُّ ومَجْرُورُهُ مُتَعلِّقٌ بقَوله: (ولا ضَمانَ)؛ لأِنَّ عَمَلَه غَيرُ مَضْمُونٍ عَلَيهِ، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به كالقِصاص، ولأِنَّه نائِبٌ عن المالِكِ في صَرْفِ منافِعِه فِيمَا أمرَ به، فلم يَضْمَنْ كالوَكِيِل. (إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّى)؛ لأِنَّه تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ، أشْبَهَ الغاصِبَ، قال جماعةٌ: أوْ تَفْريطٌ، ومَثَّلَه في «الشَّرح» بالخَبَّاز إذا أسْرَف في الوُقُودِ، أو ألزقه قَبْلَ وَقْتِه، أوْ يَتْرُكُه بَعْدَ وَقْتِه حتَّى يَحْتَرِق، وفيه شَيءٌ. وذَهَبَ ابنُ أبي موسى: أنَّه يَضْمَنُ ما جَنَتْ يَدُهُ. وعن أحْمدَ: يَضمَنُ ما تَلِفَ بأَمْرٍ خَفِيٍّ لا يُعلَمُ إلاَّ مِنْ جِهَتِهِ (٢). (وَيَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ)، وهو مَنْ قُدِّرَ نَفْعُه بِعَملٍ؛ كخِياطةِ ثَوبٍ، أوْ بِناءِ حائطٍ، وسُمِّيَ مُشْتَرَكًا؛ لأِنَّه يَتَقَبَّلُ أعْمالاً لِجَماعةٍ في وَقْتٍ واحِدٍ، يَعمَلُ لهم، فيَشْتَركُونَ في مَنْفَعَتِه كالحائِك، والقَصَّار، والطَّبَّاخ، والحَمَّال، فكلٌّ مِنهُم ضامِنٌ، (مَا جَنَتْ يَدُهُ؛ مِنْ تَخْرِيقِ الثَّوْبِ، وَغَلَطِهِ فِي تَفْصِيلِهِ)، رُوِي

стр. 3245

ذلِكَ عن عُمَرَ (١)، وعلي (٢)، وشُرَيحٍ، والحَسَنِ؛ لأِنَّ عَمَلَه مَضْمونٌ عَلَيهِ؛ لِكَونِه لا يَسْتَحِقُّ العِوَضَ إلاَّ بالعَمَلِ، وأنَّ الثَّوبَ لَوْ تَلِفَ في حِرْزِه بَعْدَ عَمَلِه؛ لم يَكُنْ له أُجْرةٌ فِيمَا عَمِلَ فيه، بخِلافِ الخاصِّ، وما تَوَلَّدَ مِنهُ يَجِبُ أنْ يكونَ مَضْمونًا كالعُدْوان بِقَطْعِ عُضْوٍ. وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يَعْمَلَ في بَيتِه، أوْ بَيتِ المسْتَأْجِر، وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ والخِرَقِيِّ، ولا أنْ يكونَ المستأجر على المتاع، وصرَّح به القاضِي في «تعليقه» وجماعةٌ؛ لأِنَّ ضَمانَه كِجِنايَته (٣).

стр. 3246

واخْتارَ القاضِي في «المجرد»، وأصحابُه: أنَّه يَضْمَنُ إنْ كانَ عَمَلُه في بَيتِ نَفْسِه، فأمَّا إنْ كانَ في ملْك المسْتَأْجِر مِنْ خِياطَةٍ ونحوِها؛ فَلَا. (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ) في ظاهِرِ المذْهَبِ، وعَلَيهِ أكْثَرُ الأصْحاب؛ لأِنَّ العَينَ في يَدِهِ أمانةٌ أشْبَهَ المودَعَ. وعَنْهُ: إنْ كان التَّلَفُ بأمْرٍ ظاهِرٍ كالحَريقِ واللُّصوصِ الغَالِبِينَ ونحوِهم فلا ضَمانَ، وإن كان بِأَمْرٍ خَفِيٍّ كالضَّيَاعِ ونَحْوِه ضَمِنَ؛ للتهمة (١). (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ)؛ لأِنَّه لم يُسلِّمْ عَمَلَه إلى المسْتَأْجِر، فلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَه؛ كالمبِيعِ من الطَّعام إذا تَلِفَ في يَدِ بائعه قَبْلَ تسليمه. وظاهِرُه: مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كان في بَيتِ المسْتَأْجِر أوْ غَيرِه، بناءً كان أوْ غَيرَه. وفي «المحرَّر»: إلاَّ ما عَمِلَه في بَيتِ ربِّه. وعَنْهُ: إنْ كان بِناءً. وعَنْهُ: ومنقولٌ (٢) عَمِله في بَيتِ ربِّه. وفي «الفنون»: له الأُجْرةُ مُطْلَقًا؛ لأِنَّ وَضْعَه (٣) النَّفْعُ فِيمَا عَيَّنَه له؛ كالتَّسْلِيمِ إلَيهِ، كدَفْعِه إلى البائِع غِرارَةً (٤)، وقال: ضَعِ الطَّعامَ فيها، فكالَهُ فيها؛ كان ذلك قَبْضًا؛ لأِنَّها كَيَدِهِ. (وَعَنْهُ: يَضْمَنُ) مُطْلَقًا؛ لقَوله ﵇: «وعَلَى اليَدِ ما أخذتْ حتَّى تُؤَدِّيَه» (٥)، ولأِنَّه قَبَضَ العَينَ لمنْفَعةِ نَفْسِه من غَيرِ اسْتِحْقاقٍ، فَلزِمَه ضَمانُها؛

стр. 3247

كالمسْتَعِيرِ. قال صاحب «التَّلْخيص»: ومَحَلُّ الرِّوايات إذا لم تكن (١) يَدُ المالِكِ عَلَيهَا، فإنْ كانَتْ؛ فلا ضَمانَ بحال (٢). فَرْعٌ: إذا اسْتَعْمَل مُشْتَرَكٌ خاصًّا؛ صحَّ، ولِكُلٍّ مِنْهُما حُكْمُ نَفْسِه. (وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ، وَلَا خَتَّانٍ، وَلَا بَزَّاغٍ) وهو البَيْطارُ، (وَلَا طَبِيبٍ)، خاصًّا كان كلٌّ مِنْهُم أوْ مُشْتَرَكًا، (إِذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ، وَلَمْ تَجْنِ أَيْدِيهِمْ)؛ لأِنَّه فَعَلَ فِعْلاً مُبَاحًا فلم يَضْمَنْ سِرايَتَه كحَدٍّ؛ لأِنَّه لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: اقْطَعْ قَطْعًا لا يَسْرِي، بخِلافِ: دُقَّ دَقًّا لا يَخرِقُه. واقْتَضَى ذلك: أنَّهم إذا لم يَكُنْ لهم حِذْقٌ في الصَّنْعة؛ أنَّهم يَضْمَنُونَ؛ لأِنَّه لا تَحِلُّ (٣) لهم مباشَرةُ القَطْعِ، فإذا قَطَعَ؛ فَقَدْ فَعَلَ مُحرَّمًا، فيضمن (٤) سِرايَتَه، بدليلِ قولِه ﵇: «مَنْ تَطَبَّبَ بغَيرِ عِلْمٍ؛ فهُوَ ضامِنٌ» رواه أبو داودَ (٥).

стр. 3248

فَلَوْ كان فِيهم حِذْقُ الصَّنْعَة، وجَنَتْ أيْدِيهِم؛ بأنْ تَجاوَزَ الختَّانُ إلى بَعْض الحَشَفَة، أوْ تَجاوَزَ الطَّبِيبُ بقَطْع السِّلْعَةِ مَوضِعَها، أو بآلةٍ كالَّةٍ يَكْثُرُ ألَمُها؛ وجَبَتْ؛ لأِنَّ الإتْلافَ لا يختلف (١) ضَمانُه بالعَمْد والخَطَأ، وكما لو قَطَعَه ابْتِداءً. وحَكَى ابنُ أبي موسَى: إذا ماتَتْ طِفْلةٌ من الخِتان؛ فدِيَتُها على عاقلة خاتِنَتِها، قَضَى به عمرُ بنُ الخَطَّاب (٢)، وأنَّه لو استأجر لِحَلْقِ رُؤُوسٍ يَومًا، فجَنَى عليها بجِراحةٍ؛ لا يَضْمن؛ كجِنايته في قِصارةٍ ونحوِها. ويُعْتَبَرُ لِعَدَم الضَّمان في ذلك: إذْنُ مُكَلَّفٍ أَوْ وَلِيٍّ، وإلاَّ ضَمِنَ، واخْتارَ في «الهَدْيِ» لا يَضْمَنُ؛ لأِنَّه مُحْسِنٌ. (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ)، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه إلاَّ ما رُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ (٣)، فلَوْ جاء بجِلْدِ شاةٍ، وقال: هذا جِلْدُ شاتِكَ؛ قُبِل قَولُه. وعنه: لا. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأِنَّه مُؤْتَمَنٌ على الحِفْظ، أشْبَهَ المودَعَ، ولأِنَّها عَينٌ قُبِضَتْ بحُكْمِ الإجارة، أشْبَهَت العَينَ المسْتَأْجَرةَ. واقْتَضَى ذلك: أنَّ ما تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ أنَّه ضامِنٌ له بغَيرِ خِلافٍ (٤)، وجَوازُ

стр. 3249

إجارةِ الرَّاعِي، وقِصَّةُ شُعَيبٍ مع موسَى ﵇؛ شاهِدةٌ (١) بذلك. فإن عَقَدَ على مُعَيَّنةٍ؛ تعَيَّنَتْ في الأصحِّ فلا يُبْدِلُها، ويَبطُلُ العَقْدُ فيما تَلِفَ منها. وإنْ عَقَدَ على مَوصُوفٍ؛ ذَكَرَ نَوعَه، وكِبَرَه، وصِغَرَه، إلاَّ أنْ تكونَ (٢) ثَمَّ قَرِينَةٌ أو عُرْفٌ صارِفٌ إلى بعضها. ولا يَلْزَمُه رَعْيُ سِخَالِهَا، فإنْ ذَكَرَ عَدَدًا؛ تَعَيَّنَ، وإنْ أَطْلَقَ؛ لم يَجُزْ، وقال القاضِي: يَصِحُّ ويُحْمَلُ على العادة. (وَإِذَا حَبَسَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ عَلَى أُجْرَتِهِ، فَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ)؛ لأِنَّه لم يَرْهَنْه عِندَه، ولا أَذِنَ له في إمْساكه، فَلَزِمَه الضَّمانُ كالغاصِبِ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ كان صِبْغُه منه؛ فله حَبْسُه، وإن كان من ربِّ الثَّوبِ، أو قَدْ قَصَرَه؛ احْتَمَلَ وَجْهَينِ. وفي «المنثور»: إنْ خاطَهُ، أوْ قَصَرَهُ، وغَزَلَه؛ فَتَلِفَ بِسَرِقَةٍ، أوْ نارٍ؛ فمِنْ مالكه ولا أُجْرةَ؛ لأِنَّ الصَّنْعة غَيرُ مُتَمَيِّزةٍ؛ كقَفِيزٍ مِنْ صُبْرةٍ. ويُسْتَثْنَى على الأوَّل: ما إذا أفْلَسَ مُسْتَأْجِرُه، ثُمَّ جاء بائعُه يَطْلُبُه؛ فللصَّانِع حَبْسُه. (وَإِنْ تَلِفَ الثَّوْبُ بَعْدَ عَمَلِهِ؛ خُيِّرَ المَالِكُ (٣)؛ لأِنَّ الجنايةَ على ماله، فكانت الخِيَرَةُ إليه دُونَ غَيرِه، (بَيْنَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ)؛ لأِنَّ الأُجرةَ إنَّما تَجِبُ بالتَّسليم، ولم يُوجَدْ، (وَبَيْنَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ مَعْمُولاً وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ أُجْرَتَهُ)؛ لأِنَّه لو لم يَدْفَعْ إلَيهِ الأُجرةَ؛ لَاجْتَمَعَ على الأجِيرِ فَواتُ الأُجْرةِ

стр. 3250

وضَمانُ ما يُقابِلُها، وَلأِنَّ المالِكَ إذا ضمَّنَه ذلك معمولاً يكون في مَعْنَى تَسْليمِ ذلك معمولاً، فيَجِبُ أنْ يَدفَعَ إليه الأُجْرةَ لحُصولِ التَّسْليم الحُكْمِيِّ. ويُقدَّمُ قَولُه في صِفَةِ عَمَلِه، ذَكَرَه ابنُ رَزِينٍ. ومِثْلُه تَلَفُ أَجِيرٍ مُشْتَرَكٍ، ذَكَرَه القاضِي وغَيرُه. وقال أبُو الخَطَّاب: تَلزَمُه (١) قِيمَتُه مَوْضِعَ تَلَفِهِ، وله أُجْرتُه إلَيهِ. وكذا عَمَلُه غَيرَ صِفَةِ شَرْطِهِ؛ أي: لا أجرة (٢) له في الزِّيادة؛ لأِنَّه غَيرُ مأْمُورٍ بها، وعليه ضمان (٣) نَقْصِ الغَزلِ المنْسوجِ فيها. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: له المسَمَّى إنْ زادَ الطُّولُ فَقَطْ، ولم يَنقُصِ الأصْلُ بها، وإن زاد في العَرْض فَوَجْهانِ، والظَّاهِرُ: أنَّه لا أجرةَ (٤) له، والفَرْقُ: بأنَّه يُمْكِنُ قَطْعُ الزَّائد في الطُّول، ويَبْقَى الثَّوبُ على ما أراد، بخلاف العَرْض. وإن نَقَصَهما، أوْ أحَدَهُما؛ فَقِيلَ: لا شَيءَ له، ويَضْمَنُ؛ كنَقْصِ الأصْل. وقيل: بحِصَّته من المسَمَّى. وقيل: لا شَيءَ له في نَقْص العَرْض، بخِلافِ النَّقْص في الطُّول، فإنَّ له حِصَّتَه من المسَمَّى. فَرْعٌ: إذا أخْطَأَ قَصَّارٌ، ودَفَعَ الثَّوبَ إلى غَيرِ مالِكِه؛ ضَمِنَه، فإنْ قَطَعَه قابضه (٥)؛ غَرِمَ أرْشَ قَطْعِه؛ كدَراهِمَ أنْفَقَها، ويَرُدُّه مَقْطوعًا على الأصحِّ. فإنْ تَلِفَ عِنْدَه ضَمِنَه؛ كما لو عَلِمَ. وعَنْهُ: لَا، كعَجْزِه (٦) عن دَفْعِه. (وَإِذَا ضَرَبَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّابَّةَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ، أَوْ كَبَحَهَا)؛ أيْ: جَذَبَها

стр. 3251

لِتَقِفَ، وفي «الشَّرح»: يَحُثُّها به على السير (١) لِتَلْحَقَ القافِلةَ، ويُقالُ بالخاء المعْجَمَة، (أَوِ الرَّائِضُ الدَّابَّةَ)، أي: مُعَلِّمُها؛ (لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ)؛ لأِنَّه تَلِفَ مِنْ فِعْلٍ مُسْتَحَقٍّ، فلم يَضْمَناهُ، كما لو تَلِفَتْ تَحْتَ الحَمْل. وظاهِرُه: أنَّه يَجِبُ الضَّمانُ إذا زاد على العادة، وصرَّح به في «الكافي»؛ لأِنَّه جِنايَةٌ على ملْكِ الغَيرِ، فَوَجَبَ الضَّمانُ؛ كالغاصِبِ. وقد اقْتَضَى ذلك: جَوازُ ضَرْبِ المسْتَأْجِرِ الدَّابَّةَ لِلاِسْتِصْلاح؛ لأِنَّه «﵇ نَخَسَ بَعيرَ جابِرٍ وضَرَبَه» (٢)، و «كان أبو بَكْرٍ يَنخُس بَعِيرَه بِمِحْجَنه» (٣). فلو اكْتَراها، وتَرَكَها في اصْطَبْله، فماتَتْ؛ فهَدَرٌ، وإنْ سَقَطَ عَلَيها؛ ضَمِنَها. تنبيهٌ: العَينُ المؤْجَرَةُ أمانَةٌ في يَدِ مُسْتَأْجِرِها، إنْ تَلِفَتْ بغَيرِ تَفْرِيطٍ؛ لم يَضْمَنْها، ولا فَرْقَ بَينَ الإجارةِ الصَّحِيحةِ والفاسِدَةِ. فإذا انْقَضَتِ المدَّةُ؛ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهَا، ولم يَلْزَمْهُ الرَّدُّ، أَوْمَأَ إلَيهِ في رِوايةِ ابْنِ مَنْصورٍ (٤)؛ لأِنَّه لو وَجَبَ ضَمانُها؛ لَوَجَبَ ردُّها؛ كالعارِيةِ، وحِينَئِذٍ تَبْقَى في

стр. 3252

يَدِهِ أمانةً كالودِيعَة. وقِيلَ: يَجِبُ ردُّها مع القُدْرة إن طُلِبَتْ منه، قَطَعَ القاضِي به في «الخلاف». وقِيلَ: مُطْلَقًا، ويَضْمَنُه إنْ تَلِفَ مع إمْكانِ ردِّه؛ كعارِيةٍ. ومُؤْنَةُ الرَّدِّ على مالِكِها في الأصحِّ؛ كمُودَعٍ. فلو شَرَطَ على مُسْتَأْجِرٍ ضَمانَها؛ لم يصِحَّ الشَّرطُ في الأصحِّ، وفي العَقْدِ؛ وجْهانِ. (وَإِنْ قَالَ: أَذِنْتَ لِي فِي تَفْصِيلِهِ قَبَاءً، قَالَ: بَلْ قَمِيصًا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ، نَصَّ عَلَيْهِ) في روايةِ ابنِ مَنْصُورٍ (١)؛ لأِنَّهما اتَّفَقا على الإذْنِ، واخْتَلَفَا في صِفَتِه، فكان القَولُ قَولَ المأذونِ له؛ كالمضارَبِ، فَعَلَى هذا: يَحْلِفُ الخَيَّاطُ، ويَسْقُطُ عنه الغُرْمُ، ويَسْتَحِقُّ أجْرَ المِثْل. وقِيلَ: يُقْبَلُ قَولُ ربِّه، اخْتارَهُ المؤلِّف؛ لأِنَّهما اخْتَلَفا في صِفَة الإذْن، فيُقْبَلُ قَولُه فِيهَا؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ الإذْنِ المخْتَلَف فيها، فَعَلَيهَا: يَحْلِفُ أنَّه ما أَذِنَ في قَطْعِه قَباءً، ويَغرَمُ الأَجِيرُ نَقْصَه، ولا أُجْرةَ (٢) له. وعَنْهُ: يُعْمَلُ بظاهِرِ الحال، كاخْتِلافِ الزَّوْجَينِ في مَتَاعِ البَيت. وقيل: بالتَّحالُفِ كالاِخْتِلاف في ثَمَنِ المبِيعِ. وحُكْمُ الصَّبَّاغِ (٣) إذا قال: أَذِنْتَ في صَبْغِه أحَمْرَ، قال: بَلْ أصْفَرَ؛ كذلك (٤).

стр. 3253

تنبيهٌ: إذا دَفَعَ إلى خَيَّاطٍ ثَوبًا، وقال: إنْ كان يُقْطَعُ قَمِيصًا فاقْطَعْهُ، فقال: هو يُقْطَعُ، فَقَطَعَهُ ولم يَكْفِهِ، أو قال: انظُرْ هل يكفيني قَمِيصًا؟ فقال: نَعمْ، اقْطَعْه (١)، فَقَطَعَهُ ولم يَكْفِه؛ ضَمِنَه فيهما. فإنْ قال: اقْطَعْهُ قَمِيصَ رَجُلٍ، فَقَطَعَهُ قَمِيصَ امْرأةٍ؛ غَرَمَ ما بَينَ قِيمَتِه صَحِيحًا ومَقْطُوعًا في الأصحِّ. وقِيلَ: يَغرَمُ ما بَينَ قَيمَتِهِما. فإن اكتراه (٢) لِيَلْبَسَه لم يَنَمْ فيه لَيلاً، ولا وَقْتَ القَيْلُولةِ، ولم يَأْتَزِرْ به، فإنِ ارْتَدَى به؛ جازَ في الْأَقْيَسِ. مسألةٌ: إذا اخْتَلَفَا في قَدْرِ الأُجْرة؛ تَحالَفا كالبَيع، نَصَّ عليه (٣)، ويُبْدَأُ بِيَمِينِ الآجِرِ، وكذا إذا اخْتَلَفَا في المدَّة. وعَنْهُ: يُصَدَّقُ المؤْجِرُ. وعَنْهُ: المسْتَأْجِرُ. وعلى التَّحالُفِ: إنْ كان بَعْدَ المدَّةِ؛ فأُجْرَةُ المِثْلِ؛ لتعَذُّرِ رَدِّ المنْفَعَة، وإنْ كان في أثْنائها؛ فبِالقِسْطِ. فلو اخْتَلَفا في التَّعدِّي؛ قُبِلَ قول المسْتَأْجِرِ؛ لأِنَّه أمِينٌ. فإن قال بَعْدَ القَبْضِ: مَرِضَ العَبْدُ، أوْ أَبَقَ، أوْ شَرَدَتِ الدَّابَّةُ، فلم أَقْدِرْ على ردِّها؛ صُدِّقَ، وحَلَفَ على الأصحِّ. وعَنْهُ: يُقبَلُ قَولُ المؤْجِر. فلو ادَّعى مَرَضَه، وأصابَه صحيحًا؛ قُبِل قَولُ المالِكِ، سَوَاءٌ صدَّقَه العَبْدُ، أوْ كَذَّبَهُ، نَصَّ عليه (٤).

стр. 3254

وعنه: يُقْبَلُ قَولُ المسْتَأْجِر في الإباقِ دُونَ المرَضِ. فَلَوِ اخْتَلَفَا في وَقْتِ هلاكِ العَينِ؛ قُدِّمَ قَولُ المسْتَأْجِرِ؛ لأِنَّ الأصْلَ عَدَمُ الاِنْتِفاعِ.

стр. 3255

(فَصْلٌ) (وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ)؛ أيْ: إذا أَطْلَقَ، وكان العَقْدُ وَقَعَ على عَينٍ؛ كأرْضٍ ودارٍ ونحوِهما، أوْ ذِمَّةٍ؛ لأِنَّ المؤْجِرَ يَملِكُ الأُجْرةَ بنَفْس العَقْد، كما يَمْلِك البائِعُ الثَّمَنَ بالبيع، وحِينَئِذٍ تكونُ حالَّةً، مِنْ نَقْدِ بَلَدِ العَقْدِ إن لم يَشْتَرِطا غَيرَه. وقال طائفةٌ: لا يَمْلِكُها، ولا يَسْتَحِقُّ المطالَبَةَ بِها إلاَّ يَومًا بِيَومٍ، إلاَّ أنْ يَشْتَرِطَ (١) تَعْجِيلَها؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ٦]، أمر (٢) بإيتائهِنَّ بَعْدَ الرَّضاع، ولِقَولِه ﵇: «ورَجُلٌ اسْتأَجَر أجيرًا؛ فاسْتَوْفَى منه، ولم يُوفِّه أجْرَه» (٣)، ولأِنَّه عِوَضٌ لم يُمْلَكْ، فلم يَجِبْ تسليمُه، كالعِوَضِ في العَقْد الفاسِدِ. وجوابُه: بأنَّه عِوَضٌ أُطْلِقَ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فَيُسْتَحَقُّ بِمُطْلَق العَقْد؛ كالثَّمَن والصَّداق، وله الوطْءُ. وأمَّا الآيةُ؛ فيحتمل (٤) أنَّه أراد الإِيتاءَ عِنْدَ الشُّروع في الرَّضاع، أوْ تَسْليمِ نَفْسها، ويُحقِّقه (٥): أنَّ الإِيتاءَ في وَقْتٍ لا يَمنَعُ وُجوبَه قَبْلَه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٢٤]، والصَّداقُ يَجِبُ قَبْلَ الاِسْتِمْتاعِ، مع أنَّهما إنَّما وَرَدَا فِيمَن اسْتُؤْجِرَ على عَمَلٍ، فأمَّا ما وَقَعَت

стр. 3256

الإجارةُ فيه على مدَّةٍ؛ فلا تَعَرُّضَ لها فيه. (إِلاَّ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا)، فلا تجب (١)، كما لو اتَّفَقَا على تأخير الثَّمَن، واقْتَضَى ذلك جوازَ تأْجيلها. وقيل: إن لم يكن نَفْعًا في الذِّمَّة. وقِيلَ: يَجِبُ قَبْضُها في المجلس؛ كرأس مالِ السَّلَم. فلا تَحِلُّ مُؤَجَّلَةً بموتٍ في أصحِّ قَوْلَيِ العُلَماء، وإنْ حَلَّ دَينٌ به؛ لأِنَّ حِلَّها مع تأخير اسْتِيفاءِ المنْفَعَة ظُلْمٌ، قالَهُ الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٢). (وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ أُجْرَةِ الْعَمَلِ فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَسَلَّمَهُ)، وإنْ وَجَبَتْ بالعَقْد، وعلى هذا وَرَدَت النُّصوصُ، ولأِنَّ الأَجِيرَ إنَّما يُوَفَّى أَجْرَه إذا قَضَى عَمَلَه؛ لأِنَّه عِوَضٌ، فلا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَه إلاَّ مَعَ تَسْلِيمِ المعَوَّضِ؛ كالصَّداقِ والثَّمَن. وفارَقَ الإجارةَ على الأعيان؛ لأِنَّ تسليمَها أُجْرِيَ مُجْرَى تسليمِ نَفْعِها، ومَتَى كانت على عَمَلٍ في الذِّمَّة؛ لم يَحصُلْ تسليمُ المنْفَعَة، ولا يَقومُ مَقامَها، فيَتَوقَّفُ اسْتِحْقاقُ تسليم الأجر على تسليم العمل. فإنْ عمل (٣) بعضَه؛ فله أُجْرَةُ المِثْل لِمَا عَمِلَ. وقيل: إن كان معذورًا في تَرْكِ العَمَلِ، وإلاَّ احْتَمَلَ وَجْهَينِ. وقال ابنُ أبي موسَى: مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ مَعْلومٍ؛ اسْتَحَقَّ الأَجْرَ عِنْدَ إيفاءِ العَمَل، وإنِ اسْتُؤْجِرَ كلَّ يَومٍ بأُجْرَةٍ مَعْلُومةٍ؛ فله أَجْرُ كلِّ يومٍ عِنْدَ تمامِه. تنبيهٌ: يَسْتَقِرُّ الأَجْرُ كامِلاً باسْتِيفاءِ المنْفَعَة، وبتَسْليمِ العَينِ، ومُضِيِّ المدَّةِ، ولا مانِعَ له من الاِنْتِفاع، أوْ بفَراغِ عَمَلٍ بِيَدِ مسْتَأْجِرٍ، ويَدْفَعُه إليه بَعْدَ عَمَلِه،

стр. 3257

فلو بَذَلَ له تَسْلِيمَ العَينِ، وامْتَنَعَ المسْتَأْجِرُ حتَّى انْقَضَتِ المدَّةُ؛ اسْتَقَرَّ الأجْرُ عَلَيهِ، كما لو كانَتْ بِيَدِه. وإنْ كانت على عَمَلٍ، فَذَكَرَ الأصْحابُ أنَّها تَسْتَقِرُّ إذا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمكِنُ الاِسْتِيفاءُ فيها. وصَحَّحَ في «المغْنِي»: أنَّه لا أَجْرَ عليه؛ لأِنَّه عَقْدٌ على ما في الذِّمَّة، فلم يَسْتَقِرَّ عِوَضُه بذل (١) التَّسْليمِ؛ كالمسْلَمِ فيه. (وَإِذَا انْقَضَتِ الْإِجَارَةُ، وَفِي الْأَرْضِ غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ لَمْ يُشْتَرَطْ قَلْعُهُ عِنْدَ انْقِضَائِهَا)، بل أَطْلَق، وكانَتْ أُجِرَتْ (٢) لذلك (٣)؛ (خُيِّرَ الْمَالِكُ)؛ أيْ: ربُّ الأرض (بَيْنَ أَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ)؛ أيْ: يَدْفَعُ قِيمةَ الغِراس أو البِنَاء، فيَمْلِكُه مع أرْضِه؛ لأِنَّ الضَّرَرَ يَزُولُ بذلك، وفي «الفائق»: إذا كانت الأرضُ وَقْفًا؛ لم يَمْلِك التَّمَلُّكَ إلاَّ بشَرْطِ واقِفٍ، أوْ رِضَا مُسْتَحِقِّ الرَّيْعِ، (أَوْ تَرْكِهِ بِالْأُجْرَةِ)؛ أيْ: أجرةِ المِثْل، (أَوْ قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ)؛ لِمَا فيه من الجَمعِ بَينَ الحَقَّينِ. وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ كَوْنِ المسْتَأْجِرِ وَقَفَ ما بَناهُ أوْ لَا. وهذا ما لم يَقْلَعْه مالِكُه، ولم يَكُنْ البِناءُ مسْجِدًا ونحوَه؛ فلا يُهدَمُ، اخْتارَهُ في «الفنون» والشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٤). فإنْ قُلْتَ: هلاَّ مَلَكَ (٥) القَلْعَ من غَيرِ ضَمانِ النَّقْص؛ كما هو مَذْهَبُ أبي حَنِيفةَ ومالِكٍ (٦)؛ لأِنَّ تَقْديرَ المدَّةِ في الإجارة يَقْتَضِي تفريغَها عند انقضائها كالمسْتَأْجَرة للزَّرع؟

стр. 3258

قلت: لقوله ﵇: «لَيسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حَقٌّ» (١)، فإنَّه يَدُلُّ على أنَّ غَيرَ الظَّالِم له حَقٌّ، وهنا (٢) كذلك؛ لأِنَّه غَرَسَ بإذْنِ المالِكِ، ولم يَشْتَرِطْ قَلْعَه؛ فلم يُجْبَرْ عليه من غَيرِ ضَمانِ النَّقْصِ، كما لو اسْتَعارَها للغَرْس، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ انْقِضائها. فإنْ شَرَطَ فيها بقاءَ غَرْسٍ؛ فهو صحيحٌ على الأصحِّ؛ كإطلاقه. فإن اخْتار ربُّ الأرض القَلْعَ؛ فهو على مستَأْجِرٍ، وليس عليه تسويةُ الحُفَر، قالَهُ في «التلخيص» وغيره، وإن اخْتارَه مالِكُه؛ لَزِمَهُ تَسْويةُ الحُفَر،

стр. 3259

قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح» وغيرهما. (وَإِنْ شَرَطَ قَلْعَهُ؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ)، وفاءً بمُوجَبِ شَرْطِه. فإنْ قلتَ: إذا كان إطْلاقُ العَقْد فيهما يَقْتَضِي التَّأبيد، فشَرْط القَلْع يُنافِي مُقْتَضَى العَقْد فيُفْسِدُه. قُلْتُ: اقْتِضاؤه التَّأْبيدَ إنَّما هو من حَيثُ إنَّ العادةَ تَبْقِيَتُهُما، فإذا أطْلَقَه حُمِل على العادة، فإذا شَرَطَ خِلافَه؛ جاز، كما لو باع بغَيرِ نَقْدِ البَلَد. وحِينئِذٍ: لا يَجِبُ على ربِّ الأرضِ غَرامةُ نَقْصٍ (١). (وَلَمْ تَجِبْ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ) على المسْتَأْجِر؛ لأِنَّهما دَخَلَا على ذلك؛ لِرِضاهُما بالقَلْعِ، (إِلاَّ بِشَرْطٍ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. فإن اتَّفَقا على إبقائه (٢) بأُجْرةٍ أو غيرِها؛ جاز إذا شَرَطَا (٣) مُدَّةً مَعْلومَةً. وظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ: أنَّ لِلمُستَأْجِر أنْ يَغرِسَ ويَبْنِيَ قَبل انْقِضاء المدَّة إذا استأْجَرَها لذلك، فإذا انقضَتْ فلا. (وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ بَقَاؤُهُ بِتَفْرِيطِ الْمُسْتَأْجِرِ)، مِثْلَ أنْ يَزْرَعَ زَرْعًا لم تَجْرِ العادةُ بكماله قبل انْقِضاء المدَّة؛ (فَلِلْمَالِكِ أَخْذُهُ بِالْقِيمَةِ)، ما لم يَخْتَر المسْتَأْجِر قَلْعَ زَرْعه في الحال، وتفريغَ الأرض؛ فله ذلك، ولا يَلزَمُه. وقيل: للمالك أخْذُه بنَفَقَته. (أَوْ تَرْكُهُ بِالْأُجْرَةِ)؛ أيْ: بأُجْرة المِثْل لما زاد على المدَّة؛ لأِنَّه أبْقَى زَرْعَه في أرضِ غَيرِه بعُدْوانه؛ كالغاصِب. وذَكَرَ القاضِي: أنَّ على المسْتَأْجِر نَقْلَ الزَّرع، وتَفْريغَ الأرض. وإن اتَّفقا على تَرْكِه بِعِوَضٍ أو غَيرِه؛ جازَ.

стр. 3260

(وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ)، مِثْلَ أنْ يَزْرَع زَرْعًا يَنْتَهِي في المدَّة عادةً، ثمَّ يَتَأخَّرُ لِبَرْدٍ أو غَيرِه؛ (لَزِمَ تَرْكُهُ بِالْأُجْرَةِ)؛ لِحُصول زرعه في أرضِ غَيرِه بإذْنه من غَيرِ تفريطٍ، فهو كما لو أعاره أرْضًا، فَزَرَعها، ثُمَّ رَجَعَ المالك قَبْلَ كَمالِ الزَّرْع. فَرْعٌ: إذا أراد المسْتَأْجِرُ زَرْعَ شَيءٍ لا يُدْرَك مِثْلُه في مدَّة الإجارة؛ فللمالك مَنْعُه، فإنْ زَرَعَ؛ لم يَمْلِكْ مُطالَبَتَه بقَلْعِه قَبْلَ المدَّة؛ لأِنَّه في أرضٍ مَلَكَ نَفْعَها. فلو اكْتَراها مُدَّةً لزَرْعِ ما لا يَكمُلُ فيها، وشَرَطَ قَلْعَه عِنْدَ فَراغِها؛ صحَّ، وإنْ شَرَطَ البَقاءَ حتَّى يَكْمُلَ (١)، أو سَكَتَ؛ فَسَدَ العَقْدُ، فإذا فَرَغَت المدَّةُ والزَّرعُ قائمٌ؛ فهو كمُفرِّطٍ في الأصحِّ. (وَإِذَا تَسَلَّمَ الْعَيْنَ فِي الْإِجَارَةِ الفَاسِدَةِ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) لِمدَّة بَقائِها في يَدِهِ، (سَكَنَ أَوْ لَمْ يَسْكُنْ)؛ لأِنَّ المنافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِه بِعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فَرَجَع إلى قِيمتِها؛ كما لو اسْتَوْفاهُ. ويَتَخرَّجُ على قَولِ أبِي بَكْرٍ: أنَّه يَضْمَنُ بالأُجْرة المسَمَّاة، واخْتارَهُ الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٢)، وذَكَرَ أنَّه قِياسُ المذْهَبِ؛ أَخْذًا له من النِّكاح. وعن أحمدَ: لا شَيءَ له؛ لأِنَّه عَقْدٌ فاسِدٌ على منافِعَ لم يَسْتَوْفِها، فلم يَلزَمْه عِوَضُها كالنِّكاح الفاسِدِ. فأمَّا إنْ بَذَلَ التَّسْليم في الإجارةِ الفاسِدةِ، فلم يَتَسَلَّمْها؛ فلا أجْرَ عليه؛ لأِنَّ المنافِعَ لم تَتْلَفْ تَحْتَ يَدِه. فَرْعٌ: المبِيعُ بعَقْدٍ فاسِدٍ؛ كمُسْتَعِيرٍ فَقَطْ، ذَكَرَه في «المجرد» و «الفصول»
следующие страницы →