← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فإن نوى أحدهما؛ ارتفع وحدَه. وعلى الأول: لو نوى رفع الحدث، أو استباحة الصَّلاة، أو أمرًا لا يباح إلَّا بوضوء واغتسل؛ ارتفعا، وظاهِر كلامِ جماعةٍ عكسُه؛ كالثَّانية. قال ابن حامد: الجنابة المجرَّدة عن حدث قبلَها أو بعدَها لا يجب سوى الغسل، ذكره ابن عبد البَرِّ إجماعًا (١). وذكر في «الشرح»: لو اغتسل إلَّا أعضاء الوضوء؛ لم يجب الترتيب فيها؛ لأنَّ حكم الجنابة باقٍ. وقال ابن عَقيل والآمِدِي فيمن غَسل جميع بدنه إلَّا رجليه، ثمَّ أحدث: يجب الترتيب في الأعضاء الثلاثة؛ لاِنفرادِها في الأصغر، دون الرِّجلين؛ لبقاء حدث الجنابة عليهما، فيغسلهما عن الجنابة، ثمَّ يتوضَّأ في بقية أعضائه. وإن نوت من انقطع حيضها بغُسلها حِلَّ الوطء؛ صحَّ. وقيل: لا؛ لأنَّها إنَّما نوت ما يوجِب الغُسل، وهو الوطء، ذكره أبو المعالي. (وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ) ولو أنثى، وحائض ونفساء بعد انقطاع الدم، (إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَوْ الْأَكْلَ) أو الشرب أو (الْوَطْءَ (٢): أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ)؛ لإزالة ما عليه من الأذى، (وَيَتَوَضَّأَ)؛ رُوي ذلك عن عليٍّ (٣) وابنِ عُمرَ ﵄ (٤).

стр. 352

أمَّا كونه يستحبُّ بالنَّوم؛ فلما روى ابن عمر: أنَّ عمر قال: يا رسول الله! أيرقد أحدُنا وهو جنبٌ؟ قال: «نعم إذا توضَّأ فليرقد (١)» (٢)، وعن عائشة قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب (٣)؛ غسل فرجه، وتوضَّأ وضوءه للصلاة» متَّفق عليهما (٤). وفي كلام أحمد ما يقتضي وجوبَه، قاله (٥) الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٦). والأصحُّ خلافه؛ لما روت عائشة قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ ينام وهو جنب، ولا يَمَسُّ ماءً» رواه الخمسة، قال يزيد بن هارون: (هذا الحديث وهَم)، وضعَّفه أحمد وغيره، وصحَّحه آخرون (٧)، فيحمل على الجواز، والأوَّلان على الاستحباب؛ للجمع، ويكره تركه في الأصحِّ. وأمَّا كونه يستحَبُّ للأكل والشرب؛ فلما روت عائشة قالت: «رخَّص رسول الله ﷺ للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضَّأ وضوءه للصَّلاة» رواه أحمد بإسناد صحيح (٨).

стр. 353

وعنه: يَغسِل يديه، ويتمضمض. وأمَّا كونه يستحبُّ لمعاودة الوطء (١) وفاقٌ (٢)؛ لما روى أبو سعيد: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم أهله، ثمَّ أراد أن يعاود (٣)؛ فليتوضَّأ بينهما وضوءًا» رواه مسلم، ورواه ابن خزيمة والحاكم، وزاد: «فإنَّه أنْشط للعَوْد» (٤)، ولا يكره تركه في المنصوص (٥). وغسله عند كلِّ مرَّة أفضل. وعنه: أنَّ ذلك خاصٌّ بالرَّجل؛ لأنَّ عائشة أخبرت عنه (٦) بالوضوء، ولم تذكر أنَّها كانت تفعله، ولا أمرها به مع اشتراكهما في الجنابة. ومن أحدث بعده؛ لم يُعِدْه في ظاهر كلامهم؛ لتعليلهم بخفَّة الحدَث أو بالنَّشاط، (وظاهر كلام شيخنا (٧): يتوضَّأ؛ لمبيته على إحدى الطهارتين) قاله (٨) في «الفروع».

стр. 354

مسائل: الأولى: كرِه أحمد بناء الحمَّام، وبيعَه، وإجارتَه، قال (١): من بنى حمَّامًا للنِّساء ليس بعدل (٢)، وحرمه (٣) القاضي، وحمله الشَّيخ تقيُّ الدِّين على غير البلاد الباردة (٤). ويُكره كسب الحمَّامي، وفي «نهاية» الأزَجي: الصَّحيح: لَا. الثَّانية: له دخوله بشرط أن يَستُر عورتَه، ويغُضَّ بصرَه عن عوراتِهم، ولا يمسَّ عورة أحد، ولا يُمكِّنَ أحدًا من مسِّ عورته، وقال ابن البنَّاء: يكره، وجزم به في «الغنية»، واحتجَّ: بأنَّ أحمد لم يدخله لخوف وقوعه في محرَّم، وإن علمه (٥) حرم. وفي «التلخيص» و «الرعاية»: له دخوله مع ظنِّ السَّلامة غالبًا، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (الأفضل تجنُّبها بكلِّ حال مع الاستِغناء عنها؛ لأنَّها ممَّا أحدث النَّاس من رقيق العيش) (٦). الثالثة: للمرأة دخوله لعذر، وإلَّا حرُم، نصَّ عليه (٧)، وكرهه بدونه جماعة، وفي «عيون المسائل»: لا يجوز لها دخوله إلَّا من علَّة يصلحها الحمَّام. واعتبر القاضي والمؤلِّف مع العذر: تعذُّر غُسلها في بيتها لخوف ضرر ونحوه، وظاهر كلام أحمد وجماعة خلافه.

стр. 355

وقيل: اعتياد دخولها عذرٌ؛ للمشقَّة. وقيل: ولا تتجرَّد، فتدخله في قميص خفيف، وأومأ إليه (١). الرابعة: ثمن الماء؛ على الزوج، أو عليها، أو ماء الجنابة عليه فقط، أو عكسه؟ فيه أوجه، وماء الوضوء كالجنابة، ذكره أبو المعالي. قال في «الفروع»: ويتوجَّه: يلزم السَّيِّد شراء ذلك لرقيقه، ولا يتيمَّم في الأصحِّ. الخامسة: تُكره القراءة فيه في المنصوص، ونقل صالح: لا يعجبني (٢)؛ لنهي عمر عنه، رواه ابن بطَّة (٣)، وظاهره (٤): ولو خفض صوته، وذكر ابن عبد البَرِّ قال: سئل مالك عن القراءة فيه، فقال: (القراءة بكلِّ مكان حسن، وليس الحمَّام بموضع قراءة، فمن قرأ الآيات فلا بأس) (٥).

стр. 356

وكذا السَّلام في الأشهر، ورخَّص فيه بعضهم كالذِّكر؛ فإنَّه حَسَنٌ؛ لما روى النَّخَعي: أنَّ أبا هريرة دخل الحمَّام فقال: «لا إله إلا الله» (١)، وعن سفيان قال: «كانوا يستحبون لمن دخله أن يقول: يا برُّ يا رحيم، مُنَّ، وقنا (٢) عذاب السموم» (٣). وسطحه ونحوه كبقيته، قال في «الفروع»: ويتوجَّه فيه كصلاةٍ. السادسة: إذا اغتسل بحضرة أحد من بني آدم؛ وجب عليه ستر عورته، وإن لم يحضره أحد؛ فينبغي أن يستتر بسقف أو حائط أو نحوهما، وألا يرفع ثوبه حتَّى يدنُوَ من الأرض، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (وهو أوكد) (٤). فإن تجرَّد في الفضاء واغتسل؛ جاز مع الكراهة، وقيل: لا يكره كما لو استتر بحائط، وذكر القاضي في كراهة كشف العورة للاغتسال في الخلوة روايتين. السابعة: يكره الاغتسال في مستحَمٍّ أو ماءٍ عُريانًا. وعنه: لا، اختاره جماعةٌ وفاقًا، وقال أحمد: (لا يعجبني، إنَّ للماء سُكَّانًا، قاله الحسن) رواه أبو حفص العُكبري (٥)،

стр. 357

واحتجَّ أبو المعالي للتحريم خلوةً بهذا الخبر، والله أعلم (١).

стр. 358

(بَابُ التَّيَمُّمِ) التَّيمُّم في اللُّغة: القصد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المَائدة: ٢]؛ أي: قاصدين، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٧]، يقال: يمَّمت فلانًا، وتيمَّمته، وأَمَمْتُهُ: إذا قصدته، قال الشاعر العذري (١): وما أدري إذا يمَّمْتُ أرضًا … أُريدُ الخيرَ أيُّهما يَلِيني آلخيرُ الذي أنا مبتغيه … أمِ الشَّرُّ الذي هو يَبْتَغِينِي وفي الشرع؛ قيل: هو عبارة عن قصد شيء مخصوص - وهو التراب الطَّاهر -، على وجه مخصوص - وهو مسح الوجه واليدين -، من شخص مخصوص- وهو العادم، أو من يتضرَّر باستعماله - زاد ابن المنجى: بنيَّة مخصوصة. وأحسن منه: مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد. وهو ثابِتٌ بالإجماع، وسَنَدُه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وحديث عمَّار وغيره (٢)، وهو من خصائص هذه الأمَّة؛ لأنَّ الله تعالى لم يجعله طَهورًا لغيرها؛ توسعةً عليها، وإحسانًا إليها. (وَهُوَ) أي: التَّيمُّم (بَدَلٌ) عن الماء؛ لأنَّه مرتَّب عليه، يجب فعله عند عدمه، ولا يجوز مع وجوده إلَّا لعذر، وهذا شأن البدل (٣).

стр. 359

وهو مشروع لكلِّ ما يفعل بالماء عند العجز عنه شرعًا (١)؛ كمسِّ المصحف، قال المؤلِّف: إن احتاجه، سوى جنب وحائض ونفساء انقطع دمهما في صورة تقدَّمت. (لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ): (أَحَدُهُمَا: (٢) الْوَقْتُ، فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ) في الصَّحيح من المذهب؛ لأنَّ القائم إلى الصَّلاة أُمِر بالوضوء؛ فإن لم يجده تيمَّم، وهذا يقتضي ألا يفعله إلَّا بعد قيامه إليها وإعوازه الماء، والوضوء إنَّما جاز قبل الوقت؛ لكونه رافعًا للحدث، بخلاف التَّيمُّم؛ فإنَّه طهارة ضرورةٍ، فلم يجز قبل الوقت؛ كطهارة المستحاضة. وعنه: يجوز قبل الوقت، قال القاضي (٣): (القياس أنَّ التَّيمُّم بمنزلة الطَّهارة حتَّى يجد الماء أو يُحدِث)، فعلى هذا يجوز قبله كالماء، ويشهد له عموم قوله ﷺ : «الصَّعيد الطَّيِّب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» (٤)، ولأنَّه بدل، فيتساوى بمبدله (٥) إلَّا ما خرج بدليل؛ كالإطعام (٦) مع العتق في الكفَّارة، واختاره الشَّيخ تقي الدِّين (٧)، ولقد أبعد عبد العزيز في حكايته الإجماع على منع التَّيمُّم قبل الوقت.

стр. 360

(وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَنْه)؛ لأنَّه ليس بوقت لها. فعلى ما ذكره: وقت المكتوبة دخول وقتها، والفائتة كل وقت، وكذلك المنذورة على المذهب، وصلاة الاستسقاء باجتماع النَّاس، والصَّلاة على الميت بفراغ طُهره، لكن يقال: شخص لا يصحُّ تيمُّمه حتَّى يمَّم (١) غيرَه، وصلاة الكسوف به إن أجيزا في وقت نهي، وإلَّا فمقيَّد بخروجه، وجميع التطوُّعات بجواز فعلها. (الثَّانِي: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ)؛ لأنَّ غير العاجز يجد الماء على وجه لا يَضُرُّه، فلم يتناوله النصُّ، (لِعَدَمِهِ)، حَضرًا كان أو سفَرًا، قصيرًا كان أو طويلاً، مباحًا أو غيرَه، هذا هو المذهب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، دلَّ بمُطلَقِه على إباحته في كلِّ سفر؛ إذ السَّفر القصير يكثر، فيكثر فيه عدم الماء، فلو لم يجز التَّيمُّم إذن؛ لأفضى إلى حرج ومشقَّة، وهو ينافي مشروعية التَّيمُّم، ولأنَّه عزيمة لا يجوز تركه (٢) بخلاف الرُّخص؛ لحديث أبي ذر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الصَّعيد الطَّيِّب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليمسَّه بشَرته، فإنَّ ذلك خير» رواه أحمد، والنَّسائي، والتِّرمذي وصحَّحه، لكنَّه من رواية عمرو بن بُجْدان (٣)، ولم يَرو عنه غير أبي قلابة، وقد قيل لأحمد: معروف؟ قال: (لا)، وروى أبو بكر البزار معناه من حديث أبي هريرة، وصحَّحه ابن القطَّان (٤).

стр. 361

فلو خرج من المصر إلى أرض من أعمالِه لحاجةٍ؛ كالحراثة والاحتطاب ونحوهِما، ولا يمكنه حمل الماء معه، ولا الرجوع للوضوء إلَّا بتفويت حاجتِه؛ فله التَّيمُّم، ولا إعادة عليه في (١) الأشهر. وقيل: بلى؛ لأنَّه كالمقيم. ولو كانت الأرض التي يخرج إليها من عمل قرية أخرى؛ فلا إعادة. وكذا إذا تيمَّم وصلَّى في سفر المعصية، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (ويتخرَّج أنَّه يعيد) (٢). وقيل: يختص بالسَّفر المباح الطويل. وعن أحمد فيمن عَدِم الماء في الحضر: لا يصلِّي حتَّى يجد الماء أو يسافر (٣)، اختارها الخلَّال؛ لأنَّ ظاهر الآية يقتضي جوازَه بحالة عدم الماء في السَّفر، وإلَّا لم يكن للتَّقييد به (٤) فائدة. وجمهور الأصحاب على ما ذكره المؤلِّف؛ لخبر أبي ذرٍّ، ولأنَّه عادِم أشبه المسافِر، والتَّقييد بالسَّفر خرج مخرج الغالب؛ لأنَّه محل العدم غالبًا. فعلى الأصحِّ: لا إعادة ولو حضرًا؛ لأنَّه أتى بما أُمِر به. وعنه: يعيد الحاضِر؛ لأنَّه عُذرٌ نادِر، وفيه وجه: إن لم يطُل العدم.

стр. 362

تنبيه: إذا عجَز المريض عن الحركة أو عمَّن يُوضئه؛ فكالعادِم، وإن خاف فوت الوقت إن انتظر من يوضئه؛ فالأصحُّ: يتيمَّم ويصلِّي، ولا إعادة. (أَوْ لِضَرَرٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ مِنْ جُرْحٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٩]، ولحديث جابر في قصَّة صاحب الشَّجَّة، رواه أبو داود والدَّارقطني (١)، وكما (٢) لو خاف من عطَش أو سَبُع. وهذا مع الخوف في استعماله، فإن (٣) لم يخف؛ لزمه استعمال الماء كالصَّحيح. والخوف المبيح: هو زيادة المرض أو بطؤه، لا خوف التلف. (أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ)؛ للنَّصِّ، ولحديث عمرو بن العاص قال: احتلمْتُ في ليلةٍ بارِدةٍ في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمَّمت، ثمَّ صلَّيت بأصحابي صلاة الصُّبح، فذُكر ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: «يا عمرو! صلَّيت بأصحابك وأنت جنب؟!» قلت: ذكرتُ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٩]، فضحك النبي ﷺ ، ولم يقل شيئًا. رواه أحمد وأبو داود (٤)، ولأنَّه خائِف على نفسه أشبه المريض.

стр. 363

وعنه: لا يتيمَّم لخوف البرد؛ كمن قدر على تسخين الماء في الوقت، قال في «الشرح» وغيره: متى أمكنه تسخين الماء أو استعماله على وجه يأمن الضَّرر بأنه كلَّما غسل عضوًا ستره؛ لزمه ذلك. وظاهر المتن: أنَّه لا إعادة، وهو الصَّحيح كالمريض. وعنه: بلى مطلقًا. وعنه: يعيد الحاضر فقط؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِر. مسألة: إذا خاف البَرْدَانُ سقوطَ أصابِعِ قَدميه بخَلع (١) خُفَّيْهِ؛ سقطَ المسحُ، وكفى غسلُ غيرِهما، وتيمَّم لترك مسحِ حائلِ رجليه إن كان به مانِعٌ. وإن قدر على غسل بعض عضو؛ تيمَّم للباقي. فرع: إذا أعاد القادِرُ أو البَرْدانُ الصَّلاةَ؛ فالْأُولَى فَرْضُه، قاله أبو المعالي. وفيه وجْهٌ: الثَّانيةُ، وهو الأصحُّ عند جمهور الشّافِعيَّة. وللشَّافِعيِّ قوْلٌ: فرضُه إحداهما لا بِعيْنها. وله قولٌ: كِلاهُما فَرْضٌ، واختاره القَفَّال، والفُورَانِيُّ (٢) وصاحِب

стр. 364

«الشَّامِل» (١)، قال الشَّيْخ مُحيِي الدِّين: (وهو قَوِيٌّ؛ فإنَّه مكلَّفٌ بهما) (٢)، واختاره الشَّيخ تقِيُّ الدِّين في «شرح العمدة» (٣). (أَوْ مَرَضٍ)؛ لقوله تعالى: الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وإذا جاز لشدَّة البرْد، فَلَأَنْ يجوز للمريض بطريق الأولى، وشرطُه: أنَّه (يَخْشَى زِيَادَتَهُ أَوْ تَطَاوُلَهُ)؛ لأنَّ مَنْ لا يخشى ذلك لا يَخاف الضَّرَرَ، ولأنَّه يجوز له التَّيمُّم إذا خاف ذهابَ شيْءٍ من ماله، أو ضررًا على نفسِه من سَبُعٍ ونحوِه، فهنا أَوْلَى، ولأنَّ تركَ القِيام في الصَّلاة، وترك الصَّوم في المرض لا يَنحصِر في خوف التَّلَف، فكذا هنا. وعنه: لا يُبيحه إلَّا خوفُ التَّلَف؛ كما إذا جَبَرَ زَندَه بعَظْمٍ نَجِسٍ. والأوَّل أَوْلى؛ لأنَّ مقتضى الآية إباحتَه لكلِّ مريضٍ، تُرك العمل به فيمن لا يَخشى، فيَبْقَى ما عَداه على مقتَضاها. (أَوْ عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ)؛ حكاه ابن المنذر إجماعًا (٤)، وسنَدُه ما رُوي عن علي ﵁ أنَّه قال في الرَّجُل يكون في السَّفَر فتُصيبُه الجَنابةُ، ومعه

стр. 365

الماءُ القليلُ يخاف أن يَعطَشَ: «يتيمَّم ولا يَغتَسِل» رواه الدَّارقطني (١)، ولأنَّه يخشى الضَّرَرَ على نفسِه، أشبه المريض بل أوْلى. (أَوْ رَفيقِهِ) المحتَرَمِ؛ لأنَّ حُرْمة الآدمِيِّ تُقدَّم على الصَّلاة، بدليل ما لوْ رَأَى حريقًا عند ضِيقِ وقتِها؛ فيتركُها ويخرج لإنقاذه، فلَأن يقدَّم على الطَّهارة بالماء بطريق الأولى، قال أحمد: (عدة (٢) من الصَّحابة تيمَّموا، وحبَسوا الماء لسقايتهم) (٣)، ولا فرق بين المُزامِل (٤) له، أو واحِدٍ من أهل الرَّكْب؛ لأنَّه لا يخلُّ بالمُرافَقَةِ. ودَفْعُه إلى عطْشانَ يخشى تلَفَه؛ واجِبٌ، وصرَّح به في «المغني» وغيره، وقيل: يُستحبُّ، اختاره أبو بكْرٍ والقاضِي. والأصوبُ كما ذكره الزَّرْكشي: أنَّهما (٥) في حَبْس الماء لعَطَشِ الغيْرِ

стр. 366

المتوقَّعِ، واختار الشَّريف وابن عَقِيل وُجُوبَه. فإن مات صاحبُه، ورُفْقَتُه عِطاش؛ يمَّموه وغرِموا للورثة الثمنَ وقت إتْلافه في مكانه. وظاهِر ما في «النهاية»: إن غرموه فيه فبمثله. وقال أبو بكر: الميِّت أولى به؛ لأنَّه ملكه. وقيل: إن خافوا الموتَ؛ فَهُمْ أوْلى، وإلَّا فلا، صحَّحه ابن حمدان. وهل يُؤثِر أبوَيه لغسلٍ (١) ووضوءٍ ويَتَيمَّم؟ فيه وجهان. (أَوْ بَهِيمَتِهِ)، وكذا إن كانت لغيره؛ لأنَّ للرُّوحِ حُرمةً، وسقيُها واجِبٌ، وقصَّةُ البَغِيِّ مشهورةٌ (٢)، ويُشتَرط فيها أن تكونَ محتَرَمةً حتَّى كلبَ صَيدٍ، لا عَقُورٍ وخنزيرٍ. فرع: إذا وجد العطشانُ ماءً طاهِرًا ونجِسًا؛ شَرِب الطَّاهِرَ وتيمَّم، وأراق النَّجِسَ إن استغنى عنه، سواءً كان في الوقت أو قبلَه. وذَكَر الْأَزَجِيُّ: يشرَب النَّجِسَ؛ لأنَّ الطَّاهِرَ مستحَقٌّ للطَّهارة، فهو كالمعدوم. وجوابُه: أنَّ شُرْب النَّجِس حرامٌ. فإن خاف على نفسه العطَشَ؛ تيمَّم وحبس الطَّاهر، نصره في «المغني» و «الشَّرح»؛ كما لو انفرد. وقال القاضي: يتوضَّأ بالطَّاهر، ويحبِس النَّجِس لشربه. وإن أمكنه أن يتوضَّأ به ثمَّ يجمعه ويشربه، قال في «الفروع»: فإطلاق

стр. 367

كلامهم لا يلزمه؛ لأنَّ النَّفْس تَعافُه، ويتوجَّه احتمالٌ. (أَوْ خَشْيَةٍ (١) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ)؛ كمن بيْنه وبين الماء سَبُعٌ أو عدُوٌّ أو حريقٌ، أو يخاف إن ذهب إلى الماء شُرُودَ دابته أو سَرِقتَها، أو فَوتَ رُفْقته؛ لأنَّ في طلبه ضرَرًا، وهو منفِيٌّ شرْعًا. وكذا إن خافت امرأة على نفسها فُسَّاقًا؛ لم يلزمها المُضِيُّ، نصَّ عليه (٢)، قال المؤلِّف وغيره: بل يحرُم خروجها إليه، ولا إعادة على المذهب. وقدَّم في «الرِّعاية» خلافَه. وعنه: الوقف. وكذا إذا (٣) خاف غريمًا يطالبه، ويعجِز عن وفائه. وعلى الأوَّل: لو كان خوفُه جُبْنًا؛ لم يَجُز له التَّيمُّمُ، نصَّ عليه (٤). وفيه وجه: يباح له إذا اشتدَّ خوفُه، ويعيد؛ لأنَّه بمنزلة الخائِف لسَبَبٍ. فإن كان خوفُه لسبب ظنَّه، فتيمَّم وصلَّى، فبان خلافه؛ ففي الإعادة وجهان؛ أصحُّهما عند الشَّيخ تقيِّ الدِّين وجماعةٍ: أنَّه لا يعيد؛ لكثرة البَلوى به (٥). (أَوْ تَعَذُّرِهِ، إِلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ (٦)، أقول (٧): متى وَجَدَ ماءً بثَمَنِ مثلِه عادةً مكانَه غالِبًا، وقيل: بل أجرة نقله إلى مكان بيعه، وهو قادِرٌ عليه، غنِيٌّ عنه، فاضلًا عن نفقةِ نفسه، وقضاءِ دَيْنِه، ونَفَقَةِ حيَوان محترَمٍ؛

стр. 368

لزِمَه شراؤه؛ لأِنَّه قادِرٌ على استعماله من غير ضَرَرٍ، ولأنَّه يلزمه شِراءُ (١) ستْرِ عورته للصلاة، فكذا هنا. فإذا كثرت الزيادةُ على ثمن المِثْلِ؛ فلا يلزمه شِراؤُه؛ لأنَّها تجعل الموجود حِسًّا كالمعدوم شَرْعًا. وقيَّده في «المغني»: بما إذا أجْحفت بماله؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا، فلو كثرت من غير إجحاف (٢) بماله؛ فوجهان. وظاهِره: أنَّه إذا كانت يسيرةً؛ فإنَّه يلزمه شراؤه، وهو كذلك على الأصحِّ؛ كضَرَرٍ يَسيرٍ في بدنِه من صُداع أو بَردٍ، فهنا أولى، ولأنَّ القُدْرة على ثمن العَيْن كالقدرة عليها في المنع من الانتقال إلى البدَل (٣)؛ كما لو أُبِيعت بثمن مثلها. وعنه: لا يلزمه شراؤه مع زيادة مُطْلقًا؛ لأنَّ عليه ضررًا بالزيادة؛ كما لو خاف لِصًّا يأخذ من ماله ذلك. فرع: إذا بُذِل له بثمن في الذِّمَّةِ يَقْدِر على أدائه في بلده؛ لم يلزمه في الأصحِّ، واختاره أبو الحسن (٤) الآمِدي؛ لأنَّ عليه ضررًا في بقاء الدَّين في ذمَّته، وربَّما تلِف مالُه قَبْل أدائه، وكالهَدْيِ. وقال القاضي: يلزمه؛ كالكفَّارة في شراء الرَّقَبة. وأجيب: بأنَّ الفرض متعلِّق بالوقت، بخلاف المكفِّر. وظاهره: أنَّه إذا لم يكن له في بلده ما يُوفِّيه؛ لم يلزمه شراؤه، وصرَّح به في «المغني» وغيره؛ لأنَّ عليه ضررًا.

стр. 369

(أَوْ ثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ)؛ لأنَّ العجزَ عن الثَّمن يُبيح الاِنتقال إلى البدل، دليله العجز عن ثمن الرَّقبة في الكفَّارة. فلو وُهِب له الماءُ؛ لزِمَه قَبوله في الأصحِّ، لا ثَمَنُه في الأشهَرِ؛ لأنَّ فيه مِنَّةً. وحَبْلٌ ودَلْوٌ كماءٍ، ويلزَمُه قَبولُهما (١) عَارِيَّةً. وإن استغنى صاحِبُ الماء عنه ولم يبذُلْه؛ لم يكن له أخذُه قَهْرًا؛ لأنَّ له بدَلًا. ومن ترك ما لزمَه قَبولُه وتحصيلُه من ماءٍ وغيرِه، وتيمَّم وصلَّى؛ فإنَّه يعيد. (فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا) وتضرَّر؛ (تيَمَّمَ لَهُ وَغَسَلَ الْبَاقِيَ)، يعني: أنَّ الجريح يتيمَّم للمحتاج، ويغسل غيره، ولا يعتبر الأكثر؛ لقصَّة صاحب الشّجَّة: «إنَّما كان يكفيه أن يتيمَّم، ويعصب على جرحه، ثمَّ يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» (٢)، وظاهِر الخَبَر: يجمع بين المسح والتَّيمُّم، ولم يذكره المؤلِّف، وفيه روايتان: إحداهما: يجب الجمع لهذا (٣). والثَّانية: لا؛ لأنَّه جمع بين بدَل ومُبْدَلٍ؛ كالصِّيام والإطعام، والخبر محمول على جواز المسح بعد ذلك، ولذلك ذكره (٤) ب «ثمَّ» المقتَضِية للتَّراخِي، ولأنَّ المكلَّف له استطاعة على التَّطهير بالماء في بعض البدن، فلزمه، والتَّيمُّم لما لم يُصِبْه، والطَّهارةُ شرْطٌ للصَّلاة، فالعجز عن بعضها لا

стр. 370

يوجِب سقوط جميعِها؛ كالسِّتارة. فعلى هذا؛ يَغسل من الصَّحيح ما لا ضرر في غسله، فإن لم يمكنه ضَبطه؛ لزمه أن يَستَنِيبَ إن قَدَر، وإلَّا كفاه التَّيمُّم. ثمَّ إن أمكنه مسْح الجُرح بالماء؛ لزمه مع التَّيمُّم كما سبق، نصَّ عليه (١)، وقدَّمه ابن تميم؛ لأنَّ الغسل مأمور به، والمسح بعضُه، فوجب؛ كمن عجز عن الرَّكوع والسُّجود، وقدر على الإيماء. وعنه: لا يحتاج إلى تيمُّم. وعنه: يكفيه التَّيمُّم وحده، اختاره الخِرَقِيُّ؛ لأنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يجمع فيه بين المسح والتَّيمُّم؛ كالجَبِيرَةِ. ومحلُّ الخلاف: ما لم يكن الجرح نجِسًا، فإن كان نجِسًا؛ فقال في «التلخيص»: يتيمَّم ولا يمسح، ثمَّ إن كانت النَّجاسة مَعْفُوًّا عنها أُلغيت، واكتفى بنيَّة الحدث، وإلَّا نوى الحدث والنَّجاسة إن شرطت فيها. وهل يَكتفِي بتيمُّم واحد؟ فيه وجهان. فعلى الأولى: إن عجز عن مسحه؛ تيمَّم وصلَّى على حسَب حاله، ولا إعادة. وقال القاضي: يمسح الجُرح بالتُّراب. وفيه نَظَرٌ. فإن كان على الجُرح عِصابةٌ أو لُصوق يضرُّه إزالتُها؛ فحكمُها سَبَقَ، وقال الآمِدِيُّ: يتيمَّم، وفي المسح معه روايتان. والجُنُبُ الجريح إن شاء بدأ بالغسل أو بالتَّيمُّم، وإن (٢) كان حدث الجريح أصغر؛ راعى التَّرتيبَ والموالاةَ، ويُعيد غسل الصَّحيح عند كل تَيَمُّمٍ في وجْهٍ.

стр. 371

وفي آخَرَ: لا ترتيبَ ولا موالاةَ، فعلى هذا لا يُعيد الغسلَ إلَّا إذا أحدث. (وَإِنْ (١) وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ؛ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي إِنْ كَانَ جُنُبًا)؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢)، ولأنَّه قَدَر على بعض الشَّرْط فلزِمَه؛ كالسُّتْرَةِ. وظاهِرُه: أنَّه يجِب استِعمالُ الماء قبل التَّيمُّم، وهو كذلك؛ ليتحقَّق (٣) العدم الذي هو شرط التَّيمُّم، وليتميَّز المغسول عن غيره؛ ليعلم ما يتيمَّم له. وعنه: لا يجب استعمال الماء مطْلَقًا؛ كالماء المستعمَلِ، فعلى هذا: يتيمَّم، وفي وجوب إراقته قبل التَّيمُّم روايتان، قاله ابن الزاغوني. فلو وجد الجُنُبُ ماءً يكفي أعضاء الحدث، زاد في «الرِّعاية»: وقد دخل وقت صلاة الفرض؛ غسلها بنية الحدَثيْن جميعًا، وتيمَّم للباقي، فتَحصُل له الصُّغرى وبعض الكبرى كما فعل عمر ﵁ (٤). (وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، أصحُّهما: يلزمه كالجُنُبِ، والثَّاني: لا، اختاره أبو بكر، وهما مبنِيَّان على وجوب الموالاة.

стр. 372

وقيل: يستعمله وإن قلنا بوجوبها، صحَّحها ابن تميم. واختار ابن حمدان: أنَّ الخلاف ينبني (١) على أنَّه هل يصحُّ كل عضو بنيَّة. وعلى الأول: إن كان يكفي بعض عضو؛ فوجهان. (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ؛ لَزِمَهُ طَلَبُهُ)، هذا هو المشهورُ، والمختارُ لعامَّة الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المَائدة: ٦]، ولا يُقال لم يَجِد إلَّا لمن طَلَبَ (٢)؛ لجواز أن يكون بِقُرْبِه ماء لا يعلمُه. ولا يَرِدُ قولَه تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعرَاف: ٤٤] لانتفاء الطلَب منهم، وكذا قوله ﵇: «من وجد لُقطة» (٣)؛ لأنَّ الكلام في جانب النَّفي لا الإثبات. فينتقِضُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعرَاف: ١٠٢]؛ لاستحالة الطَّلب على الله تعالى. وجوابُه أنَّه يقال (٤): طلب منهم الثَّبات على العهد. ولأنَّه بدَلٌ، فلم يجز العدول إليه إلَّا عند عدم مُبدَله، ولا يكون إلَّا بعد الطَّلب؛ كالصِّيام مع الرَّقبة في الكفَّارة، ومع الهدي في الحجِّ، والقياس مع النَّص، والميْتة مع المُذكَّى، ولأنَّه سبب للصَّلاة يختصُّ بها، فلزِمه الاجتهاد في طلبه عند الإعْوازِ كالقِبلة. ثُمَّ بيَّن صِفَةَ الطَّلَبِ فقال: (فِي رَحْلِهِ)؛ أي: مسكنِه، وما يَستَصحِبُه من

стр. 373

الأثاث، (وَمَا قَرُبَ مِنْهُ) عُرْفًا؛ لأنَّ ذلك هو الموضِعُ الذي يُطلَب فيه الماءُ عادةً. وقيل: قدر ميل أو فرسخ في ظاهر كلامه. وقيل: ما تَرَدَّدُ القوافل إليه للرعي والاحتطاب، ورجَّحه جماعةٌ. وقيل: مَدُّ نظرِه. وقيل: ما يدركه الغوثُ بشرط الأمن على نفسه وأهله وماله، وعدم فوت رفقته. ويطلبه في جهاته الأربع. وقال القاضي: لا يلزمه أن يمشيَ في طَلَبه ويعدِلَ عن طريقه. وإن ظنَّه فوق جبل؛ علاه، وإن ظنَّه وراءه؛ فوجهان مع الأمن. وإن وجد من له خِبرةٌ بالمكان؛ سأله، وإن كان له رفقة - زاد في «المغني» و «الشرح»: يَدِلُّ عليهم -؛ طلب منهم. وقال ابن حامد: لا يلزمه، فلو رأى خُضْرَةً أو شيئًا يدلُّ عليه قصده واستبرأه. ومحلُّ الطلب عند دخول الوقت، فلو طلب قبله جدَّده بعد دخوله؛ لأنَّه طلب قبل المخاطبة به؛ كالشَّفيع إذا طلبها قبل البيع، ويعيده في وقت كلِّ صلاة، ولا يُشتَرط أن يتيمَّم عقيبَه، بل يجوز بعده من غير تجديد طلب. (فَإِنْ دُلَّ)؛ أي: دلَّه ثِقَةٌ (عَلَيْهِ؛ لَزِمَهُ قَصَدُهُ)؛ لأنَّه قادِرٌ على استعمالِه (١) بقطع مسافَةٍ قريبةٍ (٢)؛ فلزمه كغيره من الشُّروط، ما لم يخف فَوتَ الوقت. وعنه: والبعيدُ كذلك. (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ الطَّلَبُ)، اختارها أبو بكر؛ لقوله ﵇: «التُّراب كافيك ما لم تجد الماء» (٣)، ولأنَّه غيرُ واجِدٍ، واعتِمادًا على ظاهر الحال؛ كالفقير لا يلزمه طلب الرَّقبة. ومحلُّ الخلاف كما ذكره ابن تميم وصاحب «التَّلخيص» و «الفروع»: إذا

стр. 374

احتُمل وجودُه ولم يكن ظاهِرًا، فإن قطع بِعَدَمه (١) لم يجب، ومع ظنِّ وجوده يجب، حكاه الزَّرْكَشِيُّ إجماعًا (٢). وعنه: لا يلزمه إن ظنَّ عدَمَه، ذكره في «التَّبصرة». تنبيه: لو مرَّ بماء قبل الوقت، أو كان معه فأراقه قبله، وعَدِم الماءَ؛ تيمَّم وصلَّى من غير إعادةٍ. وإن كان فيه؛ ففي الإعادة أوْجُهٌ، ثالِثُها: يجب في الإراقة فقط (٣). وإن وهبه أو باعه في الوقت؛ حَرُم، ولم يَصِحَّ في الأشهر؛ لتعلُّق حقِّ الله تعالى (٤)؛ كالأضحية، فهو عاجِز عن التَّسليم شرعًا. والثَّاني: يصحُّ؛ لأنَّ توجُّه الفرض وتعلُّقه به لا يمنع صحَّة التَّصرُّف؛ كتصرُّفه فيما وجب (٥) فيه الزَّكاة، وتصرُّف المدين. والفرق ظاهر. ويعيد إن صلَّى به مع بقائه، وفي التَّلف وجهان. (وَإِنْ نَسِيَ الْمَاءَ) - أو ثمنَه، قاله في «الفروع» توجيهًا -، (بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) على المذهب المنصوص؛ لأنَّ النِّسيان لا يخرجه عن كونه واجِدًا، وشرط إباحة التَّيمُّم؛ عدم الوجدان، ولأنَّها طهارة تجب مع الذِّكر، فلم تسقط بالنِّسيان؛ كالحدث، وكما لو نسي الرَّقَبة وكفَّر بالصَّوم، وكنسيان السُّترة. وعنه: يجزئه؛ لأنَّه مع النِّسيان غير قادِر، أشبه العادِمَ. ومثله الجاهِلُ به، فلو ضلَّ عن رحله الذي الماء فيه، أو كان يعرف بِئرًا

стр. 375

فضاعت عنه (١)؛ فقال ابن عقيل: يحتمل أن يكون كالنَّاسي. وصَحَّح في «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه لا إعادة؛ لأنَّه ليس بواجد، وغير مفرِّط، بخلاف النَّاسي. فإن كان مع عبده، ونسيه حتَّى صلَّى سيِّدُه؛ فقيل: لا يعيد؛ لأنَّ التَّفريط من غيره. وقيل: كالنَّاسي، كنسيانه رقبة مع عبده، لا يجزئه الصَّوم. فلو صلَّى ثمَّ وجد بقربه بِئرًا أو غديرًا؛ أعاد إن كان (٢) له علامةٌ ظاهِرةٌ، وإن كانت خفيَّة وطلب؛ فلا. (وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ)، أمَّا الأكبر؛ فلقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، والمُلامسةُ الجِماعُ، وعن عمران بن حُصَين: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجُلاً مُعتَزِلًا، لم يصلِّ مع القوم، فقال: «ما منعك (٣) أن تصلِّيَ؟» قال: أصابتني جنابةٌ، ولا ماءَ، فقال: «عليك بالصَّعيد؛ فإنَّه يكفيك» متَّفق عليه (٤)، والحائض إذا انقطع دمها كالجنب. وأمَّا الأصغر؛ فبالإجماع، وسنده: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ [المَائدة: ٦]، وقوله ﵇: «الصعيد الطيب طهور المسلم» (٥)، ولأنَّه إذا جاز للجُنُب جاز له من باب أولى. (وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا)؛ أي: يجوز التَّيمُّم للنَّجاسة على بدنه إذا عجز عن غسلها لخوف الضَّرر، أو عدَم (٦) الماء في المنصوص؛ لعموم حديث أبي ذرٍّ، ولأنَّها طَهارةٌ في البَدَن تُرادُ للصَّلاة، أشبهتِ الحدَث.

стр. 376

وقيل: لا يجوز التَّيمُّم لنَجاسةٍ أصلًا، اختاره ابن حامد وابن عَقيل؛ لأنَّ (١) طهارة الحدث يَسْرِي منعُها؛ كما لو اغتسل الجنب إلَّا ظُفُرًا؛ لم يَجُزْ له دخول المسجد، وهو قولُ أكثرِهم؛ لأنَّ الشَّرْع إنَّما ورد بالتَّيمُّم (٢) للحدث، وغسل النَّجاسة ليس في معناه؛ لأنَّ الغسل إنَّما يكون في محل النَّجاسة دون غيره، فعلى هذا: يصلِّي على حسب حاله، وفي الإعادة روايتان. وظاهره: أنَّه لا يتيمَّم لنجاسةِ ثوبه كالمكان، صرَّح به جماعة؛ لأنَّ البدَن له مدخل في التَّيمُّم لأجل الحدث، فدخل فيه التَّيمُّم لأجل النَّجس، وهو معدومٌ فيه. وقيل: يجوز إن جاز أسفل الخف. وكذا لا يُتيمَّم لنَجاسةِ استِحاضةٍ يَتعذَّر (٣) إزالتُها، ولا لنجاسة يعفى عنها. ولا تَجِبُ نِيَّة التَّيمُّم لها كغسلها، وكالاِستجمار. وفيه وجْهٌ: يجب؛ لأنَّ التَّيمُّم طهارةٌ حُكميةٌ، بخلاف غسل النَّجاسة. وإن اجتمع معها حدَث؛ فهل يحتاج إلى تَيمُّمَيْن؟ فيه وجهانِ. (وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَصَلَّى؛ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ) نصَّ عليه (٤)، واختاره الأكثرُ؛ لأنَّه وجَب عليه طهارةٌ نابَ عنها التَّيمُّمُ، فلم تجِبِ الإعادة؛ كطهارةِ الحدَثِ، (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)؛ لأنَّه صلَّى مع النَّجاسةِ، أشبهَ ما لو تَيمَّم. (وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ خَوْفًا مِنَ الْبَرْدِ، وَصَلَّى؛ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ):

стр. 377

إحداهما: لا يَجِبُ، وهو الأصحُّ؛ لأنَّه لم يَأمُرْ عَمْرَو بنَ العاصِ بالإعادة، ولو وجبت لأمره؛ لأنَّ تأخيرَ البيانِ عن وقت الحاجة مُمتَنِعٌ. والثَّانية (١): بلى؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ (٢)، فوجبت معه الإعادةُ؛ كنِسيانِ الطَّهارة، وقد تقدَّم ذلك. (وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ) زاد بعضهم: وطِينًا يجفِّفه إن أمكنه، والأصحُّ في الوقتِ؛ (صَلَّى) فَرْضًا فقطْ (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) في الصَّحيح من المَذهَبِ؛ لقوله ﷺ : «إذا أَمَرتُكم بأمر فأْتُوا مِنه ما استطعْتُم» (٣)، ولأنَّ العجز عن الشرْط لا يُوجِب ترك المشروط؛ كما لو عجز عن السترة والاستقبال. فعلى هذا: لا يَزيد في القراءة على ما يُجزِئُ، وفي «شرح العمدة»: (يتوجَّهُ فعلُ ما شاء؛ لأنَّ التَّحريمَ إنَّما يَثبُت مع إمكان الطَّهارة، ولأنَّ له أن يزيد في الصَّلاة على أداء الواجب في ظاهر قولهم، حتَّى لو كان جُنُبًا قَرأ بأكثرَ من الفاتحةِ، فكذا فيما يُستحَبُّ خارجَها) (٤)، وفيه نَظَرٌ، وجزم جَدُّه وجماعة بخلافه. ولا يَقرأ في غير الصَّلاة إذا كان جُنُبًا. قال ابن حَمْدان: ولا يزيد على ما يُجْزِئُ من طُمَأْنِينَة ونحوِها. وإنْ أحْدث فيها بَطلتْ، وهل تَبطُل بخروج الوقت وهو فيها؟ فيه (٥) روايتان. (وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ): أصحُّهُما: لا يُعِيد؛ لما رُوِي عن عائشة: «أنَّها

стр. 378

استعارتْ من أسماءَ قِلادةً (١)، فبعث رسولُ الله ﷺ رجالًا في طَلَبها، فوجدوها، فأدركتهم الصَّلاةُ وليس معهم ماءٌ، فصَلَّوْا بغير وُضوء، فشَكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ ؛ فأنزل اللهُ آيةَ التَّيمُّم» متَّفقٌ عليه (٢)، ولم يَأمُرْهم بالإعادة، ولأنَّه أحدُ شُروط الصَّلاة، فسقط عند العجْز؛ كسائِرِ شروطِها. والثَّانيةُ: بلى، واختاره (٣) الأكثرُ؛ لأنَّه فَقَدَ شرطَها، أشْبه ما لو صلَّى بالنَّجاسة، ولو بِتيمُّمٍ في المنصوص؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ لا يَشُقُّ، فلم تَسقُطْ (٤) به الإعادةُ، فعليها: إن قَدَر فيها، خرج منها (٥)، وإلَّا فكَمُتيمِّمٍ يَجِدُ الماءَ، وتَقدَّم أيُّهما (٦) فرضُه. (وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ)؛ أيْ: طَهورٍ مُباحٍ غيرِ مُحْتَرِقٍ، (لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ) هذا أشهرُ الرِّواياتِ عنه، واختاره الأكثرُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المَائدة: ٦]، وما لا غُبار له كالصخر؛ لا يمسح بشيء (٧) منه، وقال ابن عبَّاس: «الصَّعيدُ: تُرابُ الحرْث» (٨)، والطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ، يؤكِّده قوله ﵇: «وجُعِل لي التُّرابُ طَهورًا»

стр. 379

رواهُ الشَّافِعيُّ وأحمد من حديث علي، وهو حديثٌ حَسَنٌ (١)، فخَصَّ ترابَها بحُكم الطَّهارة، وذلك يقتضِي نفيَ الحُكْم عمَّا عَداه. وقول الخليل: (إنَّ الصَّعيدَ وجْهُ الأرض) (٢)، والزَّجَّاجِ، مُستدِلًّا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، وقائلًا بأنَّه لا يَعلم خلافًا بين أهل اللغة (٣)؛ يعارضه (٤) قولُ ابنِ عبَّاس، مع أنَّ قولهما بالنسبة إلى اللغة، وقوله بالنسبة إلى التفسير، وقد تأكَّد بقول صاحب الشريعة. وقال في «الكَشَّاف»: (إنَّ «مِنْ» لاِبتِداءِ الغاية قولٌ متَعسَّفٌ، ولا يَفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدُّهن، ومن الماء والتُّراب، إلَّا معنى التَّبْعيض، والإذعانُ للحقِّ أحقُّ من المِراءِ) (٥). والثَّانية، - وأَوْمأ إليها في رواية أبي داود - (٦): يجوز بالرَّمل والسَّبخة؛ لعموم قوله ﵊: «وجُعلت لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وجُعلت تربتُها لنا طَهورًا» رواه مسلم من حديث حذيفة (٧)، والتُّرابُ بعضُ

стр. 380

أفرادها، والتَّنصيص عليه لا يُخصِّص. وأجيب: بأنَّ التَّخصيص بالمفهوم، لا بذكر بعض الأفراد، وحمله الخلَّال على عدم التُّراب، وكان لهما غبارٌ، وشرَط القاضِي الغُبَارَ دون العدَم. وفي ثالثةٍ: يجوز بكلِّ ما تصاعد على وجه الأرض من جِصٍّ ونُورَة ونحوِهما، وحكاه في «الفروع» قولًا، وذلك عند العدم، لا مطْلقًا. وفي رابعة: يجوز بالسَّبخة فقط إذا كان لها غبار، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (وعليه (١) يُنَزَّلُ كلامُ أحمدَ) (٢). فعلى الأوَّل: يجوز بكل تراب على أيِّ لون كان، بشرط أن يكون له غبار يعلَق باليد، ومن ثَمَّ لو ضرب بيده على ترابٍ أو لِبَد أو شجرة أو شعير له غبار يعلق باليد؛ جاز التَّيمُّم به، نصَّ عليه (٣). وكذا لو سحق الطين وتيمَّم به، ولو كان مأكولًا؛ كالطِّين الأَرْمَنِي (٤)، إلَّا أن يكون بعد الطَّبخ، فلا يجزئه على المشهور؛ لأنَّ الطَّبخ أخرجه أن يقع عليه اسم التُّراب. وعُلم منه: أنَّه لا يصحُّ من مقبرة تكرَّر نبشها، وإن شكَّ فيه، فوجهان، ومنع منه ابن عقيل وإن لم يتكرَّر. والتُّراب المغصوب كالماء، قال الجد رحمه الله تعالى: (وظاهرُه: ولو تُرابَ مسجد، ولعلَّه غير مراد؛ فإنَّه لا يكره بتراب زمزم مع أنه مسجد، وقالوا: يكره إخراج

стр. 381

حَصَى المسجدِ وترابه للتَّبرك وغيره، والكراهة لا تمنع الصِّحةَ، ولأنَّه لو تيمَّم بترابِ غيرِه جاز في ظاهِرِ كلامهم؛ للإذن فيه عادةً وعُرفًا؛ كالصَّلاةِ في أرضِه). وقال عمر: «لا يتيمَّم بالثَّلْج» (١)، لكن إن لم يجد غيره وتعذَّر تذويبه فالمنصوص عنه (٢): أنَّه يمسح به أعضاء وضوئه، وفي الإعادة روايتان. وفي «المُغنِي»: لا يُجزِئه إلَّا بالجَرَيان. (فَإِنْ خَالَطَهُ ذُو غُبَارٍ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ كَالْجِصِّ وَنَحْوِهِ؛ فَهُوَ كَالْمَاءِ إِذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ)، هذه طريقةُ عامَّةِ أصحابنا؛ لأنَّه بدل، فيقاس على مُبدَلِه. وقيل: يمنع مطلقًا، قال ابن تَميم: وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه ربَّما حصل بالعُضو منه شَيِءٌ فمَنع وصولَ التراب، والمائعُ يُستهلَك (٣) في الماء. تنبيه: ما يَتيمَّم به واحد؛ كماءٍ (٤) مستعمَلٍ. وقيل: يجوز كما تيمَّم منه في الأصحِّ. وأَعجب أحمدَ حَمْلُ تُرابٍ (٥) للتَّيمُّم، وقال الشَّيخ تقي الدِّين: (لا)، قال

стр. 382

في «الفروع»: (وهو أظهر) (١). ويُكرَه نفخ الغبار عن يديه إن قلَّ. وعنه: أو كثُر. وعنه: لا يُكرَه مطلقًا إلَّا أن يذهب كلُّه بالنَّفْخ.

стр. 383

(فَصْلٌ) (وَفَرَائِضُ التَّيَمُّمِ أَرْبَعَةٌ: مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ، وَيَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المَائدة: ٦]، وفي البخاريِّ: «وضرب النَّبيُّ ﷺ بكفَّيه (١) الأرض، ونَفخ فيهما، ثمَّ مسح بهما وجهه وكفَّيه» (٢)، وذلك يقتضي وجوب استيعابهما به. فالوجه يجب مسحُ ظاهِرِه بما (٣) لا يشقُّ، فلا يمسح باطِنَ الفم والأنف، ولا باطن الشعر الخفيف، وظاهر «المستوعب»: استثناءُ باطن الفم والأنف (٤) فقط. واليدين إلى الكُوعين، فإن (٥) كان أقطعَ منه؛ وجب مسح موضع القَطْع في المنصوص (٦)؛ كما لو بقي من الكفِّ بقِيَّةٌ. وقال القاضي: لا يجب، بل يستحبُّ كما لو قُطِع من فوْق الكُوع على المنصوص (٧). (وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوالَاةُ) عُرْفًا (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا ظاهر المذهب؛ لأنَّهما فرض في المبدل، فكذا في البَدَل. والثَّانية، - وحكاها في «الفروع» قولًا -: لا يجبان وإن وجَبا في

стр. 384

الوضوء، وهو ظاهِر الخِرَقِيِّ؛ لظاهر الأحاديث. وقيل: التَّرتيبُ، قال المجْد: هو قياس (١)، ولهذا يجزئه مسح باطن أصابعه مع مسح وجهه. وظاهره يشمل الطَّهارة الكبرى؛ لأنَّها صفة واحدة، بخلاف الغسل والوضوء؛ فإنَّ صفتيهما مختلفة، وهو قول أبي الحسين. والمذهب: أنَّهما لا يَجِبان فيها، جزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع». وقيل: بلى. وقيل: موالاة (٢). والتَّسمية هنا كالوضوء. (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ)؛ كنجاسة على بدنه، فيَنوِي استباحة الصَّلاة من الجنابة والحدث إن كانا أو أحدهما، أو بعض بدنه أو كله، ونحوه، أو ما شَرْطه الطَّهارة؛ كمسِّ المصحف؛ لأنَّها طهارةُ ضَرورةٍ، فلم ترفَع الحدث؛ كطهارةِ المستحاضة، فلم يكن بدٌّ من التعيين؛ تقويةً لضعفه. فلو نوى رفعَ الحدث؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه لو وجد الماء لزمه استعماله لرفع الحدث الذي كان قبل التَّيمُّم إجماعًا، ولو رفعه لاستوى الجميع في الوجدان. ونقل عنه الفضل (٣)، وبكر بن محمَّد (٤): أنه يصلي به إلى حدثه، اختاره

стр. 385

أبو محمَّد الجوزي، والشَّيخ تقي الدِّين، فيرفع الحدث (١)؛ كطهارة الماء. وفيه حديثان متعارضان، حديث عمرو بن العاص، وحديث أبي ذر، وجمع بينهما بعض أصحابنا: بأنَّه لم يمنع من (٢) إطلاق الحدث عليه؛ لأنَّه بزوال البرد أو وجود الماء يظهر حكم الحدث، ويبطل التَّيمُّم، فالمانع لم يزل رأسًا، وفي الثَّاني: حكم بأنَّه طهور عند عدم الماء، فيستباح به ما يستباح بالماء. (فَإِنْ نَوَى جمِيعَهَا؛ جَازَ) للخبر، ولأن كلَّ واحدٍ يدخلُ في العموم فيكون منويًا (٣). (وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الآخَرِ)؛ لأنَّها أسبابٌ مختلِفةٌ، فلم تُجْزِ نيةُ بعضٍ عن آخر؛ كالحجِّ والعمرة. وقيل: بلى؛ لأنَّ طهارتهما واحدة، فسقطت إحداهما بفعل الأخرى؛ كالبول والغائط. وأجاب في «المغني» و «الشَّرح»: بأنَّ حكمَهما واحِدٌ، وهو الحدث الأصغر، بدليل الإجزاء به عن الآخَر في الوضوء. وقدَّم في «الرعاية»: أنَّه يجزئ (٤) إن كانا غسلين. فإن تيمَّم للأكبر دون الأصغر؛ أُبِيح له ما يُباح للمحدِث فقط، فإن أحدث لم يؤثِّر ذلك في تيمُّمِه. وإن تيمَّم لهما، ثمَّ أحدث؛ بطل تيمُّمه للحدث فقط، فلو تيمَّمت بعد

стр. 386

طُهرها من الحيض له، ثم (١) أجنبتْ، فله الوطء (٢)؛ لبقاء حكم (٣) تيمُّم الحيض. (وَإِنْ نَوَى نَفْلًا)؛ لم يَستبِح سِواه؛ لأنَّ غيرَه ليس بِمَنْوِيٍّ. (أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ؛ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا نَفْلًا)؛ لأنَّ التَّعيين شرط في الفرض، ولم يوجد، فأبيح له التَّنفُّل؛ لأنَّه أقلُّ ما يحمل عليه الإطلاق. وفيه وجْهٌ: يُصلِّي به الفرضَ. وقيل: مع الإطلاق (٤)، واختاره ابن حمدان، واختار: أنَّه لا يصلِّي به نفلًا فوقَ ركعتين بسلامٍ واحدٍ بلا نيَّة. (وَإِنْ نَوَى فَرْضًا) سواء كانت معيَّنةً أو مطلقةً (٥)؛ (فَلَهُ فِعْلُهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ وَالتَّنَفُّلُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ)، وهو معنى كلامِه في «الوجيز» وغيره: صلَّى به فُروضًا ونوافِلَ، وفي «الرِّعاية»: ونذْرًا. هذا هو المعروف في (٦) المذهب، مع أنَّ القاضيَ لم يحكِ به نصًّا، وإنَّما أطلق أحمدُ القولَ في رواية جماعة: (أنَّه يتيمَّم لكلِّ صلاةٍ) (٧)، ومعناه: لوقت كلِّ صلاةٍ؛ لأنَّها طهارةٌ صحيحةٌ، أباحت فرضًا، فأباحت ما هو مثله؛ كطهارة الماء. وعنه: لا يجمع فيه بين فرضين، اختاره الآجُرِّيُّ، وهو قول ابن عبَّاس (٨)،

стр. 387

وعليها: له فعل غيره مما شاء، ولو خرج الوقت، لكن في إسناده عن ابن عبَّاس [الحسنُ بن عمارة] (١)، وهو ضعيف، مع أنَّ حَرْبًا روى عنه أنَّه قال: التَّيمُّم بمنزلة الوضوء يصلِّي به الصلواتِ ما لم يُحدِثْ (٢). والأصحُّ: أنَّه يتنفَّل قبل الفرض، ثمَّ يصلِّيها وما شاء إلى آخر وقتها عن أيِّ شيء تيمَّم. وعنه: لا يتنفَّل إلَّا أن يكون نوى الفرضَ (٣) والنَّفلَ، فإن خالف وصلَّى، لم يَفعَل به الفرضَ بعد ذلك. وضابِطُه: أنَّ من نوى شيئًا استباحَه، ومِثلَه، ودونَه، فالنذر (٤) دون ما وجب شرعًا، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (ظاهر كلامهم لا فرق) (٥). وفَرْضُ كفاية دون فرض عين، وفرض جنازة أعلى من نافلة. وقيل: يصليها بتيمُّم نافلة.

стр. 388

ويباح الطواف بنيَّة النَّافلة في الأشهر؛ كمسِّ المصحف، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (ولو كان الطواف فرضًا) (١)، خلافًا لأبي المعالي. ولا تباح نافلة بنيَّة مسِّ مصحف وطواف في الأشهر. وإن تيمَّم جنُبٌ لقراءةِ (٢) أو مسِّ مُصحف؛ فله اللُّبث في المسجد، قال القاضي: وجميع النوافل؛ لأنَّها (٣) في درجة واحدة. وإن تيمَّم لمسِّ مُصحف؛ فله القراءةُ، لا العكسُ، ولا يستبيحهما بنيَّة اللُّبث، وتُباح الثَّلاثة بنيَّة الطَّواف، لا العكس. وإن تيمَّم لمسِّ مصحف؛ ففي نفلِ طوافٍ (٤) وجهان. وفي «المغني»: (إن تيمَّم جُنُبٌ لقراءةٍ أو لُبثٍ أوْ مسِّ مُصحَف؛ لم يَستبِحْ غيرَه)، قال ابن تميم: (وفيه نظرٌ)، وفي «الرِّعاية»: (وفيه بُعدٌ). (وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ: بِخُرُوجِ الْوَقْتِ)، وهو قولُ عليٍّ (٥) وابن عمر (٦)؛ لأنَّها طهارة ضرورة، فتقيَّدت بالوقت؛ كطهارة المستحاضة.

стр. 389

وظاهره: ولو كان في الصَّلاة، وصرَّح به في «المغني». وقال ابن عَقيل: لا تبطل، وإن (١) كان الوقتُ شرطًا؛ كما في الجمعة. وخرَّجه (٢) السَّامَري على وجود الماء فيها. وفيه وجهٌ: لا يَبطُل حتَّى يدخل وقت التي تليها، قاله المجد وابن تميم، وفائدته: هل يبطل التَّيمُّم بطلوع الشَّمس أو بزوالها؟ وفي (٣) ثالث: يبطل بالنِّسبة إلى الصَّلاة التي دخل وقتها، فيباح به غيرها، فلو كان تيمُّمه في غير وقت صلاة؛ كالمتيمِّم (٤) بعد طلوع الشمس؛ بطل بزوالها. ولو نوى الجمع في وقت الثَّانية، فتيمَّم في وقت الأولى لها، أو لفائتة (٥)؛ لم يبطل تيمُّمه بدخول وقت الثَّانية؛ لأنَّ وقتيهما قد صار وقْتًا واحِدًا. ودخل في كلامه: ما إذا تيمَّم لطوافٍ أو جنازةٍ أو نافلةٍ، وخرج الوقت؛ فإنَّه يبطل؛ كالفريضة. وعنه: إن تيمَّم لجنازة، ثمَّ جِيء بأخرى؛ فإن كان بينهما وقت يمكنه التَّيمُّم؛ لم يصلِّ عليها حتَّى يتيمَّم لها، وإلَّا صلَّى، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين:

стр. 390

(لأنَّ النَّفل المتواصِل هنا كتواصل الوقت للمكتوبة). قال: (وعلى قياسه: ما ليس له وقت محدود (١)؛ كمسِّ مصحف وطواف) (٢). فعلى هذا: النوافل المؤقَّتة كالوتر، والسُّنن الرَّاتبة، والكسوف؛ يبطل التَّيمُّم لها بخروج وقت النَّافلة، والنَّوافل المطلقة يحتمل أن يُعتبر فيها تواصل الفعل كالجنازة، ويحتمل أن يمتدَّ وقتها إلى وقت النهي عن تلك النافلة. (وَوُجُودِ الْمَاءِ) المعجوزِ عنه إجماعًا (٣)؛ لحديث أبي ذر، وشرطه: أن يكون مقدورًا على استعماله من غير ضرر؛ كعطشٍ ومرضٍ، وألحق به (٤) في «الشرح» وغيره: ما إذا رأى ركْبًا ظنَّ (٥) معه ماءً، أو خُضرةً ونحوه، أو سرابًا ظنَّه ماء، وقلنا بوجوب الطلب، وسواء تبيَّن له خلاف (٦) ظنِّه أوْ لا، فإن وجده، وإلَّا استأنف التَّيمُّم. ويحتمل: ألا يبطل؛ لأنَّ الطَّهارة المتيقَّنة لا تزول بالشَّكِّ. (وَمُبْطِلَاتِ الْوُضُوءِ)؛ لأنَّه إذا بطل الأصل بطَلَ بدَلُه من باب أوْلى، لكنْ إن كان تيمُّمه عن حدث أصغر؛ فهو كما ذكره، وإن كان عن جنابة؛ فيبطل (٧) بخروج الوقت والقدرة على الماء وموجبات الغسل، وإن كان لحيض أو نفاس؛ فلا يزول حكمه إلَّا بحدثهما أو [بأحد] (٨) الأمرين.
следующие страницы →