← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

والثِّيَابِ، ونَحْوِها؛ لأِنَّ «النَّبيَّ ﷺ اسْتَعارَ مِنْ أبِي طَلْحةَ فَرَسًا» (١)، و «مِنْ صَفْوانَ أَدْراعًا» (٢)، وسُئِل عن حَقِّ الإبلِ، فقال: «إعارةُ دلوها (٣)، وإطْراقُ فَحْلِها» (٤)، فَثَبَتَ ذلِكَ في المنصوصِ عَلَيهِ، والباقِي قِياسًا. وتَدخُل (٥) فِيهِ: إعارةُ النَّقدَينِ للوَزْن، فإن استعارهما (٦) للنَّفقة؛ فَقَرْضٌ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». وقِيلَ: لا يَجُوزُ. ونَقَلَ صالِحٌ: مِنْحَةُ لَبَنٍ هو العارِيةُ، ومِنْحَةُ وَرِقٍ هو القَرْضُ (٧). (إِلاَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ)؛ لأِنَّ الوطْءَ لا يَجُوزُ إلاَّ في نِكاحٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ،

стр. 3292

وكِلاهُما مُنْتَفٍ، فَلَمْ يَجُزْ إجْماعًا (١). (وَلَا تَجُوزُ إِعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ)؛ لأِنَّه لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِخْدامُه، فكذا إعارَتُه. وقِيلَ: هو كإجارَتِه. وقِيلَ: بالكَراهَة. وما حَرُم اسْتِعْمالُه لمُحْرِمٍ (٢). وقيل: وكَلْبًا لِصَيدٍ، وفَحْلاً لِضِرابٍ. فَرْعٌ: تَجِبُ إعارةُ مُصْحَفٍ لِمَنْ احْتاجَ إلى القِراءة فِيهِ ولم يَجِدْ غَيرَهُ، ذَكَرَهُ القاضِي وغَيرُه. (وَيُكْرَهُ (٣) إِعَارَةُ الْأَمَةِ الشَّابَّةِ لِرَجُلٍ غَيْرِ مَحْرَمِهَا)؛ لأِنَّه لا يُؤمَنُ عَلَيها. وقِيلَ: يَحْرُمُ، وصَوَّبَه بعضُهم، لا سِيَّمَا لِشَابٍّ، خُصوصًا الأَعْزَب. ولَا بَأْسَ بِشَوهاءَ وكبيرة (٤)؛ لأِنَّه لَا يُشْتَهَى مِثْلُها. وظاهِرُه: أنَّه لا يُكْرَهُ (٥) إعارتُها لاِمْرأَةٍ، ولا ذِي مَحْرَمٍ؛ لأِنَّه مَأْمُونٌ عَلَيهَا. (وَ) يُكْرَهُ (٦) (اسْتِعَارَةُ وَالِدَيْهِ (٧) إذا كانَا رَقِيقَينِ، أوْ أحَدِهِما (لِلْخِدْمَةِ)؛ لأِنَّه يُكرَهُ اسْتِخْدامُهما، فكذا اسْتِعارَتُهما لِذَلِكَ.

стр. 3293

وعُلِمَ منه: أنَّه لا يُكرَهُ اسْتِعارةُ وَلَدِه لَهَا (١)؛ كأمِّ وَلَدِهِ. (وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ)؛ لأِنَّ المنافِعَ المسْتَقْبَلَةَ لم تَحْصُل في يَدِه، فَلَمْ يَمْلِكْها بالإعارة، وسَواءٌ كانَتْ مُطْلَقَةً أوْ مُؤَقَّتَةً، قَبْلَ الاِنْتِفاعِ أوْ بَعْدَه. وعَنْهُ: إنْ عَيَّنَ مُدَّةً تَعَيَّنَتْ. وعَنْهُ: ومع الإطْلاقِ لا يَرجِعُ قَبلَ انْتِفاعِه، ولزمه (٢) تَرْكُها مُدَّةً يُنْتَفَعُ بها في مِثْلِها، قال القاضِي: القَبْضُ شَرْطٌ في لُزومِهَا، وقال: يَحصُلُ بها الملْكُ مع عَدَمِ قَبضِهَا. وأمَّا المسْتَعِيرُ؛ فَيَجُوزُ له الرَّدُّ، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٣). (مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهَ)، بفَتْحِ أوَّله وسُكونِ ثانِيهِ، مَصدَرُ شَغَلَ يَشْغَلُ، وفِيهما أرْبَعُ لُغاتِ، (بِشَيْءٍ يَسْتَضِرُّ الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ فِيهِ (٤)، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سَفِينَةً)، فعيلة (٥) من السَّفن، (لِحَمْلِ مَتَاعِهِ)، أو لَوْحًا يَرقَعُ (٦) به سَفِينَةً فرقعها (٧) ولجَّجَ (٨) في البحر؛ (فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ)؛ لِمَا فيه من الضَّرَر. وظاهره: أنَّها (٩) إذا رَسَتْ؛ جازَ الرُّجوعُ؛ لاِنْتِفاءِ الضَّررِ. (وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلدَّفْنِ؛ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَبْلَى الْمَيْتُ)؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْك

стр. 3294

حُرْمته، وقال ابنُ البَنَّاء: لا يَرجِعُ حتَّى يَصِيرَ رَمِيمًا. وقال ابنُ الجَوزِيِّ: يُخرِجُ عِظامَه، ويَأْخُذُ أرْضَهُ، ولا أُجْرةَ لَها. واقْتَضَى ذلِكَ: أنَّه يَرجِعُ فِيهَا قَبلَ الدَّفنِ. (وَإِنْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ)؛ جازَ؛ كالأرْضِ لِلْغَرْس؛ (لَمْ يَرْجِعْ مَا دَامَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ هذا يُرادُ لِلْبَقاء، ولِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَر على المسْتَعِير. فإنْ قالَ: أنا أَدْفَعُ إِلَيكَ ما نَقَصَ بالقَلْع؛ لم يَلزَم المسْتَعِيرَ ذلِكَ، وفِيهِ احْتِمالٌ. (وَإِنْ (١) سَقَطَ عَنْهُ لِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ)؛ لأِنَّ الإذْنَ تَناوَلَ الحائِطَ، فلا يَتَعَدَّى إلى غَيرِه. وقال القاضِي والمؤلِّفُ: له إعادته (٢)، وصحَّحه الحارِثِيُّ قال: وهو اللاَّئِقُ بالمذْهَب؛ لأِنَّ السَّبَبَ مُسْتَمِرٌّ، فكان (٣) الاِسْتِحْقاقُ مُسْتَمِرًّا. وعلى الأوَّلِ: سَواءٌ بَنَى الحائِطَ بآلَتِه أوْ غَيْرِها، أوْ زَالَتِ الخَشَبُ بِانْهِدامٍ، أوْ بِاخْتِيارِ المسْتَعِيرِ. فإنْ أَذِنَ في إعادَتِه، أوْ عِنْدَ الضَّرُورةِ إن لم يَتَضرَّرِ الحائِطُ؛ جازَ. (وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزَّرْعِ؛ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْحَصَادِ)؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، فإنْ بَذَل له المُعِيرُ قِيمَةَ الزَّرْع لِيَمْلِكَه؛ لم يَكُنْ له ذلِكَ، نَصَّ عَلَيهِ (٤)؛ لأِنَّ له وَقْتًا يَنْتَهِي إلَيهِ، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُحْصَدُ قَصِيلاً؛ فَيَحْصِدُهُ)؛ لِعَدَمِ الضَّرَر فِيهِ، ولا أُجْرةَ عَلَيهِ، اخْتارَهُ المَجْدُ.

стр. 3295

(وَإِنْ أَعَارَهَا لِلْغَرْسِ أَوِ البِنَاءِ (١)، وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْقَلْعَ فِي وَقْتٍ، أَوْ عِنْدَ رُجُوعِهِ، ثُمَّ رَجَعَ؛ لَزِمَهُ الْقَلْعُ) مَجَّانًا؛ لقَولِه ﵇: «المسْلِمونَ (٢) على شُرُوطِهم» (٣)، ولأِنَّ العارِيةَ مُؤَقَّتةٌ غَيرُ مُطْلَقَةٍ، فلَمْ تَتَناوَلْ ما عَدَا المقيَّد، ولأِنَّ المسْتَعِيرَ دَخَلَ فِيهَا راضِيًا بالْتِزامِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيهِ بالقلْعِ. وظاهِرُه: لَيسَ على صاحِبِ الأرْضِ ضَمانُ نَقْصِه، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ (٤). (وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ)؛ لِرِضاهُ بِضَرَرِ القَلْعِ، (إِلاَّ بِشَرْطٍ)، جَزَمَ به في «الوَجِيزِ» و «المستوعب»؛ لِمَا ذَكَرْنا. وقِيلَ: يَلْزَمُه مُطْلَقًا. (وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ الْقَلْعَ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ)؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، (إِلاَّ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْمُعِيرُ النَّقْصَ)، فيَلزَمُه؛ لأِنَّه رُجوعٌ في العارِيَة مِنْ غَيرِ إضْرارٍ. وقال الحُلْوانِيُّ: لا يَلزَمُه. (فَإِنْ قَلَعَ) المسْتَعِيرُ، ولَيسَ مَشْروطًا عَلَيهِ؛ (فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ)؛ لأِنَّ القَلْعَ باخْتِيارِه، ولو امْتَنَع منه؛ لم يُجْبَرْ عَلَيهِ، فلَزِمَتْهُ (٥) التَّسْوِيَةُ؛ كالمشْتَرِي لِمَا فِيهِ شُفْعةٌ إذا أَخَذَ غَرْسَه. وقال القاضِي وجَماعةٌ: لا يَلزَمُه؛ لأِنَّ المعِيرَ رَضِيَ بذلِكَ حَيثُ أعارَهُ مع عِلْمِه بِأنَّ له قَلْعَ غَرْسِه الَّذي لا يُمْكِنُ إلاَّ بالحَفْر. (وَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ)؛ أيْ: في حالٍ لا يُجْبَرُ عَلَيهِ فِيهَا؛ (فَلِلْمُعِيرِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ)، ويُجْبَرُ المسْتَعِيرُ على ذلِكَ؛ لأِنَّ غَرْسَهُ أوْ بِناءَه حَصَلَ في ملْكِ غَيرِه،

стр. 3296

كالشَّفِيع مع المشْتَرِي، والمؤْجِر مع المسْتَأْجِر. فإنْ قالَ المسْتَعِيرُ: أنا أَدْفَعُ قِيمةَ الأرْضِ لِتَصِيرَ لِي؛ لَمْ يَلْزَم المعِيرَ؛ لأِنَّهما تَبَعٌ لِلأَرْضِ، بدليلِ دُخُولِهما في البَيعِ. (فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ)؛ أيْ: إذا امْتَنَعَ مِنْ دَفْع القِيمةِ وأرْشِ النَّقْصِ، وامْتَنَعَ المسْتَعِيرُ مِنْ القَلْعِ ودَفَعَ الأجْرِ؛ (بِيعَا)؛ أي: الغِرَاسُ وَالأرْضُ (لَهُمَا)؛ لأِنَّ ذلِكَ طَرِيقٌ إلى تَحْصِيلِ مالِيَّةِ كلِّ واحِدٍ منهما، ولا بُدَّ وأنْ يَكونَ البَيعُ باتِّفاقِهما، ويُدفَعُ إلى كلِّ واحِدٍ قَدْرُ حَقِّه، فيُقالُ: كَمْ قِيمةُ الأرض فارِغةً؟ فيُقالُ: عَشَرةٌ، ومَشْغُولَةٌ بِخَمْسةَ عَشَرَ، فيكونُ لِلْمُعِيرِ ثُلُثَا الثَّمَن، وللمُسْتَعِيرِ ثُلُثُه. فإنْ طَلَبَ أحدُهُما البَيعَ؛ أُجْبِرَ الآخَرُ عَلَيهِ في الأصحِّ. ولِكُلٍّ مِنْهُما بَيعُ ما لَهُ مُنْفَرِدًا لِمَنْ شاءَ، ويَكونُ كهو. وقيل: لا يَصِحُّ بَيعُ المسْتَعِيرِ لغَيرِ المعِيرِ. (فَإِنْ أَبَيَا الْبَيْعَ؛ تُرِكَ بِحَالِهِ)؛ أيْ: يَبْقَى فِيهَا مَجَّانًا فِي الأصحِّ حتَّى يتَّفِقا؛ لأِنَّ الحقَّ لهما. وقال ابنُ حَمْدانَ: يَبِيعُهما الحاكِمُ. تنبيه: غرسُ المشْتَرِي وبِناؤُه؛ كذلِكَ إذا فُسِخَ البَيعُ بِعَيبٍ، أوْ فَلَسٍ. وفِيهِ وجْهٌ: لا يأْخُذُه، ولا يَقْلَعُه. وقِيلَ: إنْ أبَى المفْلِسُ وَالغُرَماءُ القَلْعَ ومُشارَكَتَه بالنَّقْص، وأَبَى دَفْعَ قِيمَتِه؛ رَجَعَ أيْضًا. (وَلِلْمُعِيرِ التَّصَرُّفُ فِي أَرْضِهِ) وَالاِنْتِفاعُ بها كَيفَ شاءَ، ودُخولُها؛ لأِنَّها ملْكُه، (عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِالشَّجَرِ) والبِناءِ؛ لِإِذْنِه فِيهِما، ولا يَنتَفِعُ بِهِمَا. (وَلِلْمُسْتَعِيرِ الدُّخُولُ لِلسَّقْيِ، وَالْإِصْلَاحِ، وَأَخْذِ الثَّمَرَةِ)؛ لأِنَّ الإِذْنَ في الشَّيء إذْنٌ فِيما يعودُ بصَلاحه.

стр. 3297

واقْتَضَى: أنَّه لَيسَ له الدُّخُولُ لِغَيرِ حاجةٍ؛ كالتَّفَرُّج ونحوِه، وصرَّح (١) به في «الشَّرح». (وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ أُجْرَةً مِنْ حِينِ الرُّجُوعِ)؛ لأِنَّ بقاءَ الغِراس (٢) والبِناء بحُكْم العارِيَة، فَوَجَبَ (٣) كَونُه بلا أُجْرَةٍ؛ كالخَشَب على الحائط، (وَذَكَرُوا)؛ أي: الأكثر (٤): (عَلَيْهِ أُجْرَةً فِي الزَّرْعِ) من (٥) رُجوعِه؛ لأِنَّ مُقْتَضَى رُجوعِ المعِيرِ: مَنْعُ المسْتَعِير مِنَ الاِنْتِفاع ضَرُورة بطلان الإذْنِ المبِيحِ لذلِكَ، فوَجَبَ بقاؤه بأُجْرةِ مِثلِه؛ جَمْعًا بَينَ الحَقَّينِ، (فَيُخَرَّجُ فِيهِمَا وَفِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ)؛ أيْ: في كلِّ مَوضِعٍ يُشْبِهُها (وَجْهَانِ)؛ لاِسْتِوائِهِما في الرُّجوع الموجِبِ لذلكَ. فخرَّج بعضُهم من الزَّرع إلى الشَّجَر والبِناء، وعَكَسَ آخَرونَ. وقِيلَ: يُجزِئُ في كلِّ ما اسْتُعِيرَ، وجَزَمَ به في «التَّبصِرة» في مسْأَلةِ السفينة. واخْتارَه أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ فِيما سِوَى أرْضٍ للدَّفْن؛ لأِنَّ الأصلَ جوازُ الرُّجوع، وإنَّما مُنِعَ من القَلْع؛ لِمَا فيه من الضَّرَر، ففي دَفْع الأُجْرة جَمْعٌ بَينَ الحَقَّينِ. والثَّانِي: لا يَجِبُ في شَيءٍ من المواضِع؛ لأِنَّ حُكمَ العارِيةِ باقٍ فِيهِ؛ لكَونِها صارتْ لازِمةً؛ للضَّرَر اللاَّحِق بِفَسْخها، والإعارةُ تَقْتَضِي الاِنْتِفاعَ بغَيرِ عِوَضٍ.

стр. 3298

(وَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى بَعْدَ الرُّجُوعِ، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ؛ فَهُوَ غَاصِبٌ)؛ لأِنَّه تَصرُّفٌ بغَيرِ إذْن المالِكِ، وعِبارةُ «الوجيز»: وفِعْلُه بَعْدَ المنْعِ أو المدَّة غَصْبٌ، وهي أعمُّ، (يَأْتِي حُكْمُهُ) في الغَصْبِ. مسألةٌ: اسْتَعارَ دابَّةً إلى مَوضِعٍ فجاوَزَه؛ فقد تَعَدَّى، وعليه أجْرُ المثْلِ للزَّائد خاصَّةً. فإنْ قال مالِكُها: أَعَرْتُكَها إلى فَرْسَخٍ، فقال: إلى فَرسَخَينِ؛ قُدِّمَ قَولُ المالِكَ. (وَإِنْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضٍ فَنَبَتَ فِيهَا؛ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ)؛ لأِنَّه نَماء ملْكِه، ولا يُجْبَرُ على قَلْعِه، فإنْ أَحَبَّ قَلْعَه فله ذلِكَ، وعَلَيهِ تَسْويةُ الحُفر وما نَقَصَت؛ لأِنَّه أدْخَلَ النَّقْصَ على ملْكِ غَيرِه لاِسْتِصْلاح ملكِه (مُبَقًّى إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وهو الأَوْلَى؛ لأِنَّ إلْزامَه تَبْقِيَةَ زَرْعِ ما أُذِنَ فِيهِ في أرْضِه بغَيرِ أُجْرةٍ إضْرارٌ به، فَوَجَبَ عَلَيهِ أجْرُ المِثْل، كما لو انْقَضَتْ مُدَّةُ الإجارةِ وفِيها زَرْعٌ لم يُفرِّطْ في زَرْعِه. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا أُجْرَةَ (١) لَهُ)؛ لأِنَّه حَصَلَ فِيهَا بغَيرِ تَفْريطه، أشْبهَ بيتوتَةَ الدَّابَّة في ملْكِ غَيرِه بغَير تَفْريطِه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ)؛ كزَرْعِ الغاصِبِ، فَقِيلَ: بَذْرًا، وقِيلَ: بقِيمتِه إذَنْ. ورُدَّ: بأنَّه حَصَلَ فِيهَا بغَيرِ عُدْوانٍ، وقد أمْكَنَ جَبْرُ حقِّ المالِكِ بدَفْع الأجْرِ إلَيهِ. والسَّاقِطُ لِربِّ الأرض إذا نَبَتَ فِيها، سَواءٌ كان مالِكًا، أوْ مُسْتَعِيرًا، أوْ مُسْتَأْجِرًا، وقِيلَ: له حُكْمُ العارِيةِ، وفي أُجْرَتِها وجْهانِ.

стр. 3299

(وَإِنْ حَمَلَ غَرْسَ رَجُلٍ)، أوْ نَواهُ، أوْ لَوزًا، (فَنَبَتَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ)؛ فهو لصاحِبِه؛ لأِنَّه نَماءُ ملْكِه؛ كالزَّرْعِ، لكِنْ (هَلْ يَكُونُ كَغَرْسِ الشَّفِيعِ)، قَدَّمه في «الفروع» وغَيره؛ لأِنَّه سَاواهُ في عَدَمِ التَّعدِّي، قال ابنُ المنَجَّى: وفي التَّشْبِيهِ نَظَرٌ؛ لأِنَّه يُوهِمُ أنَّ الغَرْسَ ملْكُ الشَّفيعِ ولَيسَ كذلِكَ، بل الشَّفِيعُ إذا أَخَذَ بالشُّفْعة، وكان المشْتَرِي قد غَرَسَ؛ لا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ قَلْعَ الغَرْسِ من غَيرِ ضَمانِ النَّقْصِ، والأَوْلَى أنْ يُقالَ: كغَرْسِ المشْتَرِي لِمَا فِيهِ شُفْعةٌ. (أَوْ كَغَرْسِ الْغَاصِبِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه سَاوَاهُ فِي عَدَمِ الْإِذْنِ، (عَلَى وَجْهَيْنِ). والفَرْقُ بَينَ الغِراسَينِ: أنَّ قَلْعَ الثَّاني مَجَّانًا مُسْتَحَقٌّ، بخلافِ غَرْسِ الشَّفِيعِ. فَرْعٌ: لو حَمَلَ السَّيلُ أرْضًا بشَجَرِها، فنَبَتَ في أرْضِ آخَرَ كما كانَتْ؛ فهِيَ لِمالِكِها، يُجْبَرُ على إزالَتِها. وفي كلِّ ذلِكَ: لو تَرَكَ صاحِبُ الأرض المنْتَقِلَةِ، أو الشَّجَرِ، أو الزَّرْع لِصاحِبِ الأرض المنتقَلِ إلَيها؛ لم يَلزَمْه نَقْلُه، ولا أُجْرةَ؛ لأِنَّه حَصَلَ بغَير تَفْرِيطِه، ولا عُدْوانِه، وكانَت الخِيَرةُ لصاحِبِ الأرض المشْغُولةِ به؛ إنْ شاء أخَذَه، وإنْ شاءَ قَلَعَه، ذَكَرَه في «الشَّرح».

стр. 3300

(فَصْلٌ) (وَحُكْمُ الْمُسْتَعِيرِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ؛ حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ)؛ لأِنَّه مَلَكَ التَّصرُّفَ بإذْنِ المالِكِ، أشْبَهَ المسْتَأْجِر. فَعَلَى هذا: إنْ أعارَهُ للغَرْس أو البِناء؛ فله أنْ يَزْرَعَ ما شاء، ولا عَكْسَ، وإنْ أذِنَ له في زرعٍ مرةً؛ لم يَمْلِكْ أُخْرَى، وله اسْتِيفاءُ المنْفَعةِ بنَفْسِه وبوَكِيلِه؛ لأِنَّه نائِبٌ عَنْهُ. (وَالْعَارِيَّةُ) المقْبوضَةُ؛ (مَضْمُونَةٌ)، نَصَّ عَلَيْهِ (١)، رُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ وأبِي هُرَيرةَ (٢)؛ لِمَا رَوَى الحَسَنُ عن سَمُرَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وعلى اليَدِ ما أَخَذَتْ حتَّى تُؤَدِّيَه» رواهُ الخَمسةُ، وصحَّحَ الحاكِمُ إسْنادَهُ (٣)، وعن

стр. 3301

صَفْوانَ: أنَّه ﵇ اسْتَعارَ منه يَومَ حُنَينٍ أدْراعًا، فقال: أغَصْبًا يا محمَّدُ؟ قال: «بَلْ عارِيةٌ مَضْمونَةٌ» رواه أحمدُ وأبو داودَ (١)، ولأنَّه أَخَذَ ملْكَ غَيرِه لِنَفْع نَفْسه، منفرِدًا بنَفْعِه من غَيرِ اسْتِحْقاقٍ ولا إذْنٍ في إتْلافٍ، فكان مضمونًا كالغَصْب، وقاسَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح» على المقْبوض على وَجْه السَّوم، قالَ في «الفُروع»: فدلَّ على رِوايةٍ مُخرَّجةٍ، وهو مُتَّجِهٌ. وذَكَرَ الحارِثِيُّ: لا يَضمَنُ، وذَكَرَه الشَّيخ تقيُّ الدِّين عن بعض أصحابنا، واختاره صاحبُ «الهَدْي» فيه (٢)؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا قال: «لَيسَ على المسْتَعِيرِ ضَمانٌ» (٣)، ولأِنَّه قَبَضَها بإِذْنِ مالِكِها؛ فكانَتْ أمانَةً. ورُدَّ: بأنَّه يَرْوِيهِ عمرُو بن عبد الجبَّار، عن عُبَيد (٤) بن حسَّان، وهما ضعيفانِ، قاله الدَّارَقُطْنِيُّ، مع أنَّه يَحتمِل أنَّه أراد ضمانَ المنافع والأجر. وعلى المذهب: لا فَرْقَ بَينَ أن يتعدَّى فيها أو لا، ويُستَثْنَى منه: ما إذا تَلِفَتْ في يدِ مُسْتَعِيرٍ من مُسْتأْجِرها، أو يكون المعارُ وقْفًا؛ ككتب العلم ونحوها، فلا يَضمَن فيهما إذا لم يفرِّط. (بِقِيمَتِهَا)؛ لأِنَّها بَدَلٌ عنها في الإتْلاف، فوجب عند تَلَفِها؛ كالإتْلاف، وإذا قلنا بضَمان الأجزاء التَّالِفة بالاِنْتِفاع؛ فإنَّه يَضْمَنُها بقِيمتِها قَبلَ تَلَف

стр. 3302

أجزائها إن كانت قيمتُها أكثرَ، وإن كانت مِثْلِيَّةً؛ ضَمِنَها بمِثْلها، (يَوْمَ تَلَفِهَا (١)؛ لأِنَّه حِينَئِذٍ يتحقَّق فواتُ العارِية، فوَجَبَ اعْتِبارُ الضَّمان به. (وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِهَا)؛ أيْ: لم يَسقُطْ؛ لأِنَّ كلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمانَ؛ لم يُغَيِّرْه الشَّرْطُ؛ كالمقْبوض بِبَيْعٍ، (وَكُلُّ مَا كَانَ أَمَانَةً)؛ كالوَدِيعَة؛ (لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ، وَمَا كَانَ مَضْمُونًا؛ لَا يَنْتَفِي ضَمَانُهُ بِشَرْطِهِ)؛ لأِنَّ العَقْدَ إذا اقْتَضَى شَيئًا فَشُرِط غَيرُه؛ يكون شَرْطًا لشَيءٍ يُنافِي مُقْتَضَى العَقْد؛ فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ في المبِيعِ أنْ لا يَبِيعَهُ. (وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ)، قال أبو الخَطَّاب: أَوْمَأَ إلَيهِ أحمدُ، واخْتارَهُ أبو حَفْصٍ والشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢)؛ لأِنَّه لو أَذِنَ في إتْلافها؛ لم يَجِبْ ضَمانُها، فكذا إذا أسقط (٣) عنه ضَمانَها. وعنه: إن لم يَشْرِطْ نَفْيَه، جزم به في «التَّبصرة». (وَإِنْ تَلِفَتْ أَجْزَاؤُهَا بِالاِسْتِعْمَالِ)؛ أيْ: بانتفاعٍ بمعروف (٤)؛ (كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: لا يَضْمَنُ؛ لأِنَّ الإذْنَ في الاِستِعْمال تضمَّنَ (٥) الإذْنَ في الإتْلاف، وما أُذِنَ في إتْلافه؛ لا يُضْمَنُ كالمنافِعِ. والثَّاني: بَلَى؛ لأِنَّها أجزاءٌ مضمونَةٌ لو تَلِفَت العَينُ قَبْلَ استِعمالها؛ فَوَجَبَ أنْ يضمن بتَلَفِها بالاستعمال؛ كسائر الأجْزاء.

стр. 3303

ورُدَّ: بالفَرْق، فإنَّها لا تتميَّز من العين. ومقتضى (١) ذلك: أنَّه إذا تَلِفَ شَيءٌ من أجزائها الَّذي لا يَذهَبُ بالاستعمال؛ أنَّه يَضْمَنُه؛ لأِنَّ ما ضُمِنَت جُملتُه؛ ضُمِنَت أجزاؤه كالمغصوب، وكذا لو تَلِفَ جزؤها باستعمالٍ غيرِ مأْذونٍ فيه؛ كاستعارةِ ثَوبٍ في لُبْسٍ (٢)، فحَمَلَ فيه تُرابًا؛ لأِنَّه تَلِفَ بتَعدِّيهِ. أمَّا ما تَلِفَ بطُولِ الزَّمان؛ فهو كالذي تَلِفَ بالاِستِعْمال؛ لأِنَّه تَلِفَ بالإمساك المأْذُون فيه، أشْبَهَ تَلَفَه بالفِعْل المأْذونِ فيه. تنبيهٌ: الخِلافُ جارٍ في وَلَدِ العارِيَة، وزيادتها، والأصحُّ: أنَّه لا يُضمَنُ؛ لأِنَّه لم يَدخُلْ فيها، ولا فائدةَ للمُسْتَعِيرِ فيه، وكذا يَجْرِي في وَلَدِ مُؤْجَرةٍ وودِيعةٍ. ويُصدَّقُ المسْتَعِيرُ في عَدَم التَّعدِّي حَيثُ لا بَيِّنةَ. (وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ)؛ لأِنَّها إباحةُ المنْفَعَة، فلَمْ يَجُزْ أنْ يُبِيحَها غَيرَه؛ كإباحَةِ الطَّعامِ، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وليس بظاهِرٍ على القَولِ بأنَّها هِبَةُ منْفَعةٍ، بَلِ الاِنْتِفاعُ بها مُسْتَفادٌ بالإذْن، لا بطَريقِ المعاوَضَة، وهو يَختَلِفُ. وقِيلَ: له ذلِكَ؛ لأِنَّه يُمَلِّكُه على حَسَبَ ما مَلَكه (٣)، فَجَازَ؛ كإِيجَارِ المسْتَأْجِر، قال في «الشَّرح» وحَكاهُ صاحِبُ «المحرَّر» قَولاً لأِحْمَدَ، قال: ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مذْهَبًا لأِحْمدَ في العارِيَة المؤقَّتَةِ؛ بِناءً على أنَّه (٤) إذا أعارَهُ أرْضَه سَنَةً لِيَبْنِيَ فِيهَا؛ لم يَحِلَّ له الرُّجوعُ قَبْلَ السَّنَةِ؛ لأِنَّه قَدَّرَ المنفَعَة كالمسْتَأْجِرِ.

стр. 3304

وأطْلَقَ في «الفُروعِ» الخِلافَ، أصْلُهما: هَلْ هِيَ هِبَةُ مَنفَعَةٍ، أوْ إباحةٌ؟ ويَتَوجَّهُ عَلَيهِما: تعلِيقُها بشَرْطٍ، وفي «المنتخب»: يَصِحُّ، قال في «التَّرغيب»: يَكْفِي ما دلَّ على الرِّضا مِنْ (١) قَولٍ أوْ فِعْلٍ. (فَإِنْ فَعَلَ)؛ فَلِمالِكها الرُّجوعُ بأُجْرةِ مِثْلِها على مَنْ شاءَ مِنْهما؛ لأِنَّ الأوَّلَ سلَّط غَيرَه على أخْذِ مالِ غَيرِه بِغَيرِ إذْنِه، والثَّانِي اسْتَوْفاهُ بغَيرِ إذْنِه، فإنْ ضَمَّنَ الأوَّلَ؛ رَجَعَ على الثَّاني؛ لأِنَّ الاِسْتِيفاءَ حَصَلَ مِنْه، وإنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ؛ لم يَرجِعْ على الأوَّلِ إلاَّ أنْ لا (٢) يَعلَمَ بالحالِ. (فَتَلِفَ (٣) عِنْدَ الثَّانِي، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ)؛ لِتَعَدِّي كلٍّ مِنْهُما، (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي) إذا كانَ عالِمًا بالحالِ؛ لأِنَّ التَّلَفَ حَصَلَ في يَدِه، وإلاَّ ضَمِنَ العَينَ دُونَ المنْفَعَةِ، ويَسْتَقِرُّ ضَمانُ المنْفَعَة على الأوَّلِ. (وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ الْعَارِيَةِ)؛ لِمَا تَقَدَّم مِنْ قَولِه: «على اليَدِ ما أَخَذَتْ حتَّى تُؤدِّيَه» (٤)، وإذا كانَتْ واجِبةَ الرَّدِّ؛ وَجَبَ أنْ تَكونَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ على مَنْ يَجِبُ عَلَيهِ الرَّدُّ، ومُؤْنَةُ عَينِها على المعِيرِ، قالَهُ في «شرح الهداية»، و «الرِّعاية». وذَكَرَ الحُلْوانِيُّ: أنَّ نَفَقتَها على المسْتَعِير، وإلَيهِ مَيْلُ الشَّيخِ تقيِّ الدِّين؛ وقال: لا أَعْرِف فِيهَا نَقْلاً، وخرَّجَها على الخِلاف في نَفَقَةِ الجارِيةِ الموصَى بِنَفْعِها فَقَطْ (٥)، وحِينَئِذٍ يَجِبُ ردُّها إلى المعِيرِ أو وكِيلِه في قَبضِها. (فَإِنْ رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى إِصْطَبْلِ الْمَالِكِ، أَوْ غُلَامِهِ؛ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ (٦)؛

стр. 3305

لأِنَّه لم يَرُدَّها إلى مالِكِها، ولا نائِبِه فِيهَا، فلم يَبْرَأْ كالأجْنَبِيِّ. واخْتارَ ابْنُ حَمْدانَ: أنَّه يَبْرأُ بِرَدِّها إلى غُلامِه. (إِلاَّ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْ جَرَتِ الْعَادَةُ (١) بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ؛ كَالسَّائِسِ)؛ لأِنَّه مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، أشْبَهَ صريحَ الإذْنِ، وخالَفَ الحُلْوانِيُّ فِيهِ؛ كالغُلام، (وَنَحْوِهِ)؛ كزَوجَتِه، وخازِنٍ، ووكِيلٍ عامٍّ في قَبْضِ حُقوقِه، قاله في «المجرد». مسألةٌ: إذا قال: ما أَرْكَبُها إلاَّ بأُجْرةٍ، فقال ربُّها: ما آخُذُ لها أُجْرةً، ولا عَقْدَ بَينَهما؛ فعارِيةٌ. ولو أَرْكَبَ دابَّتَه مُنقَطِعًا؛ لم يَضمَنْ في الأَشْهَرِ، وكذا رَدِيفٌ، وقيل: يَضمَنُ نِصْفَ القِيمة. ولو سَلَّمَ شَرِيكٌ شَريكَه الدَّابَّةَ، فتَلِفَتْ بلا تَفْريطٍ ولا تَعَدٍّ؛ لم يَضْمَنْ، فإنْ ساقَها فَوقَ العادة؛ ضَمِنَ، قالَهُ شَيخُنَا (٢). ويتوجَّه: كعاريةٍ إنْ كان عاريةً، وإلاَّ لم يَضْمَنْ، ذَكَرَه في «الفروع». فَعَلَيهِ: إنْ سلَّمها إلَيهِ لِيَعْلِفَها، ويَقُومَ بِمصْلَحتِها ونحوِه؛ لم يَضْمَنْ، وإنْ سلَّمها إلَيهِ لِرُكوبِها لمصالِحِه، وقَضاءِ حوائِجِه عَلَيهَا؛ فَعارِيَةٌ.

стр. 3306

(فَصْلٌ) (إِذَا اخْتَلَفَا، فَقَالَ: أَجَرْتُكَ، قَالَ: بَلْ أَعَرْتَنِي، عَقِبَ الْعَقْدِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ) مع يَمِينِه؛ لأِنَّ الأصْلَ عَدَمُ عَقْدِ الإجارَةِ، وحِينَئِذٍ: تُرَدُّ العَينُ إلى مالِكِها إنْ كانَتْ باقِيةً؛ لأِنَّ الأَصْلَ براءةُ ذِمَّته مِنْهَا، فَلَوْ عَكَسَ في الدَّعْوَى؛ قُدِّمَ قَولُ المالِكِ. (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ) مع يَمِينِه؛ لأِنَّهما اخْتَلَفا في كَيفيَّة انْتِقالِ المنافِعِ إلى ملْكِ الرَّاكِب، فقُدِّمَ قَولُ المالِكِ، كما لو اخْتَلَفا في عَينٍ، فادَّعَى المالِكُ بَيعَها، والآخَرُ هِبَتَها؛ إذِ المنافِعُ تَجرِي مَجْرَى الأعْيان. وقِيلَ: يُقَدَّمُ قَولُ الرَّاكِبِ؛ لأِنَّهما اتَّفَقا على تَلَفِ المنافِع على ملْكِ الرَّاكِبِ، وادَّعى المالِكُ عِوَضًا لها، والأصلُ عَدَمُ وُجوبِه، وبراءةُ ذِمَّتِه منْهُ. وعلى الأوَّل: إذا حَلَفَ المالِكُ؛ اسْتَحَقَّ الأُجْرةَ (فِيمَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ، دُونَ مَا بَقِيَ مِنْهَا)، فإنَّه يُقدَّمُ قَولُ المسْتَعِيرِ فِيها؛ لأِنَّه بمَنزِلةِ ما لَو اخْتَلَفا عَقِبَ العَقْد. (وَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوِ الْمُدَّعَى إِنْ زَادَ عَلَيْهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): الأَصَحُّ: أنَّه يَسْتَحِقُّ أُجْرةَ المِثْل؛ لأِنَّهما لو اتَّفَقَا على وُجوبِه، واخْتَلَفا في قَدْره؛ وَجَبَ أجْرُ المِثْلِ، فَمَعَ الاِخْتِلافِ في أصْلِه أَوْلَى. والثَّانِي: يَسْتَحِقُّ المسمَّى إنْ زاد على أجْرِ المِثْل؛ لأِنَّه وَجَبَ بقَولِ المالِكِ ويَمينِه، فَوَجَبَ ما حَلَفَ عَلَيهِ؛ كالأصْلِ، ولم يُقيِّدْه في «الشَّرح» ولا غَيرِه بالزِّيادة عَلَيها. وقِيلَ: يَسْتَحِقُّ أقَلَّهما، وهو اخْتِيارُ المجْدِ؛ لأِنَّه إنْ كان المسمَّى؛ فقد

стр. 3307

رَضِيَ به، وإنْ كان أكْثَرَ؛ فَلَيسَ له إلاَّ أجر (١) المِثْلِ؛ لأِنَّ الإجارةَ لم تَثْبُت. ومِثلُه لو ادَّعى أنَّه زَرَعَها عاريةً، وقال رَبُّها: إجارةً، ذَكَرَه الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٢). (وَإِنْ قَالَ: أَعَرْتُكَ، قَالَ: بَلْ آجَرْتَنِي، وَالْبَهِيمَةُ تَالِفَةٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ) إذا كان مَضَى مدَّةٌ لها أُجْرةٌ، سَواءٌ ادَّعَى الإجارَةَ أو الإعارَةَ؛ لأِنَّه إنِ ادَّعَى الإجارَةَ، فهو مُعْتَرِفٌ للرَّاكِب بِبَراءَةِ ذِمَّته مِنْ ضَمانِها؛ فقُبلَ على نفْسِه، وإن ادَّعَى الإعارَةَ؛ فهو يَدَّعِي قِيمتَها، والقَولُ قَولُه؛ لأِنَّهما اخْتَلَفا في صِفَةِ القَبْضِ، والأصلُ فِيمَا يَقْبِضُه الإنسانُ من مالِ غَيرِه الضَّمانُ؛ لِلأْثَر (٣). ويُقْبَل قَولُ الرَّاكِبِ في قِيمَتِها. وإن كان بَعْد مُضِيِّ مُدَّةٍ لها أُجْرَةٌ، والأَجْرُ بِقَدْر قِيمَتِها؛ فالقول (٤) قَولُ المالِكِ بغَيرِ يَمِينٍ في الأصحِّ، وإنْ كان ما يَدَّعِيهِ المالِكُ أكْثَرَ؛ فالقَولُ قَولُه، فإذا حَلَفَ اسْتَحَقَّ ما حَلَفَ عَلَيهِ. (وَإِنْ قَالَ: أَعَرْتَنِي، أَوْ آجَرْتَنِي، قَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِي؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ)؛ كما لو (٥) اخْتَلَفَا في رَدِّها. (وَقِيلَ: قَوْلُ الْغَاصِبِ)؛ لأِنَّ المالِكَ يَدَّعِي عَلَيهِ عِوَضًا، الأصلُ براءةُ ذِمَّته مِنْهُ، ولأِنَّ الظَّاهِرَ في اليَدِ: أنَّها بحقٍّ، فقُبِلَ قَولُه. وفي «الشَّرح»: أنَّ الدَّابَّةَ إذا كانَتْ قائمةً لم تَنقُصْ؛ فلا مَعْنَى لِلاِخْتِلاف، ويَأخُذُ المالِكُ دابَّتَه، وكذا إنْ كانَتْ تالِفةً، فادَّعى الرَّاكِبُ العارِيةَ؛ لأِنَّ القِيمةَ

стр. 3308

تَجِبُ على المسْتَعِيرِ كوُجوبِها على الغاصِبِ، وإنْ كانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لها أُجرةٌ؛ فالاِخْتِلافُ في وُجوبِه، والقَولُ قَولُ المالِكِ. فَرْعٌ: إذا قال: أوْدَعْتَنِي، قال: بَلْ غَصَبْتَنِي؛ فوَجْهانِ. وإنْ قالَ: أوْدَعْتُكَ، قال: بَلْ أَعَرْتَنِي؛ صُدِّقَ المالِكُ إنْ حَلَفَ، وعَلَيْهِ أُجْرَةُ ما انْتَفَعَ به.

стр. 3309

(كِتَابُ الْغَصْبِ) (١) هو مَصْدَرُ: غَصَبَ الشَّيءَ يَغْصِبُه - بكَسْر الصَّاد - غَصْبًا، واغْتَصَبَه يَغْتَصِبُه اغْتِصابًا، والشَّيءُ مَغْصُوبٌ وغَصْبٌ. وهُوَ في اللُّغة: أَخْذُ الشَّيءِ ظُلْمًا، قالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وابْنُ سِيدَهْ (٢). وفي الشَّرع: قال المؤلِّفُ تَبَعًا لأِبِي الخَطَّاب: (وَهُوَ الاِسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ). ف «قَهْرًا» زِيادةٌ في الحدِّ؛ لأِنَّ الاِسْتِيلاءَ يَدُلُّ عَلَيهِ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لأِنَّه لا يَسْتَلْزِمُه، مع أنَّه يَخرُجُ بِقَيدِ القَهْر: المال المسْروقُ، والمنْتَهَبُ، والمخْتَلَسُ. و «بغَيرِ حَقٍّ» يَخرُجُ: اسْتِيلاءُ الوَلِيِّ على مالِ الصَّغيرِ، والحاكِمِ على مالِ المفْلس. وكذا في «المغْنِي»، وأسْقَطَ لَفْظَةَ «قَهْرًا». وليس بجامِعٍ؛ لِخُروجِ ما عَدَا ذلِكَ من الحقوق؛ كالكَلْب، وخَمْر الذِّمِّيِّ، والسِّرْجِينِ، فإنَّها قابِلةٌ للغَصْب، ولَيسَتْ بِمالٍ. وفِيهِ تعريفُ «غَير» باللاَّم، والأَشْهَرُ إسْقاطُها فِيهَا. وأحْسَنُها: الاِسْتِيلاءُ على حقِّ غَيرِه قَهْرًا ظُلْمًا. وهو محرَّمٌ بالإجْماع (٣)، وسَنَدُه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٨]، وقَولُه ﵇: «فإنَّ دِماءَكم، وأمْوالَكم، وأعْراضَكم؛ عَلَيكُم حرامٌ» (٤)، وقَولُه ﵇: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ عن طِيبِ نَفْسِه»

стр. 3310

رواه ابنُ ماجَهْ والدَّارَقُطْنيُّ (١). (وَتُضْمَنُ أُمُّ الْوَلَدِ) بالغَصْب، في قَولِ جماهيرِ العُلَماء؛ لأِنَّها تَجْرِي مَجْرَى المالِ، بدليلِ أنَّها تُضْمَنُ بالقِيمة في الإتْلافِ؛ لِكَونِها مَمْلوكةً كالمدبرة (٢)، بخلافِ الحُرَّة، فإنَّها لَيسَتْ مملوكةً، فلا تُضْمَنُ بالقِيمة، لكِنْ لا تَثْبُتُ يَدٌ على بُضْعٍ، فيَصِحُّ تَزْوِيجُها، ولا يُضمَنُ نَفْعُه. (وَالْعَقَارُ)، بفَتْحِ العَينِ: الضَّيعَةُ، والنَّخْلُ، والأرضُ، قالَهُ أبُو السَّعاداتِ (٣)، (بِالْغَصْبِ) في ظاهِرِ المذْهَبِ، لِمَا رَوَى سعيدُ بن زَيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنْ الأرْض شِبْرًا ظُلْمًا؛ طُوِّقه (٤) يَومَ القِيامَةِ مِنْ سَبْعِ أرضين» متَّفقٌ عَلَيهِ (٥)، ولأِنَّ ما يُضمَنُ في الإتْلاف يَجِبُ أنْ يُضْمَنَ في الغَصْب؛ كالمنْقُول. (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقَارَ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ)، رَوَى عنه ابنُ مَنْصورٍ فِيمَنْ غَصَبَ أرْضًا فَزَرَعَها، ثُمَّ أصابَها غَرَقٌ من الغاصِب: غَرِمَ قِيمةَ الأرض،

стр. 3311

وإنْ كان سَبَبًا من السَّماء لم يكُنْ عليه شَيءٌ (١)، فظاهِرُ هذا: أنَّها لا تُضمَنُ بالغَصْب؛ لأِنَّه لا يُوجَدُ فيها النَّقْلُ والتَّحْوِيلُ؛ فلم يُضْمَنْ، كما لو حال بَينَه وبَينَ متاعه فتَلِفَ، ولأِنَّ الغَصْبَ إثْباتُ اليَدِ على المال عُدْوانًا على وَجْهٍ تَزُولُ (٢) به يَدُ المالِكِ، ولا يُمكِنُ ذلِكَ في العَقارِ. وجَوابُه: بأنَّه يُمكِنُ الاِسْتِيلاءُ عليه على وجْهٍ يَحُولُ بَينَه وبَينَ مالِكِه، مِثْلَ أن يَسْكُنَ دارًا، ويَمْنَعَ مالِكَها من دُخُولِها، أشْبَهَ أخْذَ الدَّابَّةِ والمتاعِ. وعلى الثَّانية: لو أتْلَفَه ضَمِنَه بالإتْلاف. مسألةٌ: لو دَخَلَ دارًا قَهْرًا وأخْرجَهُ؛ فغَاصِبٌ، وإنْ أخْرَجَه قَهْرًا ولم يَدخُل، أوْ دَخَلَ مع حُضُورِ ربِّها وقُوَّته؛ فلا، وإن دخل قَهْرًا ولم يُخرِجْه؛ فقد غَصَب ما اسْتَوْلى عَلَيهِ، وقِيلَ: بَلِ النِّصف، وإن لم يُرِد الغَصْب فلا، وإنْ دَخَلَها قَهْرًا في غَيبة ربِّها؛ فغاصِبٌ، ولو كان فِيهَا قُماشُه. وهل يشترط (٣) في غَصْبِ ما يُنْقَلُ؛ نَقْلُه؟ فِيهِ وجْهانِ، الأصحُّ: أنَّه لا يُشْتَرَطُ. (وَإِنْ غَصَبَ كَلْبًا فِيهِ نَفْعٌ)؛ أيْ: يُقْتَنَى، (أَوْ خَمْرَ ذِمِّيٍّ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ)؛ لأِنَّ الكلبَ يجوز الاِنتِفاعُ به واقتناؤه، أشْبَهَ سائرَ الأبدال المنْتَفَع بها. وفي ردِّه صَيْدَه، أو أُجْرتَه، أو هُما؛ أوْجُهٌ. وأمَّا الخمرُ؛ فلأنَّ الذِّمِّيَّ يُقَرُّ على شربها؛ لكونها مالاً عِندَه، ومحلُّه: ما إذا كانت مستورةً، قالَهُ في «الرِّعاية» و «الفروع». (وَإِنْ أَتْلَفَهُ؛ لَمْ تَلْزَمْهُ (٤) قِيمَتُهُ)؛ لأِنَّ الكلبَ لَيسَ له عِوَضٌ شَرْعِيٌّ؛ لأِنَّه

стр. 3312

لا يَجوزُ بَيعُه. وفي «الإفصاح»: يَضْمَنُه. والخمرَ؛ للخبر (١)، ولأِنَّ ما حرُمَ بَيعُه لا لِحُرْمَتِه (٢)؛ لم تَجِب قيمتُه كالميتة. ولا فَرْقَ في المتْلِفِ بَينَ أنْ يكونَ مُسْلِمًا، أوْ ذِمِّيًّا، نَصَّ عَلَيهِ (٣)؛ لأِنَّ ما لم يَكُنْ مضمونًا في حقِّ المسلم؛ لا يكون مضمونًا في حقِّ الذِّمِّيِّ؛ كالمرتَدِّ، ولأنَّها غَيرُ متقوِّمةٍ. وعَنهُ: يَلزَمُه قيمتها. وقيل: يَغرَمُ قِيمتَها الذِّمِّيُّ دُونَ المسلِم، فَعَلَيهِ: لا يَكونُ حُكْمُ بَقِيَّةِ الكُفَّار كذلِكَ، وإنْ كانوا يعتقدون (٤) مالِيَّتَها. وفي «الانتصار»: لا يَرُدُّها، وأنَّه يَلزَمُ إراقَتُها إنْ حُدَّ، وإلاَّ لَزِمَ تَرْكُه. وعَلَيهِما يُخرَّج تَعْزيرُ مُرِيقِه (٥). وفي «عُيون المسائل»: لا نُسلِّم أنَّهم يُقَرُّونَ على شرْبه واقْتِنائِه؛ لأِنَّ في روايةٍ: يَجِبُ الحَدُّ عَلَيهِم بالشّرْب، ولا يُقَرُّونَ، وإنْ سَلَّمْنا؛ فإنَّا (٦) لا نَتَعرَّضُ لهم، وأمَّا (٧) أنْ نُقِرَّهم فلا، ثم (٨) يَبطُلُ بالمجوس، يُقَرُّون على نِكاحِ

стр. 3313

المحارِم، ولا يُقْضَى عَلَيهِم بمَهْرٍ، ونَفَقَةٍ، ومِيراثٍ. وقال هُوَ و «الترغيب»: يَرُدُّ الخَمْرَ المحتَرَمةَ، ويَرُدُّ ما تَخَلَّل بيده، لا ما أُرِيقَ فجَمَعَه آخَرُ؛ لِزوالِ يَدِه. والأَشْهَرُ: أنَّ لنا خمرًا مُحتَرَمةً، وهي التي عُصِرتْ من (١) غَيرِ قَصْدِ الخَمْريَّة، أوْ بقَصْدِ (٢) الخَلِّيَّة، فهي على الأوَّل مُحترَمةٌ دُونَ الثَّاني، وظاهِرُه: ولو كانت لِمسلِمٍ؛ لأِنَّ اتِّخاذَ الخَلِّ جائزٌ إجْماعًا (٣)، ولا يَصِيرُ خَلًّا إلاَّ بَعْدَ التَّخمُّرِ، فلو أرَقْناها؛ لتَعذَّر اتِّخاذ (٤) الخَلِّ. فَرْعٌ: تَجِبُ (٥) إراقةُ خَمْرِ المْسلِمِ، ولا غُرْمَ، وإنْ تَخلَّلتْ ردَّها؛ لأِنَّها صارت خَلًّا على حُكْمِ ملْكِه، فإنْ تَلِفَتْ؛ ضمِنَها. (وَإِنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؟ علَى وَجْهَيْنِ)، هما مَبْنِيَّانِ على الرِّوايتَينِ في طَهارتِه بالدِّباغ، والأَشْهَرُ: لا يَرُدُّه مُطْلَقًا، فعَلَيهِ: لو أتْلَفَه، أو أتْلَفَ مَيتَةً بجِلْدِها؛ لم يَضمَنْ؛ لأِنَّه لا قِيمةَ له، بدليلِ أنَّه لا يَجوزُ بَيعُه. (فَإِنْ دَبَغَهُ)؛ أيْ: غاصِبُه، (وَقُلْنَا بِطَهَارَتِهِ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ)؛ كالخَمْر إذا تخلَّلَ. وقِيل: لا يَلزَمُه رَدُّه؛ لأِنَّه صار مالاً بفِعْلِه، بخِلافِ الخَمْر. وظاهِرُه أنَّه إذا قُلْنا: لا يَطْهُر؛ لم يَجِبْ رَدُّه؛ لكَونه لا يُباحُ الاِنْتِفاعُ به. وقِيلَ: يَلزَمُه إذا (٦) قيل: يُنْتَفَعُ به في يابِسٍ. (وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حرٍّ) كبيرٍ؛ (لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ)؛ لأِنَّه لَيسَ بمالٍ،

стр. 3314

فَعُلِمَ (١): أنَّه لا يَثْبُتُ الغَصْبُ فِيمَا لَيسَ بِمالٍ، وقِيلَ: بَلَى. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا؛ فَفِيهِ وَجْهَانِ): أحدهما: لا ضَمانَ، وهو الأصحُّ؛ كالكَبِيرِ. والثَّاني: بلى؛ لأنَّه (٢) يُمكِنُ الاِسْتِيلاءُ عَلَيهِ من غَيرِ ممانعة منه (٣)، أشْبَهَ العَبْدَ الصَّغِيرَ. (فَإِنْ (٤) قُلْنَا: لَا يَضْمَنُهُ؛ فَهَلْ يَضْمَنُ ثِيَابَهُ، وَحُلِيَّهُ (٥)؛ أي: الَّتي لم يَنزِعْها عَنهُ؛ (عَلَى وَجْهَينِ): أحدهما: لا يَضمَنُه، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه تَبَعٌ له، وهو تَحْتَ يَدِه، أشْبَهَ ثِيابَ الكَبِيرِ. والثَّانِي: بلى؛ لأِنَّه مالٌ، أشْبَهَ ما لو كانَ مُنفَرِدًا. (وَإِنِ اسْتَعْمَلَ الْحُرَّ كُرْهًا؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ)؛ لأِنَّه اسْتَوْفَى مَنافِعَه، وهي مُتَقوِّمةٌ، فَلَزِمَه ضَمانُها؛ كمَنافِعِ العَبْدِ. (وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً)؛ أيْ: لِمِثْلِهَا أُجرةٌ؛ (فَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ (٦): أحدهما: تَلزَمُه (٧)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه فَوَّتَ مَنفَعَتَه، وهي مالٌ يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنها، فضُمِنَتْ بالغَصْب؛ كَمَنافِعِ العَبْد.

стр. 3315

والثَّانِي: لا؛ لأِنَّها تابِعةٌ لِما لا يَصِحُّ غَصْبُه، أشْبَهَ ثِيابَه إذا بَلِيَتْ عَلَيهِ وأطْرافَه. فإنْ مَنَعَهُ العَمَلَ مِنْ غَيرِ حَبْسٍ - ولو عَبْدًا -؛ لم يَضمَنْ مَنافِعَه وَجْهًا واحِدًا. ويَتَوجَّهُ: بَلَى فِيهِما، قاله في «الفروع». وإنْ (١) مات في حَبْسه؛ فَهَدَرٌ. وإنْ صحَّ غَصْبُه؛ صحَّ أنْ يُؤْجِرَه مُسْتأْجِرَه، وإلاَّ فلا. فائدةٌ: في صِحَّة البَيعِ في الأرضِ المغْصوبةِ رِوايتانِ، اخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ: الصِّحَّةَ، وحمل رواية المنْعِ على الوَرَع.

стр. 3316

(فَصْلٌ) (وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ) إنْ كان باقِيًا؛ لِمَا روى عبدُ الله بن السَّائب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَأخُذْ أحدُكم متاعَ أخيه (١) لاعِبًا ولا جادًّا، ومَنْ أخَذَ عَصَا أخيه فلْيَرُدَّها» رواه أبو داودَ (٢)، وقد أجمع العلماءُ (٣) على وُجوبِ رَدِّه إنْ كان بحالِه لم يتغيَّرْ، ولم يَشْتَغِلْ بغيره (٤)، ولأِنَّه أزالَ يدَ المالِكِ عن ملْكِه بغَيرِ حقٍّ؛ فلَزِمَتْه إعادتُه. (إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، وَإِنْ غَرِمَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ)؛ لأِنَّه هو المتعدِّي، فلم يُنظَر إلى مصلحته، فكان أَوْلَى بالغرامة، وظاهِرُه: ولو بَعُدَت المسافةُ؛ لأِنَّه جَنَى بِتَعدِّيه، فكان ضَرَرُ ذلِكَ عَلَيهِ. فإنْ قال الغاصِبُ: خُذْ مِنِّي أَجْرَ رَدِّهِ، وتسَلَّمْهُ مِنِّي ههُنَا، أوْ بَذَلَ له أكْثَرَ من قِيمته ولا يَستَرِدُّه؛ لم يَلزَم المالِكَ قَبولُه؛ لأِنَّها مُعاوَضةٌ، فلم يُجبَرْ عليها كالبيع. وإن قال المالِكُ: دَعْهُ لي في مكانه الذي نَقَلْتَه إلَيهِ؛ لم يَمْلِك الغاصِبُ رَدَّهُ. وإنْ قالَ: رُدَّهُ إلى بعْض الطَّريق؛ لَزِمَه.

стр. 3317

وإنْ قال: دَعْهُ في مَكانِه، وأعْطِنِي أجرةَ ردِّه، أو طَلَبَ منه حَمْلَه إلى مكانٍ آخَرَ في غير طَريقِ الرَّدِّ؛ لم يَلزَم الغاصِبَ ولو كان أقربَ؛ لأِنَّه مُعاوَضةٌ. ومَهْما اتَّفَقا عَلَيهِ من ذلِكَ؛ جازَ؛ لأِنَّ الحقَّ لهما. (وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ (١)؛ كحِنْطَةٍ بشَعِيرٍ، وتَمْرٍ بزَبِيبٍ؛ (لَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ)؛ أي: تَخْلِيصُ المتميِّز، (وَرَدُّهُ)؛ لأِنَّه أمْكنَه ردُّ مالِ غَيرِه، فلَزِمَه؛ كما لو لم يَخلِطْه بغَيرِه، وأُجْرَةُ ذَلِكَ عَلَيه، كأَجْر رَدِّهِ، فإنْ أَمْكَنَ تَميِيزُ بعضِه؛ وَجَبَ تَميِيزُ ما أمْكَنَ. (وَإِنْ بَنَى عَلَيْهِ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ)؛ يعْنِي: إذا غَصَبَ شَيئًا، فَشَغَلَه بملْكِه؛ كَحَجَرٍ، أوْ خَشَبَةٍ بَنَى عَلَيها، أوْ خَيْطٍ خاطَ به ثَوبًا؛ لَزِمَه ردُّه وإن انْتَقَض البِناء، وتفصَّل الثوبُ؛ لأِنَّه مَغْصوبٌ أمْكَنَ ردُّه؛ فَوَجَبَ؛ كما لو لم يَبْنِ عَلَيهِ، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ)؛ لأِنَّه صارَ هالكًا (٢)، فَوَجَبَ قِيمَتُه؛ كما لو أتْلَفَه. (وَإِنْ سَمَّرَ بِالْمَسَامِيرِ بَابًا؛ لَزِمَهُ قَلْعُهَا وَرَدُّهَا)؛ للخَبَرِ (٣)، ولا (٤) أثَرَ لِضَرَرِهِ؛ لأِنَّه حَصَلَ بتَعَدِّيهِ. مسائِلُ: إذا غَصَبَ فَصِيلاً ونحوَه، فأدْخَلَه دارَه، وتعذَّر خُروجُه؛ نُقِضَ بابُه مَجَّانًا. فإنْ دَخَلَ الفَصِيلُ بنَفْسِه، أو أدْخَلَه ربُّه دارًا غَصَبَها؛ غَرَمَ مالِكُه أرْشَ نَقْضِ البِناء وإصلاحِه، وإنْ بَذَلَ له ربُّه عِوَضَه؛ لَزِمَه قَبولُه. وقِيلَ: لا. وقِيلَ:

стр. 3318

يُذْبَحُ إنْ أدْخَلَه ربُّه. ولو عَمِلَ فيها غاصبُها (١) تابوتًا، ولم يَخرُجْ؛ فُكِّكَ التابوت (٢)، ولم يُنقَض البِناءُ. وإنْ سَقَطَ في مِحْبَرَته مالٌ بتَفْريطِه؛ أُخْرِجَ، فإنْ لم يُمكِنْ؛ كُسِرَتْ له مَجَّانًا، وإن لم يُفَرِّطْ؛ ضَمِنَ ربُّ المال كَسْرَها، فإنْ بَذَلَ ربُّها بَدَلَ مالِه؛ وَجَبَ قَبولُه في الأصحِّ. فَرْعٌ: إذا باعَ دارَه وله فِيها أَسِرَّةٌ، وتعذَّر الإخْراجُ والتَّفْكِيكُ؛ غَرِمَ أرْشَ نَقْضَ (٣) البِناءِ، وقِيلَ: كما لو قَلَعَ أحْجارًا له فيها مَدفُونةٌ، وفَصَّل في «الشَّرح» (٤). (وَإِنْ زَرَعَ الْأَرْضَ وَرَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِ الزَّرْعِ)؛ فهو للغاصِبِ بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٥)؛ لأِنَّه نَماءُ مالِه، (فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا)؛ أي: أُجْرةُ مِثْلِها إلى وَقْت التَّسْليمِ؛ لأِنَّه اسْتَوْفَى نَفْعَها، فَوَجَبَ عَلَيهِ عِوَضُه، كما لو اسْتَوْفاهُ بالإجارة، ولأِنَّ المنفَعَةَ مالٌ، فَوَجَبَ أنْ يَضمَنَ كالعَينِ، وعَلَيهِ ضَمانُ النَّقص. ولو لم يَزْرَعْها، فنَقَصَتْ لِترْكِ الزِّراعة؛ كأرض البصرة؛ ضَمِنَ ذلِكَ. ورَوَى عنه حَرْبٌ: أنَّ له تَمَلُّكَه أيضًا (٦)؛ بناءً على أنَّ الزَّرعَ يَنبُتُ على

стр. 3319

ملْكِ مالِكِ الأرض ابْتِداءً، وقرَّر بعضُ أصْحابِنا مُوافَقَتَه للقياس؛ بأنَّ المتولِّدَ بَينَ أبَوَينِ مملوكَينِ من الآدميين (١)؛ يكون مَمْلوكًا لِمالِكِ الأمِّ بالاتِّفاق (٢)، مع كَونِه مخلوقًا من مائهما، وبطونُ الأمهات بمنزلة الأرض، وماءُ الفُحول بمنزلة البَذْرِ. والمذْهَبُ هو الأوَّلُ. (وَإِنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ) فِيهَا؛ (خُيِّرَ بَيْنَ تَرْكِهِ إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَتِهِ)؛ أي: بأُجْرةِ مِثْلِه وأرْشِ نَقْصِ الأرض، (وَبَيْنَ أَخْذِهِ بِعِوَضِهِ)، هذا قَولُ القاضِي، وعامَّةِ أصْحابِه، والشَّيخَينِ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْهُما يَحصُلُ به غَرَضُه، فَمَلَكَ الخِيَرةَ بَينَهُما؛ تَحْصِيلاً لِغَرَضِه. وظاهِرُه: أنَّه لا يَمْلِكُ إجْبارَ الغاصِبِ على قَلْعِه، خِلافًا لأِكْثَرِهِمْ؛ لقَولِه ﵇: «لَيسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حَقٌّ» (٣)، ولأِنَّه زَرَعَ في أرْضِ غَيرِه ظُلْمًا، أشْبَهَ الغرس. لنا: ما رَوَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ زَرَعَ في أرْضِ قَومٍ بغَيرِ إذْنِهم؛ فلَيسَ له من الزَّرْع شَيءٌ، وله نَفَقَتُه» رواه أحمدُ، وأبو داود (٤)، والتِّرْمذِيُّ وحسَّنَه (٥)، ولأِنَّه أمْكَنَ ردُّ المغْصوب إلى مالِكِه من غَيرِ إتْلافِ مالِ

стр. 3320

الغاصِبِ على قُرْبٍ من الزَّمانِ، فلم يَجُزْ إتْلافُه، كما لو غَصَبَ سَفِينةً، فَحَمَلَ فِيهَا متاعَه، فأدْخَلَها لُجَّةَ البحر؛ لا يُجْبَرُ على إلْقائِهِ، فكذا هُنا؛ صِيانَةً للمال عن التَّلَفِ. وفارَقَ الشَّجَرَ؛ لِطُولِ مُدَّتِه، وحَديثُهم محمولٌ عَلَيهِ، وحَدِيثُنا على الزَّرع، وبه يُجمَعُ (١) بَينَهما، ولأِنَّه زَرعٌ حَصَلَ في ملْكِ غَيرِه، فلم يُجبَرْ على قَلْعِه على وَجْهٍ يَضُرُّ به، كما لو كانت الأرضُ مُسْتَعارَةً أوْ مَشْفوعةً. (وَهَلْ ذَلِكَ قَيمَتُهُ أَوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحَدُهُما: أنَّ ذلِكَ قِيمتُه، صحَّحه القاضِي في «تعليقه»؛ لأِنَّه بَدَلٌ عن الزَّرْع، فيُقدَّرُ بِقِيمَتِهِ، كما لو أتْلَفَه، وعليه: يَجِبُ على الغاصب أجْرُ الأرض إلى حِينِ تَسْلِيم ذلك، وذَكَرَ أبو يَعْلَى الصَّغيرُ: لَا، نَقَلَهُ إبْراهِيمُ بنُ الحارِثِ (٢). والثَّانِي: هي نَفَقَتُه، فَعَلَى هذا: يَرُدُّ على الغاصب ما أنْفَقَ من البَذْر، ومُؤْنَةِ لَوَاحِقِه من الحَرْث والسَّقْيِ ونحوِهما، وهذا هو المذْهَبُ. قال ابنُ الزَّاغُونِيِّ: أصْلُهما: هل يَضْمَنُ وَلَدَ المغْرور بِمِثْلِه أوْ قِيمَتِه؟ وقال أبو الحُسَينِ: فِيهِ ثالثةٌ خرَّجها أخي (٣) أبو القاسِمِ: أنَّ صاحِبَ الأرض يُخَيَّرُ؛ إن شاء دَفَعَ القِيمةَ، وإنْ شاءَ النَّفقةَ، نَقَلَ مُهَنَّى: ويُزَكِّيهِ إنْ

стр. 3321

أخَذَهُ قَبْلَ وجوبها (١)، وإلاَّ فَوَجْهانِ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ)؛ لأِنَّه نَماءُ ملْكِه، (وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ)؛ أيْ: أُجْرةُ المِثْل، وذَكَرَ بعضُ أصحابنا أنَّ أحمد نَصَّ على مِثْلِ ذلِكَ. وقيل: له قَلْعُه إنْ ضَمِنَه. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين فِيمَنْ زَرَعَ بلا إذْنِ شَرِيكِه: والعادةُ بأنَّ مَنْ زَرَعَ فِيهَا له نَصِيبٌ معلومٌ، ولِربِّها نَصيبٌ، قُسِّم ما زَرَعَه في نَصِيبِ شريكِه كذلِكَ (٢). تنبيهٌ: وهل الرَّطْبةُ وغيرُها؛ كزرعٍ أوْ غَرْسٍ؟ فيه احْتِمالانِ، فلو غَصَبَ أرْضًا فَغَرَسَها فأثْمَرتْ؛ فسيأتي. (وَإِنْ غَرَسَهَا، أَوْ بَنَى فِيهَا؛ أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ (٣) وَبِنَائِهِ)؛ أيْ: إذا طالَبَ مالِكُ الأرض؛ لَزِمَ الغاصِبَ ذلِكَ، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٤)؛ للأثَرِ الحَسَنِ (٥)، ذَكَرَه في «الشَّرح»، وفي «الرِّعاية»: أنَّه الأصحُّ، وفي روايةِ أبي داودَ والدَّارَقُطْنِيِّ من حديثِ عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ قال: ولقد (٦) أخْبَرَنِي الَّذي حدَّثني هذا الحديثَ: «أنَّ رجلَينِ اخْتَصَما إلى رسول الله ﷺ ، غَرَسَ أحدُهما نَخْلاً في أرض الآخَرِ، فَقَضَى لصاحِبِ الأرض بأرْضِه، وأَمَرَ صاحِبَ النَّخْل أنْ يُخْرِج نَخْلَه منها، فلقد رأيتُها وإنَّها لَتُضْرَبُ أصولُها بالفُؤوس، وإنَّها لَنَخْلٌ عُمٌّ» (٧)،

стр. 3322

قال أحمدُ: (العُمُّ: الطِّوالُ)، ولأِنَّه شَغل (١) ملك غَيرِه بملْكِه الَّذي لا حُرْمةَ له في نَفْسِه، فَلَزِمَه تفريغُه، كما لو جَعَلَ فيها قُماشًا. وظاهِرُ كلامِهم: لا فَرْقَ في ذلِكَ بين (٢) الشَّرِيكِ وغَيرِه، وصرَّح به الحارِثِيُّ، قال جعفرُ بنُ محمَّدٍ: سمعتُ أبا عبد الله يُسأل عن رجلٍ غَرَسَ نخْلاً بَينَه وبَينَ قَومٍ مُشاعًا، قال: إنْ كانَ بغَيرِ إذْنِهم؛ قَلَعَ نَخْلَه (٣). (وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ، وَأَرْشِ نَقْصِهَا)؛ لأِنَّه ضَرَرٌ حَصَلَ بفِعْلِه؛ فَلَزِمَه إزالتُه كغَيرِه، (وَأُجْرَتِهَا)؛ أي: أجرةِ مِثلِها إلى وقْتِ التَّسليمِ. وإنْ بَذَل ربُّها قِيمةَ الغِراس والبِناء لِيَملِكَه؛ لم يَلزَم الغاصِبَ قَبولُه، وله قَلْعُهما، ويَضمَنُ الأرْشَ والأُجرةَ. وإنْ وَهَبَهَا (٤) لمالك (٥) الأرض، وفي الإزالة غَرَضٌ صحيحٌ؛ لم يُجبَرْ، وإلاَّ فَوجْهانِ. وشَمِلَ ذلِكَ: ما إذا غَرَسَها بغراسِ مالِكِها. وحُكْمُ البِناء كالغرس، إلاَّ أنَّه (٦) يتخرَّج إذا بَذَلَ مالِكُ الأرض القِيمةَ لصاحب البِناء؛ فإنَّه يُجبَرُ على قَبولِها إذا لم يَكنْ في النَّقْض (٧) غَرَضٌ

стр. 3323

صحيحٌ؛ لأِنَّ النَّقضَ (١) سَفَهٌ. والأوَّلُ أصحُّ. فَرْعٌ: إذا غَصَبَها، فَغَرَسَها، فأثْمَرَتْ، فأدْرَكَها ربُّها بعد أخْذِ الغاصِبِ؛ فهِيَ له، وكذا لو أدْرَكَها والثَّمرةُ عَلَيهَا؛ لأِنَّها ثمَرةُ شَجَرِهِ، فكانَتْ له كأغْصانِها. وقال القاضِي: هي لِمالِكِ الأرض، قال (٢) أحمدُ في روايةِ عليِّ بنِ سَعيدٍ: إذا غَصَبَ أرْضًا، فَغَرَسَهَا فالنَّماءُ لِمالِك الأرض (٣)، فعلى هذا: عَلَيهِ من النَّفقة ما أنْفَقَه الغارس. فلو غَصَبَ شَجَرًا، فأثْمَرَ؛ فالثَّمَرُ لِمالِكِ الشَّجَر بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٤)، ذَكَرَه في «الشَّرح». فَرْعٌ: إذا أخَذَ تُرابَ الأرض، فَضَرَبَه لَبِنًا؛ ردَّه ولا شَيءَ له، إلاَّ أنْ يَجعَلَ فيه تِبْنًا، فله أنْ يَحُلَّه ويَأخُذَ تِبْنَه، فإنْ كان لا يَحصُل مِنهُ شَيءٌ؛ فَوَجْهانِ. وإنْ طالَبَه المالِكُ بِحَلِّه؛ لَزِمَهُ إذا كان فيه غَرَضٌ صحيح (٥)، وإلاَّ فَوَجْهانِ. وإن جَعَلَه آجُرًّا (٦)؛ لَزِمَه رَدُّه، ولا أُجْرةَ لِعَمَلِه، ولَيسَ له كَسْرُه، ولا للمالِكِ إجْبارُه عليه؛ لأِنَّه سَفَهٌ، وإتْلافٌ للمال. فلو غَصَبَ أرْضًا، وكَشَطَ تُرابَها؛ لَزِمَه ردُّه وفَرْشُه كما كان، وإن لم يكُنْ فيه غَرَضٌ؛ فهل يُجبَرُ على فَرْشِه؟ يَحتَمِلُ وَجْهَينِ.

стр. 3324

فَرْعٌ (١): القابِضُ بعَقْدٍ فاسِدٍ من المالِكِ إذا غَرَسَ أوْ بَنَى؛ فللمالك تملُّكُه بالقيمة؛ كغرس المسْتَعِير، ولا يقْلَع إلاَّ مَضْمونًا؛ لاِسْتِناده إلى الإذْن، ذَكَرَه القاضِي وابنُ عَقِيلٍ. (وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا فَرَقَعَ بِهِ سَفِينَةً)، وخِيفَ مِنْ قَلْعِه؛ (لَمْ يُقْلَعْ حَتَّى تُرْسَى)؛ لأِنَّ في قَلْعِه إفْسادًا لمالِ الغَيرِ مع إمْكانِ ردِّ الحقِّ إلى مُسْتَحِقِّه بعد زمنٍ يسير، ولا فرق بين (٢) أن يكون المالُ للغاصِبِ أوْ غَيرِه، حَيَوانًا مُحْتَرَمًا أوْ لَا. وقال أبو الخَطَّاب: إنْ كان فيها حَيَوانٌ مُحتَرَمٌ، أو مالٌ لغَيرِ الغاصب؛ لم يُقلَع؛ كالخَيط (٣). والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّه أمْكَنَ ردُّ المغْصوب من غَيرِ إتْلافٍ، كما لو كان فيها مالُ غَيرِه. واقْتَضَى ما سَبَقَ: أنَّها لو كانت على السَّاحِل، أو كانَتْ في اللُّجَّة واللَّوحُ في أعْلاها بحَيثُ لا تَغْرَقُ (٤)؛ لَزِمَه القَلْعُ. (وَإِنْ غَصَبَ خَيْطًا، فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ) مُحْتَرَمٍ، (وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْ قَلْعِهِ) الضرر (٥)، وقِيلَ: التَّلَفُ، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ)؛ لأِنَّه تعذَّرَ ردُّ الحقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، فَوَجَبَ ردُّ بَدَلِه، وهو القِيمةُ. وظاهِرُه: لا يَلزَمُه القَلْعُ، صرَّح به في «المغني» وغيره؛ لأِنَّ الحَيَوانَ آكَدُ حُرْمَةً مِنْ بَقِيَّة المال، بدليلِ: أنَّه لا يَجوزُ مَنْعُ مائه (٦) مِنهُ.

стр. 3325

وَعُلِم منه: أنَّ الحيوان إذا كان غَيرَ مُحتَرَمٍ؛ كالمرتَدِّ والخِنْزير ونحوِه؛ وَجَبَ ردُّه؛ لأِنَّه لا يَتَضَمَّنُ تَفْويتَ ذِي حُرْمَةٍ، أشْبَهَ ما لو خاطَ به ثَوبًا. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مَأْكُولاً لِلْغَاصِبِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ، وَيَذْبَحُ الْحَيَوَانَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أشْهَرُهما: أنَّه يَلزَمُه ردُّه؛ لأِنَّه يُمكِنُه ذَبْحُ الحَيَوان، والاِنْتِفاعُ بِلَحْمِه، وذلِكَ جائِزٌ، وإن حصل نَقْصٌ على الغاصب، فليس بمانِعٍ من وُجوبِ ردِّ المغْصوب (١)؛ كنَقْض (٢) البِناء. والثَّانِي: لا يَجِبُ قَلْعُه؛ «لِنَهْيِه ﵇ عن ذَبْح الحَيَوان لغَيرِ مَأْكَلةٍ» (٣)، ولأِنَّ له حرمةً في نَفْسِه. وللمؤلِّف احْتِمالٌ: يُذبَح (٤) المعدُّ له؛ كبهيمةِ الأنعام، دُونَ غَيره كالخيل؛ لأِنَّه إتْلافٌ له، فَجَرَى مَجْرَى ما لا يُؤكَلُ. وظاهِرُه: أنَّه لا يَلزَمُه الرَّدُّ إذا كان مأْكُولاً لِغَيرِ الغاصِبِ، صرَّح به في

стр. 3326

«المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ فيه إضْرارًا بصاحبه، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ. (وَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ)؛ لأِنَّ عَدَمَ الرَّدِّ في (١) الحياةِ إنَّما كان خَشْيةَ التَّلَفِ، وقد أَمِن بالموت، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا)، فلا يَلزَمُه الرَّدُّ؛ لأِنَّ حُرمةَ الآدَمِيِّ باقِيَةٌ، وغَيرُه لا يُساوِيهِ فِيها، فَعَلَى هذا: تَجِبُ قِيمَتُه. وقِيلَ: يَلزَمُه الرَّدُّ؛ للعُموم.

стр. 3327

(فَصْلٌ) (وَإِنْ زَادَ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً؛ كَالسِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ مُنْفَصِلَةً (١)؛ كَالْوَلَدِ، وَالْكَسْبِ)؛ لأِنَّه من نَمَاءِ المغْصوب، وهو لِمالِكِه، فَلَزِمَه ردُّه؛ كالأصل. (وَإِنْ (٢) غَصَبَ جَارِحًا فَصَادَ بِهِ، أَوْ شَبَكَةً، أَوْ شَرَكًا، فَأَمْسَكَ شَيْئًا، أَوْ فَرَسًا فَصَادَ عَلَيْهِ أَوْ غَنِمَ؛ فَهُوَ لِمَالِكِهِ)؛ لأنَّ (٣) ذلِكَ كلَّه بِسَبَبِ ملْكه، فكان له؛ كما لو غَصَبَ عبْدًا فَصادَ. وقِيلَ: هو للغاصِبِ في الكُلِّ؛ لأِنَّه هو (٤) الصَّائدُ، والجارِحُ آلةٌ، فَعَلَى ذلِكَ: عَلَيهِ أُجْرةُ ذلِكَ كلِّه مُدَّةَ مُقامِه في يَدِهِ إنْ كانَ له أُجرةٌ. وعلى الأوَّل: لا أجرة (٥) له في وَجْهٍ. وفي آخَرَ: عليه أجْرةُ الِمثْل؛ لأِنَّه اسْتَوفَى منافِعَه، أشْبَهَ ما لو لم يَصِدْ. ولو غَصَبَ عَبدًا، فَصادَ أوْ كَسَبَ؛ فهو لِسيِّده وفي وجوب أُجرةِ العبد على الغاصِب في مُدَّة كَسْبِه وصَيدِه؛ وجْهانِ، والمختارُ: أنَّه لا أجرة (٦) له؛ لأنَّ منافعه في هذه المدَّة مصروفةٌ إلى مالِكِه، فلم يَسْتَحِقَّ عِوَضَها على غَيره، لكِنْ لو غَصَبَ مِنْجَلاً، فَقَطَعَ به شَجَرًا، أوْ حَشِيشًا؛ فهو للغاصِبِ؛ لأِنَّ هذه آلةٌ، فهو كالحَبْل يربط به.

стр. 3328

(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ، أَوْ غَزْلاً فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ، أوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا؛ ردَّ ذَلِكَ) إلى مالِكِه في ظاهِرِ المذْهَبِ؛ لأِنَّه عَينُ ماله (١)، أشْبَهَ ما لو ذَبَحَ الشَّاةَ فَقَطْ، ولأِنَّه لو فَعَلَه بملْكه؛ لم يَزُلْ عنه، فكذا إذا فَعَلَه بملْكِ غَيرِه، (بِزِيَادَتِهِ) إنْ زاد، (وَأَرْشِ نَقْصِهِ) إن نَقَص؛ لكَونه حَصَل بفِعْله، ولا فَرْق بَينَ نقص العَينِ، أو القِيمة، أو هما، (وَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ أيْ: للغاصِبِ بِعَملِه المؤدِّي إلى الزِّيادة؛ لأِنَّه تبرُّعٌ في ملك غَيره، فلم يستحِقَّ لذلك عِوضًا، كما لو غلى زَيتًا فزادت قيمتُه، لكِنْ إنْ أمْكَنَ الرَّدُّ إلى الحالة الأولى كحُلِيٍّ، وأوانٍ، ودراهِمَ، ونحوِها؛ فللمالك إجبارُه على الإعادة. (وَعَنْهُ: يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ)، ذَكَرَ في «المستوعب» و «المذهب»: أنَّها ظاهِرُ المذْهَب؛ لأِنَّ الزِّيادةَ حصلت بمنافِعِه، والمنافِعُ تَجرِي مَجرَى الأعيان، أشبَهَ ما لو غصب ثَوبًا فصَبَغَه. وفرَّق في «المغني» و «الشرح»: بأنَّ الصِّبغ عَينُ مالٍ لا يزولُ ملك مالكه عنه بجَعْله مع ملك غيره، بخلاف ما ذكر. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَمْلِكُهُ) الغاصِبُ، (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) قَبل تَغييره، هذا روايةٌ عن أحمدَ نَقَلَها عنه محمَّد بن الحَكَم (٢) فِيمَنْ جَعَلَ حَديدًا سُيوفًا: يُقوَّم فيعطيه الثَّمَنَ على القيمة، حديث النَّبيِّ ﷺ في الزَّرع: «أعْطوهُ ثَمَنَ (٣) بَذْره» (٤). ورُدَّ: بأنَّه قَولٌ قَديمٌ مَرجوعٌ عنه.

стр. 3329

وعنه: يخيَّر المالِكُ بَينَهما، فلو وَهَبُه الغاصِبُ عَمَلَه؛ لَزِمَه قَبولُه (١)، قاله في «الرِّعاية». (وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ مَالِكِهَا؛ لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّه إتْلافٌ لا نفعَ فيه، فلم يَكن له فِعْلُه، كما لو غَصَبَ نقرةً فطَبَعَها دراهِمَ، ثمَّ أراد ردَّها نقرةً. ومُقتَضاه: أنَّه إذا طالبه المالك بطمِّها؛ أنَّه يَلزَمُه؛ لأِنَّه يَضُرُّ بالأرض. والثَّاني: له طمُّها لغرَضٍ صحيحٍ؛ لأِنَّه لا يَبرَأ من الضَّمان بإبراء المالك له؛ لأِنَّه إبْراءٌ ممَّا لم يَجِبْ بعدُ، مع أنَّه إبْراءٌ من حقِّ غَيرِه، وهو الواقِعُ (٢) فيها. ونَصَرَ في «المغْنِي» و «الشَّرح» الأوَّل؛ بأنَّ الضَّمانَ إنَّما يَلزَمُه لوجود التَّعدِّي، فإذا رَضِيَ صاحبُ الأرض؛ زال التَّعدِّي، فيزول الضَّمانُ، وليس هذا إبْراءً ممَّا لم يَجِبْ، وإنَّما هو إسْقاطُ التَّعدِّي برضاه به. وهذا الخلاف جارٍ فيما ذَكَرَه، فلو وضع التُّرابَ في غَيرِ أرض مالِكِها، أو لم يُبرِئْه من الضَّمان؛ فلا. وحُكْمُ ما إذا مَنَعَهُ من طَمِّها كذلك. تنبيهٌ: إذا غَصَبَ بقرةً، وأنزى (٣) عليها فحلَه، أو بالعكس؛ فالولدُ لربِّ الأم، ولا أُجرةَ لفِعْله، ولا أرْش، وعليه أرْشُ فَحْل غيره إن ضرَّه ضِرابُه، وأُجْرتُه إن صحَّ إيجاره لذلك.

стр. 3330

وإذا أفْرخَتْ طَيرَةُ زَيدٍ عند عَمْرٍو من طَيرِه، فَفَرْخُها لزَيدٍ، نَصَّ عليه (١)، وعليه ما أنفقه عمرٌو إن نوى الرُّجوع به، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ بَيضًا فَصَارَ فَرْخًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ غَرْسًا)، وفي «الانتصار»: أو غُصنًا فصار شجرةً؛ (رَدَّهُ)؛ لأِنَّه عينُ مالِ مالكه، ونَقْصَهُ (٢)، (وَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأنَّه تبرَّعَ بفِعْله. (وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ: مِثْلُ الذِي قَبْلَهُ)، فيرُدُّه ونَقْصَه، أو يَمْلِكه الغاصِبُ، أو يكون شريكًا بالزِّيادة على ما مرَّ؛ لأِنَّه إذا قَصَرَ الثَّوبَ ونحوَه؛ ساوَى ذلك حُكْمًا. فَرْعٌ: إذا صار الرُّطَبُ تَمرًا، أو السِّمْسِمُ شَيرَجًا، أو العِنَبُ عَصيرًا؛ أَخَذَ ربُّه مِثلَ أيِّهما شاء.
следующие страницы →