← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

«المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ فيه إضْرارًا بصاحبه، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ. (وَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ)؛ لأِنَّ عَدَمَ الرَّدِّ في (١) الحياةِ إنَّما كان خَشْيةَ التَّلَفِ، وقد أَمِن بالموت، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا)، فلا يَلزَمُه الرَّدُّ؛ لأِنَّ حُرمةَ الآدَمِيِّ باقِيَةٌ، وغَيرُه لا يُساوِيهِ فِيها، فَعَلَى هذا: تَجِبُ قِيمَتُه. وقِيلَ: يَلزَمُه الرَّدُّ؛ للعُموم.

стр. 3327

(فَصْلٌ) (وَإِنْ زَادَ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً؛ كَالسِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ مُنْفَصِلَةً (١)؛ كَالْوَلَدِ، وَالْكَسْبِ)؛ لأِنَّه من نَمَاءِ المغْصوب، وهو لِمالِكِه، فَلَزِمَه ردُّه؛ كالأصل. (وَإِنْ (٢) غَصَبَ جَارِحًا فَصَادَ بِهِ، أَوْ شَبَكَةً، أَوْ شَرَكًا، فَأَمْسَكَ شَيْئًا، أَوْ فَرَسًا فَصَادَ عَلَيْهِ أَوْ غَنِمَ؛ فَهُوَ لِمَالِكِهِ)؛ لأنَّ (٣) ذلِكَ كلَّه بِسَبَبِ ملْكه، فكان له؛ كما لو غَصَبَ عبْدًا فَصادَ. وقِيلَ: هو للغاصِبِ في الكُلِّ؛ لأِنَّه هو (٤) الصَّائدُ، والجارِحُ آلةٌ، فَعَلَى ذلِكَ: عَلَيهِ أُجْرةُ ذلِكَ كلِّه مُدَّةَ مُقامِه في يَدِهِ إنْ كانَ له أُجرةٌ. وعلى الأوَّل: لا أجرة (٥) له في وَجْهٍ. وفي آخَرَ: عليه أجْرةُ الِمثْل؛ لأِنَّه اسْتَوفَى منافِعَه، أشْبَهَ ما لو لم يَصِدْ. ولو غَصَبَ عَبدًا، فَصادَ أوْ كَسَبَ؛ فهو لِسيِّده وفي وجوب أُجرةِ العبد على الغاصِب في مُدَّة كَسْبِه وصَيدِه؛ وجْهانِ، والمختارُ: أنَّه لا أجرة (٦) له؛ لأنَّ منافعه في هذه المدَّة مصروفةٌ إلى مالِكِه، فلم يَسْتَحِقَّ عِوَضَها على غَيره، لكِنْ لو غَصَبَ مِنْجَلاً، فَقَطَعَ به شَجَرًا، أوْ حَشِيشًا؛ فهو للغاصِبِ؛ لأِنَّ هذه آلةٌ، فهو كالحَبْل يربط به.

стр. 3328

(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ، أَوْ غَزْلاً فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ، أوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا؛ ردَّ ذَلِكَ) إلى مالِكِه في ظاهِرِ المذْهَبِ؛ لأِنَّه عَينُ ماله (١)، أشْبَهَ ما لو ذَبَحَ الشَّاةَ فَقَطْ، ولأِنَّه لو فَعَلَه بملْكه؛ لم يَزُلْ عنه، فكذا إذا فَعَلَه بملْكِ غَيرِه، (بِزِيَادَتِهِ) إنْ زاد، (وَأَرْشِ نَقْصِهِ) إن نَقَص؛ لكَونه حَصَل بفِعْله، ولا فَرْق بَينَ نقص العَينِ، أو القِيمة، أو هما، (وَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ أيْ: للغاصِبِ بِعَملِه المؤدِّي إلى الزِّيادة؛ لأِنَّه تبرُّعٌ في ملك غَيره، فلم يستحِقَّ لذلك عِوضًا، كما لو غلى زَيتًا فزادت قيمتُه، لكِنْ إنْ أمْكَنَ الرَّدُّ إلى الحالة الأولى كحُلِيٍّ، وأوانٍ، ودراهِمَ، ونحوِها؛ فللمالك إجبارُه على الإعادة. (وَعَنْهُ: يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ)، ذَكَرَ في «المستوعب» و «المذهب»: أنَّها ظاهِرُ المذْهَب؛ لأِنَّ الزِّيادةَ حصلت بمنافِعِه، والمنافِعُ تَجرِي مَجرَى الأعيان، أشبَهَ ما لو غصب ثَوبًا فصَبَغَه. وفرَّق في «المغني» و «الشرح»: بأنَّ الصِّبغ عَينُ مالٍ لا يزولُ ملك مالكه عنه بجَعْله مع ملك غيره، بخلاف ما ذكر. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَمْلِكُهُ) الغاصِبُ، (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) قَبل تَغييره، هذا روايةٌ عن أحمدَ نَقَلَها عنه محمَّد بن الحَكَم (٢) فِيمَنْ جَعَلَ حَديدًا سُيوفًا: يُقوَّم فيعطيه الثَّمَنَ على القيمة، حديث النَّبيِّ ﷺ في الزَّرع: «أعْطوهُ ثَمَنَ (٣) بَذْره» (٤). ورُدَّ: بأنَّه قَولٌ قَديمٌ مَرجوعٌ عنه.

стр. 3329

وعنه: يخيَّر المالِكُ بَينَهما، فلو وَهَبُه الغاصِبُ عَمَلَه؛ لَزِمَه قَبولُه (١)، قاله في «الرِّعاية». (وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ مَالِكِهَا؛ لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّه إتْلافٌ لا نفعَ فيه، فلم يَكن له فِعْلُه، كما لو غَصَبَ نقرةً فطَبَعَها دراهِمَ، ثمَّ أراد ردَّها نقرةً. ومُقتَضاه: أنَّه إذا طالبه المالك بطمِّها؛ أنَّه يَلزَمُه؛ لأِنَّه يَضُرُّ بالأرض. والثَّاني: له طمُّها لغرَضٍ صحيحٍ؛ لأِنَّه لا يَبرَأ من الضَّمان بإبراء المالك له؛ لأِنَّه إبْراءٌ ممَّا لم يَجِبْ بعدُ، مع أنَّه إبْراءٌ من حقِّ غَيرِه، وهو الواقِعُ (٢) فيها. ونَصَرَ في «المغْنِي» و «الشَّرح» الأوَّل؛ بأنَّ الضَّمانَ إنَّما يَلزَمُه لوجود التَّعدِّي، فإذا رَضِيَ صاحبُ الأرض؛ زال التَّعدِّي، فيزول الضَّمانُ، وليس هذا إبْراءً ممَّا لم يَجِبْ، وإنَّما هو إسْقاطُ التَّعدِّي برضاه به. وهذا الخلاف جارٍ فيما ذَكَرَه، فلو وضع التُّرابَ في غَيرِ أرض مالِكِها، أو لم يُبرِئْه من الضَّمان؛ فلا. وحُكْمُ ما إذا مَنَعَهُ من طَمِّها كذلك. تنبيهٌ: إذا غَصَبَ بقرةً، وأنزى (٣) عليها فحلَه، أو بالعكس؛ فالولدُ لربِّ الأم، ولا أُجرةَ لفِعْله، ولا أرْش، وعليه أرْشُ فَحْل غيره إن ضرَّه ضِرابُه، وأُجْرتُه إن صحَّ إيجاره لذلك.

стр. 3330

وإذا أفْرخَتْ طَيرَةُ زَيدٍ عند عَمْرٍو من طَيرِه، فَفَرْخُها لزَيدٍ، نَصَّ عليه (١)، وعليه ما أنفقه عمرٌو إن نوى الرُّجوع به، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ بَيضًا فَصَارَ فَرْخًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ غَرْسًا)، وفي «الانتصار»: أو غُصنًا فصار شجرةً؛ (رَدَّهُ)؛ لأِنَّه عينُ مالِ مالكه، ونَقْصَهُ (٢)، (وَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأنَّه تبرَّعَ بفِعْله. (وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ: مِثْلُ الذِي قَبْلَهُ)، فيرُدُّه ونَقْصَه، أو يَمْلِكه الغاصِبُ، أو يكون شريكًا بالزِّيادة على ما مرَّ؛ لأِنَّه إذا قَصَرَ الثَّوبَ ونحوَه؛ ساوَى ذلك حُكْمًا. فَرْعٌ: إذا صار الرُّطَبُ تَمرًا، أو السِّمْسِمُ شَيرَجًا، أو العِنَبُ عَصيرًا؛ أَخَذَ ربُّه مِثلَ أيِّهما شاء.

стр. 3331

(فَصْلٌ) (وَإِنْ نَقَصَ؛ لَزِمَهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ)، وَلَوْ بِنَبَاتِ لِحْيةِ أمْرَدَ، وقَطْعِ ذَنَبِ حِمار القاضِي (١)، (بِقِيمَتِهِ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّه ضَمانُ مالٍ من غَيرِ جِنايةٍ، فكان الواجِبُ ما نَقَصَ؛ كالبَهيمة؛ إذِ القَصْدُ بالضَّمان: جَبرُ حقِّ المالِكِ بإِيجابِ قَدْرِ ما فَوَّتَ عَلَيهِ، ولأِنَّه لو فات الجميعُ لَوَجَبَتْ قِيمتُه، فإذا فات منه شَيءٌ؛ وَجَبَ قَدْرُه من القيمة؛ كغَيرِ الحيَوان، (رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ)؛ لاِشْتِراكِهما في التلف (٢). (وَعَنْهُ: أَنَّ الرَّقِيقَ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ فِي الْإِتْلَافِ)، فيَجِب في يَدِه: نصفُ قِيمتِه، وفي مُوضِحَته: نصفُ عُشرِ قِيمتِه؛ لأِنَّه ضَمانٌ لأِبْعاضِه، فكان مُقدَّرًا من قِيمتِه؛ كأرْشِ الجناية. والمذْهَبُ: يَضْمَنُه مطلَقًا بقِيمتِه، بالِغةً ما بَلَغَتْ، ونَقَلَ حَنبَلٌ: لا يُبلَغُ بها دِيةُ حُرٍّ (٣). (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَضْمَنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُمَا)؛ لأِنَّ سَبَبَ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُما قد وُجِدَ، فَوَجَبَ أنْ يَضْمَنَه بأكْثَرِهما، كما لو غَصَبَه وجَنَى عَلَيهِ. تنبيهٌ: إذا كان النَّقصُ في الرَّقيق ممَّا (٤) لا مُقدَّر فيه؛ كنَقْصه لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ؛ فَعَلَيهِ ما نَقَصَ مع (٥) الرَّدِّ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦).

стр. 3332

فإن نَقَصَ المغْصوبُ بغَيرِ انْتِفاعٍ واستِعْمالٍ، أو عابَ؛ وَجَبَ أرْشُه، وفي أُجْرته وَجْهانِ. فإن نَقَصَ باستِعْماله؛ فكذلِكَ. وقِيلَ: يَجِبُ الأكثرُ من أُجرته، وأَرْش نَقْصِه. وإنْ غَصَبَ ثَوبًا فَلَبِسه وأبْلاهُ، فنَقَصَ نصفُ قِيمتِه، ثمَّ غَلَت الثِّيابُ فعادَتْ قِيمتُه؛ ردَّه وأَرْشَ نَقْصِه. (وَإِنْ غَصَبَهُ وَجَنَى عَلَيْهِ؛ ضَمِنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ)، هذا على القَول بأنَّ ضمانَ الغَصْب غَيرُ ضَمان الجناية، وهو الصَّحيح؛ لأِنَّ سَبَبَ كلِّ واحِدٍ منهما وُجِد؛ فَوَجَبَ أكْثَرُهما، ودَخَلَ الآخَرُ فيه. وإنْ قُلْنَا: ضَمانُ الغَصْبِ ضَمانُ الجناية؛ كان الواجِبُ أَرْشَ الجناية؛ كما لو جَنَى عليه من غَيرِ غَصْبٍ. (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُ الْغَاصِبِ)؛ بأنْ قَطَعَ يَدَه مثلاً؛ (فَلَهُ)؛ أيْ: للمالِك تضمينُ مَنْ شاء منهما؛ لأِنَّ الجانِيَ قَطَعَ يَدَه، والغاصِبَ حَصَلَ النَّقص في يَدِه، (تَضْمِينُ الْغَاصِبِ أَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ) إذا قُلْنا: إنَّ ضَمانَ الغَصْب ما نَقَصَ، (وَيَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ)، وهو نِصفُ القِيمة هُنا؛ لأِنَّها أرْشُ جنايته، فلا يَجِبُ عليه أكثرُ منها. (وَلَهُ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ (١) الْجِنَايَةِ)، وهو نِصفُ القيمة لا غَيرُ، ولم يَرجِعْ على أَحَدٍ؛ لأِنَّه لم يُضَمِّنْه أكثرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيهِ، (وَتَضْمِينُ الْغَاصِبِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ)؛ أيْ: إذا كان أكثرَ من نصف (٢) القيمة، ولا يَرجِعُ على أحَدٍ.

стр. 3333

وإنْ قُلْنا: ضمانُ الغَصْب ضَمانُ الجناية، أو لم تَنقُص (١) أكثرَ من قيمته؛ لم يَضمَنِ الغاصِبُ ههُنا شَيئًا. وإن اختار تَضْمينَ الغاصب، وقُلْنا: إنَّ (٢) ضمانَ الغَصْب كضمان الجناية؛ ضَمَّنَه نصفَ القيمة، ورَجَعَ بها الغاصِبُ على الجاني؛ لأِنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بفِعْلِه. (وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ)، أوْ قَطَعَ يَديْه أو ذَكَرَه، أوْ ما تَجِبُ فيه الدِّيةُ من الحرِّ؛ (لَزِمَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)؛ لأِنَّ المتلَفَ (٤) البَعْضُ، فلا (٥) يَقِفُ ضمانُه على زوال الملْكِ، كقَطْعِ خُصْيَتَيْ ذَكَرِ المدبَّر، ولأِنَّ الخُصْيَتَينِ يَجِبُ فيهما كمالُ القيمةِ (٦)، كما يَجِب فيهما كمالُ الدِّية من الحرِّ. (وَعَنْهُ: فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ: رُبُعُ قِيمَتِهَا)، نَصَرَه القاضِي وأصحابُه؛ لِمَا رَوَى زيدُ بنُ ثابِتٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضَى في عَين الدَّابَّة بِرُبُعِ قِيمتِها» (٧)، وعن عُمَرَ: أنَّه كَتَبَ إلى شُرَيحٍ لَمَّا كَتَبَ يسألُه عن عَين الدَّابَّة: «إنَّا كنَّا ننزلها منزلةَ الآدَمِيِّ، إلاَّ أنَّه أجْمَعَ رأْيُنا أنَّ قيمتَها رُبُعُ الثَّمَن» (٨)،

стр. 3334

وهذا إجْماعٌ فقُدِّم (١) على القياس. وخَصَّ في «الرَّوضة» هذه الرِّوايةَ: بعَين الفَرَس، وأنَّ عَيْنَ غَيرِها بما نَقَصَ، لكِنْ (٢) أحمدُ قالَهُ في عَينِ الدَّابَّة كقَول عُمَرَ (٣). (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ)؛ أيْ: أنَّه يَضْمَنُ نَقْصَه بالقِيمة، رقيقًا كان أو غيرَه، وحديثُ زَيدٍ لا نَعرِفُ صحَّتَه، بدليلِ احْتِجاجِ أحمدَ بقول عُمَرَ دونَه (٤)، مع أنَّ قَولَ عُمَرَ محمولٌ على أنَّ ذلك كان قَدْرَ نقصها، كما رُوِيَ عنه: «أنَّه قَضَى في العين القائمةِ: بخمسين دينارًا» (٥)، ولو كان تقديرًا لوجب (٦) في العَين نصفُ الدِّية؛ كعَينِ الآدَمِيِّ. (وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَيْنُ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ؛ لَمْ يَضْمَنْ، نَصَّ عَلَيْهِ (٧) وهو قولُ

стр. 3335

جمهور العلماء؛ لأِنَّه ردَّ العَينَ بحالِها، لم ينقص منها (١) عَينٌ ولا صفةٌ، فلم يَلزَمْه شَيءٌ؛ كسَمِينٍ هَزَلَ، فزادت (٢). وعنه: بلى، ذَكَرَها ابنُ أبي موسى، وقاله أبو ثَورٍ، كعَبدٍ خَصاهُ، فزادت قيمتُه. وقيل: مع تَلَفِه. (وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، ثُمَّ عَادَتْ بِبُرْئِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) إلاَّ ردَّه؛ لأِنَّه لم يُذهِبْ ما له قِيمةً، والعَيبُ الَّذي أوْجَبَ الضَّمانَ زال في يده، وكما لو انْقَلَع سِنُّه ثمَّ عاد. ونَصُّه: يضمن النَّقصَ (٣)؛ كزيادةٍ في يده على الأصحِّ. فعلى الأوَّل: لو ردَّ المغصوبَ مَعِيبًا، وزال عَيبُه في يَدِ مالِكِه، وكان أَخَذَ الأَرْشَ؛ لم يَلزَمْه ردُّه؛ لأِنَّه اسْتَقرَّ ضَمانُه بردِّ المغصوب، وإن لم يأخُذْه؛ لم يَسقُطْ ضمانُه لذلِكَ. (وَإِنْ زَادَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؛ مِثْلَ: أَنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً، فَعَادَتِ الْقِيمَةُ؛ ضَمِنَ النَّقْصَ)؛ لأِنَّ الزِّيادةَ الثَّانيةَ من غَيرِ جِنْس الأُولى، فلم يَنجَبر (٤) بها. (وَإِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ لِسِمَنٍ أَوْ نَحْوِهِ)، مِنْ تَعلُّمِ صَنْعةٍ؛ كغَصْبِه عَبْدًا قِيمتُه مائَةٌ، فزادت قِيمتُه بِما ذُكِر حتَّى صارتْ مائَتَينِ، (ثُمَّ نَقَصَتِ) القيمةُ بنُقْصانِ بَدَنِه، أوْ نِسْيانِ ما تَعَلَّمَه حتَّى صارَتْ قَيمتُه مائةً؛ (ضَمِنَ الزِّيادَةَ) مع ردِّه؛ لأِنَّها زيادةٌ في نفس المغْصوبِ، فَلَزِمَ الغاصِبَ ضمانُها، كما لو طالَبَه بردِّها فلم يَفعَلْ، وكما لو كانت موجودةً حالَ الغَصْب.

стр. 3336

وعَنْهُ: لا يَضْمَنُها، ذَكَرَها ابنُ أبِي موسَى؛ لأِنَّه ردَّ العَينَ كما أَخَذَها. (وَإِنْ عَادَ مِثْلُ الزِّيَادَةِ الْأُولَى مِنْ جِنْسِهَا؛ لَمْ يَضْمَنْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، ذَكَرَ في «الشَّرح» أنَّه أقْيَسُ؛ لأِنَّ ما ذَهَبَ عادَ، فهو كما لو مَرِضَ فنَقَصَتْ قِيمتُه، ثمَّ بَرَأَ فعادَتْ. والثَّانِي: يَضمَنُها، صحَّحه ابنُ حَمْدانَ، كما لو كانا من جِنسَينِ، ولأِنَّ الزِّيادةَ الثَّانيةَ غَيرُ الأُولَى، فعلى هذا: لَوْ هُزِلَت مرَّةً ثانيةً؛ بأنْ كان قِيمتُها مائَةً يَومَ الغَصْب، فَسَمِنَتْ، فَبَلغَتْ ألْفًا، ثمَّ هُزِلَت فعادَتْ إلى مائةٍ، ثمَّ سَمِنَتْ فعادت إلى ألْفٍ، ثمَّ هُزِلَت فعادت إلى مائةٍ؛ ضَمِنَ النَّقْصَينِ بألْفٍ وثَمانِمائةٍ. وقيل: يَضمَنُ أكثرَ السِّمَنَينِ قِيمةً، جَزَمَ به في «الوجيز». (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأُولَى؛ لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهَا)، جَزَمَ به أكثرُ الأصحاب؛ لأِنَّ الثَّانيةَ غَيرُ الأُولَى. وقال أبو الخَطَّاب: مَتَى زادَتْ، ثمَّ نَقَصَت، ثُمَّ زاد مثلُ الزِّيادة الأُولى؛ فَوَجْهانِ، سواءٌ كانا من جِنسَينِ؛ كالسِّمَن والتَّعلُّم، أو من جنسٍ؛ كسِمَنٍ مرَّتَينِ. (وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا مُفْرِطًا فِي السِّمَنِ، فَهُزِلَ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ)، أوْ لم تَنقُص القِيمةُ؛ (رَدَّهُ)؛ لأِنَّه عَيْنُ ملْكِ غَيرِه، (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ القِيمةَ لم تَنقُصْ، فلم يَجِبْ شَيءٌ. فَرْعٌ: إذا غَصَبَ دارًا فَنَقَضَها ولم يَبْنِها؛ فعليه أُجْرتُها إلى حين نَقْضها، وأجْرُها مهدومةً من حين نَقْضها إلى حين ردِّها، وإنْ بَنَاها بآلة مِنْ عِندِه؛ فالحُكمُ كذلِكَ، وإن كان بآلتها أو آلةٍ مِنْ ترابها، أو ملْكِ المغْصوبِ منه؛ فعليه أُجرتُها عَرْصَةً منذُ نَقَضَها إلى أنْ بَنَاها، وأُجْرتُها دارًا فِيمَا قَبْلَ ذلِكَ وبَعْدَه.

стр. 3337

(وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ؛ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ؛ خُيِّرَ بَيْنَ أَخْذِ مِثْلِهَا)؛ أيْ: أخْذِ بَدَلِها، (وَبَيْنَ تَرْكِهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا وَيَأْخُذَهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا)؛ كذا قالَهُ في «الهداية»، و «الوجيز». وفي «المغْنِي»: أنَّ هذا القَولَ لا بأْسَ به؛ لأِنَّه لا يَجِبُ المِثْلُ؛ لِوجودِ عَينِ مالِه، ولا يَجِبُ أرْشُ العَيب؛ لعَدَمِ اسْتِقراره؛ لأنَّه لا يُمكِنُ معرفتُه ولا ضَبطُه، وحَيثُ كان كذلك بَقِيَتِ الخِيَرةُ إلَيهِ بَينَ أخْذِ البَدَل؛ لِمَا في التَّأخير من الضَّرَر، وبَينَ الصَّبر حتَّى يَسْتَقِرَّ الفسادُ؛ لأِنَّه إذا رَضِيَ بالتَّأخِيرِ سَقَطَ، فيأخُذُ العَينَ؛ لأِنَّها ملْكُه، ويأخُذُ أرْشَ النَّقص من الغاصِبِ؛ لأِنَّه حَصَلَ بجِنايته، أشْبَه تَلَفَ الجزءِ (١) المغصوب. وقيل: يَجِبُ الأرْشُ مطلَقًا. وقال القاضِي: عليه بَدَلُه؛ لأِنَّه لا يَعلَمُ قَدْرَ نَقْصِه. ولم يرجِّح في «الفروع» شَيئًا. فَرْعٌ: إذا اسْتَعْمَل عبدًا بغَيرِ إذْنِ سيِّده؛ فهو كغَصْبه. وكلُّ مغصوبٍ زكَّاه مالِكُه حالَ غَصْبِه؛ رَجَعَ بما غَرِمَ على غاصبه (٢)، قال ابن حمْدانَ: إنْ ضَمِنَ منفعةَ المغْصُوبِ؛ ضَمِنَ، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ جَنَى الْمَغْصُوبُ؛ فَعَلَيْهِ)؛ أي: الغاصِبِ (أَرْشُ جِنَايَتِهِ)؛ لأِنَّه نَقْصٌ في العبد الجانِي، فكان عليه؛ كسائر نَقْصِه، (سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ)؛ لأِنَّها من جُملةِ جِناياتِه، فكان مضمونًا على الغاصب؛ كالجناية على الأجنبيِّ، وقيل: لا يَضمَنُ جنايتَه على سيِّده لتعلُّقها برَقَبَته، (أَوْ غَيْرِهِ)، وسواءٌ في ذلك ما يُوجِب القِصاصَ أو المالَ، ولا يَلزَمُه أكثرُ من النَّقْص الَّذي لَحِقَ العَبْدَ.

стр. 3338

(وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَعَلَى مَالِهِ؛ هَدَرٌ)؛ لأِنَّه إذا جَنَى على أجْنَبِيٍّ وَجَبَ أرْشُه على الغاصِبِ، فلو وَجَبَ له شَيءٌ؛ لَوَجَبَ على نفسه. ومحلُّه: في غَيرِ قَوَدٍ، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع»، فلو قَتَلَ عَبْدًا لأِحَدِهِما عَمْدًا؛ فله قَتْلُه به، ثمَّ يَرجِعُ السَّيِّدُ بِقِيمَتِه على الغاصِبِ فِيهِمَا. (وَتُضْمَنُ (١) زَوَائِدُ الْغَصْبِ؛ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ إِذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ؛ كَالْأَصْلِ)، سَواءٌ تَلِفَ منفرِدًا أوْ مع أصْلِه؛ لأِنَّه مالٌ مَغْصوبٌ حَصَلَ في يَدِه، فيَضمَنُه بالتَّلَف؛ كالأصل (٢).

стр. 3339

(فَصْلٌ) (وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ (١)، مِثْلَ: أَنْ خَلَطَ حِنْطَةً أَوْ زَيْتًا بِمِثْلِهِ؛ لَزِمَهُ مِثْلُهُ)، قَولاً واحدًا؛ لأِنَّه مِثْلِيٌّ، فيَجِبُ مِثْلُ مَكِيلِهِ، (مِنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ (٢)، ونَصَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وجَزَمَ به المجْدُ، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّه قَدَرَ على دَفْع ماله إليه مع ردِّ المِثْل في الباقي، فلم يَنْتَقِلْ إلى بَدَلِه في الجميع، كما لو غَصَبَ صاعًا، فتَلِفَ بعضُه. (وَفِي الآْخَرِ: يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ)، قال القاضِي: هو قِياسُ المذْهَب؛ لأِنَّه تعذَّر ردُّ عَينِ مالِه بالخَلْط؛ فوجَب مُطلَقُ الِمثْل. وفي «الوسيلة» و «الموجز»: قسم ثمنهما (٣) بقدْر قيمتهما. أمَّا لو خلطه (٤) بما لا قِيمةَ له، كزَيتٍ خَلَطَه بماءٍ؛ فإنْ أمْكَنَ تخليصُه؛ خَلَّصَه وردَّه، وردَّ نَقْصه، وإن لم يُمكِن تخليصُه، أو كان ذلك يُفسِده؛ لَزِمَه مِثلُه، وإن لم يُفسِدْه؛ ردَّه ورَدَّ نَقصَه، وإنِ احْتِيجَ في تخليصه إلى غرامةٍ؛ فعلى الغاصِبِ. (وَإِنْ خَلَطَهُ بِدُونِهِ، أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) على وجْهٍ لا يتميَّزُ؛ (لَزِمَهُ مِثْلُهُ فِي قِيَاسِ التِي قَبْلَهَا)، قال القاضِي: هذا قِياسُ المذْهَب؛ لأِنَّه صار بالخَلْط مُسْتَهْلَكًا. وكذا لو اشترى زَيتًا فخَلَطَه بزَيته، ثمَّ أفْلَس؛ صار البائعُ كبعض الغُرَماء؛

стр. 3340

لأِنَّه تعذَّر عليه الوصول (١) إلى عَينِ مالِه، فكان له بَدَلُه، كما لو كان تالفًا (٢). إلاَّ أنَّه إذا خَلَطَه بخَيرٍ منه، وبَذَلَ الغاصِبُ مِثلَ حقِّه منه؛ لَزِمَه قَبولُه، وإن كان بأدْنَى منه، فرضي المالكُ بأخْذِ قَدْرِ حقِّه منه؛ لزِمَ الغاصِبَ بَدَلُه. وقيل: لا؛ لأنَّ حقَّه انتَقَل إلى الذِّمَّة، فلم يُجبَر على عين (٣) مالٍ. وإن اتَّفَقا على أن يأخذ أكثرَ من حقِّه من الرَّدِيء، أو دُونِ حقِّه من الجيِّد؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّه رِبًا، وإن كان بالعكس، فرضِيَ بأخْذِ (٤) دُونِ حقِّه من الرَّديءِ، أو سَمَحَ الغاصِبُ بدَفْع أكثرَ من حقِّه من الجيِّد؛ جاز؛ لأِنَّه لا مُقابِلَ للزِّيادة. وإن خَلَطَه بغَيرِ جِنسِه، فتراضَيَا على أنْ يأخُذَ دُونَ حقِّه، أو أكثر؛ جازَ؛ لأِنَّ بَدَلَه من غَيرِ جِنْسه، فلا تَحرُمُ الزِّيادةُ بَينَهما. (وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا)، هذا هو المذْهَبُ عند المحقِّقين، قال في رواية أبي الحارث في رجلٍ له رَطْل شيرج (٥)، وآخَرَ له رَطْلُ زَيتٍ، واخْتَلَطا: يُباعُ الدُّهنُ كلُّه، ويُعطَى كلُّ واحِدٍ قَدْرَ حصَّته؛ لأِنَّه إذا فَعَلَ ذلك وَصَلَ كلُّ واحد (٦) إلى عَينِ مالِه (٧). فإن نَقَصَ المغصوبُ عن قيمته منفرِدًا؛ فعلى الغاصب ضمانُ النَّقص؛ لأِنَّه حصل بفِعْله. فلو اختَلَط درهمٌ باثْنَينِ لآِخَرَ فتَلِفَ اثنانِ؛ فما بَقِيَ بَينَهما على ثلاثةٍ، أو

стр. 3341

نِصفَانِ؟ فيه وجْهانِ. مسألة: إذا اختَلَط نقدٌ حرامٌ بمِثْله، أو أكثرَ؛ دَفَعَ قدْرَ (١) الحرام إلى مالكه، أو مَنْ يقوم مقامَه، أو تصدَّق به عن ربِّه إنْ جَهِله، وما بقي حلالٌ. وإنْ (٢) عَبَر الحرام الثُّلثَ، وقيل: أو بَلَغَه؛ حرُم الكلُّ، وتصدَّق به. وقيل: كالأوَّل؛ يُخرِج قدرَ الحرام. قال أحمد في الذي يعامِلُ بالرِّبا: يأخذ رأسَ ماله، ويَرُدُّ الفضْلَ إن عَرَفَ ربَّه، وإلاَّ تصدَّق به (٣)، ولا يُؤكَلُ عِندَه شَيءٌ (٤). وإنْ شَكَّ في قَدْرِ الحرام؛ تَصَدَّق بما يَعلَمُ أنَّه أكثرُ منه، نَصَّ على ذلك كلِّه (٥). (وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِزَيْتٍ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا، أَوْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا؛ ضَمِنَ النَّقْصَ)؛ لأِنَّه حصل بتعدِّيه فضمنه (٦)، كما لو أتْلَف بعضَه، فإن كان النَّقص بسبب تغيُّر الأسعار؛ لم يَضمَنه على المذهب. (وَإِنْ لَمْ تَنْقُصِ) القيمةُ (وَلَمْ تَزِدْ)؛ كما لو كانت قيمةُ كلِّ واحِدٍ منهما خمسةً، فصارَتْ قيمتُهما عشرةً، (أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا (٧)؛ فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا)؛ لأِنَّ عَينَ الصِّبْغِ ملْكُ الغاصِبِ، واجْتِماعَ الملْكَينِ يقتضي الاِشْتِراكَ.

стр. 3342

(وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا؛ فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ (١)؛ أيْ: لصاحِبِ الملك الَّذي زادت قيمتُه؛ لأِنَّها تَبَعٌ للأصل (٢)، فعلى هذا: إن كانت لزيادة الثِّياب في السُّوق؛ كانت الزيادة لمالك الثَّوب، وإن كانت لزيادة الصِّبغ؛ فهي لمالك الصِّبْغ. (فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ؛ لَمْ يُجْبَرِ الآْخَرُ عَلَيْهِ)؛ أيْ: يُمنَعُ طالِبُ قَلْعِ الصّبغ منهما، كذا في «المحرر»، و «الوجيز»، و «الفروع»؛ لأِنَّ المريدَ للقلع إمَّا الغاصِبُ؛ لم يُجْبَر المغصوبُ منه؛ لأِنَّ مالَه يَنقُص بسبب أخْذِه، أو المغصوبُ منه؛ لم يُجبَر الغاصبُ عليه؛ لأِنَّ الصّبغَ يهلِك بالإخراج، وقد أمْكَنَ وصولُ الحقِّ إلى صاحبه بدونه، وهو البَيعُ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُجْبَرَ إِذَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ النَّقْصَ)؛ لأِنَّ المانِعَ لِمَا يَلحَقُه من الضَّرر، فإذا ضَمِنَه الغاصِبُ؛ انْتَفَى، فَوَجَبَ أن يجبَر؛ عَمَلاً بالمقتضي (٣) السَّالم عن المعارض (٤). وظاهِرُه يَقتَضِي اختصاصَ هذا بمن ذُكِر، وليس كذلك، فإنَّ الحكمَ في الآخَر كذلك، وعبارةُ «المحرر» و «الفروع» أَوْلى: ويَحتَمِل أنْ يُمكَّنَ إذا ضَمِنَ نقصَ حقِّ الآخَر (٥). وعنه: لا يَضمَنه ربُّ المال كبناءٍ. ونقل في «الشَّرح» عن الأصحاب: أنَّ الغاصب إذا أراد قَلْعَ الصِّبغ؛ فله ذلك، سواءٌ أضرَّ بالثَّوب أو لا، ويَضمَنُ نَقْصَ الثَّوب؛ لأِنَّه عَينُ مالِه.

стр. 3343

وظاهر «الخِرَقِيِّ»: أنَّه لا يَملِكُ القَلعَ حيث تضرر (١) الثَّوبُ. ولم يفرِّق أصحابُنا بين ما يَهلِك صِبغُه بالقَلْع وبَينَ ما لا يَهلِك، قال في «المغني»: وينبغِي أنَّه لا يملكه إذا هَلَك بالقَلْع؛ لأِنَّه سَفَهٌ. وإن أراده المغصوبُ منه؛ فوجهانِ. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّه لا يَملِك إجبارَه عليه، ولا يُمَكَّنُ من قَلْعِه (٢). وحكى في «الرعاية» احتِمالاً: أنَّ له قلعَه بأرْشِه مع بقاء قيمةِ الثَّوب قَبلَه. وليس للغاصِبِ أخْذُ الثَّوب بقيمته، فلو بذل ربُّ الثَّوب قيمةَ الصِّبغ لمالكه؛ لم يُجبَر على قَبوله، كما لو بذل قيمةَ الغِراس. وقيل: بلى إذا لم يَقلَعه؛ كالغرس في الأرض المشفوعة. (فَإِنْ (٣) وَهَبَ الصِّبْغَ لِلْمَالِكِ، أَوْ وَهَبَهُ تَزْوِيقَ الدَّارِ وَنَحْوِهَا؛ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكَ قَبُولُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: أنَّه يَلزَمه قَبولُ ذلك؛ لأِنَّ الصِّبغَ صار من صفات العَينِ، فهو كزيادة الصِّفة في المسلَم به، وكنَسْج الغَزْلِ، لا هبةُ مساميرَ سمَّر بها الباب المغصوبَ. والثَّاني: لا؛ لأنَّه عَينٌ يُمكِن إفرادُها؛ كالغراس. فإنْ أراد مالِكُ الثَّوب بَيعَه؛ فله ذلك؛ لأِنَّه ملكُه، وإن أراد الغاصِبُ بَيعَه؛ لم يُجَبْ إليه؛ لِتعدِّيه.

стр. 3344

(وَإِنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثوبًا (١)، أَوْ زَيْتًا فلتَّ (٢) بِهِ سَوِيقًا؛ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ)؛ أيْ: أنَّهما شريكانِ، حَيثُ كان الصِّبْغُ والثَّوب ملكًا للغاصب؛ لأِنَّه خَلَطَ المغصوبَ بماله. (وَاحْتَمَلَ: أَنْ تَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ، أَوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا)؛ لأِنَّ الصِّبغَ قد تفرَّق في الثَّوب، والزَّيتَ مُسْتهلَكٌ في السَّويق (٣)، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَهُما. (وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا فَصَبَغَهُ بِهِ؛ رَدَّهُ)؛ لأِنَّه عَينُ ملْكِ غَيرِه، (وَ) يَرُدُّ (أَرْشَ نَقْصِهِ)؛ لأِنَّه حصل بفِعْله، (وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَتِهِ)؛ لأِنَّه مُتَبرِّعٌ. وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يكونا لاِثْنَينِ أوْ لواحِدٍ. وفي «الرِّعاية»: إذا كانا من واحِدٍ وزادا (٤)؛ فزيادتُهما لَغْوٌ، ويَحتَمِل الشَّرِكة، وإن كانا من اثْنَينِ؛ اشتركا في الأصل، والزِّيادةُ بالقيمة، وما نقص أحدَهما؛ غَرِمَه الغاصِبُ. وقيل: زيادةُ أحدهما لِربِّه. وفي «الشَّرح»: هما شريكانِ بقدر ملْكَيْهما، فإن زادت فالزِّيادةُ لهما، وإن نَقَصَ فالضَّمانُ على الغاصب، ويكون النَّقصُ من صاحب الصِّبغ؛ لأِنَّه تَبَدَّد في الثَّوب، ويَرجِع بها على الغاصب، وإن نقص السِّعرُ لنَقْص سعر الثِّياب، أو الصِّبغ، أو هما؛ لم يَضمَنه الغاصبُ، وكان نقصُ كلِّ واحِدٍ من صاحبه. فَرْعٌ: إذا دَفَع ثَوبًا إلى غَير مالكه، فَلَبِسه ولم يَعلَم؛ ضَمِنه دافِعُه. وقيل: لابِسُه. وقيل: يَجِب أكثرُهما إن كان له أجرةٌ، وإلاَّ فأرْشُه فقط.

стр. 3345

(فَصْلٌ) (وَإِنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ) بَعْدَ غَصْبها؛ فهو زانٍ؛ لأنَّها لَيستْ زوجةً، ولا ملْكَ يمينٍ، (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ)؛ أيْ: حدُّ الزِّنى إذا (١) كان عالِمًا بالتَّحريم؛ لأِنَّه لا ملْكَ له عليها، ولا شبهةَ ملْكٍ، (وَالْمَهْرُ)؛ أي: مهرُ مِثلِها؛ لأِنَّه يَجِبُ بالوطء في غَير ما ذكرنا، (وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً)؛ لأِنَّ المهرَ حقٌّ للسَّيِّد، فلم يَسقُطْ بمُطاوَعَتها، كما لو أذِنَتْ في قَطْعِ طَرَفها. وعَنْه: لا مَهْرَ لِمُطاوِعةٍ؛ لأِنَّه «﵇ نهى عن مهر البَغِيِّ» (٢). وجوابُه: بأنَّه محمولٌ على الحُرَّة، ولأِنَّه حقٌّ للسَّيِّد مع الإكراه (٣)، فيَجِبُ مع الطواعية؛ كأجْر مَنافِعِها. (وَأَرْشُ بَكَارَتِهَا (٤)؛ لأِنَّه بَدَلُ جُزءٍ منها (٥). وقيل: لا يَجِبُ؛ لدُخوله في مَهْر البِكْر، ولهذا تَزيدُ (٦) على مَهْر الثَّيِّب عادةً؛ لَأجْلِ ما يَتَضَمَّنُه من تَفْويتِ البَكارة. (وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ مَهْرُ الثَّيِّبِ)؛ لأِنَّه لم يَنقُصْها ولم (٧) يُؤْلِمْها، أشْبَهَ ما لو قَبَّلَها. والأوَّلُ أَوْلَى.

стр. 3346

(وَإَنْ وَلَدَتْ؛ فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ)؛ لأِنَّه مِنْ نَمائِها وأجْزائِها، ولأِنَّه يَتْبَع أُمَّه في الرِّقِّ في النِّكاح الحَلالِ؛ فهُنا أَوْلَى، ولا يُلحَقُ نَسَبُه بالواطِئ؛ لأِنَّه مِنْ زنىً، ويَجِبُ رَدُّه معها؛ كزوائد الغَصْب. وإنْ سَقَطَ ميتًا؛ لم يَضمَنْه، ذَكَرَه القاضِي؛ لأِنَّه لا يعلم حياتَه قبل هذا. وقال أبو الحُسَينِ: يجب ضَمانُه بقيمته لو كان حيًّا. وفي «المغني»: يَضمَنُه بعُشْر قِيمةِ أُمِّه؛ لأِنَّه الَّذي يَضمَنُه في الجناية (١). فلو وَضَعَتْه حيًّا ثمَّ مات؛ ضَمِنَه بقِيمته يَومَ انْفِصالِه. (وَيَضْمَنُ نَقْصَ الْوِلَادَةِ)؛ لأِنَّه نَقْصٌ حصل بفِعْله؛ كنَقْصِها بقَطْع طَرَفِها، ولا يَنجَبِرُ بزيادتها بالولد. وإنْ ضَرَبَ الغاصِبُ بَطْنَها، فألْقَت الجَنِينَ ميتًا؛ فعليه عُشرُ قِيمةِ أُمِّه؛ كالأجنَبِيِّ، وللمالِكِ تضمينُ أيِّهما شاء، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الضَّارِب؛ لأِنَّ الإتْلافَ وُجِدَ منه. وإنْ ماتَت الجارِيةُ؛ فعليه قِيمتُها أكثرَ ما كانت، ويَدخُل فيه أَرْشُ بَكارَتِها، ونَقْصُ الوِلادَةِ، دُونَ وَلَدٍ ومَهْرٍ. فأمَّا إنْ كان الغاصِبُ جاهِلاً بالتَّحريم؛ لم يُحدَّ، وعَلَيهِ المهْرُ وأَرْشُ البَكارةِ، والولَدُ حُرٌّ، يَلحَقُه نَسَبُه؛ لِمكان الشُّبْهة. وهي إنْ كانت مُطاوِعةً عالِمةً بالتَّحريم؛ فعَلَيها الحَدُّ إنْ كانت من أَهْله، وإلاَّ فَلَا. فرع: ضَرَب بهيمةً، فألْقَتْ جنينًا ميتًا؛ ضَمِن نَقْصَ القِيمة، نَصَّ عليه (٢). وقيل: بل عُشْرَ قِيمةِ أُمِّه. وقيل: بل قِيمتَه (٣) لو كان حَيًّا.

стр. 3347

وإنْ تَلِفَ لا بجِنايَةٍ؛ فَهَدَرٌ. وقيل: يَضمَنُ؛ لأِنَّ التَّلَفَ كالإتْلاف. (وَإِنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا لِعَالِمٍ بِالْغَصْبِ)؛ فهو فاسِدٌ على المذهب، (فَإِنْ وَطِئَهَا؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ)، أمَّا الغاصِبُ؛ فلأِنَّه السَّببُ في إِيصالِها إلى الغَير، وأمَّا المشْتَري والمتَّهِب؛ لأِنَّه المتْلِفُ، ولِمَا فيه من (١) تحصيل حقِّه، وزَجْرِ مَنْ يَشتريه مِنْ غاصِبِه أوْ متَّهبه؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما غاصِبٌ، (نَقْصَهَا، وَمَهْرَهَا، وَأُجْرَتَها، وَقِيمَةَ وَلَدِهَا)؛ أي: التَّالِف؛ لأِنَّ ذلك جميعَه يَضمَنُه الغاصِبُ لو انْفَرَد؛ فكذا هُنا. (فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبُ؛ رَجَعَ عَلَى الآْخَرِ)؛ لأِنَّ النَّقْصَ حصل في يده، والمنفعةَ حصلت له، (وَلَا يَرْجِعُ الآْخَرُ) - وهو المشْتَرِي والمتَّهِبُ حَيثُ ضَمِنَه - (عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه المتْلِفُ، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِالْغَصْبِ، فَضَمَّنَهُمَا) المالِكُ المهرَ وأَرْشَ البَكارة ونَقْصَ الولادة؛ (رَجَعَا عَلَى الْغَاصِبِ)؛ لأِنَّهما دَخَلَا في العَقْد على أنْ يُتْلِفا ذلك بغَيرِ عِوَضٍ، فَوَجَبَ أنْ يَرجِعا عليه؛ لكَونِه غَرَّهما. (وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ فَالْوَلَدُ حُرٌّ)؛ لاِعْتِقاده أنَّه وَطِئَ مَمْلوكَتَه، ويَلحَقُه النَّسب؛ لِمَكان الشُّبهة، (وَيَفْدِيهِ) على الصَّحيح؛ لأِنَّه فوَّتَ رِقَّه على سيِّده باعْتِقاده حِلَّ الوَطْءِ، أشْبَهَ وَلَدَ المغْرورِ. وعنه: لا فداء عليه؛ لاِنْعِقاده حُرًّا. والمذْهَبُ الأوَّلُ، فيكون الفِداءُ يَومَ الوَضْع، وهو مختارُ القاضِيَيْنِ والشَّيخَينِ وغيرِهم؛ لأِنَّه أوَّلُ أوْقاتِ الإمْكانِ، وظاهِرُ إطْلاقِ أحمدَ في روايةِ ابنِ منصورٍ: أنَّه يَومُ المحاكَمَةِ (٢).

стр. 3348

(بِمِثْلِهِ فِي صِفَاتِهِ تَقْرِيبًا)، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، والقاضِي، وعامَّةِ أصحابه؛ لأِنَّ الوَلَدَ حُرٌّ، والحرُّ لا يُضمَنُ بالقِيمة. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُعْتَبَرَ مِثْلُهُ فِي الْقِيمَةِ)، هذا روايةٌ عن أحمدَ، واختاره أبو بَكْرٍ؛ لأِنَّه أقْربُ من نَفْسِ القِيمةِ. (وَعَنْهُ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ)، اخْتارَه في «التَّلخيص»، وصحَّحه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ الحَيَوانَ لَيسَ بمِثْلِيٍّ، فيُضمَنُ بقِيمَتِه؛ كسائر المتقوِّمات. وعنه: بأيِّهما شاء، اختاره أبو بَكرٍ في «المقنع». (وَيَرْجِعُ بِهِ (١) بالمهْرِ وما فُدِيَ به الوَلَدُ (عَلَى الْغَاصِبِ)؛ لأِنَّه قد غَرَّه، وقَضَى به عُمَرُ في المهْرِ (٢). وعن أحمدَ: لا رُجوعَ له بالمهر، قَضَى به علِيٌّ (٣).

стр. 3349

ثُمَّ إنْ كانت الجاريةُ باقِيةً؛ رَدَّها إلى سيِّدها، ولا يَرجِع بِبَدلها؛ لأِنَّها ملْكُ المغصوب منه، لكِنْ يَرجِعُ بالثَّمَن الَّذي أَخَذَه منه. (وَإِنْ تَلِفَتْ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) لِمالِكِها، كما يَلزَمُه نَقْصُها، فلو قَتَلَها الغاصِبُ بوَطْئِه؛ فالدَّيةُ، نَقَلَه مُهَنَّى (١). (وَلَا يَرْجِعُ بِهَا) على الغاصب (٢) (إِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا)؛ لأِنَّ المشْتَرِيَ دَخَلَ مع الغاصب على أنْ يكونَ ضامِنًا لذلك الثَّمَنِ، فإذا ضَمَّنَه القِيمةَ؛ لم يَرجِعْ بها، لكِنْ يَرجِعُ بالثَّمَن؛ لأِنَّ البَيعَ باطِلٌ، فلا يَدخُلُ الثَّمَن في ملْكِ الغاصِبِ، كما لو وَجَدَ العَينَ باقِيَةً. (وَيَرْجِعُ بِهَا)؛ أيْ: بقِيمة العَين (الْمُتَّهِبُ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه دَخَلَ مع الغاصب على أنْ يُسَلِّم له العَينَ، فيَرجِعُ بما غَرَمَ مِنْ قِيمتِها على الغاصِبِ؛ كقِيمةِ الأوْلادِ. (وَعَنْهُ: أَنَّ مَا حَصَلَتْ لَهُ بِهِ مَنْفَعَةٌ (٣) كَالْأُجْرَةِ، وَالْمَهْرِ، وَأَرْشِ الْبَكَارَةِ؛ لَا يَرْجِعُ بِهِ)، اخْتارَهُ أبو بَكْرٍ؛ لأِنَّه غَرِمَ ما اسْتَوْفَى بَدَلَه، فلا يَرجِعُ به؛ كقِيمةِ الجارِيةِ، وبَدَلِ أجْزائها. وجُمْلَتُه: أنَّ المالِكَ إذا رَجَعَ على المشْتَرِي، فأراد المشْتَرِي الرُّجوعَ على الغاصب؛ فهو على أقْسام: الأوَّل: لا يَرجِعُ به، وهو قيمتها (٤) إنْ تَلِفَتْ في يَدِه، وأَرْشُ بَكارتها. وعنه: بلى، كالمهْرِ، وبَدَلِ أجزائها؛ لأِنَّه دخل مع (٥) الغاصب على أنْ

стр. 3350

يكونَ ضامِنًا لذلك الثَّمَنِ، فإذا ضَمِنَه؛ لم يَرجِعْ به. الثَّاني: يَرجِعُ به، وهو بَدَلُ الولد ونَقْصُ الولادة؛ لأنَّه دَخَلَ في العقد على أنْ لا يكون الولدُ مضمونًا عليه، ولم يَحصُلْ منه إتْلافٌ، وإنَّما الشَّرعُ أتْلَفَه بحُكمِ مَنْعِ الغاصِبِ منه. الثَّالِثُ: مَهْرُ المِثْل وأُجْرةُ نَفْعِها، وفيه رِوايتانِ؛ أشْهَرُهما: أنَّه يَرجِعُ به؛ لأِنَّه دَخَل في العقد على أنْ يُتْلِفَه بغَيرِ عِوَضٍ، فإذا غَرِمَ؛ رَجَعَ به كبَدَلِ الولد. (وَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ؛ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي)؛ لأِنَّ التَّلَفَ حَصَلَ في يَدِه، فهو كالمباشِر، والغاصِبُ كالمتَسَبِّب، (بِمَا لَا يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ)؛ أي: على الغاصِبِ؛ لأِنَّه لا فائدةَ فيه. وضابِطُه: أنَّ كلَّ ما رَجَعَ به على المشْتَرِي؛ لا يَرجِعُ به المشْتَرِي على الغاصب إذا رجع به المالِكُ على الغاصِبِ، ورَجَعَ به الغاصِبُ على المشْتَرِي، وكلَّ ما لو رَجَع به على المشْتَرِي رَجَع به المشْتَرِي على الغاصب إذا غَرِمَه الغاصِبُ؛ لم يَرجِعْ به على المشْتَرِي؛ لأِنَّ الضَّمانَ اسْتَقَرَّ على الغاصِبِ. فإنْ ردَّها حامِلاً، فماتَتْ من الوَضْعِ (١)؛ فهِيَ مضمونَةٌ على الواطِئ؛ لأِنَّ التَّلَفَ بسبَبٍ من جِهَتِه. (وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ)؛ أي: إذا اشْتَرَى المغصوبةَ مَنْ لا يَعلَم بالغَصْب، فزَوَّجها لغَيرِ عالِمٍ به، فَوَلَدَتْ من الزَّوج؛ فهو مَمْلوكٌ؛ لأِنَّه مِنْ نَمائها، (فَمَاتَ الْوَلَدُ؛ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ)؛ لأِنَّه مالٌ، وليس بِمِثْلِيٍّ؛ لكَونه يَنعَقِدُ رقِيقًا؛ لأِنَّ الواطِئَ لا يَعْتَقِد أنَّها مملوكتُه (٢)، بخِلاف المشْتَرِي الجاهِلِ بالغَصْب.

стр. 3351

(وَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا)؛ أيْ: بِقِيمة الولد (عَلَى الْغَاصِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أشْهَرُهما: أنَّه يَرجِعُ على الغاصِبِ؛ لأِنَّه غَرَّه؛ لكَونِه دَخَلَ على أنَّ الوَلَدَ إنْ تَلِفَ فهو من ضَمانِ مالِكِ الجارِيةِ؛ لأِنَّها مملوكتُه (١). والثَّانيةُ: لا رُجوعَ؛ لأِنَّ التَّلَفَ حَصَلَ في يَدِه، أشْبَهَ تَلَفَ الجارِيةِ. (وَإِنْ أَعَارَهَا، فَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ)؛ فلِلْمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاء؛ أَجْرَها وقِيمتَها، فإنْ ضَمِنَ المسْتَعيرُ مع عِلْمه بالغصب؛ لم يَرجِع به على أحَدٍ، وإنْ ضَمِنَ الغاصِبُ؛ رَجَعَ على المسْتَعِيرِ. وإن لم يَكُنْ عَلِمَ بالغَصْب فضَمِنَه؛ (اسْتَقَرَّ ضَمَانُ قِيمَتِهَا عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه قَبَضَها على أنَّها مضمونةٌ عليه، (وَضَمَانُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْغَاصِبِ)؛ لأِنَّه دَخَلَ على أنَّ المنافِعَ له غَيرُ مضمونةٍ عليه. وفي «المغْنِي»، و «الشَّرح»: أنَّه لا يَرجِعُ عليه؛ لأِنَّه انتفع بها، فقد اسْتَوْفَى بَدَلَ ما غَرِمَ. فإنْ ردَّها على الغاصب؛ لم يَبْرَأْ؛ لأِنَّه دَفَعَ العَينَ إلى غَيرِ مُسْتَحِقِّها، وهو ظاهِرٌ مع العلم، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الغاصب إنْ حَصَلَ التَّلَفُ في يَدِه. تنبيهٌ: جَعَلَ في «الشَّرح» المودَع كالمسْتَعير، والمذْهَبُ: أنَّه يَرجِعُ مُودِعٌ ونحوُه بقيمته ومنفعته، كمُرتَهِن في الأصحِّ، ويَرجِعُ مُسْتَأْجِرٌ بقيمته، وعَكسُه (٢) مُشْتَرٍ ومستعيرٌ، ويَأخُذُ مُسْتَأْجِرٌ ومُشْتَرٍ مِنْ غاصِبٍ ما دَفَعَا إليه، ويَأخُذُ مُشْتَرٍ نفقَتَه وعَمَلَه من بائِعٍ غارٍّ، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣). (وَإِذَا (٤) اشْتَرَى أَرْضًا فَغَرَسَهَا، أَوْ بَنَى فِيهَا، فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً)، وهو لا

стр. 3352

يَعلَمُ بالحال، (وَقُلِعَ غَرْسُهُ وَبِنَاؤُهُ؛ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائعِ (١) بِمَا غَرِمَهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْقِسْمَةِ)، وَوَافَقَه المتأخِّرون؛ لأِنَّه بِبَيعِه إيَّاها غَرَّه وأوْهَمَه أنَّها ملْكُه. والمنْصوصُ عنه: أنَّه يُتَمَلَّك بالقيمة ولا يُقْلَعُ مَجَّانًا، ليس هذا (٢) مَنْ (٣) غَرَسَ في أرْضِ غَيرِه فيُقْلَعُ غرسه (٤). وحَمَلَه القاضِي: على أنَّ له القِيمةَ على مَنْ غَرَّه، كما في المغْرور بِنِكاحِ أَمَةٍ، فأمَّا مالِكُ الأرض فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لم يَحصُلْ منه إذْنٌ. وفي «القواعد»: أنَّ هذا مُخالِفٌ لِمَدلولِ النصوص (٥)، وكونُه لم يَحصل منه إذْنٌ لا يَنْفِي كَونَ الغِراس مُحتَرَمًا، كالسَّيل إذا حَمَلَ نَوًى إلى أرضِ غَيرِه فَنَبَتَ فيها، أنَّه كغَرْسِ المسْتَعِيرِ في وَجْهٍ. وظاهِرُ الأوَّل: أنَّ للمالِكِ قَلْعَه. وعنه: لَيسَ للمُستَحِقِّ ذلك، إلاَّ أن يَضْمَنَ نَقْصَه، ثُمَّ يَرجِعُ بها على الغاصِبِ. (وَإِنْ أَطْعَمَ الْمَغْصُوبَ لِعَالِمٍ بِالْغَصْبِ؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه أتْلَفَ مالَ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه عالِمًا مِنْ غَير تَغْريرٍ، ولِلْمالِكِ تَضمينُ الغاصِبِ؛ لأِنَّه حالَ بَينَه وبَينَ مالِه، والآكِلِ؛ لأِنَّ التَّلَفَ حَصَلَ في يَدِه، فإنْ ضَمَّنَ الغاصِبَ؛ رَجَعَ على الآكِلِ، وإنْ ضَمَّنَ الآكِلَ؛ فَهَدَرٌ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَالَ لَهُ الْغَاصِبُ: كُلْهُ، فَإِنَّهُ طَعَامِي؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى

стр. 3353

الْغَاصِبِ)؛ لأِنَّه غَرَّه، ولاِعْتِرافه بأنَّ الضَّمانَ باقٍ عليه. وعنه: على آكِلِه؛ كأكْلِه بلا إذْنِه. قال جماعةٌ: وكذا إذا أطْعَمه لِعَبْدِه، أوْ دابَّتِه غَيرَ عالِمٍ به. (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ): هو طعامِي، أَوْ: لِي؛ (فَفِي أَيِّهِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيهِ الضَّمَانُ؟ وَجْهَانِ)، هما روايتانِ في «المغْنِي»: أحدهما: يَسْتَقِرُّ على آكله؛ لأِنَّه ضَمِنَ ما أتْلَفَ، فلم يَرجِع به على أحَدٍ؛ كآكله بلا إذْنٍ. والثَّاني: على الغاصب، وهو ظاهر «الخِرَقِيِّ» و «الفروع»؛ لأِنَّه غَرَّ الآكِلَ، وأطْعَمَه على ألاَّ يَضْمَنَه. مسألةٌ: لو أباحه للغاصب، فأَكَلَه قَبْلَ عِلْمِه؛ ضَمِنَ، ذَكَرَه في «الانتصار» و «الشَّرح». (وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ؛ لَمْ يَبْرَأْ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ، فَأَوْصَلَهَا (١) إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهَا صِلَةٌ أَوْ هَدِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ: كَيْفَ هَذَا؛ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ (٢)؛ لأِنَّه بالغَصْب أزال يَدَ المالِكِ وسَلْطَنَتَه (٣)، وبالتَّقْديم إلَيهِ لم يعودا (٤)؛ لأِنَّه لا يَمْلِكُ التَّصرُّف فيه بكلِّ ما يريد من الأخْذِ والصَّدقة ونحوِهما، فلم يَزُلْ عنه الضَّمانُ، كما لو عَلَفَه لدوابِّه. وقِيلَ: يَبرَأُ؛ بِناءً على ما إذا أطْعَمَه لأِجْنَبِيٍّ، فإنَّه يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الآكِل، وهذا روايةٌ، قال في «التَّلخيص»: فيكون في المالك روايتا

стр. 3354

الغرور (١)؛ كالأجنبيِّ وأَوْلَى. وظاهِرُه: أنَّه إذا عَلِم؛ فإنَّه يَبرَأُ الغاصِبُ؛ لأِنَّه أتْلَفَ مالَه برضاه عالِمًا به، فلو وَهَبَه المغصوب لمالكه، أو أهْداه إليه؛ لم يَبْرَأْ. وعنه: بلى، جَزَمَ به بعضُهم، وصحَّحه في «الشَّرح»؛ لأِنَّه سلَّمه إليه تسليمًا (٢) تامًّا، زالَتْ به يَدُ الغاصِبِ. (وَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ مَالِكِهِ، أَوْ أَوْدَعَهُ إِيَّاهُ، أَوْ أَجَرَهُ أَوِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى قِصَارَتِهِ، أَوْ خِيَاطَتِهِ؛ لَمْ يَبْرَأْ) من الضَّمان؛ لأِنَّه لم يَعُدْ إليه سُلْطانُه، إنَّما قَبَضَه على أنَّه أمانةٌ، (إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ)؛ لأِنَّه يَتَمَكَّنُ من التَّصرُّف فيه على حَسَبِ اخْتِياره. وقال جماعةٌ من أصْحابِنا: يَبْرَأُ مُطْلَقًا؛ لِعَودِه إلى مالِكِه. (وَإِنْ أَعَارَهُ إِيَّاهُ؛ بَرِئَ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ)؛ لأِنَّه دَخَلَ على أنَّه مضمونٌ عليه، ولا (٣) يتأتَّى وجوبُ الضَّمان على الغاصب؛ لِعَدَمِ الفائدة في الرُّجوع، فلو باعه إيَّاه وسلَّمه إليه، أو أقْرَضَه؛ بَرِئَ، جَزَمَ به في «الشَّرح»؛ لأِنَّه قَبَضَه على وَجْهٍ يُوجِبُ (٤) الضَّمانَ، والأَشْهَرُ خِلافُه. فَرْعٌ: ظاهِرُ كلامهم: أنَّ غَيرَ الطَّعام كهو في ذلك، قال في «الفروع»: ولا فَرْقَ، فلو زوَّجه الأمةَ؛ بَرِئَ من الغَصْب. وقِيلَ: إنْ عَلِمَ ربُّه، وإلاَّ فلا. (وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، فَادَّعَى رَجُلٌ أنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْهُ؛ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا)؛ أي: البائعُ أو المشْتَرِي؛ (لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الآْخَرِ)؛ لأِنَّه لا يُقبَلُ إقْرارُه في حقِّ غَيرِه، لكِنْ إنْ أقامَ المدَّعِي بَيِّنةً بما ادَّعاه؛ بَطَل البَيعُ والعِتْقُ، ويَرجِعُ المشْتَرِي على البائع بالثَّمَن.

стр. 3355

(وَإِنْ صَدَّقَاهُ مَعَ الْعَبْدِ؛ لَمْ يَبْطُلِ الْعِتْقُ) على المذهب؛ لأِنَّه حقٌّ لله تعالى، بدليلِ أنَّه لو شَهِدَ به شاهِدانِ وأنْكَرَه العَبْدُ؛ لم يُقبَلْ منه، وكذا إن صدَّقاه جميعًا دُونَ العَبْد كان حُرًّا؛ لأِنَّه قد تَعَلَّقَ به حقٌّ لغَيرهما، (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي)؛ لأِنَّ التَّلَفِ حَصَل في يَدِه، وللمالك تضمينُ مَنْ شاء منهما قيمتَه يَومَ العِتْق، فإنْ ضمَّنَ البائِعَ؛ رَجَعَ على المشْتَرِي؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وإنْ ضَمَّنَ المشْتَرِيَ؛ لم يَرجِعْ على البائع إلاَّ بالثَّمن. وإن مات العبدُ، وخلَّف مالاً؛ فهو لِوارِثِه، فإن لم يكن؛ فهو للمُدَّعِي؛ لاِتِّفاقهم على أنَّه له، ولا ولاءَ عليه؛ لأِنَّ أحدًا لا يَدَّعِيهِ. وإنْ صدَّق المشْتَرِي البائعَ وحْدَه؛ رَجَعَ عليه بِقِيمتِه، ولم يَرجِع المشْتَرِي بالثَّمَن. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إِذَا صَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ)، ويعودَ العَبدُ إلى المدَّعِي؛ لأِنَّه مَجهولُ النَّسَب، أَقَرَّ بالرِّقِّ لِمَنْ يَدَّعِيهِ، فَصَحَّ؛ كما لو لم يُعْتِقْهُ المشْتَرِي.

стр. 3356

(فَصْلٌ) (وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ)، أوْ أتْلَفَه؛ (ضَمِنَهُ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٤]، (بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا)؛ لأِنَّه لمَّا تعذَّرَ ردُّ العَينِ؛ لَزِمَه ردُّ ما يَقومُ مَقامَها، وقد حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ إجْماعًا في كلِّ مأكولٍ ومَشْروبٍ؛ أنَّه يَجِبُ على مُسْتَهْلِكِه مثله (١) لا قِيمتُه (٢)؛ لأِنَّ المِثْل أقْرَبُ إليه من القيمةِ، فهو مُماثِلٌ له من طريق الصُّورة والمشاهَدَة والمعْنَى، والقِيمةُ مماثِلةٌ له من طريق الظَّنِّ والاِجْتِهاد، والأوَّلُ مقدَّم (٣)؛ كالنَّصِّ مع القِياس. ومُقتَضاهُ: أنَّه لو قَدَرَ على المِثْل بأكثرَ من قِيمَتِه؛ لَزِمَه شِراؤه، صرَّح به في «الكافي». وعنه: يَضْمَنُه بقيمته، ذَكَرَه القاضِي، وذَكَرَ أيضًا (٤) القِيمةَ في نُقْرَةٍ وسَبِيكةٍ، وعِنَبٍ ورُطَبٍ، كما فيه صِناعةٌ مُباحةٌ لا مُحرَّمةٌ. وينبَغِي أنْ يُستَثنَى من الأوَّل: الماءُ في المفازة، فإنَّه يُضمَنُ بقيمته (٥) في البَرِّيَّة. مسألةٌ: ظاهِرُه: أنَّ المِثْلِيَّ ما حَصَرَه (٦) كَيلٌ أوْ وَزْنٌ، والأَوْلَى: وجاز السَّلَم فيه؛ كماءٍ وترابٍ.

стр. 3357

(وَإِنْ أَعْوَزَ الْمِثْلُ) في البَلَدِ أوْ حَوْلَه؛ (فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ إِعْوَازِهِ)؛ أي: يوم تعذُّره؛ لأِنَّه يَستَحِقُّ المطالَبَةَ بقِيمةِ المِثْل يَومَ الإعْواز، فَوَجَبَ أنْ تُعتَبَرَ القِيمةُ حِينَئِذٍ؛ لأِنَّه يَومُ وُجوبِها. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ)؛ أي: قَبْضِ بَدَلِه، وهذا روايةٌ عن أحمدَ؛ لأِنَّ الواجِبَ المِثْلُ إلى حِين قَبْضِ البَدَل، بدليلِ: أنَّه لو وَجَدَ المِثْلَ بَعْدَ إعْوازه؛ لكان الواجِبُ هو دُونَ القِيمةِ. (وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ)؛ لأِنَّ القِيمةَ تَثْبُتُ في الذِّمَّة يَومَ التَّلَفِ، فاعْتُبِرَت تلك الحالةُ، كما لو لم (١) تَخْتَلِف القِيمةُ. وعنه: يَلزَمُه يَومَ المحاكَمَة، وقالَهُ أكثرُ العلماء؛ لأِنَّ القِيمةَ لم تَنْتَقِلْ إلى ذِمَّته إلاَّ حِين حَكَمَ بها الحاكِمُ. وعنه: يَومَ غَصْبه. وقيل: أكثرُهما من يَوم الغَصب إلى يَومِ تَعذُّر المِثْل. فإنْ غَرِمَها، ثُمَّ قَدَرَ على المِثْل؛ لم يردَّ (٢) القِيمةَ على الأصحِّ، فلو قَدَرَ عليه قَبلَ غُرْمِها؛ عاد وُجوبُه؛ لأِنَّه الأصلُ، قَدَرَ عليه قَبْلَ أداء البَدَل، أشْبَهَ القدرةَ على الماء بَعْدَ التَّيَمُّم، ولهذا لو قَدَرَ عليه بَعْدَ المحاكَمَة وقَبْل الاِسْتِيفاءِ؛ اسْتَحَقَّ المالكُ طَلَبَه وأخْذَهُ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا)؛ كالثَّوب والعَبْد؛ (ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ)، في قَولِ الجَماعةِ؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ؛ قُوِّمَ عَلَيهِ» (٣)، فأمر بالتَّقويم في حصَّة الشَّريك؛ لأِنَّها مُتْلَفَة بالعِتْقِ، ولم يَأمُر بالمِثْلِ؛ لأِنَّ هذه الأشياءَ لا تَتَساوَى

стр. 3358

أجْزاؤها، وتَختَلِف صفاتُها، فالقِيمةُ (١) فِيها أعْدَلُ وأقْرَبُ إليها، فكانت أَوْلَى. (يَوْمَ تَلَفِهِ فِي بَلَدِهِ) الَّذي غَصَبَه فِيهِ؛ لأِنَّ ذلك زَمَنُ الضَّمان ومَوضِعُه. وعنه: تُعتبَرُ القِيمةُ بِبَلَدِ تَلَفِه، جَزَمَ به في «الكافي». (مِنْ نَقْدِهِ)، فإنْ كان فيه نُقودٌ؛ اعْتُبِر أنْ يكونَ من غالِبِه. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَضْمَنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ)، هذا روايةٌ عن أحمدَ، نَقَلَها الثِّقاتُ، منهم: ابنُ مَشِيشٍ (٢)، وكذا ابنُ مَنْصورٍ، إلاَّ أنَّه عاوَدَه في (٣) ذلك فجَبُنَ عنه (٤)؛ لأِنَّه الوَقْتُ الَّذي أزال يَدَه فيه، فلَزِمَتْه القِيمةُ، كما لو أتْلَفَه. وعنه: أكثرهما، أي: من يَوم غَصْبِه إلى يَومِ تَلَفِه، اخْتارَهُ الخِرَقِيُّ، كإتْلافه في الأصحِّ. لكِنَّ القاضِيَ حَمَلَ كلامَ الخِرَقِيِّ على ما (٥) إذا اخْتَلَفَت القِيمةُ لتَغيُّر الأسعار، وقد عَلِمْتَ أنَّ المذهبَ: عَدَمُ الضَّمان، حتَّى قال القاضِي: لم أَجِدْ روايةً عن أحمدَ بأنَّها تُضمَنُ بأكثرِ القِيمَتَينِ لتَغَيُّر الأسعار، ونقل ابنُ أبي موسى خِلافَه. وعنه: يُضمَنُ المغصوبُ بمِثْلِه مطلَقًا، وقاله ابنُ أبي موسى، واخْتارَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦)، واحْتَجَّ بعموم قوله تعالى: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ

стр. 3359

مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [المُمتَحنَة: ١١]، ولخبر القَصْعةِ (١). وعنه: مع قِيمتِه. وعنه: غَيرَ حَيَوانٍ بمِثْلِه، ذَكَرَه جماعةٌ. وفي «الواضح» و «الموجز»: فيَنقُصُ عنه عشرة دراهِمَ. فرعٌ: لو حَكَمَ حاكمٌ (٢) بغَير المِثْلِيِّ في المِثْلِيِّ، وبغَير القِيمة في المتقوِّم؛ لم ينفذ حكمُه، ولم يَلزَمْه قَبولُه، ذَكَرَه في «الانتصار» و «المفردات». ولو أَخَذَ حوائجَ من بَقَّالٍ ونحوِه في أيَّامٍ، ثُمَّ يُحاسِبُه؛ فإنَّه يُعطِيهِ بسِعْرِ يَومِ أَخْذِه، نَصَّ عَلَيهِ (٣). (وَإِنْ (٤) كَانَ مَصُوغًا) مُباحًا، (أَوْ تِبْرًا تُخَالِفُ (٥) قِيمَتُهُ وَزْنَهُ؛ قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) إذا كانت الصِّناعةُ فيه مُباحةً، كحَلْيِ النِّساءِ؛ لِئَلاَّ يُؤدِّي إلى الرِبا. وعُلِمَ منه: أنَّه يَجِبُ ضمانُه بِقِيمتِه. وذَكَرَ القاضِي فِيهِ: أنَّه يُضمَنُ بأكثرَ مِنْ وَزْنِه؛ لأِنَّ الزِّيادةَ في مُقابَلَةِ الصَّنْعَة، فلا يُؤَدِّي إلى الرِّبا. ومُقْتَضاهُ: أنَّ الصِّناعةَ إذا كانَتْ مُحرَّمةً؛ أنَّه لم يَجُزْ ضَمانُه بأكثرَ من جِنْسه وجْهًا واحِدًا؛ لأِنَّه لا قِيمةَ لها شَرْعًا، بل يَضْمَنُه بِوَزْنه، وفيه وجْهٌ. وقيل: إن جاز اتِّخاذُه؛ ضُمِنَ كالمباح.

стр. 3360

فأمَّا إنْ كانَتْ قِيمتُه كَوَزْنه؛ وجَبَتْ؛ لأِنَّ تضْمِينَه بها لا يُؤَدِّي إلى الرِّبا، أشْبَهَ غَيرَ الأثْمان. (فَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِالنَّقْدَيْنِ مَعًا؛ قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِلْحَاجَةِ)؛ أي (١): إلى تَقْويمِها بأحَدِهما؛ لأِنَّ كُلًّا منهما ثَمَنٌ في قِيَمِ المتْلَفاتِ وأروش (٢) الجِنايات، ولَيسَ أحدُهما أَوْلَى مِنْ الآخَر؛ فكانت الخِيَرةُ إليه، (وَأَعْطَاهُ بِالْقِيمَةِ عَرْضًا)؛ لِئَلاَّ يُفْضِي إلى الرِّبا. وقِيلَ: مَنْ أتْلَف خَلْخَالاً أوْ سِوارًا، فهل يَضْمَنُ بِوَزْنه مِنْ جِنْسِه ويَضْمَنُ الصَّنْعَةَ من غَيرِه أوَ يَضْمَنُ الوَزْنَ والصَّنْعةَ بغَيرِ جِنسه؟ أوْ يَضمَنُهما بجنسه؟ فيه أوْجُهٌ. وإنْ كَسَرَها؛ ضَمِنَ النَّقْصَ مِنْ غالِبِ نَقْدِ البَلَد وإنْ كانَ مِنْ غَيرِ جِنْسِه. (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَغْصُوبِ، فَنَقَصَتْ قِيمَةُ بَاقِيهِ؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ)، أوْ مِصْراعَيْ بابٍ (تَلِفَ أَحَدُهُمَا؛ فَعَلَيْهِ رَدُّ الْبَاقِي)؛ لأِنَّه ملْكُ غَيرِه، (وَقِيمَةُ التَّالِفِ)؛ لأِنَّه تَلِفَ تَحْتَ يَدِه العاديَة (٣)، (وَأَرْشُ نَقْصِهِ (٤) إن نَقَصَ، نَصَرَه الأصْحابُ؛ لأِنَّه نَقْصٌ حَصَلَ بجِنايَتِه، فَلَزِمَه ضَمانُه، كما لو غَصَبَ ثَوْبًا يَنقُصُه الشَّقُّ؛ فَشَقَّه ثُمَّ تَلِفَ. (وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ)؛ لأِنَّ الباقِيَ نَقَصَ قِيمتُه، فلا يَضمَنُه؛ كالنَّقْص لتغَيُّرِ الأسعار. وجَوابُه: بالفَرْق بَينَهما، فإنَّ نَقْصَ السِّعْرِ لم يَذْهَبْ من المغْصوبِ عين (٥)

стр. 3361

ولا مَعْنًى، وههُنا فَوَّتَ عليه إمْكانَ الاِنْتِفاع به، فَوَجَبَ ضَمانُ نَقْصِ قِيمَتِه. فلو كانَتْ قِيمتُهما عِشْرينَ، والباقِي بَعْدَ التَّلَفِ يُساوِي خَمِسةً؛ فَعَلَى الأوَّل: عَلَيهِ خمسةَ عَشَرَ، وعلى الثَّاني: عَشَرةٌ. (وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ، أَوْ فَرَسًا فَشَرَدَ، أَوْ شَيْئًا تَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ؛ ضَمِنَ قِيمَتَهُ) للمالِكِ؛ للحيلولة، لا أنَّه (١) على سبيل العِوَض، ويَمْلِكُها. وفي «عيون المسائل» وغيرِها: خِلافُه؛ لأِنَّه إنَّما حَصَلَ بها الاِنْتِفاعُ في مُقابَلةِ ما فَوَّتَه الغاصِبُ. (فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدُ؛ رَدَّهُ)، ولا يَملِكُه الغاصِبُ بأداء القِيمة، بَلْ يَرُدُّه (٢) إذا (٣) قَدَرَ مع نَمائه المنفَصِلِ، وأَجْرِ مِثْلِه إلى حِينِ دَفْعِ بَدَلِه، (وَأَخَذَ الْقِيمَةَ)؛ أي: الَّذي أخَذَها المالِكُ بَدَلاً عنه؛ لأِنَّه أَخَذَه بالحَيلولةِ وقد زَالَتْ، فَيَجِبُ رَدُّ ما أَخَذَ من أجْلِها إنْ كان باقيًا بعَينه بزيادته المتَّصِلَةِ؛ لأِنَّها تَتْبَعُ في الفُسوخ، وهذا فَسْخٌ، دُونَ المنفَصِلَة؛ لأِنَّها نَماءُ ملْكِهِ. وإنْ كان البَدَلُ تالِفًا؛ فَعَلَيهِ مِثْلُه، أوْ قِيمتُه إن لم يَكُنْ من ذَواتِ الأمْثال. وفي حَبْسِه لِيَرُدَّ (٤) القِيمةَ؛ وجْهانِ. ولا يَصِحُّ الإبْراءُ منها مع بَقائها. (وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ)؛ لأِنَّ مالِيَّتَه زالَتْ تَحْتَ يَدِه، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَها. وقِيلَ: مِثْلُه من العَصيرِ، جَزَمَ به في «الوجيز» و «الشَّرح» (٥)؛ لأِنَّ ذلك

стр. 3362

يلزمه (١) بانْقِلابِه خَمْرًا. (فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا؛ رَدَّهُ)؛ لأِنَّه عَينُ ملْكِه، (وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ) إنْ نَقَصَ؛ لأِنَّه نَقَصَ تَحْتَ يَدِه، أشْبَهَ ما لو نَقَصَ منه جُزْءٌ. وفي «عيون المسائل»: لا يَلزَمُه قِيمةُ العَصِير؛ لأِنَّ الخَلَّ عَينُهُ، كَحَمْلٍ صارَ كَبْشًا، ويَسْتَرْجِعُ الغاصِبُ ما أدَّاه بَدَلاً عنه. وإنْ غَلاهُ؛ غَرِمَ أَرْشَ نَقْصِه، وكذا نَقْصُه. وقيل: لا؛ لأِنَّه ماءٌ (٢). فَرْعٌ: لو غَصَبَ جَماعةٌ مُشاعًا، فردَّ واحِدٌ سَهْمَ (٣) آخَرَ إلَيهِ؛ لم يَجُزْ له حتَّى يُعْطَى شُرَكاؤه، نَصَّ عليه. وكذا إنْ صالَحُوهُ بمالٍ عنه، نَقَلَه حَرْبٌ (٤)، ويَتَوجَّهُ أنَّه بَيعُ (٥) المُشاع، ذَكَرَه في «الفروع». ولو شقَّ ثَوبَه؛ فلا قِصاصَ فِيهِ، ويَضمَنُ نَقْصَه. ونَقَلَ جماعةٌ: يُخيَّرُ، اخْتارَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦).

стр. 3363

(فَصْلٌ) (وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ)؛ أيْ: مِمَّا تَصِحُّ إجارتُه؛ (فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ (١) فِي يَدِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ في رواية الأثْرَم (٢)، سَواءٌ اسْتَوْفَى المنافِعَ أوْ تَرَكَها تَذْهَبُ؛ لأِنَّ كلَّ ما ضُمِنَ بالإتْلاف في العَقْد الفاسِدِ؛ جاز أن يَضْمَنَه بمجرَّد التَّلَفِ في يَدِه؛ كالأعيان، لكِنْ نَصَّ في قضايا فيها انْتِفاعٌ، يُؤيِّدُه ما نَقَلَه ابنُ منصورٍ (٣): إن زَرَعَ بلا إذْنٍ؛ عَلَيهِ أُجْرةُ الأرْض بِقَدْرِ ما اسْتَغَلَّها، فظاهِرُه: أنَّه لا شَيءَ عَلَيهِ إذا لم يَسْتَغِلَّها. وعنه: لا يَضمَنُ المنافِعَ مطلَقًا؛ لقوله ﵇: «الخَراجُ بالضَّمان» (٤)، وضَمانُها على الغاصِبِ، وكَغَنَمٍ، أشْبَهَ ما لو زَنَى بامْرأةٍ مُطاوِعةٍ. ورُدَّ: بأنَّه أتْلَفَ مالاً مُتَقَوِّمًا، فَوَجَبَ ضَمانُه كالعَينِ، والخَبَرُ وارِدٌ في البَيع، والمرأةُ رَضِيَتْ بإتْلافِ منافِعِها بغَيرِ عِوَضٍ ولا عَقْدٍ، فكان كالإعارة، والغَنَمُ ونحوُها لا مَنافِعَ لها تُسْتَحَقُّ بِعِوضٍ. وعلى الأوَّل: لو غَصَبَ جارِيةً ومضى زَمَنٌ يُمكِنُ وطْؤُها؛ لم يَضمَنْ مَهْرَها؛ لأِنَّ مَنافِعَ البُضْع لا تَتْلَفُ إلاَّ بالاِسْتِيفاء، بخِلافِ غَيرِها، ولو أطْرَقَ الفَحْلَ لم يَضمَنْ مَنفَعَتَه، لكِنْ عليه ضمانُ نَقْصِه، ولو أخَذَ مالِكُ الأرض الزَّرعَ لم يَكُنْ على الغاصِبِ أُجرَةٌ، إلاَّ أن يَأْخُذَه بِقِيمتِه، فتكونُ له الأجرةُ إلى وَقْتِ أخْذِه.

стр. 3364

(وعَنْهُ: التَّوَقُّفُ عَنْ ذَلِكَ)، نَقَلَها عنه محمَّدُ بنُ الحَكَم (١) فِيمَنْ غَصَبَ دارًا فَسَكَنَها (٢) عِشْرينَ سَنَةً: لا أَجْتَرِئُ أنْ أقولَ: عَلَيه أُجْرةُ ما سَكَنَ (٣)، فدلَّ على تَوَقُّفه عن إيجابِ الأجْر. قال في «المغْني» و «الشَّرح»: والأوَّلُ هو المذهَبُ المعروفُ، يُؤَكِّدُه ما (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ)؛ لأِنَّ محمَّدَ بنَ الحَكَم (٤) مات قَبلَ أحمدَ بعِشْرينَ سَنَةً. (وَإِنْ أَتْلَفَ (٥) الْمَغْصُوبَ؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ إِلَى وَقْتِ تَلَفِهِ)؛ لأِنَّه بَعْدَ التَّلَف لم يَبْقَ له مَنفَعَةٌ، فلم يَجِبْ ضَمانُها، كما لو أتْلَفَه مِنْ غَيرِ غَصْبٍ. (وَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، فَأَدَّى قِيمَتَهُ؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ إِلَى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ)؛ لأِنَّ منافِعَها إلى وَقْتِ أدائِها مملوكةٌ لِصاحِبِها، فلَزِمَه ضَمانُها، (وَفِيمَا بَعْدَهُ)، أيْ: بَعْدَ أداءِ القِيمة إلى رَدِّه (وَجْهَانِ): أصَحُّهُما: لا يَلزَمُه؛ لأِنَّه اسْتَحَقَّ الاِنْتِفاعَ بِبَدَلِه الَّذي أُقِيمَ مُقامَه، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الاِنْتِفاعَ به وبما قام مَقامَه. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّ العَينَ باقِيَةٌ على ملْكِه والمنفَعةُ له. وظاهِرُ كلامِهم: يَضْمَنُ رائحةَ مِسْكٍ ونحوِه، خِلافًا ل «الانتصار»، لا نَقْدًا لِتِجارةٍ (٦).

стр. 3365

(فَصْلٌ) (وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ)، هي بالرَّفع صفةٌ لِتَصرُّفات، والحُكْمِيَّةُ: ما كان لها حُكمٌ من (١) الصِّحَّة والفَساد، فالصَّحيحُ من العبادة: ما أَجْزأَ فاعِلَه (٢)، أوْ أسْقَطَ عنه القَضاءَ، وفي العُقود: ما تَرتَّبَ أثَرُه عَلَيهِ من الاِنْتِفاع في البَيع، والاِسْتِمْتاع في النِّكاح، والفاسِدُ - وهو الباطِلُ-: ما لَيسَ كذلك. (كَالْحَجِّ، وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ)؛ كالطَّهارة، والصَّلاة، والزَّكاة، (وَالْعُقُودِ؛ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوِهَا)؛ كالإجارة: (بَاطِلَةٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، وهي ظاهِرُ المذْهَبِ؛ لأِنَّ ذلك التَّصرُّفَ تَصرُّف الفُضولِيِّ، والصَّحيحُ من المذهب: أنَّه باطِلٌ، وقد تقدَّمَ. (وَالْأُخْرَى: صَحِيحَةٌ) مطلَقًا، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ الغاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُه غالِبًا، وتَكثُرُ تصرُّفاتُه، ففي إبْطالها ضرَرٌ كثيرٌ (٣)، وربما عاد بعضُ الضَّرَر على المالك، فإنَّ الحُكْمَ بِصِحَّتها يكونُ (٤) الرِّبْحُ للمالك، والعِوَضُ بِنَمائه وزيادتِه له، والحُكمَ بِبُطْلانها يَمنَعُ مِنْ ذلك. قال في «الشَّرح»: ويَنبَغِي أنْ يَتقيَّد في العُقود بما (٥) لم يُبْطِلْه المالِكُ، فأمَّا إنِ اخْتارَ إبْطالَه بأخْذِ المعْقود عَلَيهِ؛ فلا نَعلَمُ فِيهِ خِلافًا. (وَإِنِ اتَّجَرَ بِالدَّرَاهِمِ)؛ بأنْ (٦) غَصَبَها واتَّجرَ بها، أوْ عُروضًا فَبَاعَها واتَّجرَ
следующие страницы →