← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

ولا مَعْنًى، وههُنا فَوَّتَ عليه إمْكانَ الاِنْتِفاع به، فَوَجَبَ ضَمانُ نَقْصِ قِيمَتِه. فلو كانَتْ قِيمتُهما عِشْرينَ، والباقِي بَعْدَ التَّلَفِ يُساوِي خَمِسةً؛ فَعَلَى الأوَّل: عَلَيهِ خمسةَ عَشَرَ، وعلى الثَّاني: عَشَرةٌ. (وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ، أَوْ فَرَسًا فَشَرَدَ، أَوْ شَيْئًا تَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ؛ ضَمِنَ قِيمَتَهُ) للمالِكِ؛ للحيلولة، لا أنَّه (١) على سبيل العِوَض، ويَمْلِكُها. وفي «عيون المسائل» وغيرِها: خِلافُه؛ لأِنَّه إنَّما حَصَلَ بها الاِنْتِفاعُ في مُقابَلةِ ما فَوَّتَه الغاصِبُ. (فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدُ؛ رَدَّهُ)، ولا يَملِكُه الغاصِبُ بأداء القِيمة، بَلْ يَرُدُّه (٢) إذا (٣) قَدَرَ مع نَمائه المنفَصِلِ، وأَجْرِ مِثْلِه إلى حِينِ دَفْعِ بَدَلِه، (وَأَخَذَ الْقِيمَةَ)؛ أي: الَّذي أخَذَها المالِكُ بَدَلاً عنه؛ لأِنَّه أَخَذَه بالحَيلولةِ وقد زَالَتْ، فَيَجِبُ رَدُّ ما أَخَذَ من أجْلِها إنْ كان باقيًا بعَينه بزيادته المتَّصِلَةِ؛ لأِنَّها تَتْبَعُ في الفُسوخ، وهذا فَسْخٌ، دُونَ المنفَصِلَة؛ لأِنَّها نَماءُ ملْكِهِ. وإنْ كان البَدَلُ تالِفًا؛ فَعَلَيهِ مِثْلُه، أوْ قِيمتُه إن لم يَكُنْ من ذَواتِ الأمْثال. وفي حَبْسِه لِيَرُدَّ (٤) القِيمةَ؛ وجْهانِ. ولا يَصِحُّ الإبْراءُ منها مع بَقائها. (وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ)؛ لأِنَّ مالِيَّتَه زالَتْ تَحْتَ يَدِه، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَها. وقِيلَ: مِثْلُه من العَصيرِ، جَزَمَ به في «الوجيز» و «الشَّرح» (٥)؛ لأِنَّ ذلك

стр. 3362

يلزمه (١) بانْقِلابِه خَمْرًا. (فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا؛ رَدَّهُ)؛ لأِنَّه عَينُ ملْكِه، (وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ) إنْ نَقَصَ؛ لأِنَّه نَقَصَ تَحْتَ يَدِه، أشْبَهَ ما لو نَقَصَ منه جُزْءٌ. وفي «عيون المسائل»: لا يَلزَمُه قِيمةُ العَصِير؛ لأِنَّ الخَلَّ عَينُهُ، كَحَمْلٍ صارَ كَبْشًا، ويَسْتَرْجِعُ الغاصِبُ ما أدَّاه بَدَلاً عنه. وإنْ غَلاهُ؛ غَرِمَ أَرْشَ نَقْصِه، وكذا نَقْصُه. وقيل: لا؛ لأِنَّه ماءٌ (٢). فَرْعٌ: لو غَصَبَ جَماعةٌ مُشاعًا، فردَّ واحِدٌ سَهْمَ (٣) آخَرَ إلَيهِ؛ لم يَجُزْ له حتَّى يُعْطَى شُرَكاؤه، نَصَّ عليه. وكذا إنْ صالَحُوهُ بمالٍ عنه، نَقَلَه حَرْبٌ (٤)، ويَتَوجَّهُ أنَّه بَيعُ (٥) المُشاع، ذَكَرَه في «الفروع». ولو شقَّ ثَوبَه؛ فلا قِصاصَ فِيهِ، ويَضمَنُ نَقْصَه. ونَقَلَ جماعةٌ: يُخيَّرُ، اخْتارَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦).

стр. 3363

(فَصْلٌ) (وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ)؛ أيْ: مِمَّا تَصِحُّ إجارتُه؛ (فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ (١) فِي يَدِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ في رواية الأثْرَم (٢)، سَواءٌ اسْتَوْفَى المنافِعَ أوْ تَرَكَها تَذْهَبُ؛ لأِنَّ كلَّ ما ضُمِنَ بالإتْلاف في العَقْد الفاسِدِ؛ جاز أن يَضْمَنَه بمجرَّد التَّلَفِ في يَدِه؛ كالأعيان، لكِنْ نَصَّ في قضايا فيها انْتِفاعٌ، يُؤيِّدُه ما نَقَلَه ابنُ منصورٍ (٣): إن زَرَعَ بلا إذْنٍ؛ عَلَيهِ أُجْرةُ الأرْض بِقَدْرِ ما اسْتَغَلَّها، فظاهِرُه: أنَّه لا شَيءَ عَلَيهِ إذا لم يَسْتَغِلَّها. وعنه: لا يَضمَنُ المنافِعَ مطلَقًا؛ لقوله ﵇: «الخَراجُ بالضَّمان» (٤)، وضَمانُها على الغاصِبِ، وكَغَنَمٍ، أشْبَهَ ما لو زَنَى بامْرأةٍ مُطاوِعةٍ. ورُدَّ: بأنَّه أتْلَفَ مالاً مُتَقَوِّمًا، فَوَجَبَ ضَمانُه كالعَينِ، والخَبَرُ وارِدٌ في البَيع، والمرأةُ رَضِيَتْ بإتْلافِ منافِعِها بغَيرِ عِوَضٍ ولا عَقْدٍ، فكان كالإعارة، والغَنَمُ ونحوُها لا مَنافِعَ لها تُسْتَحَقُّ بِعِوضٍ. وعلى الأوَّل: لو غَصَبَ جارِيةً ومضى زَمَنٌ يُمكِنُ وطْؤُها؛ لم يَضمَنْ مَهْرَها؛ لأِنَّ مَنافِعَ البُضْع لا تَتْلَفُ إلاَّ بالاِسْتِيفاء، بخِلافِ غَيرِها، ولو أطْرَقَ الفَحْلَ لم يَضمَنْ مَنفَعَتَه، لكِنْ عليه ضمانُ نَقْصِه، ولو أخَذَ مالِكُ الأرض الزَّرعَ لم يَكُنْ على الغاصِبِ أُجرَةٌ، إلاَّ أن يَأْخُذَه بِقِيمتِه، فتكونُ له الأجرةُ إلى وَقْتِ أخْذِه.

стр. 3364

(وعَنْهُ: التَّوَقُّفُ عَنْ ذَلِكَ)، نَقَلَها عنه محمَّدُ بنُ الحَكَم (١) فِيمَنْ غَصَبَ دارًا فَسَكَنَها (٢) عِشْرينَ سَنَةً: لا أَجْتَرِئُ أنْ أقولَ: عَلَيه أُجْرةُ ما سَكَنَ (٣)، فدلَّ على تَوَقُّفه عن إيجابِ الأجْر. قال في «المغْني» و «الشَّرح»: والأوَّلُ هو المذهَبُ المعروفُ، يُؤَكِّدُه ما (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ)؛ لأِنَّ محمَّدَ بنَ الحَكَم (٤) مات قَبلَ أحمدَ بعِشْرينَ سَنَةً. (وَإِنْ أَتْلَفَ (٥) الْمَغْصُوبَ؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ إِلَى وَقْتِ تَلَفِهِ)؛ لأِنَّه بَعْدَ التَّلَف لم يَبْقَ له مَنفَعَةٌ، فلم يَجِبْ ضَمانُها، كما لو أتْلَفَه مِنْ غَيرِ غَصْبٍ. (وَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، فَأَدَّى قِيمَتَهُ؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ إِلَى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ)؛ لأِنَّ منافِعَها إلى وَقْتِ أدائِها مملوكةٌ لِصاحِبِها، فلَزِمَه ضَمانُها، (وَفِيمَا بَعْدَهُ)، أيْ: بَعْدَ أداءِ القِيمة إلى رَدِّه (وَجْهَانِ): أصَحُّهُما: لا يَلزَمُه؛ لأِنَّه اسْتَحَقَّ الاِنْتِفاعَ بِبَدَلِه الَّذي أُقِيمَ مُقامَه، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الاِنْتِفاعَ به وبما قام مَقامَه. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّ العَينَ باقِيَةٌ على ملْكِه والمنفَعةُ له. وظاهِرُ كلامِهم: يَضْمَنُ رائحةَ مِسْكٍ ونحوِه، خِلافًا ل «الانتصار»، لا نَقْدًا لِتِجارةٍ (٦).

стр. 3365

(فَصْلٌ) (وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ)، هي بالرَّفع صفةٌ لِتَصرُّفات، والحُكْمِيَّةُ: ما كان لها حُكمٌ من (١) الصِّحَّة والفَساد، فالصَّحيحُ من العبادة: ما أَجْزأَ فاعِلَه (٢)، أوْ أسْقَطَ عنه القَضاءَ، وفي العُقود: ما تَرتَّبَ أثَرُه عَلَيهِ من الاِنْتِفاع في البَيع، والاِسْتِمْتاع في النِّكاح، والفاسِدُ - وهو الباطِلُ-: ما لَيسَ كذلك. (كَالْحَجِّ، وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ)؛ كالطَّهارة، والصَّلاة، والزَّكاة، (وَالْعُقُودِ؛ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوِهَا)؛ كالإجارة: (بَاطِلَةٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، وهي ظاهِرُ المذْهَبِ؛ لأِنَّ ذلك التَّصرُّفَ تَصرُّف الفُضولِيِّ، والصَّحيحُ من المذهب: أنَّه باطِلٌ، وقد تقدَّمَ. (وَالْأُخْرَى: صَحِيحَةٌ) مطلَقًا، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ الغاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُه غالِبًا، وتَكثُرُ تصرُّفاتُه، ففي إبْطالها ضرَرٌ كثيرٌ (٣)، وربما عاد بعضُ الضَّرَر على المالك، فإنَّ الحُكْمَ بِصِحَّتها يكونُ (٤) الرِّبْحُ للمالك، والعِوَضُ بِنَمائه وزيادتِه له، والحُكمَ بِبُطْلانها يَمنَعُ مِنْ ذلك. قال في «الشَّرح»: ويَنبَغِي أنْ يَتقيَّد في العُقود بما (٥) لم يُبْطِلْه المالِكُ، فأمَّا إنِ اخْتارَ إبْطالَه بأخْذِ المعْقود عَلَيهِ؛ فلا نَعلَمُ فِيهِ خِلافًا. (وَإِنِ اتَّجَرَ بِالدَّرَاهِمِ)؛ بأنْ (٦) غَصَبَها واتَّجرَ بها، أوْ عُروضًا فَبَاعَها واتَّجرَ

стр. 3366

بِثَمَنِها، ولَوْ قال: بالنَّقْد؛ لَعَمَّ؛ (فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا)؛ نَقَلَه الجماعة (١)، واحْتَجَّ بخَبَرِ عُروةَ بنِ الجَعْد (٢)، وهذا حيثُ تعذَّر رَدُّ المغْصوب إلى مالكه، ورَدُّ الثَّمَنِ إلى المشْتَرِي. قال جماعةٌ منهم صاحِبُ «الفنون» و «التَّرغيب»: إنْ صحَّ الشِّراءُ، وقال الشَّريفُ وأبو الخَطَّاب: إنْ كان الشِّراءُ بِعَينِ المال. فَعَلَى الأوَّل: هو له، سَواءٌ قُلْنَا: يَصِحُّ الشِّراءُ أوْ لا، وسَواءٌ اشْتَراهُ بِعَينِ المال أوْ في الذِّمَّة. ونَقَلَ حَرْبٌ في خَبرِ عُروةَ: إنَّما جاز؛ لأِنَّ النَّبيَّ ﷺ جوَّزه له (٣). وحَيثُ تَعَيَّنَ جَعْلُ الرِّبْح للغاصِبِ أو المغْصوبِ منه؛ فَجَعْلُه للمالِك أَوْلَى؛ لأِنَّه في مُقابَلَة ماله الَّذي فاتَه بمَنْعه، ولم يُجعَلْ للغاصِبِ شَيْءٌ؛ مَنْعًا للغَصْب. وعنه: يَتَصدَّقُ به، نَقَلَها الشَّريفُ؛ لِوُقوع الخِلاف فيه. (وَإِنِ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَهَا؛ فَكَذَلِكَ)؛ أيْ: فالرِّبْحُ لربِّه، هذا هو المشهورُ؛ لأِنَّه نَماءُ ملْكِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراه بِعَينِه، وفي «المحرر» و «المستوعب»: بِنِيَّة نَقْده الثَّمَنَ من مالِ الغَصْبِ. (وَعَنْهُ: الرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي)؛ لأِنَّه اشْتَرَى لنفسه في ذِمَّته، فكان الشِّراءُ له، والرِّبْحُ له، وعَلَيهِ بَدَلُ المغصوب، وهذا قِياسُ قَولِ الخِرَقِيِّ، وله الوَطْءُ، نَقَلَه المرُّوذِيُّ (٤).

стр. 3367

فَعَلَى هذا إنْ أراد التَّخلُّصَ مِنْ شبهةٍ بِيَده اشْتَرَى في ذِمَّتِه، ثُمَّ يَنقُدُ من مالِ الشبْهة، ولا يَشْتَرِي بعَينِ المال، قاله القاضِي وابنُ عَقِيلٍ، وذَكَرَه عن أحمدَ. فَرْعٌ: لو دَفَع المالَ مُضارَبَةً، فرِبْحُه على ما ذَكَرْنا، ولَيسَ على المالك شَيءٌ من أجر العامل؛ لأِنَّه لم يَأْذَنْ فيه، ثُمَّ إن كان المضارِبُ عالِمًا بالغَصْب، فلا أجْرَ له؛ لِتَعدِّيه بالعمل، وإن لم يَعلَمْ فعلى الغاصِبِ أجْرُ مِثْلِه؛ لأِنَّه اسْتَعْمَلَه بِعِوَضٍ لم يُسلَّم له، فلَزِمَتْه أجْرتُه، كالعَقْدِ الفاسِدِ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ أَوْ قَدْرِهِ) بأنْ قال: غَصَبْتُك ثَوبًا، قال: بل ثَوبَينِ، (أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ) بأنْ قال المالِكُ: كان كاتِبًا، أوْ ذا صَنْعةٍ؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ)؛ لأِنَّ الأصلَ براءةُ الذِّمَّة، فلا يَلزَمُه ما لم تَقُمْ عليه حُجَّةٌ، كما لو ادَّعَى عَلَيهِ دَينًا فأَقَرَّ بِبَعْضِه. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ أَوْ عِيبٍ)، بأنْ قال: كانَتْ فيه إصبعٌ زائدةٌ أو نحوُها؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ)؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ الرَّدِّ والعَيبِ، فلو زادت قِيمةُ المغْصوب، واخْتَلَفا في وَقْتِ الزِّيادة، قُدِّمَ قَولُ الغاصِبِ؛ لأِنَّ الأصلَ براءةُ ذِمَّته. وإنْ شاهَدَت البيِّنةُ المغْصوبَ مَعِيبًا، فقال الغاصِبُ: كان مَعِيبًا قَبلَ غَصْبِه، وقال المالك: تعيَّب عندك؛ قدِّم قَولُ الغاصِبِ؛ لأِنَّه غارِمٌ، والظاهر (١) أنَّ صِفةَ العَبْدِ لم تَتَغيَّرْ. وقِيلَ: قَولُ المالِك؛ كاخْتِلافِ المتَبايِعَينِ في حدوث العَيب. مسألةٌ: لو اخْتَلَفا في الثِّياب الَّتي على العبد؛ فَهِي للغاصِبِ؛ لأِنَّها في يَدِه، ولم يَثْبُتْ أنَّها لمالِك العَبْدِ.

стр. 3368

(وَإِنْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرِفُ (١) أَرْبَابَهَا)، فسلَّمها إلى الحاكم (٢)؛ بَرِئَ من عُهْدَتِها، ويَلزَمُه قَبولُها، وله أنْ (يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ) على الأصحِّ، (بِشَرْطِ الضَّمَانِ؛ كَاللُّقَطَةِ)؛ لأِنَّه عاجِزٌ عن ردِّها إلى مالِكِها، فإذا تَصَدَّق بها عنهم؛ كان ثوابُها لأِربابِها، فيَسقُطُ عنه إثْمُ غَصْبِها، فَفِي ذلك جَمعٌ بَينَ مصلحته ومصلحةِ المالِكِ، لكن بشرط الضَّمان؛ لأِنَّ الصَّدقةَ بدونِ ما ذُكِرَ؛ إضاعةٌ لِمالِ المالِكِ لا على وَجْهِ بَدَلٍ، وهو غَيرُ جائِزٍ، وفي «الغُنْية»: عليه ذلك. ونَقَل أيضًا (٣): على فُقَراءِ مكانِه إنْ عَرَفَه؛ لأِنَّ ديةَ قتيلٍ تؤخذ (٤) عليهم. ولم يَذكُرْ أصحابُنا غَيرَ الصَّدقة، لكِنْ نَقَلَ إبْراهيمُ بنُ هانِئٍ: يَتَصدَّقُ، أوْ يَشْتَرِي به كُراعًا أوْ سلاحًا يُوقَفُ، هو مصلحةٌ للمسلمين (٥). وسأله جعفرٌ عمَّن بيده أرضٌ أوْ كَرْمٌ لَيسَ أصلُه طَيِّبًا، ولا يَعرِف ربَّه؛ قال: يُوقِفُه على المساكين (٦). وذَكَرَ في «الفروع» تَوجِيهًا: على أفْضَلِ البِرِّ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَصرِفُه في المصالح، وقاله في وديعةٍ، ونَقَلَه عن العلماء (٧).

стр. 3369

وعنه: لا يَجوزُ التَّصدُّقُ بالمغصوب، كالرِّواية في اللقطة (١)، فَعَلَى هذا: له دَفْعُه إلى نائب الإمام؛ كالضوالِّ. ونَقَلَ الأثْرمُ وغَيرُه: إذا عَلِمَ ربَّه وشقَّ دَفْعُه، وهو يَسِيرٌ كحبَّةٍ، فسلَّمه إلى حاكِمٍ بَرِئَ (٢). فائدةٌ: رَهْنٌ ووديعة (٣) كغَصْبٍ، قالَهُ الحارِثِيُّ وغَيرُه، ولَيسَ لِمَنْ هي عندَه أخْذُ شَيءٍ منها، ولو كان فَقِيرًا، نَصَّ عليه.

стр. 3370

(فَصْلٌ) (وَمَنْ أَتْلَفَ مَالاً مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ؛ ضَمِنَهُ) إذا كان بغَيرِ إذْنِه، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (١)؛ لأِنَّه فَوَّتَه عليه بالإتْلاف فَضَمِنَه، كما لو غَصَبَه فَتَلِفَ عِندَه. وشَرْطُه أنْ يكونَ «مالاً»؛ احْتِرازٌ عن الكَلْب والسِّرْجِينِ النَّجِس. «مُحتَرَمًا» احْتِرازٌ عمَّا لَيسَ بمُحترَمٍ وإنْ كان مالاً؛ كآلة اللَّهو. «لغَيرِه» يُحْتَرَزُ به عن نفسه؛ لأِنَّه لا يَجِب الضَّمانُ على مَنْ هو له. ويُشْتَرَطُ فيه أنْ يكونَ معْصومًا، صرَّح به في «الوجيز» و «الفروع»؛ لأِنَّ ما لَيسَ بمَعْصومٍ لا يضمَن ماله، وزادا: «ومثله يضمنه»؛ يُحْتَرَزُ به عن الأب إذا أتْلَفَ مالَ ولده، والصبيِّ والمجنونِ إذا أتْلَفَا مالاً دَفَعَه مالِكُه إلَيهِما بشَرْطِه، وما تَلِفَ بَينَ أهل العَدْل والبُغاةِ. وظاهِرُه: لا فَرْقَ فيه بَينَ الكبير والصغير، والمختارِ والمكره؛ لعُموم «مَنْ»، وهو وَجْهٌ في المكرَه. وفي آخَرَ: يَضمَنُه مكرِهُهُ (٢) كدفعه مكرَهًا؛ لأِنَّه لَيسَ إتْلافًا. وقِيلَ: المكرَهُ كمضطر (٣). ويَرجِع في الأصحِّ على مَنْ أكْرَهَهُ إنْ جَهِلَ تحريمَه، وقيل: وعَلِمَه؛ لإباحة إتلافه. وهل لربِّه مطالَبَةُ مُكرِهه؟ فيه وجْهانِ، فإنْ طالَبَهُ؛ رَجَعَ على المتْلِفِ إنْ عَلِمَ تحريمَه، إن قُلْنا: لا (٤) يَرجِعُ عَلَيهِ، وقيل: الضَّمانُ بَينَهُما، وكالعامِدِ والسَّاهِي.

стр. 3371

وعُلِمَ منه: أنَّه لا ضَمانَ مع إذْنِه، وعيَّن (١) ابنُ عَقِيلٍ الوَجْهَ المأْذُونَ فيه مع غَرَضٍ صَحيحٍ. (وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ (٢) فطار، (أَوْ حَلَّ قَيْدَ عَبْدِهِ) فَهَرَبَ، (أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ) فَشَرَدَ؛ ضَمِنَه؛ لأِنَّه تَلِفَ بِسَبَبِ فِعْله، فَلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو نَفَّرَه، فلو بَقِيَ الطَّائِرُ في محلِّه، وكذا الآخَرونَ، فَتَلِفَ بآفَةٍ سَماوِيَّةٍ؛ لم يَجِب الضَّمان؛ لأِنَّ التَّلَف لم يَحصُل بفِعْله، وحَذَفَه المؤلِّفُ اعْتِمادًا على ظُهوره. فلو بَقِيَ الطَّائرُ والفَرَسُ بِحالِهما حتَّى نَفَّرهما آخَرُ وذَهَبَا؛ فالضَّمانُ على المنَفِّر؛ لأِنَّ سَبَبَه أخَصُّ، فاخْتَصَّ الضَّمانُ به؛ كالدَّافِع مع الحافِرِ. وفي «الفنون»: إنْ كان الطَّائِرُ متألِّفًا فلا، كذكاةِ مُتَأَنِّسٍ (٣) ومُتَوَحِّشٍ؛ لأِنَّ المسْتَأْنِسَ (٤) في مَظِنَّة القُدْرة عليه، فالقفص (٥) وعَدَمُه سَواءٌ (٦). تنبيهٌ: لو دَفَعَ مِبْرَدًا إلى مُقَيَّدٍ، فَبَرَدَ قَيْدَه؛ ففي تضمينِ دافِعه وجْهانِ. ولا يَضمَنُ دافِعُ مِفْتاحٍ إلى لِصٍّ؛ لأِنَّ الدَّافِعَ سَبَبٌ واللِّصَّ مُبَاشِرٌ، فأُحِيلَ الحُكمُ عَلَيهِ. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: مَنْ غَرِمَ بِسَبَبِ كَذِبٍ عَلَيه عند وَلِيِّ أمْرٍ؛ فله تَغْريمُ

стр. 3372

الكاذِب (١)، وهو المشْهورُ عن المالِكِيَّة (٢)؛ لأِنَّ السَّببَ يُحالُ عليه الحُكمُ إذا لم يُمكِنْ إحالةُ الحُكْم على المباشِرِ، كَمَنْ ألْقَى شَخْصًا في زُبْيَةِ أَسَدٍ؛ فَقَتَله الأسدُ، أو في بَحْرٍ؛ فابْتَلَعَه حُوتٌ. (أَوْ) حَلَّ (وِكَاءَ)، بكَسْر الواو ممدودًا: ما يشدُّ (٣) به رأْس القربة، (زِقِّ مَائِعٍ، أَوْ جَامِدٍ فَأَذَابَتْهُ الشَّمْسُ، أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ قَاعِدًا فَأَلْقَتْهُ الرِّيحُ فَانْدَفَقَ؛ ضَمِنَهُ)؛ لأِنَّ فِعْلَه سَبَبُ تَلَفِه، لم يَتَخَلَّلْ بَينَهما ما يُمكِنُ إحالةُ الحُكم عَلَيهِ؛ فَلَزِمَه، كما لو جرح (٤) إنْسانًا فأفْضَى إلى تَلَفِه، بخِلافِ ما لو دَفَعَهُ إنْسانٌ بَعْدَ ذلِكَ، فإنَّه مُباشِرٌ يُمكِنُ إحالةُ الحُكْم عليه. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَضْمَنُ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ)، وزلزلة (٥) الأرض؛ لأِنَّ فِعْلَه غَيرُ مُلْجٍ، فلم يتعلَّق (٦) به ضَمانٌ، كما لو دَفَعَه إنسانٌ. وفيه وَجْهٌ: لا يَضمَنُ فِيمَا أذابَتْه الشَّمسُ؛ لأِنَّ فِعْلَه غَيرُ مُلْجٍ، مع أنَّ قَولَ القاضِي مَنْقوضٌ بما إذا أذابَتْه الشَّمسُ؛ لأِنَّه لا نَقولُ فيه بعَدَم الضَّمان. فَرْعٌ: لو حَبَسَ مالِكَ دَوابَّ، فَتَلِفَت؛ لم يَضمَن الحابِسُ. وقِيلَ: بلى، وينبغي أنْ يُفرَّقَ بَينَ الحَبْس بحقٍّ أو غَيرِه. (وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً فِي طَرِيقٍ، فَأَتْلَفَتْ)؛ ضَمِنَ؛ لأِنَّه مُتَعَدٍّ بالرَّبْط، وظاهِرُه: لا فَرْقَ فيه (٧) بَينَ الواسِعِ وغَيرِه، لكِنْ في الواسِعِ إذا لم تَكُنْ (٨) يَدُ صاحِبِها

стр. 3373

عَليها رِوايَتانِ، وفي الضَيِّق (١) يَضْمَنُ ولو بِرِجْلها (٢)، نَصَّ عليه (٣)، ومَنْ ضَرَبَها إذنْ، فَرَفَسَتْه، فمات؛ ضَمِنَه، ذَكَرَه في «الفنون». ومِثْلُه: لو تَرَكَ فيه طِينًا، أوْ خَشَبَةً، أوْ حَجَرًا، أوْ كِيسَ دَراهِمَ، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، وبإسْنادِ خَشَبَةٍ إلى حائِطٍ. (أَوِ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا، فَعَقَرَ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا؛ ضَمِنَ)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ لأِنَّه مُتَعَدٍّ بِاقْتِنائِه، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) في رِوايةٍ؛ لأِنَّه مُتَعَدٍّ بالدُّخول، فلم يَضْمَنْهُ المقْتَنِي. وظاهِرُه: أنَّه لو دَخَلَ بإذْنِه فإنَّه يَضْمَنُه الآذِنُ؛ لأِنَّه تَسَبَّبَ إلى تَلَفِه. ونَقَلَ حَنْبَلٌ: إذا كان الكَلْبُ مُوثَقًا لم يَضْمَنْ ما عَقَرَ (٦). وظاهِرُه: أنَّه إذا أتْلَفَ شَيئًا بغَيرِ العَقْر، كما لو وَلَغَ أوْ بالَ في إناءِ إنْسانٍ؛ أنَّه لا ضَمانَ؛ لأِنَّ هذا لا يَخْتَصُّ الكَلْبَ العَقُورَ. (وَقِيلَ: فِي الْكَلْبِ رِوَايَتَانِ): إحْداهُما: يَضمَنُ؛ لأِنَّ اقْتِناءَه سَبَبٌ للعَقْر وأَذَى النَّاس، فلَزِمَه الضَّمانُ؛ لِمَا فِيهِ من المبالَغَة في الزَّجْر. والثَّانيةُ: لَا؛ لأِنَّه لم يَحصُلْ منه جِنايَةٌ، وكسائر البَهائِم. وجَوابُه: بأنَّه مُتَسَبِّبٌ. وفي «الرعاية»: يَضمَنُ ما عَقَرَ خارِجَ الدَّار إنْ لم يَكُفَّه ربُّه، أوْ يَحذِّرَ منه. (فِي الْجُمْلَةِ)، سَواءٌ كان في منزلِ صاحبِه أو خارِجًا عنه، دَخَلَ بإذْنِ

стр. 3374

صاحِبِ المنزِل أوْ لَا. فَرْعٌ: حُكْمُ أَسَدٍ، ونَمِرٍ، وذِئْبٍ، وهِرٍّ يأكل (١) الطُّيور ويَقْلِبُ (٢) القُدُورَ في العادة؛ حُكْمُ الكَلْب العَقور. وله قَتْلُ الهِرِّ بِأكْلِ لَحْمٍ ونحوِه؛ كالفَواسِقِ، وفي «الفصول»: حِينَ أكْلِها، وفي «الترغيب»: إنْ لم يَندَفِعْ إلاَّ به؛ كَصَائِلٍ. (وَإِنْ أَجَّجَ نَارًا فِي مِلْكِهِ، أَوْ سَقَى أَرْضَهُ، فَتَعَدَّى إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَهُ؛ ضَمِنَ إِذَا كَانَ أَسْرَفَ فِيهِ أَوْ فَرَّطَ)؛ بِأنْ أجَّجَها بِما تَسْرِي في العادة لكَثْرَتِها، أو في رِيحٍ شديدةٍ تَحمِلُها، أو فَتَحَ ماءً كثِيرًا يَتَعَدَّى؛ لأِنَّها سِرايَةُ عُدْوانٍ، فَلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو بَاشَرَ ذلك بالإتْلاف. فلو أجَّجَها، ثُمَّ طَرَأَتْ رِيحٌ؛ لم يَضْمَنْ. قال في «عيون المسائل»: لو أجَّجَها على سَطْحِ دارِه، فهبَّت الرِّيحُ فأطارت الشَّرَرَ؛ لم يَضمَنْ؛ لأِنَّه في ملْكِه، وهُبوبُ الرِّيح لَيسَ مِنْ فِعْلِه، بخِلافِ ما لَوْ رَمَى قشر بِطِّيخٍ في طريق. وظاهِرُه (٣) و «الوجيز» (٤) و «الفروع»: أنَّه يَضمَنُ حَيثُ لم يَكُنْ ذلك في ملْكِه، صرَّح به في «الشَّرح»؛ لِتَعدِّيه. (وَإِلاَّ فَلَا) ضَمانَ، حَيثُ لم يُوجَد إفْراطٌ ولا تَفْريطٌ، لأِنَّه غَيرُ مُتَعَدٍّ؛ لأِنَّها سِرايةُ فِعْلٍ مُباحٍ، فلم يَضْمَنْ؛ كَسِرايَة القَوَد. وفارَقَ ما إذا حَلَّ زِقًّا فانْدَفَقَ ما فيه؛ لأِنَّه مُتَعَدٍّ بحَلِّه (٥).

стр. 3375

(وَإِنْ حَفَرَ فِي فِنَائِهِ) - وهو ما كان خارِجَ الدَّار قَريبًا منها - (بِئْرًا لِنَفْسِهِ؛ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا)؛ لأِنَّه مُتَسَبِّبٌ إلى إتْلافِ غَيرِه، فَلَزِمَه الضَّمانُ؛ كَوَاضِعِ السِّكِّينِ، وسَواءٌ حَفَرَها بإِذْنِ الإمامِ أوْ غَيرِ إذْنِه، فيها ضَرَرٌ أوْ لَا. وقال بعضُ أصحابنا: له حَفْرُها لنفسه بإذْنِ الإمام، ذَكَرَه القاضِي، فَعَلَيهِ: لا ضَمانَ؛ لأِنَّ للإمام أنْ يَأْذَنَ في الانتفاع (١) بما لا ضَرَرَ فِيهِ. وجَوابُه: بأنَّه حَفَرَ في مَكانٍ مُشْتَرَكٍ بغَيرِ إذْنِ أهله لغَيرِ مصلحَتِهم؛ فَضَمِنَ؛ كما لو لم يَأْذَنِ الإمامُ فيه، ولا نُسلِّم أنَّ للإمام الإذْنَ فيه. فدلَّ أنَّه لا يَجوز لوكيلِ بَيتِ المال وغَيرِه بَيعُ شَيءٍ مِنْ طريق المسلمين النَّافِذِ، وأنَّه لَيسَ لحاكِمٍ الحُكْمُ بصحَّته، وقاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٢). وفي «الفروع»: يتوجَّهُ جَوازُه للمصلحة. (وَإِنْ حَفَرَهَا فِي سَابِلَةٍ) - السَّبيلُ: الطَّريقُ، يُذَكَّرُ ويؤنَّث، والجَمعُ: السَّوابِلُ - (لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ)؛ لِيَنزِل فيها ماءُ المطر، أو لِيَشرَب منها المارَّةُ؛ (لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)؛ لأِنَّه مُحْسِنٌ بفِعْله غَيرُ مُتَعَدٍّ، أشْبَهَ باسِطَ الحَصير في المسجد، وعَلَّله أحمدُ: بأنَّه نَفْعٌ للمسلمين (٣)، ومَحَلُّه: ما لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، ومَعْناهُ في «الوجيز»: بأنْ حَفَرَها في سابِلةٍ واسعةٍ لمصلحةٍ عامَّةٍ. والثَّانِيةُ: يَضمَنُ، واقْتَصَر القاضِي على حكايتها؛ لأِنَّه مأْذونٌ له في ذلك بشرطِ سلامةِ العاقبة، ولم تُوجَدْ. وعنه: يَضمَن، إلاَّ أن (٤) تكون (٥) بإذْنِ حاكِمٍ.

стр. 3376

والأوَّل أشهر (١)؛ لأِنَّ هذا ممَّا تدعو الحاجةُ، ويَشُقُّ اسْتِئْذانُ الإمام، وتَعُمُّ البَلْوَى به. ومِثْلُه: لو حَفَرَها في مَواتٍ لِتَمَلُّكٍ، أو ارْتِفاقٍ، أو انْتِفاعٍ عامٍّ، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، أوْ بَنَى فيها مسْجِدًا أو خانًا ونحوَهما لِنَفْعِ المسلمين. فَرْعٌ: فِعْلُ عَبْدِه بأمْرِه؛ كفِعْلِه، أعْتَقَه أوْ لا، ويَضْمَنُ سُلْطانٌ آمر (٣) وحده، وإنْ حَفَرَها حُرٌّ بأُجْرةٍ أوْ لا، وثَبَت (٤) عِلْمُه أنَّها في ملْكِ غَيرِه - نَصَّ عَلَيهِ- ضَمِنَ الحافِرُ، ونَصُّه: هما (٥)، وإن جُهِلَ؛ فالآمِرُ، وقيل: الحافِرُ، ويَرْجِعُ على الآمِرِ. تنبيهٌ: حُكمُ البناء في الطَّريق؛ كالحَفْر فيه، مسجِدًا كان أو غَيرَه، نَقَلَ إسْماعيلُ بنُ سَعيدٍ في المسجد: لا بَأْسَ به إذا لم يَضُرَّ بالطَّريق، ونَقَلَ عبدُ الله: أكْرَهُ الصَّلاةَ فيه إلاَّ أن يكونَ بإِذْن الإمام، ونَقَلَ المرُّوذِيُّ: إنَّ هذه المساجِدَ الَّتي بُنِيَتْ في الطَّريقِ تُهدَمُ، وسأله محمَّد بنُ يحيى الكحَّال: يَزِيدُ في المسْجد مِنَ (٦) الطَّريقِ، قال: لا يُصَلَّى فِيهِ (٧). وفي «المغني»: يَحتَمِل أنْ يُعتَبَر (٨) إذْنُ الإمام في البناء لنَفْع المسلمين دُونَ الحَفْر؛ لدَعْوَى الحاجة إليه لنفع الطَّريق وإصلاحها، وإزالة الطين (٩)

стр. 3377

والماء منها؛ فهو كتَنْقِيَتها (١)، وحَفْرِ هَدَفَةٍ (٢) فيها، وقَلْعِ حَجَرٍ يَضُرُّ بالمارَّة، وَوَضْعِ الحصى في حُفْرةٍ فيها لِيَمْلَأها، وتَسْقِيفِ ساقِيَةٍ فيها، وَوَضْعِ حَجَرٍ في طِينٍ؛ ليطأ النَّاسُ عَلَيهِ، فهذا كلُّه مُباحٌ، لا يُضمَنُ ما تَلِفَ به، لا نَعلَمُ فيه خلافًا (٣). وكذا بِناءُ القناطر، ويَحتَمِل أنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا إذْنُ الإمام؛ لأِنَّ مصلحتَه لا تَعُمُّ. قال بعضُ أصحابنا في حَفْرِ البِئْر: يَنبَغِي أنْ يَتَقيَّدَ سُقوطُ الضَّمان إذا حَفَرَها في مَكانٍ مائِلٍ عن القارعة، وجَعَلَ عَلَيهِ حاجِزًا يُعلَمُ به لِيُتَوَقَّى. (وَإِنْ بَسَطَ فِي مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلاً)، أوْ فَعَلَ فِيهِ شَيئًا يَنْفَعُ النَّاسَ؛ (لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ)؛ لأِنَّه مَأْذُونٌ في ذلك شَرْعًا، فلم يَضْمَنْ ما تَوَلَّدَ منه؛ كسِرايَةِ القَوَدِ. وقِيلَ: بل يَضْمَنُ المالَ، وعاقِلَتُه الدِّيةَ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ فَعَلَه بإذْن الإمام، أو حاجةٍ؛ فَهَدَرٌ. والأوَّلُ أَوْلَى، وقالَهُ الأكْثَرُ؛ كَوَضْعِ حَصًى فِيهِ؛ ولأِنَّه أحْسَنَ بفِعْله من غَيرِ تَعَدٍّ منه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ، كما لو أَذِنَ الإمامُ والجِيرانُ. (وَإِنْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ (٤) أَوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ، فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ، فَتَلِفَ (٥)؛ لَمْ يَضْمَنْ فِي أَحَدِ (٦) الْوَجْهَيْنِ)، وهو الأصحُّ؛ لأِنَّه جَلَسَ في مَكانٍ له الجُلوسُ

стр. 3378

فِيهِ، من غَيرِ تَعَدٍّ على أحَدٍ، وتَقْييدُه بالواسِعِ يُخْرِجُ الضَّيِّقَ. والثاني: يَضمَنُ؛ لأِنَّ الطَّريق جُعِلَتْ للمُرور فِيها لا الجلوس، والمسجدُ للصَّلاة وذِكْرِ الله تعالى. وما ذَكَرَه المؤلِّفُ أَوْلَى؛ لأِنَّه فَعَلَ فِعْلاً مُباحًا، والطَّريقُ الواسِعُ يُجلَس فيه عادةً، والمسجدُ جُعِل للصَّلاة وانْتِظارِها والاِعْتِكافِ في جميع الأوقات، وبَعضُها لا تُباحُ الصَّلاةُ فيه (١). (وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا، أَوْ مِيزَابًا إِلَى الطَّرِيقِ، فَسَقَطَ) أوْ شَيءٌ منه (عَلَى شَيْءٍ، فَأَتْلَفَهُ؛ ضَمِنَ) المخرِجُ؛ لأِنَّه مُتَعَدٍّ بذلك، فَوَجَبَ عليه ضمانُ ما تَولَّدَ منه، كما لو جَرَحَ إنْسانًا فَتَعَدَّى إلى قَتْلِه. وأطْلَقَ المؤلِّفُ الطَّريقَ، ويُسْتَثْنَى منه: ما إذا كان غيرُ نافِذٍ، وأخْرَج ذلك بإذْنِ أهله، فإنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لِعَدَم تَعدِّيه. مَسائِلُ: إذا تَلِفَتْ حامِلٌ أوْ حَمْلُها من رِيحِ طَبِيخٍ، عَلِمَ أصحابُه ذلك عادةً؛ ضَمِنُوا في الأَشْهَر. وإن أطارت الرِّيحُ إلى داره ثَوبًا؛ لَزِمَه حِفْظُه، فإن لم يَعرِف صاحِبَه؛ فَلُقَطَة، وإنْ عَرَفَه؛ لَزِمَه إعْلامُه، فإن لم يَفعَلْ؛ ضَمِنَ. وإنْ دَخَلَها طائِرُ غَيرِه؛ لم يَلْزَمْه حِفْظُه ولا إعْلامُه به، وقيل: إلاَّ أنْ يكونَ غَيرَ مُمْتَنِعٍ، فَيكونُ كالثَّوب، وإنْ أغْلَقَ عليه بابَه لِيُمْسِكَه لِنَفْسه؛ ضَمِنَه، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ مَالَ حَائِطُهُ) إلى غَيرِ ملْكِه وعَلِمَ به، وأسْقَطَه في «التَّرغيب»، (وَلَمْ (٢) يَهْدِمْهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيْئًا؛ لَمْ يَضْمَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ (٣)؛ لأِنَّ المَيلَ حادِثٌ،

стр. 3379

والسُّقوطَ بغَيرِ فِعْلِه، أشْبَهَ ما لو وَقَعَ قَبلَ مَيلِه، وسَواءٌ أمْكَنَه نَقْضُه، أو طولب به، أوْ لَا. (وَأَوْمَأَ فِي مَوْضِعٍ: أَنَّهُ إِنْ تُقُدِّمَ إِلَيْهِ بِنَقْضِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ؛ ضَمِنَ)؛ لأِنَّه مُفَرِّطٌ، أشْبَهَ ما لو باشَرَ الإتْلافَ، وهذا رِوايتانِ عنه، ففي رواية: إنْ طالَبَه مستحق (١) بنَقْضِه وأمْكَنَه؛ ضَمِنَ، اخْتارهُ جماعةٌ، وفي روايةِ ابْنِ مَنصورٍ: إذا كان أُشْهِد عليه ضَمِنَ (٢)، وقال بعضُ أصْحابِنا: يَضْمَنُ مطلَقًا، وهو قَول ابن أبي لَيلَى وإسحاق؛ كبنائه مائِلاً. وأمَّا إنْ طُولِبَ بالنَّقْض فلم يَفْعَل؛ فقد توقَّف أحمدُ في الجواب فيها، وحَكَى في «الشَّرح» الضَّمانَ عن الأصحاب، فعلى هذا: المطالَبَةُ من كلِّ مسلِمٍ وذمِّيٍّ يُوجِبُ الضَّمانَ بشَرْطه؛ لأِنَّ كلَّ واحدٍ له حقُّ المرور، بخلاف مستأْجِرٍ ومسْتَعِيرٍ. لكِنْ إن كان المالك محجورًا عليه لِسَفَهٍ ونحوِه، فطُولِب؛ لم يَلزَمْه؛ لعَدَم أهْلِيَّته، وإنْ طُولِبَ وليُّه، أو الوصيُّ، فلم يَفْعَلْ؛ فالضَّمانُ على المالِكِ. وإنْ طُولِبَ أحدُ المشتركينِ (٣)؛ ففي حصَّته وجْهانِ: أحدهما: لا شَيءَ عليه؛ لأِنَّه لا يُمْكِنُه النَّقْضُ بدون إذْنٍ، فهو كالعاجِز. والثَّاني: يَلْزَمه بحصَّته؛ لأنَّه يتمكَّن من النَّقض بمطالَبَةِ شَريكه وإلزامِه، فصار مفرِّطًا. فلو كان مَيلُه إلى دَرْبٍ غَيرِ نافِذٍ؛ فالحقُّ لأِهلِ الدَّرب، والمطالَبةُ لهم. فإنْ تَشَقَّق الحائطُ ولم يَمِلْ؛ فإن كان طُولاً فهو كالصَّحيح، وإن كانَ عَرْضًا فهو كالمائل.

стр. 3380

تنبيه: إذا بَنَى حائطًا في ملْكِه مستوِيًا، أو مائلاً إلى ملْكِه، فسقط، فأتْلَف شيئًا؛ فَهَدَرٌ. وإن بناه مائلاً إلى ملْكِ غَيرِه أو الطَّريق، وخِيفَ ضرَرُه؛ نَقَضَه، فإنْ تَرَكَه فَسَقَطَ فأتْلَفَ نفسًا أو مالاً؛ ضمن المالَ، والعاقِلةُ الدِّيةَ. وقيل: هو كما لو مَالَ. وما بَقِيَ من حائطه السَّاقط في فِنائه، أو طريق، فَهَلَك به أحدٌ؛ فهل يَضمَنُ؟ على وَجْهَينِ. أَصلٌ: إذا تُقدِّم إلى (١) مالِكِ الحائط المائلِ فباعه، ثُمَّ سَقَطَ فأتْلَفَ شَيئًا؛ فلا ضَمانَ على البائع؛ لأِنَّه لَيسَ بملْكه (٢)، ولا على المشْتَرِي؛ لأِنَّه لم يُطالَبْ بنَقْضِه. وإذا قِيلَ بالضَّمان والمتلَفُ آدَمِيٌّ؛ فالدِّيةُ على عاقِلَتِه، فإنْ أنْكَرَتْ أنَّ الحائِطَ لصاحبهم؛ لم يَلزَمْهم، إلاَّ أنْ يَثبُتَ ذلك بِبَيِّنةٍ؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ الوُجوب. وإنْ أبْرأه والحقُّ له؛ فلا ضَمانَ. (وَمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا) إذا لم تكن يدُ أَحَدٍ عليها؛ لقوله ﵇: «العَجْماءُ جُبَارٌ» (٣)؛ أيْ: هَدَرٌ، وسَواءٌ كان المتْلَفُ صَيدَ حَرَمٍ أوْ غَيره، أطلقه أصحابُنا، ومُرادُهم: إلاَّ الضَّاريةَ والجوارِحَ وشبْهَها، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلاً بإمساكها: ضَمِنَه إذا لم يُعْلِمْه بها (٤).

стр. 3381

وفي «الفصول»: مَنْ أطلَقَ كلْبًا عقورًا، أوْ دابَّة رفوسًا (١)، أوْ عَضوضًا على النَّاس، وخَلاَّه في طُرُقهم ورِحابِهم، فأتْلَفَ شَيئًا؛ ضَمِنَه؛ لتَفْريطه، وظاهِرُ كلامهم: ولو كانت مغصوبةً؛ لأِنَّه لا تَفْريطَ من المالِكَ، ولا ذمَّةَ لها فتتعلَّق (٢) بها، ولا قَصْدَ فيتعلَّق برَقَبَتها، بخلافِ العَبدِ والطِّفل. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ؛ كَالرَّاكِبِ، وَالسَّائِقِ، وَالْقَائِدِ، فَيَضْمَنُ مَا جَنَتْ يَدُهَا وفَمُهَا دُونَ مَا جَنَتْ رِجْلُهَا)؛ لِمَا روى سعيدٌ مرفوعًا: «الرِّجْلُ جُبَارٌ»، وفي روايةِ أبي هُرَيرةَ: «رِجْل العَجْماء جُبَارٌ» (٣)، فدلَّ على وجوب الضَّمان في جنايةِ غَيرِها، ولأِنَّه يُمْكِنُه حِفْظُها من الجناية بها، بخلافِ الرِّجْل. وعنه: يَضمَنُ ما جَنَتْ بِرِجْلها؛ ككَبْحِها ونحوِه، ولو لمصلحةٍ، وكوَطْئه بها. وظاهِرُ نَقْلِ ابنِ هانِئٍ فيه: لَا (٤). ونَقَلَ أبو طالِبٍ: لا يَضْمَنُ ما أصابت بِرِجْلها، أو نَفَحَتْ بها (٥)؛ لأِنَّه لا

стр. 3382

يَقدِرُ على حَبْسها، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ. وعنه: يَضمَنُ سائِقٌ جنايةَ رِجْلها. وعلى المذهب: لو كان السَّببُ من غَيرِهم؛ ضَمِنَ فاعِلُه؛ كنَخْسها وتَنفِيرها. ويُعتَبَر في (١) الرَّاكب أن يكون متصرفًا (٢) فيها، فلو كان عليها اثْنانِ؛ فالضَّمان على الأوَّلِ؛ لأِنَّه قادِرٌ على كَفِّها، إلاَّ أنْ يكونَ صغيرًا أوْ مريضًا، وإن كان الثَّاني متوليًا تدْبِيرَها؛ فعَلَيهِ الضَّمانُ، وإن اشتركا في التَّصرُّف، أوْ كان مَعَها سائِقٌ وقائدٌ؛ اشْتَرَكا في الضَّمان، وإن كان مَعَهُما، أوْ مَعَ أحَدِهِما راكِبٌ؛ شارَك، وقيل: راكِب؛ لأِنَّه أقْوَى، وقيل: قائدٌ؛ لأِنَّه لا حُكْمَ للرَّاكِب معه. ولا ضَمانَ بِذَنَبِها في الأصحِّ. ويَضمَنُ جِنايَةَ وَلَدِها. فَرْعٌ: الإبِلُ والبِغالُ المُقْطَرةُ كالواحدة، على قائدها الضَّمانُ، وإنْ كان معه سائقٌ؛ شارَكَه في ضَمان الأخير فقطْ إنْ كان في آخرها، فإنْ كان في أوَّلها؛ شارَك في الكُلِّ، وإنْ كان فيما عدا الأوَّل؛ شارَك في ضَمان ما باشَرَ سَوقَه دُونَ ما قَبْلَه، وشارَك فيما بعده (٣)، وإن انفَرَد راكِبٌ بالقِطَار وكان على أوَّله؛ ضَمِنَ جِنايَةَ الجميع، قاله الحارِثِيُّ. (وَيَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ لَيْلاً، وَلَا يَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا)، في قَولِ أكْثَرِهم؛ لِمَا رَوَى (٤) مالِكٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن

стр. 3383

حرام (١) بن سَعْدٍ: «أنَّ ناقةً للبراء (٢) دَخَلَتْ حائطَ قَومٍ فأفْسَدَت، فَقَضَى رسولُ الله ﷺ : «أنَّ على أهْلِ الأمْوال حِفْظَها بالنَّهار، وما أَفْسَدت باللَّيل فهو مَضْمونٌ عليهم» (٣)، قال ابنُ عبد البر: (هذا وإنْ كان مُرسَلاً فهو مَشهورٌ، وحدَّث به الأئمَّةُ (٤) الثِّقاتُ، وتَلقَّاه فُقَهاءُ الحِجاز بالقَبول) (٥)، ولأِنَّ العادةَ من أهْل المواشِي إرْسالُها نَهارًا للرَّعْيِ وحِفْظُها لَيلاً، عَكْسَ أهْلِ الحَوائِط، ولهذا فَرَّق بَينَهما، وقضى على (٦) كلٍّ ما يحفظ في وقْتِ عادَتِه، وهذا روايةٌ. واقْتَصَر في «الوجيز» على الزَّرع فقطْ. وظاهِرُه: أنَّها إذا أتْلَفَتْ غَيرَ الزَّرع والشَّجر لَيلاً؛ أنَّه لا ضَمانَ على مالِكِها، صرَّح به في «المغْنِي» و «الشَّرح».

стр. 3384

والمنصوصُ: أنَّه يَضْمَنُ ما أتْلَفَتْ لَيلاً، وجَزَمَ به جماعةٌ (١)، ولو انفَلَتَتْ بغَيرِ اخْتِياره، وقِيلَ: لا؛ لِعَدَمِ تَفْريطِه. ولا يَضمَنُ نَهارًا. قال القاضِي: هذه المسألةُ محمولةٌ على المواضِع الَّتي فيها مَزارِعُ أوْ مَراعي، فأمَّا القُرَى العامِرةُ التي (٢) لا مَرْعَى فيها إلاَّ بَينَ قراحين (٣)؛ كساقِيَةٍ وطَرَفِ زَرعٍ، فلَيسَ له (٤) إرسالُها بغَير حافِظٍ، فإنْ فَعَلَ؛ لَزِمَه الضَّمانُ؛ لتَفْرِيطه، فأمَّا الغاصِبُ فيَضمَنُ ما أَفْسَدَتْ مطلَقًا. فَرْعٌ: إذا طَرَد دابَّةً مِنْ زَرْعِه؛ لم يَضمَنْ، إلاَّ أنْ يُدخِلَها مَزْرعةَ غَيرِه، فإن (٥) اتَّصلت المزارِعُ؛ صَبَرَ لِيَرجِعَ على ربِّها، ولو قَدَرَ أن يُخْرِجَها وله مُنصَرَفٌ غَيرُ المزارِعِ فَتَرَكَها؛ فَهَدَرٌ. (وَمَنْ صَالَ عَلَيْهِ آدَمِيٌّ (٦) أَوْ غَيْرُهُ)؛ كبهيمةٍ، ولم يُمْكِنْه دَفْعُها إلاَّ به، ذَكَرَه في «الشَّرح»، (فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ)؛ لأِنَّه قَتَلَه بِدَفْعٍ جائزٍ، فلم يَضمَنْه؛ لِمَا فيه من صِيانَةِ النَّفْس عن القَتْل. (وَإِنِ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَغَرِقَتَا؛ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ أي: القَيِّمَينِ (٧) (سَفِينَةَ الآْخَرِ وَمَا فِيهَا)؛ لأِنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِسبَبِ فِعْلَيهِما، فَوَجَبَ على كلٍّ

стр. 3385

منهما ضَمانُ ما تَلِفَ بِسَبَبِ فِعْله؛ كالفارِسَينِ إذا اصْطَدَما. وهذا إذا كانا مُفرِّطَينِ، فإن لم يَكنْ؛ فلا ضَمانَ عَلَيهما، لكِنْ قَطَع في «المغْنِي» و «الشَّرح» وغيرهما: بأنَّ كلَّ واحِدٍ ضامِنٌ إذا فرَّط، وعَزَاه الحارِثِيُّ إلى الأصْحاب. فإن اخْتَلَفا في التَّفْريط ولا بَيِّنةَ؛ قُدِّم قَولُ القَيِّم مع يمينِه. (وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا (١) مُنْحَدِرَةً؛ فَعَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانُ الْمُصْعِدَةِ (٢)؛ لأِنَّها تَنْحَطُّ عَلَيها من عُلْوٍ، فتكون (٣) سَبَبًا لِغَرَقِها، فنُزِّل (٤) المنْحَدِرةُ مَنزِلةَ السَّائرةِ، والصَّاعدةُ بمنزلة الواقِفة، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ غَلَبَهُ (٥) رِيحٌ)، أو الماءُ شديدَ الجَرْيَةِ، (فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا)؛ فلا ضَمانَ عَلَيهِ؛ لأِنَّه لا يُعَدُّ مُفرِّطًا، ولأنَّ (٦) التَّلَفَ يُمْكِنُ استناده (٧) إلى الريح (٨). فإنْ فرَّط صاحِبُ المصْعِدَةِ؛ بأنْ كان يُمْكِنُه العُدولُ بِسَفِينته؛ ضَمِنَ. وإنْ كان إحداهما (٩) سائرةً، والأخرى واقِفَةً؛ فلا شَيءَ عليها، وعلى السَّائرة ضَمانُ الواقِفَة إنْ كان القَيِّمُ مفرِّطًا، وإلاَّ فلا. فَرْعٌ: إذا كانت دابَّةٌ عليها حَطَبٌ، فَخَرَقَ ثَوبَ آدَمِيٍّ بَصِيرٍ عاقِلٍ يَجِدُ مُنْحَرَفًا؛ فَهَدَرٌ، وكذا لو كان مستدبرًا (١٠) فصاح به مُنَبِّهًا له، وإلاَّ ضَمِنَ،

стр. 3386

ذَكَرَه في «التَّرغيب». (وَمَنْ أَتْلَفَ مِزْمَارًا)، ويُقالُ: مُزْمُورٌ بضمِّ الميمِ الأُولى، (أَوْ طُنْبُورًا)، هو (١) بضمِّ الطَّاء، وهو فارِسِيٌّ مُعرَّبٌ، والطِّنْبارُ لُغَةٌ فيه بِوَزْنِ سِنْجارٍ، (أَوْ صَلِيبًا)؛ لم يَضمَنْه في قَول الجماهير، ولو مع صبيٍّ، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه لا يَحِلُّ بَيعُه، فلم يُضمَنْ كالميتة، وللخبر: «إنَّ الله حرَّم بَيعَ الخمر، والميتة، والخِنزِير، والأصْنام» متَّفَقٌ عليه (٣). ولو عَبَّر بالمُلْهِي لَعَمَّ، كَعُودٍ، وطَبْلٍ، ودُفٍّ بِصُنُوجٍ أوْ حِلَقٍ، نَصَّ عَلَيهما (٤)، ونَرْدٍ، وشِطْرَنْجٍ، أو آلة (٥) سِحْرٍ أو تَنْجيمٍ، ونحوِه. (أَوْ كَسَرَ إِنَاءَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (٦)؛ لم يَضمَنْه، نَصَّ عَلَيهِ (٧)؛ لأِنَّه أتْلَفَ ما لَيسَ بمُباحٍ، فلم يَضمَنْه؛ كالميتة. وعَنْهُ: بلى، حكاها أبو الخَطَّاب، نَقَلَ مُهَنَّى فِيمَنْ هَشَمَ على غَيرِه إبْريقَ فِضَّةٍ: عليه قِيمَتُه (٨)، يَصوغُه كما كان، فقيل له: ألَيسَ قد نَهى النَّبيُّ ﷺ عن اتِّخاذها (٩)، فَسَكَتَ (١٠)، فهذا يدلُّ على أنَّه رَجَعَ عن قَولِه ذلك.

стр. 3387

(أَوْ إِنَاءَ خَمْرٍ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ) على الأصحِّ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عُمَرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَه أنْ يأْخُذَ مُدْيَةً، ثُمَّ خَرَجَ إلى أسْواق المدينة وفِيهَا زِقاقُ الخَمْرِ قد جُلِبَتْ من الشَّام، فَشُقَّتْ بِحضرَتِه، وأَمَرَ أصحابَه بذلك» رواه أحمدُ (١). وهذا إذا كان الخمرُ الَّذي فيها نُؤمَرُ بإراقته، قَدَرَ يُرِيقُها بِدُونِه أوْ عَجَزَ، نقله المرُّوذِيُّ. ونَقَلَ الأثْرَمُ وغَيرُه: إنْ لم يَقْدِرْ، لم يَضمَنْ على الأصحِّ فِيهِنَّ (٢)، كخِنْزيرٍ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ (٣) يَضْمَنُ آنِيَةَ الْخَمْرِ إِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيْرِهِ)؛ لأِنَّه مالٌ يُمْكِنُ الاِنْتِفاعُ به، ويَحِلُّ بَيعُه، فيَضمَنُها؛ كما لو لم يَكنْ فيها خَمرٌ، ولأِنَّ جَعْلَ الخمرِ فِيهَا لا يَقْتَضِي سُقوطَ ضَمانها؛ كمَخْزَن (٤) الخمر، لكِنْ نَقَلَ ابنُ منصورٍ: أنَّه لا يَضمَنُ مَخْزَنًا للخمر (٥)، واخْتارَهُ ابنُ بَطَّةَ وغَيرُه، ونَقَلَ حَنْبَلٌ: بَلَى (٦)، وجَزَمَ به المؤلِّفُ.

стр. 3388

وَلَا يَضْمَنُ كِتابًا فيه أحاديثُ رَدِيئةٌ، نَقَلَه المرُّوذِيُّ (١)، فَجَعَلَه كآلة لَهْوٍ، ولا حَلْيًا مُحرَّمًا على الرِّجال لم يَسْتَعْمِلُوه يَصلُح للنِّساء. مسألةٌ: إذا وَقَعَ في مِحْبَرَتِه مالُ غَيرِه بِتَفْريطه فلم يَخرُجْ؛ كُسِرَتْ مَجَّانًا، وإنْ لم يُفرِّطْ ضَمِنَ ربُّ المال كَسْرَها، فإنْ بَذَلَ ربُّها بَدَلَه؛ ففي وُجوبِ قَبولِه وَجْهانِ (٢).

стр. 3389

(بَابُ الشُّفْعَةِ) هي بإسْكانِ الفاء، مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّفاعة، أو الزِّيادةِ، أو التَّقْوِيَة، أوْ مِنْ الشَّفْع، وهو أحْسَنُها؛ لأِنَّ الشَّفْعَ هو الزَّوجُ، فإنَّ الشَّفِيعَ كان نَصِيبُه مُنفَرِدًا في ملْكِه، فبالشُّفْعةِ ضَمَّ المبِيعَ إلى ملْكِه. وبالثَّانِي جَزَمَ به بَعْضُ أهلِ اللُّغة؛ لأِنَّ نَصِيبَه كان وتْرًا، فصار شَفْعًا. والشَّافِعُ هو الجاعِلُ الوتْر شَفْعًا، والشَّفِيعُ فَعِيلٍ بمعنى (١) فاعِلٍ. وهي ثابِتةٌ بالسُّنَّةِ، فَرَوَى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضَى بالشُّفْعةِ في كلِّ ما (٢) لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحُدودُ، وصُرِفَتِ الطُّرُقُ؛ فلا شُفْعَةَ» رواه أحْمدُ والبُخارِيُّ (٣)، وبالإجْماع حكاهُ ابنُ المنْذِر (٤)، قال في «المغْنِي»: ولا نعلم (٥) أحدًا خَالَفَ فِيهَا إلاَّ الأصمَّ، فإنَّه قال: لا يَثْبُتُ؛ لِمَا فيه من الإضْرار بأرباب الأمْلاكِ؛ لِتَقاعُس النَّاس عن الشِّراء حَيثُ عَلِمُوا انْتِزاعَ ما يشترونه، وجَوابُه: بأنَّه يَندَفِعُ ذلك بالمقاسمة (٦). وأَعْقَبَ الشُّفْعةَ للغَصْب؛ فإنَّها تُؤخَذُ قَهْرًا، فكأنَّها مُسْتَثْناةٌ من تحريمِ أخْذِ مالِ الغَيرِ قَهْرًا. (وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الْإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهَا)، هذا بَيانٌ لِمَعْناها، ولا يَخْفَى ما فِيهِ من الاِحْتِراز، لكِنَّهُ غَيرُ جامِعٍ؛ لخُروجِ الصُّلحِ بمَعْنَى البَيعِ، والْهِبةِ بشَرْطِ الثَّواب، ولا مانِعَ؛ لأِنَّه يَرِدُ عَلَيهِ الكافِرُ، ولا

стр. 3390

شُفْعَةَ له. وفي «المغْنِي»: (اسْتِحْقاقُ الشَّريكِ انْتِزاعَ حِصَّةِ شَرِيكِه المنْتَقِلَةِ عنه مِنْ يَدِ مَنْ انتَقَلتْ إليه)، وهو غَيرُ مانِعٍ؛ لدخول ما انْتَقَلَ بغَيرِ عِوَضٍ؛ كالإرْثِ، والوصيَّةِ، والهِبةِ بغَيرِ ثَوابٍ، أو بِعِوَضٍ غَيرِ مالِيٍّ على المشهور؛ كالخُلْعِ ونحوِه. والأَحْسَنُ أنْ يُقالَ: هي اسْتِحْقاقُ الشَّريك أَخْذَ حِصَّةِ شَريكِه مِنْ يَدِ مَنْ انتَقَلَتْ عنه، بِعِوَضٍ مالِيٍّ مُسْتَقِرٍّ. (وَلَا يَحِلُّ الاِحْتِيَالُ لِإِسْقَاطِهَا)؛ قال الإمامُ أحمدُ: لا يَجوزُ شَيءٌ من الحِيَل (١) في إبْطالها، ولا إبْطالِ حقِّ مسلِمٍ (٢)، اسْتَدلَّ الأصحابُ بما رَوَى أبو هُرَيرةَ عن النَّبيِّ ﷺ قال (٣): «لا تَرتَكِبُوا ما ارْتَكَبَت اليَهودُ، فتَسْتَحِلُّوا مَحارِمَ الله» (٤)، وقد حَرَّم الله الحِيَل في مَواضِعَ مِنْ كِتابِه، ولأِنَّ الشُّفْعةَ وُضِعَتْ لدَفْع الضَّرَرِ، فَلَوْ سَقَطَت بالتَّحَيُّل؛ لَلَحِقَ الضَّرَرُ؛ فلم تَسْقُطْ، كما لو أَسْقَطها المشْتَرِي عنه بِوَقْفٍ، أوْ بَيعٍ، فَعَلَى هذا: لو احْتالَ لم تَسقُطْ (٥). ومَعْنى الحيلةِ: أنْ يُظْهِرَ المتعاقِدانِ في البَيعِ شَيئًا لا يُؤخَذُ بالشُّفْعة مَعَه، ويتواطَؤوا في الباطن على خِلافه، مِثْلَ أنْ يَشْتَرِيَ بدَنانِيرَ، ويقضيَهُ (٦) عنها دراهم (٧)، أوْ يَشْتَرِيَ شِقْصًا بِثَمَنٍ ثُمَّ يُبْرِئَه مِنْ بَعضِه، أوْ يَشْتَرِيَ جُزءًا من

стр. 3391

الشِّقْص بِمائةٍ ثُمَّ يَهَبَ البائعَ باقِيَهُ، ويأْخُذَ الجُزْءَ المبِيعَ من الشِّقْص بِقِسْطه من الثَّمَن. ويَحْتَمِلُ: أنْ يأخُذَ الشِّقْصَ كلَّه بِجَميعِ الثَّمَن. (وَلَا تَثْبُتُ إِلاَّ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ): (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ) الشِّقص (١) (مَبِيعًا)، وهو مَحَلُّ وِفاقٍ (٢)، والخَبَرُ وارِدٌ فيه، ولأِنَّ غَيرَ المبيع لَيسَ منصوصًا عليه، ولا هو في مَعْنى المنصوصِ، وشَرْطُه أنْ يكونَ باتًّا (٣)، وقِيلَ: ولو مع خِيارِ مَجْلِسٍ وَشَرْطٍ، وقِيلَ: شَرْطٌ لمُشْتَرٍ (٤). (وَلَا شَفْعَةَ فِيمَا انْتَقَلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ)؛ كالهِبة بغَيرِ ثَوابٍ، والصَّدَقةِ، والوصيَّةِ، والإرْثِ، (بِحَالٍ) في قَولِ أكْثَرِ العلماء؛ لأِنَّ ذلك لَيسَ في مَعْنَى البَيعِ، والأَخْذُ يَقْتَضِي دَفْعَ العِوَضِ، ولم يُقْصَدْ فيها المعاوَضةُ، ويَلْحَقُ به: المردودُ بالعَيبِ أو الفَسْخِ. (وَلَا فِيمَا عِوَضُهُ غَيْرُ الْمَالِ؛ كَالصَّداقِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هذا ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، واخْتارَهُ أبو بَكْرٍ، وذَكَرَ القاضِي أنَّه قِياسُ المذْهَب، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه مَمْلوكٌ بغَيرِ المال، أشْبَهَ الإرثَ. والثَّانِي: تَجِبُ (٥)، اختاره ابن حامِدٍ، وقالَهُ ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبي لَيلَى؛

стр. 3392

لأِنَّه مَمْلوكٌ بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البيع (١). وأَطْلَقَ في «الفروع» الخِلافَ، ثُمَّ قال: (وعلى قياسه ما (٢) أُخِذ أُجْرةً، أوْ ثَمَنًا في سَلَمٍ، أوْ عِوَضًا في كِتابةٍ، فإنْ وَجَبَتْ؛ فقيل: يأخُذه بقِيمته، وقيل: بقيمة مُقابِلِه). وعلى الأخْذ: لو طلَّق الزَّوجُ بَعْدَ الدُّخول بعد عَفْوِ الشَّفيعِ؛ رَجَعَ بنِصْف ما أصْدَقَها؛ لأِنَّه مَوْجُودٌ في يَدِها نِصْفُه، وإنْ طلَّقها بَعْدَ أخْذِ الشَّفيعِ؛ رَجَعَ بِنِصْف قِيمتِه؛ لأِنَّ ملْكَها زال عنه. وإنْ طلَّق قَبْلَ عِلْمِ الشَّفيع ثمَّ عَلِمَ؛ فَوَجْهانِ: أحدُهما: يُقدَّم حقُّ الشَّفيع؛ لأِنَّه ثَبَتَ بالنِّكاح السَّابِق. والثَّاني: يُقدَّم حقُّ الزَّوج؛ لأِنَّه ثَبَتَ بالنَّص والإجْماع، وهما معدومانِ في الشُّفْعة هنا. وفُهِم منه: أنَّ ما انتقل بعِوَضٍ مالِيٍّ؛ كالصُّلح بمَعْنى البيع، والصُّلحِ عن الجناية الموجِبَة للمال، والهِبة المشْروط فِيها ثَوابٌ معلومٌ؛ فإنَّها تَثْبُتُ فيها؛ لأِنَّ ذلك يَثْبُت فيه أحْكامُ البيع. فَرعٌ: إذا جَنَى جِنايَتَينِ؛ عَمْدًا أوْ خطأ (٣)، فصالَحه منهما على شِقْصٍ؛ فالشُّفْعةُ في نِصفِه فقطْ إنْ قُلْنَا: مُوجَبُ العَمْد القِصاصُ عَينًا، وإلاَّ وَجَبَ في الجميع.

стр. 3393

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ) المبيعُ (شِقْصًا)، بكَسْر أوَّله، قال أهْلُ اللُّغة: هو من الأرض، والطَّائفةُ (١) من الشَّيء، (مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ)، مُرادُهم بالعَقار هنا: الأرضُ، دُونَ الغِراس والبِناء؛ لِمَا يأتي، وظاهِرُ كلامِ أهلِ اللُّغة بل صريحُه: أنَّ النَّخْلَ عَقارٌ. (يَنْقَسِمُ) أي: تَجِبُ قِسْمته. وعنه: مطلَقًا، اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وأبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٢). وعنه: وغَيرُه، إلاَّ في منقولٍ يَنقَسِم. ف «الشقص» (٣): يُحْتَرَزُ به عن الكلِّ؛ لأِنَّ الأخْذَ به أخْذٌ بالجِوار. و «بالإشاعة»: عن المقسوم. و «بالعَقار»: عن غيره؛ لأِنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنى المنصوصِ. (فَأَمَّا الْمَقْسُومُ المَحْدُودُ؛ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِ فِيهِ)، في قَول عُمَرَ (٤)، وعُثْمانَ (٥)، وخَلْقٍ؛ لحديثِ جابِرٍ،

стр. 3394

ولقوله: «الشُّفْعةُ فِيمَا لم يُقْسَمْ» (١)، مَعْناهُ: أنَّ الشُّفْعةَ حاصِلَةٌ، أوْ ثابِتةٌ، أوْ مُسْتَقِرَّةٌ في كلِّ ما لم يُقْسَم، فما قُسِمَ لا تَحصُلُ (٢) فِيهِ، ولا تَثْبُتُ (٣)، ويؤكِّد هذا روايةُ الحَصْر (٤)، والرَّاوِي ثِقَةٌ عالِمٌ باللُّغة، فيَنقُلُ اللَّفظَ بِمَعْناهُ. وعنه: أنَّها تَثْبُتُ للجار، حكاها القاضِي يَعْقوبُ في «التَّبصرة»، وصحَّحها ابنُ الصَّيرَفِيِّ والحارِثِيُّ. وكذا اختارَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين مع الشَّرِكة في الطَّريق (٥)؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ مرفوعًا أنَّه قال: «الجارُ أحقُّ بشُفْعةِ جارِه، يُنتظر (٦) بها وإنْ كان غائبًا، إذا كان طريقُهما واحِدًا» رواه الخمسةُ، وحسَّنه التِّرمذيُّ (٧)، ورَوَى أبو رافِعٍ: أنَّ

стр. 3395

النَّبيَّ ﷺ قال: «الجارُ أحقُّ بِصَقَبِه» رواهُ النَّسائِيُّ (١)، ولأِنَّه اتِّصالُ ملْكٍ يَدومُ ويَتَأبَّدُ، فتَثْبُت (٢) فيه كالشَّركة. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّ حَديثَ أبِي رافِعٍ لَيسَ بصَريحٍ فيها، فإنَّ «الصقب» (٣): القُرْبُ، فيَحْتَمِل أنَّه أحقُّ بإحسانِ جارِهِ وصِلَته، مع أنَّ خَبَرَنا صريحٌ، فيُقدَّم على غَيرِه، وأحادِيثُهم فيها مقالٌ، ويَحتَمِلُ أنَّه أراد بالجار الشَّريك، كما تسمَّى (٤) الضَّرَّتانِ: جارَتَينِ؛ لاِشْتِراكهما في الزَّوج، ولأِنَّ الشُّفْعةَ ثَبَتَتْ في مَوضِعِ الوِفاق على خلاف الأصل؛ لِمَعْنًى معدومٍ في مَحَلِّ النِّزاع، فلا تَثْبُتُ (٥) فيه. فعلى هذا: لا فَرْقَ بَينَ كَونِ الطَّريق مُفْرَدَةً أوْ مُشْتَرَكةً، وسأله أبو طالِبٍ: الشُّفْعةُ لِمَنْ هِيَ؟ قال: (إذا كان طريقُهما واحدًا شركًا (٦) لم يَقْتَسِمُوا، فإذا صُرِفَت الطُّرُق، وعُرِفَت الحدودُ فلا شُفْعةَ) (٧). وإنْ بِيعَتْ دارٌ لها طريقٌ في دَرْبٍ لا يَنفُذُ؛ فَوجْهانِ، والأَشْهَرُ: يَجِبُ (٨) إنْ كان للمشْتَرِي طريقٌ غيرُه، أو أمْكَنَ فَتْحُ بابه إلى شارِعٍ، وإنْ كان نَصيبُ مُشْتَرٍ فَوقَ حاجته؛ ففي زائِدٍ وجْهانِ، وكذا دِهْلِيزُ جارِه وصَحْنُه.

стр. 3396

فَرْعٌ: إذا قُدِّمَ مَنْ لا يَراها لجارٍ (١) إلى حاكِمٍ، فأنْكَر؛ لم يَحلِفْ، وإنْ أخْرَجه؛ خَرَجَ، نَصَّ عليه، وقال: لا يُعْجِبنِي الحَلِفُ على أمْر اخْتُلِف فِيهِ (٢)، قال القاضِي: لأِنَّ يَمِينَه هُنَا على القَطْعِ والبَتِّ، ومسائلُ الاِجْتِهادِ ظَنِّيَّةٌ، فلا يُقْطَع بِبُطْلان مَذْهَبِ المخالِفِ، وحَمَلَه في «المغْنِي» و «الشَّرح» على الوَرَعِ. وإنْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ لِشافِعِيٍّ بها؛ فله الأَخْذُ عِنْدَ ابنِ عَقِيلٍ، ومَنَعَه القاضِي. (وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ؛ كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ، وَالطُّرُقِ، وَالْعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ) في ظاهِرِ المذْهَب؛ لقَولِه ﵇: «لا شُفْعةَ في فِناءٍ، ولا طَريقٍ، ولا مَنْقَبَةٍ» رواه أبو عُبَيدٍ في «الغَريب» (٣)، المنْقَبَة: الطَّريقُ الضَّيِّقُ بَينَ دارَينِ لا يُمكِنُ أنْ يَسْلُكَهُ أحدٌ. والثَّانيةُ: بَلَى؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مَرْفوعًا: «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ، والشُّفْعةُ فِي كلِّ شَيءٍ» رواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ متَّصِلاً ومُرسَلاً، وهو أصحُّ، قالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، والَّذي وَصَلَه أبو حمزةَ السُّكَّرِيُّ، وهو مُخرَّجٌ عنه في «الصَّحيحَينِ» (٤)، ولأنَّها وُضِعَتْ لِإزالة الضَّرَر، وَوُجودُه فِيما لا يُقسَمُ أبْلَغُ

стр. 3397

منه فيما يُقْسَم. والأوَّلُ أشْهَرُ؛ لأِنَّ إثْباتَ الشُّفْعةِ في هذا يضرُّ (١) بالبائِع؛ لأِنَّه لا يُمكِنُه أنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ إثْباتِ الشُّفْعة في نَصِيبِه (٢) بالقِيمة، وقد يَمْتَنِع المشْتَرِي لأِجْلِ الشَّفِيع؛ فَيَتَضَرَّرُ البائعُ، وقد يَمْتَنع البيعُ فيَسقُط، فيؤدِّي إثْباتُها إلى نَفْيِها. وظاهِرُه: أنَّ الحَمَّام الكبيرَ حَيثُ قُسِم وانْتُفِع به حمَّامًا، والبِئْرَ والعَضائدَ متى أمْكَن أنْ يَحصُل مِنْ ذلك شَيئانِ؛ ثَبَتَتْ (٣) فيه؛ كالرَّحَى. (وَمَا لَيْسَ بِعَقَارٍ؛ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، هي ظاهِرُ المذهب؛ لأِنَّ مِنْ شَرْط وُجوبِها أنْ يَكونَ المبِيعُ أرْضًا؛ لأِنَّها هي الَّتي تَبْقَى على الدَّوام، ويَدُومُ ضَرَرُها. والثَّانيةُ: بَلَى، وقد سَبَقَ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ (٤) الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ يُؤْخَذُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ) إذا بِيعَ مع الأرض (٥)، بغَيرِ خِلافٍ في المذْهَبِ، ولا نَعرِفُ فِيهِ خِلافًا بَينَ مَنْ أثْبَتَ الشُّفْعةَ، قالَهُ في «الشرح». (وَلَا تُؤْخَذُ الثَّمَرَةُ)، وقيَّدها في «المغْنِي» و «الشَّرح»: بالظَّاهِرة، (وَالزَّرْعُ تَبَعًا)؛ أيْ: إذا بِيعَ مع الأرض (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وهو المذْهَبُ؛ لأِنَّ ذلك لا يَدخُلُ في البَيع، فلا يَدخُلُ في الشُّفْعة؛ كقُماشِ الدَّار. والثَّاني: بَلَى، تُؤخَذُ (٦) تَبَعًا كالغراس.

стр. 3398

ومُقْتَضاهُ: أنَّ غَيرَهما يَدخُل، مع أنَّه ذَكَرَ في «المغْنِي»: إن اشْتَراه، وفِيهِ طَلْعٌ لم يُؤبَّر، فأبَّرَهُ؛ لم يَأخُذ الثَّمرةَ، بل الأرضَ، والنَّخلَ بحِصَّته؛ كشِقْصٍ وسيف، وكذا ذَكَرَ غَيرُه: إذا لم تَدخُل (١)؛ أَخَذَ الأصلَ بحِصَّته.

стр. 3399

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: الْمُطَالَبَةُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ)؛ لِقَوْلِه ﵇: «الشُّفْعةُ لِمَنْ واثَبَها»، وفي روايةٍ: «الشُّفْعةُ كحَلِّ العِقالِ» رواهُ ابنُ ماجَهْ (١)، ولأِنَّ ثُبوتَها على التَّراخِي ربَّما أضرَّ بالمشْتَرِي؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرارِ ملْكِه، وحِينَئِذٍ؛ يُشْهِدُ (سَاعَةَ يَعْلَمُ، نَصَّ عَلَيْهِ (٢)، وهو المخْتارُ لِعامَّة الأصْحابِ؛ لِظاهِرِ ما سَبَقَ. واحْتُرِزَ ب «العِلْم» عمَّا إذا لم يَعْلَمْ، فإنَّه على شُفْعته، ولو مَضَى عَلَيهِ سِنُونَ. (وَقَالَ الْقَاضِي) وأصْحابُه، واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، وحَكاهُ ابنُ الزَّاغُونِيِّ روايةً: (لَهْ طَلَبُهَا فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ طَالَ)؛ لأِنَّ المجْلِسَ في حُكْمِ حالةِ العَقْد، بدليلِ صحَّته بِوُجودِ القَبْض فِيمَا يُشْتَرَط قَبْضُه فِيهِ. وعنه، واخْتارَها القاضِي يعقوبُ: أنَّها على التَّراخِي؛ لأنَّها (٣) خِيارٌ لدَفْع ضَرَرٍ مُحقَّق، فكانَتْ على التَّراخي؛ كخِيار العَيب، ما لم يُوجَد منه ما يَدُلُّ على الرِّضا، كقَولِه (٤): بِعْنِي، أو صالِحْنِي، أوْ قاسِمْني؛ لأِنَّه حقٌّ لا ضَرَرَ في تأْخِيره، أشْبَهَ القِصاصَ. (فَإِنْ أَخَّرَهُ) عن ساعةِ العِلْم، أو المجْلِس - على الخلاف -، بلا عُذْرٍ؛ (سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ).

стр. 3400

فلو أخَّره لِعُذْرٍ؛ مِثلَ أنْ يَعلَم لَيلاً فيؤخِّره إلى الصَّباح، أوْ لحاجةِ أكْلٍ، أوْ شُرْبِ، أوْ طهارةٍ، أوْ إغْلاقِ بابٍ، أوْ خُروجٍ مِنْ حَمَّام، أوْ لِيأْتِيَ بالصَّلاة وسُنَّتها؛ فهو على شُفْعته في الأصحِّ. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: لا بُدَّ مِنْ طَلَبِه، ثُمَّ له أنْ يُخاصِمَ ولو بَعْدَ أيَّامٍ (١). (إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ (٢) وَهُوَ غَائِبٌ، فَيُشْهِدَ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا) إذا قَدَر عَلَيهِ، فيُعلَمُ منه أنَّه مُطالِبٌ غَيرُ تارِكٍ. (ثُمَّ إِنْ أَخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ)، وفِيهِ وجْهانِ: أحدُهما: تَبطُل؛ لأِنَّه تارِكٌ للطَّلَب، أشْبَهَ ما لو كان حاضِرًا ولم يُشْهِدْ. والثَّانِي: لا تسقط (٣)؛ لأِنَّ عَلَيهِ في السَّفَر عُقَيْبَ الإشْهاد ضَرَرًا؛ لاِلْتِزامِه (٤) كُلْفَتَه وانْقِطاع حوائجه. وفي «المغْنِي»: (إنْ أخَّر القُدومَ بَعْدَ الإشهاد) بَدَلَ قوله: (وإن أخَّر (٥) الطَّلَب)، وهو صحيحٌ؛ لأِنَّه لا وَجْهَ لإسْقاط الشُّفْعة بتأْخِير الطَّلَب بَعْدَ الإشْهاد وهو غائِبٌ؛ لأِنَّ الطَّلَبَ حِينَئِذٍ لا يُمكِنُ، بخِلاف القُدومِ فإنَّه مُمْكِنٌ، وتأخيرُ ما يُمكِنُ لإسْقاطه وَجْهٌ، بخِلافِ تأْخِيرِ ما لا يُمْكِنُ. (أَوْ لَمْ يُشْهِدْ، وَلَكِنْ سَارَ فِي طَلَبِهَا؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحَدُهما: تَبطُلُ، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقيِّ؛ لأِنَّ السَّيرَ قد يكونُ
следующие страницы →