← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

فَرْعٌ: إذا قُدِّمَ مَنْ لا يَراها لجارٍ (١) إلى حاكِمٍ، فأنْكَر؛ لم يَحلِفْ، وإنْ أخْرَجه؛ خَرَجَ، نَصَّ عليه، وقال: لا يُعْجِبنِي الحَلِفُ على أمْر اخْتُلِف فِيهِ (٢)، قال القاضِي: لأِنَّ يَمِينَه هُنَا على القَطْعِ والبَتِّ، ومسائلُ الاِجْتِهادِ ظَنِّيَّةٌ، فلا يُقْطَع بِبُطْلان مَذْهَبِ المخالِفِ، وحَمَلَه في «المغْنِي» و «الشَّرح» على الوَرَعِ. وإنْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ لِشافِعِيٍّ بها؛ فله الأَخْذُ عِنْدَ ابنِ عَقِيلٍ، ومَنَعَه القاضِي. (وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ؛ كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ، وَالطُّرُقِ، وَالْعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ) في ظاهِرِ المذْهَب؛ لقَولِه ﵇: «لا شُفْعةَ في فِناءٍ، ولا طَريقٍ، ولا مَنْقَبَةٍ» رواه أبو عُبَيدٍ في «الغَريب» (٣)، المنْقَبَة: الطَّريقُ الضَّيِّقُ بَينَ دارَينِ لا يُمكِنُ أنْ يَسْلُكَهُ أحدٌ. والثَّانيةُ: بَلَى؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مَرْفوعًا: «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ، والشُّفْعةُ فِي كلِّ شَيءٍ» رواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ متَّصِلاً ومُرسَلاً، وهو أصحُّ، قالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، والَّذي وَصَلَه أبو حمزةَ السُّكَّرِيُّ، وهو مُخرَّجٌ عنه في «الصَّحيحَينِ» (٤)، ولأنَّها وُضِعَتْ لِإزالة الضَّرَر، وَوُجودُه فِيما لا يُقسَمُ أبْلَغُ

стр. 3397

منه فيما يُقْسَم. والأوَّلُ أشْهَرُ؛ لأِنَّ إثْباتَ الشُّفْعةِ في هذا يضرُّ (١) بالبائِع؛ لأِنَّه لا يُمكِنُه أنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ إثْباتِ الشُّفْعة في نَصِيبِه (٢) بالقِيمة، وقد يَمْتَنِع المشْتَرِي لأِجْلِ الشَّفِيع؛ فَيَتَضَرَّرُ البائعُ، وقد يَمْتَنع البيعُ فيَسقُط، فيؤدِّي إثْباتُها إلى نَفْيِها. وظاهِرُه: أنَّ الحَمَّام الكبيرَ حَيثُ قُسِم وانْتُفِع به حمَّامًا، والبِئْرَ والعَضائدَ متى أمْكَن أنْ يَحصُل مِنْ ذلك شَيئانِ؛ ثَبَتَتْ (٣) فيه؛ كالرَّحَى. (وَمَا لَيْسَ بِعَقَارٍ؛ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، هي ظاهِرُ المذهب؛ لأِنَّ مِنْ شَرْط وُجوبِها أنْ يَكونَ المبِيعُ أرْضًا؛ لأِنَّها هي الَّتي تَبْقَى على الدَّوام، ويَدُومُ ضَرَرُها. والثَّانيةُ: بَلَى، وقد سَبَقَ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ (٤) الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ يُؤْخَذُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ) إذا بِيعَ مع الأرض (٥)، بغَيرِ خِلافٍ في المذْهَبِ، ولا نَعرِفُ فِيهِ خِلافًا بَينَ مَنْ أثْبَتَ الشُّفْعةَ، قالَهُ في «الشرح». (وَلَا تُؤْخَذُ الثَّمَرَةُ)، وقيَّدها في «المغْنِي» و «الشَّرح»: بالظَّاهِرة، (وَالزَّرْعُ تَبَعًا)؛ أيْ: إذا بِيعَ مع الأرض (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وهو المذْهَبُ؛ لأِنَّ ذلك لا يَدخُلُ في البَيع، فلا يَدخُلُ في الشُّفْعة؛ كقُماشِ الدَّار. والثَّاني: بَلَى، تُؤخَذُ (٦) تَبَعًا كالغراس.

стр. 3398

ومُقْتَضاهُ: أنَّ غَيرَهما يَدخُل، مع أنَّه ذَكَرَ في «المغْنِي»: إن اشْتَراه، وفِيهِ طَلْعٌ لم يُؤبَّر، فأبَّرَهُ؛ لم يَأخُذ الثَّمرةَ، بل الأرضَ، والنَّخلَ بحِصَّته؛ كشِقْصٍ وسيف، وكذا ذَكَرَ غَيرُه: إذا لم تَدخُل (١)؛ أَخَذَ الأصلَ بحِصَّته.

стр. 3399

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: الْمُطَالَبَةُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ)؛ لِقَوْلِه ﵇: «الشُّفْعةُ لِمَنْ واثَبَها»، وفي روايةٍ: «الشُّفْعةُ كحَلِّ العِقالِ» رواهُ ابنُ ماجَهْ (١)، ولأِنَّ ثُبوتَها على التَّراخِي ربَّما أضرَّ بالمشْتَرِي؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرارِ ملْكِه، وحِينَئِذٍ؛ يُشْهِدُ (سَاعَةَ يَعْلَمُ، نَصَّ عَلَيْهِ (٢)، وهو المخْتارُ لِعامَّة الأصْحابِ؛ لِظاهِرِ ما سَبَقَ. واحْتُرِزَ ب «العِلْم» عمَّا إذا لم يَعْلَمْ، فإنَّه على شُفْعته، ولو مَضَى عَلَيهِ سِنُونَ. (وَقَالَ الْقَاضِي) وأصْحابُه، واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، وحَكاهُ ابنُ الزَّاغُونِيِّ روايةً: (لَهْ طَلَبُهَا فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ طَالَ)؛ لأِنَّ المجْلِسَ في حُكْمِ حالةِ العَقْد، بدليلِ صحَّته بِوُجودِ القَبْض فِيمَا يُشْتَرَط قَبْضُه فِيهِ. وعنه، واخْتارَها القاضِي يعقوبُ: أنَّها على التَّراخِي؛ لأنَّها (٣) خِيارٌ لدَفْع ضَرَرٍ مُحقَّق، فكانَتْ على التَّراخي؛ كخِيار العَيب، ما لم يُوجَد منه ما يَدُلُّ على الرِّضا، كقَولِه (٤): بِعْنِي، أو صالِحْنِي، أوْ قاسِمْني؛ لأِنَّه حقٌّ لا ضَرَرَ في تأْخِيره، أشْبَهَ القِصاصَ. (فَإِنْ أَخَّرَهُ) عن ساعةِ العِلْم، أو المجْلِس - على الخلاف -، بلا عُذْرٍ؛ (سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ).

стр. 3400

فلو أخَّره لِعُذْرٍ؛ مِثلَ أنْ يَعلَم لَيلاً فيؤخِّره إلى الصَّباح، أوْ لحاجةِ أكْلٍ، أوْ شُرْبِ، أوْ طهارةٍ، أوْ إغْلاقِ بابٍ، أوْ خُروجٍ مِنْ حَمَّام، أوْ لِيأْتِيَ بالصَّلاة وسُنَّتها؛ فهو على شُفْعته في الأصحِّ. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: لا بُدَّ مِنْ طَلَبِه، ثُمَّ له أنْ يُخاصِمَ ولو بَعْدَ أيَّامٍ (١). (إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ (٢) وَهُوَ غَائِبٌ، فَيُشْهِدَ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا) إذا قَدَر عَلَيهِ، فيُعلَمُ منه أنَّه مُطالِبٌ غَيرُ تارِكٍ. (ثُمَّ إِنْ أَخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ)، وفِيهِ وجْهانِ: أحدُهما: تَبطُل؛ لأِنَّه تارِكٌ للطَّلَب، أشْبَهَ ما لو كان حاضِرًا ولم يُشْهِدْ. والثَّانِي: لا تسقط (٣)؛ لأِنَّ عَلَيهِ في السَّفَر عُقَيْبَ الإشْهاد ضَرَرًا؛ لاِلْتِزامِه (٤) كُلْفَتَه وانْقِطاع حوائجه. وفي «المغْنِي»: (إنْ أخَّر القُدومَ بَعْدَ الإشهاد) بَدَلَ قوله: (وإن أخَّر (٥) الطَّلَب)، وهو صحيحٌ؛ لأِنَّه لا وَجْهَ لإسْقاط الشُّفْعة بتأْخِير الطَّلَب بَعْدَ الإشْهاد وهو غائِبٌ؛ لأِنَّ الطَّلَبَ حِينَئِذٍ لا يُمكِنُ، بخِلاف القُدومِ فإنَّه مُمْكِنٌ، وتأخيرُ ما يُمكِنُ لإسْقاطه وَجْهٌ، بخِلافِ تأْخِيرِ ما لا يُمْكِنُ. (أَوْ لَمْ يُشْهِدْ، وَلَكِنْ سَارَ فِي طَلَبِهَا؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحَدُهما: تَبطُلُ، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقيِّ؛ لأِنَّ السَّيرَ قد يكونُ

стр. 3401

لِطَلَبِها أوْ لِغَيرِه، فَوَجَبَ بيانُ ذلك بالإشْهاد، كما لو لم يَسِرْ. والثَّاني: لا تَسقُط (١)؛ لأِنَّ سَيرَه عُقَيْبَ عِلْمِه ظاهِرٌ في طَلَبِها، فاكْتَفَى به؛ كالذي في البلد. قال الزَّرْكَشِيُّ: وينبغي أنْ يكونَ حُكْمُ سَيرِ وكيلِه حُكْمَ سَيرِه. وكذلك الوَجْهانِ إنْ أخَّر الطَّلَبَ بَعْدَ القُدوم والإشْهاد، أوْ نَسِيَ المطالَبَةَ، أو البَيعَ، أوْ جَهِلَها، أوْ ظنَّ المشْتَرِيَ زيدًا فَبَانَ غَيرَه. ولَفْظُ الطَّلَب: أنا طالِبٌ، أوْ مُطالِبٌ، أوْ آخِذٌ بالشُّفْعة، أوْ قائمٌ عَلَيهَا، ونحوُه. (وَإِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ وَالْإِشْهَادَ لِعَجْزِهِ عَنْهُمَا؛ كَالْمَرِيضِ)؛ فهو على شُفْعَتِه؛ لأِنَّه مَعْذُورٌ، أشبَهَ ما لو لم يَعلَمْ، لكِنْ إنْ كان المرضُ لا يَمنَعُ المطالَبَةَ؛ كالمرض اليَسِيرِ، والألم (٢) القليلِ؛ فهو كالصَّحيح. فإنْ كان له عُذْرٌ، وقَدَرَ على التَّوكيل فلم يَفعَلْ؛ فَوَجْهانِ: أحَدُهما: تَبطُل (٣)؛ لأِنَّه تارِكٌ للطَّلَب مع إمْكانِه، فهو كالحاضِرِ. والثَّاني: لا تَسقُطُ (٤)؛ لأِنَّه إنْ كان بِجُعْلٍ؛ فَفِيهِ (٥) غُرْمٌ، وإن كان بغَيرِه؛ فَفِيهِ مِنَّةٌ، وقد لا يَثِقُ به. (وَالْمَحْبُوسِ)، لكِنْ (٦) إنْ كان حَبْسُه بِحَقٍّ يُمكِنُه أداؤه فأبَى؛ سَقَطَتْ شُفْعَتُه. (وَمَنْ لَا يَجِدُ مَنْ يُشْهِدُهُ)؛ بأنْ لا يَجِدَ شاهِدَي عَدْلٍ، ولا مَسْتُورَي

стр. 3402

الحالِ، فإنْ وَجَدَ واحِدًا حُرًّا عَدْلاً؛ فَوَجْهَانِ: أحَدُهُما: هو على شُفْعَته؛ إذْ لا يَثْبُتُ البيع (١) بقولِ واحِدٍ. والثَّاني: تَسقُطُ (٢)؛ لأِنَّه حُجَّةٌ مع اليَمين؛ كالعَدْلَينِ، أوْ رَجُلٍ وامْرأَتَينِ. أوْ لم يَجِدْ مَنْ يُشهِدُه؛ فهو على شُفْعَته؛ للعُذْرِ. (أَوْ لِإِظْهَارِهِمْ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ)، لَيسَ ذلك شَرْطًا فيه، بل لو أظْهَرَ المشْتَرِي زيادةً في الثَّمنِ؛ لم تَبطُلْ، وعَكْسُه: لو أظهرَ أنَّ الثَّمَنَ قليلٌ، فتَرَكَ الشُّفْعةَ، وكان الثَّمَنُ كثيرًا؛ سَقَطَتْ؛ لأِنَّ مَنْ لا يَرضَى بالقليل لا يَرْضَى بأكْثَرَ منه، قالَهُ في «الكافي». (أَوْ نُقْصَانٍ (٣) فِي الْمَبِيعِ)، أوْ أنَّهما تَبايَعا بدَنانِيرَ، فبانَتْ دراهِمَ، أوْ بالعكس؛ لأِنَّهما جِنْسانِ، (أَوْ أَنَّهُ مَوْهُوبٌ لَهُ)؛ لأِنَّ مِنْ شَرطِه العِوَضَ، (أَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُهُ)، وكان (٤) كاذِبًا، (أَوْ أَخْبَرَهُ (٥) مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ)؛ كالفاسِق، (فَلَمْ يُصَدِّقْهُ؛ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ) في الصُّوَر السَّابِقَة؛ لأِنَّه لم يَعلَم الحالَ على وَجْهه، كما لو لم يَعلَمْ، ولأِنَّ خَبرَ مَنْ لا يُقْبَلُ خَبرُه مَعَ عَدَمِ تَصْدِيق الشَّفِيع له، يكونُ وُجودُه كَعَدَمِه. ومُقْتَضاهُ: أنَّه إذا صدَّقه؛ تَسقُط شُفْعَتُه؛ لأِنَّ تصديقَه اعْتِرافٌ بوُقوعٍ (٦)، وهو غَيرُ مُطالِبٍ بها؛ فَوَجَبَ سُقوطُها؛ كما لو أخبره ثِقَةٌ. (وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ)؛ كعَدْلَينِ، (فَلَمْ يُصَدِّقْهُ)؛ بَطَلَتْ؛ لأِنَّ ذلِكَ

стр. 3403

يُوجِبُ ثُبوتَ البَيع (١)، صَدَّق الشَّفيع أوْ لا، وكذا إنْ أخْبَرَه عَدْلٌ، أوْ مستورا الحالِ في الأصحِّ. والمرأةُ والعبد كضِدِّهما، وقال القاضي: هما كالفاسق، والصَّبِيِّ. (أَوْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي مَا اشْتَرَيْتَ، أَوْ صَالِحْنِي؛ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ)؛ لأِنَّه يَدُلُّ على رضاه، فَوَجَبَ أنْ تسقُط (٢)؛ لتأخير الطَّلَب عن ثُبوت البَيع. وكذا قوله: هَبْهُ لي، أو ائْتَمِنِّي عليه، أوْ بِعْهُ مِمَّنْ شِئْتَ، ونحوَه. (وَإِنْ دَلَّ فِي الْبَيْعِ)؛ أيْ: عَمِلَ دَلاَّلاً بَينَهما، أوْ رَضِيَ به، أوْ ضَمِن ثَمَنَه، (أَوْ تَوَكَّلَ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ)؛ فله الشُّفعةُ في الأصحِّ. وقال القاضِي: إنْ كان وكيلَ البائع؛ فلا شُفْعةَ له. وقِيلَ: عَكْسُه. ومِثْلُه وَصِيٌّ وحاكِمٌ، وقِيلَ: إنْ باع شِقْصًا لِيَتِيمٍ في شَرِكَته (٣)، أو اشْتَرَى له شِقْصًا في شَرِكَتِه؛ فَلَهُما الشُّفْعةُ، كما لو تَوَلَّى العَقْدَ غيرُهما، وقيل: لهما الشُّفْعةُ إذا اشْتَرَياهُ فقطْ. (أَوْ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ، فَاخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ؛ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ)؛ لأِنَّ ذلك سَبَبُ ثُبوتِ الشُّفْعة، فلم تَسقُط (٤) به، كما لو أَذِنَ في البَيعِ، أوْ عَفَا عَنْها قَبلَ تَمامِ البَيعِ، ولأِنَّ المسْقِطَ لها الرِّضا بِتَرْكِها، ولم يُوجَدْ. فَرْعٌ: لو لَقِيَه فسلَّم عليه؛ لم تَسقُطْ (٥)، وكذا إن قال له (٦): بارَكَ الله لك

стр. 3404

في صفقتك (١)، أوْ دَعَا له بالمغْفِرة في الأصحِّ. (وَإِنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ؛ لَمْ تَسْقُطْ) في ظاهِرِ المذْهَبِ، وهو قَولُ الجُمْهور؛ لأِنَّه إسْقاطُ حقٍّ قَبلَ وُجوبِه، فلم تَسقُطْ (٢)، كما لو أبْرَأَه مِمَّا يَجِبُ له. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَسْقُطَ)، حَكاهُ (٣) في «المغْنِي» و «المحرَّر»، وأطْلَقَهُما فِيهِ؛ لمفْهوم قَوله ﵇: «فإنْ باعَ ولم يُؤْذِنْه؛ فَهُوَ أحقُّ بِهِ» (٤)؛ لأِنَّه إذا باع بإذْنِه؛ لا حَقَّ له فِيهِ. وأجاب في «المغْنِي»: بأنَّه يَحتَمِلُ أنَّه أراد العَرْضَ عليه لِيَبْتاعَ ذلك إنْ أرادَ؛ لِتَخِفَّ عَلَيهِ المؤْنَةُ ويَكْفِي أخْذُ المشْتَرِي الشِّقْصَ (٥)، لا أنَّه يُسقِطُ حقَّه بإذْنِه. (وَإِنْ تَرَكَ الْوَلِيُّ شُفْعَةً لِلصَّبِيِّ فِيهَا حَظٌّ؛ لَمْ تَسْقُطْ)، وقالَه جماعةٌ؛ لأِنَّها وَجَبَتْ بالبَيع، وإسْقاطُ الولِيِّ لها لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه إسْقاطُ حقٍّ للمُوَلَّى عَلَيهِ، ولا حَظَّ له في إسْقاطه، فلم يَصِحَّ؛ كالإبْراء، وإذا ثَبَتَ أنَّه لا يَمْلِكُ الإسْقاطَ؛ فَترْكُه أَوْلَى. وعُلِمَ منه: أنَّ الشُّفْعةَ تَثْبُتُ للصَّغير؛ كالبالِغ. وقال ابنُ أبِي لَيلَى، وجَمْعٌ: لا شُفْعةَ له. ورُدَّ: بأنَّ ثُبوتَها لِدَفْع ضَرَرِ المال؛ فاسْتَوَيا، وكخِيار العَيبِ. (وَلَهُ الْأَخْذُ بِهَا إِذَا كَبِرَ)؛ أيْ: بَلَغَ وَرَشَدَ، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّه الوقْتُ

стр. 3405

الَّذي يَتَمَكَّنُ فيه من الأخْذ. (وَإِنْ تَرَكَهَا؛ لِعَدَمِ الْحَظِّ فِيهَا)، أوْ لاِعْتِبار الصِّغر (١)؛ (سَقَطَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ)، وتَبِعَه القاضِي وعامَّةُ أصْحابه؛ لأِنَّه فَعَلَ ما لَه فعله (٢)، فلم يَكُنْ للصَّغير نَقضُه؛ كالرَّدِّ بالعَيب. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ)، هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في روايةِ ابنِ منصورٍ (٣)، والخِرَقِيِّ، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأِنَّ حقَّ الأخْذِ ثَبَتَ، فلا يَسْقُط بِتَرْك غَيرِه؛ كوكيلِ الغائب. فَعَلَى هذا: هي له، سَواءٌ عفا عنها الولِيُّ أوْ لا، وسَواءٌ كان فيها حَظٌّ أوْ لَا. وللولِيِّ الأخْذُ بها إذا كان فيها حَظٌّ، وقال في «المغْنِي»: يَجِبُ؛ لأِنَّه مصلحةٌ مِنْ غَيرِ مَفسدةٍ، والولِيُّ عَلَيهِ رعايةُ مصالِحِ مَوْلِيِّهِ، وإن لم يَكُنْ فيها حَظٌّ؛ فلا. فإنْ فَعَلَ؛ لم يَصِحَّ على الأصحِّ؛ كمَنْعِه (٤) مِنْ الشِّراء، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعلَمُ (٥) عَيبَه. وقال ابنُ بَطَّةَ: تَسقُط (٦)؛ لأِنَّه يَمْلِكُ الأخْذَ، فَمَلَكَ التَّرْكَ؛ كالمالك. فائدةٌ: حُكمُ المجنون المطْبِق والسَّفِيه؛ كالصَّغير، والمغْمَى عَلَيهِ؛ كالغائب، والمفْلِس له الأخْذُ بها والعَفْوُ عنها، وليس لغُرَمائه إجْبارُه على الأخْذِ بها، وأمَّا المكاتَبُ؛ فله الأخْذُ والتَّرْكُ، ولَيسَ لِسَيِّدِه الاِعْتِراضُ.

стр. 3406

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ)؛ لأنَّ (١) في أخْذِه بَعضَه إضْرارًا بالمشْتَرِي بِتَبْعِيضِ الصَّفْقةِ عَلَيهِ، والضَّرَرُ لا يُزالُ بمِثْله، مع أنَّها ثَبَتَتْ (٢) على خِلافِ الأصل؛ دَفْعًا لِضرَرِ الشَّرِيكِ، فإذا أَخَذَ البعْضَ؛ لم يَندَفِع الضَّرَرُ. (فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ الْبَعْضِ؛ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ)؛ لأِنَّه إذا سَقَطَ بَعضُها؛ سَقَطَ كلُّها؛ كالقِصاص. (فَإِنْ كَانَا شَفِيعَيْنِ؛ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا) في ظاهِرِ المذْهَبِ؛ لأِنَّ ذلك حَقٌّ يُسْتفادُ بسبَبِ الملْكِ، فكان على قَدْر الأملاك؛ كالغَلَّة، فَدَارٌ بَينَ ثلاثةٍ: نِصْفٌ، وثُلُثٌ، وسُدُسٌ، فباع ربُّ الثُّلث، فالمسألة مِنْ سِتَّةٍ، والثُّلُثُ يُقَسَّمُ على أرْبَعةٍ؛ لِصاحِبِ النِّصْف ثلاثةٌ، ولِصاحِبِ السُّدُسِ واحِدٌ. (وَعَنْهُ: عَلَى عَدَدِ الرُّؤُوسِ)، اخْتارها ابْنُ عَقِيلٍ؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهما لو انْفَرَدَ اسْتَحَقَّ الجميعَ، فإذا اجْتمَعا تَساوَيَا؛ كالبَنِينَ، وسِرايةِ العِتْق. وهو يَنتَقِضُ بالفُرْسانِ والرَّجَّالةِ في الغَنِيمة، فإنَّ مَنِ انفَرَدَ منهم؛ أَخَذَ الكلَّ، فإذا اجْتَمَعوا؛ تَفَاضَلُوا؛ كأصْحاب الدِّيوان. والجَمْع كالاِثْنَينِ مِنْ غَيرِ فَرْقٍ. (فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ؛ لَمْ يَكُنْ لِلآْخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إِلاَّ الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ)، إجْماعًا، حكاهُ ابنُ المنذِر (٣)؛ لأِنَّ في أَخْذ البَعْض إضْرارًا بالمشْتَرِي، ولو وَهَبَها لِشَريكه أوْ لغَيرِه؛ لم يَصِحَّ.

стр. 3407

فإنْ كان أحدُهما غائِبًا؛ فليس للحاضِرِ أنْ يَأخُذَ إلاَّ الكلَّ، أوْ يَتْركَ كالعَفْوِ، نَصَّ عليه (١). لكِنْ إنْ تَرَكَ الطَّلَبَ مُنتَظِرًا لشريكه؛ فَوَجْهانِ: أحدهما: تَسقُطُ (٢)؛ لِتَرْكه طَلَبَها مع إمْكانِه. والثَّانِي: لا؛ لأِنَّ له عُذْرًا، وهو الضَّرَرُ الَّذي يَلزَمُه بأخْذِ شَرِيكِه منه. فإنْ أَخَذَ الجميعَ، ثُمَّ حَضَرَ الثَّاني؛ قاسَمَه، فإذا حَضَرَ ثالِثٌ؛ قاسَمَهُما، وما حَدَثَ مِنْ نَماءٍ مُنفَصِلٍ في يَدِ الأوَّلِ؛ فهو له؛ لأِنَّه حَدَثَ في ملْكِه. (فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا؛ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الآْخَرِ)؛ لِكلِّ واحِدٍ قَدْرُ نَصِيبِه؛ لأِنَّهما تَساوَيَا في الشَّرِكة؛ فَوَجَبَ تساوِيهما في الشُّفْعة، كما لو كان المشْتَرِي أجْنَبِيًّا. (فَإِنْ تَرَكَ) المشْتَرِي (شُفْعَتَهُ لِيُوجِبَ الْكُلَّ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ)؛ أيْ: لم يَلزَمْه ذلك، ولم يَصِحَّ الإسْقاطُ؛ لأِنَّ ملْكَه قد اسْتَقَرَّ على قَدْرِ حَقِّه، وجَرَى مَجْرَى الشَّفِيعَينِ إذا حَضَرَ أحدُهما فأخَذَ الجميعَ، ثُمَّ حَضَرَ الآخَرُ وطَلَبَ حقَّه منها (٣)، فقال الآخَرُ: خُذِ الْكُلَّ أوْ دَعْهُ. (وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ صَفْقَتَيْنِ)؛ بِأنْ باعَهُ رُبُعًا منها بكذا، ثُمَّ باعه الرُّبُعَ الآخَرَ، فقد تَعَدَّد العَقْدُ، (ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعَتَيْنِ (٤)؛ لأِنَّه شَفِيعٌ فِيهِما، (وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِهِمَا)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْهما عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ بنَفْسه، وهو يَسْتَحِقُّهما، فإذا أسْقَط البَعضَ؛ كان له ذلك، كما لو أسْقَط حقَّه من الكلِّ.

стр. 3408

(فَإِنْ أَخَذَ بِالثَّانِي؛ شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ) بنَصِيبه الأوَّلِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّ الشَّفيعَ بإسْقاطِه حَقَّه من البَيع الأوَّلِ؛ اسْتَقَرَّ ملْكُ المشْتَرِي؛ فصار شَريكَه، فيُشارِكُه في البَيع الثَّانِي. والآخَرُ: لا يُشارِكه؛ لأِنَّ ملْكَ المشْتَرِي لم يَسْتَقِرَّ على المبِيع، بدليلِ: أنَّ للشَّفيع أخْذَه بَعْدَ البَيع الثَّاني، فلم يَسْتَحِقَّ به شُفْعةً. وفي ثالِثٍ: إنْ عَفَا الشَّفِيعُ عن أوَّلِهما شارَكَه، وهو ظاهِرٌ. وأطْلَقَ الخِلافَ في «الفروع». (وَإِنْ أَخَذَ بِالأْوَّلِ؛ لَمْ يُشَارِكْهُ)؛ لأِنَّه لم تَسْبِقْ (١) له شَرِكةٌ. (وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا؛ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَةِ الْأَوَّلِ)؛ لِمَا تَقدَّم مِنْ عَدَم الشَّرِكة، (وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وقد عُرِف وجْهُهما. فَرْعٌ: إذا كانت أرضٌ بَينَ ثلاثةٍ، فوكَّلَ أحدُهم شريكَه في بَيعِ نصيبِه مع نصيبه، فباعَهُما لرجلٍ آخَرَ؛ فلشريكه الشُّفعةُ فيهما، وهل له أخْذُ أحدِ النَّصِيبَينِ دُونَ الآخَرِ؟ فِيهِ وجْهانِ. وإن وُكِّل في شراءِ نصفِ نصيب أحد الشركاء، فاشْتَرَى الشِّقْصَ كلَّه لنَفْسه ولِموكِّله، فلشريكه أخْذُ نَصيبِ أحدِهما؛ لأِنَّهما مُشْتَرِيانِ، ولا يُفْضِي إلى تبعيض (٢) الصَّفْقة على المشْتَرِي. (وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ؛ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا) في قَول أكثرِ العلماء؛ لأِنَّ العَقْدَ مع الاِثْنَينِ بمنزلة عَقدَينِ، ودلَّ على أنَّه يأخُذُهما، وهو ظاهِرٌ. وقيل: بل عقدٌ واحدٌ يأخُذُ به الكلَّ، أو يَتْرُكه، قاله في «الرِّعاية».

стр. 3409

(وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَيْنِ)؛ أيْ: صَفْقةً واحدةً؛ فللشَّفيع أخْذُ أحدِهما، وهو المذهب؛ لأِنَّ تعدُّدَ البائع كتَعدُّد المشْتَرِي. وقال القاضي: لا يَملِكُ ذلك؛ لأِنَّ فِيهِ تَبْعيضًا للصَّفْقة على المشْتَرِي، وذلك ضَرَرٌ عَلَيهِ. (أَوِ اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَينِ مِنْ أَرْضَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً؛ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)، وجزم (١) به في «الوجيز» وغيره؛ لأِنَّ الضَّرَرَ قد يَلْحَقُه بأرْضٍ دُونَ أرْضٍ. والثَّاني: ليس له ذلك؛ لِمَا فيه من التَّبعيض على المشْتَرِي. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ كلًّا منهما يستَحِقُّ بسبَبٍ غَيرِ الآخَرِ، فجَرَى مَجْرَى الشَّريكَينِ. وقيل: بتعدُّد (٢) البائع، جَزَمَ به في «الفنون»، وقاسه على تَعَدُّد المشْتَري بما يَقْتَضِي أنَّه مَحَلُّ وِفاقٍ. وأطْلَقَ في «المحرَّر» و «الفروع» الخلافَ. فَرْعٌ: اشْتَرَى اثْنانِ من اثْنَينِ شِقْصَيهِما في عَقْدٍ؛ فعَقْدانِ، وقيل: بل أربعةٌ. اشْتَرَى وكيلُ اثْنَينِ مِنْ زَيدٍ شِقْصًا في عَقْدٍ، فهل يُعْتَبَر به، أوْ بِهِما، أوْ بوكيل (٣) المشْتَرِي فقطْ؟ يَحتَمِلُ أوْجُهًا، ذَكَرَهُ في «الرِّعاية». (وَإِنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا) في عَقْدٍ واحِدٍ؛ (فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ)؛ لأِنَّه تَجِبُ فِيهِ الشفعة (٤) إذا بِيعَ منفرِدًا، فكذا إذا أبِيعَ مع غَيرِه، ويأخُذُه (بِحِصَّتِهِ

стр. 3410

مِنَ الثَّمَنِ)؛ أي: فيَقسِمُ الثَّمَنَ على قَدْرِ قِيمتِهما، نَصَّ عَلَيهِ (١). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَجُوزَ)، حَكاهُ في «الفُروع» قَولاً لأِصْحابنا؛ لأِنَّ في ذلك تَبْعِيضًا للصَّفْقة على المشْتَرِي، وذلكَ ضَرَرٌ به. (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ؛ فَلَهُ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ) في ظاهِرِ المذْهَبِ؛ لأِنَّه تعذَّر أخْذُ الكلِّ؛ فجاز له أخْذُ الباقِي؛ كما لو أتْلَفَه آدَمِيٌّ، فلو اشْتَرَى دارًا بألْفٍ تُساوِي ألْفَينِ، فباع بابَها، أوْ هَدَمَها، فبَقِيَتْ بألْفٍ؛ أخَذَها بخَمْسِمائَةٍ بالقِيمة مِنْ الثَّمَنِ، نَصَّ عَلَيهِ (٢). (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى؛ فَلَيْسَ له أخْذُه إلاَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ)؛ لأِنَّ في أخْذِهِ بالبَعْضِ إضْرارًا بالمشْتَرِي، فلم يَكُنْ له ذلك، كما لو أَخَذَ البَعْضَ معَ بَقاءِ الجَمِيعِ.

стр. 3411

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ مِلْكٌ سَابِقٌ)؛ أيْ: ملْكٌ للرَّقَبة لا المنفَعَة، كنِصْفِ دارٍ موصى (١) بِنَفْعِها، فباع (٢) الوَرَثَةُ نِصفَها؛ فلا شُفْعَةَ للمُوصَى له، واشْتُرِط سَبْقُه؛ لأِنَّ الشُّفْعةَ ثَبَتَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عن الشَّريكِ، فإذا لم يَكُنْ له ملْكٌ سابِقٌ؛ فلا ضَرَرَ عَلَيهِ؛ فلا شُفْعَةَ. (فَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا صَفْقَةً وَاحِدَةً؛ فَلَا شُفْعَةَ لِأًحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ)؛ لأِنَّه لا مَزِيَّةَ لأِحدهما على صاحبه؛ لاِسْتِوائهما؛ لأِنَّ شَرْطَها سَبْقُ الملْكِ، وهو معدومٌ هنا. (وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السَّبْقَ)، ولا بَيِّنةَ، (فَتَحَالَفَا، أَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا)؛ بأنْ شَهِدَتْ بيِّنةُ كلٍّ منهما بسَبْقِ ملْكِه، وتَجدُّدِ ملْكِ صاحبِه؛ (فَلَا شُفْعَةَ لَهُمَا)؛ لِعَدَمِ سَبْق الملْك على الشِّراء. وعُلِم منه: لو كان لأحدهما بيِّنةٌ؛ عُمِل بها. وإن أقاما بيِّنَتَينِ؛ قُدِّم أسْبَقُهما تاريخًا. فإن لم يكن لواحِدٍ منهما بَيِّنةٌ؛ سُمِعتْ دَعْوَى السَّابِقِ، وسُئِلَ خَصْمُه، فإنْ أنْكَرَ؛ قُبِل قَولُه مع يَمينِه، وإنْ نَكَلَ عنها؛ قُضِيَ عَلَيهِ، ولم تُسمَع دَعْواهُ؛ لأِنَّ خَصْمَه قد اسْتَحَقَّ ملْكَه. (وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، ذَكَرَه القاضيان؛ ابن أبي مُوسى وأبُو يَعْلَى؛ لأِنَّه لا يُؤخَذُ بالشُّفْعة، فلا تَجِبُ به؛ كالمجاوِر وما لا يَنقَسِمُ، ولأِنَّ (٣) مُسْتَحِقَّه إمَّا غَيرُ مالِكٍ والشُّفْعةُ لا تَثْبُتُ إلاَّ

стр. 3412

في ملْكِ، وإمَّا مالِكٌ؛ فملْكُه غَيرُ تامٍّ؛ لكَونِه لا يَسْتَفِيدُ به تَصرُّفًا في الرَّقَبة. والثَّانِي: تَثْبُتُ؛ كالملْكِ الطِّلْقِ (١). وقال أبو الخَطَّاب: يَنْبَنِي هذا على (٢) الرِّوايَتَينِ في ملْكِ الوَقْف. واخْتارَ في «التَّرغيب»: إنْ قُلْنا: القِسْمةُ إفْرازٌ؛ وَجَبَتْ هي، والقِسْمةُ بَينَهُما. فعلى هذا: الأصحُّ يُؤخَذُ بها مَوقُوفٌ جاز بَيعُه، قال ابنُ حَمْدانَ: ولا تَثْبُتُ فِيمَا فُتِحَ عَنْوَةً إذا قُلْنا: يَصيرُ وقْفًا، ولا في عِوَض الكِتابَة في الأَقْيَس.

стр. 3413

(فَصْلٌ) (وَإِنْ تَصَرَّفَ (١) الْمُشْتَرِي قَبْلَ الطَّلَبِ بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ؛ سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ، نَصَّ عَلَيهِ) في رِوايةِ عليِّ بنِ سَعِيدٍ، وبَكْرِ بنِ محمَّدٍ (٢)؛ لأِنَّ الشُّفْعةَ إنَّما تَثْبُت (٣) في الملْكِ، وقد خَرَجَ هذا عن كَونِه مَمْلوكًا، ولأِنَّ فِيها ههُنا إضْرارًا بالموْقُوف عَلَيهِ والموْهوبِ له؛ لأِنَّ ملْكَه قد زال عَنه بغَيرِ عِوَضٍ، والضَّرَرُ لا يُزالُ بالضَّررِ. قال ابْنُ أبي موسى: مَنْ اشْتَرَى دارًا فَجَعَلَها مسجِدًا؛ فَقَد اسْتَهْلَكَها ولا شُفْعةَ (٤) فِيها. وكذا إذا تَصرَّف فِيها بِرهْنٍ، أوْ صدقةٍ، أوْ إجارةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنا. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَسْقُطُ)، بل للشَّفِيع فَسْخُ ذلك، وأخْذُه بالثَّمَن الَّذي وَقَعَ به البَيعُ، حتَّى لو جَعَلَه مسجِدًا. وفي «الفُصول»: عنه: لَا؛ لأِنَّه شَفَّع (٥)، ولأِنَّ الشَّفيعَ يَمْلِكُ فَسْخَ البَيعِ الثَّاني والثَّالِثِ مع إمْكانِ الأخْذِ بِهِما؛ فَلَأنْ يَمْلِكَ فَسْخَ عَقْدِ الآخِذ بِه أَوْلَى، ولأِنَّ حقَّ الشَّفيعِ أسْبَقُ وجَنَبَتَه أقْوَى، فلم يَمْلِك المشْتَرِي تَصرُّفًا يُبطِلُ حَقَّه. وفي «الفروع» تَوجِيهٌ: أنَّ المسْتأْجِرَ إذا وَقَفَ ما غَرَسَه، أوْ بَناهُ؛ لم يَبطُل الوقْفُ، وهو (٦) ظاهِرٌ.

стр. 3414

وقد يُفرَّق بَينَهما: مِنْ حَيثُ إنَّ ربَّ الأرض يأْخُذه من الموقوف عَلَيهِ، ولا يَفسَخ عَقْدَ الوقْفِ، فيَصيرُ بمنزلة بيع (١) الوقْف بشَرطِه، فيَشْتَري بثَمَنه ما يَقومُ مقامَه، وهُنا يُؤخَذ من المشْتَرِي الَّذي وَجَبَتْ له الشُّفْعةُ، فيُفْسَخ عَقْدُ الوَقْف، ويُؤخَذُ حالَ كَونِه ملْكًا له أوْ وَقْفًا، فصار كأنَّه لم يُوجَدْ، ويَكونُ الثَّمَنُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيهِ الشُّفْعةُ. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا تصرَّف المشْتَرِي بَعْدَ الطَّلَب؛ أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه يَمْلِكُه بمُطالَبَتِه، وقيل: وقَبْضِه. (وَإِنْ بَاعَ) المشْتَرِي؛ (فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِأَيِّ الْبَيْعَتَيْنِ (٢) شَاءَ)؛ لأِنَّ سَبَبَ الشُّفْعة الشِّراءُ، وقد وُجِدَ من كلِّ واحِدٍ منهما، ولأنَّه (٣) شفيعٌ في العَقْدَينِ. واقْتَضَى ذلك: صحَّةَ تصرُّف المشْتَرِي؛ لأِنَّه ملْكُه، وصحَّ قَبْضُه، وإنْ كان الشَّفيعُ له أنْ يَتَمَلَّكه لا يَمْنَعُ مِنْ تصرُّفه، كما لو كان أحدُ العِوَضَينِ في المبِيع مَعِيبًا، فإنَّه لا يَمنَع التَّصرُّفَ في الآخَر، وكالاِبْنِ يَتَصرَّف في العَين الموْهوبة له، وإنْ جازَ لأِبيهِ الرُّجوعُ فيها. (فَإِنْ أَخَذَ بِالأْوَّلِ؛ رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الأْوَّلِ)؛ لأِنَّه لَمْ يَسْلَمْ له العِوَضُ، فإنْ لم يَعلَم حتَّى تبايع (٤) ثلاثةٌ أو أكثر (٥)؛ فله أنْ يأخُذَ بالأوَّل، ويَنفَسِخ العَقْدانِ الآخَرانِ، وله أنْ يأْخُذَ بالثَّانِي، ويَنفَسِخُ الثَّالِثُ، وله أنْ يأْخُذَ بالثَّالِث، ولا يَنفَسِخُ شَيءٌ (٦) من العُقود. وجَعَلَ ابنُ أبي موسى هذا الحكمَ: إذا لم يكن الشِّقْصُ في يَدِ واحِدٍ منهم

стр. 3415

بِعَينِه، أمَّا إذا كان في يَدِ أحدِهم؛ فالمطالَبةُ له وَحْدَه. (وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ)؛ أيْ: في الشِّقْص المشْفُوع، (أَوْ إِقَالَةٍ، أَوْ تَحَالُفٍ؛ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ)؛ لأِنَّ حقَّه سابِقٌ على ذلك كلِّه؛ لأِنَّه ثَبَتَ بالبَيعِ. وعَنهُ: إنِ اسْتَقالَه قَبلَ المطالَبةِ بها؛ لم تكن (١) له شُفْعةٌ، وكذا إنْ ترادَّا بِعَيبٍ. وظاهِرُه: أنَّها تَثْبُتُ في صورةِ الإقالة مُطْلَقًا؛ لأِنَّ الأخْذَ بالبَيعِ لا بالإقالةِ، وصُورَتُه: أنَّ شَخْصًا حصل له نصيبٌ في عَقارٍ بَعْدَ أنْ باعَ بعض الشَّركة نَصِيبَه، ثُمَّ تقايل (٢) هو والمشْتَرِي بَعْدَ أنْ مَلَكَ الشَّخْصُ النَّصيبَ، فهنا يَملِكُ (٣) الشَّخصُ الشُّفعةَ، وأمَّا الشَّريك فمِلْكه سابِقٌ على البيع، فبنفس البيع اسْتَحَقَّ الشُّفْعةَ. لكِنْ إذا فَسَخَ البائعُ لعَيبٍ في ثَمَنِه المعيَّن؛ فإنْ كان قَبلَ الأخْذِ بالشُّفْعة؛ فلا شُفْعةَ، وإلاَّ اسْتَقرَّتْ، وللبائِع إلْزامُ المشْتَرِي بقيمة شِقصِه. ويَتراجَع المشْتَرِي والشَّفِيعُ في الأصحِّ بما بَينَ القيمة والثَّمَن، فيَرجِع دافِعُ الأكْثَرِ منهما بالفَضْل. (وَيَأْخُذُهُ فِي التَّحَالُفِ (٤) بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ)؛ لأِنَّ البائِعَ مُقِرٌّ بالبيع (٥) بالثَّمَن الَّذي حَلَفَ عَلَيهِ، ومُقِرٌّ للشَّفِيع باسْتِحْقاقِ الشُّفْعة بذلك، فإذا بَطَلَ حَقُّ المشْتَرِي بإنكاره؛ لم يَبطُل حقُّ الشَّفِيع بذلك، وله أنْ يُبطِل فَسْخَهما ويَأخُذَ؛ لأِنَّ حقَّه أسْبَقُ.

стр. 3416

فَرْعٌ: إذا وجبت (١) الشُّفْعةُ، وقَضَى الحاكِمُ بها، والشِّقْصُ في يَدِ البائع، ودَفَعَ الثَّمَنَ إلى المشْتَرِي، فقال البائعُ للشَّفِيع: أقِلْنِي، فأقَالَهُ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّها تكونُ بَينَ المتَبايِعَينِ (٢)، ولَيسَ بَينَهما بَيعٌ، وإنَّما هو مشْتَرٍ من المشْتَرِي، فإن باعه إيَّاه؛ صحَّ؛ لأِنَّ العَقارَ يَجوزُ التَّصرُّفُ فيه قَبْلَ قَبْضه. (وَإِنْ أَجَرَهُ؛ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ)؛ لأِنَّ إجارةَ المشْتَرِي لا تَمنَع نَقْلَ الملْك، بدليلِ أنَّه يَصِحُّ بَيعُ المؤْجِر، وانْفَسَخَت الإجارةُ من حِينِ أخْذِها، (وَلَهُ الْأُجْرَةُ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ)؛ لأِنَّه صار ملكَه بأخْذِه (٣)، وفيها في «الكافي»: الخِلافُ في هِبَةٍ. (وَإِنِ اسْتَغَلَّهُ) المشْتَرِي؛ (فَالْغَلَّةُ لَهُ)؛ لأِنَّها نَماءُ ملْكه؛ إذِ الخَراجُ بالضَّمان، بدليلِ أنَّه لو تَلِفَ كان مِنْ ضَمانه، فكذا إذا اسْتَغَلَّه. (وَإِنْ أَخَذَهُ (٤) الشَّفِيعُ (وَفَيهِ زَرْعٌ، أَوْ ثَمَرَةٌ ظَاهِرَةٌ)، أوْ أُبِّرَتْ، وما في مَعْناهُ؛ (فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي)؛ لأِنَّه ملْكُه، (مُبَقَّاةٌ إِلَى الْحَصَادِ وَالْجِدَادِ)؛ لأِنَّ ضَرَرَه لا يَبْقَى، ولا أُجْرةَ عَلَيهِ؛ لأِنَّه زرعه في ملْكِه، ولأِنَّ أخْذَه بمنزلة شِراءٍ ثانٍ. وقيل: تَجِبُ (٥) في الزَّرع إلى حَصاده، فيُخرَّج في الثَّمرة (٦) مِثْلُه. وعُلِمَ: أنَّ النَّماءَ المتَّصِلَ؛ كالشَّجر إذا كَبِرَ، والطَّلْعُ إذا لم يُؤبَّرْ؛ فإنَّه يَتْبَعُه في العَقْد والفَسْخِ، كما لو رُدَّ بِعَيبٍ. لا يُقالُ: فَلِمَ لا يَكونُ حُكمُه حُكْمَ الزَّوج إذا طلَّق قَبْلَ الدُّخول؟ لأِنَّ الزَّوجَ يَقدِرُ على الرُّجوع بالقيمة إذا فاته الرُّجوعُ في العَينِ، وهنا يَسقُطُ حقُّه

стр. 3417

منها إذا لم يَرجِعْ في الشِّقْص فافْتَرَقا. (وَإِنْ قَاسَمَ الْمُشْتَرِي وَكِيلَ الشَّفِيعِ) في القِسْمة، أوْ رَفَعَ الأمْرَ إلى الحاكم فقاسَمَه لِغَيبَة الشَّفِيع؛ فله ذلك في وَجْهٍ، جَزَمَ به في «الكافي» وغيره، (أَوْ قَاسَمَ الشَّفِيعَ؛ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ لَهُ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ، أَوْ نَحْوِهِ)؛ بأنَّ (١) الشِّقْصَ مَوهُوبٌ، أو أنَّ الشِّراءَ لفُلانٍ، فَتَرَكَ الشُّفْعةَ لذلك، وكذا إنْ جَهِلَ الشَّفِيعُ ثُبوتَ الشُّفْعة له، قالَهُ ابنُ الزَّاغُونِيِّ، (وَغَرَسَ (٢) أَوْ بَنَى (٣)، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفيعُ بها؛ فله ذلك؛ للعُمومات. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يُتَصوَّرُ بِناءُ المشْتَرِي وغَرْسُه على القَول بالفَورِيَّة إلاَّ فِيمَا ذُكِرَ. (فَلِلشَّفِيعِ) الخِيارُ بَينَ (أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فَيَمْلِكَهُ (٤) مع الأرض، نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ دَفْعًا للضَّرَر المنفي (٦) شَرْعًا، (أَوْ يَقْلَعَهُ، وَيَضْمَنَ النَّقْصَ)؛ أيْ: نَقْصه من القيمة، قاله القاضي وأصحابُه، وهو المذْهَبُ؛ لِزَوالِ الضَّرَرِ به، وهذا التَّخْييرُ (٧) هو قَولُ أكثَرِ العلماء، زاد في «الانتصار»: أو أَقرَّه بأُجْرةٍ، فإنْ أبى فلا شُفْعةَ. ونَقَلَ الجماعةُ: له قِيمةُ البناء ولا يَقلعُه (٨)، ونَقَلَ سِنْدِيّ: ألَهُ قِيمةُ البناء

стр. 3418

أم (١) قِيمةُ النَّقْصِ (٢)؟ قال: لا، قِيمةُ البِناء، قال: إنَّهم يقولون: قِيمةُ النَّقص (٣)، فأنْكَرَه ورَدَّه، وقال: لَيسَ هذا كغاصِبٍ (٤). أصلٌ: في كَيفيَّة التَّقويم، ذَكَرَ في «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الأرضَ تُقوَّمُ مَغروسةً أو مبنيةً (٥)، ثُمَّ تُقَوَّمُ خالِيةً مِنْهُما، فما بَينَهما فهو قِيمةُ الغِراس أو البناء، يُدفَعُ إلى المشْتَرِي إنْ أحبَّ الشَّفِيعُ، أوْ ما نَقَصَ منه إنِ اخْتارَ القَلْعَ، لا قِيمتُه مُسْتَحَقًّا للبَقاء؛ لأِنَّه لا يَسْتَحِقُّ ذلك، ولا قِيمتُه مقلوعًا (٦). ويَحتَمِل: أنْ يُقوَّمَ الغَرْسُ (٧) والبناءُ مُسْتَحَقًّا للتَّرك بالأُجرة، أوْ لأِخْذِه بالقِيمة إذا امْتَنَعا مِنْ قَلْعِه. (فَإِنِ اخْتَارَ أَخْذَهُ، وَأَرَادَ (٨) المشْتَرِي قَلْعَهُ؛ فَلَهُ)؛ أيْ: لِلْمُشْتَرِي (ذَلِكَ)؛ لأِنَّه ملْكُه، فإذا قَلَعه فَلَيس عَلَيهِ تَسْويةُ الحُفَر، ولا نَقْصُ الأرض، قاله الأكثرُ؛ لأِنَّ النَّقْصَ حَدَثَ في ملْكِه، فلا يُقابَلُ بِعِوَض، فعلى هذا: يُخَيَّرُ الشَّفِيعُ بَينَ أخْذِه ناقِصًا بكلِّ الثَّمَن، أوْ تَرْكِه. وظاهِرُ «الخِرَقِيِّ»: أنَّ عَلَيهِ ضَمانَ النَّقْص الحاصِلِ بالقَلْع، فأمَّا نَقْصُ الأرض الحاصِلُ بالغَرس والبناء فلا يَضمَنُه، ذَكَرَه في «المغْنِي». (إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ)، هذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وابنِ عَقِيلٍ، والأدَمِيِّ،

стр. 3419

وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الضَّرَرَ لا يُزالُ بمِثْلِه. واقتصر (١) الأكثرُ على القَلْعِ، أَضَرَّ بالأرض أو لم يُضِرَّ؛ لأِنَّه عَينُ ماله. فَرْعٌ: إذا حَفَرَ فيها بِئْرًا؛ أخَذَهَا، ولَزِمَه (٢) أُجْرةُ مِثْلِها. (وَإِنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ) بِبَيعِ نَصيبِ شَريكِه؛ (لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، اخْتارَه أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّها ثَبَتَتْ له، ولم يُوجَدْ منه رِضًا بِتَرْكها (٣)، والأصلُ بقاؤها. والثَّاني: تَسقُطُ، قاله القاضي؛ لأِنَّه زال السَّببُ الَّذي يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعةَ، وهو الملْكُ الَّذي يُخافُ الضَّرَرُ بسببه، أشْبَهَ ما لو اشترى معيبًا (٤) لم (٥) يَعْلَمْ عَيبَه حتَّى باعه. ومُقْتَضاهُ: أنَّه إذا باعه بَعْدَ العِلْم بالحال؛ فإنَّها تَسقُطُ. وإنْ باع بعضَه؛ فوجْهانِ: أحدهما: تَسقُط؛ لكَونها لا تَتَبَعَّض. والثَّاني: بقاؤها؛ لأِنَّه قد بَقِيَ من نصيبه ما تُسْتَحَقُّ (٦) به الشُّفْعةُ في جميع المبِيع لو انفرد. (وَلِلْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ فِيمَا بَاعَهُ الشَّفِيعُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّ له ملْكًا سابِقًا على بَيع الشَّفِيع، فَمَلَكَ الأخْذَ به. والثَّاني: تَسْقُطُ؛ لأِنَّ ملْكَه ضعيفٌ؛ لكَونه بِعَرَضِيَّة الأخْذِ بالشُّفْعة.

стр. 3420

(وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ؛ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ)، نَصَّ عَلَيهِ (١)؛ لأِنَّه نَوعُ خِيارٍ للتَّمْليك، أشْبَهَ خِيارَ القَبول، ولأِنَّا لا نَعلَم بقاءَه على الشُّفْعة؛ لاِحْتِمالِ رَغْبته عنها، ولا يَنتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ ما يُشَكُّ (٢) في ثُبوته. وخرَّج (٣) أبو الخطَّاب: أنَّها لا تَبطُل، وتُورَثُ عنه؛ بِناءً على رِوايةِ إرْثِ الأجَلِ. وأُجِيبَ: بأنَّه حقُّ فَسْخٍ ثَبَتَ لا لِفَوات جُزْءٍ، فلم يُورَثْ؛ كالرجوع في الهِبَة. (إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَتَكُونُ لِوَارِثِهِ)، نَصَّ عليه (٤)، وهو المذْهَبُ، وحَكاهُ أبو الخَطَّاب قَولاً واحدًا؛ لأِنَّ الحقَّ قد تقرَّر بالطَّلَب، ولذلك (٥) لا تَسقُطُ بتأخير الأخْذ بَعْدَه. أمَّا على قَول القاضي؛ فَلأِنَّ الشِّقْصَ صار ملْكًا له بالمطالَبَة، وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّه لو كان كذلك؛ لَمَا صحَّ العَفْوُ عنها بَعْدَ طَلَبِها، كما لا يَصِحُّ العَفْوُ عنها بَعْدَ الأخْذِ بها. وأمَّا على رأْيِ ابنِ عَقِيلٍ والمؤلِّف؛ فَلأِنَّه قد عُلِمَ بمطالَبَتِه بقاؤه على شُفْعَته، وهو ظاهِرٌ. وقال في روايةِ أبي طالِبٍ: الشُّفْعةُ لا تُورَثُ (٦)، لَعَلَّه لم يَكُنْ يطلبها (٧)، فَجَعَلَ العِلَّةَ في إبطالها بالموت عَدَمَ العِلْم برَغْبة الميت.

стр. 3421

قال القاضِي في «التَّعليق»: فَعَلَى هذا: لو عَلِمَ الوارثُ أنَّه راغِبٌ فيها؛ كان له المطالَبَةُ وإنْ لم يُطالِب الميتُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: ويَنْبَغِي أنْ يكونَ القَولُ قَولَ الوارِث مع يَمِينه. فإذا تقرَّر ذلك: انْتَقَل الحقُّ إلى جميع الوَرَثَة على قَدْر إرْثِهم مُطلَقًا، فإذا تَرَكَ بعضُهم حَقَّه؛ تَوَفَّر على الباقي، ولم يكن لهم إلاَّ أخْذُ الكلِّ أو التَّرْكُ؛ كالشُّفَعاء إذا عفا بعضُهم عن حقِّه. وقِيلَ: مَنْ عَفَا عن بَعْضِ حقِّه أو لم يَطْلُبْه؛ لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه.

стр. 3422

(فَصْلٌ) (وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ الذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ)؛ لِحديثِ جابِرٍ: «فَهُوَ أحقُّ به بالثَّمَن» رواه أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِي في «المترجم» (١)، ولأِنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَسْتَحِقُّ الشِّقْصَ بالبَيع، فكان مُستحِقًّا له بالثَّمَن؛ كالمشتَرِي. ولو عبَّرَ ب (ما استَقَرَّ عليه العَقْدُ وقْتَ لُزُومِه) لَكانَ أَوْلَى. لا يُقالُ: كان يَنبَغِي أنْ يأخُذَه بقِيمتِه؛ كالمضْطَرِّ إلى طَعامِ غَيرِه؛ لأِنَّ المضْطَرَّ اسْتَحَقَّه بسبَبِ حاجته، فكان المرْجِعُ في بَدَلِه إلى قِيمتِه، والشَّفِيعُ اسْتحَقَّه بالبَيع، فَوَجَبَ أنْ يكونَ بالعِوَض الثَّابِتِ به. فإنَ وَقَعَ حِيلةً؛ دَفَعَ إلَيهِ ما أعْطاهُ أوْ قِيمةَ الشِّقْص، وإن كان مجهولاً؛ كصُبْرةِ نَقْدٍ؛ فقد تَقَدَّم. وظاهِرُه: أنَّه يأْخُذه بغَير حكْمِ حاكِمٍ؛ لأِنَّه حقٌّ ثَبَتَ بالإجْماع (٢)، فلم يَفْتَقِر إلى حُكْمٍ؛ كالرَّدِّ بالعَيبِ. ولا تُعْتَبَرُ (٣) رُؤْيَتُه إنْ صحَّ بَيعُ غائِبٍ، وإلاَّ اعْتُبِرتْ. واعْتَبَر ابنُ عَقِيلٍ الحُكْمَ تارةً، ودَفْعَ ثَمَنِه ما لم يصبر (٤) مُشْتَرِيهِ. فإنْ دَفَعَ مَكِيلاً بوزنٍ (٥)؛ أَخَذَ مِثْلَ كَيلِه؛ كقَرْضٍ. وقِيلَ: يَكْفِي وَزْنُه؛ إذ المبْذُولُ في مُقابَلَةِ الشِّقْص، وقَدْرُ الثَّمَنِ مِعْيارُه لا عِوَضُه.

стр. 3423

(وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ؛ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ)، ولو اكْتَفَى بالثَّاني كالوجيز؛ لكان أَوْلَى؛ لأِنَّ في أخْذِه بِدُونِ دَفْعِ كلِّ الثَّمَن إضْرارًا بالمشْتَرِي، والضَّرَرُ لا يُزالُ بمِثْله. فإنْ أحْضَرَ رهْنًا أوْ ضَمِينًا؛ لم يَلزَمِ المشْتَرِيَ قَبولُه؛ لأِنَّ عَلَيهِ ضَرَرًا في تأخير الثَّمَنِ. وكذا لا يَلزَمُه قَبولُ عِوَضٍ عن الثَّمَنِ؛ لأِنَّها مُعاوَضَةٌ، فلم يُجْبَرْ عَلَيها. وللمُشْتَرِي حَبْسُه على ثَمَنِه، قالَهُ في «التَّرغيب» وغَيره؛ لأِنَّ الشُّفْعةَ قَهْرِي، والبَيعَ عن رِضًا. فإنْ تَعَذَّرَ في الحال؛ فقال في روايةِ حَرْبٍ: يُمْهَلُ الشَّفِيعُ يَومًا أوْ يَومَينِ (١)، وَالأشْهَرُ عنه: ثلاثًا؛ لأِنَّها حدُّ جمْعِ القِلَّةِ (٢)، وعنه: ما رَأَى الحاكِمُ. فَرْعٌ: لو أفْلَسَ الشَّفِيعُ بَعْدَ أخْذِ الشِّقْص؛ خُيِّر المشْتَرِي بَينَ الفَسْخ وبَينَ أنْ يَضرِبَ مع الغُرَماء بالثَّمَن، كالبائع إذا أَفْلَسَ المشْتَرِي. (وَمَا يُحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ يُزَادُ فِيهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ؛ يُلْحَقُ بِهِ)؛ لأِنَّ زَمَنَ الخِيار كحالةِ العَقْد، نَقَلَ صالِحٌ: للماء حِصَّةٌ من الثَّمَن (٣). وفي رُجوعِ شَفِيعٍ (٤) بأرْشٍ على مُشْتَرٍ عفا عنه بائعٌ؛ وَجْهانِ. (وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَا يُلْحَقُ بِهِ)؛ لأِنَّ الزِّيادةَ حِينَئِذٍ هِبَةٌ يُشْتَرَطُ لها شُروطُها، والنُّقْصانُ إبْراءٌ، فلا يَثْبُتُ شَيءٌ منهما في حقِّ الشَّفِيع؛ لكَونه وُجِدَ بَعْد اسْتِقْرار العَقْد، أشْبَهَ ما لو وَهَبَ أحدُهما للآخَر عَينًا أُخْرى.

стр. 3424

(وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً؛ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالْأَجَلِ إِنْ كَانَ مَلَيئًا، وَإِلاَّ) فإنْ كان مُعْسِرًا؛ (أَقَامَ) الشَّفِيعُ (كَفِيلاً مَلِيئًا، وَأَخَذَ بِهِ)، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الأخْذَ بقَدْر الثَّمَن وصِفَتِه، والتَّأْجِيلُ من صِفَتِه. وفي كلامِ القاضِي، وأبي الخَطَّاب، والمؤلِّفِ: اشتراط (٢) الملاءَة؛ لأِنَّه لو أَخَذَ بِدونٍ لتَضَرَّر المشْتَرِي، والضَّرَرُ لا يُزالُ بِمِثْله. ومتى أَخَذَه الشَّفِيعُ بالأجل، فمات، أو المشْتَرِي، وقُلْنا: يَحِلُّ الدَّينُ بالموت؛ حلَّ على الميت منهما دُونَ صاحبِه، فلو لم يَعْلَمْ حتَّى حلَّ؛ فهو كالحالِّ (٣). (وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرْضًا (٤)؛ أَعْطَاهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ)؛ كالحُبوب والأدْهان ونحوِهما؛ لأِنَّهما كالأثْمان، ولأِنَّه مِثلٌ من طَرِيق الصُّورة والقِيمةِ، فكان أَوْلَى من المماثِل في أحَدِهما؛ إذ الواجِبُ بَدَلُ (٥) الثَّمَن، فكان مِثْلَه؛ كَبَدَل القرض (٦). (وَإِلاَّ)؛ أي: إنْ لم يكن له مِثْلٌ؛ كالثِّياب والحَيَوان؛ فتُعْتَبَر (قِيمَتُهُ)، في قَول أكْثرِ أهل العلم؛ لتعذُّر المِثْل، ولأِنَّ ذلك بَدَلُه في الإتْلاف. وذَكَرَ الأصْحابُ: أنَّه لَوْ باعَهُ بِصُبْرةٍ نَقْدًا وجَوهَرةٍ؛ دَفَعَ مِثْلَه أو قِيمتَه، فإنْ تعذَّر؛ فَقِيمَةَ الشِّقْص؛ لأِنَّ الأغْلَبَ وُقوعُ العَقْد على الأشْياءِ بِقِيمَتِها، فإنِ اخْتَلَفا في القِيمَة؛ رُجِع إلى أهْلِ الخِبْرة إنْ كانَ مَوجُودًا، وإنْ كانَ مَعْدومًا؛ قُبِلَ قَولُ المشْتَرِي فِيها.

стр. 3425

(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) مع يَمِينِه، ذَكَرَه المعْظَمُ؛ لأِنَّه العاقِدُ، فهو أعْلَمُ بالثَّمَن، ولأِنَّ المبِيعَ ملْكُه، فلا يُنزَعُ عنه بدَعْوَى مُختَلَفٍ فِيها إلاَّ بِبَيِّنةٍ، وكما يُقبَلُ قَولُه في الغَرْس والبِناء في الشِّقْص أنَّه أحْدَثَه (١)، والشَّفِيعُ لَيسَ بِغارِمٍ؛ لأِنَّه لا شَيءَ عَلَيهِ، وإنَّما يُرِيدُ تَمَلُّكَ الشِّقْص بِثَمَنِه، بخِلاف غاصِبٍ ومُتْلِفٍ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ)؛ فيُعمَل بها؛ لأِنَّها تُكذِّب المشتَرِيَ. فإنْ أقامَ كلٌّ مِنْهما بيِّنةً؛ احْتَمَل تعارُضَهما والقُرعةَ. وقِيلَ: تُقدَّم بيِّنةُ شَفِيعٍ. ولا تُقبَلُ شهادةُ البائع للشَّفِيع؛ لأِنَّه مُتَّهَمٌ؛ لِكَونه يَطْلُب تَقْليلَ (٢) الثَّمَن؛ خَوفًا من الدَّرَك عَلَيهِ، ويُقْبَلُ عَدْلٌ وامْرأتانِ، وشاهِدٌ ويمينٌ. فإنْ قال المشْتَرِي: لا أَعْرِفُ قَدْرَ الثَّمَنِ؛ قُدِّم قَولُه؛ لأِنَّه أعْلَمُ بنَفْسِه، فإذا حَلَفَ سَقَطَتْ؛ لأِنَّه لا يُمْكِنُ الأخْذُ بغَير ثمنٍ (٣)، ولا يُمكِنُ أنْ يُدفَع إلَيهِ ما لا يَدَّعِيهِ، إلاَّ أنْ يَفعَلَ ذلك تَحيُّلاً، فإن ادَّعى أنَّك فَعَلْتَه تَحيُّلاً على إسْقاطها؛ قُبِلَ قَولُه مع يَمِينه؛ لأِنَّه مُنكِرٌ، وإنِ ادَّعى جَهْلَ قِيمتِه؛ فهو كما لو ادَّعى جَهْلَ ثَمَنِه، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». (وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ، وَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ؛ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِأَلْفٍ)؛ لأِنَّ المشْتَرِيَ مُقِرٌّ له باستحقاقِه بأَلْفٍ، فلم يَسْتَحِقَّ الرُّجوعَ بأكْثَرَ. (فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: غَلِطْتُ)، أوْ كَذَبْتُ، أوْ نَسِيتُ، والبيِّنةُ صادِقةٌ؛ (فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ):

стр. 3426

أشْهَرُهما: أنَّه لا يُقبَلُ، جَزَمَ به في «الكافي»؛ لأِنَّه رُجوعٌ عن إقراره (١)، فلا يُقبَلُ، كما لو أقرَّ له بِدَينٍ. والثَّانِي: يُقْبَلُ، قال القاضِي: وهو قياسُ المذهب عِنْدِي كالمرابحة، بَلْ هنا أَوْلَى؛ لأِنَّ البيِّنةَ قامَتْ بكَذِبِه، فَقُبِلَ رُجوعُه عنه. فإن لم يكن للبائع بيِّنةٌ، فتحالَفا؛ فللشَّفِيع أخْذُه بما حَلَفَ عَلَيهِ البائِعُ، وإنْ رَضِيَ المشْتَرِي أخْذَه بما قال البائِعُ؛ جَازَ، ومَلَكَ الشَّفِيعُ أَخْذَه بالثَّمَن الَّذي حَلَفَ عَلَيهِ المشْتَرِي؛ لأِنَّ حقَّ البائِعِ في الفَسْخِ زالَ. فَرْعٌ: إذا ادَّعى على إنْسانٍ شُفْعةً في شِقْصٍ اشْتَراه، فقال: لَيسَ لك (٢) ملْكٌ في شَرِكَتِي؛ فَعَلَى الشَّفِيع إقامةُ البيِّنة بالشَّرِكة في قَول الجماهير. وقال أبو يوسفَ: إذا كان في يَدِه اسْتَحَقَّ الشُّفْعةَ به (٣). (وَإِنِ ادَّعَى: أنَّكَ اشْتَرَيْتَهُ بِأَلْفٍ) فلي (٤) الشُّفْعةُ؛ احْتاجَ إلى تَحْريرِ الدَّعْوَى، فيُحدِّدُ المكانَ الذي فيه الشِّقْصُ، ويَذكُرُ قَدْرَ الشِّقْص وثَمَنَه، فإن اعْتَرفَ؛ لَزِمَه، وإنْ أنْكَرَ (فَقَالَ (٥): بَلِ اتَّهَبْتُهُ، أَوْ وَرِثْتُهُ)؛ فلا شُفْعة؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ أيْ: مُدَّعِي الهِبَةِ والإرْثِ؛ لأِنَّ الأصْلَ معه، والمثْبِتُ للشُّفْعة البَيعُ، ولم يُتَحقَّقْ، (مَعَ يَمِينِهِ)؛ لاِحْتِمالِ صِدْقِ خَصْمِه، وحِينَئِذٍ يَبْرَأُ. فإنْ قال: لا يَستَحِقُّ عليَّ شُفْعة، فالقَولُ قَولُه مع يَمِينه، وهي على حَسَبِ جَوابِه. (فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا)؛ قُضِيَ عَلَيهِ؛ لأِنَّ النُّكولَ قائِمٌ مَقامَ الإقْرار، (أَوْ قَامَتْ

стр. 3427

لِلْشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ (١)؛ فَلَهُ أَخْذُهُ)؛ لأِنَّ البَيعَ ثَبَتَ بحُقوقه، والأخْذُ بها من حُقوقِه، وحِينَئِذٍ يُعرَضُ عَلَيهِ الثَّمَنُ، فإنْ أخَذَه دُفِعَ إلَيهِ. فإنْ قال: لا أسْتَحِقُّه؛ فثلاثةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: (يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ الثَّمَنَ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْهُ)، اخْتارَه القاضِي؛ لأِنَّ الثَّمَنَ صار مُسْتَحَقًّا له، فيُقالُ له ذلك؛ لِتَحْصُلَ براءةُ الشَّفِيع، وكسَيِّد المكاتَبِ إذا جاءه المكاتَبُ بمالِ الكتابة (٢)، فادَّعَى أنَّه حَرامٌ. والثَّانِي: يُقَرُّ في يَدِ الشَّفِيع إلى أنْ يَدَّعِيَه المشْتَرِي، فيُدْفَعُ إلَيهِ، قال في «الشَّرح»: وهو أَوْلَى إنْ شاء الله تعالى. والثَّالِثُ: يأخُذُه حاكِمٌ، فيَحفَظُه لصاحبه حتَّى يَدَّعِيَه، فمتى ادَّعاهُ المشْتَرِي دُفِع إلَيهِ. وفرَّق في «الشَّرح» بَينَ المكاتَب والشَّفِيع؛ لأِنَّ سيِّدَه يُطالِبُه بالوفاء من غَيرِ هذا الذي أتاه به، فلا يَلزَمُه ذلك بمُجرَّد دَعْوَى سيِّدِه تحريمَه، وهذا لا يُطالِبُ الشَّفِيعَ بشَيءٍ، فلا يَنْبَغِي أنْ يُكلَّفَ الإبْراءَ ممَّا لا يَدَّعِيهِ. تنبيهٌ: إذا ادَّعى عَلَيهِ الشِّراءَ، فقال: اشْتَرَيْتُه لِفُلانٍ؛ سُئِلَ؛ فإنْ صدَّقه؛ فهو له، وإنْ كذَّبَه؛ فهو للمُشْتَرِي، ويُؤخَذُ بالشُّفْعة في الحالَينِ. وإنْ كان المُقَرُّ له غائبًا؛ أخَذَه الشَّفِيعُ بإذْنِ الحاكِمِ، والغائبُ على حُجَّته إذا قَدِمَ. فإنْ قال: اشْتَرَيتُه لاِبْنِي الطِّفْلِ؛ فهو كالغائب في وَجْهٍ. وفي الآخَرِ: لا شُفْعَةَ؛ لأِنَّ الملْكَ ثبت (٣) للطِّفْل، ولا يَثْبُتُ في مالِهِ حَقٌّ بإقْرارِ ولِيِّه عَلَيهِ.

стр. 3428

فأمَّا إنِ ادَّعَى عَلَيهِ الشُّفْعةَ في شِقْصٍ، فقال: هو لِفُلانٍ الغائبِ، أوِ الطِّفْلِ؛ فلا شُفْعةَ فيه؛ لأِنَّه قد ثَبَتَ لهما، فإقْرارُه بعد ذلك إقْرارٌ على غَيرِه، فلا يُقبَلُ. (وَإِنْ كَانَ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ، أَوِ النِّكَاحِ، أَوْ عَنْ دَمِ عَمْدٍ)، وقُلْنا بوُجوب الشُّفْعةِ فيه؛ (فَقَالَ القَاضِي)، وهو قِياسُ قَولِ ابنِ حامِدٍ: (يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ)؛ لأِنَّه مَلَكَ الشِّقْصَ القابِلَ للشُّفْعة بِبَدَلٍ لَيسَ بمِثْلِيٍّ، فَوَجَبَ الرُّجوعُ إلى القيمة، كما لو باعَه سلعة لا مِثْلَ لها. (وَقَالَ غَيْرُهُ)، وهو ابنُ حامِدٍ، وأبو الخَطَّاب في «الانتصار»: (يَأْخُذُهُ بِالدِّيَةِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ)؛ لأِنَّ ذلك بَدَلُ المشْفُوع، فَوَجَبَ أنْ يُؤخَذَ به كالثَّمَن. مع أنَّه تَقدَّم أنَّ الأَشْهَرَ لا شُفْعةَ في ذلك؛ لأِنَّ ما يُقابِلُ المبِيعَ لَيسَ بمالٍ، ولأِنَّ الأَخْذَ إمَّا بالقِيمةِ، وهو مُمْتَنِعٌ؛ لأِنَّه لَيسَ بِعِوَضٍ للمَبِيعِ، وإمَّا بالمَهْرِ، وفِيهِ تَقْوِيمُ البُضْع، وإضْرارٌ بالشَّفِيع؛ لأِنَّ مَهْرَ المِثْلِ يَتَفاوَتُ مع المسمَّى؛ لأِنَّ المهرَ يُسامَحُ به في العادة، بخلاف البَيع، وفِيهِ شَيءٌ. ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ القاضِيَ يُثْبِتُ الشُّفْعةَ في ذلك، وإنَّما كلامُه في صِفَةِ الأخْذِ، مع أنَّ المسْأَلةَ فِيها رِوايتانِ. وعلى قِياسه: ما أُخِذَ أُجْرةً، أوْ ثَمَنًا في سَلَمٍ، أوْ عِوَضًا في كِتابَةٍ.

стр. 3429

(فَصْلٌ) (وَلَا شُفْعَةَ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ فِي الأخْذِ إلْزامَ المشْتَرِي بالعَقْد قَبلَ رِضاهُ بالْتِزامه، وإِيجابَ العُهْدة عَلَيهِ، وتَفْويتَ حقِّه من الرُّجوع في عَينِ الثَّمَن. ولا فَرْقَ فِيهِ بَينَ خِيارِ المجْلِس أو الشَّرْط، وسواءٌ كان الخِيارُ لهما، أوْ لأِحَدِهِما. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَجِبَ (١)، وحكاهُ أبو الخَطَّاب تخريجًا؛ لأِنَّ الملْكَ انْتَقَلَ، فتَثْبُتُ (٢) فِيهِ الشُّفْعةُ في مُدَّة الخِيَار، كما بَعْدَ انْقِضائه، ولإزالةِ (٣) ضَرَرِ الشَّرِكَةِ. وقِيلَ: تَثْبُتُ إنْ قُلْنا: الملْكُ للمُشْتَرِي. وقِيلَ: إنْ شُرِطَ للبائع فَقَطْ، وقُلْنا: الملْكُ للمُشْتَرِي؛ لم تَجِبْ قَبْلَ فَراغِه، وإنْ شُرِطَ للمُشْتَرِي وحْدَه، وقُلْنَا: الملْكُ له؛ وَجَبَتْ؛ لأِنَّ الملْكَ انْتَقلَ إلَيهِ، ولا حقَّ لِغَيرِه فِيهِ، والشَّفِيعُ يَمْلِكُ الْأَخْذَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الملْكِ، فكان له، وغايَةُ ما يُقدَّر (٤) ثُبوتُ الخِيار له، وذلك لا يَمنَعُ الْأَخْذَ بها؛ كما لو وَجَدَ به عَيبًا. (وَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي؛ فَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «الكافي»:

стр. 3430

أحدُهما: لا شُفْعةَ، نَصَرَه الشَّريف في «مسائله»، ولا نَصَّ فيها للإمام أحمدَ؛ لأِنَّ الشُّفْعةَ فرعُ البيع، فإذا لم يَثْبُت الأصلُ لم يَثْبُتْ فَرْعُه. والثَّاني، وهو المذهب: أنَّها تَجِبُ؛ لأِنَّ البائعَ أقرَّ بِحَقَّينِ؛ حقٍّ للشَّفِيعٍ وحقٍّ للمُشْتَرِي، فإذا سَقَط حقُّه بإنكاره؛ ثَبَتَ حقُّ الآخَرِ، كما لو أقرَّ بدارٍ لرجُلَينِ، فأنْكَرَ أحدُهما. فعَلَيهِ: يَقبِضُ الشَّفيعُ من البائع، ويُسلِّمُ إليه الثَّمَنَ، ويَكونُ دَرَكُ الشَّفِيعِ على البائع، ولَيسَ له ولا للشَّفِيعِ مُحاكَمَةُ المشْتَرِي. فإنْ كان البائعُ مقرًا بقَبْضِ الثَّمَن من المشْتَرِي؛ بقِيَ الثَّمَنُ الذي على الشَّفِيع لا يَدَّعِيهِ أحدٌ؛ لأِنَّ البائعَ يَقُولُ: هو للمُشْتَرِي، والمشْتَرِي يقولُ: لا أسْتَحِقُّه؛ فالأوْجُهُ الثَّلاثةُ (١). (وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ)، العُهْدةُ في الأصل: كِتابُ الشِّراء، والمرادُ هنا: أنَّ الشِّقْصَ إذا ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا أوْ مَعِيبًا؛ فإنَّ الشَّفِيعَ يَرجِعُ على المشْتَرِي بالثَّمَنِ أو بأرْشِ العَيبِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ مَلَكه مِنْ جِهَتِه، فرجَع عليه؛ لكونه بائعَه، ثُمَّ يَرجِع المشْتَرِي على البائع؛ لِما ذَكرنا، ويُستَثنى منه المسألةُ السَّابِقةُ، فإنَّ عُهْدةَ الشَّفِيعِ على البائع؛ لحصول الملْك له مِنْ جِهَتِه. (فَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيعِ؛ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ)، قاله القاضِي، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ القَبْضَ واجِبٌ؛ لِيَحْصُلَ حقُّ المشْتَرِي في تَسْلِيمه، ومِنْ شأْنِ الحاكِمِ أنْ يُجْبِرَ الممتنع (٢).

стр. 3431

(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنْ يَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ)؛ لأِنَّ العَقْدَ يَلزَمُ في العَقار مِنْ غَيرِ قَبْضٍ، ويَدخُلُ في ملْكِ المشْتَرِي بنَفْسِه، بدليلِ: صِحَّةِ التَّصرُّف فِيهِ قَبلَ قَبْضِه. (وَإِذَا وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا عَنْ أَبِيهِمَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ؛ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَشَرِيكِ أَبِيهِ)؛ لأِنَّهما شَرِيكان حالَ ثُبوت الشُّفْعة، فكانت بَينَهما؛ كما لو تملَّكاها بسببٍ واحِدٍ، ولأِنَّها ثَبَتَتْ (١) لدَفْع ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ على شركائه بسَببِ شَرِكته، وهو موجودٌ في حقِّ الكُلِّ. (وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وقالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ؛ لقَولِه ﵇: «لَا شُفْعةَ لِنَصْرانِيٍّ» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ في كتاب «العِلل»، وأبو بَكْرٍ، وفي إسنادِهما نائلُ بنُ نَجِيحٍ، عن سُفْيانَ الثَّورِيِّ، عن حُمَيدٍ عن أَنَسٍ، ونائلٌ ضَعَّفَه الدَّارَقُطْنِيُ وابنُ عَدِيٍّ (٣)، ولأِنَّه مَعْنًى يَختَصُ به العَقارُ، أشْبَهَ الاستِعْلاءَ في البُنْيانِ. وقال أكثرُ العُلَماء: تَثْبُتُ؛ لأِنَّها خِيارٌ ثَبَتَ لِدَفْع الضَّرَر بالشِّراء، فاسْتَوَى فيه المسْلِمُ والكافِرُ؛ كالرَّدِّ بالعَيبِ. وجَوابُه: بأنَّها تَثْبُتُ في مَحَلِّ الإجْماع على خِلافِ الأصل؛ رِعايَةً لحقِّ الشَّرِيك المسْلِمِ، ولَيسَ الذِّمِّيُّ في مَعْنَى المسْلِمِ، فيَبقَى فيه على مُقْتَضَى الأصْلِ.

стр. 3432

وظاهِرُه: أنَّها تَثْبُتُ للمُسْلِمِ على الكافِرِ؛ لعُموم الأدِلَّة، ولأِنَّها إذا ثَبَتَتْ على المسْلِم مع عِظَمِ حُرْمَتِه؛ فَلَأَنْ تَثْبُتَ على الذِّمِّيِّ مع (١) دَناءَتِه أَوْلَى. وأنَّها تَثْبُتُ لِكافِرٍ على مِثْلِه؛ لاِسْتِوائهما؛ كالمسلمين، قال في «الشَّرح»: لا نعلَمُ فيه خِلافًا. وقِيلَ: لا تَثْبُتُ لهما إذا كان البائعُ مُسلِمًا. فإنْ تَبايَعَ كافِرانِ بخَمْرٍ شِقْصَا؛ فلا شُفْعةَ في الأصحِّ كخِنْزيرٍ؛ بِناءً على قَولِنا: هل هِيَ مالٌ لهم؟ فأمَّا أهلُ البِدَع؛ فتَثْبُتُ الشُّفْعةُ لِمَنْ حُكِمَ بإسْلامِه. ورَوَى حَرْبٌ عن أحمدَ: أنَّه سُئلَ عن أصْحابِ البِدَع هل لهم شُفْعةٌ؟ وذُكِرَ له عن الشَّافِعِيِّ أنَّه قال: لَيسَ للرَّافضة شُفْعةٌ، فَضَحِكَ، وقال: أراد أنْ يُخْرِجَهم من الإسلام (٢)، فظاهره (٣): أنَّه أثْبَتَها لهم، وهو مَحْمولٌ على غَيرِ الغُلاةِ مِنْهُم، فأمَّا الغُلاةُ؛ كمُعْتَقِد غَلَطِ جِبْريلَ في الرِّسالة، ومَنْ حُكِمَ بكُفْرِه مِنْ الدُّعاةِ بخَلْق القُرآن؛ فلا شُفْعةَ لهم، وهو مُقْتَضَى كلامِ الأصحاب؛ لأنَّها (٤) إذا لَمْ تَثْبُتْ للذِّمِّيِّ الَّذي يُقَرُّ (٥) على كُفْرِه؛ فَغَيرُه أَوْلَى. (وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارَبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أَوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارَبِ فِيمَا يَشْتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وفِيهِ مَسْألَتانِ: الأُولى: هل تَجِبُ الشُّفْعةُ للمُضارَب على ربِّ المال؟ وفِيها وجْهانِ: أحدُهما: تَجِبُ، وصُورَتُها: بأنْ يكونَ المضارَبُ له شِقْصٌ في عَقارٍ،

стр. 3433

فاشْتَرَى بمالِ الْمُضارَبَة بَقِيَّتَه؛ لِمَا في ذلك مِنْ دَفْع ضَرَرِ الشَّرِكة. والثَّاني: لا شُفْعةَ؛ لأِنَّ له في مالِ المضارَبَة تَعَلُّقًا في الجُمْلة، أشْبَهَ ربَّ المالِ. والمذْهَبُ كما صرَّح به في «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّها لا تَجِبُ إنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، وإلاَّ وَجَبَتْ، نَصَّ عَلَيهِ (١). قال صاحِبُ «النِّهاية»: وعِنْدِي أنَّه لا شُفْعةَ للعامِلِ فِيمَا اشْتَراهُ؛ كالوكيلِ والوَصِيِّ. الثَّانيةُ: المذْهَبُ: أنَّها لا تَجِبُ لِرَبِّ المال على المضارَبِ؛ لأِنَّ الملْكَ وَقَعَ له، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعةَ على نَفْسِه. والثَّانِي: تَجِبُ؛ لأِنَّ مالَ المُضارَبَة كالمنْفَرِد بنَفْسه، أشْبَهَ مَا إذا كانَ المشْتَرِي شَرِيكًا، فلأن الشفعة (٢) بَينَه وبَينَ شريكه، وهذه شُفْعةٌ في الحقيقة لم تَجلِبْ ملْكًا، وإنَّما قررته. قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: والوَجْهانِ مَبْنِيَّانِ على شِراءِ رَبِّ المالِ مِنْ مالِ المضارَبَة. ولا شُفْعَةَ لِمُضارَبٍ فِيمَا باعَه من مالها وله فِيهِ ملْكٌ، وله الشُّفْعةُ فِيمَا بِيعَ شَرِكةً لمالِ المضارَبَة، إنْ كان فيها حَظٌّ، فإنْ أَبَى؛ أَخَذَ بها ربُّ المال. تذنيبٌ: قال أحمدُ في روايةِ حَنبَلٍ (٣): لا نَرَى الشُّفْعةَ في أرْضِ السَّواد؛ لأِنَّ عُمَرَ وَقَفَها (٤)، وكذا كلُّ أرضٍ وَقَفَها كالشَّام ومِصْرَ، قال في «المغْنِي»

стр. 3434

و «الشَّرح»: إلاَّ أنْ يَحكُمَ بِبَيعها حاكِمٌ، أوْ يَفْعَلَه الإمامُ أوْ نائبُه؛ فتَثْبُت (١)؛ لأِنَّه مُختَلَفٌ فِيهِ، وحُكْمُ الحاكِمِ يَنفُذُ فِيهِ.

стр. 3435

(بَابُ الْوَدِيعَةِ) وهي فَعِيلَةٌ، مِنْ وَدَعَ الشَّيءَ إذا تَرَكَه؛ أيْ: هِيَ مَتْرُوكةٌ عِنْدَ المودَع. وقِيلَ: هي مُشْتَقَّةٌ مِنْ الدَّعَةِ، فكأنَّها عِنْدَ المودَع غَيرُ مُبْتَذَلَةٍ (١) لِلاِنْتِفاع. وقِيلَ: مِنْ وَدَعَ الشَّيءُ يَدَعُ، إذا سَكَنَ، فكأنَّها ساكِنةٌ عِنْدَ المودَعِ. وهِيَ في الشَّرع: اسْمٌ لعين (٢) تُوضَعُ عِنْدَ آخَرَ لِيحْفَظَها، فهِي وَكالةٌ في الحِفْظ، فيعتبر (٣) أركانُها. والأَحْسَنُ: أنَّها تَوكيلٌ في حِفْظِ مَمْلُوكٍ، أوْ مُحتَرَمٍ مُخْتَصٍّ، على وَجْهٍ مخصوص (٤). والإجْماعُ في كلِّ عَصْرٍ على جَوازِها (٥)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاء: ٥٨]، مَعَ السُّنَّة الشَّهيرةِ، مِنْها قَولُه ﵇: «أدِّ الأمانةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» رواه أبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ وحَسَّنَه (٦).
следующие страницы →