← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنْ يَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ)؛ لأِنَّ العَقْدَ يَلزَمُ في العَقار مِنْ غَيرِ قَبْضٍ، ويَدخُلُ في ملْكِ المشْتَرِي بنَفْسِه، بدليلِ: صِحَّةِ التَّصرُّف فِيهِ قَبلَ قَبْضِه. (وَإِذَا وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا عَنْ أَبِيهِمَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ؛ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَشَرِيكِ أَبِيهِ)؛ لأِنَّهما شَرِيكان حالَ ثُبوت الشُّفْعة، فكانت بَينَهما؛ كما لو تملَّكاها بسببٍ واحِدٍ، ولأِنَّها ثَبَتَتْ (١) لدَفْع ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ على شركائه بسَببِ شَرِكته، وهو موجودٌ في حقِّ الكُلِّ. (وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وقالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ؛ لقَولِه ﵇: «لَا شُفْعةَ لِنَصْرانِيٍّ» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ في كتاب «العِلل»، وأبو بَكْرٍ، وفي إسنادِهما نائلُ بنُ نَجِيحٍ، عن سُفْيانَ الثَّورِيِّ، عن حُمَيدٍ عن أَنَسٍ، ونائلٌ ضَعَّفَه الدَّارَقُطْنِيُ وابنُ عَدِيٍّ (٣)، ولأِنَّه مَعْنًى يَختَصُ به العَقارُ، أشْبَهَ الاستِعْلاءَ في البُنْيانِ. وقال أكثرُ العُلَماء: تَثْبُتُ؛ لأِنَّها خِيارٌ ثَبَتَ لِدَفْع الضَّرَر بالشِّراء، فاسْتَوَى فيه المسْلِمُ والكافِرُ؛ كالرَّدِّ بالعَيبِ. وجَوابُه: بأنَّها تَثْبُتُ في مَحَلِّ الإجْماع على خِلافِ الأصل؛ رِعايَةً لحقِّ الشَّرِيك المسْلِمِ، ولَيسَ الذِّمِّيُّ في مَعْنَى المسْلِمِ، فيَبقَى فيه على مُقْتَضَى الأصْلِ.

стр. 3432

وظاهِرُه: أنَّها تَثْبُتُ للمُسْلِمِ على الكافِرِ؛ لعُموم الأدِلَّة، ولأِنَّها إذا ثَبَتَتْ على المسْلِم مع عِظَمِ حُرْمَتِه؛ فَلَأَنْ تَثْبُتَ على الذِّمِّيِّ مع (١) دَناءَتِه أَوْلَى. وأنَّها تَثْبُتُ لِكافِرٍ على مِثْلِه؛ لاِسْتِوائهما؛ كالمسلمين، قال في «الشَّرح»: لا نعلَمُ فيه خِلافًا. وقِيلَ: لا تَثْبُتُ لهما إذا كان البائعُ مُسلِمًا. فإنْ تَبايَعَ كافِرانِ بخَمْرٍ شِقْصَا؛ فلا شُفْعةَ في الأصحِّ كخِنْزيرٍ؛ بِناءً على قَولِنا: هل هِيَ مالٌ لهم؟ فأمَّا أهلُ البِدَع؛ فتَثْبُتُ الشُّفْعةُ لِمَنْ حُكِمَ بإسْلامِه. ورَوَى حَرْبٌ عن أحمدَ: أنَّه سُئلَ عن أصْحابِ البِدَع هل لهم شُفْعةٌ؟ وذُكِرَ له عن الشَّافِعِيِّ أنَّه قال: لَيسَ للرَّافضة شُفْعةٌ، فَضَحِكَ، وقال: أراد أنْ يُخْرِجَهم من الإسلام (٢)، فظاهره (٣): أنَّه أثْبَتَها لهم، وهو مَحْمولٌ على غَيرِ الغُلاةِ مِنْهُم، فأمَّا الغُلاةُ؛ كمُعْتَقِد غَلَطِ جِبْريلَ في الرِّسالة، ومَنْ حُكِمَ بكُفْرِه مِنْ الدُّعاةِ بخَلْق القُرآن؛ فلا شُفْعةَ لهم، وهو مُقْتَضَى كلامِ الأصحاب؛ لأنَّها (٤) إذا لَمْ تَثْبُتْ للذِّمِّيِّ الَّذي يُقَرُّ (٥) على كُفْرِه؛ فَغَيرُه أَوْلَى. (وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارَبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أَوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارَبِ فِيمَا يَشْتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وفِيهِ مَسْألَتانِ: الأُولى: هل تَجِبُ الشُّفْعةُ للمُضارَب على ربِّ المال؟ وفِيها وجْهانِ: أحدُهما: تَجِبُ، وصُورَتُها: بأنْ يكونَ المضارَبُ له شِقْصٌ في عَقارٍ،

стр. 3433

فاشْتَرَى بمالِ الْمُضارَبَة بَقِيَّتَه؛ لِمَا في ذلك مِنْ دَفْع ضَرَرِ الشَّرِكة. والثَّاني: لا شُفْعةَ؛ لأِنَّ له في مالِ المضارَبَة تَعَلُّقًا في الجُمْلة، أشْبَهَ ربَّ المالِ. والمذْهَبُ كما صرَّح به في «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّها لا تَجِبُ إنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، وإلاَّ وَجَبَتْ، نَصَّ عَلَيهِ (١). قال صاحِبُ «النِّهاية»: وعِنْدِي أنَّه لا شُفْعةَ للعامِلِ فِيمَا اشْتَراهُ؛ كالوكيلِ والوَصِيِّ. الثَّانيةُ: المذْهَبُ: أنَّها لا تَجِبُ لِرَبِّ المال على المضارَبِ؛ لأِنَّ الملْكَ وَقَعَ له، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعةَ على نَفْسِه. والثَّانِي: تَجِبُ؛ لأِنَّ مالَ المُضارَبَة كالمنْفَرِد بنَفْسه، أشْبَهَ مَا إذا كانَ المشْتَرِي شَرِيكًا، فلأن الشفعة (٢) بَينَه وبَينَ شريكه، وهذه شُفْعةٌ في الحقيقة لم تَجلِبْ ملْكًا، وإنَّما قررته. قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: والوَجْهانِ مَبْنِيَّانِ على شِراءِ رَبِّ المالِ مِنْ مالِ المضارَبَة. ولا شُفْعَةَ لِمُضارَبٍ فِيمَا باعَه من مالها وله فِيهِ ملْكٌ، وله الشُّفْعةُ فِيمَا بِيعَ شَرِكةً لمالِ المضارَبَة، إنْ كان فيها حَظٌّ، فإنْ أَبَى؛ أَخَذَ بها ربُّ المال. تذنيبٌ: قال أحمدُ في روايةِ حَنبَلٍ (٣): لا نَرَى الشُّفْعةَ في أرْضِ السَّواد؛ لأِنَّ عُمَرَ وَقَفَها (٤)، وكذا كلُّ أرضٍ وَقَفَها كالشَّام ومِصْرَ، قال في «المغْنِي»

стр. 3434

و «الشَّرح»: إلاَّ أنْ يَحكُمَ بِبَيعها حاكِمٌ، أوْ يَفْعَلَه الإمامُ أوْ نائبُه؛ فتَثْبُت (١)؛ لأِنَّه مُختَلَفٌ فِيهِ، وحُكْمُ الحاكِمِ يَنفُذُ فِيهِ.

стр. 3435

(بَابُ الْوَدِيعَةِ) وهي فَعِيلَةٌ، مِنْ وَدَعَ الشَّيءَ إذا تَرَكَه؛ أيْ: هِيَ مَتْرُوكةٌ عِنْدَ المودَع. وقِيلَ: هي مُشْتَقَّةٌ مِنْ الدَّعَةِ، فكأنَّها عِنْدَ المودَع غَيرُ مُبْتَذَلَةٍ (١) لِلاِنْتِفاع. وقِيلَ: مِنْ وَدَعَ الشَّيءُ يَدَعُ، إذا سَكَنَ، فكأنَّها ساكِنةٌ عِنْدَ المودَعِ. وهِيَ في الشَّرع: اسْمٌ لعين (٢) تُوضَعُ عِنْدَ آخَرَ لِيحْفَظَها، فهِي وَكالةٌ في الحِفْظ، فيعتبر (٣) أركانُها. والأَحْسَنُ: أنَّها تَوكيلٌ في حِفْظِ مَمْلُوكٍ، أوْ مُحتَرَمٍ مُخْتَصٍّ، على وَجْهٍ مخصوص (٤). والإجْماعُ في كلِّ عَصْرٍ على جَوازِها (٥)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاء: ٥٨]، مَعَ السُّنَّة الشَّهيرةِ، مِنْها قَولُه ﵇: «أدِّ الأمانةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» رواه أبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ وحَسَّنَه (٦).

стр. 3436

والمعْنَى يَقْتضِيها؛ لِحاجةِ النَّاس (١) إلَيها؛ لأِنَّه يَتَعذَّرُ عَلَيهم حِفْظُ جَميعِ أمْوالهم بأنفُسهم. ويُسْتَحَبُّ أخْذُها لِمَنْ عَلِمَ أنَّه ثِقَةٌ قادِرٌ على حِفْظِها، وتُكرَه (٢) لِغَيرِه إلاَّ بِرِضا ربِّه. وتَنفَسِخُ بِمَوتٍ، وجُنونٍ، وعَزْلٍ مع عِلْمِه. فإنْ بَطَلَتْ؛ بَقِيَ المالُ في يَدِه أمانةً يُودِّيه إلى مالِكِه. فإنْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ؛ فَهَدَرٌ، وإنْ تَلِفَ بَعْدَه؛ فَوَجْهانِ. ولا يَصِحُّ الإيداعُ والاِسْتِيداعُ إلاَّ مِنْ جائِزِ التَّصرُّف في مالِهِ وتَبَرُّعِه به. (وَهِيَ أَمَانَةٌ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]. (وَلَا (٣) ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا)؛ لِمَا روى (٤) عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيهِ، عَنْ جَدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً؛ فَلَا ضَمانَ عَلَيهِ» رواه ابنُ ماجَهْ (٥)،

стр. 3437

ولأِنَّ (١) المسْتَوْدَعَ يَحفَظُها لِمالِكِها، فلو ضُمِنَتْ؛ لَامْتَنَع النَّاسُ من الدُّخول فِيها، وذلك مُضِرٌّ؛ لِمَا فِيه مِنْ مَسِيسِ الحاجَةِ إلَيها، (إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّى (٢)، فيَضمَنُها بِغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (٣)؛ لأِنَّه مُتْلِفٌ لِمالِ غَيرِه، فضَمِنَه (٤)؛ كما لَوْ أتْلَفَه مِنْ غَيرِ اسْتِيداعٍ. (وَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، وهي قَولُ أكثرِ العُلَماء؛ لِمَا ذَكَرْنا، ولأِنَّ المسْتَوْدَعَ مُؤتَمَنٌ، فلم يَضمَنْ ما تَلِفَ مِنْ غَيرِ تَعدِّيهِ ولا تَفْريطِه، وسَواءٌ ذَهَبَ مَعَها مِنْ ماله شَيءٌ أوْ لَا. والثَّانيةُ: يَضمَنُ إذا تَلِفَتْ مِنْ بَينِ مالِه؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، حدثنا هُشَيمٌ، أنا حُمَيدٌ الطَّويلُ، عن أَنَسٍ: «أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّاب ضَمَّنَه وديعةً ذَهَبَتْ مِنْ بَينِ مالِه» (٥). والأُولَى أصحُّ، قاله القاضِي؛ لأِنَّ الضَّمانَ يُنافِي الأمانةَ، وحَديثُ عُمَرَ مَحمولٌ على التَّفريط مِنْ أَنَسٍ في حِفْظِها، فلا مُنافَاةَ. (وَيَلْزَمُه حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا) عُرْفًا؛ كَسَرِقَةٍ، وكما يَحفَظُ مالَه، ولأِنَّه

стр. 3438

تعالى (١) أَمَرَ بأدائها، ولا يُمْكِنُ ذلك إلاَّ بالحِفْظ، وفي «الرِّعاية»: مَنِ اسْتُودِعَ شَيئًا؛ حَفِظَه في حِرْزِ مِثْلِه عاجِلاً مع القُدْرةِ، وإلاَّ ضمِنَ. وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يَحفَظْها في حِرْزِ مِثْلِها؛ أنَّه يَضمَنُ؛ لأِنَّه مُفرِّطٌ. وإنْ وَضَعَها في حِرْزٍ، ثُمَّ نَقَلَها عنه إلى حِرْزِ مِثْلِها؛ لم يَضْمَنْها؛ لأِنَّ صاحِبَها رَدَّ حِفْظَها إلى اجْتِهاده. فلَوْ كانَت العَينُ في بَيتِ مالِكِها، فقال لآخر (٢): احْفَظْها في مَوضِعِها، فَنَقَلَها عنه لغَيرِ خَوفٍ؛ ضَمِنَ؛ لأِنَّه لَيسَ بِمُودَعٍ، وإنَّما هو وَكِيلٌ في حِفْظها في مَوضِعِها. (وَإِنْ (٣) عَيَّنَ صَاحِبُهَا حِرْزًا، فَجَعَلَهَا فِي دُونِهِ؛ ضَمِنَ)، سَواءٌ ردَّها إليه أوْ لَا؛ لأِنَّه خالَفَه في حِفْظِ مالِه، ومُقْتَضاهُ: أنَّه إذا حَفِظَها فِيمَا عَيَّنَه، ولم يَخْشَ عَلَيها؛ فلا ضَمانَ عَلَيهِ بغَيرِ خِلافٍ (٤)؛ لأِنَّه مُمْتَثِلٌ غَيرُ مُفَرِّطٍ. (وَإِنْ أَحْرَزَهَا بِمِثْلِهِ أَوْ فَوْقَهُ) بلا حاجةٍ؛ كلُبْسِ خاتمٍ في خِنْصِرٍ، فَلَبِسَه في بِنصِرٍ، لا عَكْسِه؛ (لَمْ يَضْمَنْ) على المذْهَب؛ لأِنَّ تَقْيِيدَه بهذا الحِرْزِ يَقْتَضِي ما هو مِثْلُه، كَمَنِ اكْتَرَى لزَرْعِ حِنْطَةٍ، فلَهُ زَرْعُها وزَرْعُ مِثْلِها في الضَّرر فَمَا فَوقَه مِنْ بابِ أَوْلَى. (وَقِيلَ: يَضْمَنُ)، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، وحَكاهُ في «التَّبْصِرةِ» رِوايةً (٥)، قال في رِوايةِ حَرْبٍ: إذا خالَفَ في الوَدِيعَة فهو ضامِنٌ (٦)؛ لأِنَّه خالَفَ أمْرَ صاحِبِها مِنْ غَيرِ حاجةٍ، أشْبَهَ ما لَوْ نَهاهُ.

стр. 3439

(إِلاَّ أَنْ يَفْعَلَهُ لِحَاجَةٍ)، كما لَوْ خافَ عَلَيها مِنْ سَيلٍ أوْ حَرِيقٍ؛ لأِنَّه لا يُعَدُّ مُفَرِّطًا. والْأَوْلَى: إنْ نَقَلَها إلى الأعْلَى لم يَضمَنْ؛ لأِنَّه زادَهُ خَيرًا، لا إنْ نَقَلَها إلى المُساوِي؛ لِعَدَمِ الفائدةِ. قال في «التَّلخيص»: أصْحابُنا لم يُفَرِّقوا بَينَ تَلَفِها بسبَبِ النَّقْل وبَينَ تَلَفِها بغَيرِه، قال: وعِنْدِي أنَّه إذا حصل التَّلَفُ بسبَبِ النَّقْل؛ كانْهِدام البَيْتِ المنْقولِ إلَيهِ؛ ضَمِنَ. (فَإِنْ (١) نَهَاهُ عَنْ إِخْرَاجِهَا، فَأَخْرَجَهَا لِغِشْيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ التَّوَى)؛ أي: الهلاك؛ (لَمْ يَضْمَنْ)؛ لأِنَّ حِفْظَها نَقْلُها، وتَرْكَها تَضْيِيعٌ لها، وهذا إذا وَضَعَها في حِرْزِ مِثْلِها أوْ فوقه (٢). فإن تَعَذَّر، وأحْرَزَها في دُونِه؛ فلا ضَمانَ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح» والحارِثِيُّ. وَمُقْتَضاهُ: أنَّه يَلزَمُه إخْراجُها عِنْدَ الخَوف؛ لأِنَّ النَّهيَ لِلاِحْتِياطِ عَلَيها، وهو إذَنْ نَقْلُها. (وَإِنْ تَرَكَهَا فَتَلِفَتْ؛ ضَمِنَ)، سَواءٌ تَلِفَتْ بالأمْرِ المَخُوفِ أوْ بغَيرِه؛ لأِنَّه مُفرِّطٌ. وقِيلَ: لا يَضمَنُ؛ لاِمْتِثالِه أمْرَ صاحِبِها. (وَإِنْ أَخْرَجَهَا لِغَيْرِ خَوْفٍ؛ ضَمِنَ)؛ لأِنَّه خَالَفَ نَصَّ صاحِبِها لغَيرِ فائدةٍ، ولو أَخْرَجَها إلى مِثْلِه أوْ فَوْقَه، صرَّح به في «الشَّرح» وغَيره. وقِيلَ: لا يَضمَنُ، كما لو يُعيِّن (٣) له حِرْزًا.

стр. 3440

(فَإِنْ قَالَ: لَا تُخْرِجْهَا وَإِنْ خِفْتَ عَلَيْهَا، فَأَخْرَجَهَا عِنْدَ الْخَوْفِ، أَوْ تَرَكَهَا؛ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لأِنَّه إذا أخْرَجَها فقد زاده خَيرًا بحِفْظها؛ إذِ المقْصودُ المبالَغَةُ في حِفْظِها، وإنْ تَرَكَها؛ فلا شَيءَ عَلَيهِ؛ لأِنَّ صاحِبَها صرَّح له بِتَرْكِها مع الخَوفِ، فكأنَّه رَضِيَ بإتْلافِها. وقِيلَ: إنْ وافَقَه أوْ خالَفَه؛ ضَمِنَ؛ كإخْراجِها لِغَيرِ خَوفٍ. وهذا جارٍ فِيمَا إذا قال: لا تقفل (١) عَلَيها قُفْلَينِ، أوْ لا تَنَمْ فَوقَه، صرَّح به في «الرعاية». فَرْعٌ: إذا أخْرَجَ الوَدِيعةَ المنْهِيَّ عن إخْراجِها فَتَلِفَتْ، فَادَّعَى أنَّه أخْرَجَها لِغِشْيانِ شَيءٍ الغالِبُ منه الهَلاكُ، وأنْكَرَ صاحِبُها وُجودَه؛ فَعَلَى المسْتَودَعِ البَيِّنَةُ إنْ كان مِمَّا لا تَتَعذَّر إقامةُ البَيِّنة عَلَيهِ لِظُهورِه، ويُقبَلُ قَولُه في التَّلَف مَعَ يَمِينِه. (وَإِنْ (٢) أَوْدَعَهُ بَهِيمَةً فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ؛ ضَمِنَ)؛ لأِنَّ العَلَفَ مِنْ كمالِ الحِفْظ، بل هو الحِفْظُ بِعَينِه؛ لأِنَّ العُرْفَ يَقْتَضِي عَلْفَها وسَقْيَها، فكأنَّه مأْمورٌ به عُرْفًا. وقِيلَ: لا يَضمَنُ، كَ: لَا تَعْلِفْهَا. والأوَّلُ هو المشْهُورُ. (إِلاَّ أَنْ يَنْهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ عَلْفِهَا)؛ لأِنَّ مالِكَها أَذِنَ في إتْلافِها، أشْبَهَ ما لو أمَرَه بِقَتْلها، لكِنْ إذا نَهاهُ عن عَلْفِها فتركه (٣)؛ أَثِمَ؛ لِحُرْمة الحَيَوانِ، فإنْ أَمَرَه به؛ لَزِمَه. وقِيلَ: يَلزمُه بقَبولِه، ويُعْتَبَر حاكِمٌ، وفي «المنتخب»: لَا.

стр. 3441

فَرْعٌ: إذا عَلَفَ الدَّابَّةَ، أوْ سَقَاهَا في دارِه أوْ غَيرِها بنَفْسِه، أوْ غُلامِه، على ما جَرَتْ به العادةُ؛ فلا ضَمانَ عَلَيه؛ لأِنَّه مأْذُونٌ فيه عُرْفًا. والحُكْمُ في النَّفقة والرُّجوع؛ كالحُكْم في نَفَقة البهيمة المرْهُونَةِ؛ لأِنَّها أمانةٌ مِثْلُها. (فَإِنْ قَالَ: اتْرُكِ الْوَدِيعَةَ فِي جَيْبِكَ، فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ)، أوْ يَدِهِ؛ (ضَمِنَ)؛ لأِنَّ الجَيبَ أحْرَزُ، وربَّما نَسِيَ فَسَقَطَ منه. (وَإِنْ قَالَ: اتْرُكْهَا فِي كُمِّكَ)، أوْ يَدِكَ، (فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لأِنَّه أحْرَز، (وَإِنْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ؛ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ)، كذا في «الفروع»: أظْهَرُهما: يَضمَنُ؛ لأِنَّ اليَدَ يَسقُط منها الشَّيءُ بالنِّسْيان، بخِلاف الكُمِّ. والثَّاني: لا يَضمَنُ؛ لأِنَّ اليَدَ أحْرَزُ من الكُمِّ؛ لأِنَّه يَتطَرَّقُ إليه البطُّ. وكذا الخِلافُ إذا عَيَّنَ يَدَه، فَتَرَكَها في كُمِّه. وقال القاضِي: اليَدُ أحْرَزُ عند المغالَبة، والكُمُّ أحْرَزُ عِنْدَ غَيرِها، فإنْ تَرَكَها في يَدِه عِنْدَ المغالَبَةِ؛ فلا ضَمانَ عَلَيهِ؛ لأِنَّه زادَهُ خَيرًا، وإلاَّ ضَمِنَها؛ لنَقْلِها إلى أدْنَى مِمَّا أُمِرَ به. فإنْ أَمَرَه بحِفْظها مطلَقًا، فَتَرَكَها في جَيبِه، أوْ يَدِه، أوْ شَدَّها في كُمِّه، أوْ عَضُده، وقِيلَ: مِنْ جانِبِ الجَيب، أوْ تَرَكَ في كُمِّه ثَقِيلاً بغَيرِ شَدٍّ، أوْ تَرَكَها في وَسَطِه؛ لم يَضمَنْ. وفي «الفصول»: إنْ تَرَكَها في رأسه، أوْ غَرَزَها في عِمامَته، أوْ تَحْتَ قَلَنْسُوَتِه؛ احْتَمَل أنَّه حرز (١). تنبيه: إذا قال: اتْرُكْها في بَيتِكَ، فَشَدَّها في ثِيابِه وأخْرَجَها (٢) معه؛

стр. 3442

ضَمِنَ؛ لأِنَّ البَيتَ أحْرَزُ. وإنْ قال: لا يَدخُلْ (١) بَيتَ الوَدِيعةِ أحَدٌ، فخالَفَه، وسَرَقَها الدَّاخِلُ؛ ضَمِنَ؛ لأِنَّه ربَّما شاهَدَهَا في دُخول البَيت، وإنْ سَرَقَها غَيرُ الدَّاخِلِ؛ فَلَا في الأصحِّ؛ لأِنَّ فِعْلَه لم يَكُنْ سَببًا لِإِتْلافها. وقيل: بلى، جَزَمَ به في «الكافي» وغيره؛ لأِنَّه ربَّما دلَّ السَّارِقَ عَلَيها. (وَإِنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ)، أوْ مالَ ربِّها عادةً؛ (كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)؛ لأِنَّه مُودَعٌ، فله أنْ يَحفَظَها بِنَفْسه، وبِمَنْ جَرَت العادةُ بحِفْظ مالِه، وكوكيلِ ربِّها، وألْحَق بهما (٣) في «الرَّوضة»: الوَلَدَ، وهو ظاهِرٌ، وكما لو دَفَعَ الماشِيَة إلى الرَّاعِي، أو البَهيمةَ إلى غُلامِه لِيَسْقِيَها. وقِيلَ: يَضمَنُ، كما لو دَفَعَها إلى أجْنَبِيٍّ. وعلى الأوَّلِ: يُصدَّقُ في دَعْوَى الرَّدِّ أو التَّلَفِ؛ كالمودَعِ. (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ) لِعُذْرٍ؛ لم يَضمَنْ، وإلاَّ (ضَمِنَ)؛ لأِنَّه مُودَعٌ، ولَيسَ له أنْ يُودِعَ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ، ولَعلَّه غَيرُ ظاهِرٍ في الحاكِم. (وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ) إذا تَلِفَتْ (مُطَالَبَةُ الْأَجْنَبِيِّ)؛ لأِنَّ المودَعَ ضَمِنَ بنَفْس الدَّفْع والإعْراض عن الحِفْظ، فلا يَجِبُ على الثَّاني؛ لأِنَّ دَفْعًا واحِدًا لا يُوجِبُ ضَمانَينِ، بخِلافِ غاصِب الغاصب؛ لأِنَّ يَدَهُ ضامِنَةٌ، فترتَّب (٤) عليه الضَّمانُ. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ)، وهو أقْرَبُ إلى الصَّواب (٥)؛ لأِنَّه قَبَضَ ما لَيسَ

стр. 3443

له قَبضُه، أشْبَهَ المودَعَ من الغاصِب، وكما لو دَفَعَها إلى إنْسانٍ هِبَةً، وعَلَيهِ: للمالك مُطالَبَةُ مَنْ شاء مِنْهما، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الثَّاني إنْ عَلِمَ، وإلاَّ فَعَلَى الأوَّل. وجزم في «الوجيز»: أنَّهما لا يُطالَبانِ إنْ جَهِلا. ويَتَخرَّج من (١) روايةِ تَوكِيلِ الوَكيلِ: له الإيداعُ بِلا عُذْرٍ، وهو مُقيَّدٌ بما إذا لم يَنْهَه. (وَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا، أَوْ خَافَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ؛ رَدَّهَا إِلَى (٢) مَالِكِهَا)، أوْ وَكِيلِه فِيها؛ لأِنَّ في ذلك تَخْلِيصًا له من دَركِها، ومُقْتَضاهُ: أنَّه إذا دَفَعَها إلى الحاكِمِ؛ يَضمَنُ؛ لأِنَّه لا وِلايَةَ له على الحاضر. وتَلزَمُه (٣) مُؤْنَةُ الرَّدِّ، وفي مُؤْنَةِ رَدٍّ مِنْ بُعْدٍ خِلافٌ. (فَإِنْ (٤) لَمْ يَجِدْهُ؛ حَمَلَهَا مَعَهُ) في السَّفَر، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، سَواءٌ كان لِضَرورةٍ أوْ لِغَيرِها، (إِنْ كَانَ أَحْفَظَ لَهَا)؛ لأِنَّ المقْصودَ الحِفْظُ، وهو مَوجُودٌ هنا وزيادةٌ، وشَرْطُه: إذا لم يُنْهَ عنه، ولا خَوفَ، وفي «المبهج» و «الموجز»: والغالِبُ السَّلامةُ، زاد في «عُيون المسائل» و «الانتصار»: كأبٍ وَوَصِيٍّ. وله ما أنْفَقَ بِنِيَّة الرُّجوعِ، قالَهُ القاضِي، ويَتَوجَّه؛ كنظائره، وقيل: مع غَيبةِ ربِّها أو وكيله (٦) إنْ كان أحْرَزَ. وإنِ اسْتَوَيا؛ فَوجْهانِ. (وَإِلاَّ) أي: وإنْ لم يكُنْ أحْفَظَ لها، ولم يُنْهَ عنه؛ (دَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ)

стр. 3444

لأِنَّ في السَّفَر بها غَرَرًا؛ لأِنَّه بِعَرَضِيَّةِ النَّهْبِ وغَيرِه؛ إذِ الحاكِمُ يَقومُ مَقامَ صاحِبِها عِنْدَ غَيبته، وفي لُزومه قَبولُها؛ وجْهانِ. وظاهِرُه: أنَّه إذا أوْدَعَها مع قُدْرته على الحاكم؛ أنَّه يَضمَنُها؛ لأِنَّه لا وِلايَةَ له. وقيل: لا يضمَنُ إذا أوْدَعَها ثِقَةً، وذكره (١) الحُلْوانِيُّ رِوايةً؛ لأِنَّه قد يكون أحْفَظَ لها وأحبَّ إلى مالكها، وكتعذُّرِ حاكِمٍ في الأصحِّ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ)؛ أيْ: لم يَقْدِرْ على الحاكم؛ (أَوْدَعَهَا ثِقَةً)؛ «لِفِعْله ﵇ لَمَّا أراد أنْ يُهاجِرَ، أَوْدَعَ الودائعَ التي كانَتْ عِندَه لِأُمِّ أيْمَنَ ﵂» (٢)، ولأِنَّه مَوضِعُ حاجةٍ. وأطْلَقَ أحمدُ الإيداعَ عِنْدَ غَيرِه لِخَوفه عليها، وحَمَلَها القاضي على المقيم لا المسافِر. فَرْعٌ: حُكْمُ مَنْ حَضَرَه الموتُ؛ حُكْمُ مَنْ أراد سَفَرًا في دَفْعِها إلى حاكِمٍ أوْ ثِقَةٍ. (أَوْ دَفَنَهَا وَأَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارَ)؛ لأِنَّ الحِفْظَ يحصل (٣) به. (فَإِنْ دَفَنَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا)؛ ضَمِن؛ لأِنَّه فَرَّط في الحِفْظ، فإنَّه قد

стр. 3445

يَموتُ في سَفَره فلا تَصِلُ إلى صاحِبِها، ورُبَّما نَسِيَ مَوضِعَها، أوْ أصابَها آفةٌ، وكذا إنْ أعْلَمَ بها غَيرَ ثِقَةٍ؛ لأِنَّه ربَّما أَخَذَها، ولم يُصرِّحْ به المؤلِّفُ اكْتِفاءً بمَفْهوم الأوَّلِ. (أَوْ أَعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ)؛ أي: من لا يَدَ (١) لَهُ على المكان؛ (ضَمِنَهَا)؛ لأِنَّه لم يُودِعْها إيَّاهُ، ولا يَقْدِرُ على الاِحْتِفاظ بها. (وَإِنْ تَعَدَّى فِيهَا، فَرَكِبَ الدَّابَّةَ لِغَيْرِ نَفْعِهَا، وَلَبِسَ الثَّوْبَ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا ثُمَّ رَدَّهَا) بِنِيَّةِ الأمانة؛ ضَمِنَها؛ لِتَصرُّفه في مالِ غَيرِه بغَيرِ إذْنه. وفِيهِ وَجْهٌ؛ لأِنَّه مُمْسِكٌ لها بإذْن مالِكِها، أشْبَهَ ما قَبْلَ التَّعَدِّي. وجَوابُه: أنَّه ضَمِنَها بعُدوانٍ، فبَطَل الاِسْتِئْمانُ؛ كما لو جَحَدَها ثُمَّ أقرَّ بها. ويُخرَّج منه ما إذا اسْتَعْمَلَها لِنَفْعها؛ كلُبْسِ صُوفٍ ونحوِه؛ خَوفًا مِنْ عُثٍّ (٢) ونحوِه. (أَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا)؛ لأِنَّه بجحدها (٣) خَرَجَ عن (٤) الاِسْتِئْمانِ عنها، فلم يَزُلْ عنه الضَّمانُ بالإقرار بها؛ لأِنَّ يَدَه صارت يَدَ عُدْوانٍ. (أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا)، أوْ كانَتْ مشدودةً فأزال الشَّدَّ، أوْ مَقْفولةً فأزاله، وسَواءٌ أخرج منها شَيئًا أوْ لَا؛ لهتكه الحِرْزَ بفِعْلٍ تَعَدَّى فيه. وفيه روايةٌ: لا يَضمَنُ. فإنْ خَرَقَ الكِيسَ فَوقَ الشَّدِّ؛ فَعَلَيهِ ضَمانُ ما خَرَقَ فقطْ؛ لأِنَّه لم يَهْتِك الحِرْزَ.

стр. 3446

(أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ)؛ كزَيتٍ بِزَيتٍ، ودَراهِمَ بدراهِمَ؛ (ضَمِنَهَا)؛ لأِنَّه صَيَّرَها في حُكْمِ التَّالِف، وفَوَّتَ على نَفْسه رَدَّها، أشْبَه ما لو ألْقاها في لُجَّةِ بَحْرٍ. وسَواءٌ خَلَطَها بمالِه أو مالِ غَيرِه، بمِثْلِها أوْ دُونِها أوْ أَجْودَ. ونَقَلَ عبدُ الله بن محمَّدٍ البَغَوِيُّ عن أحمدَ: في رجلٍ أعْطَى آخَرَ دِرْهَمًا يَشْتَرِي له به شَيئًا، فَخَلَطَه مع دراهمه، فَضَاعَا، قال: لَيسَ عَلَيهِ شَيءٌ (١)، ذَكَرَه القاضي، ولم يَتأوَّلْه في «النوادر»، وذَكَرَه الحُلْوانِيُّ ظاهِرَ كلامِ الخِرَقِيِّ، وجَزَمَ به في «المنثور» عن أحمدَ، قال: لأِنَّه خَلَطَه بمالِه، فإن لم يَدْرِ أيُّهما ضَاعَ ضَمِنَ، نَقَلَه البَغَوِيُّ (٢). وفي «الرِّعاية»: إذا خَلَطَ إحْدَى وَدِيعَتَيْ زَيدٍ بالأُخْرى بلا إذْنٍ وتعذَّر التَّمْييزُ؛ فَوَجْهانِ. فَرْعٌ: إذا نَوَى التَّعَدِّيَ فيها ولم يَتَعَدَّ؛ لم يَضْمَنْ. وحَكَى القاضِي قَولاً: بلى، كملتقط في وَجْهٍ. (وَإِنْ خَلَطَهَا بِمُتَمَيِّزٍ)؛ كدَراهِمَ بدَنانِيرَ؛ لم يَضمَنْ على الأصحِّ، وحكاهُ في «الشَّرح» بغَير خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأِنَّه لا يَعجِزُ بذلك عن رَدِّها، أشْبَهَ ما لو تَرَكَها في صُندُوقٍ فيه أكْياسٌ له. والثَّانيةُ: يَضمَنُ؛ للتَّصرُّف فيها. وكذا الخلاف إنْ خَلَطَ بِيضًا بِسُودٍ، وصِحاحًا بمُكَسَّرةٍ. والثَّالثَةُ: يَضْمَنُ إنْ خَلَطَ بِيضًا بِسُودٍ، وحَمَلَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»: على أنَّها تَكْتَسِبُ منها سَوادًا، ويَتَغيَّرُ لَونُها. (أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَسْقِيَهَا)، أوْ لِيَعْلِفَها؛ (لَمْ يَضْمَنْ)؛ لأِنَّه مأْذُونٌ فيه شَرْعًا

стр. 3447

وعرفًا (١)، ولهذا يَضمَنُ إذا تَلِفَتْ بِتَرْكِه. (وَإِنْ أَخَذَ دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ؛ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ) في الأصحِّ؛ لأِنَّ الضَّمانَ تعلَّق بالأخْذ، فلم يَضْمَنْ غَيرَ ما أَخَذَه، بدليلِ ما لَوْ تَلِفَ في يَدِه قَبْلَ رَدِّه. (وَعَنْهُ: يَضْمَنُ الْجَمِيعَ)، حكاها في «التَّلخيص» وغيره؛ لأِنَّها وديعةٌ قد تعدَّى فيها، فضَمِنَها؛ كما لو أخَذَ الجميعَ. (وَإِنْ رَدَّ بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا؛ فَكَذَلِكَ)؛ أيْ: يَجْرِي فيه الخِلافُ السَّابِقُ، (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ؛ ضَمِنَ الْجَمِيعَ) على المذْهَب، وقالَه القاضِي، كَخَلْطِه الوَدِيعةَ بما لا تَتَمَيَّزُ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَضْمَنَ غَيْرَهُ)، وهو مُقْتَضَى كلامِ الخِرَقِيِّ، وقَطَعَ به القاضِي في «التَّعليق»، وحُكِيَ عنه في رواية الأثْرَمِ: أنَّه أنْكَرَ القَولَ بتَضْمِينِ الجَمِيعِ، وقال (٢): إنَّه (٣) قَولُ سَوْءٍ (٤)؛ لأِنَّ الضَّمانَ مَنُوطٌ بالتَّعَدِّي، وهو مُخْتَصٌّ بالمأْخُوذِ. وكذا إنْ أَذِنَ في أخْذِه منها، فردَّ بَدَلَه بلا إذْنِه. وشَرْطُها - كما جَزَمَ به (٥) في «المغْنِي» و «الشَّرح» -: إذا كانَتْ غَيرَ مَخْتومَةٍ ولا مَشْدُودَةٍ، فإنْ كانَتْ كذلك؛ ضَمِنَ الجَميعَ؛ لِهَتْكِ (٦) الحِرْز، وهذا هو الصَّحيحُ عند القاضِي، وقِياسُ قَولِ الأصْحابِ. فَرْعٌ: إذا مَنَعَها بَعْدَ طَلَب طالِبِها شَرْعًا والتَّمَكُّنِ، ولو كان مُسْتأْجِرًا لها؛

стр. 3448

ضَمِنَ، فإنْ ضَمِنَهَا فَجَدَّد (١) له صاحبُها اسْتِئْمانًا، أوْ أبْرَأَه؛ بَرِئَ في الأصحِّ؛ كردِّه إلَيهِ، أوْ إنْ جِئْتَ ثُمَّ تركت فأنت أمِينِي، ذَكَرَه في «الانتصار»، فإنْ ردَّها؛ فهو ابْتِدَاءُ اسْتِئْمانٍ. (وَإِنْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ وَدِيعَةً؛ ضَمِنَهَا)؛ لأِنَّه أخَذَ مالَ غَيرِه بغَيرِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ، أشْبَهَ ما لو غَصَبَه، ما لم يَكُنْ مأْذُونًا له في التَّصرُّف، (وَلَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى وَلِيِّهِ)؛ أي: النَّاظر في ماله، كما لو كان عَلَيهِ دَينٌ في ذِمَّته. وظاهِرُه: أنَّه لا يَزُولُ عنه الضَّمانُ بردِّها إلى المودِع. لكِنْ إنْ خافَ عَلَيها التَّلَفَ إنْ لم يأْخُذْها؛ لم يَضْمَن؛ لأِنَّه قَصَدَ تَخْليصَها من الهلاك، جَزَمَ به في «الشَّرح» و «الوجيز». (وَإِنْ أَوْدَعَ (٢) الصَّبِيَّ)، أو المعْتُوهَ، أو السَّفِيهَ (وَدِيعَةً، فَتَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لأِنَّ مالِكَها قد فَرَّطَ في تَسْليمِها إلَيهِ. (وَإِنْ أَتْلَفَهَا؛ لَمْ يَضْمَنْ)، سَواءٌ أتْلَفَها بأكْلٍ أوْ غَيرِه؛ لأِنَّه سَلَّطَه على إتْلافها بِدَفْعها إلَيهِ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُ)، نَصَرَه في «الشَّرح» وغَيره؛ لأِنَّ ما ضُمِنَ بالإتْلاف قَبْلَ الإيداع؛ ضُمِنَ به بَعْدَه، وقَولُهم: إنَّه سَلَّطَه عليها؛ لَيسَ كذلك، وإنَّما اسْتَحْفَظَه إيَّاها. (وَإِنْ أَوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً، فَأَتْلَفَهَا؛ ضَمِنَهَا فِي رَقَبَتِهِ)؛ لأِنَّ العَبْدَ مُكلَّفٌ، فصحَّ اسْتِحْفاظُهُ، وبه يَحصُل الفرق (٣) بَينَه وبَينَ الصَّبِيِّ، وكَونُها في رَقَبَته؛ لأِنَّ إتْلافَه مِنْ جنايَتِه. وحكى في «النِّهاية»: أنَّ القاضِيَ قال: فِيهِ وَجْهانِ؛ كَوَديعةِ الصَّبِيِّ إذا

стр. 3449

أتْلَفَها، فإنْ قُلْنا: لا يَضمَنُ الصَّبِيُّ؛ كان في ذِمَّتِه، وإنْ قُلْنا: يَضمَنُ؛ كانَتْ في رَقَبَته، ثُمَّ قال صاحبُ «النِّهاية»: والصَّحيحُ الفَرْقُ.

стр. 3450

(فَصْلٌ) (وَالْمُودَعُ أَمِينٌ)؛ لأِنَّ الله تعالى سمَّاها أمانةً بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاء: ٥٨]. (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ) مع يَمِينِه، وهو قَولُ الثَّورِيِّ؛ لأِنَّه لا مَنفَعَةَ له في قَبْضِها، فقُبِلَ قَولُه بغَيرِ بَيِّنةٍ. وعَنْهُ: يُقبَلُ قَولُه إنْ كان دَفَعَها إلَيهِ بغَيرِ بيِّنةٍ، وإلاَّ وَجَبَ عَلَيهِ إقامَتُها. وعلى القَبول: ولو على (١) يَدِ عبْدِه، أوْ زَوجَتِه، أوْ خازِنِه. (وَتَلَفٍ)، قال ابنُ المنذِر: أجْمعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه أنَّ المسْتَوْدَعَ إذا أحْرَزَ الوديعةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّها ضاعَتْ؛ قُبِلَ قَولُه مع يَمِينِه، قالَهُ الأكْثرُ (٢). وعنه: يُصدَّق في تَلَفِها بغَيرِ يَمينٍ. والمذْهَبُ: إنِ ادَّعاهُ بأمْرٍ خَفِيٍّ؛ صُدِّق مع يَمِينِه، وإنْ كانَ بأمْرٍ ظاهِرٍ؛ كحَرِيقٍ؛ فلا يُقبَلُ إلاَّ بِبَيِّنةٍ تَشْهَدُ بِوُجودِ السَّبَب، ولو باسْتِفاضةٍ. كلُّ مالٍ تَلِفَ في يَدِ أمِينٍ من غَيرِ تَعَدٍّ؛ لا ضَمانَ فِيهِ، إلاَّ في مسألةٍ واحدةٍ، وهي ما إذا اسْتَسْلَف السُّلْطانُ للمَساكِينِ زكاةً قَبْلَ حَولِها، فَتَلِفَتْ في يَدِه؛ ضَمِنَها للمَساكِينِ، نَصَّ عَلَيهِ، قالَهُ ابنُ القاصِّ الشافعي (٣).

стр. 3451

(وَإِذْنٍ فِي دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ)؛ بِأَنْ قال: دَفَعْتُها إلى فُلان (١) بأمْرِك، فأنْكَرَ مالِكُها الإذْنَ في دَفْعها؛ قُبِلَ قَولُ المودَعِ، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ ابنِ مَنصورٍ (٢)، أشْبَهَ ما لو ادَّعى ردَّها على مالِكِها. ولو اعْتَرَف بالإذْنِ، وأنْكَرَ الدَّفْعَ؛ قُبِلَ قَولُ المسْتَودَع في المنْصُوص (٣)، ثُمَّ يُنظَرُ في المدْفوعِ إلَيهِ، إنْ أقرَّ بالقَبْض، وكان الدَّفْعُ في دَينٍ؛ بَرِئَ الكُلُّ، وإن (٤) أنْكَرَ؛ قُبِل قَولُه مع يَمِينِه. وذَكَرَ أصْحابُنا: أنَّ الدَّافِعَ يَضمَنُ؛ لكَونِه قَضَى الدَّينَ بغَيرِ بَيِّنةٍ، ولا تَجِبُ اليَمِينُ على المالِكِ؛ لأِنَّ المودَعَ مفرط (٥)؛ لكَونه أَذِنَ له في قَضاءٍ يُبْرِئُه من الحقِّ، ولم يَبرَأْ بدَفْعِه، فكان ضامنًا (٦)، سَواءٌ صدَّقَه أوْ كذَّبَه. وذَكَرَ الأَزَجِيُّ: أنَّ الرَّدَّ (٧) إلى رسولِ مُوكِّلٍ ومُودِعٍ، فأنْكَرَ الموكِّلُ؛ ضَمِنَ؛ لتَعلُّق الدَّفْع بثالِثٍ، ويَحتَمِل: لا. وإنْ أقرَّ، وقال: قَصَّرْتُ لتَرْك الإشْهادِ؛ احْتَمَلَ وَجْهَينِ. تنبيهٌ: إذا أخَّر ردَّها بَعْدَ طَلَبِها بلا عُذْرٍ؛ ضَمِنَ، ويُمْهَلُ لأِكْلٍ، ونَوْمٍ، وهَضْمِ طعامٍ بقَدْره، وفي «الترغيب»: إنْ أخَّرَ لكَونه في حمَّامٍ، أوْ على طَعامٍ إلى قَضاءِ غَرضه (٨)؛ ضَمِنَ، وإنْ لم يَأْثَمْ على وَجْهٍ، واخْتارَه الأَزَجِيُّ. وإنْ أمَرَه بالدَّفْع إلى وكيله، فتمكَّن وأبَى؛ ضَمِنَ، والأصحُّ: ولو لم

стр. 3452

يَطْلُبْها وكيلُه. (وَإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا، أَوْ ثَبَتَتْ (١) بِبَيِّنَةٍ، فادَّعَى الرَّدَّ أَوِ التَّلَفَ؛ لَمْ يُقْبَلْ) في قَولِ أكْثرِهِم؛ لأِنَّه صار ضامِنًا بالجُحود، ومُعْتَرِفًا على نفسه بالكَذِب المنافِي للأمانةِ، (وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً)؛ لأِنَّه مُكذِّبٌ لها. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُقْبَلَ بِبَيِّنَةٍ)؛ لأِنَّ صاحِبَها لو أقرَّ بذلك؛ سَقَطَ عنه الضَّمانُ، ولِعَدَم التُّهمة، والكَذِبُ الصَّادِرُ منه لا يَمنَعُ من إظْهارِ الحقِّ. والمذْهَبُ: أنَّه إذا أقام بَيِّنةً بهما، مُتقدِّمًا جُحودَه؛ لم تُسْمَعْ في المنصوص (٢)، وبعدَه؛ تُسْمَعُ بِرَدٍّ؛ لأِنَّ قُصاراهُ أنْ يكونَ عاصِيًا، ولَيسَ عَلَيه أكثرُ من الرَّدِّ. والأصحُّ: وبِتَلَفٍ (٣)، فلو شَهِدَتْ به ولم تُعَيِّنْ (٤) وقْتًا؛ لم يَسقُطِ الضَّمانُ؛ لأِنَّ الأصلَ وُجوبُه، فلا ينتفي (٥) بأمْرٍ مُتَرَدِّدٍ. (وَإِنْ قَالَ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ) مع يَمِينِه، (فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ)؛ لأِنَّ قَولَه لا يُنافِي ما شَهِدَتْ به البَيِّنةُ، ولا يُكذِّبُها، فإنَّ مَنْ تَلِفَت الوديعةُ مِنْ حِرْزه بغَيرِ تَفْرِيطِه، أوْ رَدَّها؛ لا شَيءَ لِمالِكها عِندَه، ولا يَستَحِقُّ عَلَيهِ شَيئًا. ولو قالَ: لك وديعةٌ، ثُمَّ ادَّعَى ظَنَّ البَقاء، ثُمَّ عَلِمَ تَلَفَها؛ فَوَجْهانِ. (وَإِنْ مَاتَ الْمُودَعُ)؛ فهي دَينٌ في تَرِكَتِه على الأصحِّ، وفي «المغْنِي»: أنَّه المذْهَبُ؛ اعْتِمادًا على أصْلِ وُجوبِ الرَّدِّ، ما لم يُعلَمْ ما يزيله (٦).

стр. 3453

والثَّانيةُ: لا ضَمانَ؛ لأِنَّ الأصْلَ عَدَمُ إتْلافِها والتعدي (١) فِيهَا، فيَنْتَفِي الضَّمانُ. وعلى الأوَّل: لا (٢) فَرْقَ أنْ تُوجَدَ جِنسُ الوديعة في ماله أوْ لَا. (فَادَّعَى (٣) وَارِثُهُ الرَّدَّ؛ لَمْ يُقْبَلْ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ)؛ لأِنَّ صاحِبَها لم يَأْمَنْه عَلَيها، بخِلافِ المودَع، فإنَّه ائْتَمَنَه، فقُبِلَ قَولُه بغَيرِ بَيِّنَةٍ. وكذا لو ادَّعى الرَّدَّ إلى الوَرَثَة، فإنِ ادَّعَى الرَّدَّ إلى ربِّها، فأنْكَرَهُ وَرَثَتُه؛ فَوَجْهانِ. وعُلِمَ منه: أنَّ الوديعةَ لا تَثْبُتُ إلاَّ بإقْرارٍ من الميت، أوْ وَرَثَتِه، أوْ بِبَيِّنَةٍ، فلو وُجِدَ عَلَيها مكتوبًا: وَدِيعَةٌ، لم تكُنْ (٤) حُجَّةً عليهم؛ لِجَوازِ أنْ يكون الوِعاءُ كانَتْ فيه وَديعةٌ قَبْلَ هذه. وكذا لو وُجِد في برمانج (٥) أبِيهِ: لِفُلانٍ عِنْدِي وديعةٌ؛ لم يَلزَمْه، ذَكَرَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». وصحَّحَ في «الفروع»، وذَكَرَ أبو الحُسَين: أنَّه يَعمَلُ بِخَطِّ أبِيهِ على كِيسٍ لِفُلانٍ؛ كخَطِّه بِدَينٍ له، فيَحْلِف على اسْتِحْقاقِه، وفي: عليه (٦)؛ وَجْهانِ. وإستدَّار الدار (٧)

стр. 3454

والكاتب ودفتره ونحوهما (١)؛ وكلاء؛ كالأمير في هذا. غَرِيبةٌ: لو أَوْدَعَ كِيسًا مَخْتُومًا مِنْ عَشْرِ سِنينَ، ثُمَّ اسْتَرَدَّه، وادَّعى أنَّه فَضَّ (٢) خَتْمَه، وأنَّه خانَ؛ صُدِّق المودِعُ، فلو فُتِحَ فَوُجِد فيه دراهمُ مِنْ ضَرْب خمسِ سِنينَ؛ فكذلك، قاله البَغَويُّ في «فتاويه» (٣). فائدةٌ: إذا اسْتَعْمل كاتِبًا خائنًا، أوْ عاجِزًا؛ أثِمَ بما (٤) أذْهَبَ من حُقوقِ النَّاس؛ لتَفْرِيطِه، ذَكَرَه الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٥). (وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ)؛ أيْ: عِنْدَ الوارِثِ، (قَبْلَ إِمْكَانِ رَدِّهَا؛ لَمْ يَضْمَنْهَا)؛ لأِنَّه مَعْذُورٌ، ولا تَفرِيطَ منه، (وَبَعْدَهُ؛ يَضْمَنُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز» وغَيره؛ لتأخُّرِ ردِّها مع إمْكانِه؛ لحصوله (٦) في يَدِهِ من غَيرِ إِيداعٍ، أشْبَهَ ما لو أطارت الرِّيحُ ثَوبًا إلى سطحٍ آخَرَ، وأمْكَنَه ردُّه فلم يَفعَلْ. والثَّاني: لا يَضمَنُها؛ لأِنَّه غَيرُ مُتَعَدٍّ في إثْباتِ يَدِه عَلَيهَا؛ لكَونِها حَصَلَتْ في يَدِه بغَيرِ فِعْلِه. وفي ثالِثٍ: إنْ جَهِلَها ربُّها؛ ضَمِنَ، قَطَعَ به في «المحرَّر»؛ لأِنَّه غَيرُ مَعْذُورٍ. (وَإِنِ ادَّعَى الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ)؛ أي: ادَّعى كلٌّ منهما أنَّه الذي أوْدَعَها، ولا

стр. 3455

بَيِّنةَ، (فَأَقَرَّ بِهَا لِأًحَدِهِمَا؛ فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأِنَّ اليَدَ كانَتْ للمودَع، وقد نَقَلَها إلى المدَّعِي، فصارت اليَدُ له، ومَنْ كانت اليَدُ له؛ قُبِلَ قَولُه مع يَمِينِه، (وَيَحْلِفُ الْمُودَعُ أَيْضًا)؛ لأِنَّه مُنكِرٌ لِحَقِّه، ويكون على نَفْيِ العلم، فإنْ حَلَفَ؛ بَرِئَ، وإنْ نَكَلَ؛ لَزِمَه أنْ يَغرَمَ له قِيمتَها؛ لأِنَّه فَوَّتَها عَلَيهِ. وكذا لو أقرَّ له بها بَعْدَ أنْ أقرَّ بها للأوَّل؛ فإنَّها تُسلَّمُ للأوَّل، ويَغرَمُ قِيمتَها للثاني (١)، نَصَّ عَلَيهِ (٢). (وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا؛ فَهِيَ لَهُمَا)؛ أيْ: بَينَهما، كما لو كانَتْ بأيْدِيهما وتَدَاعَيَا مَعًا، (وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) في نِصفِها، فإنْ نَكَلَ؛ لَزِمَه عِوَضُها، يَقْتَسِمانِه أيْضًا. (فَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا؛ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ)، يَمِينًا واحِدَة، إذا كذَّباه (٣) أوْ أَحَدُهما. وقِيلَ: لا يَحْلِفُ إلاَّ أنْ يكونَ مُتَّهَمًا، قال الحارِثِيُّ: هذا المذْهَبُ. (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) وُجوبًا؛ لِتَساوِيهِما في الحقِّ فِيمَا لَيسَ بأيْدِيهما؛ كالعِتْق والسَّفَر بإحْدَى نسائه، (فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ؛ حَلَفَ)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنَّها لَيستْ له، (وَأَخَذَهَا)؛ لأِنَّ ذلك فائدةُ القُرْعةِ. فإنْ قال: لَيسَتْ لواحِدٍ مِنْهُما؛ فعَنْ أحمدَ: أنَّه يُقرَعُ بَينَهما؛ قِياسًا على ما إذا قال: هِيَ لأِحدِ هؤلاء، أوْ لا أعْرِفُه عَينًا. وحَكَى بعضُ أصْحابِنا: أنَّه لا يُقرَعُ بَينَهُما، وتقر (٤) بِيَدِ مَنْ هي بِيَدِه إلى أنْ يَظهَرَ صاحِبُها، ذَكَرَهُ في «الواضح».

стр. 3456

(وَإِنْ أَوْدَعَهُ اثْنَانِ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا) يَنقَسِمُ، وهو مَعْنَى قَولِ بَعضِهِم: لا يَنقُص بِتَفْرِقَتِه، (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ؛ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ)، اخْتارَه أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقَدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ قِسْمَتَه مُمْكِنةٌ بغَيرِ غَبْنٍ ولا ضَرَرٍ، وَقيَّدَه في «المحرَّر»: بما إذا كان الشَّريكُ غائبًا، وقال القاضِي: لا يَجُوزُ إلاَّ بإذنه (١)، أوْ إذْنِ حاكِمٍ. وظاهِرُه: أنَّه لا يَجُوزُ إلاَّ في المِثْلِيِّ، صرَّح به في «النِّهاية» وغيرها؛ لأِنَّ قِسْمَتَه غَيرَ ذلك بَيْعٌ، ولَيسَ للمُودَعِ أنْ يَبِيعَ على المودِع، ولأِنَّ قِسْمةَ ذلك لا يُؤْمَنُ فِيها الحَيْفُ؛ لأِنَّه يَفْتَقِرُ إلى التَّقْويم، وذلك ظَنٌّ وتَخْمِينٌ. (وَإِنْ غُصِبَتِ الْوَدِيعَةُ؛ فَهَلْ لِلْمُودَعِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»: له المطالَبةُ بِها؛ لأِنَّه مأْمُورٌ بحِفْظِها، وذلِكَ مِنْهُ، وعَبَّر في «الفروع»: بأنَّه يَلزَمُه. والثَّانِي: لا؛ لأِنَّه لم يُؤمَرْ به؛ لكَونِه لَيسَ وَكِيلاً لِلْمالك. ومِثْلُه مَرْتَهِنٌ، ومُسْتَأْجِرٌ، ومُضارَبٌ. وذَكَرَ المؤلِّفُ: مع حُضور المالِك لا يَلزَمُه. وعلى الثَّاني: لا ضَمانَ عَلَيهِ، سَواءٌ أُخِذَتْ منه قَهْرًا، أوْ أُكرِهَ على تَسْليمِها؛ لأِنَّ الإكراهَ عُذْرٌ يُبِيحُ دَفْعَها، فلَمْ يَضْمَنْها؛ كما لو أُخِذَتْ منه قَهْرًا. وإنْ صادَرَه سُلْطانٌ؛ لم يَضمَنْ، قاله أبو الخَطَّاب، وضَمَّنَه أبو الوَفاءِ إنْ فَرَّطَ. وإنْ أخَذَها منه قَهْرًا؛ لم يَضمَنْ عِنْدَ أبي الخَطَّاب، وقال أبُو الوَفاءِ: إنْ ظَنَّ أخْذَها مِنْهُ بإقْرارِه؛ كان دالًّا، ويَضمَنُ.

стр. 3457

أحْكامٌ: إذا اسْتُودِعَ فِضَّةً، وأُمِرَ بصَرْفِها بِذَهَبٍ، فَفَعلَ، وتَلِفَ الذَّهَبُ؛ لم يَضمَنْه. وإنْ قال: اصْرِفْ مَا لِي عَلَيكَ مِنْ قَرْضٍ، فَفَعل وتَلِفَ؛ ضَمِنَه، ولم يَبْرَأْ مِنَ القَرْض. وإنِ اسْتُودِعَ جارِيَةً، فَوَلَدَتْ (١) عِندَه؛ أمْسَكَ وَلَدَهَا، وقِيلَ: بإذْنِ ربِّها، وهو أمانةٌ. فلو سَأَلَه عن الوَدَيعةِ ظالِمٌ؛ ورَّى عَنْها، فإنْ ضاقَ النُّطْقُ عَنْها؛ جَحَدَهَا وتأوَّلَ، وكذا إنْ أُحْلِفَ عَلَيها، وإنْ نَوَى جَحْدَها، أوْ إمْساكَها لِنَفْسِه، أوِ التَّعَدِّيَ فِيها؛ لم يَضمَنْ، قالَهُ في «الرِّعاية» (٢).

стр. 3458

(بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ) المَواتُ، والميتة، والمَوَتانُ؛ بفَتْح الميم والواو: الأرْضُ الدَّارِسة الخَرابُ، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». وعرَّفها الأزْهَرِيُّ: بأنَّها الأرضُ الَّتي لَيسَ لها مالِكٌ، ولا بها ماءٌ، ولا عِمارةٌ، ولا يُنْتَفَع بها (١). والمَواتُ مُشْتَقٌّ من المَوت، وهو عَدَمُ الحَياة، والمُوتان، بضمِّ الميمِ وسُكونِ الواو: الموتُ الذَّريعُ، ورَجُلٌ مَوْتانُ القَلْب، بفَتح الميم وسُكونِ الواوِ؛ يَعْنِي: عَمِيَّ القَلْب لا يَفهَمُ. والأصلُ في جَوازه قَبْلَ الإجماعِ: حديثُ جابِرٍ مرفوعًا: «مَنْ أَحْيَا أرْضًا مَيْتةً فَهِيَ لهُ» رواهُ أحمدُ، والتِّرْمذِيُّ وصحَّحه، وعن سعيدِ بنِ زَيدٍ مَرْفوعًا مِثلُه، رواه أبو داود، والتَّرْمذِيُّ وحسَّنَه، وعن عائشةَ مِثْلُه، رواهُ مالِكٌ وأبو داود (٢)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو مُسْنَدٌ صحيحٌ مُتَلَقًّى (٣) بالقَبول عِنْدَ فُقَهاء

стр. 3459

المدينةِ وغيرِهم (١)، ورَوَى أبو عُبَيْدٍ في «الأمْوال» عن عائشةَ مَرْفوعًا: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيْتَةً لَيسَتْ لأِحَدٍ؛ فهو أحقُّ بها»، قال عُرْوةُ: (قَضَى به عمرُ في خِلافَتِه)، وفي الزَّرْكَشِيِّ: (رواه البُخارِيُّ)، وهو وَهَمٌ (٢)، وعن عائِشةَ مَرْفُوعًا: «العِبادُ عِبادُ الله، والبِلادُ بِلادُ الله، فَمَنْ أحْيَا من مَوَاتِ الأرْضِ شَيئًا؛ فهُوَ له» رواه أبو داودَ الطَّيَالِسِيُّ (٣). (وَهِيَ (٤) الْأَرْضُ الدَّاثِرَةُ)؛ أي: الدَّارِسةُ (التِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا مُلِكَتْ)، هذا بيانٌ لِمَعْنَى المَواتِ شَرْعًا، وكذا إنْ مَلَكَها مَنْ لا حُرْمةَ له وبادَ؛ كحَرْبِيٍّ، وآثار الرُّوم على الأصحِّ. وحاصِلُه: أنَّ المواتَ إذا لم يَجْرِ عَلَيهِ ملْكُ أحَدٍ، ولم يُوجَدْ فيه أثَرُ عِمارةٍ؛ فإنَّه يُمْلَكُ بالإحياء، فإنْ عُلِمَ أنَّه جَرَى عَلَيهِ مِلْكٌ بِشِراءٍ أوْ عَطِيَّةٍ؛ فلا، بِغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٥). (فَإِنْ كَانَ فِيهَا آثَارُ الْمِلْكِ)، وبَادَ أهْلُه، (وَلَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ؛ فَعَلىَ رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطْلَقَهُما في «الكافي»:

стр. 3460

إحْدَاهُما: تُملَكُ (١) بالإحْياء؛ للخَبَر، ولأِنَّه في دارِ الإسلام، فتُمْلَكُ (٢) به؛ كاللُّقَطة. والثَّانيةُ: لا تُمْلَكُ به، كما لو تَعيَّنَ مالِكُه. لكِنْ إن لم يُعرَفْ لها يومئذٍ (٣) مالِكٌ، وكان مَلَكَها مُتَقدِّمًا مُسلِمٌ، أوْ ذِمِّيٌّ، أوْ مَشْكوكٌ في عِصْمَته، ولم يُعْقِبُوا وَرَثَةً، فالأشْهَرُ: أنَّه لا تُمْلَك (٤) بالإحْياء؛ لظاهِرِ خَبرِ عائشةَ، ولأِنَّها فَيءٌ، فَعَلَيها: للإمام إقْطاعُه لِمَنْ شاء. وعنه: تُملَك (٥) به؛ عَمَلاً بعُموم أكثرِ الأحاديث. وعَنهُ: تُملَك (٦) مع الشَّكِّ في سابِقِ العِصْمة، دُونَ التيقن (٧)؛ لأِنَّ المقتضيَ قد وُجِد، وشُكَّ في المانِع، اخْتارَهُ في «التَّلخيص». واستَثْنَى في «المغْنِي» و «الشَّرح» مِنْ (٨) هذا: ما به آثارُ ملْكٍ قَديمٍ جاهِلِيٍّ؛ كآثار الرُّومِ، ومساكِنِ ثَمُودَ، ونحوِهم، فإنَّه يُملَك بالإحْياء في الأظْهَرِ؛ لِمَا رَوَى طاوسٌ مَرْفوعًا قال: «عاديُّ (٩) الأرضِ لله (١٠) ولرسولِه، ثُمَّ مِنْ بَعْدُ لكم» رواه سعيدٌ في «سننه»، وأبو عُبَيدٍ في «الأموال» (١١).

стр. 3461

مسألةٌ: نقل (١) أبو الصَّقْر في أرْضٍ بَينَ قَرْيَتَينِ، لَيسَ فيها مزارِعُ، ولا عُيونٌ وأنهارٌ، تَزعُم كلُّ قَريةٍ أنَّها لهم: فإنَّها لَيستْ لِهؤُلاءِ ولا لِهؤُلاءِ حتَّى يُعلَم أنَّهم أحْيَوْها، فَمَنْ أحْياها فله (٢)، ومعناه نَقَلَ ابنُ القاسِمِ (٣). (وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً؛ فَهِيَ لَهُ)؛ أيْ: للمُحْيِي (٤)؛ للأخبار، (مُسْلِمًا كَانَ) اتِّفاقًا (٥)، سَواءٌ كان مكلَّفًا أو لا، لكِنْ (٦) شَرْطُه: أنْ يكونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ المالَ؛ لأِنَّه يَملِكُه بفِعْلِه؛ كالاِصْطِياد، (أَوْ كَافِرًا)؛ أيْ: ذِمِّيًّا في المنْصوصِ، وعليه الجمهورُ؛ للعُموم. وقال ابنُ حامِدٍ: لا يَملِك الذِّمِّيُّ بالإحْياء. وحَمَلَ أبو الخَطَّاب قَولَه على دارِ الإسْلام، قال (٧) القاضِي: هو مَذْهبُ جماعةٍ مِنْ أصْحابنا؛ لقَوله ﵇: «مَوَتانُ الأرْضِ لله ورسوله، ثمَّ هِيَ لكم» (٨).

стр. 3462

وجوابُه - بَعْدَ تسْلِيمِ صِحَّتِه -: «أنَّها لكم»؛ أيْ: لأهْل داركم، والذِّمِّيُّ مِنْ أهلِ دارنا. فَعَلَى المنْصوصِ: إذا أحْيا مَوَاتًا عَنْوةً؛ لَزِمَه عَنهُ الخَراجُ، وإنْ أحْيَا غَيرَه؛ فلا شَيءَ عليه في الأَشْهَر، ونقل عنه حَرْبٌ: عَلَيهِ عُشْرُ ثَمَرِه وزَرْعِه (١). (بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِ (٢) إِذْنِهِ)، قالَهُ الأصْحابُ، ونَصَّ عليه أحمدُ (٣) مُسْتَدِلًّا بعموم الحديث، ولأِنَّها عَينٌ مُباحَةٌ، فلا يَفْتَقِرُ تملُّكها (٤) إلى إذْنٍ؛ كأخْذِ المباح، وهو مَبْنِيٌّ على أنَّ عُمومَ الأشخاص يَستلزِمُ (٥) عُمومَ الأحوال. وقِيلَ: لا يَجُوزُ إلاَّ بإذْنه، وحكاهُ في «الواضِح» روايةً؛ لأِنَّ له مدخلاً (٦) في النَّظَر في (٧) ذلك. (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا)، يَعْنِي: أنَّ جميعَ البلاد سَواءٌ في ذلك، فُتِحَتْ عنْوةً كأرْضِ الشَّام والعِرَاق، وما أسْلَمَ أهلُه عليه كالمدينة، وما صُولِحَ أهلُه على أنَّ الأرضَ للمسلمين كخَيبَرَ. ويُستثنَى مِنْ ذلك: مَواتُ الحَرَم وعَرَفات. وعَنهُ: لَيسَ في أرض السَّواد مَواتٌ، معلِّلاً: بأنَّها لجماعة، فلا يَختصُّ بها أحدُهم (٨)، وحَمَلَها القاضِي على العامر، وأنَّ أحمدَ قالَهُ حِينَ كان السَّوادُ عامِرًا في زَمَنِ عُمَرَ.

стр. 3463

(إِلاَّ مَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَرْضِ الْكُفَّارِ التِي صُولِحُوا عَلَيْهَا)؛ أيْ: لا يَملِكُ مسلِمٌ بالإحياء مَواتَ بلْدةِ (١) كُفَّارٍ صُولِحُوا على أنَّها لهم ولنا خَراجُها؛ لأِنَّهم صُولِحُوا في بلادهم، فلا يَجُوزُ التَّعرُّضُ لِشَيءٍ منها؛ لأِنَّ المَواتَ تابِعٌ للبَلَد، ويُفارِقُ دارَ الحَرْب؛ لأِنَّها على أصْلِ الإباحة. وقِيلَ: تُملَكُ (٢) به؛ لِعُمومِ الخَبَر، ولأِنَّها مِنْ مُباحات دارِهم، فَمُلِك به كالمباح. (وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِه)؛ كطُرُقِه، وفِنائه، ومَسِيلِ مائه، ومَرْعاه، ومُحْتَطَبِه، وحَريمِه؛ (لَمْ يُمْلَكْ (٣) بِالْإِحْيَاءِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٤)؛ لمفْهومِ قَولِه ﵇: «مَنْ أحْيا أرْضًا مَيْتةً في غَيرِ حقِّ مسلِمٍ؛ فهي له» (٥)، ولأِنَّ ذلك من مصالِح الملْكِ، فأُعْطِيَ حُكمَه. وذَكَرَ القاضِي: أنَّ منافِعَ المرافق (٦) لا يَمْلِكُها المحْيِي بالإحْياء، لكِنْ هو أحقُّ بها من غَيرِه. وعلى الأوَّل: لا يُقطِعُه إمامٌ؛ لِتعلُّقِ حقِّه به. (وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ): أنَصُّهما، وأشْهَرُهما عند الأصحاب: أنَّه تُملَك (٧) بالإحْياء؛ للعُموم، مع انْتِفاء المانِع، وهو التَّعلُّق بمصالِحِ العامِرِ.

стр. 3464

والثَّانية: لا تُملَك (١) به؛ تنزيلاً للضَّرَر في المآل منزلةَ الضَّرَر في الحال؛ إذ (٢) هو بِصَدَدِ أنْ يحتاجَ إليه في المآل. والأُولَى أَوْلَى؛ لأِنَّه «﵇ أقْطَعَ بِلالَ بنَ الحارث العقيقَ» (٣)، وهو يَعلَمُ أنَّه من عِمارة المدينة، ولأِنَّه مَواتٌ لم تَتعلَّق (٤) به مصلحةٌ، فجاز إحْياؤه كالبعيد، والمرجِعُ في القرب والبُعْد إلى العُرْف. وعليها: للإمام إقْطاعُه. فائدةٌ: إذا وَقَعَ في الطَّريق نِزاعٌ وقْتَ الإحْياء؛ فَلَهَا سبعةُ أذْرُعٍ؛ للخَبَر (٥)، ولا تُغَيَّرُ بَعْدَ وَضْعِها؛ لأِنَّها للمُسْلِمين، نَصَّ عليه (٦)، وقال فِيمَنْ أخَذَ منها شيئًا (٧): تَوبَتُه أنْ يَرُدَّ ما أَخَذَ (٨). (وَلَا تُمْلَكُ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ؛ كَالْمِلْحِ، وَالْقَارِ)، وهو شَيءٌ أسْودُ تُطْلَى (٩) به السُّفُنُ، (والنِّفْطِ)، بفَتْح النُّونِ وكَسْرِها، وهو أفْصَحُ، (وَالْكُحْلِ، وَالْجِصِّ، بِالْإِحْيَاءِ)؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ عَوْفٍ المزَنِيُّ، عَنْ أبْيضَ بنِ حَمَّالٍ: أنَّه وَفَدَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فاسْتَقْطَعَه الملْحَ، فَقَطعَ له، فلمَّا وَلَّى قال رجلٌ: أتَدْرِي ما اقْتَطَعْتَ له؟ إنَّما اقْتَطَعْتَ له الماءَ العِدَّ، قال: «فانتزعه منه»، قال: وسأله

стр. 3465

عمَّا يُحْمَى من الْأَرَاك؟ قال: «ما لَمْ تَنَلْه خِفافُ الإبل» رواه التِّرمذِيُّ (١)، ولأِنَّ هذا مِمَّا تتعلَّق به مصالحُ المسلمين العامَّة، فلم يَجُزْ إحْياؤه؛ كطُرُقاتِ المسلمين. قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا من مَوارِد الله الكريم، وفَيضِ جُوده العَمِيمِ، فلو مُلِكَ بالاحتجار (٢) مَلَكَ مَنْعَه، فضاقَ على النَّاس. (وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ)، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (٣)؛ لِمَا ذَكَرْنا. فأمَّا المعادِنُ الباطِنَةُ، وهي التي لا يُوصَلُ إلَيها إلاَّ بالعَمَل والمؤْنَة؛ فإنْ كانَتْ ظاهِرةً؛ فهي كالأوَّل، وإنْ لم تكن ظاهِرةً؛ فظاهِرُ المذْهَب: أنَّها كذلك. وقِيلَ: تُمْلَكُ به؛ لأنَّه مَوَاتٌ لا يُنتَفَع به إلاَّ بالعمل والمؤْنةِ، فمُلِك بالإحْياء؛ كالأرض. وعلى الأوَّل: ليس للإمام إقْطاعُها، وصحَّح في «المغْنِي» و «الشَّرح» خِلافَه؛ لأِنَّه «﵇ أقْطَعَ بِلالَ بنَ الحارِث مَعادِنَ القَبَلِيَّة (٤)» (٥).

стр. 3466

فَرْعٌ: ما نَضَبَ عنه من (١) الجَزائِر، فالأَشْهَرُ: أنَّه لا يُملَك به؛ لأِنَّ البِناءَ فِيها يَرُدُّ الماءَ إلى الجانب الآخَر، فيَضُرُّ بأهْلِه. (وَإِذَا (٢) كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا؛ مُلِكَ (٣) بِالْإِحْيَاءِ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه لم يُضيِّقْ على أحدٍ، فلم يُمنَعْ منه كبقيَّة الموات، وإحْياؤه بعَمَلِ ما يَصلُح له من حَفْر تُرابه، وتمهيده، وفَتْح قناةٍ إليهِ، (وِلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ)؛ كبقيَّة الموات. (وَإِذَا مَلَكَ المُحْيَا)؛ أيْ: إذا مَلَكَ الأرضَ بالإحْياء؛ (مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ؛ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) والحديدِ؛ لأِنَّه مَلَكَ الأرضَ بجَميعِ أجْزائها وطَبَقاتِها، وهذا مِنْها، بخلاف الكَنْزِ، فإنَّه مُودَعٌ فِيهَا، ويُفارِقُ ما إذا كان ظاهِرًا قَبلَ إحْيائها؛ لأِنَّه قَطَعَ عن النَّاس نَفْعًا كان واصِلاً إليهم. وظاهِرُه: أنَّه يَملِكُ المعادِنَ الظَّاهِرةَ. ولو تحجَّر الأرضَ، أو أُقْطِعَها؛ فظَهَرَ فيها (٤) المعدِنُ قَبلَ إحْيائها؛ كان له إحْياؤها، ويَملِكُها بما فِيهَا؛ لأِنَّه صار أحقَّ بتَحجُّرِه وإقطاعِه، فلم يُمنَعْ من إتْمامِ حقِّه. (وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ، أَوْ مَعْدِنٌ جَارٍ، أَوْ كَلَأٌ، أَوْ شَجَرٌ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)؛ لقَوله ﵇: «مَنْ سَبَقَ إلى مَنْ لم (٥) يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ؛ فهُوَ له» رواهُ أبو داودَ، وفي لَفْظٍ: «فَهُوَ أحقُّ به» (٦)، ولأِنَّه لو سَبَقَ إلى المباح الذي لا يَملِكُ أرضه؛

стр. 3467

فهو أحقُّ به، فهُنا أَوْلَى. (وَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصحُّهما: لا يَملِكه؛ لقوله ﵇: «النَّاسُ شُرَكاءُ في ثلاثٍ: في (١) الماء، والكَلَأِ، والنَّار» رواهُ ابْنُ ماجَهْ (٢)، ولأِنَّها لَيستْ من أجْزاء الأرض، فلم يَملِكْها بملك الأرض؛ كالكنْزِ. والثَّانية: بلى؛ لأِنَّها خارجة من أرْضه، أشْبَهَ المعادِنَ الجامِدَةَ والزَّرعَ. (وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ؛ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا تَمنَعوا فَضْلَ الماء لِتَمنَعوا به الكَلَأَ» متَّفَقٌ عليه (٣)، وعن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مائِه، أوْ فَضْلَ كَلَئِه؛ مَنَعَه الله فَضْلَه يَومَ القيامة» رواه أحمدُ (٤). ومحلُّه: إذا لم يَجِدْ ماءً مباحًا، ولم يَنضَرَّ بها، واعْتَبَر القاضِي اتَّصالَه

стр. 3468

بِمَرْعًى، ولا يَلزَمه الحَبْلُ والدَّلْوُ؛ لأِنَّه يَتْلَفُ بالاِسْتِعمال، أشْبَهَ بقيَّةَ مالِه، قالَهُ في «الكافي». (وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصحُّهما: يَلزَمُه؛ لِمَا رَوَى إياس (١): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ فَضْلِ الماء» رواهُ أبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ وصحَّحه (٢). قال أحمدُ: إلاَّ أنْ يُؤْذِيَه بالدُّخول، أوْ له فِيهِ ماءُ السَّماء، فيَخافُ عَطَشًا؛ فلا بَأْسَ أنْ يَمْنَعَه (٣). والثَّانيةُ: لا يَلزَمُه، جَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لأِنَّ الزَّرعَ لا حُرْمةَ (٤) له في نفسه، فَعَلَيها: يَبِيعُه بكَيلٍ، أوْ وَزْنٍ، ويَحرُمُ مقدَّرًا بمُدَّةٍ مَعْلومةٍ، أوْ بالريِّ، أوْ جزافًا، قاله القاضِي وغيرُه. قال: وإِنْ باع آصُعًا مَعْلومةً من سائِحٍ؛ جاز (٥)؛ كماءِ عَينٍ، لا بَيعُ (٦) كلِّ الماء؛ لاِخْتِلاطِه بغَيرِه.

стр. 3469

(فَصْلٌ) (وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ: أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ) مَنِيعٍ، نَصَّ عَلَيه (١)، جَزَمَ به القاضِي وَأكثرُ أصحابه، واقْتَصَر عَلَيه الخِرَقِيُّ؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أحاطَ حائِطًا على أرْضٍ؛ فهي له» رواه أحمدُ، وأبو داودَ (٢). ويُشتَرَط فيه: أنْ يكونَ بما جَرَت العادةُ بمِثلِه، ويَختَلِفُ باخْتِلاف البُلْدانِ. وعَنْهُ: يُشتَرَط معه إجْراءُ ماءٍ، وهو مُقْتَضَى كلامِ المؤلِّف (٣). ومُقتضاه: أنَّ الإحْياءَ يَحصُل بالتَّحْويط عَلَيها، سَواءٌ أرادها للبناء، أوْ للزَّرع، أوْ حَظِيرةً للدَّوابِّ. (أَوْ يُجْرِيَ لَهَا (٤) مَاءً)، مِنْ عَينٍ ونحوِه، نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ لأِنَّ نَفْعَ الأرض بالماء أكثرُ من الحائط، ويَملِكُه بغَرْسٍ، أوْ مَنْع (٦) ماءٍ لزرع (٧) لا بحَرْثٍ وزَرْعٍ.

стр. 3470

(وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً)، بتَشديد الياء: القديمةُ، منسوبَةٌ إلى عادٍ، ولم يُرِد عادًا بعَينِه؛ (مَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً)؛ أيْ: قديمةً؛ (فَحَرِيمُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا) مِنْ كلِّ جانِبٍ منها (١). وعُلِمَ منه: أنَّه يَملِكُ البئرَ مع الحَرِيم، وهو ما ذَكَرَه، نَصَّ عليه (٢)، واختاره القاضِي في «التَّعليق»، وأكثرُ أصحابه والشَّيخانِ؛ لِمَا رَوَى أبو عُبَيدٍ في «الأموال»، عن سَعيدِ بن المسيِّب قال: «السُّنَّة في حَرِيمِ القَلِيبِ العادِيِّ: خَمْسون ذراعًا، والبَدِي: خمسةٌ وعشرونَ ذِراعًا» (٣)، وروى (٤) الخَلاَّل والدَّارَقُطْنِيُّ نحوَه مرفوعًا (٥). ولا بُدَّ أنْ يكونَ (٦) البئِرُ فيها ماءٌ، فإن لم يَصِلْ (٧) إلى الماء؛ فهو كالمتحَجِّر الشَّارِع (٨).
следующие страницы →