← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

فَرْعٌ: ما نَضَبَ عنه من (١) الجَزائِر، فالأَشْهَرُ: أنَّه لا يُملَك به؛ لأِنَّ البِناءَ فِيها يَرُدُّ الماءَ إلى الجانب الآخَر، فيَضُرُّ بأهْلِه. (وَإِذَا (٢) كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا؛ مُلِكَ (٣) بِالْإِحْيَاءِ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه لم يُضيِّقْ على أحدٍ، فلم يُمنَعْ منه كبقيَّة الموات، وإحْياؤه بعَمَلِ ما يَصلُح له من حَفْر تُرابه، وتمهيده، وفَتْح قناةٍ إليهِ، (وِلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ)؛ كبقيَّة الموات. (وَإِذَا مَلَكَ المُحْيَا)؛ أيْ: إذا مَلَكَ الأرضَ بالإحْياء؛ (مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ؛ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) والحديدِ؛ لأِنَّه مَلَكَ الأرضَ بجَميعِ أجْزائها وطَبَقاتِها، وهذا مِنْها، بخلاف الكَنْزِ، فإنَّه مُودَعٌ فِيهَا، ويُفارِقُ ما إذا كان ظاهِرًا قَبلَ إحْيائها؛ لأِنَّه قَطَعَ عن النَّاس نَفْعًا كان واصِلاً إليهم. وظاهِرُه: أنَّه يَملِكُ المعادِنَ الظَّاهِرةَ. ولو تحجَّر الأرضَ، أو أُقْطِعَها؛ فظَهَرَ فيها (٤) المعدِنُ قَبلَ إحْيائها؛ كان له إحْياؤها، ويَملِكُها بما فِيهَا؛ لأِنَّه صار أحقَّ بتَحجُّرِه وإقطاعِه، فلم يُمنَعْ من إتْمامِ حقِّه. (وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ، أَوْ مَعْدِنٌ جَارٍ، أَوْ كَلَأٌ، أَوْ شَجَرٌ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)؛ لقَوله ﵇: «مَنْ سَبَقَ إلى مَنْ لم (٥) يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ؛ فهُوَ له» رواهُ أبو داودَ، وفي لَفْظٍ: «فَهُوَ أحقُّ به» (٦)، ولأِنَّه لو سَبَقَ إلى المباح الذي لا يَملِكُ أرضه؛

стр. 3467

فهو أحقُّ به، فهُنا أَوْلَى. (وَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصحُّهما: لا يَملِكه؛ لقوله ﵇: «النَّاسُ شُرَكاءُ في ثلاثٍ: في (١) الماء، والكَلَأِ، والنَّار» رواهُ ابْنُ ماجَهْ (٢)، ولأِنَّها لَيستْ من أجْزاء الأرض، فلم يَملِكْها بملك الأرض؛ كالكنْزِ. والثَّانية: بلى؛ لأِنَّها خارجة من أرْضه، أشْبَهَ المعادِنَ الجامِدَةَ والزَّرعَ. (وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ؛ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا تَمنَعوا فَضْلَ الماء لِتَمنَعوا به الكَلَأَ» متَّفَقٌ عليه (٣)، وعن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مائِه، أوْ فَضْلَ كَلَئِه؛ مَنَعَه الله فَضْلَه يَومَ القيامة» رواه أحمدُ (٤). ومحلُّه: إذا لم يَجِدْ ماءً مباحًا، ولم يَنضَرَّ بها، واعْتَبَر القاضِي اتَّصالَه

стр. 3468

بِمَرْعًى، ولا يَلزَمه الحَبْلُ والدَّلْوُ؛ لأِنَّه يَتْلَفُ بالاِسْتِعمال، أشْبَهَ بقيَّةَ مالِه، قالَهُ في «الكافي». (وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصحُّهما: يَلزَمُه؛ لِمَا رَوَى إياس (١): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ فَضْلِ الماء» رواهُ أبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ وصحَّحه (٢). قال أحمدُ: إلاَّ أنْ يُؤْذِيَه بالدُّخول، أوْ له فِيهِ ماءُ السَّماء، فيَخافُ عَطَشًا؛ فلا بَأْسَ أنْ يَمْنَعَه (٣). والثَّانيةُ: لا يَلزَمُه، جَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لأِنَّ الزَّرعَ لا حُرْمةَ (٤) له في نفسه، فَعَلَيها: يَبِيعُه بكَيلٍ، أوْ وَزْنٍ، ويَحرُمُ مقدَّرًا بمُدَّةٍ مَعْلومةٍ، أوْ بالريِّ، أوْ جزافًا، قاله القاضِي وغيرُه. قال: وإِنْ باع آصُعًا مَعْلومةً من سائِحٍ؛ جاز (٥)؛ كماءِ عَينٍ، لا بَيعُ (٦) كلِّ الماء؛ لاِخْتِلاطِه بغَيرِه.

стр. 3469

(فَصْلٌ) (وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ: أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ) مَنِيعٍ، نَصَّ عَلَيه (١)، جَزَمَ به القاضِي وَأكثرُ أصحابه، واقْتَصَر عَلَيه الخِرَقِيُّ؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أحاطَ حائِطًا على أرْضٍ؛ فهي له» رواه أحمدُ، وأبو داودَ (٢). ويُشتَرَط فيه: أنْ يكونَ بما جَرَت العادةُ بمِثلِه، ويَختَلِفُ باخْتِلاف البُلْدانِ. وعَنْهُ: يُشتَرَط معه إجْراءُ ماءٍ، وهو مُقْتَضَى كلامِ المؤلِّف (٣). ومُقتضاه: أنَّ الإحْياءَ يَحصُل بالتَّحْويط عَلَيها، سَواءٌ أرادها للبناء، أوْ للزَّرع، أوْ حَظِيرةً للدَّوابِّ. (أَوْ يُجْرِيَ لَهَا (٤) مَاءً)، مِنْ عَينٍ ونحوِه، نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ لأِنَّ نَفْعَ الأرض بالماء أكثرُ من الحائط، ويَملِكُه بغَرْسٍ، أوْ مَنْع (٦) ماءٍ لزرع (٧) لا بحَرْثٍ وزَرْعٍ.

стр. 3470

(وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً)، بتَشديد الياء: القديمةُ، منسوبَةٌ إلى عادٍ، ولم يُرِد عادًا بعَينِه؛ (مَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً)؛ أيْ: قديمةً؛ (فَحَرِيمُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا) مِنْ كلِّ جانِبٍ منها (١). وعُلِمَ منه: أنَّه يَملِكُ البئرَ مع الحَرِيم، وهو ما ذَكَرَه، نَصَّ عليه (٢)، واختاره القاضِي في «التَّعليق»، وأكثرُ أصحابه والشَّيخانِ؛ لِمَا رَوَى أبو عُبَيدٍ في «الأموال»، عن سَعيدِ بن المسيِّب قال: «السُّنَّة في حَرِيمِ القَلِيبِ العادِيِّ: خَمْسون ذراعًا، والبَدِي: خمسةٌ وعشرونَ ذِراعًا» (٣)، وروى (٤) الخَلاَّل والدَّارَقُطْنِيُّ نحوَه مرفوعًا (٥). ولا بُدَّ أنْ يكونَ (٦) البئِرُ فيها ماءٌ، فإن لم يَصِلْ (٧) إلى الماء؛ فهو كالمتحَجِّر الشَّارِع (٨).

стр. 3471

وقَولُه: (حَفَر بِئْرًا عادِيَّةً) محمولٌ على البِئْر الَّتي انْطَمَّتْ، وذَهَبَ ماؤها، فجدَّد (١) حَفْرَها وعِمارتَها، أو انقطع ماؤها فاسْتَخْرَجَه؛ ليكون ذلك إحياءً لها، فأمَّا البئرُ الَّتي لها ماءٌ يَنتَفِعُ به النَّاسُ؛ فلَيسَ لأِحَدٍ احْتِجارُه؛ كالمعادِن الظَّاهرة. فَرْعٌ: إذا حَفَرَ بِئْرًا بمواتٍ (٢) للسَّابِلة؛ فهو كغَيرِه في شُرْبٍ وسَقْيٍ (٣)، ويُقدَّمُ آدَمِيٌّ ثمَّ حَيَوانٌ. وإنْ حَفَرَها فيه لاِرْتِفاقه؛ كعادةِ مَنِ انْتَجَعَ أرْضًا؛ فهو أحقُّ ما (٤) أقامَ، وقال جماعةٌ: يَلزَمُه بَذْلُ فاضِلِه لشارِبِه فقطْ، وإنْ رَحَلَ فسابِلةٌ، فإنْ عاد؛ فَفِي اخْتِصاصه وجْهانِ. وإنْ حَفَرَها تملُّكًا، أو بملكه الحيَّ (٥)، وفي «الأحْكام السُّلْطانيَّة»: لو احتاجَتْ طَيًّا؛ فبَعْدَه، وتبعه في «المستوعب» و «البلغة». وكَرِهَ أحمدُ الشرب من الآبار الَّتي في الطَّريق (٦)، قال ابن حمدان: إن (٧) كُرِهَ حَفْرُها. (وَعِنْدَ الْقَاضِي)، وجماعةٍ مِنَ الأصْحاب: (حَرِيمُهَا (٨) قَدْرُ مَدِّ رِشَائِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ)؛ لِمَا رُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «حَرِيمُ البِئْر مَدُّ رِشائها» رواهُ ابن ماجَهْ (٩)؛ لأِنَّ ذلك ثَبَتَ لدَفْع الضَّرر، فقُدِّر بِمَدِّ الرِّشاء من كلِّ

стр. 3472

جانِبٍ؛ لأِنَّ الحاجةَ تَندَفِع به. (وَقِيلَ: قَدْرُ مَا تَحْتَاجُ (١) إِلَيْهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا)، وهو مَحْكِيٌّ عن القاضِي، واخْتارَهُ أبو الخَطَّاب في «الهداية»، فإنْ كان بدُولابٍ؛ فَقَدْرُ مَدار الثور (٢)، وإن كان بِسَانِيةٍ؛ فبقَدْرِ طُول البِئْر، وإن كان يَستَقِي منها بيَدِه؛ فبقَدْر ما يَحتاج إلَيه الواقِفُ؛ لأِنَّه ثَبَتَ للحاجة، فتُقدَّرُ (٣) بقدرها. ولهذا قال القاضِي وأبو الخَطَّاب: التَّحديدُ الوارِدُ في الخَبَر وكلامِ أحمدَ محمولٌ على المجاز، وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ، فإنَّه قد يَحتاجُ إلى حريمها لغَيرِ تَرْقِيَة الماء لموقِفِ الماشية وعَطَن الإبل ونحوِه. وقال في «الأحْكام السُّلْطانيَّة»: له أبْعَدُ الْأَمْرَينِ من الحاجة أوْ قَدْرِ الأذْرُع، مع أنَّ أحمد توقَّف في التَّقْدير في روايةِ حَرْبٍ (٤). فأمَّا حَريمُ العَينِ المسْتَخْرَجَة؛ فهو خمسُمائَة ذِراعٍ، نَصَّ عليه (٥). وظاهِرُ كلامِه في «الكافي»، واخْتَارَه القاضِي وأبو الخَطَّاب: قَدرُ الحاجة. وحريمُ النَّهر: ما يُحتاج إليه لطرح (٦) كِرايَته، وطَريق شاويه، وما يَسْتَضِرُّ صاحبُه بتملُّكه عَلَيه وإنْ كَثُر.

стр. 3473

(وَقِيلَ: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ: مَا عُدَّ إِحْيَاءً)، وحكاه القاضي روايةً؛ لأِنَّ الشَّارِعَ أطْلَقَ الإحْياءَ ولم يُبَيِّنْ صِفتَه، فوجب أن (١) يُرجَعَ فيه إلى العُرْف؛ كالقَبْض والحِرْز، (وَهُوَ عِمَارَتُهَا بِمَا تُهَيَّأُ بِهِ (٢) لِمَا يُرَادُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ)، هذا بَيانٌ لِمَا يُعَدُّ إحْياءً في العُرْف، فإنَّ الأرضَ تُحْيَا دارًا للسُّكْنَى، وحَظِيرَةً، ومزرعةً، فإحْياءُ كلٍّ منها بما يُناسِبُه. فإنْ كانَتْ للسُّكْنَى؛ فإحْياؤها بِبِناءِ (٣) حِيطانها، وتَسْقيف بعْضها بما يَلِيقُ به، وعنه: وقَسْمِ بيوته، وغلق (٤) أبوابه، وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: لا يُعْتَبَر نَصْبُ أبوابٍ على البيوت. وإنْ كانَتْ حَظِيرةً؛ فبِناءُ حائِطٍ جَرتِ العادةُ به. وإنْ كانَتْ للزَّرْع؛ فبِأنْ يَسوقَ إليها ماءً إنْ كانَتْ تُسقَى، ويَقلَع ما بِها (٥) من الأحْجار إن احْتاجَتْ إلى ذلك، ويَقلَع ما بِها (٦) من الأشْجار كأرْض الشِّعْرى (٧)، ويُزيلَ عُروقَها المانِعةَ من الزَّرع، أو يَحبِسَ الماءَ عنها؛ كأرْضِ البطائح؛ لأِنَّ بذلك يتمكَّنُ من الانتفاع بها. ولا يُعتَبَر أنْ يَزْرعها ويَسقِيَها، ولا أن يَحرُثَها في الأصحِّ. وجَمَع بَينَهما في «المحرَّر»، فقال: أنْ يُحوِّطَها بحائِطٍ، أوْ يعمِّرها العِمارةَ العُرْفِيَّةَ. (وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ؛ كَالسَّقْيِ وَالْحَرْثِ، فَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ، وَمَا لَا

стр. 3474

يَتَكَرَّرُ؛ فَهُوَ إِحْيَاءٌ)؛ لأِنَّ العُرفَ جارٍ بذلك، لكنْ إنْ كانت الأرضُ كثيرةَ الدَّغَل والحشيش الَّتي لا يُمكِنُ زَرْعُها إلاَّ بتَكْرار حَرْثِها، وتَنْقِيَةِ دَغَلها وحَشِيشِها المانِعِ مِنْ زَرْعها؛ كان إحياءً. تنبيه: حريمُ شجرٍ قَدْرُ مَدِّ أغْصانها، فإنْ غَرَسَها في مَواتٍ؛ فهي له وحريمُها، وإنْ سَبَقَ إلى شجرٍ مباحٍ؛ كزَيتونٍ وخَرُّوبٍ (١)، فسقاه وأصْلَحَه؛ فهو له؛ كالمتحجِّر الشَّارِعِ، فإنْ رَكَّبَه مَلَكَه بذلك وحريمه، وحريمُ دارٍ من مَواتٍ؛ حولها مُطَّرَحُ ترابٍ، وكُناسةٍ، وثَلْجٍ، وماءِ ميزاب. ولا حريمَ لدارٍ محفوفةٍ بملْكٍ، ويتصرَّف كلٌّ منهم بحَسَبِ العادة. (وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا)، تَحَجُّرُ المَوات: الشُّروعُ في إحيائه من غَيرِ أنْ يُتِمَّه، مِثْلَ أنْ يُحيطَ حَولَ الأرض ترابًا، أوْ بجدارٍ صَغِيرٍ، أو يَحفِر بِئْرًا ولم يَصِلْ ماءها، نَقَلَه حَرْبٌ (٢)؛ (لَمْ يَمْلِكْهُ)؛ لأِنَّ الملْكَ بالإحْياء، ولم يُوجَدْ، (وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) من سائِرِ النَّاس؛ لقوله: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٣). (وَوَارِثُهُ مِنْ (٤) بَعْدِهِ)؛ لقَوله: «مَنْ تَرَك حَقًّا فلِوَرَثَتِه» (٥)، (وَمَنْ يَنْقُلُهُ إِلَيْهِ)؛ أيْ: إذا نَقَلَه إلى غَيرِه بالهِبة صار الثَّانِي أحقَّ به؛ لأِنَّ صاحبَه أقامَهُ مُقامَ نفْسِه، (وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ)؛ لأِنَّه لم يَملِكْه، فلم يَمْلِك بَيعَه؛ كحَقِّ الشُّفْعة قبل الأخْذ، وكَمَن سَبَق إلى مُباحٍ قَبْلَ أخْذِه.

стр. 3475

(وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ)؛ أي: بَيعُه؛ لأِنَّه أحقُّ به. (فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ إِحْيَاؤُهُ؛ قِيلَ لَهُ)؛ أيْ: يقولُ له السُّلطانُ ونحوُه إذا طالَت المدَّةُ: (إِمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ، أَوْ تَتْرُكَهُ) لِيُحْيِيَه غَيرُك؛ لأِنَّه ضَيَّق على النَّاس في حقٍّ مُشْتَرَكٍ بَينَهم، فلم يُمكَّن (١) منه، كما لو وَقَفَ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ. (فَإِنْ طَلَبَ الْإِمْهَالَ؛ أُمْهِلَ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ)، كذا في «الفروع»؛ لأِنَّه يسيرٌ، واقَتْصر في «الكافي»، وقدَّمه في «الرِّعاية»: على الشَّهرَينِ، وفي «الوجيز»: يُمهَلُ مدَّةً قريبةً بسؤاله. (فَإِنْ) بادَر و (أحياه غَيرُه) (٢) قَبْلَ فَراغ تلك المدَّة، وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: أوْ قَبْلَ ذلك؛ (فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «المحرَّر» و «الفروع»: أحَدُهُما: لا يَملِكه، وهو الأظْهر؛ لمفهوم: «مَنْ أحيا أرضًا ميتةً في غير حقِّ مسلِمٍ؛ فهي له» (٣)، أنَّها لا تكونُ له إذا كان لِمسلِمٍ فيها حقٌّ، ولأِنَّه إحياءٌ في حقِّ غَيره، فلم يَملِكه؛ كما لو أحْيَا ما يتعلَّق (٤) به مصالِحُ ملكِ غَيرِه، ولأِنَّ حقَّ المتحجِّر أسبقُ، فكان أَوْلَى؛ كحقِّ الشَّفيع يقدَّم على شِراءِ (٥) المشْتَرِي. والثاني (٦): يَملِكُه؛ لِعُمومِ الخَبَرِ السَّابقِ، ولأِنَّ الإحْياءَ يُمْلَك به، فقدِّم على المتحجِّر الَّذي لا يَملِكُ. قال في «الفروع»: (ويتوجَّه مِثْلُه في نُزولِ مُستَحِقٍّ عن وظيفةٍ لزَيدٍ، هل

стр. 3476

يتقرَّر فيها غَيرُه؟ قال شَيخُنا فِيمَنْ نَزلَ عن وظيفة الإمامة: لا يتعيَّن المنزولُ له، ويُوَلِّي من له الولايةُ مَنْ يَستَحِقُّ التَّوليةَ شرعًا). اعْتَرضه ابن أبي المجْد؛ لأِنَّه لا يخلو: إمَّا أنْ يكونَ نُزولُه بعِوَضٍ أوْ لا، وعلى كلِّ تقديرٍ لم يَحصُل منه رغبةٌ مطلَقةٌ عن وظيفته، ثمَّ قال: وكلامُ الشَّيخ قَضِيَّةٌ في عَينٍ، فيَحتَمِل أنَّ المنزولَ له لَيسَ أهْلاً، ويَحتَمِل عَدَمَه. وفيه نَظَرٌ، فإنَّ النُّزولَ يُفيدُ الشُّغورَ، وقد سَقَطَ حقُّه بنزوله (١)؛ إذ السَّاقِطُ لا يَعودُ، وقوله: (قضيَّةٌ في عَينٍ) الأصلُ عَدَمُه. ومِمَّا يُشبِهُ النُّزولَ عن الوظائف: النُّزولُ عن الإقْطاع، فإنَّه نُزولٌ عن اسْتِحْقاقٍ يَختَصُّ به لِتَخْصيصِ الإمامِ له استِغلالَه، أشْبهَ مستَحِقَّ الوظِيفة، ومتحجِّرَ المَوات. وقد يُستَدَلُّ بجواز أخْذِ العِوَض في ذلك كلِّه: بالخُلْع، فإنَّه يجوز أخْذُ العِوَض مع أنَّ (٢) الزَّوجَ لم (٣) يَملِك البُضْعَ، وإنَّما مَلَكَ الاِستِمتاعَ به، فأشْبَهَ المتحجِّرَ.

стр. 3477

(فَصْلٌ) (وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ)، لأِنَّه «﵇ أقْطَعَ بلالَ بنَ الحارثِ العَقِيقَ» (١)، «وأقْطَع وائِلَ بنَ حُجْرٍ أرضًا» (٢)، وأقْطَع أبو بكْرٍ (٣)، وعمرُ (٤)، وعثمانُ (٥)، وجَمْعٌ من الصَّحابة (٦).

стр. 3478

ويَنْبَغِي أنْ يُقطع مقدارَ ما يحييه (١)، فإنْ فَعَلَ ثمَّ تبيَّنَ عَجْزُه عن إحيائه؛ اسْتَرْجَعَه، كما «اسْتَرجَع عمرُ من بلالٍ ما عَجَزَ عن عِمارته بالعقيق الَّذي أقْطَعَه رسولُ الله ﷺ » (٢). (وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ)؛ لأِنَّه لو مَلَكَه به؛ لَمَا جاز اسْتِرْجاعُه، (بَلْ يَصِيرُ (٣) كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ)؛ لأِنَّه ترجَّح (٤) بالإقْطاع على غَيره، ويُسَمَّى تملُّكًا لِمآلِه إلَيهِ. وكذا للإمامِ إقْطاعُ غَيرِ مَواتٍ تَمْلِيكًا وانْتِفاعًا للمَصْلَحة، نَقَل حَرْبٌ: القَطائعُ جائزٌ. وقال له المَرُّوذِيُّ: قال مالِكٌ: لا بأْسَ بِقَطائِعِ الأمراء، فأنْكَرَه شديدًا. ونَقَلَ يَعْقوبُ: قطائعُ الشَّامِ والجَزِيرة مِنْ المكروهةِ، كانَتْ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فأخَذَها هَؤلاء. ونَقَلَ محمَّدُ بن داودَ: ما أدْرِي ما هَذِه القَطائعُ، يُخْرِجُونَها مِمَّنْ شاؤُوا (٥) إلى مَنْ شاؤُوا (٦).

стр. 3479

قال أبو بكرٍ: لأِنَّه يَمْلِكُها مَنْ أُقْطِعَها، فكَيف تخرُجُ عَنْهُ، ولِهذَا عَوَّضَ عُمَرُ جَرِيرًا البَجَلِيَّ لَمَّا رَجَعَ فيما (١) أقْطَعَهُ (٢). (وَلَهُ إِقْطَاعُ الْجُلُوسِ) للبَيع والشِّراء (فِي الطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ، وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ (٣) إنْ قِيلَ إنَّها لَيست منه إذا كانَتْ واسِعةً؛ لأِنَّ ذلِكَ مباح (٤) الجُلوسُ فِيهِ والاِنْتِفاعُ به، فَجَازَ إقْطاعُه؛ كالأرض الدَّارِسةِ، وتُسَمَّى (٥) إقْطاعَ إرْفاقٍ، (مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ)؛ لأِنَّه لَيسَ لِلإْمامِ أنْ يأْذَنَ فِيمَا لا مَصْلَحةَ فِيهِ، فَضْلاً عمَّا فيه مَضرَّةٌ، (وَلَا يَمْلِكُهُ (٦) بِالْإِقْطَاعِ)؛ لِمَا ذُكِرَ في إقْطاع الأرض. (وَيَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا)، بمنزلة السَّابِق إلَيها من غَيرِ إقْطاعٍ، والفَرقُ بَينَهما: أنَّ السَّابِقَ إذا نَقَلَ متاعَه عنها؛ فلغَيره الجُلوسُ فيها، وهذا قد اسْتَحَقَّ بإقْطاع الإمام، فلا يَزولُ حقُّه بنَقْلِ متاعِه، ولا لِغَيرِه الجُلوسُ فِيهِ، وشَرْطُه: ما لم يَعُد (٧) فيه. ويَحرُم ما يُضَيِّقُ على المارَّة ولو بِعِوَضٍ. وحُكْمُه في التظليل (٨) على نفسه بما لَيسَ ببناء (٩)، ومَنْعُه من المقام إذا

стр. 3480

أطال مُقامَه؛ حُكْمُ السَّابِق. (فَإِنْ لَمْ يُقْطِعْهَا؛ فَلِمَنْ سَبَقَ (١) إِلَيْهَا الْجُلُوسُ فِيهَا) على الأصحِّ، على وَجْهٍ لا يُضَيِّقُ على أحدٍ، ولا يَضُرُّ بالمارَّة؛ لاِتِّفاق أهلِ الأمْصار في سائِرِ الأعْصار على إقْرارِ النَّاس على ذلِكَ من غَيرِ إنْكارٍ، ولأِنَّه ارتفاق (٢) بمُباحٍ من غَيرِ إضْرارٍ، فلم يُمنَعْ منه (٣)؛ كالاِجْتِياز. (وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا)؛ كسَبْقه إلى مُباحٍ كماءٍ (٤)، وظاهِرُه: أنَّه إذا قام (٥) وتَرَكَ متاعَه؛ لم يَجُزْ لغَيره إزالتُه، وأنَّه إذا نَقَلَ متاعَه؛ كان لغيره الجلوسُ فيه. وقيل: إنْ فارَقَ لِيَعودَ قريبًا، فَعَادَ؛ فهو أحقُّ به. وعنه: يكونُ أحقَّ به إلى اللَّيل. وفي افْتِقاره إلى إذْنٍ فِيهِ؛ وجْهانِ. لكِنْ قال أحمدُ: ما كان يَنْبَغِي لنا أنْ نَشْترِيَ من هؤلاء الَّذين يَبِيعُون على الطَّريق (٦)، وحَمَلَه القاضِي على ضِيقِه، أوْ كَونِه يُؤذِي المارَّةَ. (فَإِنْ أَطَالَ الْجُلُوسَ فِيهَا) مِنْ غَيرِ إقْطاعٍ؛ (فَهَلْ يُزَالُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «الفروع»: أشْهَرُهما: أنَّه يُزالُ؛ لأِنَّه يصيرُ كالمتملك (٧)، ويَخْتَصُّ بنَفْعٍ يُساوِيهِ غَيرُه في اسْتِحْقاقه.

стр. 3481

والثَّاني: لا يُزالُ، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه سبق إلى (١) ما لم يَسبِقْ إلَيه مسلِمٌ، فلم يُمنَعْ من الاِسْتِدامة؛ كالاِبْتِداء. (فَإِنْ سَبَقَ إِلَيْهِ (٢) اثْنَانِ) فأكثرُ، وضَاقَ المكانُ؛ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) على المذْهَب؛ لأِنَّهما اسْتَوَيَا في السَّبْق، والقُرعةُ مُمَيِّزةٌ. (وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا (٣)؛ لأِنَّه أعْلَمُ بالمصْلَحة في ذلِكَ. (وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَعْدِنٍ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُ مِنْهُ)؛ للخَبَرِ، وسَواءٌ كان المعدِنُ ظاهِرًا أو باطِنًا إذا كان في مَواتٍ. (وَهَلْ يُمْنَعُ إِذَا طَالَ مُقَامُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «الفروع»: أحَدُهما، وجَزَمَ به في «الوجيز»: لا يُمنَعُ؛ للخَبَر. والثَّاني: بَلَى؛ لأِنَّه يَصيرُ كالمتملِّك. وفي «الشَّرح»: إنْ أَخَذَ قدْرَ حاجته (٤)، وأراد الإقامةَ؛ ليمنع (٥) غَيرَه؛ مُنِع منه؛ لأِنَّه تَضْيِيقٌ (٦) على النَّاس بما لا نَفْعَ فِيهِ. وإنْ سَبَقَ إلَيهِ اثْنانِ فأكثرُ، وضاقَ الوقتُ عن أخْذِهم جملةً؛ أُقرع (٧). وقِيلَ: إنْ أخذه لتجارةٍ؛ هَايَأَ الإمامُ بَينَهما، وإنْ أخَذَه لحاجةٍ؛ فأَوْجُهٌ: القرعة (٨)، والمهايَأَةُ، وتقديمُ مَنْ يَرَى الإمامُ، وأنْ يَنصِبَ مَنْ يأْخُذهُ،

стр. 3482

ويَقْسِمُه بَينَهم. (وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُبَاحٍ؛ كَصَيْدٍ، وَعَنْبَرٍ، وَحَطَبٍ، وَثَمَرٍ، وَمَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ)؛ كالذي يُنثَرُ من الثَّمر والزَّرع، وما يَنبُع من المياه في المَوات؛ (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)؛ لقَوله ﵇: «مَنْ سَبَقَ إلى ما لم (١) يَسبِقْ إلَيهِ مُسلِمٌ؛ فهو له» (٢)، مع قَوله لَمَّا رأى تَمرةً (٣) ساقطةً: «لولا أخْشَى أنْ تكونَ من الصَّدَقَة لَأَكَلْتُها» رواه البخاريُّ (٤). ويَملِكُه الآخِذُ، مسلِمًا كان أوْ ذِمِّيًّا. (وَإِنْ سَبَقَ إِلَيْهِ اثْنَانِ؛ قُسِمَ بَيْنَهُمَا)، جَزَمَ به الأدَمِيُّ وصاحب «الوجيز» البغْداديَّانِ؛ لأِنَّهما اسْتَوَيَا في السَّبَبِ، والقِسْمةُ ممكِنَةٌ، وحِذارًا من تأخير الحقِّ. وهذا إذا ضاق الوقْتُ عن أخْذِهم جملةً، والأشْهَرُ القُرعةُ. وقيل: يُقدِّمُ الإمامُ مَنْ شاء بالاِجْتِهاد وظُهور الأحَقِّيَّة؛ كأمْوال بيتِ المال. ولا فَرْقَ بَينَ الحاجَة وعَدَمِها. فَرْعٌ: الأسبابُ المقْتَضيةُ للتَّمْلِيك: الإحياءُ، والميراثُ، والمعاوَضاتُ، والهباتُ، والوصايا، والوقْفُ، والصَّدقاتُ، والغنيمةُ، والاصطياد (٥)، ووقوعُ الثَّلْج في المكان الَّذي أعدَّه، وانقلابُ الخَمْر، والبَيضةِ المذِرَةِ فَرْخًا.

стр. 3483

(وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ؛ كَمِيَاهِ الْأَمْطَارِ؛ فَلِمَنْ فِي أَعْلَاهُ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَ الْمَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِ)، نَصَّ عليه (١). وجُمْلَتُه: أنَّ الماءَ لا يَخْلُو: إمَّا أنْ يكونَ نَهْرًا جارِيًا، أوْ واقِفًا. والجارِي قِسْمانِ: إمَّا أن يكونَ في نهرٍ غيرِ مملوكٍ، وهو ضَرْبانِ: أحَدُهما: أن يكونَ نهرًا عظيمًا؛ كالنِّيل والفُرات الَّذي لا يَسْتَضِرُّ أحدٌ بالسَّقْي منه، فهذا لا تَزاحُمَ فيه. الثَّاني: أنْ يكونَ نهرًا صغيرًا يَزْدَحِم النَّاسُ فيه، ويتشاحُّون في مائه؛ كنَهْر الشَّام، أوْ مَسِيلٍ يتشاحّ فيه أهْلُ الأرَضِينَ الشَّاربةِ مِنْهُ، فيُبدَأُ بِمَنْ في أوَّل النَّهر، فيَسقِي، ويَحبِس الماءَ حتَّى يَصِلَ إلى الكَعْبَينِ، ثمَّ يُرسِلُ إلى الثَّاني فيَفعَل كذلك، حتَّى ينتهي إلى (٢) الأراضِي كلِّها. فإنْ لم يَفضُل عن الأوَّل شَيءٌ، أوْ عن الثَّاني، أو عن مَنْ يَلِيهما؛ فلا شَيءَ للباقِينَ؛ لأِنَّه لَيسَ لهم إلاَّ ما فَضَلَ (٣)، فَهُمْ كالعَصَبَةِ، ولا نَعلَم فيه خلافًا (٤)؛ لِمَا رَوَى عبدُ الله بن الزَّبَير: أنَّ رجلاً خاصَمَ الزُّبَيرَ في شِراجِ الحَرَّة الَّتي يَسقُونَ بها إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اسْقِ يا زُبَيرُ ثُمَّ أرْسِل الماءَ إلى جارِكَ»، فغَضِبَ الأنصاريُّ، وقال: أنْ كان ابْنَ عمَّتِكَ! فتلوَّنَ وجهُ رسولِ الله ﷺ ، ثمَّ قال: «اسْقِ يا زُبَيرُ ثُمَّ احْبِس الماءَ حتَّى يَرجِع إلى الجَدْرِ»، فقال الزُّبَيرُ: واللهِ إنِّي لَأَحْسِبُ هذه الآيةَ نَزَلَتْ في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ

стр. 3484

لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ … (٦٥)﴾ [النِّسَاء: ٦٥]، متَّفَقٌ عليه (١)، وذَكَرَ عبدُ الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: نَظَرْنا في قَول النَّبيِّ ﷺ : «ثمَّ (٢) احْبِس الماءَ حتَّى يَرجِعَ إلى الجَدر»، فكان ذلك إلى الكَعْبَينِ (٣)، وشِراج الحَرَّة: مَسايِلُ الماء، جَمْعُ: شَرج، وهو النَّهرُ الصَّغير، والحَرَّةُ: أرضٌ مُلْتَبِسةٌ بحِجارةٍ سُودٍ، ولأِنَّ السَّابِقَ في أوَّل النَّهر كالسَّابق إلى أوَّل المشْرَعة (٤)، وإنْ كانَتْ أرضُه مستفلة؛ سدَّها حتَّى يَصعَد إلى الثَّانِي، قاله في «التَّرغيب». فإن كانت أرضُ الأعلى مختَلِفةً؛ منها عاليةٌ، ومنها مُسْتَفِلة؛ سَقَى كلَّ واحدةٍ على حِدَتها. فإن اسْتَوى اثنانِ في القُرْب؛ اقْتَسَما الماءَ على قَدْرِ الأرض إنْ أمكنَ، وإلاَّ أُقْرِع، فإنْ كان الماءُ لا يَفضُل عن أحدهما؛ سَقَى مَنْ تَقعُ (٥) له القُرْعةُ بقدْر حقِّه. (فَإِنْ أَرَادَ إِنْسَانٌ (٦) إِحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا (٧) مِنْهُ؛ جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ

стр. 3485

الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ)؛ أيْ: إذا كان لِجماعةٍ رَسْمُ شربٍ من نهر غيرِ مملوكٍ، فجاء إنسانٌ ليُحْيِيَ مَواتًا أقربَ من رأس النَّهر من أرضهم؛ لم يَكُنْ له أنْ يَسقِيَ قَبْلَهم؛ لأِنَّهم أسبقُ إلى النَّهر منه. وظاهِرُه: أنَّهم لا يَمْلِكُون مَنْعَه من الإحياء، وفِيهِ وجْهٌ. فَعَلَى الأوَّل: لو سبق إلى مَسِيل ماءٍ، أو نهرٍ غيرِ مملوكٍ، فأحيا في أسْفَلِه مَواتًا، ثمَّ آخرُ فَوقَه، ثمُّ ثالِثٌ؛ سَقَى المحْيِي أوَّلاً، ثمَّ الثَّانِي، ثمَّ الثَّالِثُ؛ لأِنَّ العِبرةَ بقِدَم السَّبق إلى الإحْياءِ، لا إلى أوَّل النَّهر. القِسْمُ الثَّاني: الجارِي في نهرٍ مملوكٍ، وهو ضَربانِ: أحَدُهما: أنْ يكونَ الماءُ مُباحَ الأصْل، مِثْلَ أن يَحفِر إنسانٌ نهرًا صغيرًا يتَّصل بنهرٍ كبيرٍ مباحٍ، فما (١) لم يتَّصِل لا يَمْلِكه، وهو كالمتحَجِّر، فإذا اتَّصَلَ الحفْرُ؛ مَلَكَه وإن لم يَجْرِ فيه؛ إذ الإحْياءُ يَحصُل بتَهْيِئَتِهِ (٢) للاِنْتِفاع دُونَ حصولِ المنفَعَة، فيَصيرُ مالِكًا لِقَراره، وحافتيه، وحريمِه، وهو مَلْقَى الطِّين مِنْ جَوانِبِه. وقال القاضِي: هو حقٌّ من حُقوقِ الملك. وحِينَئِذٍ: إذا كان لِجماعةٍ؛ فهو بَينَهم على حَسَبِ العَمَل والنَّفقة، فإنْ لم يَكْفِهم، وتَراضَوا على قِسْمَتِه؛ جازَ، وإلاَّ قَسَمَه حاكِمٌ عِنْدَ التشاح (٣) على قَدْر ملْكِهِم. فإن احْتاجَ المشْتَرَك إلى كَرْيٍ أو عِمارةٍ؛ كان ذلك بَينَهم على حسب مِلْكِهم، فإنْ كان بعضُهم أدْنَى إلى أوَّله مِنْ بَعْضٍ؛ اشْتَرَك الكلُّ إلى أنْ يَصِلُوا إلى الأوَّل، ثمَّ لا شَيءَ عليه إلى الثَّاني، ثمَّ يَشْتَرِكُ مَنْ بَعْدَه كذلك كُلَّما انْتَهَى

стр. 3486

العَمَلُ، فإذا حصل نصيبُ إنسانٍ في ساقِيَته (١)؛ سَقَى به ما شاء. وقال القاضِي: لَيسَ له سَقْيُ أرضٍ (٢) لَيسَ لها رسمُ (٣) شِرب من هذا النَّهر. ولِكُلٍّ منهم أن يتصرَّف في ساقِيَتِه المختصَّة به بما أحبَّ من إجراءِ ماءٍ، أوْ رَحًى، أوْ دُولابٍ، بخِلاف المشْتَرَك. فإن أراد أحدُ الشُّرَكاء أنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّهر قَبْلَ قَسْمِه شيئًا يَسْقِي به (٤) أرْضًا في أوَّل النَّهر أوْ غَيرِه؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّ الآخِذَ منه ربَّما احْتاجَ إلى تصرُّفٍ في أول (٥) حافَة النَّهر المملوك لغَيره، ولو فاض ماءُ هذا النَّهر إلى أرض إنسانٍ؛ فهو مباحٌ؛ كالطائر. الضَّرْب الثَّاني: أن يكونَ مَنْبَعُ الماء مَمْلوكًا؛ بأنْ يَشْتَرِكَ جَمْعٌ في اسْتِنْباطِ عَينٍ وإجْرائها، فإنَّهم يَمْلِكونَها، ويَشْتَرِكون فيها وفي ساقِيَتها على حَسَبِ النَّفقة والعَمَلِ فيها. (وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ) - بفَتْح أوَّله وضمِّه؛ أيْ: يَمنَع - (أَرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ، تَرْعَى فِيهَا دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ التِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا)؛ كخَيلِ المجاهدين، وإبِلِ الصَّدقة، وضَوالِّ النَّاس؛ لِمَا رَوَى عمرُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَمَى النَّقيع لخيل المسلمين» رواه أبو عُبَيدٍ (٦)، النَّقيع بالنُّون: موضِعٌ يَنْتَقِعُ فيه الماءُ،

стр. 3487

فيَكثُرُ فيه الخصْبُ، وروى أبو عُبَيدٍ: أنَّ أعْرابِيًّا أتى عُمَرَ فقال: يا أمِيرَ المؤمنين بلادُنا قاتَلْنا عَلَيها في الجاهلية (١)، وأسْلَمْنا عليها في الإسلام؛ عَلامَ تَحْمِيها (٢)؟ قال: فأطْرَقَ عُمَرُ، وجَعَلَ يَنفُخُ ويَفتِلُ شارِبَه، فلما رَأَى الأعرابيُّ ما به جَعَلَ يُردِّدُ ذلك، فقال عمرُ: «المالُ مالُ الله، والعبادُ عبادُ الله، والله لَوْلَا ما أحْمِلُ عَلَيهِ في سبيل الله؛ ما حَمَيتُ من الأرض شِبرًا في شِبْرٍ» (٣)، قال مالِكٌ: «بَلَغَنِي (٤) أنَّه كان يَحمِلُ كلَّ عامٍ على أرْبَعينَ ألْفًا من الظَّهر» (٥)، ولأِنَّ في ذلك مصلحةً، فجاز للإمامِ فِعْلهُا؛ كسائر المصالِحِ.

стр. 3488

(مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ)؛ لأِنَّ الجاهليَّة كانوا يَحْمُونَ لأِنفسهم، فكان منهم مَنْ إذا انْتَجَعَ بَلَدًا؛ أقام كَلْبًا على نَشْزٍ ثمَّ اسْتَعْواه، ووَقَفَ له مِنْ كلِّ ناحيةٍ مَنْ يَسمَعُ صوتَه بالعواء، فحَيثُ انتهى صوتُه؛ حَماهُ من كلِّ ناحيةٍ لنفسه، ويرعَى مع النَّاس فيما سِواهُ، فنَهَى النَّبيُّ ﷺ عنه (١)؛ لِمَا فيه من الضِّيق على النَّاس، ومَنْعِهم من الاِنتِفاع بشَيءٍ لهم فيه حقٌّ. (وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ)؛ أي: لِغَير الإمام، فأمَّا النَّبيُّ ﷺ ؛ فقد كان (٢) يَحْمِي لنفسه وللمسلمين، ولم يَحْمِ لنفسه شَيئًا، وإنَّما حَمَى للمسلمين، وسائرُ أئمَّة المسلمين ليس لهم أنْ يَحْمُوا لأِنفسهم شيئًا، إلاَّ قَدْرًا لا يُضيِّقُ به على المسلمين ويَضُرُّهم. (وَمَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ)؛ أيْ: مع الحاجة إلَيه؛ لأِنَّ ما حَكَمَ به النَّبيُّ ﷺ نَصٌّ، فلا يجوز نَقْضُه بالاِجْتِهاد. فعَلَيه: مَنْ أحْيَا منه شيئًا؛ لم يَمْلِكْه. (وَمَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ؛ فَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: لإمامٍ غيرِه نقْضُه؛ كهو؛ لأِنَّ حِمَى الأئمَّة اجْتِهادٌ، وملْكُ الأرض بالإحياء نَصٌّ، والنَّصُّ مُقَدَّمٌ. والثَّاني: لا يَجوزُ نَقْضُه، كما لا يَجوزُ نَقْضُ حُكمِه. ويَنْبَنِي عليهما: لو أحْياه إنسانٌ هل يَمْلِكُه؟ مسألةٌ: قال في «الأحْكام السُّلْطانيَّة»: (إذا كان الحِمَى لكافَّة النَّاس؛ تَساوَى فيه جميعُهم، فإن خُصَّ به المسلِمُون؛ اشْتَرَك فيه غنيُّهم وفقيرُهم،

стр. 3489

ومُنِع منه أهلُ الذِّمَّة، وإنْ خُصَّ به الفقراءُ؛ مُنِعَ منه الأغنياءُ وأهلُ الذِّمَّة. ولا يَجوز أنْ يُخَصَّ به الأغنياءُ دُونَ الفقراء ولا أهل الذِّمَّة، فلو اتَّسع (١) الحِمَى المخصوصُ لعموم النَّاس؛ جاز أنْ يَشْتَرِكوا فيه؛ لاِرتِفاع الضَّرر على مَنْ يُخَصُّ به. ولو ضاقَ الحِمَى العامُّ عن جميع النَّاس؛ لم يَجُزْ أنْ يَختصَّ به أغنياؤهم (٢)، وفي فقرائهم قَولٌ. ولا يَجوز لأِحدٍ أنْ يأخُذَ من أرْباب الدَّوابِّ عِوَضًا مِنْ مَرعَى مَواتٍ أوْ حِمًى؛ لأِنَّه ﵇ شَرَّكَ النَّاسَ فِيهِ (٣). تذْنِيبٌ: مَنْ جَلَس في مسجِدٍ أو جامع لِفَتْوى، أو لِإقراء النَّاس؛ فهو أحقُّ به ما دام فيه، أو غاب لعُذْرٍ وعاد قريبًا، وإنْ جَلَسَ فِيهِ لصلاةٍ؛ فهو أحقُّ به فيها، وإنْ غاب لِعُذْرٍ وعاد قريبًا؛ فَوجْهانِ. ومَنْ سَبَقَ إلى رِباطٍ، أو نَزَل فقيهٌ بمدرسةٍ، أوْ صوفِيٌّ بخانقاه (٤)؛ رُجِّحَ به في الأقْيَس، ولا يَبطُل حقُّه بخروجه منه لِحاجَةٍ.

стр. 3490

(بَابُ الْجَعَالَةِ) هي بتَثْليث الجِيم، كما أفاده ابنُ مالِكٍ (١)، يُقالُ: جَعلْتُ له جُعْلاً: أوْجَبْتُ. وقال ابنُ فارِسٍ: الجُعْلُ والجَعالَةُ والجَعِيلةُ: ما يُعْطاهُ الإنسانُ على أمْرٍ يَفعَله (٢). وأصْلُها: قَولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يُوسُف: ٧٢]، وكان معلومًا عِندَهم؛ كالرِّشْق، وشَرْعُ مَنْ قَبْلَنا شَرْعٌ لنا، ما لم يَكُنْ في شَرْعنا ما يُخالِفُه، وحديثُ اللَّديغ (٣) شاهِدٌ بذلك (٤)، مع أنَّ الحِكْمةَ تَقْتضِيهِ، والحاجةَ تَدْعو إلَيهِ، فإنَّه قد لا يُوجَدُ مُتَبرِّعٌ، فاقْتَضتْ جوازَ ذلك. (وَهِيَ أَنْ يَقُولَ) المطْلَقُ التَّصرُّفِ: (مَنْ رَدَّ عَبْدِي (٥)، أَوْ لُقَطَتِي، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ)، وكذا سائرُ ما يُسْتأْجَرُ عَلَيهِ من الأعمال؛ (فَلَهُ كَذَا)، وهو أكثرُ من دِينارٍ أو اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهمًا، وإلاَّ فله ما قدَّره الشَّارِعُ؛ لأِنَّه في مَعْنى المعاوَضة، ويكون (٦) عَقْدًا جائزًا، لكلٍّ مِنْهما الرُّجوعُ فيه قَبْلَ العمل. واقْتَضَى ذلك: أنْ لا يكونَ في يَدِه، فلو كانت اللُّقَطةُ في يَدِه، فَجَعَل له مالِكُها جُعْلاً لِيَرُدَّها؛ لم يُبَحْ له أخْذُه. (فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ؛ اسْتَحَقَّهُ)؛ لأِنَّ العَقْدَ اسْتَقرَّ بِتَمام العَمَل، فاسْتَحقَّ الْجُعْلَ؛ كالرِّبح في المضارَبَة.

стр. 3491

وفي أثنائه؛ يَسْتَحِقُّ حِصَّةَ تَمامِه. (وَإِنْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمْ) بالسَّوِيَّة؛ لأِنَّهم اشْتَرَكوا في العمل الَّذي يُسْتَحَقُّ به العِوَضُ، فاشْتَرَكوا فيه؛ كالأجْر في الإجارة، بخِلافِ ما لو قال: مَنْ دَخَلَ هذا النَّقْبَ فله دِينارٌ، فَدَخَلَه جماعةٌ؛ اسْتَحَقَّ كلُّ واحِدٍ مِنْهُم دِينارًا كامِلاً؛ لأِنَّه قد دَخَلَ كلٌّ مِنْهمْ دُخُولاً كامِلاً، وهنا (١) لم يَرُدُّه واحِدُ منهم كامِلاً. ومِثْلُه: مَنْ نَقَبَ السُّورَ فله دِينارٌ، فنَقَبَ ثلاثةٌ نَقْبًا واحِدًا، فلو جَعَلَ لواحِدٍ في ردِّه دِينارًا، ولآِخَرَ دِينارَينِ، ولثالِثٍ ثلاثةً؛ فلكلِّ واحِدٍ منهم ثُلُثُ ما جَعَلَ له في رَدِّه. فلو جَعَلَ لواحِدٍ دِينارًا، ولآِخرَينِ عِوَضًا مجهولاً، فرَدُّوه؛ فلصاحِبِ الدِّينار ثُلُثُه، وللآخرَينِ أُجْرةُ عَمَلِهما. فإن جَعَلَ له جُعْلاً في ردِّه، فردَّه هو وآخَرانِ معه، وقَالَا: رَدَدْناهُ مُعاوَنةً له؛ اسْتَحَقَّ جميعَ الجُعْل، وإنْ قَالَا: رَدَدْناهُ لنَأخُذَ العِوَضَ؛ فلا شَيءَ لهما، وله ثُلُثُ الجُعْلِ. فَرْعٌ: إذا قال: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ مَوضِعِ كذا، فردَّه مِنْ نِصْفِ الطَّريق، أو قال: مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ، فردَّ أحدهما؛ فنصفه، وإنْ رَدَّه مِنْ أبْعَد؛ فله المسمَّى، ذَكَرَهُ في «التَّلخيص». وإنْ رَدَّه مِنْ غَيرِ الموضِع؛ لم يَسْتَحِقَّ شَيئًا، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، كهُرُوبِه منه في نصف الطَّريق أوْ مَوتِه. (وَمَنْ فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ)؛ أيْ: قَبْلَ بلوغِ الجُعْلِ؛ (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ)؛ لأِنَّ فِعْلَه وَقَعَ غَيرَ مأْذُونٍ فيه، فلم يَسْتَحِقَّه، ولأِنَّه بَذَلَ مَنافِعَه بغَيرِ عِوَضٍ جُعِلَ له،

стр. 3492

فيكونُ عامِلاً في مال غَيرِه بغَيرِ إذْنِه، وفارَقَ الملْتَقِط بعْدَ بلوغ الجُعْل، فإنَّما بَذَلَ منافِعَه (١) بعِوَضٍ جُعِلَ له، فاسْتَحقَّه؛ كالأجير إذا عَمِل بعد العَقْد، ولا يَسْتَحِقُّ أخذَ الجُعْل بِرَدِّها؛ لأنَّ الرَّدَّ واجِبٌ عليه. و (سَوَاءٌ رَدَّهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْجُعْلِ أَوْ بَعْدَهُ)؛ لِمَا سَبَقَ مِنْ أنَّ الجُعْلَ بدلٌ عن (٢) الفِعْل والرَّدِّ. فإنْ قال غَيرُ صاحِبِ الضالَّة: مَنْ ردَّها فله دِينارٌ؛ فهو ضامِنٌ له، وإنْ أسْنَدَه إلى مالِكِها؛ فلا. (وَتَصِحُّ عَلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، وَعَمَلٍ مَجْهُولٍ)؛ لأِنَّها عَقْدٌ جائِزٌ، فجاز أنْ يكونَ العَمَلُ والمدَّةُ مَجْهولَينِ؛ كالشَّرِكة، ولأِنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى ذلك؛ لكَونه لا يَعلَمُ مَوضِعَ الضَّالَّة والآبق. (إِذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا)؛ لأِنَّه يَصيرُ لازِمًا بِتَمام العمل، وكالأجرة؛ لأنَّه في معنى المعاوَضةِ، لا تعليقًا مَحْضًا، فلو قال: أنت بَرِيءٌ من المائَة؛ صَحَّ؛ لأِنَّ تعليقَ الإسْقاط أقْوَى. وفي «المغْنِي» تخريجٌ: بجَواز جَهالة الجُعْل، إن لم يَمنَع التَّسليم؛ لقَوله: مَنْ ردَّ ضالَّتِي فله ثُلُثُها، بخِلافِ: فَلَه شَيءٌ، أخْذًا مِنْ قَول الإمام في الغَزْوِ: مَنْ جاء بعشرة أرْؤُسٍ (٣) فله رأْسٌ (٤). فَعَلَيه: لو كانت الجَهالةُ تَمنَع من التَّسليم؛ لم تَصِحَّ الجعالةُ وجْهًا واحدًا، وحِينَئِذٍ: يستحقُّ (٥) العامِلُ أجرَ المثْلِ؛ لأِنَّه عَمَلٌ بعِوَضٍ لم يُسلَّمْ له،

стр. 3493

فاسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ؛ كالإجارة. وقد تَضَمَّن كلامُه أُمورًا: مِنْها: أنَّه لا يُشتَرَط العِلْمُ بالعمل والمدَّة، بخلافِ الإجارة. ومِنْها: أنَّه لو قدَّر المدَّةَ؛ بأنْ قال: إنْ وَجَدتها في شهرٍ؛ صحَّ؛ لأِنَّها إذا جازت مجهولةً؛ فمع التَّقْدير أَوْلَى. ومِنْها: لا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ العامل (١)؛ للحاجة. ومِنْها: أنَّ العَمَلَ قائِمٌ مَقامَ القَبول؛ لأِنَّه يَدُلُّ عَلَيه؛ كالوكالة. ومِنْها: أنَّ كلَّ ما جاز أنْ يكونَ عِوَضًا في الإجارة؛ جاز أنْ يكونَ عِوَضًا في الجعالة، وكلَّ ما جاز أخْذُ العِوَض عَلَيه في الإجارة؛ جاز أخْذُه في الجعالة. (وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ) من الطَّرَفَينِ، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٢)؛ كالمضارَبَة، (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، فَمَتَى فَسَخَهَا الْعَامِلُ) قَبلَ تمام العمل؛ (لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا)؛ لأِنَّه أسْقَطَ حقَّ نَفْسِه، حَيثُ لم يأْتِ بما شُرِط عَلَيه؛ كعامِلِ المضارَبَة. (وَإِنْ فَسَخَهَا الْجَاعِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ؛ فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ)؛ أيْ: أُجْرَةُ مِثْله؛ لأِنَّه عَمَلٌ بعِوَضٍ فلم يُسَلَّمْ له. ولو قِيلَ: تُقَسَّطُ (٣) الأُجْرةُ لم يَبْعُدْ. وظاهِرُه: أنَّه إذا فَسَخَ قَبْلَ التَّلَبُّس بالعَمَلِ؛ لا شَيءَ للعامِل. فإنْ زاد أوْ نَقَصَ في الجُعْل قَبْلَ الشُّروع في العمل؛ جاز؛ لأِنَّه عَقْدٌ جائزٌ، فجاز فيه ذلك، كالمضارَبَة.

стр. 3494

(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْجُعْلِ (١)، أَوْ قَدْرِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَاعِلِ)؛ لأِنَّه مُنكِرٌ (٢)، والأصلُ براءةُ ذِمَّته، وكذا الحُكْمُ إذا اخْتَلَفا في المسافة. وقيل: يَتَحالَفانِ إذا اخْتَلَفا في قَدْره والمسافة؛ كالأجير، فإذا تحالَفا؛ فُسِخَ العَقْد، وَوَجَب أجْرُ المِثْل؛ لأِنَّها عَقْدٌ يَجِب المسمَّى في صحيحه؛ فوجبت أجرةُ المِثْل في فاسِدِه؛ كالإجارة. وقيل في آبِقٍ: المقدَّرُ شَرعًا، ولا يَسْتَحِقُّ شَيئًا بلا شَرْطٍ، ذَكَرَه القاضِي. (وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلاً بِغَيْرِ جُعْلٍ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٣)؛ لأِنَّه بَذَلَ مَنفَعَتَه من غَيرِ عِوَضٍ، فلم يَسْتَحِقَّه، ولِئَلاَّ يَلزَمَ الإنسانَ ما لم يَلتَزِمْه ولم تَطِبْ نفْسُه به. وهذا إذا (٤) لم يَكُنْ مُعَدًّا لأِخْذِ الأُجْرة، فإنْ كان مُعَدًّا لها، وأذِنَ له؛ فله الأُجْرةُ، لكِنْ نَصَّ أحمدُ على أنَّ مَنْ خَلَّص مَتاعًا لغَيرِه: يَسْتَحِقُّ أُجرةَ مِثْلِه (٥)، بخِلافِ اللُّقطةِ. (إِلاَّ فِي رَدِّ الآْبِقِ)، فإنَّه يَسْتَحِقُّ الجُعْلَ بلا شَرْطٍ، رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ (٦)،

стр. 3495

وعلِيٍّ (١)، وابن مَسْعودٍ (٢)، وقالَهُ شُرَيحٌ، وعُمَرُ بنُ عَبد العزيز؛ لِئَلاَّ يَلْحَقَ بدارِ الحَرْب، أوْ يَشْتَغِلَ بالفَسادِ. (فَإِنَّ لَهُ بِالشَّرْعِ)؛ أيْ: بِشَرْع الشَّارِع؛ للخَبَرِ الوارِدِ فيه: (دِينَارًا، أَوْ اثْنَيْ (٣) عَشَرَ دِرْهَمًا)، جَزَمَ به في «الوجيز» وقدَّمه، واخْتارَه الأكْثَرُ؛ لِمَا رَوَى ابنُ أبي مُلَيكَةَ، وعمرو (٤) بنُ دِينارٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ في ردِّ الآبِق إذا جاء به خارِجًا من (٥) الحرم دِينارًا» (٦)، وهو قَولُ مَنْ سمينا، ولم نَعرِفْ لهم

стр. 3496

مخالفًا، فكان كالإجْماع، بخلاف الشَّارِدِ، فإنَّه لا يُفْضِي إلى ذلك. وظاهِرُه: أنَّه يَسْتَحِقُّه بِرَدِّه، سواءٌ كان من المِصْر أوْ خارجه، وسَواءٌ كان الرَّادُّ إمامًا أو غَيرَه، وهو مُقْتَضَى كلامِ جماعةٍ. ونَقَلَ حَرْبٌ: لا يَسْتَحِقُّه إمامٌ؛ لأِنَّه يَنْبَغِي له ردُّه على مالِكِه (١). ونَقَلَ ابنُ مَنصورٍ: أنَّ أحمدَ سُئِلَ عن جُعْلِ الآبِق، فقال: لا أدْرِي، قد تكلَّم النَّاسُ فيه، لم يكن عِندَه فيه حديثٌ صحيحٌ (٢)، فظاهِرُه: أنَّه لا شَيءَ له في ردِّه، واخْتارَه المؤلِّف تَبَعًا لِظاهِرِ الخِرَقِيِّ، ورُوِيَ عن النَّخَعيِّ وابنِ المنْذِر، والحديثُ الأوَّلُ مرسَلٌ، وفيه مَقالٌ، وكما لو ردَّ جَمَلَه الشَّارِدَ، ولأِنَّ الأصلَ عَدَمُ الوُجوب. (وَعَنْهُ: إِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ؛ فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا)، رُوِي عن ابن مسعودٍ (٣)، واخْتارَهُ الخَلاَّلُ، قال أبو إسْحاقَ: (أُعْطِيتُ الجُعْلَ في زَمَنِ مُعاوِيةَ أرْبَعينَ دِرْهَمًا) (٤)، وهذا يَدُلُّ على أنَّه مُسْتَفِيضٌ في العصر الأوَّل. وعَنْهُ: إنْ ردَّه من المِصْر؛ فَعَشرةٌ، قال الخَلاَّلُ: اسْتقرَّت عليه الرواية، وجَزَم به في «عيون المسائل»، وأنَّ الرِّوايةَ الصَّحِيحةَ من خارِجِ المِصْر: دِينارٌ، أوْ عَشرةُ دَراهِمَ. وفي «الخصال» لاِبنِ البَنَّاء، وكتاب «الرِّوايَتَينِ»: أنَّه عَشرةُ دَراهِمَ مطلَقًا، وبالَغَ القاضي في ذلك، فقال: إنَّ الرِّوايةَ لا تَختَلِف فيه. ونَقَلَ ابنُ هانِئٍ عن أحمدَ فِيمَنْ عمَّر قناةً دُونَ قَومٍ: أنَّه يَرجِعُ عَلَيهِم (٥)،

стр. 3497

ذَكَرَهُ القاضي في «التعليق»، وعلَّله: بأنَّ الآبارَ بمنزلة الأعيان، فكما يَرجِعُ بالأعيان؛ يَرجِعُ بها، قاله الزَّرْكَشِيُّ. وهذا التعليل (١) يَقْتَضِي الرُّجوعَ فِيما عَمِلَه بأنْ يُزيلَه، كما يَرجِعُ في الأعيان، لا أنَّه (٢) يَرجِعُ بِبَدَلِ ذلك على مالِكِ العَينِ. (وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي قُوتِهِ)؛ أيْ (٣): يَرجِعُ بِنَفَقَته؛ لأِنَّه مأْذُونٌ في الإنْفاق شَرْعًا؛ لحُرْمة النَّفْسِ، بخلاف قَضاءِ الدَّينِ بغَيرِ إذْنِه، فإنَّه مَحَلُّ خِلافٍ. وظاهِرُه: أنَّه يَرجِعُ ولو لم يَسْتَحِقَّ جُعْلاً؛ كردِّه من غَيرِ بَلَدٍ سَمَّاهُ. (وَإِنْ هَرَبَ مِنْهُ فِي طَرِيقِهِ)؛ فإنَّها لا تَسقُطُ، نَصَّ عَلَيه (٤)؛ لأِنَّها وَقَعَتْ مأْذونًا فيها شَرْعًا، أشْبَهَ ما لو وَقَعَتْ بإذْن المالك ثُمَّ هَرَبَ. وقِيلَ: إنْ نَوَى الرُّجوعَ. وفي جواز اسْتِخْدامه بها روايتان في «الموجز» و «التَّبصرة». وظاهِرُه: يَقْتَضِي أنَّه لا يَستَحِقُّ الجُعْلَ إلاَّ بِرَدِّه، لا بِوِجْدانه، وظاهر (٥) كلام جماعةٍ: أنَّه في مُقابَلة الوجْدان، فَعَلَيه: هي بَعْدَ الوجدان (٦) كغيرها من اللُّقطات، لصاحبها أخْذُها، ولا يَجِب على الملْتَقِط مُؤْنةُ ردِّها. وجوابُه: أنَّ (٧) المرادَ بالوجْدان الوجْدان المقْصود، لا مُجَرَّد الوجْدان،

стр. 3498

حتَّى لو ضاعَتْ بَعْدُ أو تَلِفَتْ؛ اسْتَحقَّ الجُعْلَ؛ لأِنَّ هذا غَيرُ مَقْصودٍ قَطْعًا (١)، فإذَنْ يَرتَفِعُ الخِلافُ. (وَإِنْ (٢) مَاتَ السَّيِّدُ؛ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ فِي تَرِكَتِهِ)، والمرادُ به الجُعْلُ، قاله في «الشَّرح»، وعلَّله: بأنَّه عِوَضٌ عن عَمَله؛ فلا يَسقُطُ بالموت كالأُجْرة، وسَواءٌ كان مَعْروفًا بِرَدِّ الآبِقِ أوْ لا. والظَّاهِرُ من كلامِ المؤلِّف: شُمولُه للجُعْل والنَّفقة؛ إذ (٣) لا مُقْتَضَى للتخصيص (٤)؛ لأِنَّه حَقٌّ وَجَبَ في تَرِكَته؛ كسائر الحُقوق الثَّابتة. وعُلِمَ منه: جوازُ أخْذِ الآبِقِ لِمَنْ وَجَدَه، بخِلاف الضَّوالِّ الَّتي تَحفَظُ نَفْسَها، وهو أمانةٌ، ومن ادَّعاه فصدَّقه العَبْدُ؛ أخَذَه، فإن لم يَجِدْ سيِّدَه؛ دَفَعَه إلى الإمام أوْ نائِبِه؛ ليَحفَظَه لِصاحِبِه، ولَه بَيعُه لِمصلحةٍ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٥)، فإنْ قال: كنتُ أعْتَقْتُه؛ فوَجْهانِ، فإنْ قُلْنا: لا يُقْبَل، فليس لسيِّده أَخْذُ ثَمَنِه، ويُصرَفُ لبيت المالِ؛ لأِنَّه لا مُستَحِقَّ له، فإنْ عادَ السَّيِّدُ فأنْكَرَ العِتْقَ، وطَلَبَ المال؛ دُفِعَ إلَيهِ؛ لأِنَّه لا مُنازِعَ له. ولَيسَ للملتقِط بَيعُه، ولا يَمْلِكُه بعد تعريفه؛ لأِنَّه يَنحَفِظُ بِنَفْسِه، فهو كضوالِّ الإبِلِ، فإنْ باعَهُ؛ فهو فاسِدٌ في قَولِ عامَّةِ العُلَماءِ (٦).

стр. 3499

(بَابُ اللُّقَطَةِ) حُكِيَ عن الخَلِيل: اللُّقَطةُ بِضَمِّ اللاَّم، وفَتْحِ القاف: الكثيرُ الاِلْتِقاطِ (١)، وحَكَى عنه في «الشَّرح»: أنَّها اسمٌ للمُلْتَقِط؛ لأِنَّ ما جاء على فُعَلَةٍ فهو اسْمُ الفاعِلِ؛ كالضُّحَكةِ، والهُمَزَة، واللُّمَزَةِ، وبِسُكون القاف: ما يُلْتَقَط. وقال الأصْمَعِيُّ والفَرَّاءُ: هي بفَتْح القاف اسمٌ للمال الملْتَقَط (٢). ويُقالُ فيه أيضًا: لُقاطَةٌ، بضمِّ اللاَّم، ولَقَطٌ، بفَتْحِ اللاَّم والقاف. (وَهِيَ الْمَالُ الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ)، هذا بَيانٌ لِمَعْنَى اللُّقَطةِ شَرْعًا، قال بعضهم: وهي مُخْتصَّةٌ بغَيرِ الحَيَوان، وتُسَمَّى ضالَّةً. والأصْلُ فيهَا: ما رَوَى زَيدُ بن خالِدٍ الجُهَنِيُّ قال: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عن لُقطةِ الذَّهَب والوَرِقِ؟ فقال: «اعْرِفْ وِكاءَها وعِفاصها، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً، فإنْ لم تُعرَفْ فاسْتَنْفِقْها ولْتَكُنْ وديعةً عِندَكَ، فإنْ جاءَ طالِبُها يومًا من الدَّهْر فادْفَعْها إلَيهِ»، وسَأَلَه عن ضالَّة الإبل، فقال: «ما لَكَ ولَها، مَعَهَا سِقاؤها وحِذاؤها، تَرِدُ الماءَ وتَأكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَجِدَها ربُّها»، وسأله عن الشَّاة، فقال: «خُذْها، فإنَّما هِيَ لَكَ، أوْ لأِخِيكَ، أوْ للذِّئْب» متَّفَقٌ عَلَيهِ (٣). ولها أرْكانٌ ثلاثةٌ: أحدُها: المالُ الضَّائعُ. الثَّانِي: الاِلْتِقاطُ. الثَّالِثُ: الملْتَقِط، وهو كلُّ مَنْ يَصِحُّ اكْتِسابُه بالفِعْل، من اصْطِيادٍ ونحوِه. (وَتَنْقَسِمُ (٤) ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ): (أَحَدُهَا: مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ)؛ أيْ: هِمَّةُ أوْساطِ النَّاس، ولو كَثُرَ؛

стр. 3500

(كَالسَّوْطِ)، وهو الذي يُضرَبُ به، كذا أطْلَقوا، وفي «شرح المهذَّب» (١): هو فَوقَ القَضِيب ودُون العَصا، وفي «المختار»: هو سَوطٌ لا ثَمَرَةَ له، (والشِّسْعِ)، أحدُ سُيُور النَّعْل الذي يُدخَلُ بَينَ الإصْبعَينِ، (وَالرَّغِيفِ؛ فَيُمْلَكُ (٢) بِأَخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ)، ويُباحُ الاِنْتِفاعُ به؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ قال: «رخَّص النَّبيُّ ﷺ في العصا، والسَّوط، والحَبْل، يَلْتَقِطُه الرَّجُلُ يَنتَفِعُ به» رواهُ أبو داودَ (٣)، وكذا التَّمرةُ، والخِرقَةُ، وما لا خَطَرَ له. وفي «التَّبصرة»: صَدَقَتُه به أَوْلَى. فإنِ الْتَقَطَه وانْتَفَع به وتَلِفَ؛ فلا ضَمانَ فِيهِ، ذَكَرَه في «المستوعب» وغيره. وفي «المغْنِي»: لَيسَ عن أحمدَ تحديدُ اليسيرِ الَّذي يُباحُ، والمعروفُ في المذْهَب: تَقْيِيدُه بما لا تَتْبَعُه هِمَّةُ أوْساطِ النَّاس، ولو كَثُرَ، ونَصَّ في روايةِ أبي بَكْرِ بنِ صَدَقَةَ: أنَّه يُعرَّفُ الدِّرْهَمُ (٤). وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَجِبُ تعريفُ الدَّانِق، وحَمَلَه في «التَّلخيص» على دانِقِ الذَّهَب؛ نَظَرًا لِعُرْفِ العِراقِ. وعَنْهُ: يَلزَمُه تعريفُ اليَسير، وقيل: مُدَّةً يُظَنُّ طلَبُ ربِّه له.

стр. 3501

ولا يَلزَمُه دَفْعُ بَدَلِه، خِلافًا ل «التَّبصرة». وقِيلَ لأِحمدَ في التَّمرة يَجِدُها أوْ يُلْقِيها عُصْفورٌ: أَيَأْكُلُها؟ قال: لا، قال: أَيُطْعِمُها صَبِيًّا أوْ يَتَصَدَّقُ؟ قال: لا يَعْرِضُ لها، نَقَلَه أبو طالِبٍ (١)، واخْتارَه عبدُ الوهَّاب الورَّاقُ. (الثَّانِي: الضَّوَالُّ)، مُفرَدُه: ضالَّةٌ، وهي اسْمٌ للحَيَوان خاصَّةً، ويُقالُ لها: الهَوَامِي، والهَوامِلُ، (التِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ)، وتَرِدُ الماءَ؛ (كَالإِبِلِ وَالْبَقَرِ)، نَصَّ عَلَيهِما (٢)، (وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيْرِ، وَالْفُهُودِ، وَنَحْوِهَا)؛ كالكَلْب. وجُمْلَتُه: أنَّ كلَّ حَيَوانٍ يَقْوَى على الاِمْتِناع مِنْ صِغارِ السِّباع، وَوُرُودِ الماء، سَواءٌ كان لِكِبَر جثته (٣) كالإبِلِ، أوْ لطيرانه؛ كالطُّيُور كلِّها، أوْ لِعَدْوِه؛ كالظِّباء، أوْ بِنابِهِ؛ كالفَهْد والكَلْب؛ (فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا)؛ لِقَولِ عُمَرَ: «من أخذ (٤) الضَّالَّةَ فهو ضالٌّ» (٥)، أيْ: مُخْطِئٌ. وهي (٦) تُفارِقُ الغَنَمَ؛ لِضعفِها، وقِلَّةِ صَبرِها عن الماء، والخَوْفِ عَلَيها من الذِّئْب ونحوِه. والحُمُرُ الأهْلِيَّةُ كذلِكَ، قالَهُ الأصْحابُ. وفي «المغْنِي»: الأَوْلَى إلْحاقُها بالشَّاة؛ لِمُساوَاتِها لها في العِلَّة.

стр. 3502

لكِنْ إنْ كانت الصُّيودُ مُتَوحِّشَةً (١)، بحَيثُ إذا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلى الصَّحراء (٢)، وعَجَزَ عنها مالِكُها؛ جاز الْتِقاطُها لأِجْلِ حِفْظِها لصاحِبِها. ويُستثنَى مِنْ كلامه: ما إذا وَجَدَها في مَوضِعٍ يُخافُ عَلَيها به؛ كأرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أوْ قريبًا من دار الحَرْب، أوْ بِمَوضِعٍ يَسْتَحِلُّ أهلُه أمْوالَ المسلمين، أوْ في برِّيَّة لا ماءَ بها ولا مَرْعَى؛ فالأَوْلَى أخْذُها للحِفْظ، ولا ضَمانَ عَلَيهِ؛ لأِنَّ فِيهِ إنْقاذَها من الهَلاك، أشْبَهَ تَخْلِيصَها مِنْ حَريقٍ. (وَمَنْ أَخَذَهَا؛ ضَمِنَهَا)؛ لأِنَّه أَخَذَ ملْكَ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه ولا إِذْنِ الشَّارِعِ، فهو كالغاصِب، ولا فَرْقَ بَينَ زَمَنِ الأمْن والفساد أوْ غَيرِه، وسَواءٌ كان إمامًا أوْ لا، فإن (٣) ردَّها إلى مَوضِعِها؛ لم يَبْرَأْ منه، لكِنْ إذا الْتَقَط ذلك غَيرُ الإمام، وكَتَمَه؛ ضَمِنَه بِقِيمَتِه مرَّتَينِ، نَصَّ عَلَيهِ (٤)؛ للخَبَرِ (٥). (فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى نَائِبِ الْإِمَامِ؛ زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ)؛ لأِنَّ الإمامَ له نَظَرٌ في ضوالِّ النَّاس، فكان نائِبًا عن أصْحابها.

стр. 3503

وعُلِمَ منه: أنَّ للإمامِ ونائبِه أخْذَها للحِفظ؛ لقَول عُمَرَ (١)، ولا يَلزَمُه تَعْريفُها، ولا تُؤخَذُ منه بِوَصْفِها. فإنْ أخَذَها غَيرُهما ليَحْفَظَها على أصحابها؛ لم يَجُزْ، ولَزِمَه ضمانُها؛ لأِنَّه لا ولايةَ له على صاحبها. فائدةٌ: يَسِمُ الإمامُ ما يَحصُل عِندَه من الضَّوال؛ بأنَّها ضالَّةٌ، ويُشْهِدُ عَلَيها، قال في «الرِّعاية»: سِمَةَ الصَّدقةِ. فَرْعٌ: ما يَنحَفِظ بنَفْسه من الأحجار الكِبارِ؛ كحَجَر الطَّاحُون، والخَشَب الكبيرِ، وقُدورِ القُماش؛ فهو كالإبل، بل أَوْلَى، قاله في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وقدَّم (٢) في «الفُروع» خِلافَه. ومَنْ أُخِذَ مَتاعُه وتُرِك (٣) بَدَلَه؛ فَلُقطَةٌ، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، ويَأخُذُ حقَّه منه بَعد تعريفه (٥). أصلٌ: إذا وَجَدَ (٦) في حَيَوانٍ نقدًا (٧)، أوْ دُرَّة (٨)؛ فهو لُقطةٌ لواجِدِه، نَصَّ عَلَيهِ (٩).

стр. 3504

ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: لبائعٍ ادَّعاه، إلاَّ أنْ يَدَّعِيَ مُشْتَرٍ أنَّه أَكَلَه عِندَه؛ فهو له (١). وإنْ وَجَدَ دُرَّةً غَيرَ مَثْقوبَةٍ في سَمَكةٍ؛ فهي لِصَيَّادٍ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ ابْتِلاعُها مِنْ معدِنِها. فلو تَرَكَ دابَّةً بِمَهْلَكَةٍ أوْ فلاةٍ؛ لعجزه أو (٢) انْقِطاعِها؛ مَلَكَها آخِذُها، نَصَّ عَلَيه (٣). وقِيلَ: لا، بل هي لِمالِكِها؛ كعَبْدٍ، وتَرْكِ مَتاعٍ عَجْزًا؛ فيَرجِعُ بنَفَقتِه وأُجْرةِ مَتاعٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٤). وقِيلَ: لا نَفَقَةَ، ولا أُجْرةَ. وقيل: في نَفَقَة العَبْدِ رِوايتانِ. وكذا ما يُلْقَى في البحر خَوفًا من الغَرَقِ، فإنَّه يَمْلِكُه آخِذُه، وفي «الشَّرح»: لا أعْلَمُ لأِصْحابِنا فيه قَولاً. وقيل: لَا، وله أُجرَةُ ردِّ مَتاعِه في الأصحِّ. فإنِ انْكَسَرَت السَّفينةُ، وأخْرَجَه (٥) قَومٌ؛ فَقِياسُ قَولِ أحمدَ: لِمُسْتَخْرِجه أُجْرَةُ المِثْل؛ كجُعْل (٦) ردِّ الآبِق. وقال القاضِي: يَأْخُذُ أصْحابُ المتاعِ متاعَهم، ولا شَيءَ للذِينَ أصابُوهُ. والأوَّل أَوْلَى. (الثَّالِثُ: سَائِرُ الْأَمْوَالِ؛ كَالْأَثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ، وَالْغَنَمِ، وَالْفُصْلَانِ)، بِضَمِّ

стр. 3505

الفاء، جَمْعُ فَصِيلٍ، وهو وَلَدُ النَّاقَة إذا فُصِلَ عن أمِّه، (وَالْعَجَاجِيلِ (١)، جَمْعُ عِجْلٍ، وهو وَلَدُ البقرة (٢)، قال ابن (٣) مالك: حين (٤) يُوضَعُ (٥)، والجَمْعُ: العَجَاجِيلُ، (وَالْأَفْلَاءِ)، قال الجَوْهَرِيُّ: الفَلُوُّ؛ بتشديد الواو: المُهْرُ، والأُنْثى: فَلُوَّةٌ، والجَمْع: أفْلاءٌ؛ كأعداءٍ، قال أبو زَيدٍ: إذا فَتَحْتَ الفاءَ شَدَّدَتَ، وإذا كَسَرْت خَفَّفْتَ، فَقُلْتَ: فِلْو؛ كجِرْوٍ (٦). (فَمَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا؛ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا)؛ لِمَا في ذلك مِنْ تَضْيِيعِ مالِ غَيرِه، فحَرُم؛ كإتْلافه، وكما لو نَوَى تَمَلُّكَها في الحال أوْ كِتْمانَها (٧). (فَإِنْ فَعَلَ؛ ضَمِنَهَا)؛ كغاصِبٍ، سَواءٌ تَلِفَتْ بتَفْريطه أوْ لا، (وَلَمْ يَمْلِكْهَا وَإِنْ عَرَّفَهَا)؛ لأِنَّ السَّببَ المحرَّمَ لا يُفِيدُ الملْكَ بدليلِ السَّرِقَة، والْتِقاطُ هذه مُحرَّمٌ، فلا (٨) يُسْتَفَادُ به الملْكُ. وقِيلَ: تُمْلَكُ؛ لأِنَّ الملْكَ بالتَّعريف والالتقاط (٩)، وقد وُجِدا (١٠)؛ كالاصْطِياد مِنْ أرْضِ غَيرِه. (وَمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا؛ فَلَهُ أخْذُهَا)؛ لحديثِ زَيْد (١١)، ثَبَتَ في النَّقْدَينِ، وقِسْنَا عليهما (١٢) المتاعَ، وعلى الشَّاةِ قِسْنَا كلَّ
следующие страницы →