← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

الحاكم حتَّى يأْمُرَه بالإنْفاق) (١)، فلم يَجعَلْ له الإنْفاقَ من غَيرِ إذْنِ الحاكِمِ، وهذا مِثْلُه. قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: والصَّحيحُ أنَّه مُخالِفٌ له من وَجْهَينِ: أحدُهما: أنَّ الملْتَقِطَ له (٢) ولايةٌ على اللقيط وعلى مالِهِ. والثَّاني: أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيط من مالِهِ، وهذا بخِلافه؛ لأِنَّه يُشتَرَطُ عِندَه إثْباتُ حاجته؛ لِعَدَم مالِهِ، وعَدَمِ نفقةٍ (٣) متروكةٍ برَسْمه. ومتى لم يَجِدْ حاكمًا؛ فله الإنفاقُ عليه بكلِّ حالٍّ؛ لأِنَّه حالُ ضَرورةٍ. وبالجملة: فالمستَحَبُّ استِئْذانُه في مَوضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا؛ لأِنَّه أبْعَدُ من التُّهمة، والخُروج من الخِلاف. فإنْ بَلَغَ، واخْتَلَفا في قَدْرها والتَّفريط؛ قُبِلَ قَولُ المنْفِقِ؛ لأِنَّه أمِينٌ. (وَإِنْ (٤) كَانَ فَاسِقًا، أَوْ رَقِيقًا، أَوْ كَافِرًا، وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ، أَوْ بَدَوِيًّا يَتَنَقَّلُ (٥) فِي الْمَوَاضِعِ، أَوْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ، فَأَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى الْبَادِيَةِ؛ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ)، وفِيهِ مسائلُ: الأولى: أنَّه لا يُقَرُّ في يَدِ الفاسِقِ؛ لأِنَّه لَيسَ في حِفْظِه إلاَّ الولايةُ، ولا ولايَةَ لِفاسِقٍ، وفارَقَ اللُّقطةَ مِنْ حَيثُ إنَّها في مَعْنَى التَّكَسُّبِ، وإنَّها (٦) إذا انْتُزِعَتْ منه فَتُرَدُّ إلَيهِ بَعْدَ الحَول. وظاهِرُ الخِرَقِيِّ: أنَّه (٧) يُقَرُّ في يدِه في الحَضَر، وهو أحَدُ الوَجْهَينِ؛ لكَونِه

стр. 3537

سَبَقَ إلى ما لم يَسْبِقْ إلَيهِ مسْلِمٌ، فيَكونُ أحقَّ، فإنْ أراد السَّفَرَ به مُنِعَ؛ لأِنَّه يُبْعِدُه مِمَّنْ يَعرِف حالَه، فلا يُؤمَنُ أنْ يَدَّعِيَ رِقَّه ويَبِيعَه. قال في «المغْنِي»: فَعَلَى قَولِه؛ يَنبَغِي أنْ يَجِبَ الإشْهادُ عَلَيهِ، ويُضَمَّ إلَيهِ أَمِينٌ يُشارِفُه؛ لِيُؤْمَنَ التّفريطُ فِيهِ. وفِيهِ وَجْهٌ: يُقَرُّ في يَدِه مطلَقًا؛ كاللُّقطة، ويُجابُ عمَّا ذكر: بأنَّ اللَّقِيطَ ظاهِرٌ ومَكْشوفٌ لا تَخفَى الخِيانةُ فِيهِ، بخِلافها؛ ولأِنَّه يُمكِنُ أخْذُ بعضِها وإبْدالُها بخِلافِ اللَّقِيط، ولأِنَّ المالَ محلُّ الخِيانة، والنُّفوسُ إلى أخْذِها داعِيَةٌ، بخِلافِ النُّفوس. فإنْ كان مَسْتورَ الحالِ؛ فَوجْهانِ. فَرْعٌ: لا يُقَرُّ في يَدِ مُبَذِّرٍ، وإنْ لم يكُنْ فاسِقًا، قالَهُ في «التَّلخيص»، فإنْ أرادَ السَّفَر به؛ لم يُمنَعْ للأمْن عَلَيهِ. وقال ابنُ حَمْدانَ: السَّفِيهُ كالفاسِقِ. الثَّانيةُ: أنَّه لا يُقَرُّ في يَدِ العَبدِ؛ لأِنَّه لا وِلايَةَ له، إلاَّ أنْ يَأْذَنَ له سيِّدُه؛ لأِنَّ مَنافِعَه مَمْلوكةٌ له، فلا يُذْهِبُها في غَيرِ نَفْعِه إلاَّ بإذْنِه، فيَصيرُ كما لو الْتَقَطَه سيِّدُه وسلَّمه إلَيهِ، فإذا أذِنَ له؛ فَلَيسَ له الرُّجوعُ، قالَهُ ابنُ عَقِيلٍ، والأمَةُ كالعَبدِ. لكِنْ إنْ لم يَجِدْ أحَدًا يَلْتَقِطُه سِواهُ؛ تَعَيَّنَ عَلَيهِ؛ كتَخْليصِه من الغَرَقِ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». فائدةٌ: المدبَّرُ، والمكاتَبُ، وأمُّ الوَلَد، والمعلَّقُ عِتْقُه بصفَةٍ؛ كالقِنِّ. الثَّالِثةُ: أنَّه لا يُقَرُّ في يَدِ كافِرٍ إذا كان اللَّقِيطُ مُسلِمًا؛ لأِنَّه لا وِلايةَ لكافِرٍ؛ ولأِنَّه لا يُؤمَنُ أنْ يُعلِّمَه الكفْرَ، بل الظَّاهِرُ أنَّه يُرَبِّيهِ على دِينِه، نَعَمْ؛ حَيثُ حُكِمَ بكُفْرِ اللَّقِيطِ، فإنَّه يُقَرُّ في يَدِه؛ لأِنَّ بعضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ.

стр. 3538

الرَّابِعةُ: أنَّه لا يُقَرُّ في يَدِ البَدَوِيِّ الذي يَتَنقَّلُ (١) في (٢) المواضِعِ؛ لأِنَّ فِيهِ إتْعابًا للطِّفلِ بتَنقُّله، فَعَلَيهِ: يُؤخَذُ مِنْهُ ويُدفَعُ إلى صاحِبِ قَريةٍ؛ لأِنَّه أرْفَهُ له، وأخفُّ عَلَيهِ. وفي آخَرَ: أنَّه يقرُّ فِي يَدِه؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّه وَلَدُ بدويين، وإقْرارُه في يَدِ (٣) ملتقطه أرْجَى لِكَشْف نَسَبِه. وأطْلَقَهُما في «الفروع». الخامِسةُ: أنَّه لا يُقَرُّ في يَدِ مَنْ وَجَدَه في الحَضَر وأراد نَقْلَه إلى البادية؛ لأِنَّ مقامَه في الحَضَر أصْلَحُ له في دِينه ودُنياهُ، وأرْفَهُ له، والظَّاهِرُ أنَّه وُلِدَ فِيهِ، فبَقاؤه فِيهِ أرْجَى؛ لِكَشْفِ نَسَبِه، وظُهورِ أهْلِه، واعْتِرافِهم به. (وَإِنِ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ (٤)، بكسر الحاء المهملة: البُيوتُ المجْتَمِعةُ، وحِيَنئِذٍ يُقَرُّ في يَدِه؛ لأِنَّ الحِلَّةَ كالقَرية في كَونهِ لا يرحل (٥) لِطَلَبِ الماء والكَلَأِ. (أَوْ مَنْ يُرِيدُ نُقْلَةً (٦) إِلَى الْحَضَرِ؛ أُقِرَّ مَعَهُ)؛ لأِنَّه يَنقُلُه مِنْ أرْض البؤس والشَّقاء إلى الرَّفاهِيَة والدَّعَةِ والدِّينِ. (وَإِنِ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ النُّقْلَةَ (٧) إِلَى بَلَدٍ آخَرَ؛ فَهَلْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؟ عِلَى وَجْهَيْنِ): أحَدُهما: لا يُقَرُّ في يَدِه؛ لأِنَّ بَقاءَهُ بِبَلَدهِ أرْجَى لكَشْفِ نَسَبِه.

стр. 3539

والثَّاني: يُقَرُّ؛ لأِنَّ وِلايَتَه ثابِتةٌ، والبَلَدُ الثَّانِي كالأوَّل في الرَّفاهِيَة، أشْبَهَ المنْتَقِلَ من أحدِ جانِبَي البَلَد إلى الجانِب الآخَرِ. وكذا الخِلافُ لو أراد نُقْلَةً من قَريةٍ إلى قَريةٍ، أوْ مِنْ (١) حِلَّة (٢) إلى حِلَّةٍ. وعلى المنْعِ: ما لم يَكُنْ البلدُ الَّذي (٣) كان فيه وَبِيئًا؛ كَغَورِ بيسَانَ (٤)، قاله الحارِثِيُّ. وقِيلَ: إنْ نَوَى الإقامةَ فِيمَا انْتَقَلَ به إلَيهِ مِنْ حِلَّةٍ وقَريةٍ وبلدٍ؛ جازَ. وفي «التَّرغيب»: مَنْ وَجَدَه بفَضاءٍ خالٍ؛ نَقَلَهُ حَيثُ شاءَ. (وَإِنِ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ)، بحَيثُ إنَّهما تَناوَلاهُ جَمِيعًا؛ (قُدِّمَ المُوسِرُ (٥) عَلَى المُعْسِرِ)؛ لأِنَّ ذلك أحظُّ للطِّفلِ، (وَالمُقِيمُ عَلَى المُسَافِرِ)؛ لأِنَّه أرْفَقُ بالطِّفل. وعُلِم منه: أنَّهما لو كانا غير (٦) مُتَّصِفَينِ بما ذَكَرْنا، فإنَّه يُنزَعُ من أيديهما. ويُقدَّمُ الأمينُ على غَيرِه، والمسْلِمُ على الكافِرِ ولو كان المسْلِمُ فَقيرًا؛ لأِنَّ النَّفْعَ الحاصِلَ بإسْلامه أعْظَمُ من النَّفع الحاصِلِ بِيَسارِه، وعلى قِياسِ قَولِهم (٧): يُقدَّمُ الجَوَادُ على البخيل، وفي «التَّرغِيب»: يُقدَّمُ بَلَدِيٌّ على غَيرِه، ويُقدَّمُ ظاهِرُ العدالة على (٨) مَسْتورِ الحالِ، وقِيلَ: سَواءٌ؛ لأِنَّ احْتِمالَ وُجودِ

стр. 3540

المانِعِ لا يُؤثِّرُ في المنْعِ، فلا يُؤثِّرُ في التَّرجِيح. (فَإِنْ تَسَاوَيَا) في الصِّفات، (وَتَشَاحَّا؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عِمرَان: ٤٤]؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ كَونُه عِندَهما في حالةٍ واحدةٍ، وكالقُرْعة في الشَّرِكة، والقَسْمِ، والعِتْقِ. وظاهِرُه: ولو كان بَينَهما مُهَايَأَةٌ؛ لاِخْتِلاف الأغْذِية، والأُنْس، والإِلْف. والمرأةُ كالرَّجُل. وقِيلَ: يُسلِّمُه الحاكِمُ إلى أحَدِهما أوْ غَيرِهما، فلو رَضِيَ أحدُهما بِتَسْلِيمه إلى الآخَرِ؛ جازَ؛ لأِنَّ الحقَّ له، فلا يُمنَعُ من الإيثارِ به. (وَإِنِ (١) اخْتَلَفَا فِي المُلْتَقِطِ مِنْهُمَا؛ قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ)؛ لأِنَّها أقْوَى، فإنْ كان لِكلٍّ منهما بيِّنةٌ؛ قُدِّمَ أسْبَقَهُما تاريخًا. فإنِ اسْتَوَى تاريخُهما، أوْ أُطْلِقَتا، أو أرِّخَتْ إحداهما وأُطْلِقَت الأخْرَى؛ تَعارَضَتا وسَقَطَتا في وَجْهٍ، فيَصيرُ كَمَنْ لا بَيِّنةَ لهما. وفي الآخَرِ: يقرعُ بَينَهما. فإنْ كان اللَّقِيطُ في يَدِ أحدِهما؛ فهل تُقدَّم بَيِّنَتُه أوْ بَيِّنةُ الخارِجِ؟ فِيهِ وَجْهانِ مَبْنِيَّانِ على الخِلاف في دَعْوَى المال. (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ (٢) لَهُمَا بَيِّنَةٌ؛ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ)؛ لأِنَّ اليَدَ دَليلُ استِحقاقِ الإمْساكِ، وظاهِرُه: أنَّه لا يَحلِفُ، قال القاضي: هو قياسُ المذْهَب؛ كالطَّلاق. وقال أبو الخَطَّاب، ونَصَرَه في «الشَّرح»: يَحلِفُ أنَّه الْتَقَطَه. (فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا)؛ لاِسْتِوائهما في السَّبب، ولم يُمكِنْ

стр. 3541

تَسْلِيمُه إليهما، فتَثْبُت القُرعةُ، وحِينَئِذٍ يُسلَّمُ إلى مَنْ تَقَعُ القُرعةُ له مع يَمِينه، وعلى قَولِ القاضِي: لا يَمينَ. فإنِ ادَّعَى أنَّه أخَذَه منه قَهْرًا، وسأل يَمينَه؛ حَلَفَ. وفي «المنتخب»: لا، كطلاقٍ. (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ (١) لَهُمَا يَدٌ، فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا)؛ بأنْ يَقولَ: في ظَهْرِه شامَةٌ، أوْ بجسده (٢) عَلامةٌ؛ (قُدِّمَ)، ذَكَرَه مُعْظَمُ الأصْحابِ؛ كَلُقطةِ المالِ؛ ولأِنَّ الوصْفَ يَدُلُّ على القُوَّة، فَقُدِّم به. وذَكَرَ القاضِي، وصاحِبُ «المبهج»، و «المنتخب»، و «الوسيلة»: لا يُقدَّمُ واصِفُه، وذَكَرَه في «الفُنون» عن أصْحابِنا؛ لِتأكُّدِه؛ لِكَونِه دَعْوَى نَسَبٍ، ولِلْغِنَى بالقَافَةِ (٣)، وكما لو وَصَفَ المدَّعِي المدَّعَى. (وَإِلاَّ) إذا انْتَفَى الوَصْفُ؛ (سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا)، ذَكَرَه القاضِي، وأبو الخَطَّاب؛ لأِنَّه لا حقَّ لهما. وقِيلَ: لا يُسلِّمُه الحاكِمُ، بل يُقرِعُ بَينَهُما، وفي «المغني»: هو الأَوْلى كما لو كان في أيْدِيهِما، ولأِنَّهما تَنازَعَا حَقًّا في يَدِ غَيرِهما، أشْبَهَ ما لو تَنازَعَا وَدِيعةً عِنْدَ غَيرِهما. وظاهِرُه: أنَّه لا تَخْيِيرَ لِلصَّبِيِّ، صرَّح به في «الفروع».

стр. 3542

(فَصْلٌ) (وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ، وَدِيَتُهُ) دِيَةُ حُرٍّ (إِنْ قُتِلَ؛ لِبَيْتِ المَالِ) إنْ لم يُخَلِّفْ وارِثًا؛ لأِنَّه مسلِمٌ، ولا وَارِثَ له، فكان مالُه ودِيَتُه لبَيتِ المال؛ كغَيرِ اللَّقِيطِ. وَعَنْهُ: إنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُه لِمُلْتَقِطِهِ، ذَكَرَه في «الرِّعاية». وإنْ جَنَى خَطَأً؛ عَقَلَ عنه بَيتُ المال. ولا وَلاءَ عَلَيهِ. وقال شُرَيحٌ وإسْحاقُ: وَلَاؤُه لِمُلْتَقِطِه؛ لِقَولِ عُمَرَ لأِبِي جَمِيلةَ: «فهو حُرٌّ، ولَكَ ولاؤه» (١)، ولِمَا رَوَى واثِلةُ بنُ الأسْقَعِ مَرْفوعًا: «تَحُوزُ المرأةُ (٢) ثَلاثةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَها، ولَقِيطَها، ومِيرَاثَ وَلَدِها (٣) الَّذي لاعَنَتَ عليه» رواه أبو داود، وحسنَّه التِّرمذِيُّ (٤).

стр. 3543

وجوابُه: بأنَّه لم يَثْبُتْ عليه رِقٌّ ولا على آبائه، فلم يَثْبُتْ عَلَيهِ ولاءٌ؛ كمعروفِ النَّسَب، وحديثُ واثِلةَ لا يَثبُتُ، قالَهُ ابنُ المنْذِر، وقال في خَبرِ عمرَ: (أبو جَميلةَ رجُلٌ مجهولٌ، لا يَقومُ بحديثه حُجَّةٌ) (١)، ولو سُلِّم، فمَعْنَى قَولِه: «لك ولاؤه»؛ أيْ: لك وِلايَةُ القيام به وحِفْظِه. (وَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا؛ فَوَلِيُّهُ الْإِمَامُ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، أيَّ ذلِكَ فَعَلَ جازَ إذا رآه أصْلَحَ، لقَولِه: «السُّلْطانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ له» (٣)، ومتى عفا على مال أوْ صالَحَ عَلَيهِ؛ كان لِبَيت المال؛ كجِناية الخَطَأ الموجِبَةِ للمال. (وَإِنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا؛ انْتُظِرَ بُلُوغُهُ) ورُشْدُه في الأَشْهَر؛ ليقتصَّ أوْ يَعْفُوَ؛ لأِنَّ مُسْتَحِقَّ الاِسْتِيفاء المجْنِيُّ عَلَيهِ، وهو حَينَئِذٍ لا يَصلُحُ، فانْتُظِرَ أهْلِيَّتُه لِيَسْتَوفِيَ حقَّه، ويُحبَسُ الجانِي إلى بلوغه حتَّى يَستَوفِيَ حقَّه. وعَنْهُ: للإمام القِصاصُ قَبلَ ذلك؛ لأِنَّه أحدُ نَوعَي القِصاص، فكان له

стр. 3544

اسْتِيفاؤه عن اللَّقِيط؛ كالنَّفس. وجوابُه: أنَّه قصاص لم يَتحتَّم اسْتِيفاؤه، فَوقفَ على مُسْتَحِقِّه؛ كما لو كان بالِغًا غائِبًا، وفارَقَ القصاصَ في النَّفس؛ لأِنَّ القِصاصَ ليس له، بل لِوارثه، والإمامُ هو المتَوَلِّي عَلَيهِ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ اللَّقِيطُ فَقِيرًا (١) مَجْنُونًا؛ فَلِلْإِمَامِ) أيْ: يَجِبُ عَلَيهِ (الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيْهِ) لأِنَّه لَيسَتْ له حالةٌ مَعْلومَةٌ تُنْتَظَرُ؛ لأِنَّ ذلك قد يَدُومُ، بخِلافِ العاقِلِ، ولا بُدَّ من اجْتِماعِ الوَصفينِ، فإنْ فُقِدَ أحدُهما؛ فَوَجْهانِ. (وَإِنِ ادَّعَى الْجَانِي عَلَيْهِ، أَوْ قَاذِفُهُ رِقَّهُ، وَكَذَّبَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ)؛ لأِنَّه مَحْكُومٌ بحُرِّيَّته، فَقَولُهُ مَوافِقٌ للظَّاهِر، بدليلِ: أنَّه يَجِب عَلَيه حَدُّ الحُرِّ إذا كان قاذِفًا في الأصحِّ، وحِينَئِذٍ: يَجِبُ القِصاصُ وإنْ كان الجانِي حُرًّا. وقِيلَ: يُقبَلُ قَولُ القاذِفِ؛ لأِنَّه يَحتَملُ صحَّةَ قَولِه بأنْ يكونَ ابنَ أَمَةٍ، فيكونُ ذلك شبهةً في إسْقاطِ الحدِّ. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا صدَّقه اللَّقِيطُ أنَّه رقيقٌ؛ سَقَطَ الحدُّ؛ لِإقْرار المسْتَحِقِّ بِسُقوطه، وَوَجَبَ على القاذف التَّعْزيرُ؛ لقذفه (٢) مَنْ لَيسَ بمُحْصَنٍ. والقِصاصُ لَيسَ بِحَدٍّ، وإنَّما وَجَبَ حقًّا لآِدَمِيٍّ؛ ولِذلِكَ جازت المصالَحةُ عَنهُ وأخْذُ بَدَلِه. وإنْ مات البالِغُ مُمْسِكًا عنهما؛ فكسائر المسْلِمينَ في سائِرِ أحْكامِه. (وَإِنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ؛ لَمْ يُقْبَلْ)؛ لأِنَّ مُجرَّدَ الدَّعْوَى لا تَكْفِي في انْتِزاع المُدَّعَى؛ للخَبَر (٣).

стр. 3545

وفي «الشَّرح»: أنَّها تُسمَع الدَّعْوَى؛ لأِنَّها مُمْكِنَةٌ، وإنْ كانَتْ مُخالِفة لِظاهِرِ الدَّار (١)، وإنْ لم تَكُنْ له بَيِّنةٌ؛ فلا شَيءَ له؛ لأِنَّها تُخالِفُ الظَّاهِرَ. وتُفارِقُ دَعْوَى النَّسَب من وَجْهَينِ: أحدهما: أنَّ دَعْوَى النَّسَبِ لا تُخالِفُ الظَّاهِرَ، بخِلافِ دَعْوَى الرِّقِّ. الثَّاني: أنَّ دَعْوَى النَّسَب يُثْبِتُ بها حَقًّا للَّقِيط، ودَعْوَى الرِّقِّ يُثْبِتُ بها حَقًّا عَلَيهِ، فلم تُقبَلْ بمُجرَّدِها. (إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ)؛ لأِنَّها لا تَلِدُ في ملْكه إلاَّ ملْكَهُ، يُحْتَرَزُ به عمَّا وَلَدَتْه قَبْلَ ملْكه، وهذا لَيسَ بشَرْطٍ، فإنَّها لو شَهِدت بأنَّه عَبْدُه أو مَمْلوكُه؛ حُكِمَ له به، وإنْ لم تَذكُرْ (٢) سَبَبَ الملْكِ، كما لو شَهِدَتْ بملْكِ دارٍ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يُعْتَبَرَ (٣) قَوْلُهَا فِي مِلْكِهِ)؛ لأِنَّ أَمَتَه (٤) ملْكُه، فنَماؤها ملْكُه؛ كَسِمَنِها. ومتى شَهِدَت البيِّنةُ باليَدِ، فإنْ كانَتْ للمُلْتَقِطِ؛ لم يَثبُتْ بها ملْكٌ، وإنْ كانَتْ لأِجْنَبِيٍّ؛ حُكِمَ له باليَدِ، والقَولُ قَولُه مع يَمِينه في الملْكِ. وفي «الفروع»: وإنِ ادَّعَى رِقَّه وهو طِفلٌ، أوْ مَجْنونٌ، ولَيسَ بِيَدِ غَيرِه بل يده (٥)، ولَيسَ واجِدَه؛ فهو له وإنْ أنْكَرَ بَعْدَ بُلوغِهِ. وفي «الشَّرح»: إنْ كانَتِ الدَّعْوَى بَعْدَ بُلوغ اللَّقِيط؛ كُلِّفَ إجابتَه، فإنْ أنْكَرَ وثَمَّ بيِّنةٌ؛ حُكِم بها، فإنْ كان اللَّقِيطُ تصرَّف قَبْلَ ذلك بِبَيعٍ أوْ شِراءٍ؛

стр. 3546

نُقِضَتْ تصرُّفاتُه. (وَإِنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ) على المذْهَب؛ لأِنَّه يُبطِل حقَّ الله من الحُرِّية (١) المحْكومِ بها، وهذا ظاهِرٌ فِيمَا إذا كان قد اعْتَرف بالحُرِّيَّة لِنَفْسه قَبلَ ذلك، وكذا إذا لم يَعتَرِفْ في الأصحِّ. (وَعَنْهُ: يُقْبَلُ)؛ لأنَّه مَجْهولُ الحال، فيُقبَلُ إقْرارُه به؛ كالحدِّ والقصاصِ، وإنْ تضمَّنَ فَواتَ نَفْسه. وشَرَطَ في «المغني» (٢) عَلَيها: ألاَّ يكونَ أقَرَّ بالحُرِّيَّة، فإنْ كان قد أَقَرَّ بها؛ لم يُقبَلْ؛ لأِنَّه يكون مُكذِّبًا لِقَولِه، كما لو أقرَّ بِدَينٍ ثُمَّ جَحَدَه. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ فِيمَا عَلَيْهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً)، وهو قَولُ المُزَنِيِّ؛ لأِنَّه أَقرَّ بما يُوجِبُ حقًّا عَلَيه وحقًّا له، فَوَجَب أنْ يَثبُتَ ما عَلَيه فقطْ، كما لو قال: لِفُلانٍ عِنْدِي ألْفٌ، ولِي عِندَهُ رَهْنٌ. (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يُقبَلُ إقْرارُه في الجميع؛ لأِنَّ هذه الأحكامَ تَتْبَعُ الرِّقَّ، فإذا ثَبَتَ الأصْلُ بقَوله؛ ثَبَتَ التَّبَعُ، كما لو شَهِدَت امرأةٌ بالولادة، فإنَّها تَثْبُت ويَثْبُت النَّسبُ تَبَعًا. فإذا قُلْنا: يُقبَلُ إقْرارُه بالرِّقِّ بَعْدَ نِكاحِه وهو ذَكَرٌ، وكان قَبْلَ الدُّخولِ؛ فَسَدَ النِّكاحُ في حقِّه، ولها عَلَيه نِصْفُ المهْرِ، وإنْ كان بَعْدَ الدُّخول؛ فَسَدَ نِكاحُه وعَلَيهِ المهْرُ، وَوَلَدُه حُرٌّ تابِعٌ لِأُمِّه، فإن كانَ متزوِّجًا بأَمةٍ؛ فَوَلَدُه لِسيِّدها، ويَتَعلَّق المهرُ بِرَقَبَته. وإذا قُلْنا: يُقبَلُ قَولُه في جميع الأحكام؛ فالنِّكاحُ فاسِدٌ، ويُفرَّقُ بَينَهما، ولا مَهْرَ لها قَبْلَ الدُّخول، وبَعدَه على الخلاف.

стр. 3547

وإنْ كان أنْثى، وقُلْنا: يُقبَلُ فِيما عَلَيهِ؛ فالنِّكاحُ صحيحٌ في حقِّه، ولا مَهْرَ قَبْلَ الدُّخول، وبَعْدَه لا يَسقُط مَهرُها، ولِسَيِّدها الأقلُّ من المسمَّى أوْ مَهْرِ المِثْل، والولَدُ حُرٌّ. فَرْعٌ: إذا أَقَرَّ بالرِّقِّ ابْتداءً لإنسانٍ، فصدَّقه؛ فهو كما لو أقرَّ به جوابًا، وإنْ كذَّبه؛ بَطَلَ إقرارُه. فإنْ أقرَّ به بَعْدَ ذلك لآِخَرَ؛ جاز. وقيل: لا يُسْمَعُ إقْرارُه الثَّاني؛ لأِنَّ إقْرارَه الأوَّل يَتَضمَّنُ الاِعْتِراف بنَفْيِ مالكٍ له سِوَى المقَرِّ له، وكما لو اعْتَرف بالحُرِّيَّة ثُمَّ أقرَّ بالرِّقِّ. (وَإِنْ قَالَ: إِنَّه (١) كَافِرٌ)، بَعْدَ البُلوغ؛ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ)، وهو مسْلِمٌ، سَواءٌ كان حُكِمَ بإسْلامِه أوْ كُفْرِه، فلا يُقْبَلُ إقْرارُه بالكُفْر بَعْدَ ذلك؛ لأِنَّه إنْكارٌ بَعْدَ إقْرارٍ، فلا يُقبَلُ كغَيرِه، وإنْ وَصَفَ الكفْرَ، وهو مِمَّنْ حُكِمَ بإسْلامه بالدَّار؛ لم يُقَرَّ على كُفْره. (وَحُكْمُهُ حُكْمُ المُرْتَدِّ)؛ أيْ: إذا بَلَغَ اسْتُتِيبَ ثلاثًا، فإِنْ تابَ وإلاَّ قُتِلَ. (وَقِيلَ: يُقْبَلُ (٢)، حكاه القاضِي؛ أيْ: يُقَرُّ على كُفْره؛ لأِنَّ قَولَه أقْوَى من الظَّاهِر، فَيُقَرُّ بجِزْيةٍ. ورُدَّ: بأنَّ دليلَ الإسلام وُجِدَ من غَيرِ مُعارِضٍ، فثبت (٣) حكمُه واسْتَقرَّ، فلا يَجُوز (٤) إزالةُ حكمه؛ كما لو كان وَلَدَ مُسلِمٍ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ (٥) نَطَقَ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ يَعْقِلُهُ)؛ لأِنَّ إسْلامَه ثَبَتَ يَقِينًا، فلا

стр. 3548

يُقبَلُ إقْرارُه بِمُنافِيهِ. وقال القاضِي: إنْ وَصَفَ كُفْرًا يُقَرُّ عَلَيه بالجِزْية؛ عُقِدَتْ له الذِّمَّةُ، فإن امْتَنَع من الْتِزامها، أوْ وَصَفَ كُفْرًا لا يُقَرُّ عَلَيهِ؛ أُلْحِقَ بِمَأْمَنِه. وبَعَّدَه في «المغْنِي»؛ لأِنَّه لا يَخْلُو: إمَّا أنْ يكونَ ابنَ حَرْبِيٍّ، فهو حاصِلٌ (١) في أيْدِي المسْلِمينَ بغَيرِ عَهْدٍ ولا عقد (٢)، فيكونُ لِواجِدِه، ويَكونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لسابيه، أوْ يَكونَ وَلَدَ ذِمِّيَّينِ، أو (٣) أحدِهما؛ فلا يُقَرُّ على الاِنْتِقال إلى غَيرِ دِينِ أهلِ الكتاب، أوْ يكونَ وَلَدَ مُسْلِمٍ أوْ مُسْلِمَينِ؛ فيكونُ مسْلِمًا. قال أحمدُ في نَصْرانِيَّةٍ وَلَدَتْ من فُجورٍ: وَلَدُها مسْلِمٌ؛ لأِنَّ أبَويْهِ يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانه (٤)، وهذا لَيسَ مَعَه إلاَّ أُمُّه (٥).

стр. 3549

(فَصْلٌ) (وَإِنْ أَقَرَّ إِنْسَانٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ؛ أُلْحِقَ بِهِ)؛ لأِنَّ الإقْرارَ به مَحْضُ مصلحةِ الطِّفْل؛ لاِتِّصال نَسَبِه، ولا مَضرَّةَ على غَيرِه فيه، فَقُبِل، كما لو أقرَّ له بمالٍ. وشَرْطُه: أنْ يَنفَرِدَ بدَعْوته، وأنْ يُمْكِنَ كَونُه منه. ثُمَّ إنْ كان المقِرُّ به مُلْتَقِطَه؛ أُقِرَّ في يَدِه، وإنْ كان غَيرَه؛ فله أنْ يَنتَزِعَه من الملْتَقِط؛ لأِنَّه قد ثبت (١) أنَّه أبوهُ، فيكونُ أحقَّ به؛ كما لو قامت به بَيِّنةٌ. (مُسْلِمًا كَانَ) المدَّعِي (أَوْ كَافِرًا)؛ لأِنَّ الكافِرَ يَثْبُتُ له النِّكاحُ والفِراشُ؛ فيُلْحَقُ به، كالمسلم، حُرًّا كان أو عبْدًا؛ لأِنَّ له حُرْمةً، فيُلْحَقُ به كالحُرِّ، لكن لا تَثْبُتُ له حضانةٌ، ولا تَجِبُ نَفَقَتُه عَلَيهِ ولا على سيِّده؛ لأِنَّ الطِّفْلَ محكومٌ بحُرِّيَّتِه، فَعَلَى هذا: تَجِبُ في بَيتِ المال. (رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً) على المذْهَب؛ لأِنَّ المرأةَ أحدُ الأبَوَينِ، فيَثْبُتُ (٢) النَّسَبُ بدَعْواها؛ كالأب، وإذَنْ يَلْحَقها نَسَبُه دُونَ زَوجها. وكذا إذا ادَّعى الرَّجُل نَسَبَه؛ لم يَلْحَقْ بزَوجَته. وقِيلَ: لا يَثبُتُ النَّسبُ بدعواها (٣) بحالٍ، وحكاه ابنُ المنْذِر إجْماعَ مَنْ يحفظ (٤) عنه من أهل العلم (٥). وجوابُه: بأنَّها تَدَّعِي حقًّا لا مُنازِعَ فِيهِ، ولا مَضرَّةَ على أحَدٍ؛ فقُبِلَ؛ كدَعْوَى المال.

стр. 3550

(حَيًّا كَانَ اللَّقِيطُ (١) أَوْ مَيْتًا)؛ لأِنَّهما سَواءٌ مَعْنًى، فَوَجَبَ اسْتِواؤهما حُكْمًا. (وَلَا يَتْبَعُ الْكَافِرَ فِي دِينِهِ، إِلاَّ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ)، ذَكَرَه بعضُ أصحابنا؛ لأِنَّ اللَّقِيطَ مَحْكومٌ بإسْلامه بظاهِرِ الدَّار، فلا يُقبَلُ قَولُ الكافِر في كُفْره بغَيرِ بيِّنةٍ، كما لو كان معروفَ النَّسبِ، ولأنها دَعْوَى تُخالِفُ الظَّاهِرَ، فلم تُقبَلْ بمجرَّدها؛ كدَعْوَى الرِّقِّ، وإذا قُبِلَ في النَّسَب (٢)؛ لِعَدَم الضَّرر، والكُفْرُ بخِلافِه، فإنَّ فيه ضَرَرًا عظيمًا؛ لأِنَّه سَبَبُ الخِزْيِ في الدُّنيا والآخِرة. فإذا أقام بيِّنةً بما ذُكِرَ؛ لَحِقَه نَسبًا ودِينًا؛ لتَحقُّق الولادة، والوَلَدُ المحقَّقُ يَتْبَعُ مطلقًا. وقياسُ المذْهَب: أنَّه لا يَلحَقُه في الدِّين إلاَّ أنْ تَشهَدَ البيِّنةُ أنَّه وَلَدُ كافِرَينِ حيَّيْن؛ لأِنَّ الطِّفلَ يُحكَمُ بإسْلامه بإسْلامِ أحَدِ أبَوَيهِ أوْ مَوته. (وَعَنْهُ: لَا يُلْحَقُ بِامْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ)؛ لِإِفْضائه إلى إلْحاق النَّسَب بزَوجِها بغَيرِ إقْرارِه ولا رِضاهُ، وظاهِرُه: أنَّها إذا لم تَكُنْ ذاتَ زَوجٍ؛ أنَّه يَلْحَقُها؛ لِعَدَم الضَّرَرِ. (وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ لَهَا إِخْوَةٌ، أَوْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ؛ لَمْ يُلْحَقْ بِهَا)، نَقَلَها الكَوسَجُ (٣)؛ لأِنَّه يَلزَمُ من لُحوقِ النَّسَب بها لُحوقُ النَّسَب بالإخْوة والنَّسَبِ المعْروفِ، ولأنَّه (٤) إذا كان لها أهْلٌ ونَسَبٌ معروفٌ؛ لم تَخْفَ (٥) وِلادَتُها

стр. 3551

عَلَيهم، ويَتَضرَّرونَ بإلْحاقِ النَّسَب بها؛ لِمَا فِيهِ من تعيُّرهم بِوِلادتها من غَيرِ زَوجِها. (وَإِلاَّ)؛ أي (١): إذا لم يَكُنْ كذلك؛ (لَحِقَ)؛ لِعَدَمِ الضَّرَر. (وَإِنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ)؛ سُمِعَتْ؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ لو انْفَرَد صحَّت دَعْوتُه، فإذا تنازَعوا؛ تساوَوْا في الدَّعْوَى، ولا فَرْقَ بَينَ المسْلِم والكافر، والحُرِّ والعبد، (لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ؛ قُدِّمَ بِهَا)؛ لأِنَّها تُظْهِرُ الحقَّ وتُبيِّنه (٢). (فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْبَيِّنَةِ)؛ أيْ: أقامَ كلٌّ مِنْهُما بيِّنةً؛ تَعارَضَتا وسَقَطَتا؛ لأِنَّه لا يُمْكِنُ استِعْمالُهما هنا، بخِلافِ المال، فإنَّه يُقسَمُ بَينَهما أوْ بالقُرْعة، والقُرْعةُ لا تُثْبِتُ النَّسَب. لا يُقال: إنَّما ثبت (٣) هنا بالبيِّنة لا بالقُرْعة، وإنَّما هي مُرجِّحةٌ؛ لأِنَّه يَلزَمُ إذا اشْتَرَك رجُلانِ في وَطْءِ امْرأَةٍ، وأتَتْ بِوَلَدٍ؛ أن (٤) يُقرَعَ بَينَهما، ويَكونَ لُحوقُه بالوَطْء لا بالقُرْعة. (وَعَدَمِهِا (٥)؛ أيْ: لم يَكُنْ لهما بيِّنةٌ؛ (عُرِضَ مَعَهُمَا)؛ أي: مع المدَّعِيَيْنِ (عَلَى الْقَافَةِ)، وهُمْ قَومٌ يَعرِفونَ الأنْسابَ بالشَّبَهِ، ولا يَختَصُّ ذلك بقَبِيلةٍ مُعَيَّنةٍ، بل مَنْ عُرِفَ منه المعرفةُ بذلك، وتكرَّرتْ منه الإصابةُ؛ فهو قائِفٌ، وقِيلَ: أكثرُ ما يَكونُ (٦) في بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ، وكان إيَاسُ بن (٧) معاويةَ قائفًا، وكذا شُرَيحٌ.

стр. 3552

(أَوْ مَعَ أَقَارِبِهِمَا)، وفي «الكافي» و «الشَّرح»: عَصَبَتِهما، (إِنْ مَاتَا، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِأَحَدِهِمَا؛ لَحِقَ بِهِ) في قَولِ الجَماهير. وقال أصْحابُ الرَّأْي: لا حُكمَ للقافَة، ويُلحَقُ بالمدَّعِيَيْنِ جميعًا (١)؛ لأِنَّ الحُكمَ بها مَبْنِيٌّ على الشَّبَه والظَّنِّ، فإنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بَينَ الأجانب، وينتفي (٢) بَينَ الأقارِبِ، وبدليلِ الرَّجُل الَّذي وُلِدَ له غُلامٌ أسْوَدُ، وقَولِه ﵇: «لعلَّه نَزَعَه عِرْقٌ» (٣)، ولو كان الشَّبَهُ كافِيًا؛ لَاكْتَفَى به في وَلَد الملاعَنة. وحُجَّتنا: ما رواه الشَّيخانِ عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيها تَبرُقُ (٤) أسارير (٥) وَجْهِه، فقال: ««ألم تَرَيْ أنَّ مُجزِّزًا المُدلِجِيَّ نَظَرَ آنِفًا إلى زَيدٍ وأسامةَ، وقد غَطَّيا رؤوسَهما وبَدَتْ أقدامُهما (٦)، فقال: إنَّ هذه الأقْدامَ بعضُها من بعْضٍ» (٧)، وقَضَى به عمرُ بِحَضرة الصَّحابة (٨)، فكان إجْماعًا؛ ولأِنَّه يَرجِعُ (٩) بقَولِها كالبيِّنة، ويَدُلُّ عَلَيهِ قَولُه ﵇ في وَلَدِ الملاعَنَةِ: «لولا الأيْمانُ لكان لي ولها شَأْنٌ» (١٠)، فَحَكَمَ ﵇ به للذي أشْبَهَهُ مِنْهما، وحِينَئِذٍ فإذا انْتَفَى المانِعُ؛ وَجَبَ العملُ به؛ لوجود مُقْتَضِيهِ.

стр. 3553

(وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا؛ لَحِقَ بِهِمَا)؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ، ثَنا سُفْيانٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ، عن عُمَرَ: «في امرأةٍ وَطِئَها رجُلانِ في طُهْرٍ، فقال القائِفُ: قد اشْتَرَكا فيهِ جميعًا، فَجَعَلَه بَينَهما» (١)، وبإسْنادِه عن الشَّعْبِيِّ قال: «وعليٌّ يَقولُ: هو ابْنُهما، وهما أبَواهُ يَرِثُهما ويَرِثانه» (٢)، ورواهُ الزُّبَيرُ ابنُ بَكَّارٍ عن عُمَرَ. فَعَلَى هذا: يَرِثُهما مِيراثَ ابنٍ، ويَرِثانِه جميعًا مِيراثَ أبٍ واحدٍ، فإنْ ماتَ أحدُهما؛ فله إرْثُ أبٍ كامِلٍ، ونَسَبُه من الأوَّل قائِمٌ، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، كما أنَّ

стр. 3554

الجَدَّةَ إذا انْفَرَدتْ أَخَذَتْ ما يأْخُذُه الجَدَّاتُ، والزَّوجةَ كالزَّوجات. فَرْعٌ: إذا ألْحَقَتْه القافةُ بكافِرٍ، أوْ أَمَةٍ؛ لم يُحكَمْ بِرِقِّه ولا كُفْره؛ لأِنَّه ثَبَتَ إسْلامُه وحُرِّيَّتُه بظاهِرِ الدَّار، فلا يَزولُ ذلك بظَنٍّ (١) ولا شبهةٍ. (وَلَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ)، يعْنِي: إذا ادَّعت امرأتانِ نَسَبَ اللَّقِيط؛ فهو مَبْنِيٌّ على قَبول الدَّعوى منهما، فإنْ كانَتْ إحداهما ممَّن تُقبَلُ دَعْواها دُونَ الأخرى؛ فهو ابنُها؛ كالمنفَرِدة، وإنْ كانتا ممَّن لا تُقبَلُ دعواهما (٢)؛ فوجودهما كَعَدَمِهِما، وإنْ كانتا جميعًا ممَّن تُسمَعُ دَعْواهما؛ فهما كالرَّجُلَينِ، لكِنْ لا يُلْحَق بأكثرَ من أمٍّ واحدةٍ، فإنْ ألحقته (٣) بأمَّيْن (٤)؛ سَقَطَ قَولُها. فَرْعٌ: إذا ادَّعى نسبَه رجلٌ وامرأةٌ؛ فلا تنافِيَ بَينَهما؛ لإمْكان كَونه منهما بنكاحٍ، أو وَطْءِ شبهةٍ، فيُلْحَق بهما جميعًا، ويكونُ ابنهما بمجرَّد دعواهما (٥)؛ كالانفراد. (وَإِنِ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْنِ، فَأُلْحِقَ بِهِمْ؛ لَحِقَ بِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا)، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ مهنَّى أنَّه يُلحَقُ بثلاثةٍ (٦)؛ لأِنَّ المعْنى الَّذي لأجْله أُلحِق باثنَينِ مَوجودٌ فِيمَا زاد عَلَيهِ قياسًا. وقولُهم: إنَّ إلْحاقَه باثْنَينِ على خلاف الأصل؛ ممنوعٌ، وإنْ سلَّمْناه، لكِنْ ثَبَتَ لمعْنًى مَوجودٍ في غَيره، فيَجِب تعْدِيةُ الحكم (٧) به؛ كإباحة الميتة في المخمصة، أُبِيحَ على خلاف الأصل، ويقاس عليه مال الغَير.

стр. 3555

وقال القاضي: لا يُلحَقُ بأكثرَ من ثلاثةٍ. ورُدَّ: بأنَّه تحكُّمٌ، فإنَّه لم يَقتَصِرْ على المنصوص، ولا عدَّى الحكمَ إلى ما في معْناهُ. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ)؛ للأثَر، فيُقتَصَرُ عَلَيهِ، فَعَلَى هذا: يكونُ كَمَنِ ادَّعاه اثْنانِ ولا قافَةَ. (وَإِنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمْ، أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، أَوْ لَمْ تُوجَدْ (١) قَافَةٌ؛ ضَاعَ نَسَبُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وهو قَولُ أبي بَكْرٍ، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وفي «المغْنِي»: أنَّه أقْربُ؛ لأِنَّه لا دليلَ لأِحدهم، أشْبَهَ مَنْ لم يُدَّعَ نَسَبُه. فَعَلَى هذا: لا يُرجَّح أحدُهم بذِكْرِ علامةٍ في جَسَدِه؛ لأِنَّه لا يُرجَّح به في سائر الدَّعاوَى سِوَى الاِلْتِقاط في المال. وكذا إذا اخْتَلَف قائفان، أو اثنانِ وثلاثةٌ، وإنِ اتَّفَق اثْنانِ وخالَفا ثالِثًا؛ أُخِذَ بقَولهما، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، ومِثْلُه بَيطارانِ وطَبيبانِ في عَيبٍ، ولو رَجَعا. (وَفِي الآْخَرِ)، وهو قَولُ ابنِ حامِدٍ: (يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا)؛ لأِنَّ الإنسانَ يَمِيلُ طَبْعُه إلى قريبه (٣) دُونَ غَيرِه، ولأِنَّه مجهولُ النَّسَب، أقَرَّ به مَنْ هو أهلٌ للإقْرار (٤)، فيَثْبُتُ نَسَبُه؛ كما لو انْفَرَدَ، (أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ) حكاهُ القاضِي عنه في رَجُلَينِ وَقَعَا على امْرأةٍ في طُهْرٍ واحِدٍ (٥). فَعَلَى قَولِه: لو انْتَسَب إلى أحدهما، ثُمَّ عاد فانْتَسَب إلى الآخَر، أوْ نَفَى نسبَه من الأوَّل ولم يَنتَسِبْ إلى الآخَر؛ لم يُقبَلْ منه؛ لأِنَّه قد ثَبَتَ نَسَبُه، فلا

стр. 3556

يُقبَل رُجوعُه عنه. فلو ألْحَقَتْه القافةُ بغَيرِ مَنْ انْتَسَبَ إلَيهِ؛ بَطَلَ انْتِسابُه؛ لأِنَّها أقْوَى؛ كالبيِّنة مع القافَةِ. (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، أَوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنَ الْوَاطِئِ؛ أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَهُمَا)؛ كاللَّقيط، فأُلْحِق بِمَنْ ألْحَقُوهُ به منهما، سَواءٌ ادَّعَياهُ، أوْ جَحَداهُ، أوْ أحدُهما، وقد ثَبَتَ الفِراشُ، ذَكَرَه القاضي. وشَرَط أبو الخَطَّاب في وَطْء الزَّوجة: أنْ يدَّعِيَ الزَّوجُ أنَّه من الشُّبهة، فَعَلَى قَوله: إن ادَّعاه لنفسه؛ اخْتَصَّ به؛ لقوَّة جانبه، ذَكَرَه في «المحرَّر». وفي ثالثٍ: يكونُ صاحِبُ الفراش أَوْلَى به عند عَدَم القافَةِ؛ لِثُبوتِ فِراشه، ذَكَرَه في «الواضح». وكذلك إنْ تزوَّجها كلٌّ منهما تزويجًا فاسِدًا، أوْ كان أحدُهما صحيحًا والآخَرُ فاسدًا، أوْ يَبِيعُ أَمَتَه فَوَطِئَها المشْتَرِي قَبْلَ الاِسْتِبْراء. لكِنْ مَتَى أُلْحِقَ بالقافة أو الاِنتِساب وهو يُنكِرُه؛ فهل له نَفْيُه باللِّعان؟ على رِوايَتَينِ. (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، عَدْلاً، مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأِنَّ قَولَه حُكْمٌ، فاعْتُبِرتْ له هذه الشُّروطُ. وظاهِرُه: أنَّه لا تُعتَبَرُ الحُرِّيَّةُ، وهو وَجْهٌ، واعْتَبَرها في «الشَّرح» وغيره. ولا الإسلامُ، وفي «المستوعب»: لم أجد أحدًا من أصحابنا اشْتَرَط إسْلامَ القائف، وعِندِي أنَّه يُشتَرَطُ.

стр. 3557

ويَكْفِي قائفٌ واحِدٌ، نَصَّ عَلَيهِ (١)؛ كحاكِمٍ، فيَكفِي مجرَّدُ خَبَرِه؛ لِقِصَّةِ مُجَزِّزٍ (٢). وعنه: يُعتبَرُ اثْنانِ، ولَفْظُ الشَّهادة منهما، اختاره جَمْعٌ. فإنْ ألْحَقَتْه بواحِدٍ، ثُمَّ جاءت أخرى (٣) فألْحَقَتْه بآخَرَ؛ كان للأوَّل؛ لأِنَّ قَولَه (٤) القائف جَرَى مَجْرَى الحُكْم، فلم (٥) يُنقَضْ بمخالَفةِ غَيرِه، وكذا لو ألْحَقَتْه بواحِدٍ، ثُمَّ عادت فألْحَقَتْه بغَيره. فإنْ أقام الآخَرُ بيِّنةً أنَّه وَلَدُه؛ حُكِمَ به، وسَقَطَ قَولُ القائف. وقَولُه: (مجرَّبًا في الإصابة)؛ أيْ: كثير الإصابة، فمَنْ عَرَفَ مَولودًا بَينَ نِسوةٍ؛ لَيسَ فِيهنَّ أمُّه، ثُمَّ وهي فِيهِنَّ، فأصاب كلَّ مرَّةٍ؛ فقائفٌ. وقال القاضي: يُترَك الصَّبِيُّ بَينَ عَشرةِ رجالٍ غَيرِ مُدَّعِيهِ، فإنْ ألْحَقَه (٦) بأحَدِهم؛ سَقَطَ قَولُه، وإنْ نفاهُ عَنهم تُرِكَ مع عِشْرينَ منهم مُدَّعِيهِ، فإنْ ألْحَقَه (٧) به؛ عُلِمَتْ إصابتُه، وإلاَّ فلا، وقَضِيَّة إيَاسِ بن مُعاوِيةَ في وَلَدِ الشَّريف مِنْ جارِيَةٍ شاهدةٌ بذلك (٨). مُلْحَقٌ: إذا كان لاِمرأتين ابنٌ وبنتٌ، فادَّعت كلُّ واحدةٍ منهما أنَّها أمُّ الاِبْن؛ عُرِضَ معهما على القافة. وذَهَبَ بعضُهم: أنَّه يُعرَضُ لَبَنُهما على أهل الطّبِّ والمعرفة؛ فإنَّ لَبَنَ

стр. 3558

الذَّكَر يخالف (١) لَبَنَ الأنثى في طَبْعه وَوَزْنه. وقيل: لَبَنُها خفيفٌ دُونَ لَبَنِه؛ لأِنَّه ثقيلٌ. وعلى الأوَّل: إنْ لم تُوجَدْ (٢) قافةٌ؛ اعْتُبِر باللَّبن خاصَّةً (٣).

стр. 3559

(كِتَابُ الْوَقْفِ) وهو (١) مَصدَرُ وَقَف، يُقالُ: وَقَفَ الشَّيءَ، وأوْقَفَه، وحَبَسه، وأحْبَسه، وسَبَّله، كلُّه (٢) بمَعْنًى واحِدٍ، لكِنَّ أوْقَفَ لُغةٌ شاذَّةٌ، عكس (٣): أحْبَسه. وهو ممَّا (٤) اختصَّ به المسلِمون، قال الشَّافِعِيُّ: (لم يُحبِّس أهلُ الجاهليَّة، وإنَّما حَبَّس أهلُ الإسلام) (٥). وهو من القُرَبِ المندوبِ إلَيها. والأصلُ فِيهِ: ما رَوَى عبدُ الله بنُ عُمَرَ، قال: أصابَ عمرُ أرضًا بخَيبَرَ، فأتى النَّبيَّ ﷺ يَسْتأمِرُه فِيهَا، فقال: يا رسول الله، إنِّي أصَبْتُ مالاً بخَيبَرَ لم أُصِبْ قطُّ مالاً أنفسَ عِنْدِي منه، فما تأْمُرني فيه؟ قال: «إنْ شِئْتَ حبَّسْتَ أصْلَها، وتصدَّقت بها»، غَيرَ أنَّه لا يُباعُ أصْلُها، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَث (٦)، قال: فتصدَّق بها عمرُ في الفقراء، وفي القُرْبى، والرِّقاب، وفي سبيل الله، وابن السَّبيل، والضَّيف، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يأكُلَ منها بالمعروف، أوْ يُطعِمَ صَدِيقًا، غَيرَ مُتَمَوِّلٍ فيه، وفي لفظٍ: غيرَ مُتَأثِّلٍ، متَّفَقٌ عليه (٧).

стр. 3560

وقال جابِرٌ: «لم يكن أحدٌ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ذو مَقدِرةٍ إلاَّ وَقَفَ» (١). ولم يَرَه شُرَيحٌ، وقال: لا حَبْسَ عن فرائضِ الله، قال (٢) أحمدُ: هذا مذهبُ أهلِ الكوفة (٣)، ولعلَّه في غَير المساجِد ونحوِها. قال القُرْطُبِيُّ (٤): لا خِلافَ بَينَ الأئمَّة في تَحْبِيس القناطِر والمساجِد، واخْتَلَفوا في غَير ذلك، والأوَّلُ قَولُ أكثرِ العلماء سَلَفًا وخَلَفًا. قال أحمدُ: من يَرُدُّ الوقْفَ إنَّما يَرُدُّ السُّنَّةَ الَّتي أجازها النَّبيُّ ﷺ ، وفَعَلَها أصحابُه (٥). ومن الغرائب ما حكاه صاحب «المبسوط» (٦): أنَّ لزومَ الوقْف من الأنبياء ﵈ خاصَّةً. وجَوابُه: بأنَّ الوقْفَ قُرْبةٌ مندوبٌ إلَيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحَجّ: ٧٧]. (وَهُوَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ، وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ)، كذا في «التَّلخيص» و «الوجيز»، ومرادُهم بِتَسْبيل المنفعة: أنْ يكونَ على بِرٍّ أو قُرْبةٍ. وأحْسَنُه: حَبْسُ مالٍ يُمكِنُ الاِنتفاعُ به، مع بقاء عَينه، مَمْنوعٍ من التَّصرُّف في عَينه بلا عُذْرٍ، مصروفٍ منافعُه في البرِّ؛ تقرُّبًا إلى الله تعالى. وله أربعةُ أرْكانٍ: الواقِفُ، وشَرْطُه: أنْ يكونَ جائزَ التَّصرُّف، والموقوفُ (٧)، والموقُوفُ عَلَيه، وما يَنعَقِدُ به.

стр. 3561

وسُمِّيَ: وقْفًا؛ لأِنَّ العَينَ مَوقُوفَةٌ، وحَبْسًا؛ لأِنَّ العَينَ مَحْبوسةٌ. (وَفِيهِ رِوَايَتَانِ): (إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ) عُرْفًا، (مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ يَجْعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا)، هذه الرِّوايةُ ظاهِرُ المذهب، ونصَّ عليها (١) في روايةِ جماعةٍ (٢)؛ لأِنَّ العُرْفَ جارٍ بذلك، وفيه دلالةٌ على الوقْفِ، فجاز أنْ يَحصُلَ به كالقَول. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أوْ أَذَّنَ فيه وأقام، نَقَلَه أبو طالِبٍ وجَعْفَرٌ، ولو نَوى خِلافَه (٣). (أَوْ سِقَايَةً وَيَشْرَعُهَا لَهُمْ)؛ أيْ: للنَّاس، والمرادُ بها (٤): البَيتُ المبْنِيُّ لِقَضاء حاجةِ النَّاس، ولَيسَ منصوصًا عَلَيهِ في كُتُبِ اللُّغة والغَريب، وإنَّما المذكور فِيهَا: أنَّ السِّقاية -بكسْر السِّين- الموضِعُ الذي يُتَّخَذُ فيه الشَّرابُ في المواسم وغيرِها (٥). (وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ (٦) إِلاَّ بِالْقَوْلِ)، ذَكَرَها القاضي، واختارها أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ، وقد سأله الأثْرَمُ عن رجلٍ أحاط حائطًا على أرضٍ؛ لِيَجْعلَها مَقبرَةً، ونَوَى بقَلْبه، ثُمَّ بدا له العَودُ؟ فقال: إنْ كان جَعَلَها لله؛ فلا يَرجِعُ (٧)، ولأِنَّ هذا تحبيسٌ على وجه القُرْبة، فوجب أنْ يتعيَّن باللَّفظ؛ كالوقف على الفقراء.

стр. 3562

لكن قال في «المغني»: (وهذه لا تُنافِي الأُولى، فإنَّه إنْ أراد بقوله: إن (١) كان جعلها لله؛ أي: نَوَى بتحويطها جَعْلَها لله، فهذا تأكيدٌ للأولى (٢) وزيادةٌ عَلَيها؛ إذْ مَنَعَه من الرُّجوع بمجرَّد التَّحويط مع النِّيَّة. وإنْ أراد بقوله: جَعَلَها لله؛ أي: اقْتَرنَتْ بفِعْله قرائنُ دالَّةٌ على ذلك من إذْنه للنَّاس في الدَّفْن فيها، فهي عَينُ الأولى. وإنْ أراد أنَّه وَقَفَها بقَوله؛ فيَدُلُّ بمفهومه على أنَّ الوقْفَ لا يحصل بمجرَّد التحويط والنية، وهذا لا ينافي الأولى؛ لأنَّه فيها يَضمُّ إلى فعله إذنه (٣) للنَّاس في الدَّفْن، ولم يُوجَدْ هنا، فانْتَفَتْ هذه الرِّواية للاحْتِمالات، وصار المذهبُ روايةً واحدةً، فصار بمنزلة من قدَّم إلى ضيفه طعامًا كان إذْنًا له في أكْلِه، ومَنْ مَلَأَ خابِيةً ماءً كان سبيلاً له، وكالبيع والهِبَة، وأمَّا الوقْفُ على المساكين فلم تَجْرِ به عادةٌ بغَير لَفْظٍ). فَرْعٌ: الأخْرسُ يَصِحُّ وقْفُه بالإشارة المفْهِمة؛ كغَيره. (وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ)؛ لأِنَّه مَوضوعٌ له، وكلفْظة التَّطْليق في الطَّلاق، (وَحَبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ)؛ لأِنَّه ثَبَتَ لهما عُرْفٌ في الشَّرع، فمتى أتى بواحدةٍ منها؛ صار وَقْفًا من غَير انضمامِ أمْرٍ زائدٍ، ولو عَبَّر بِ «أَوْ» ك «الوجيز» و «الفروع» لكان أَوْلَى. وفي كلام بعضهم: أنَّ الصَّريح لا يَنحَصِرُ في الثَّلاثة. وفي «المغني» و «الكافي»: (إذا جَعَلَ عُلْوَ مَوضِعٍ أوْ سُفلَه (٤) مسجِدًا؛ صحَّ، وكذا وَسَطُه، وإنْ لم يَذكُر استِطْراقًا؛ كبَيعِه)، فيتوجَّه منه: الاكْتِفاءُ

стр. 3563

بلَفْظٍ يُشعِرُ بالمقصود، وهو أظْهَرُ على أصْلِنا، فيصِحُّ: جَعَلْتُ هذا للمسجد (١)، أوْ فِيهِ، ونحوُه، وهو ظاهِرُ نُصوصِه، فيكون تمليكًا للمَسجِدِ، جزم (٢) به الحارِثِيُّ؛ أي: للمسلمين لِنَفْعهم به، وظاهِرُ كلامِ المؤلِّف لا يكون تمليكًا؛ لأِنَّهم ذَكَرُوا في الإقرار له وجْهَينِ؛ كالحَمْل. (وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ (٣)، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ)؛ لأِنَّه لم يَثبُتْ لها (٤) عُرْفٌ لُغَوِيٌّ ولا شَرْعِيٌ؛ لأِنَّ الصَّدقةَ تُستعْمَلُ في الزَّكاة، وهي ظاهِرةٌ في صدقة التَّطوُّع، والتَّحريمَ يُستعْمَلُ في الظِّهار، والتَّأبيدَ يَحتَمِل تأبيدَ التَّحريم، أوْ تأبيدَ الوقْف. (فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ) بمجرَّده، فَعَلَى هذا: لا بُدَّ من انضمامِ شَيءٍ آخَرَ إلَيها؛ ليترجَّح إفادتها للوقف، وأشار إليه بقوله: (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ)؛ فيَصِحُّ، ويكون على ما نَوَى، إلاَّ أنَّ النِّيَّةَ تَجْعَلُه وقْفًا في الباطن دُونَ الظَّاهِرِ. (أَوْ يَقْرِنَ بِهَا أَحَدَ الأَلْفَاظِ الْبَاقِيَةِ) من الصَّرائح والكِناية، وهي خمسةٌ، عُلِمَ ذلك من تمثيله؛ لأِنَّ اللَّفظَ يترجَّح بذلك؛ لإرادة الوقْفِ. (أَوْ) يَقرِنَ به (حُكْمَ الْوَقْفِ، فَيَقُولَ: تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أَوْ مُحَبَّسَةً، أَوْ مُسَبَّلَةً (٥)، أَوْ مُحَرَّمَةً، أَوْ مُؤَبَّدَةً)، هذا مِثالٌ للأوَّل. (أَوْ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ (٦)، هذا (٧) مِثالٌ للثَّاني؛ لأِنَّ هذه

стр. 3564

القرينةَ تزيلُ الاِشْتِراكَ. وذَكَرَ أبو الفَرَجِ: أنَّ «أبَّدت» صريحٌ، وأنَّ «صدقةٌ مَوقوفةٌ، أوْ مُؤبَّدةٌ، أوْ لا تُباعُ»؛ كنايةٌ. (وَلَا يَصِحُّ إِلاَّ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ)، لم يتعرَّض المؤلِّف للواقِف؛ لِظُهوره، وشَرْطُه: أنْ يكونَ مالِكًا، جائزَ التَّصرُّف، وهو في الصِّحَّة، مِنْ رأس المال، وفي مَرَضِ الموت أو ما نَزَلَ مَنزلَتَه من الثُّلُث. (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا)، قال أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ: بَقاءً مُتطاوِلاً، أدْناهُ: عُمرُ الحيوان. (كَالْعَقَارِ)؛ لحديثِ عمرَ، قال أحمدُ في روايةِ الأثْرمِ: (إنَّما الوقْفُ في الدُّور والأرَضِينَ؛ على ما وَقَفَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ (١)، قال ابنُ عَقِيلٍ: وظاهِرُ هذا حَصْرُه على العَقار؛ لأِنَّه هو الَّذي يتأبَّد حقيقة (٢)، بخلافِ غَيرِه. (وَالْحَيَوَانِ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا: «مَنْ احْتَبَس فرَسًا في سبيل الله إيمانًا واحْتِسابًا؛ فإنَّ شِبَعَه، وَرَوْثَه، وبَولَه في ميزانه يَومَ القيامة حسناتٍ» رواه البُخارِيُّ (٣)؛ ولأِنَّه يَحصُلُ تَحبِيسُ الأصل وتسبيل المنفعة، فصَحَّ وقْفُه؛ كالعقار. (وَالْأَثَاثِ وَالسِّلَاحِ)؛ لقَولِه ﵇: «أمَّا خالِدٌ فقد احْتَبَسَ أَدْراعَه وأعْتادَه في سبيل الله» مُتَّفقٌ عَلَيه، وفي لَفْظٍ للبُخارِيِّ: «وأَعْتُدَهُ» (٤)، قال الخَطَّابِيُّ: الأعْتادُ ما يُعِدُّه الرَّجلُ مِنْ مركوبٍ، وسِلاحٍ، وآلةِ الجهاد (٥).

стр. 3565

ونَقَلَ المرُّوذِيُّ: لا يَجوز وقف (١) سلاحٍ (٢)، ذَكَرَه أبو بكْرٍ. وعَنْهُ: ولا مَنقولٍ؛ لأِنَّها أعيانٌ لا تَبْقَى على التَّأبِيدِ، فلم يَجُزْ وقْفُها؛ كالطَّعام. ورُدَّ: بالفرق. قَولُه: (في عَينٍ)؛ يُحتَرَزُ به عن الموصَى بنفعه (٣)؛ فلا يَصِحُّ وقْفُه من مالِكِ المنفعة. قوله: (يَجوز بَيعُها)؛ يُحْتَرَزُ به عن الحُرِّ، فإنَّه لا يَصِحُّ أن (٤) يَقِفَ نفْسَه، وأرْضِ السَّواد، قال الإمامُ أحمدُ: القطائعُ يَرجِعُ (٥) إلى الأصل إذا جَعَلَها للمساكين (٦)، فظاهِرُه: أنَّه يَصِحُّ وقْفُها، وهي في الأصل وَقْفٌ، ومَعْناهُ: أنَّ وَقْفَها يُطابِقُ الأصل، لا أنَّها تَصِيرُ وقْفًا بهذا القَولِ، قاله في «الشَّرح». ويُستَثنَى منه: وقْفُ المصحف، فإنَّه يصحُّ روايةً واحدةً، قاله في «الوسيلة». والماءِ، قال الفَضْلُ: سألْتُ أحمدَ عن وَقْفِ الماء، فقال: إنْ كان شَيئًا اسْتَجازُوهُ بَينَهم جازَ (٧)، وحَمَلَه القاضِي وغَيرُه على وَقْفِ مَكانِه، وهو بَعِيدٌ؛ لأِنَّ وقْفَ مَكانِ الماء لا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُه على اسْتِجازَتهم له. ومُقْتَضاهُ: أنَّ النَّصَّ شاهِدٌ بصِحَّة الوقْفِ لِنَفْسِ (٨) الماء، قال الحارِثِيُّ:

стр. 3566

وهو مُشكِلٌ مِنْ وَجْهَينِ: أحَدُهما: إثْباتُ الوقْفِ فِيما لم يَمْلِكْه، فإنَّ الماءَ يَتَجَدَّدُ شَيئًا فشَيئًا. والثَّانِي: ذَهابُ العَينِ بالاِنْتِفاع، والوَقْفُ يَستَدْعِي بَقاءَ أصْلٍ يُنتفع به على مَمَرِّ الزَّمان، ولكِنْ قد يُقالُ: مادَّةُ الحصول مِنْ غَيرِ تأثيرٍ بالاِنْتِفاع يُنَزَّلُ مَنزِلةَ بَقاء العَين مع الاِنْتِفاع، وتأتِي تَتِمَّةُ ذلك. (وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ)، في قَولِ أكثرِ العلماء (١)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عُمَرَ: أنَّ عُمَرَ قال: إنَّ المائةَ سَهْمٍ الَّتي بِخَيبَرَ لم أُصِبْ مالاً قطُّ أعْجَبَ إليَّ منها، فأردت أنْ أتصدَّق بها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «احبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثَمَرَتَها» رواه النَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ (٢)، ولأِنَّه عَقْدٌ يَجوزُ على بعض الجُمْلة مُفْرَزًا، فجاز عَلَيهِ مُشاعًا؛ كالبيع. ويُعتَبَرُ أنْ يقولَ: كذا سَهمًا مِنْ كذا سَهْمًا، قاله أحمدُ (٣). قال في «الفروع»: ثُمَّ يتوجَّهُ: أنَّ المشاعَ لو وُقِفَ مسجدًا؛ ثَبَتَ حُكْمُ المسجد في الحال، فيُمنَعُ منه الجُنُبُ، ثمَّ القسمة (٤) متعينة هنا؛ لتَعْيِينِها (٥) طريقًا للاِنْتِفاع بالموقوف. وفي «الرِّعاية الكبرى»: لو وَقَفَ نصْفَ عبْده؛ صحَّ ولم يَسْرِ إلى بقيَّته، وإنْ كان لغَيره، فإنْ أعَتَقَ ما وَقَفَه منه، أو أعْتَقه الموْقوفُ عَلَيه؛ لم يَصِحَّ ولم يَسْرِ، وإنْ أعْتَقَ الواقِفُ بَقِيَّتَه، أو أعْتَقَه شَريكُه فيه؛ عَتَقَ بقِيَّتُه، ولم يَسْرِ إلى الموقوف، وإنْ عَلَّق عِتْقَه بصفةٍ، ثمَّ وَقَفَه قَبْلَها؛ صحَّ وقْفُه.

стр. 3567

(وَيَصِحُّ وَقْفُ الْحَلْيِ عَلَى اللُّبْسِ وَالْعَارِيَّةِ)؛ لِمَا رَوَى نافِعٌ: «أنَّ حفصةَ ابْتاعَت حَلْيًا بعشرين ألْفًا حبَّسَتْه على نساء آلِ الخَطَّاب، فكانت لا تُخرِجُ زكاتَه» رواه الخَلاَّلُ (١)، ولوجود الضَّابِط، ولأِنَّ فِيهِ (٢) نفْعًا مباحًا مقصودًا، فجاز أخْذُ الأُجْرة عَلَيهِ، وصحَّ وقْفُه؛ كوَقْفِ السِّلاح في سبيل الله. (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ)، نَقَلَها الأثْرَمُ وحنبلٌ (٣)، قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: وأنكر حديثَ حفصةَ؛ لأِنَّ التَّحَلِّيَ لَيسَ هو المقصودَ الأصِلِيَّ من الأثْمان، فلم يَصِحَّ وقْفُها؛ كالدَّنانِيرِ. ورُدَّ: بأنَّ المفْسِدَ فِيها عدمُ الاِنتفاع بعَينِها، وهذا في الحَلْيِ معدومٌ. قال في «التَّلخيص»: وهو محمولٌ على روايةِ مَنْعِ وَقْفِ المنقول، وذَكَرَ القاضِي في «تعليقه» روايةَ الأثْرَمِ وحنبلٍ، ولَفْظُها: (لا أعْرِفُ الوقْفَ في المال)، فإنْ لم يكنْ في الرِّواية غَيرُ هذا؛ ففي أخْذِ المنْع منه نَظَرٌ، قالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. (وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الذِّمَّةِ؛ كَعَبْدٍ وَدَارٍ)؛ لأِنَّه نَقْلُ ملْكٍ على وَجْهِ القُربة، فلم يَصِحَّ في غَيرِ مُعَيَّنٍ؛ كالهِبَة. (وَلَا) وَقْفُ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ) العَبْدَينِ؛ لِمَا ذَكَرْنا، وفِيهِ احْتِمالٌ في العتق، فيَخرُج المبْهَمُ منهما بالقُرعة. (وَلَا وَقْفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ كَأُمِّ الْوَلَدِ)؛ لأِنَّه نَقْلٌ للملْك فِيها في الحياة،

стр. 3568

فلم يَجُزْ كالبيع، وفيه وَجْهٌ، وقيَّده ابنُ حَمْدانَ: إنْ صحَّ بَيعُها. (وَالْكَلْبِ)؛ لأِنَّ الوقْفَ تَحْبِيسُ الأصل وتَسْبِيلُ المنفعة، والكَلْبُ أُبِيحَ الاِنْتِفاعُ به على خلاف الأصل؛ للضَّرورة، فلم يَجُز التَّوسُّعُ فيها. وكذا لا يَصِحُّ وقْفُ الحَمْل مُنفَرِدًا. (وَلَا) يَصِحُّ وقْفُ (مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ دَائِمًا؛ كَالْأَثْمَانِ)، وهي الدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ، (وَالْمَطْعُومِ، وَالرَّيَاحِينِ)، في قَولِ عامَّةِ العلماء؛ لأِنَّ ما لا يُنتَفَعُ به إلاَّ بالإتْلاف لا يَصِحُّ وقْفُه؛ كالشَّمْع لِيُشْعِلَه. وقِيلَ: يَصِحُّ في الأثْمان؛ بِناءً على إجارتها. ورُدَّ؛ لأِنَّ تلك (١) المنفعةَ لَيست المقصودةَ الَّتي (٢) خُلِقَتْ له الأثمانُ، فلم يَجُز الوقْف له؛ كوقف الشَّجر على نَشْر الثِّياب. ويُسْتَثْنَى منه: لو وَقَفَ فَرَسًا بسَرْجٍ ولِجامٍ مُفَضَّضَينِ، فإنَّه يَصِحُّ ويَدخُلُ تَبَعًا، نَصَّ عَلَيهِ (٣). أمَّا لو وَقَفَهُما (٤) للتَّحلِّي والوزن؛ فاخْتارَ صاحِبُ «التَّلخيص»: الصِّحَّةَ؛ كإجارتها لذلك. واختار المؤلِّفُ وجَمْعٌ ضِدَّها؛ لأِنَّ ذلك لَيسَ من المرافِقِ العامَّة. فإنْ أطلَقَ؛ بَطَلَ. وقِيلَ: يَصِحُّ ويُحمَلُ عليهما (٥). مسألةٌ: لا يَصِحُّ وقْفُ قِنديلِ نَقْدٍ على مَسْجِدٍ، ويُزكِّيهِ ربُّه. وقِيلَ: يَصِحُّ، فيُكْسَرُ، ويُصرَفُ لمصلحته.

стр. 3569

وقال ابن المنجَّى: تمثيلُه بالمطْعوم والرَّياحين فيه نَظَرٌ؛ من جِهَةِ أنَّهما لا يَبْقَيانِ، فيُحذَفانِ، ويُقْتَصَرُ على التَّمثيل بالأثْمان، أوْ يثبتان (١) مع حذف «مع بقائه»، فإنَّه يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهما لا ينتفع بهما دائِمًا؛ لأِنَّ نَفعَهما يَحصُلُ في بعض الزَّمَن. وعُلِمَ منه: أنَّ وقْفَ ما لا منفعةَ فيه؛ كالعَين المؤْجَرَة؛ لا يَصِحُّ؛ لِعَدَم وُجود المعْنَى. نَعَمْ؛ إنْ وَقَفَها مدَّةَ الإجارة إذا انقضت؛ صحَّ إنْ قِيلَ: يَصِحُّ تعليقُ الوقْف على شَرْطٍ. (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ) ومعروفٍ إذا كان الوقْفُ على جِهةٍ عامَّةٍ؛ لأِنَّ المقصودَ منه التَّقرُّبُ إلى الله تعالى، وإذا لم يَكُنْ على بِرٍّ؛ لم يَحصُل المقصودُ؛ (كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ)، فإذا قال: جَعلْتُ ملْكِي للمسجد؛ صار حقًّا من حقوقه، ولا يُعتَبَرُ قَبولُ ناظره؛ لتعذُّره بالقَبول، كحالة وقْف المسجد، فإنَّه لا يُشتَرَطُ قَبولُه؛ لأِنَّ النَّاظِرَ لا يكون إلاَّ بَعْدَ الوقف. (وَالْقَنَاطِرِ)، والسِّقايات، والمقابِر، وكُتُبِ العِلْم. (وَالْأَقَارِبِ؛ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ (٢)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)؛ لأِنَّ القَريبَ الذِّمِّيَّ مَوضِعُ القُرْبة؛ بدليلِ جوازِ الصَّدقة عليه. ويصحُّ الوقْفُ على أهل الذِّمَّة، جزم به الأكثرُ؛ لأِنَّ «صَفِيَّةَ وَقَفَتْ على أخٍ لها يَهودِيٍّ» (٤)، ولأِنَّهم يَملِكون ملْكًا مُحتَرَمًا، ولأِنَّ مَنْ جاز أنْ يَقِفَ عَلَيه

стр. 3570

الذِّمِّيُّ؛ جاز أنْ يَقِفَ المسلِمُ عليه؛ كالمسلم. وصحَّحَ الحُلْوانِيُّ: على فقرائهم، وصحَّحَه في «الواضح» من ذِمِّيٍّ، عَلَيهم وعلى بِيعَةٍ وكَنِيسةٍ. ومُقْتَضَى كلامِ صاحِبِ «التَّلخيص» و «المحرَّر»: أنَّه لا يَصِحُّ الوقْفُ عَلَيهم؛ لأِنَّ الجِهةَ جهةُ معصيةٍ، بخلافِ أقارِبِه. وإِنْ وَقَفَ ذِمِّيٌّ على ذِمِّيٍّ شَيئًا، وشَرَطَ أنَّه يَستَحِقُّه ما دام ذِمِّيًّا، فأسلم؛ فله أخْذُه أيضًا؛ لأِنَّ الواقِفَ عيَّنه له، ويَلْغُو شَرْطُه. وردَّه في «الفنون». وقِيلَ: يُشتَرَطُ أنْ لا يكونَ معصيةً، فيَصِحُّ في المباح؛ كالوقْف على الأغنياء. وقِيلَ: ومكروهٍ. فائدةٌ: يَصِحُّ الوقْفُ على الصُّوفيَّة، وهم المشْتَغِلون بالعبادات في غالب الأوقات، المعرِضون عن الدُّنيا. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: فمَنْ كان منهم جمَّاعًا للمال، أو لم يَتَخَلَّقْ بالأخلاق المحمودة، ولا تأدَّب بالآداب الشَّرْعيَّة غالِبًا، أوْ فاسِقًا؛ لم يَسْتَحِقَّ (١).

стр. 3571

ولم يَعتَبِر الحارِثِيُّ الفقرَ. قال في «الفروع»: ويتوجَّهُ احْتِمالٌ: لا يَصِحُّ عَلَيهم، ولهذا قال (١): ما رأيتُ صوفِيًّا عاقلاً (٢) إلاَّ سَلْمًا (٣) الخَوَّاص (٤)، وقالَهُ أبو محمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ، إذْ لَيسَ له حَدٌّ (٥) يُعرَفُ به (٦). (وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْكَنَائِسِ، وَبُيُوتِ النَّارِ)، والبِيَعِ؛ لأِنَّ ذلك معصيةٌ؛ لِكَون أنَّ هذه المواضِعَ بُنِيَتْ للكُفْر، والمسلِمُ والذِّمِّيُّ سَواءٌ. قال أحمدُ في نَصارَى وقَفُوا على البِيْعة ضِياعًا وماتُوا ولهم أبناءٌ نَصَارَى فأسْلَمُوا، والضِّياعُ بِيَدِ النَّصارى: فلهم أخْذُها، وللمسلمين عَونُهم حتَّى يَسْتَخْرجوها من أيْدِيهِم (٧). وحُكْمُ الوقْفِ على قَنادِيلِ البيعَة، ومَنْ يَخدُمُها ويَعمُرُها؛ كالوَقْف عَلَيها، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح».

стр. 3572

وإنْ قال: أنْتَ حَرٌّ بشَرْطِ أنْ تَخدُمَ الكنيسةَ سنةً بَعْدَ مَوتِي، وهما نصرانيان، فأسْلَمَ العبدُ قَبْلَ تمامها؛ عَتَقَ في الحال. وعنه: تَلزَمُه القِيمةُ لبقيَّة الخدمة. وعنه: لا، وهي أصحُّ وأوفق (١) لِأُصولِه. (وَكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ)؛ للإعانة (٢) على المعصية، فإنَّها منسوخةٌ، وقد بُدِّلَ بعضُها، وقد غَضِبَ النَّبيُّ ﷺ حِينَ رأى مع عمرَ شيئًا استَكْتَبَه منها، وقال: «أفي (٣) شكٍّ أنت (٤) يا ابْنَ الخَطَّاب! ألم آتِ بها بيضاءَ نقيَّةً، ولو كان أخِي موسى حيًّا ما وَسِعَه إلاَّ اتِّباعِي» (٥)، وكُتُبُ الزَّندَقة مِنْ بابِ أَوْلَى. (وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ)؛ لأِنَّ أموالَهما (٦) مُباحةٌ في الأصل، تَجُوزُ إزالَتُها، فما يتجدَّد لهم أَوْلَى، ولاِنْتِفاء الدَّوام؛ لأِنَّهما مقتولانِ عن قرب (٧). تنبيهٌ: لا يَصِحُّ الوقْفُ على قُطَّاع الطَّريق، ولا على المغاني، ولا التَّنوير على قبر وتَبْخيره، ولا على مَنْ يُقيمُ عِندَه أوْ يَخدُمُه، ولا وَقْفُ سُتورٍ لغَير الكَعْبةِ، وصحَّحه ابنُ الزَّاغُونِيِّ، فيُصرَفُ لمصلحته، ذَكَرَه ابنُ الصَّيرَفِيِّ (٨).

стр. 3573

(وَلَا (١) عَلَى نَفْسِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، قال في روايةِ أبي طالِبٍ: لا أعْرِفُ الوقْفَ إلاَّ ما أخرجه لله تعالى، أو في سبيله (٢)، فإنْ وَقَفَه عليه حتَّى يموت فلا أعْرِفُه (٣)، فعليها: يكون باطِلاً، وجزم به الأكثرُ، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ الوَقْفَ تمليكٌ؛ إمَّا للرَّقَبة أوْ للمنفعة، وكِلاهُما لا يَصِحُّ؛ لأِنَّ الإنسانَ لا يجوز له أنْ يُمَلِّكَ نفسَه من نفسه، كما لا يَجوزُ أنْ يَبِيعَ مالَه من نفسه، والأصحُّ: أنَّه يُصْرَفُ لِمَنْ بَعْدَه في الحال. والثَّانيةُ: يَصِحُّ، ذَكَرَه في «المُذْهب» ظاهِرَ المذهب، واخْتارَه ابنُ أبي موسى، وابنُ عَقِيلٍ، وأبو المعالي، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤)؛ لأِنَّه يَصِحُّ أنْ يَقِفَ وقْفًا فينتفع (٥) به، كذلك (٦) إذا خَصَّ نفْسَه بانْتِفاعِه، وكشرط (٧) غَلَّته له. ومتى حَكَمَ به حاكِمٌ حَيثُ يَجوزُ له الحكمُ؛ فظاهِرُ كلامهم: يَنفُذُ حُكْمُه ظاهِرًا؛ لأِنَّها مسألةٌ اجْتِهاديَّةٌ، وهل يَنفُذُ باطِنًا؟ فيه خِلافٌ. (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ، وَاسْتَثْنَى (٨) كلَّ الغَلَّة أوْ بَعْضَها، له أوْ لولده، (الْأَكْلَ مِنْهُ (٩) مُدَّةَ حَيَاتِهِ)، أوْ مدَّةً معلومةً؛ (صَحَّ) الوقْفُ والشَّرْطُ، نَصَّ عَلَيهِ (١٠)، واحْتَجَّ بأنَّه قال: سمعتُ ابنَ عُيَينَةَ، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن

стр. 3574

حُجْرٍ المدري: «أنَّ في صدقةِ رسولِ الله ﷺ أنْ يأكُلَ أهلُه منها بالمعْروفِ» (١)، «وشَرَطَ عمرُ (٢) أكْلَ الوالي (٣) عَلَيها، وكان هو الواليَ (٤) عَلَيها» (٥)، وفَعَلَه جماعةٌ من الصَّحابة (٦). وقيل: لا يَصِحُّ الوَقْفُ؛ لأِنَّه إزالةُ ملْكٍ، فلم يَجُز اشْتِراطُ نَفْعه لنفسه؛ كالبيع. وقيل: لا يَصِحُّ شَرْطُه. فإنْ صحَّ، فمات في أثْناء المدَّة؛ كان لِوَرَثَتِه، ويَصِحُّ إجارتُها. (الثَّالِثُ: أَنْ يَقِفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ)؛ لأِنَّ الوَقْفَ تَملِيكٌ، فلم يَصِحَّ على غَيرِ مُعَيَّنٍ؛ كالهِبة، (وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَجْهُولٍ؛ كَرَجُلٍ وَمَسْجِدٍ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، ولا (٧) على أحدِ هذَينِ، وفيه وجْهٌ بِناءً على أنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى قَبولٍ. ولا على معدومٍ أصْلاً؛ كوقْفه (٨) على مَنْ سَيُولَدُ لي أوْ لِفُلانٍ، وصحَّحه

стр. 3575

فيه في «المغْنِي»؛ لأِنَّه يُرادُ للدَّوام، بخلافِ الوصيَّةِ، وفي «الترغيب» هو مُنقَطِعُ الأوَّل. ولم يَعْتَبِرِ الحارِثيُّ أنْ يَمْلِكَ؛ لحصول مَعْناهُ، فَيَصِحُّ لعبدٍ وبهيمةٍ يُنفِقُه (١) عليهما. (وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ لَا يَمْلِكُ؛ كَالْعَبْدِ)، قال أحمدُ فِيمَنْ وَقَفَ على ممالِيكِه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ حتَّى يُعتِقَهم (٢)، وظاهره ولو قُلْنا: إنَّه يَمْلِكُ بالتَّملِيك؛ لأِنَّ ملكه (٣) كالعَدَمِ. وقِيلَ: يَصِحُّ إنْ قُلْنا يَملِكُ به، ويَكونُ لسيِّده. والمدبَّرُ، وأمُّ الوَلَد؛ كالقِنِّ، وكذا المكاتب في الأصحِّ؛ لأِنَّ ملكَه غَيرُ مُسْتَقِرٍّ. لا يُقالُ: الوَقْفُ على المساجد (٤) صحيحٌ، وهي لا تَمْلِكُ، فيَنبَغِي أنْ يَصِحَّ هنا؛ لأِنَّ الوقْفَ على المسلمين، إلاَّ أنَّه عُيِّنَ في نَفْعٍ خاصٍّ لهم، فَيرد أنَّه يَصِحُّ على الكنائس، ويكونُ الوقْفُ على أهل الذِّمَّة. وجوابُه: أنَّ الجِهةَ التي عُيِّنَ صَرْفُ الوقْفِ فيها لَيست نَفْعًا (٥)، بل هي معصيةٌ مُحرَّمةٌ، يَزْدادُونَ بها عِقابًا، بخلاف المساجد. (وَالْحَمْلِ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، وصحَّحه ابنُ عَقِيلٍ، والحارِثِيُّ؛ كوصيَّةٍ. قال في «الفروع»: ويَتَوجَّهُ من الوقْفِ على حَمْل؛ صِحَّة الهِبة له، وأَوْلَى؛ كصحَّتها لعبد (٦).
следующие страницы →