← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

طُهرها من الحيض له، ثم (١) أجنبتْ، فله الوطء (٢)؛ لبقاء حكم (٣) تيمُّم الحيض. (وَإِنْ نَوَى نَفْلًا)؛ لم يَستبِح سِواه؛ لأنَّ غيرَه ليس بِمَنْوِيٍّ. (أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ؛ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا نَفْلًا)؛ لأنَّ التَّعيين شرط في الفرض، ولم يوجد، فأبيح له التَّنفُّل؛ لأنَّه أقلُّ ما يحمل عليه الإطلاق. وفيه وجْهٌ: يُصلِّي به الفرضَ. وقيل: مع الإطلاق (٤)، واختاره ابن حمدان، واختار: أنَّه لا يصلِّي به نفلًا فوقَ ركعتين بسلامٍ واحدٍ بلا نيَّة. (وَإِنْ نَوَى فَرْضًا) سواء كانت معيَّنةً أو مطلقةً (٥)؛ (فَلَهُ فِعْلُهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ وَالتَّنَفُّلُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ)، وهو معنى كلامِه في «الوجيز» وغيره: صلَّى به فُروضًا ونوافِلَ، وفي «الرِّعاية»: ونذْرًا. هذا هو المعروف في (٦) المذهب، مع أنَّ القاضيَ لم يحكِ به نصًّا، وإنَّما أطلق أحمدُ القولَ في رواية جماعة: (أنَّه يتيمَّم لكلِّ صلاةٍ) (٧)، ومعناه: لوقت كلِّ صلاةٍ؛ لأنَّها طهارةٌ صحيحةٌ، أباحت فرضًا، فأباحت ما هو مثله؛ كطهارة الماء. وعنه: لا يجمع فيه بين فرضين، اختاره الآجُرِّيُّ، وهو قول ابن عبَّاس (٨)،

стр. 387

وعليها: له فعل غيره مما شاء، ولو خرج الوقت، لكن في إسناده عن ابن عبَّاس [الحسنُ بن عمارة] (١)، وهو ضعيف، مع أنَّ حَرْبًا روى عنه أنَّه قال: التَّيمُّم بمنزلة الوضوء يصلِّي به الصلواتِ ما لم يُحدِثْ (٢). والأصحُّ: أنَّه يتنفَّل قبل الفرض، ثمَّ يصلِّيها وما شاء إلى آخر وقتها عن أيِّ شيء تيمَّم. وعنه: لا يتنفَّل إلَّا أن يكون نوى الفرضَ (٣) والنَّفلَ، فإن خالف وصلَّى، لم يَفعَل به الفرضَ بعد ذلك. وضابِطُه: أنَّ من نوى شيئًا استباحَه، ومِثلَه، ودونَه، فالنذر (٤) دون ما وجب شرعًا، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (ظاهر كلامهم لا فرق) (٥). وفَرْضُ كفاية دون فرض عين، وفرض جنازة أعلى من نافلة. وقيل: يصليها بتيمُّم نافلة.

стр. 388

ويباح الطواف بنيَّة النَّافلة في الأشهر؛ كمسِّ المصحف، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (ولو كان الطواف فرضًا) (١)، خلافًا لأبي المعالي. ولا تباح نافلة بنيَّة مسِّ مصحف وطواف في الأشهر. وإن تيمَّم جنُبٌ لقراءةِ (٢) أو مسِّ مُصحف؛ فله اللُّبث في المسجد، قال القاضي: وجميع النوافل؛ لأنَّها (٣) في درجة واحدة. وإن تيمَّم لمسِّ مُصحف؛ فله القراءةُ، لا العكسُ، ولا يستبيحهما بنيَّة اللُّبث، وتُباح الثَّلاثة بنيَّة الطَّواف، لا العكس. وإن تيمَّم لمسِّ مصحف؛ ففي نفلِ طوافٍ (٤) وجهان. وفي «المغني»: (إن تيمَّم جُنُبٌ لقراءةٍ أو لُبثٍ أوْ مسِّ مُصحَف؛ لم يَستبِحْ غيرَه)، قال ابن تميم: (وفيه نظرٌ)، وفي «الرِّعاية»: (وفيه بُعدٌ). (وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ: بِخُرُوجِ الْوَقْتِ)، وهو قولُ عليٍّ (٥) وابن عمر (٦)؛ لأنَّها طهارة ضرورة، فتقيَّدت بالوقت؛ كطهارة المستحاضة.

стр. 389

وظاهره: ولو كان في الصَّلاة، وصرَّح به في «المغني». وقال ابن عَقيل: لا تبطل، وإن (١) كان الوقتُ شرطًا؛ كما في الجمعة. وخرَّجه (٢) السَّامَري على وجود الماء فيها. وفيه وجهٌ: لا يَبطُل حتَّى يدخل وقت التي تليها، قاله المجد وابن تميم، وفائدته: هل يبطل التَّيمُّم بطلوع الشَّمس أو بزوالها؟ وفي (٣) ثالث: يبطل بالنِّسبة إلى الصَّلاة التي دخل وقتها، فيباح به غيرها، فلو كان تيمُّمه في غير وقت صلاة؛ كالمتيمِّم (٤) بعد طلوع الشمس؛ بطل بزوالها. ولو نوى الجمع في وقت الثَّانية، فتيمَّم في وقت الأولى لها، أو لفائتة (٥)؛ لم يبطل تيمُّمه بدخول وقت الثَّانية؛ لأنَّ وقتيهما قد صار وقْتًا واحِدًا. ودخل في كلامه: ما إذا تيمَّم لطوافٍ أو جنازةٍ أو نافلةٍ، وخرج الوقت؛ فإنَّه يبطل؛ كالفريضة. وعنه: إن تيمَّم لجنازة، ثمَّ جِيء بأخرى؛ فإن كان بينهما وقت يمكنه التَّيمُّم؛ لم يصلِّ عليها حتَّى يتيمَّم لها، وإلَّا صلَّى، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين:

стр. 390

(لأنَّ النَّفل المتواصِل هنا كتواصل الوقت للمكتوبة). قال: (وعلى قياسه: ما ليس له وقت محدود (١)؛ كمسِّ مصحف وطواف) (٢). فعلى هذا: النوافل المؤقَّتة كالوتر، والسُّنن الرَّاتبة، والكسوف؛ يبطل التَّيمُّم لها بخروج وقت النَّافلة، والنَّوافل المطلقة يحتمل أن يُعتبر فيها تواصل الفعل كالجنازة، ويحتمل أن يمتدَّ وقتها إلى وقت النهي عن تلك النافلة. (وَوُجُودِ الْمَاءِ) المعجوزِ عنه إجماعًا (٣)؛ لحديث أبي ذر، وشرطه: أن يكون مقدورًا على استعماله من غير ضرر؛ كعطشٍ ومرضٍ، وألحق به (٤) في «الشرح» وغيره: ما إذا رأى ركْبًا ظنَّ (٥) معه ماءً، أو خُضرةً ونحوه، أو سرابًا ظنَّه ماء، وقلنا بوجوب الطلب، وسواء تبيَّن له خلاف (٦) ظنِّه أوْ لا، فإن وجده، وإلَّا استأنف التَّيمُّم. ويحتمل: ألا يبطل؛ لأنَّ الطَّهارة المتيقَّنة لا تزول بالشَّكِّ. (وَمُبْطِلَاتِ الْوُضُوءِ)؛ لأنَّه إذا بطل الأصل بطَلَ بدَلُه من باب أوْلى، لكنْ إن كان تيمُّمه عن حدث أصغر؛ فهو كما ذكره، وإن كان عن جنابة؛ فيبطل (٧) بخروج الوقت والقدرة على الماء وموجبات الغسل، وإن كان لحيض أو نفاس؛ فلا يزول حكمه إلَّا بحدثهما أو [بأحد] (٨) الأمرين.

стр. 391

(فَإِنْ (١) تَيَمَّمَ، وَعَلَيْهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) كعِمامة وخُفٍّ، (ثُمَّ خَلَعَهُ؛ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ) في اختيار المؤلِّف، وصحَّحه في «الشَّرح»، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنَّ التَّيمُّم طهارة لم يمسح فيها عليه، فلا يبطل بنزعه كالملبوس على غير طهارة، بخلاف الوضوء، وكما لو كان الملبوس ممَّا لا يجوز المسح عليه، فإن كان الحائل (٢) أو بعضه في محلِّ التَّيمُّم؛ بطل بخلعه، قاله ابن حمدان. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَبْطُلُ)، نصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه مبطِل للوضوء، فأبطل التَّيمُّم كسائر المبطلات. ويُجابُ: بأنَّ مبطِلَ الوضوء نَزْع ما هو ممسوح عليه فيه (٤)، بخلافه هنا. (وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لَمْ تَجِبْ إِعَادَتُهَا)؛ لما روي عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصَّلاة وليس معهما ماءٌ، فتيمَّما صعيدًا طيِّبًا، فصلَّيا، ثمَّ وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدُهما، ولم يُعِدِ الآخر، ثمَّ أتيا النَّبيَّ ﷺ فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يُعِد: «أصبت السُّنَّة، وأجزأتك صلاتُك»، وقال للذي أعاد: «لك الأجر (٥) مرَّتين» رواه النَّسائي، وأبو داود ولفظه له، ورواه (٦) من طريق أخرى (٧) متصلًا (٨)،

стр. 392

وقال: (على شرط الشَّيْخين) (١)، واحتجَّ أحمد: بأنَّ عمر (٢) تيمَّم وهو يرى بيوت المدينة، فصلَّى العصر، ثمَّ دخل المدينة والشَّمسُ مرتفِعةٌ؛ ولم يُعِد (٣)، ولأنَّه أدَّى صلاته بطهارة صحيحة، أشبه ما لو أدَّاها بالماء، وفيه نَظَرٌ، ولأنَّه إجماع فيما إذا وجده بعد الوقت. وعنه: يسنُّ. ولا يلزم إعادة صلاة جنازة، وإن لزم غسله في وجهٍ. (وَإِنْ وَجَدهُ)؛ أي: حقيقةً (فِيهَا) وفي طوافٍ (٤)؛ (بَطَلَتْ) في ظاهِر المذهب؛ لأنَّ حديث أبي ذرٍّ يدلُّ بمفهومه (٥) على أنَّه ليس بطَهور عند وجود الماء، وبمنطوقِه على وجوب استعمال الماء عند وجوده، وهو قادر على استعماله، أشبه الخارج من الصَّلاة، وكالمستحاضة إذا انقطع دمها.

стр. 393

فعليها يخرَّج: فيتطَّهر. والمنصوص: أنَّه يستأنفها (١)؛ لأنَّ ما مضى منها انبنى على طهارةٍ ضعيفةٍ؛ كطهارة المستحاضة، بخلاف من سبقه الحدث. وفيه وجه: يبني، وقاله القاضي وغيره؛ كمن سبقه الحدث، وفيه روايتان، أصحُّهما: أنَّه يستقبلها، فهنا أولى، قاله في «الشَّرح». (وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ)، نقلها الميموني (٢)، واختارها الآجُرِّي؛ كما لو وجد الرَّقبة بعد التَّلبُّس بالصِّيام. وأجيب: بأنَّ المَرُّوذِيَّ روى عن أحمد قال: (كنتُ أقول: يمضي، فإذا الأحاديث أنَّه يخرج) (٣)، فدلَّ على رجوعه، وبأنَّ الصَّوم هو الواجِبُ نفسُه، فنظيره إذا قدر على الماء بعد تيمُّمه، ولا خلاف في بطلانه، ثمَّ الفرق: بأنَّ مدَّة الصيام تطول فيشق الخروج منه؛ لما فيه من الجمع بين الفرضين الشاقَّين بخلافه هنا. وعليها: يجب المُضِيُّ فيها، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محَمَّد: ٣٣]. وقيل: هو أفضل. وقيل: خروجه أفضل، وهو رأي أبي جعفر؛ للخروج من الخلاف. فإن عيَّن نفلاً؛ أتمَّه، وإلَّا لم يزد على أقلِّ الصَّلاة. ومتى فرغ منها؛ بطل تيمُّمه، ذكره ابن عقيل، وعليها: لو وجده في صلاة على ميِّت يُمِّم؛ بطلت (٤)، وغُسِّل في الأصحِّ. ويلزم من (٥) تيمَّم لقراءة ووطء ونحوه؛ التَّرك.

стр. 394

فرع: لو انقلب الماء فيها، وقال أبو المعالي: إن علم بتلفه فيها؛ بقي (١) تيمُّمُه، وإن لم يعلم، فلمَّا فرغ شرع في طلَبه؛ بطل تيمُّمه. (وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِمَنْ) يعلم أو (يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ) في قول الجمهور؛ لأنَّ الطَّهارة بالماء في نفسها فريضة، والصَّلاة في أوَّل الوقت فضيلة، ولا شكَّ أنَّ انتظار الفريضة أولى. وظاهره: أنَّه إذا لم يَرْجُهُ، بل ظنَّ أو علم عدَمَه؛ فالتَّقديمُ أوْلى؛ لئلَّا يترك الفضيلة المتيقَّنة لأمر غير مرجوٍّ، وإن تردَّد فوجهان. وقيل: التَّقديم أفضل إلَّا أن يتحقَّق وجودَه في الوقت. وظاهِر الخِرَقي و «الفروع»: أنَّ التَّأخيرَ أفضلُ، وهو المنصوص عن أحمد (٢)، واختاره ابن عبدوس؛ لقول عليٍّ، رواه الدَّارَقُطْنِيُّ والبيهقِيُّ من رواية الحارث عنه، وهو ضعيفٌ (٣)، ولأنَّه يستحَبُّ تأخير (٤) العشاء لئلَّا (٥) يذهب خشوعها وتأخيرها لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطَّهارة أولى، وللخروج من الخلاف؛ إذ في رواية عن أحمد، وقاله بعض العلماء: إنَّ التَّيمُّم لا يجوز إلَّا عند ضيق الوقت. (وَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ أَجْزَأَهُ)؛ لحديث عطاء السابق، ولأنَّه

стр. 395

أتى بما أُمر به في حال العذر، أشبه من صلَّى عُريانًا أو جالِسًا لمرض، ثمَّ قدر على السُّترة وبرئ في الوقت. وظاهره: أنَّه لا إعادة، وهو إجماع فيما إذا وجده بعد الوقت (١)، وكذا إن وجده فيه على المجزوم به، لكن قال أحمد: (إذا وجد المتيمِّم الماء في الوقت فأحبُّ أن يعيد) (٢)، وحمله القاضي على جواز الإعادة من غير فضل. (وَالسُّنَّةُ فِي التَّيَمُّمِ: أَنْ يَنْوِيَ) استباحة ما يتيمَّم له، (وَيُسَمِّيَ) وكذا في «الوجيز»، وعبَّر في «المحرر» و «الفروع» ب «ثُمَّ»، وهو أولى، (وَيَضْرِبَ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَةَ الْأَصَابِعِ)؛ ليدخل الغبار بينهما، وينزع خاتمه. وعُلم منه: أنَّ الضَّرب ليس بشرط فيه (٣)، بل القصد حصول التراب في محلِّه، فلو كان ناعِمًا فوضع يديه عليه أجزأه (٤)، ولو أوصله (٥) بخرقة أو بيد أو بعضها؛ جاز، ذكره جماعةٌ. ولو (٦) نوى وصَمَد للرِّيح حتَّى عمَّتْ محلَّ الفرض بالتراب، ذكره القاضي والشَّريف، كما لو صمد للمطر حتَّى جرى على أعضائه. وفيه وجْهٌ: لا؛ لأنَّ الله تعالى أمر بقصد الصَّعيد والمسح به. وفي ثالثٍ: يجزئ إن مسح بيديه. فإن لم ينو حتَّى حصل في المحلِّ، ثمَّ مسح وجهه بغير ما عليه؛ صحَّ، وإلَّا فلا. (عَلَى التُّرَابِ) الطَّهور (ضَرْبَةً وَاحِدَةً)، لا يختلف المذهب أنَّ التَّيمُّم

стр. 396

بضرْبة وبضربتَيْن وأكثر؛ لأنَّ المقصود إيصال التُّراب إلى محلِّ الفرض، فكيفما حصل جاز كالوضوء، وفي «المغني»: لا خلاف أنَّه لا تُسنُّ الزِّيادة على ضربتين (١) إذا حصل الاستيعاب بهما، والمنصوص ضربة واحدة (٢)، وهي الواجِبُ بلا نزاع؛ لِمَا روى عَمَّار: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في التَّيمُّم: «ضربة واحدةٌ للوجه والكفَّين» رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح، وفي الصَّحيحين معناه من حديثه أيضًا (٣)، ولأنَّه حكمٌ معلَّق على مطلق اليد، فلم يدخل فيه الذِّراع؛ لأنَّها في خطاب الشَّرع إلى الكُوع، بدليل السَّرقة والمسِّ. لا يقال: هي مُطْلقة فيه مقيَّدة في الوضوء؛ فيحمل عليه لاشتراكهما في الطَّهارة؛ لأنَّ الحمل إنَّما يصحُّ إذا كان من نوع واحد؛ كالعتق في الظِّهار (٤) على العتق في قتل الخطأ، والتراب ليس من جنس الوضوء بالماء، وهو يشرع فيه التَّثليث، وهو مكروه فيه، والوجه يغسل منه باطن الفم والأنف بخلافه هنا، فلا يلحق به. (فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ، وَكَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) على سبيل الاستحباب، فلو مسح وجهه بيمينه ويمينه بيساره، أو عكس، وخلَّل أصابعه فيهما؛ صحَّ. واستيعاب الوجه والكَفَّين بالمسح؛ واجب، سوى ما يشقُّ وصول التراب إليه. (وَقَالَ الْقَاضِي) والشِّيرازي وابن الزَّاغوني (٥)، وهو روايةٌ: (الْمَسْنُونُ

стр. 397

ضَرْبَتَانِ، يَمْسَحُ (١) بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ، وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ)؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في التَّيمُّم: «ضربة للوجه، وضربة للذِّراعين إلى المَرفِقَين» رواه الدَّارقطني، وإسنادُه ثقاتٌ، ورُوي أيضًا من حديث ابن عمر (٢)، قال الشَّافعي في روايةِ الزَّعفراني (٣): (ابن عمر تيمَّم ضربة للوجه، وضربة إلى المرفقين (٤)، وبهذا رأيت أصحابي يأخذون) (٥). والأوَّل أولى، قال الإمام أحمد: (من قال ضربتين إنَّما هو شيءٌ زاده) (٦)؛ يعني: لا يصحُّ، وقال الخلَّال: (الأحاديث في ذلك ضِعافٌ جِدًّا، ولم يَرْوِ منها أصحاب السُّنن إلَّا حديث ابن عمر، وقال أحمد: ليس بصحيحٍ، وهو عندهم حديثٌ منكَرٌ) (٧)، قال الخَطَّابي: (يرويه محمَّد بن

стр. 398

ثابِتٍ، وهو ضعيفٌ) (١). (فَيَضَعُ بُطُونَ أَصَابَعِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّهَا إِلَى مِرْفَقِهِ (٢)، وَيُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إِلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ، وَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ، وَيُمِرُّ إِبْهَامَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِ الْيُمْنَى، وَيَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ). لِمَا رُوي عن النَّبيِّ ﷺ (٣)، ولأنَّ في ذلك خروجًا من الخلاف؛ إذْ بعضُ العلماء يوجبه، وظاهر كلامه في «الكافي»: أنَّ هذا مباحٌ. قال في «الشَّرح»: (فإن بَقِي من محلِّ الفرْض شيءٌ لم يصله التراب؛ أمَرَّ يدَه عليه ما لم يفصِل راحتَه، فإنْ فصَلَها، وكان قد بقِي عليها غبارٌ؛ جاز أن يمسح بها، وإن لم يبقَ؛ احتاج إلى ضربة أخرى، فإن كان المتروك من (٤) الوجه؛ مَسَحَه، وأعاد مَسْح يديه ليحصل التَّرتيب، فإن طال الفصل بينهما، وقلنا بوجوب الموالاة؛ استَأنَف التَّيمُّمَ). (وَيَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى) (٥)؛ ليُمِرَّ الترابَ بعْد الضَّرب، ولا يجب؛ لأنَّ فرضهما قد سقط بإمْرار كلِّ (٦) واحدة على ظهر الكَفِّ. (وَيُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ)؛ قِياسًا على مُبدَله. (وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ)؛ واحد الأمْصار، أو قَطَع عدوٌّ ماءً عن بلده،

стр. 399

وعدِم؛ (صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ)؛ لأنَّه عادِمٌ للماء أشْبه المسافِرَ، (وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه أدَّى فرضَه بالبدَل، فلم يكن عليه إعادةٌ؛ كالمسافِر. (وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ)؛ نقَله الجماعةُ (١)؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أباحَه عند عدَم الماء، وهذا واجِدٌ له كسائر الشروط، وخروج وقت الاختيار؛ كخروج الوقت، قاله ابن تميم. (وَلَا الْجَنَازَةِ) هذا أظهر الرِّوايتين؛ لما قلناه. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْجَنَازَةِ)؛ رُوي عن ابن عمر (٢) وابن عبَّاس (٣) وجَمْعٍ (٤)؛ لأنَّه لا يمكن استدراكها بالوضوء، أشبه العادِم، والمراد به: فوتُها مع الإمام، قاله القاضي وغيره. قال جماعةٌ: وإن أمكنه الصَّلاة على القبر؛ لكثرة وقوعه، فتعظم المشقَّة. وظاهره: أنَّه لا يُتيمَّم لعيد ونحوه، وهو كذلك، صرَّح به جماعة. وعنه: يجوز لفَوت العيد، وسجود التِّلاوة، واختار الشَّيْخ تقِيُّ الدِّين:

стр. 400

والجمعة، قال: (وهو أولى من الجنازة؛ لأنَّها لا تُعاد) (١)، وجعلها القاضي وغيره أصلاً للمنع. قال ابن حامد: والسُّجود يُخرَّج على الجنازة، قال ابن تميم: وهو حسَن. وعلى الأوَّل: لو وصل مسافِرٌ إلى بئر ماء، وعليه (٢) ضاق الوقت، أو علم أنَّ النَّوبة لا تصل إليه إلَّا بعده، أو علمه قريبًا وخاف فوت الوقت؛ أنَّه كقدرته على ماء بئر بثوب يبلُّه ثمَّ يعصره، فإنَّه يلزمه إن لم تنقص قيمته أكثر من ثمن الماء، ولو خاف الوقت، وقيل: بلى، فيستثنى (٣). واختار الشَّيخ تقي الدِّين فيمن يمكنه الذَّهاب إلى الحمَّام، لكن لا يمكنه الخروج إلَّا بفوات الوقت؛ كالمرأة معها أولادُها، ولا يمكنها أن تخرج حتَّى تغسلهم: تتيمَّم وتصلِّي خارج الحمّام؛ لأنَّ الصَّلاة بعد الوقت منهيٌّ عنه (٤). فرع: إذا تعذَّر عليه غُسلٌ مسنونٌ؛ كجمعة، فهل يُسنُّ التَّيمُّم عنه؟ على وجهين، وذكر ابن تميم أنَّ المنصوص: أنَّه يُشرع في غير الإحرام، وصحَّح في «الشَّرح»: أنَّه لا يُسنُّ عن غسل الإحرام؛ لأنَّه غُسل غيرُ واجبٍ، فلم يُستحبَّ التَّيمُّمُ عند عدَمه؛ كالجمعة. (وَإِنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ، فَبُذِلَ مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمْ لِأَوْلَاهُمْ بِهِ؛ فَهُوَ لِلْمَيِّتِ)، جزم به في «الكافي» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع» وغيرِه؛ لأنَّ القصد من غسل الميت تنظيفه، ولا يحصل بالتَّيمُّم، والحيُّ يقصد بغسله إباحة الصَّلاة، وهو يحصل بالتُّراب.

стр. 401

فعلى هذا: إن فَضَل منه شيءٌ كان لورثته (١)، فإن لم يكن حاضرًا، فللحيِّ أخذُه لطهارته بثمنه في موضعه؛ لأنَّ في تركه إتلافَه، أمَّا إذا احتاج الحيُّ إليه لعطش؛ فهو مقدَّم في الأصحِّ. (وَعَنُهُ: أَنَّهُ لِلْحَيِّ)، اختارها الخلَّال؛ لأنَّه يستفيد ما لا يستفيده الميِّت من القراءة ومسِّ المصحف ونحوها. (وَأيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ): أحدهما: تقدَّم الحائض، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأنَّها تقضي حقَّ الله تعالى وحقَّ زوجها في إباحة وطئها. والثَّاني: يقدَّم الجنب، قدَّمه في «الرعاية»؛ لأنَّ غسله ثابت بصريح القرآن، بخلاف غسلها. وفي ثالثٍ: يقدَّم الرَّجل، ذكره في «الشَّرح»؛ لأنَّه يَصلُح إمامًا لها، وهو مفضَّل عليها. وفي رابعٍ: يقسم بينهما؛ أي: إذا احتملها. وفي خامسٍ: يُقرَع. فإن كان على أحدهم نجاسةٌ، سواءٌ كانت على ثوبه أو بدنه؛ فهو أولى؛ لأنَّ طهارة الحدث لها بدَلٌ، بخلاف النَّجاسة، وتُقدَّم نجاسة ثوبه على نجاسة بدنه، ونجاسة بدنه على نجاسة السَّبيليْن (٢). وقيل: الميِّت أولى، اختاره المَجْد وحفيدُه (٣). ويُقدَّم جنُبٌ على محدِث. وقيل: سواءٌ. وقيل: المحدث إلَّا أن يكفي

стр. 402

من تطهُّر (١) به منهما، وإن كفاه فقط قُدِّم، وقيل: الجنب. فإنْ تطهّر به (٢) غيرُ الأَولى كان مسيئًا مع صحَّة طهارته، ذكره في «الشَّرح» و «الفروع»؛ لأنَّ الآخَر لم يملكه، وإنَّما قُدِّم لشدَّة حاجته. وعند الشَّيخ تقيِّ الدِّين: أنَّ هذه المسائل في الماء المُشترَك (٣)، وهو ظاهر ما نقل عن أحمد (٤). وإن وجد الماء في مكان؛ فهو للأحياء؛ لأنَّه لا وجدان للميِّت.

стр. 403

(بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ) كذا عبَّر في «الوجيز»، والمرادُ به: تطهيرُ موارد الأنجاس الحكميَّة. (لَا يَجُوزُ إِزَالَتُهَا بِغَيْرِ الْمَاءِ)، هذا هو المذهب؛ لما روت أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع؟ قال: «تحتُّه، ثمَّ تقرصه بالماء، ثمَّ تنضحه، ثمَّ تصلِّي فيه» متَّفق عليه (١)، وأمر بصبِّ ذَنوب من ماء فأُهَريق على بول الأعرابي (٢)، ولأنَّها طهارة مشترطة، أشبهت طهارة الحدث. فعلى هذا: لا بدَّ من كونه طَهورًا، فتكون اللام فيه للعهد، فلا تُزَال بطاهر ولا مباح (٣) على الأصحِّ (٤). (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُزَالُ بِكُلِّ مَائِعٍ (٥) طَاهِرٍ مُزِيلٍ؛ كَالْخَلِّ)، اختارهُ ابن عَقِيل والشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّين (٦)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أطلق الغَسل في حديثِ الوُلوغ (٧)، فتقييدُه بالماء يفتقِر إلى دليلٍ، ولأنَّه مائع (٨) طاهر مزيل أشبه الماء، (وَنَحْوِهِ)؛ كماء الوَرْد، والشجَر. وقيل: يُزال بماءٍ طاهِرٍ، لا بِخَلٍّ ونحوه.

стр. 404

واختار ابن حَمْدانَ: أنَّا إن قُلْنا: لا يَنْجُسُ كثيرُ خَلٍّ وماءِ وَرْدٍ ونحوِهما بدون تغيُّره بنجاسة تلاقيه؛ جازت إزالتها به، وإلَّا فلا. وذكر جماعةٌ: أنَّه يجوزُ استعمال خلٍّ ونحوِه في الإزالة تخفيفًا (١)، وإن لم يطهُر. وظاهره: أنَّ ما لا يزيل؛ كالمَرَق واللَّبن؛ أنَّها لا تُزال به، وهو كذلك. ولا بطعامٍ وشرابٍ (٢)؛ لإفْساد المال. وأنَّه لا يُعتبر لها النِّيَّة. وقيل: بلى. وقيل: في بَدَنٍ. وفي «الانتصار»: في طهارته بِصَوبِ الغَمام وفِعْل مجنونٍ وطِفلٍ احتمالان. ولا يُعقَل للنَّجاسة معنًى، ذكره ابن عقيل وغيره. (وَيَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ) ومتولِّدٍ من أحدهما؛ لما رَوى أبو هريرة مرفوعًا قال: «إذا ولَغ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسله سَبْعًا» متَّفق عليه، ولمسلمٍ: «فليُرِقْه، ثمَّ ليغسله سبعَ مرار»، وله أيضًا: «طُهور إناء أحدكم إذا ولَغ الكلبُ فيه أن يغسله سبْع مرات، أولاهنَّ بالتراب» (٣)، ولو كان سُؤرُه طاهِرًا؛ لم تَجُز (٤) إراقتُه، ولا وجب غسله، والأصل وجوبه عن نجاسة، ولم يُعْهَد التعبد إلَّا في غسل البدن، والطهور لا يكون إلَّا في محلِّ الطَّهارة، ولأنَّه لو كان تعبُّدًا؛ لما اختص الغسل بموضع الولوغ؛ لعموم اللَّفظ في الإناء كله. وعنه: طهارة شعرٍ، اختاره أبو بكر والشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥).

стр. 405

وعنه: طهارة سؤرهما، واحتجَّ بعضهم على طهارته بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المَائدة: ٤]، ولم يأمر بغسل أثَرِ فَمِه. وجوابُه: أنَّ الله تعالى أمر بأكله، ورسوله ﵇ أمر بغسِله، فيُعمل بأمرهما، وإن سلَّمنا أنَّه لا يجب غسله؛ فلأنَّه يشقُّ، فعُفِيَ عنه. (سَبْعًا) مُنقِيةً إذا كانت على غير الأرض؛ لما ذكرنا (١). وعنه: يغسل ثمانيًا بترابٍ؛ لما روى عبد الله بن مغفل، مرفوعًا: «فاغسلوه سَبْعًا، وعفِّروه الثَّامِنةَ بالترابِ» رواهُ مسلمٌ (٢)، وحُمل على أنَّه عدَّ الترابَ ثامِنَةً لكونه (٣) جِنسًا آخَرَ. وعنه: اختصاص العدد بالولوغ. وعنه: لا يجب العددُ في غير الآنية. وإذا ثبت هذا في الكلبِ، فالخنزيرُ شرٌّ منه؛ لنصِّ الشارِع على تحريمه وحرمةِ اقتنائِه، فثبت الحكمُ فيه بطريق التَّنبيه، وإنَّما لم يَنُصَّ الشَّارعُ عليه؛ لأنَّهم لم يكونوا يعتادونه. ولم يذكر أحمد في الخنزير عددًا. وعنه: لا يُعتبَر فيهما عدد، ذكره القاضي في «شرح المذهب». (إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ)؛ أي: يجعله في أيِّ غسلة شاء، والأَوْلى جَعله في الأُولى؛ للخبر، وليأتيَ الماء بعده فينظِّفه. وعنه: في الأخيرة. وعنه: إنْ غسله ثمانيًا. وعنه: سواءٌ. وظاهره: يجب الترابُ، وهو كذلك. وفيه وجهٍ: في الآنِية فقط. وعنه: يُستحبُّ مطلقًا، ويُعتبر كونُه طَهورًا، وقيل: أو طاهرًا.

стр. 406

ولا يكفي ذرُّه على المحلِّ، بل لا بدَّ من مائع يُوصِلُه إليه، وظاهِرُ كلامِ جماعة: يكفي (١)، ويُتْبِعُه الماءَ، قال في «الفروع»: وهو أظهر. (فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَهُ أُشْنَانًا أَوْ نَحْوَهُ)؛ كصابُون ونُخالة، قال بعضهم: أو غَسَله غسلةً زائدةً؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما، - وهو المذهب -: يجزئه؛ لأنَّ نصَّه على التُّراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التَّنظيف. والثَّاني: لا (٢)؛ للنَّصِّ عليه، فلم يقم غيرُه مقامَه؛ كالتَّيمُّم. وفي ثالثٍ: إِنْ عَدِمَه أو انْضَرَّ (٣) المغسولُ به؛ أجزأه، وإلَّا فلا. وفي رابعٍ: يجزئ بغير الغسلة الزَّائدة؛ لأنَّ الأمر بالتُّراب معونةٌ للماء في قطع النَّجاسة، أو للتَّعبد، ولا يحصل بالماء وحده، وهو اختيار المؤلِّف، وصحَّحه في «الشَّرح». تنبيه: إذا ولغ في الإناء كلابٌ (٤)، أو أصاب المحلَّ نجاساتٌ متساويةٌ في الحكم؛ فهي كنجاسة واحدة، وإلَّا فالحكم لأغلظها، فلو ولغ فيه فغسل دون السَّبع، ثمَّ ولغ فيه مرَّة أخرى؛ غُسِل (٥)، ويغسل ما نجُس ببعض الغسلات ما بقي بعد تلك الغسلة؛ لأنَّ المنفصل كالبلَل الباقي، وهو يطهر بباقي العدد، كذلك هنا. ثمَّ إن كانتِ انفصلتْ عن محلٍّ غُسل بالتُّراب؛ غسل محلّها بغير تراب، وإلَّا غسل به (٦)، وظاهر الخِرَقيِّ، واختاره ابن حامِدٍ: أنَّه يغسل سبْعًا بتراب؛

стр. 407

لأنَّها نجاسة كلب. ويعتبر استيعاب المحلِّ به إلَّا فيما يَضُرُّ، فيكفي مُسمَّاهُ في الأشْهَر. (وَفِي سَائِرِ)؛ أي: باقي (النَّجَاسَاتِ) حتَّى محلِّ الاِستنجاء؛ (ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ): (إِحْدَاهُنَّ: يَجِبُ غَسْلُهَا سَبْعًا)، نقله واختاره الأكثر؛ لقول ابن عمر: «أُمرنا أن نغسل الأنجاس سبْعًا» (١)، فينصرف إلى أمره ﷺ وقد أمر به في نجاسة الكلب، فيَلحَق به سائر النَّجاسات؛ لأنَّها في معناها، والحُكْم لا يختص بمَورد النَّصِّ، بدليل إلحاق البدن والثَّوب به، والعَرَقِ والبَولِ للرِّيق. (وَهَلْ يُشْتَرَطُ التُّرَابُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: أحدهما: يُشتَرَط، اختاره الخِرَقي؛ لأنَّها مقيسة (٢)، والفرع يأخذ حكم الأصل. والثَّاني: لا، وهو اختيار المجْد؛ قصرًا له على مَورد النَّصِّ، أو لأنَّ ذلك لِلُزُوجَةٍ في ولوغ الكلب، قال في «الشَّرح»: (وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّه غير موجود في نجاسة الكلب غير الولوغ، وقد قالوا بوجوب التُّراب فيه). (وَالثَّانِيَةُ: ثلاثًا) مُنقية، اختارها المؤلِّف، وقدَّمها ابن تميم، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه ﵇ أمر القائم من نوم اللَّيل أن يغسل يديه ثلاثًا؛ معلِّلًا بوهْم النَّجاسة، ولا يزيل وَهْم النَّجاسة إلَّا ما يزيل نفسَها، ولأنَّه إذا اكتفى بثلاثة أحجار في الاستجمار، فالاجتزاء بثلاث غسلات أولى؛ لأنَّه أبلغ، وعليها: إذا غسله زائدًا على الثَّلاث، فالزَّائد طَهور في الأصحِّ.

стр. 408

(وَالثَّالِثَةُ: تُكَاثَرُ بِالمَاءِ) حتَّى تزول العَين (مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ)، اختارها في «المغني» (١)، و «الطَّريق الأقرب» (٢)، وجزم بها في «الوجيز» في محلِّ الاستِنجاء؛ لقوله ﵇ في دم الحيضة: «فلتقرُصه (٣)، ثمَّ لتنضَحْه بالماء» (٤)، وقال في آنية المجوس: «إن لم تجدوا غيرَها فاغسلوها بالماء» (٥) ولم يَذكُرْ عددًا، ولو كان واجبًا لذكره في جواب السَّائل عن التَّطهير؛ لأنَّه وقت حاجة. فعلى الأشهر: يغسل محل الاستنجاء سبْعًا كغيره، صرَّح به القاضِي والشِّيرازيُّ وابن عَقيل، ونصَّ عليه أحمد في رواية صالح (٦). لكنْ نصَّ في رواية أبي داود (٧)، واختاره في «المغني»: أنَّه لا يجب فيه عددٌ؛ اعتِمادًا على أنَّه لم يصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في ذلك، لا من قوله ولا من فعله، ويؤيِّده: أنَّه لا يشترط فيه تراب، وبه قطع المؤلِّف وابن تميم وغيرهما. وعنه: لا عدد في بدن. وعنه: يجب في السَّبيل من نجاسة ثلاثًا، وفي غيره سَبْعًا. (كَالنَّجَاسَاتِ كُلِّهَا)، سواءٌ كانتْ بَولاً أو خمرًا أو نجاسة كلب وخنزير،

стр. 409

(إِذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ)، وما اتَّصل بها من الحِيطان والأحواض؛ فالواجب مكاثرتها بالماء؛ لما روى أنس قال: جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النَّبيُّ ﷺ : «دعوه، وأريقوا على بَوله سَجْلاً من ماء، أو ذَنوبًا من ماء» متَّفق عليه (١)، ولو لم يَطهُر بذلك لكان تكثيرًا للنَّجاسة، ولأنَّ الأرضَ مَصابُّ الفضَلات، ومطارِحُ الأقذار، فلم يُعتبر فيه عددٌ؛ دفْعًا للحرَج والمشقَّة. والمراد بالمكاثرة: صبُّ الماء على النَّجاسة حتَّى يغمرها بحيث يذهب لونها وريحها، فإن لم يذهبا لم تطهر (٢)، وإن كان ممَّا لا يُزال إلَّا بمشقَّة سقط؛ كالثوب، ذكره في «الشرح». وكذا حكمها إذا غُمرت بماء المطر والسيول؛ لأنَّ تطهير النَّجاسة لا تُعتبر (٣) فيه النِّيَّة، فاستوى ما صبَّه الآدمي وغيره. تذنيب: يجب الحتُّ والقَرص، قال في «التَّلخيص» وغيرِه: إن لم يتضرَّر المحلُّ بهما. ولا يَضرّ بقاء لونٍ أو ريحٍ، أو هما عَجْزًا في الأصحِّ، ويَطْهر، بلْ بقاءُ طعمِها في الأصحِّ. وقال القاضي: بقاء أثر النَّجاسة بعد استيفاء العدَد معفوٌّ عنه. ويُعتَبَرُ العَصر في كلِّ غسلة مع إمكانه فيما يتشرَّب (٤) النَّجاسة، أو دَقه وتقليبه (٥)، أو تثقيله.

стр. 410

وجفافُه كعصره في الأصحِّ. وغمسه (١) في ماء كثير راكِد؛ لم يطهر حتَّى ينفصل عنه ويعاد إليه العدد المعتبر، وقيل: يكفي تحريكه وخَضْخضتُه فيه. وفي «المغني» و «الشَّرح»: أن تمرَّ (٢) عليه أجزاء لم تُلاقِه؛ كما لو مرَّت عليه جَرَيات في الماء الجاري. وإن عصَر ثوبًا في ماء ولم يَرفعْه منه، فغسله (٣)؛ ينبني (٤) عليها، ويطهر. وإذا غمس ثوبًا نجِسًا في ماءٍ قليلٍ؛ نجَّس الماء ولم يطهر، ولا يعتدُّ بها غسلة، وإن وضعه فيه، ثمَّ صب عليه الماء فغمره، ثمَّ عصره مِرارًا معتبرة طهُر، نصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه وارِد؛ كصبِّه عليه في غير الإناء (٦). (وَلَا تَطْهُرَ الْأَرْضُ النَّجِسَةِ بِشَمْسٍ وَلَا رِيحٍ) ولا جفاف؛ لأنَّه ﵇ أمر بغسل بول الأعرابي (٧)، ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به، ولأنَّ الأرض محلٌّ نجَسٌ، فلم يطهر بالجفاف؛ كالثِّياب. واختار المجْد وغيره: يطهر إذا ذهب أثر النَّجاسة. وقيل: وغيرها، ونصَّ عليه في حبل غسيل (٨)، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٩).

стр. 411

لا يقال: جَفاف الأرض طُهورها، مستدلِّين بحديث ابن عمر: «كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشُّون شيئًا من ذلك» رواه أحمد وأبو داود بإسناد على شرط البخاريِّ؛ لأنَّه (١) في البخاريِّ تعليقًا، وليس فيه «تبول» (٢)، مع أنَّه يحتمل (٣) أنَّها كانت تبول ثمَّ تقبل وتدبر في المسجد، فيكون إقبالها وإدبارها بعد بولها. (وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ بِالاِسْتِحَالَةِ)؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن أكل الجَلَّالةِ وألبانِها» (٤)؛ لأكلها النَّجاسة، ولو طهر بالاِستحالة لم ينه عنه (٥)، فعلى هذا: إذا (٦) وقع كلب في ملَّاحة فصار ملحًا، أو أُحرق السِّرجين النَّجِس فصار رَمادًا؛ فهو نجِس. وعنه: يطهر، وذكرها في «الشَّرح» تخريجًا؛ قياسًا على جلود الميْتة إذا دبغت، فحيوان متولِّد من نجاسة؛ كدود الجروح والقروح، وصراصر الكَنيف؛ طاهر، لا مطلقًا، نصَّ عليه (٧).

стр. 412

وذكر بعضهم روايتين في نجاسةِ وجهِ تَنُّورٍ سُجِر بنجاسة (١)، ونقل الأكثر: (يغسل) (٢)، ونقل ابن أبي حرب (٣): (لا بأس) (٤). وعليهما يخرَّج عمل زيت نجس صابونًا، وتراب جبل بروث حمار، فإن لم يستحِلْ؛ عُفِي عن يسيره في رواية. وذكر الأزَجي: إن نجس التنور بذلك؛ طهر بمسحه بيابس، وإن (٥) مسح برطب؛ تعيَّن الغسل، وحمل القاضي قول أحمد: يسجر التَّنور مرَّة أخرى، على ذلك. فرعٌ: القصرمل (٦) ودخان النَّجاسة وغبارها نجس على الأوَّل لا الثَّاني، وكذا ما تصاعد من بخار الماء النَّجس إلى الجسم الصَّقيل، ثمَّ عاد فقطر، فإنَّه نجس على الأوَّل؛ لأنَّه نفس الرُّطوبة المتصاعدة، وإنَّما يتصاعد في الهواء كما يتصاعد بخار الحمَّامات، وبخار الحمَّامات طَهور. (إِلَّا الْخَمْرَةَ)، هي مأخوذة من خَمَر إذا ستر، ومنه خمار المرأة، وكل شيء غطَّى شيئًا فقد خمَّره، ومنه: «خمِّروا آنيتكم» (٧)، والخمر (٨) يخمِّر

стр. 413

العقل؛ أي: يغطِّيه ويستره، وهي نجِسةٌ إجماعًا، لكن خالف فيه اللَّيْث وربيعة وداود (١)، وحكاه القرطبي عن المزني، فقالوا بطهارتها (٢). واحتجَّ بعضهم للنَّجاسة: بأنَّه لو كانت طاهرة لفات الامتنان بكون شراب الجنَّة طَهورًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسَان: ٢١]؛ أي: طاهرًا، وعلَّله في «الشَّرح»: بأنَّه يحرم تناولها من غير ضرر؛ أشبه الدم. (إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا) فإنَّها تطهر في المنصوص (٣)، وفي «الشَّرح»: (لا نعلم (٤) فيه خلافًا؛ لأنَّ نجاستَها لشدَّتها المُسكِرة، وقد زالت من غير نجاسة خلَفتها (٥)، فوجب أن تطهر (٦) كالماء). لا يقال: حكم سائر النَّجاسات كذلك؛ أي: تطهر (٧) بالاِستحالة؛ لأنَّ نجاستها لِعَينِها، والخمرة نجاستها لأمر زال بالاِنقلاب. والنَّبيذ كذلك، وخالف القاضي فيه؛ لأنَّ فيه (٨) ماءً نجِسًا. ودنُّها (٩) مثلها، قاله الأصحاب. (وإنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُرْ) في ظاهِر المذهب؛ لما رَوى التِّرمذيُّ: أنَّ أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمْرًا، فقال: «أهرقها»، قال: أفلا

стр. 414

أخلِّلها؟ قال: «لا» (١)، ولو جاز التَّخليلُ لم ينْهَه عنه، ولم يُبِحْ إراقته، وعلى هذا يحرم تَخليلها فلا تَحلُّ (٢). ففي النَّقل أو التَّفريغ (٣) من محلٍّ إلى آخَرَ، أو إلقاء جامد فيها؛ وجهان. (وَقِيلَ: تَطْهُرُ)، وهو (٤) رواية؛ لأنَّ علَّة التَّحريم زالت، فعلى هذا يجوز، وعنه: يكره، وعليهما تَطْهُر، وفي «المستوعب»: يُكرَه، وأنَّ عليها لا تطهر على الأصحِّ. وفي إمساك خمر ليصير خلًّا بنفسه أوجُهٌ، ثالثُها: يجوز في خمرةِ خلَّال، وهو أظهر، فتترك (٥) حينئذ، فعلى هذا تصير هذه الخمرة محترمة، وعلى المنع تطهر على الأصحِّ. وإن اتخذ عصيرًا للخمر فلم يتخمَّر وتخلَّل بنفسه؛ ففي حلِّه الخلاف. واقتضى ذلك: أنَّ الحشِيشة المسكرة طاهرة (٦). وقيل: نجسة. وقيل: إن أُميعت. فائدة: الخَلُّ المباح: أن يصبَّ على العنب أو العصير خلٌّ قبل غلَيانه حتَّى لا يَغلِيَ، نقله الجماعة، قيل له: صُبَّ عليه خَلٌّ فغلى، قال: يُهراق (٧). تنبيه: لا يطهر إناء (٨) تَشَرَّب نجاسةً بغسله، نصَّ عليه. وقيل: بلى، إن

стр. 415

لم يبقَ للنَّجاسة أثَر. وقيل: بل ظاهره (١). ومثله سكِّين سقيت ماء نجِسًا. ولا يطهر باطن حَبٍّ نُقِع في نجاسة بغسله، نصَّ عليه (٢)، وقيل: بلى، كظاهره (٣)، فينقع ويجفَّف مرارًا كعجين. وقيل: كلُّ مرَّة أكثر من مدَّة إقامته في الماء النَّجس (٤). وإن طُبخ لحمٌ بماء نجِس؛ طهر ظاهره بغسله. وعنه: وباطنه، فيُغْلَى في ماءٍ طَهور كثير، ويجفَّف مِرارًا. وقيل: إن تشرَّبه اللَّحم لم يَطْهُر بحال. ولا يطهر جسم صقيل بمسحه على الأصحِّ. وعنه: تطهر سِكِّينٌ من دم الذَّبيحة فقط. (وَلَا تَطْهُرُ الْأَدْهَانُ النَّجِسَةُ) بغسلها في ظاهِر المذهب (٥)؛ لأنَّه لا يتحقَّق وصول الماء إلى جميع أجزائه، ولو تحقَّق ذلك لم يأمر النَّبيُّ ﷺ بإراقة السَّمْن الذي وقعت فيه الفأرة (٦). واستثنى ابنُ عَقيل: الزِّئْبَقَ؛ لأنَّه لقُوَّته وتماسُكه يجري مجرى الجامِد، وبعَّده ابن حمدان.

стр. 416

(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَطْهُرُ مِنْهَا بِالْغَسْلِ مَا يَتَأَتَّى غَسْلُهُ)؛ كزَيت ونحوه؛ لأنَّ غسله ممكِنٌ؛ لكون الماء يختلط بجميع أجزائه، فطهر به كالجامد، والخَبر السَّابق واردٌ في السَّمن، وهو لا يمكن غسله؛ لأنَّه يجمد. وطريق تطهيره: أن يجعل في ماء كثير، ويحرك حتَّى يصيب جميع أجزائه، ثمَّ يترك حتَّى يعلوَ على الماء فيؤخذ، وإن تركه في جَرَّة وصَبَّ عليه ماءً، وحرَّكه فيه، وجعل لها بزالًا يخرج منه الماء؛ جاز. فرع: إذا ماتت الفأْرة ونحوها في جامد؛ أُلقيت وما حولها، والباقي طاهر، نصَّ عليه (١)؛ لحديث أبي هريرة رواه أحمد وأبو داود (٢). والجامد: ما لا تَسْرِي إليه النَّجاسة غالبًا. وقال ابن عقيل: ما لو فُتِح وِعاؤه لم تَسِلْ أجزاؤه. قال في «الشَّرح»: (والظَّاهِرُ خلافُه؛ لأنَّ سَمْن الحجاز لا يكاد يبلغه). فإن اختلط ولم ينضبط (٣)؛ حرم، نصَّ عليه (٤). وإن خَرجتْ منه حيَّةٌ؛ فطاهِر، نصَّ عليه؛ لانضمام دبره (٥). ولا يكره سُؤْره في اختيار الأكثر.

стр. 417

(وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ) في بدَن أو ثوب أو بُقعة يمكن غسلها، وأراد الصَّلاة؛ (لَزِمَهُ غَسْلُ مَا تَيَقَّنَ بِهِ إِزَالَتَهَا)؛ لأنَّه اشتبه الطَّاهر بالنَّجس، فوجب عليه اجتناب الجميع حتَّى يتيقَّن الطَّهارة بالغسل؛ كما لو خفي المُذكَّى بالميِّت، ولأنَّ النَّجاسة متيقَّنة، فلا تزول (١) إلَّا بيقين الطَّهارة (٢). فإن لم يعلم جهتَها من الثَّوب؛ غسله كلَّه، وإن علمها في أحد كُمَّيه ولا يعرفه؛ غسلهما. وإن رآها في بدنه أو ثوبه الذي عليه؛ غسل ما يقع نظره عليه. وعنه: يكفي الظَّن في مَذْيٍ، وعند الشَّيخ تقِيِّ الدِّين: وفي غيره (٣). وظاهره: أنَّها إذا خفيت في فضاء واسع؛ أنَّه لا يلزمه غسل (٤)، وهو كذلك، بل يصلِّي حيث شاء، زاد بعضهم: بلا تَحَرٍّ. (وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ الذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ؛ النَّضْحُ)، ويطهر به؛ لما روت أم قَيْسٍ بنت مِحْصَنٍ: «أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطَّعام إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأجلسه في حَجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله» متَّفق عليه (٥). ومعنى النَّضْح: غَمْره بالماء وإن لم يَزُل (٦) عنه، ولا يحتاج إلى مَرْس وعَصْر. وهو نَجِسٌ، صرَّح به الجمهور.

стр. 418

وظاهر كلام الخِرَقِيِّ وأبي إسحاق بن شاقْلا: أنَّه طاهر؛ لأنَّه لو كان نجسًا لوجب غسله كسائر النَّجاسات. قلنا: اكتفى فيه بالرش (١) تَيْسيرًا وتخفيفًا. وقوله: «لم يأكل الطَّعام»؛ أي: بشهوة واختيار، لا عدم أكله بالكلِّيَّة؛ لأنَّه يُسقى الأدوية والسُّكَّر، ويحنَّك حين الولادة، فإن أكله بنفسه؛ غسل؛ لأنَّ الرُّخصة إنَّما وردت فيمن لم يطعم الطَّعام، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل. وتخصيصه الغلام بالحكم المذكور؛ مُخْرِجٌ للخُنثى والأنثى، وقد صرَّح به في «الوجيز»، وقد روى أحمد وغيره عن عليٍّ: أنَّ النبي ﷺ قال: «يُنضَح بولُ الغلام، ويُغسل بول الجارية»، قال قتادة: (هذا إذا لم يطعما، فإذا طعما غُسِلا جميعًا) (٢). والحكمة فيه: أنَّ بول الغلام يخرج بقوَّة فينتشر (٣)، أو أنَّه (٤) يكثر حمله على الأيدي فتعظم المشقَّة بغسله، أو أنَّ مزاجه حارٌّ، فبوله رقيق، بخلاف الجارية (٥). لكنْ قال الشَّافعي: لم يتبيَّن لي فرق من السُّنَّة بينهما.

стр. 419

وذكر بعضهم: أنَّ الغلام أصله من الماء والتُّراب، والجارية من اللَّحم والدَّم، وقد أفاده ابن ماجه في سننه (١)، وهو غريب. فرع: لعابُهما طاهِرٌ. وقيل: إن نجُس فم أحدهما؛ طهر بريقه بعد ساعة. وقيل: لا، بل يُعفى عنه. (وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْ الْحِذَاءِ (٢) بالمشي، وظاهر كلام ابنِ عَقيل: أو طَرَفُه؛ (وَجَبَ غَسْلُهُ)، نقله واختاره الأكثر (٣)، وكالثَّوب والبدن (٤). (وَعَنْهُ: يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ) حتَّى تزولَ عين النَّجاسة، وتباح الصَّلاة فيه، قدَّمه في «الكافي»، وفي «الشَّرح»: (أنَّه الْأَوْلَى)؛ لما رَوى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا وَطِئ (٥) الأذى بخفَّيه؛ فطَهورهما التُّراب» رواه أحمد وأبو داود من رواية محمَّد بن عَجْلان، وهو ثقة روى له مسلم (٦)، ولأنَّه ﷺ هو وأصحابه كانوا يصلُّون في نِعالهم (٧)، والظَّاهر أنَّها لا تسلم من

стр. 420

نجاسة تصيبها، فلولا أنَّ دلكها (١) يجزئ؛ لما صحَّت الصَّلاة فيها، ولأنَّه محلٌّ تتكرَّر إصابة النَّجاسة له، فأجزأ فيه المسح كالسَّبيلَين. ويحكم بطهارة المحل به في وجْهٍ، هو ظاهر كلام أحمد، واختاره ابن حامد، وجزم به في «الوجيز». وذهب أصحابُنا المتأخِّرون إلى خلافه. فرع: حَكُّه بخرقة (٢) أو خشبة؛ حُكْمُ دَلْكِه. (وَعَنْهُ: يُغْسَلُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ)؛ لفُحشهما وتغليظ نجاستهما، (وَيُدْلَكُ مِنْ غَيْرِهِمَا)؛ لما ذكرنا، وقاله إسحاق. ولا يشترط للدَّلك جَفافُ النَّجاسة؛ لظاهر الخبر، وشرطه القاضي. وظاهره: أنَّ النَّجاسة إذا أصابت غير أسفلهما؛ أنَّه يُغسَل، وهو كذلك، نصَّ عليه، وعزاه بعضهم إلى الرِّجل وذيل المرأة. ونقل إسماعيل بن سعيد: يطهر بمروره على طاهر يُزيلُها، واختاره (٣) الشَّيخ تقِيُّ الدِّين (٤) لظاهر خبر أم سلمة، رواه أحمد وغيره، وفيه جهالة (٥).

стр. 421

(وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدَّثِّر: ٤]، والأحاديث مستفيضة بذلك، (إِلَّا الدَّمَ) فإنَّه يُعفى عن يسيره في الصَّلاة دون المائعات والمطعومات، فإنَّ الإنسان غالِبًا لا يسلم منه، وهو قول جماعة من الصَّحابة والتَّابعين فمَن بعدَهم، ولقول عائشة: «ما كان لإحدانا إلَّا ثوب تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها، فمَصَعته (١) بظفرها» (٢)، وهذا يدلُّ على العفو عنه؛ لأنَّ الرِّيق لا يُطَهِّر، ويتنجَّس به ظفرها، وهو إخبار عن دوام الفعل، ومثله لا يخفى عنه ﷺ ، فلا (٣) يصدر إلَّا عن أمره، وعن ابن عمر: «أنَّه كان يخرج من يديه دم في الصَّلاة من شقاق كان بهما» (٤)، «وعصَر بثرة، فخرج منها دم، فمسحه (٥)، ولم يغسله» (٦)، ولأنَّه (٧) يشقُّ التَّحرُّز منه، فعُفِي عنه؛ كأثَر الاستجمار. وقيل: يَختصُّ بدم نفسه. واليسير: الذي لم ينقض الوضوء، والكثير (٨): ما نقض الوضوء. والدَّم المعفُو عنه: ما كان من آدمي أو حيوان طاهر، لا الكلب والخنزير.

стр. 422

بقي ههنا (١) صُوَرٌ: منها: دمُ ما لا نفس له سائلة؛ كالبَقِّ والقمل والبراغيث؛ طاهر في ظاهر (٢) المذهب. وعنه: نجس، ويعفى عن يسيره، قال في دم البراغيث: (إنِّي لأفزع منه إذا كثر) (٣)، قال في «الشَّرح»: ليس فيه تصريح بنجاسته، بل هو دليل التَّوقُّف. ومنها: دم السَّمك، فإنَّه طاهر؛ لأنَّه لو كان نجسًا لتوقَّفت إباحته على إراقته بالذَّبح؛ كحَيَوان البَرِّ، ولأنَّه يستحيل ماءً. وقيل: نجس. ومنها: دم الشَّهيد، فإنَّه نجس، وقيل: طاهر، وعليهما (٤): يستحبُّ بقاؤه، فيُعايَا بها (٥)، ذكره ابن عقيل. وقيل: طاهر ما دام عليه، صحَّحه ابن تميم. ومنها: الدَّم الذي يبقى في اللَّحم وعروقه؛ طاهر، ولو غلبت حمرته في القِدر؛ لأنَّه لا يمكن التَّحرُّز منه، فهو وارِد على إطلاقه، ويدفع بالعناية. ومنها: العَلَقة التي يُخلَق منها الآدمي أو الحيوانُ الطَّاهِرُ؛ طاهرةٌ في رواية صحَّحها ابن تميم؛ لأنَّها بدْءُ خلْقِ آدَمِيٍّ. وعنه: نجِسةٌ، صحَّحها في «المغني»؛ كسائر الدِّماء. (وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ (٦) مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ)، بل العفْوُ عنهما أَوْلى؛ لاختلاف

стр. 423

العلماء في نجاستهما، ولذلك قال أحمد: (هو أسهل من الدَّم) (١)، قال في «الشَّرح»: (فعلى هذا يُعفَى عنه عن أكثر ممَّا يُعفَى عن مثله في الدَّم؛ لأنَّ هذا لا نصَّ فيه، وإنَّما ثبتت نجاسته لاستحالته من الدَّم). وعنه: طهارة قَيحٍ ومِدَّة (٢) وصَديدٍ. مسألتان: الأولى: ماء القروح نجِس في ظاهر نقل الإمام (٣)، وقال في «شرح العمدة»: (إن كان متغيِّرًا فهو كالقَيح، وإلَّا فهو طاهِرٌ كالعَرَق). الثَّانية: إذا تفرَّق دمٌ مسفوحٌ في غير الصَّحراء؛ فإذا اجتمع لم يكن قدرَ ما يُعفى عنه؛ فكثير حُكْمًا في الأشهر، وإن نفذ من جانِبَيْ جُبَّة أو ثوب صفيق؛ فكدَمٍ واحد في الأصحِّ؛ كما لو نفذ من أحدهما، وإن لم يَنفُذْ، ولم يتَّصل بالآخَر؛ فهما نجاستان؛ إذا بلغا أو جمعا قدْرًا لا يُعفى عنه؛ لم يعفَ عنها؛ كجانبي الثَّوب. (وَأَثَرَ الاِسْتِنْجَاءِ)؛ أي: الاستجمار، فإنَّه يُعفى عنه بعد الإنقاء واستيفاء العَدَد بغير خلاف نعلمه، قاله في «الشَّرح»، واقتضى ذلك نجاسته، وهو قول أكثر الأصحاب؛ لأنَّ الباقي عين النَّجاسة، فعلى هذا: عرَقه نجِسٌ، فينجس الماء اليسير بقعوده فيه. واختار ابن حامد طهارته (٤). (وَعَنْهُ: فِي الْمَذْيِ، وَالْقَيْءِ (٥)، وَرِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ

стр. 424

وَالطَّيْرِ، وَعَرَقِهَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَالنَّبِيذِ، وَالْمَنِيِّ؛ أَنَّهُ كَالدَّمِ. وَعَنْهُ: فِي (١) الْمَذْيِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ). نقول: المذْي مختَلَف فيه (٢)؛ لتردُّده بين البول لكونه لا يخلق منه الحيوان، والمنِيِّ لكونه ناشئًا عن الشَّهوة، والمذهبُ: نجاستُه، ويُعفَى عن يسيره في رواية جزم بها في «الوجيز»، وهو قول جماعة من التَّابعين وغيرهم (٣)؛ لأنَّه يخرج من الشَّباب كثيرًا، فيشقُّ التحرُّز منه. وعنه: يُكتفَى فيه بالنَّضح؛ لحديث سهل بن حُنَيف قال: قلت: يا رسول الله، كيف ما (٤) يصيب ثوبي؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء فتنضِح به ثوبك حيث ترى أنَّه قد (٥) أصاب منه» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي، وصحَّحه (٦). والمذهب: أنَّه لا يطهر بنضحه، ولا يعفى عن يسيره؛ لأنَّه ﵇ أمر بغسل الذَّكر منه (٧)، ولأنَّه نجاسة خارج (٨) من الذكر كالبول. وهل يغسل ما أصابه، أو جميع ذكره، أو وأُنثيَيْه؟ فيه روايات.

стр. 425

وعنه: طاهر كالمنِيِّ، اختاره أبو الخطَّاب في خلافه؛ لأنَّه خارج بسبب الشَّهوة. وقيل: إن قلنا مخرجه مخرج المنِيِّ فله حكمه. واقتضى ذلك: أنَّ الوَدْي - وهو ماء أبيض يخرج عقيب البول -؛ نجس، وأنَّه لا يعفى عنه مطلقًا، وصرَّح به الأصحاب. وعنه: هو كالمذْي. وأمَّا القَيْء: وهو طعام استحال في الجوف إلى نَتْنٍ وفساد؛ فقال أحمد: (هو عندي بمنزلة الدَّم) (١)، وذكره القاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه خارِجٌ نجِسٌ من غير السَّبيل أشبه الدَّم. والثَّانية: عدم العفو عنه مطلقًا، قدَّمها في «الفروع»، وهي أشهر؛ لأنَّ الأصل عدم العفو عن النَّجاسة إلَّا فيما خصَّ، وقيَّده في «الوجيز» بالنَّجس احترازًا عن قيء المأكول. وأمَّا ريق البغل والحمار وعرقهما؛ فيعفى عن يسيره إذا قيل بالنَّجاسة؛ لأنَّه يشق التَّحرُّز منه، قال في «الشَّرح»: (هو الظَّاهر عن (٢) أحمد، قال الخلَّال: وعليه مذهبه، قال أحمد: من يَسلَم من هذا ممَّن يركب الحمير؟! إلَّا أنِّي أرجو أن يكون ما خفَّ منه أسهل). والثَّانية: لا يعفى عنه؛ لما تقدَّم. وريق سباع البهائم؛ كالأسد ونحوه - ما عدا الكلب والخنزير -، وريقُ سباع الطَّير؛ كالبازي ونحوه، وعَرقُها؛ فيعفى عن يسيره؛ للاختلاف في نجاستهما (٣).
следующие страницы →