← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

وإنْ كان الوقْفُ على البطن الأوَّلِ على أنَّ نصيبَ مَنْ مات منهم عن غَيرِ وَلَدٍ لِمَنْ في درجته؛ فخلافٌ، والأشهَرُ: أنَّه يَسْتَوِي في ذلك إخْوتُه وبنو عمِّه وبنو بَنِي عمِّ أبيه، ونحوُهم (١)، إلاَّ أنْ يقولَ (٢): يُقدَّمُ الأقربُ فالأقْرَبُ إلى المتوفَّى ونحوه، فيختصُّ بهم، وليس من الدَّرجة مَنْ هو أعلى منه أو أنْزَلُ. وإنْ شَرَطَ أنَّ نصيبَ المتوفَّى عن غَيرِ ولدٍ لِمَنْ في درجته؛ استحقَّه أهلُ الدَّرجةِ وقْتَ وفاته، وكذا مَنْ سَيُولَدُ منهم، أفتى به الشَّارح، وصاحب «الفائق»، وابن رجبٍ، قال: وعلى هذا لو حَدَثَ مَنْ هو أعْلَى من الموجودين، وكان في الوقف اسْتِحْقاقُ الأعلى فالأعلى؛ أخذه منهم (٣). وقَولُه: مَنْ مات فنصيبُه لولده، يَشمَلُ الأصلي (٤) والعائدَ، واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين الأصلي (٥) فقطْ (٦). تَتِمَّةٌ: (لو قال: هو وَقْفٌ على أولادي، ثمَّ أولادهم الذكورِ والإناث، ثمَّ أولادهم الذُّكور مِنْ وَلَد الظَّهر فقطْ، ثُمَّ نَسْلِهم وعَقِبِهم، ثُمَّ الفقراء، على أنَّه مَنْ مات منهم وترك ولدًا وإنْ سَفَلَ فنصيبُه له، فمات أحدُ الطَّبَقة الأولة وتَرَك بنتًا، فماتت ولها أولادٌ، فقال شَيخُنا (٧): ما استحقَّته قَبْلَ مَوتها لهم، ويتوجَّه: لا. ولو قال: مَنْ مات عن غَيرِ ولدٍ وإنْ سَفَلَ فنصيبُه لإخْوَته ثُمَّ نَسْلِهم وعَقِبِهم، عَمَّ منْ أعْقَبَ ومَنْ لم يُعْقِبْ، ومَنْ أعْقَبَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَقِبُه؛ لأِنَّه لا يُقصَدُ غَيرُه، واللَّفْظُ يَحْتَمِلُه، فَوَجَبَ الحَمْلُ عليه قَطعًا، ذَكَرَه شَيخُنا، ويَتوجَّهُ

стр. 3607

نُفوذُ حُكْمٍ بخِلافه)، ذَكَرَه في «الفروع». (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ؛ فَهُوَ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً)، في قَولِ الجُمْهور؛ لأِنَّ لفظَ البَنينَ وُضِعَ لذلك حقيقةً؛ لقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينِ (١٥٣)﴾ [الصَّافات: ١٥٣]، و ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عِمرَان: ١٤]، و ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، ولا يَدخُلُ فيه الخُنْثَى؛ لأِنَّه لا يُعلَمُ كَونُه ذَكرًا. وعَكْسُه: لو وَقَفَ على بناته؛ اخْتَصَّ بهنَّ، ولا شَيءَ للذُّكور ولا للخَناثَى؛ لأِنَّه لا يُعلَمُ كَونُه أُنْثى، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١). (إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً) كبيرة (٢)، قالَهُ في «الرِّعاية»؛ كبَنِي هاشِمٍ وتميمٍ وقُضاعةَ؛ (فَيَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ)؛ لِقَولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسرَاء: ٧٠]، ولأِنَّ اسْمَ القَبيلةِ يَشمَلُ ذَكَرَها وأُنْثاها، ورُوِيَ أنَّ جَوارِيَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قُلْنَ: نَحْنُ جَوارٍ من بَنِي النَّجَّارِ … يا حبذا محمَّدٌ مِنْ جَارِ (٣) ويُقالُ: امرأةٌ من بَنِي هاشِمٍ. (دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ)، وحَكاهُ في «الرِّعاية» قَولاً؛ لأِنَّهم لا يَنتَسِبون إلى القبيلة الموقوفِ عليها، بل إلى غيرها، وكما لو قال: المنتَسِبِينَ إليَّ. واقْتَضى ذلك دخول أوْلادهنَّ منهم، وهو ظاهِرٌ؛ لوجود (٤) الانْتِساب حقيقةً، ولا يَشمَلُ مَواليَهُم.

стр. 3608

وعلى الأوَّل: يَكْفِي واحدٌ منهم، وقيل: بل ثلاثةٌ. ويأخذ كلُّ واحدٍ ما رآه النَّاظِرُ، وقِيلَ: بل قَدْرَ حقِّه من الزَّكاة مع فقره؛ كالوقْفِ على الفقراء. (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ، أَوْ قَرَابَةِ فُلَانٍ؛ فَهُوَ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ (١)، مِنْ أَوْلَادِهِ، وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى)؛ لِقَولِه تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحَشر: ٧]، فأعْطَى النَّبيُّ ﷺ أوْلادَه، وأولادَ عبدِ المطَّلب، وأوْلادَ هاشِمٍ، ذَكَرَهم وأُنْثاهم، ولم يُعْطِ مَنْ هو أبعدُ؛ كبَنِي عبدِ شَمْسٍ وبَنِي نَوفَلٍ شيئًا، لا يُقالُ: هما كبَنِي المطَّلِب؛ لأِنَّه علَّل ﷺ : «بأنَّهم لم يُفارِقوا في جاهليَّةٍ ولا إسْلامٍ» (٢)، ولم يُعْطِ قرابةَ أمِّه وهم بَنُو زُهْرةَ شَيئًا، وجَعَلَ هاشِمًا الأبَ الرَّابِعَ، ولا يُتَصوَّرُ أنْ يكونَ رابِعًا إلاَّ أنْ يُعَدَّ (٣) النَّبيُّ ﷺ أبًا. وظاهِرُه: أنَّه يَسْتَوِي فيه الذَّكرُ والأنثى، والكبيرُ والصَّغيرُ، والقريبُ والبعيدُ، والغنِيُّ والفقيرُ؛ لِشُمول اللَّفظ لهم، ولا يَدخُلُ فيه الكافِرُ؛ لأِنَّه لم يَدخُلْ في المسْتَحِقِّ مِنْ قُرْبَى النَّبيِّ ﷺ . وعنه: يُجاوِزُ بها أربعةَ آباءٍ، فَعَلَيها: يُعْطِي كلَّ مَنْ يُعرَف بقَرابته من قِبَلِ أبيه وأمِّه الذين ينتسبون إلى الأب الأدنى؛ لأنَّهم قرابتهم، فيتناولهم (٤) اللَّفظ. وعنه: ثلاثةُ آباءٍ. (وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ يَصِلُ قَرَابَتَهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ في حَيَاتِهِ (٥)؛ كإخوته من أمِّه،

стр. 3609

وأخواله، وخالاته؛ (صُرِفَ إِلَيْهِمْ)؛ لأِنَّ صِلَتَه إيَّاهم في حياته قرينةٌ تدلُّ على إرادتهم بصِلَتِه هذه، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: وإن لم يَصِلْهم في حياته؛ فلا يُصرَف إلَيهِم؛ لِمَا ذَكَرْنا، وهذه الرِّوايةُ نَقَلَهَا صالِحٌ، وعبدُ الله، وابنُ هانِئٍ (١)، وصحَّحها القاضي وجماعةٌ. ونَقَلَ صالِحٌ: إنْ وَصَلَ أغْنِياءَهم أُعْطُوا، وإلاَّ الفقير (٢) أَوْلَى (٣)، وأخَذَ منه الحارِثِيُّ: عَدَم دخولِهم في كلِّ لَفْظٍ عامٍّ. والأوَّلُ أَوْلَى وأصحُّ؛ لأِنَّ هذا عُرْفٌ في الشَّرع، فيَجِبُ حَمْلُه عَلَيهِ وتقديمُه على العُرْف اللُّغَوِيِّ؛ كالوضوء، ولا وَجْهَ لتخصيصه بذي الرَّحِم المحْرَمِ، وهذا مع الإطلاق، فأمَّا إنْ وُجِدَتْ قرينةٌ لَفْظِيَّةٌ أوْ حالِيَّةٌ تَدُلُّ على إرادتهم أوْ حِرمانهم؛ عُمِلَ بها. فَرْعٌ: قَرابةُ أُمِّه كذلك. وعنه: إنْ وَصَلَهُم شَمِلَهم. ومِثْلُه: قَرابةُ غَيرِه، أو الفقهاء، ويَصِلُ بعضَهم، ذَكَرَه القاضي. تنبيهٌ: إذا وَقَفَ على أقْرَبِ قَرابَتِه، أو أقْرَب النَّاس إليه؛ قدِّم الأقْرَبُ نَسَبًا وإرْثًا، وابنُه كأبَوَيهِ، وقيل: يُقدَّم عَلَيهما. وأخوه لأبيه أو أبَوَيهِ؛ كجدِّ أبٍ. وقِيلَ: يُقدَّم أخٌ. وقِيلَ: عَكْسُه. وأخوه لأِبِيهِ؛ كأمِّه إنْ شَمِلَه قرابته، وكذا أبناؤهما. وَوَلَد أبَوَيهِ أَوْلَى منهما، قال في «الفروع»: ويتوجَّه روايةٌ: كأخيه لأبيه؛ لسقوط الأمومة في النِّكاح، وجزم به في «التبصرة». وأبوه أَوْلَى من ابن ابنه، وفي «التَّرغيب»: عكسُه.

стр. 3610

ويَسْتَوِي جَدَّاه وعَمَّاه؛ كأبَوَيهِ. (وَأَهْلُ بَيْتِهِ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَتِهِ)، نَصَّ عليه في رواية عبد الله، فِيمَنْ أوصى بثُلُثِ ماله لأهل بيته، قال: هو بمنزلة قوله: لقرابتي، حكاه ابنُ المنذر عنه (١)، واحتجَّ بقوله ﵇: «لا تَحِلُّ الصَّدقةُ لي ولا لأِهْلِ بَيْتِي» (٢)، فجَعَلَ سَهْمَ ذَوِي القربى عِوَضًا لهم من الصَّدقة التي حُرِّمَتْ عَلَيهم، فكانوا ذوو الَّذين (٣) سمَّاهم الله تعالى هم أهلَ بيته الَّذين (٤) حرِّمَتْ عليهم الصَّدقةُ، وهم آلُ عليٍّ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ جَعفَرٍ، وآلُ عَبَّاسٍ. وحكى القاضي عن ثعلب (٥): أنَّ (٦) أهل البيت عِنْدَ العرب: آباءُ الرجل (٧) وأولادُهم، كالأجداد والأعمام وأولادهم، ويستوي (٨) فيه الذَّكَرُ والأنثى. وقال القاضي: وَلَدُ الرَّجُل لا يَدخُلُ في اسم القرابة ولا أهل بيته.

стр. 3611

وفِيهِ شَيءٌ، فإنَّ وَلَدَ النَّبِيِّ ﷺ من أهل بيتِه وأقاربه الَّذين حُرِمُوا الصَّدقةَ، وأُعْطُوا من سهم ذَوِي القُرْبى، بل هو أقربُ قرابته. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُعْطَى مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ)؛ لأِنَّ أُمَّه من أهل بيته، فكذا أقارِبُها من أولادها، وأبَوَيها، وإخْوَتها، وأخواتها. ونَقَلَ صالِحٌ: يَخْتَصُّ مَنْ يَصِلُه مِنْ قِبَلِ أبيه وأُمِّه، ولو جاوز أربعةَ آباءٍ، وإنَّ القَرابةَ تُعْطَى أربعة آباءٍ فمَنْ دُون (١). واختار أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ: أنَّ قَومَه (٢) وأهلَ بيته كقرابة أبَوَيهِ، وأنَّ القرابة قرابةُ أبيه إلى أربعةِ آباءٍ. وعَنْهُ: أزواجُه من أهله ومن أهل بيته، ذَكَرَها الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وقال: في دخولهنَّ في آله وأهلِ بيته روايتان، اختار الدُّخولَ (٣)، وهو قَولُ الشَّريف. فَرْعٌ: أهلُ الوقْفِ هم المتَناوِلونَ (٤) له. (وَقَوْمُهُ، وَنُسَبَاؤُهُ؛ كَقَرَابَتِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ لأِنَّ قَومَ الرَّجُل قَبيلتُه، وهم نسباؤه (٦)، وقيل: كذي رحمه، وقال أبو بكر: هو بمثابة أهل بيته؛ لأِنَّ أهلَ بَيتِه أقارِبُه، وأقارِبُه هم قومُه ونُسَباؤه. وقال القاضِي: إذا قال: لِرَحِمِي، أوْ لِأَرْحامِي، أوْ لِنُسَبائي؛ صُرِفَ إلى قَرابته من قِبَلِ أبيه وأمِّه، ويتعدَّى وَلَدَ الأبِ الخامِس، فَعَلَيه: يُدفَع إلى كلِّ مَنْ يَرِثُه بفَرْضٍ أو تعصيبٍ أوْ بالرَّحِم (٧) في حالٍ.

стр. 3612

قال في «المغني»: وقولُ أبي بَكْرٍ في المناسبين (١) أَوْلَى مِنْ قَول القاضي؛ لأِنَّ ذلك في العُرْف على مَنْ كان من العشيرة التي يُنْسَبانِ إليها، وإذا كان كلُّ واحدٍ منهما يُنسَب إلى قبيلةٍ (٢) غير قبيلةِ صاحبه، فليس بمُناسِبٍ لها. فائدةٌ: القَومُ للرِّجال دُونَ النِّساء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ … ﴾ الآيةَ [الحُجرَات: ١١]، سُمُّوا به؛ لقيامهم بالأمر، ذَكَرَه ابنُ الجَوزِيِّ. (وَالْعِتْرَةُ: هُمُ الْعَشِيرَةُ) الأدْنَوْنَ، هذا أصحُّ وأشْهَرُ في عُرْف النَّاس، وبذلك فسَّره ابنُ قُتَيْبةَ (٣)؛ لقول أبي بَكْرٍ في مَحْفِلٍ من الصَّحابة: «نَحْنُ عِتْرةُ رسولِ الله ﷺ » (٤)، ولم يُنكِرْ أحدٌ، وهم أهلُ اللِّسان، فلا يُعوَّلُ على خلافه، لكنْ تَوقَّف أحمد في ذلك (٥)، وقيل: ذرِّيَّته، وقيل: وَلَدُه وَوَلَدُ وَلَدِهِ. (وَذَوُو (٦) رَحِمِهِ: كُلُّ قَرَابَةٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الآْبَاءِ، وَالْأُمَّهَاتِ)، والأوْلاد؛ لأِنَّ الرَّحِمَ يَشْمَلُهم، وهي في القرابة من جهة الأمِّ أكثرُ استِعْمالاً، فإذا لم يُجعَلْ ذلك مرجِّحًا؛ فلا يُجْعَلُ ذلك مانِعًا، وذَكَرَ القاضي مجاوزته للأب الخامس. تذنيبٌ: إذا وقَفَ على جماعةٍ أو جَمْعٍ من الأقرب إليه؛ فثلاثةٌ، فإنْ لم يكن؛ يُتمم العَوَز من الأبعد، ويشمل أهل الدَّرجة ولو كثروا. وفي «الفروع»: ويتوجَّه في جماعةٍ اثْنانِ؛ لأِنَّه لفظٌ مفرَدٌ. وقال المجْدُ: أقلُّ الجمع مما (٧) له تثنيةٌ خاصَّة: ثلاثةٌ.

стр. 3613

ويتوجَّه وَجْهٌ في لفظ الجمع: اثْنانِ. ولفظ النِّساء: ثلاثةٌ. والرَّهْطُ لُغةً: ما دون العشرة من الرِّجال خاصَّةً، وفي «كشف المشكل» (١): هو ما بَينَ الثَّلاثة إلى العشرة. (وَالْأَيَامَى، وَالْعُزَّابُ: مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ)، ذَكَرَه أصْحابُنا؛ لِمَا رُوِيَ عن سعيد بنِ المسيِّب قال: (أيَّمتْ حَنَّةُ (٢) مِنْ زَوْجها، وأيَّمَ عُثْمانُ مِنْ رُقَيَّةَ) (٣)، يُقال: رَجُلٌ عَزَبٌ، وامْرأةٌ عَزَبَةٌ، قاله ثَعْلَبٌ (٤)، وإنَّما سُمِّيَ عَزَبًا لاِنفِراده، ولا يُقالُ: أعْزَبُ. ورُدَّ: بأنَّها لغةٌ حكاها الأزْهَريُّ عن أبي حاتِمٍ، وفي «صحيح البخاريِّ» عن ابن عمر: «وكنتُ شابًّا أعْزَبَ» (٥). وسَواءٌ تزوَّج الرَّجلُ أوْ لَا، والمرأةُ سَواءٌ كانت بِكْرًا أوْ ثَيِّبًا، وقِيلَ: لا يكون الأيِّمُ إلاَّ بِكْرًا. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَخْتَصَّ الْأَيَامَى بِالنِّسَاءِ، وَالْعُزَّابُ بِالرِّجَالِ)؛ لِقَولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النُّور: ٣٢]، وفي الخبر: «أَعوذُ بالله من بَوار (٦) الأيِّمِ» (٧)، إنَّما أراد به النِّساءَ؛ لأِنَّ العُرْفَ اخْتِصاصُهُنَّ بهذا

стр. 3614

الاسم العُرْفِيِّ، يُقالُ: امرأةٌ أيِّمٌ، بغَيرِ هاءٍ، ولو كان الرَّجلُ مُشارِكًا لها لَقِيلَ: أيِّمٌ وأيِّمةٌ؛ كقائِمٍ وقائِمةٍ، وحَكَى أبو عُبَيدٍ: (أيِّمةٌ) (١)، ولأِنَّ العُرْفَ أنَّ العَزَبَ يَختَصُّ بالرَّجل. (فَأَمَّا الْأَرَامِلُ فَهُنَّ النِّسَاءُ اللاَّتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ) بِمَوتٍ أوْ غَيرِه، قال أحمدُ في روايةِ حَرْبٍ، وقد سُئِلَ عن رَجُلٍ وصَّى لأِرامِلِ بَنِي فُلانٍ، فقال: قد اخْتَلف النَّاسُ فيها، فقال قومٌ: هو للرِّجال والنِّساء، والَّذي يُعرَف في كلام النَّاس أنَّ الأرامِلَ النِّساءُ (٢)؛ لأِنَّه هو المعروفُ، فيُحمَلُ المطْلَقُ عَلَيهِ. (وَقِيلَ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ)، وقالَهُ الشَّعْبِيُّ وإسحاقُ، وأنْشَدَ (٣): هذِي الأرامِلُ قد قَضَيتَ حاجَتَها … فمن (٤) لحاجةِ هذا الأرْمَلِ (٥) الذَّكَرِ فيُقالُ: رجلٌ أرْمَلٌ، وامْرأةٌ أرْمَلةٌ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّ الأرامِلَ جَمْعُ أرملة، فلا يكونُ جمْعًا للمذكَّر؛ لأِنَّ اخْتِلافَ المفرَد يَقْتَضِي اخْتِلافَ الجَمْعِ، والشِّعْرُ لا دلالةَ فيه؛ لأِنَّه لو شَمِلَ لَفْظُ الأرامِلِ للمذكَّر والمؤنَّث لَقَالَ: حاجَتُهم؛ لأِن تَذكُّرَ (٦) الضَّميرِ عند

стр. 3615

اجْتِماع النَّوعَينِ لازِمٌ، وسمَّى نفسه (١) أرْملاً تجوُّزًا، بدليلِ أنَّه وَصَفَ نفسَه بأنَّه مُذكَّر (٢)، ولو ثَبَتَ في الحقيقة أنَّه لهما، لكِنْ خَصَّه أهلُ العُرْف بالنِّساء، فهُجِرت الحقيقةُ، وصارت مغمورة. فَرْعٌ: إخْوتُه، وعُمومتُه، وبِكْرٌ، وثيِّبٌ، وعانِسٌ؛ لِذَكرٍ وأُنثى. (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى أَهْلِ قَرْيَتِهِ، أَوْ قَرَابَتِهِ؛ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ)؛ أيْ: في الموقوف عَلَيهِم (مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ) على المذهب؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حال الواقِفِ أنَّه لم يُرِدْ مَنْ يُخالِفُ دِينَه؛ لِمَا بَينَهما من المنافاة (٣)، فيكون ذلك قرينةً صارِفةً للَّفظ عن شُموله، بدليلِ أنَّه ﵎ لمَّا أطْلَقَ آيةَ الميراث لم يَشمَل المخالِفَ، فكذا هنا. فَعَلَى هذا: لو كان الواقِفُ مسلِمًا؛ لم يَدخُل الكافِرُ، وكذا عَكْسُه، فإنْ صرَّح بهم دَخَلُوا؛ لأِنَّ إخراجَهم يترك (٤) به صريح المقال، وهو أقْوَى من قرينة الحال. وكذا إنْ وُجِدَتْ قرينةٌ دالَّةٌ على إرادتهم، فلو كان أهلُ القرية والأقارب (٥) كلُّهم كُفَّارًا؛ دَخَلُوا؛ لأِنَّ إخْراجَهم يُؤَدِّي إلى رَفْعِ اللَّفْظ بالكُلِّيَّة. فإنْ كان فيهم مسلِمٌ واحِدٌ والباقي كفَّارٌ؛ دَخَلُوا أيْضًا؛ لأِنَّ إخراجَهم بالتَّخْصيص بعيدٌ، وفيه مخالَفةُ الظَّاهِرِ. وإنْ كان الأكثرُ كفَّارًا؛ فهو للمسلمين في ظاهِرِ قَول الخِرَقيِّ؛ لأِنَّه أمْكَنَ حَمْلُ اللَّفظ عليهم، والتَّخصيصُ يَصِحُّ بإخْراج الأكثر.

стр. 3616

وقيل: يَدخُلُ الكُفَّارُ؛ لأِنَّ التَّخصيص في مثل هذا بعيدٌ، وأنَّ تخصيص الصُّورَة النَّادِرة قَريبٌ، وتخصيصُ الأكثر بَعِيدٌ يَحتاجُ إلى دليلٍ. فائدةٌ: حُكْمُ سائر ألفاظ (١) العُمومِ؛ كالإخوة، والأعْمام، واليتامى، والمساكين؛ حُكْمُ أهلِ قَريَتِه. (وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْمُسْلِمَ يَدْخُلُ فِيهِ (٢)، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ كَافِرًا)؛ لأِنَّ اللَّفظَ عامٌّ، وحاصِلُه: أنَّ الواقِفَ إنْ كان كافِرًا تناول أهلَ دِينه؛ لأِنَّ لَفظَه يتناولهم، والقرينةُ دالَّةٌ على إرادتهم. وهل يَدخُلُ فيه المسلمُ؟ يُنظَرُ، فإنْ وُجدت (٣) قرينةٌ على دخولهم، كما إذا لم يَكنْ إلاَّ مُسْلِمونَ، وإن انْتَفَت القرائن؛ فوجْهانِ، وإنْ كان في القرية كافِرٌ من غَيرِ أهلِ دِينِ الواقف (٤) لم يَدخُلْ؛ لأِنَّ قرينةَ الحال تُخرِجُه، وقِيلَ بدخوله؛ بناءً على توريث الكفَّار بعضهم من بعضٍ. مُلحَقٌ: الصَّبيُّ والغُلام: من لم يَبلُغْ، واليتيمُ: من لا أب له، ولو جُهِلَ بقاءُ أبيه فالأصلُ بقاؤه، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يُعطَى مَنْ ليس له ببلد الإسلام أبٌ يُعرَف (٥)، فإنْ بَلَغَ خَرَجَ من حَدِّ اليُتْم (٦). والشابُّ والفَتَى: مَنْ بلغ إلى الثَّلاثين، وقيل: وخمسةٍ، والكَهْلُ: منها إلى الخمسين، والشَّيخُ: منها إلى السَّبعين، وفي «الكافي» و «الترغيب»: إلى آخِر العمر، ثمَّ الهَرِم. والأشرافُ: أهلُ بيت النَّبيِّ ﷺ ، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، قال: وأهلُ

стр. 3617

العراق كانوا لا يُسَمُّونَ شريفًا إلاَّ مَنْ كان من بني العبَّاس، وكثيرٌ من أهل الشَّام وغيرهم لا يُسَمُّون إلاَّ مَنْ كان علَوِيًّا (١). والشَّريفُ في اللُّغة: خلافُ الوضيع، ولَمَّا كان أهلُ بيت النَّبيِّ ﷺ أحقُّ البيوت بالتَّشريف؛ صار مَنْ كان من أهل بيته شريفًا، فلو وصَّى لِبَنِي هاشِمٍ؛ لم تَدخُلْ (٢) مَوَالِيهم، نَصَّ عليه (٣). (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقُ وَمِنْ أَسْفَلُ؛ تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ)، ويَسْتَوُون فيه؛ لأِنَّ الاِسمَ يَشمَلهم جميعًا، قال ابنُ أبي موسى: مَنْ وَقَفَ على مَوالِيهِ المعْتِقينَ؛ جاز، وكان بَينَهم على ما شَرَطَ، فإنْ ماتوا ولهم أولادٌ؛ كان (٤) ما كان وقْفًا عَلَيهم وقْفًا على أوْلادهم. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَخْتَصُّ الْمَوَالِي مِنْ فَوْقُ)؛ لأِنَّهم أقْوَى عَصَبَةً، بدليلِ ثُبوتِ الميراث لهم. ولا يَسْتَحِقُّ مَولَى أبِيهِ مع وُجود مَوَالِيهِ، فإن لم يَكُنْ له مَوالٍ، فقال الشَّريفُ: هو لمولى (٥) أمِّه، لأنَّ (٦) الاِسْمَ يتناوَله مجازًا، وقد تعذَّرت الحقيقةُ. فإن كان له مَوَالي أبٍ حِينَ الوقْف ثُمَّ انقرَضَ مَوالِيهِ؛ لم يَكُنْ لموالي الأبِ في ظاهر ما ذَكَروا؛ لأِنَّ الاِسْم تَناوَلَ غَيرَهم، فلا يعود إليهم إلاَّ بِعَقْدٍ، ولم يُوجَدْ.

стр. 3618

(وَإِنْ (١) وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ)؛ كبَنِي فُلانٍ الذِينَ لَيسُوا بقَبيلةٍ؛ (وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ)؛ لأِنَّ اللَّفظَ يَقْتَضِي ذلك، وقد أمْكَنَ الوفاءُ به، فَوَجَبَ العملُ بمُقْتَضاه، أشْبَهَ ما لو أقرَّ لهم، وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النِّسَاء: ١٢] يُوضِّحه. فإنْ كان الوقْفُ في ابْتِدائه على مَنْ يُمكِنُ اسْتِيعابُه، فصار ممَّا لا يُمكِنُ استيعابه (٢)؛ كوقْفِ عليٍّ ﵁ (٣)؛ وَجَبَ تعميمُ مَنْ أمْكَنَ منهم والتَّسويةُ بَينَهم؛ لأِنَّ التَّعميمَ والتَّسويةَ كان واجبًا، فإذا تعذَّر؛ وجب ما أمكن، كالواجب الذي يُعجَزُ عن بعضه. (وَإِلاَّ)؛ أيْ: وإنْ لم يُمْكِنْ حَصْرُهم واسْتِيعابُهم؛ كبَنِي هاشِمٍ وبني تميمٍ؛ لم يَجِبْ تعميمُهم إجْماعًا (٤)؛ لأِنَّه غَيرُ مُمْكِنٍ، و (جَازَ (٥) تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ)؛ لأِنَّه إذا جاز حِرْمانُه؛ جاز تَفضيلُ غَيرِه عَلَيهِ. (وَالاِقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ) على المذهب؛ لأِنَّ مقصودَ الواقِف مُجاوَزةُ الجِنْس، وذلك يَحصُل بالدَّفْع إلى واحِدٍ منهم. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يُجْزِئَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ)، هذا روايةٌ عن أحمدَ؛ لأِنَّها أقلُّ الجَمْع، قال في «الخلاف»: وقد سُئِلَ أحمدُ عن رجلٍ أوْصَى بثُلُثه في أبواب البِرِّ، قال: يُجَزَّأُ ثَلاثةَ أجْزاءٍ (٦).

стр. 3619

فَعَلَى هذا: الفَرْقُ أنَّ الوصيَّةَ يُعْتبَرُ فيها لفظُ الموصِي، وأمر (١) الله تعالى يعتبر فيها المقصود، بدلالة أنَّ الموصِيَ للمساكين لا يُعدَلُ إلى غيرهم، والإطعامَ في الكفَّارة يجوز صرفها إلى غير المساكين وإن كان منصوصًا عليهم. ومقتضى (٢) ذلك: صحَّةُ الوقفِ على مَنْ لا يُمْكِنُ حَصرُهم ولا اسْتِيعابُهم كالمساكين. (وَلَا يُدْفَعُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ (٣) أَكْثَرُ مِنَ الْقَدْرِ الذِي يُدْفَعُ إِلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ)؛ أيْ: إذا كان الوقف (٤) على الأصناف (٥) الَّذين يأخُذُون الصَّدَقات أوْ بعضِهم؛ صُرِفَ إليهم، ويُعْطَى كلُّ واحدٍ منهم من الوقْف مِثلَ القَدْر الذي يُعْطَى من الزَّكاة؛ لأِنَّ المطْلَقَ من كلامِ الآدَمِيِّ يُحمَلُ على المعهود في الشَّرع. فَعَلَى هذا: إذا كان الموقوفُ عليه الفقراءَ؛ لم يُدفَعْ إلى واحدٍ منهم زيادةٌ على خمسين درهمًا أوْ قِيمَتها من الذهب (٦)؛ لأِنَّه القَدْرُ الَّذي يَحصُل به الغِنَى. واختار أبو الخَطَّاب، وابنُ عَقِيلٍ: زيادةَ المسكين على الخمسين، وقد أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وقِيلَ: لكلِّ صنفِ ثُمُنٌ. وإنْ وَقَفَ على الفقراء أو المساكين؛ أُعْطِيَ الآخَرُ، وفيه وَجْهٌ. (وَالْوَصِيَّةُ كَالْوَقْفِ فِي هَذَا الْفَصْلِ)؛ لأِنَّ مَبْناها على لَفْظِ الموصِي،

стр. 3620

أشْبَهَت الوَقْفَ، فإنْ وصَّى أن يُفرَّقَ في فقراء مكَّةَ، فقال أحمدُ في رواية أحمدَ بنِ الحُسَينِ بن حَسَّانَ: هل يُفرَّقُ على قَومٍ دُونَ قَومٍ؟ فقال: يُنظَرُ إلى أحْوَجِهم (١)، قال القاضي: فظاهِرُه: أنَّه يُعتبَرُ العددُ. تذنيبٌ: إذا وَقَفَ مدرسةً، أوْ رِباطًا، أوْ خانَقاهْ، أوْ نحوَ ذلك على طائفةٍ؛ اخْتَصَّتْ بهم، وإنْ وَقَفَ عَلَيها مسجِدًا أوْ مَقبَرةً؛ فَوَجْهانِ، والأشْبَهُ: اخْتِصاصُ مَنْ عيَّنهم، ولا يَختَصُّ أحدٌ بالصَّلاة اتِّفاقًا. وإنْ عيَّن إمامًا أوْ ناظِرًا؛ تعيَّنَ. وقِيلَ: إنْ وَقَفَ مسجِدًا على الفقراء وشَرَطَه لهم؛ اخْتَصُّوا به إمامةً ونظرًا. وعَنهُ: على ما جَرَتْ به العادةُ. وكذا إنْ وَقَفَه على أهل مذهَبٍ في الأشْبَهِ.

стр. 3621

(فَصْلٌ) (وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ)؛ أيْ: يَلزَمُ بمجرَّد القول؛ لأِنَّه تبرُّعٌ يَمنَع البَيعَ والهِبةَ، فلَزِمَ بمجرَّده كالعِتْق، قال في «التَّلْخيص» وغَيره: وحُكمُه اللُّزومُ في الحال، أخْرَجَه مخرَجَ الوصيَّة أوْ لم يُخرِجْه، حَكَمَ به حاكِمٌ أوْ لَا؛ لقَولِه ﵇: «لا يُباعُ أصْلُها، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ» (١)، قال التِّرمذيُّ: (العملُ على هذا الحديث عند أهلِ العلم، وإجْماعُ الصَّحابة على ذلك) (٢)، ولأِنَّه إزالةُ ملْكٍ يَلزَمُ بالوصيَّة، فإذا نجَّزه في الحياة؛ لزم (٣) من غَيرِ حُكْمٍ كالعتق. وذَهَبَ أبو حَنِيفةَ ﵁: أنَّه لا يَلزَمُ بمجرَّده، وللواقف الرُّجوع فيه، إلاَّ أنْ يُوصِيَ به بَعْدَ مَوته، أوْ يَحكُمَ بلُزومه حاكِمٌ (٤)، وحكاه بعضُهم عن عليٍّ وابن مَسعودٍ وابن عبَّاسٍ (٥)، واحتجَّ له: بما رواه المحامِليُّ عن عبد الله بن زيدٍ

стр. 3622

صاحِبِ الأذان: «أنَّه جَعَلَ حائطَه صدقةً، وجَعَلَه لرسول الله ﷺ ، فجاء أبواه إلى النَّبيِّ ﷺ فقالا: لم يكُنْ لنا عَيشٌ إلاَّ هذا الحائطُ، فردَّه رسولُ الله ﷺ ، ثمَّ ماتا فَوَرِثَهما» (١)، ولأِنَّه إخْراجُ مالٍ على وَجْهِ القُرْبة، فلم يَلزَمْ بمجرده؛ كالصَّدقة. وجوابُه: السُّنَّةُ الثَّابِتةُ، مع أنَّ (٢) هذا الخبر لَيسَ فيه ذِكْرُ الوَقْفِ، والظَّاهِرُ أنَّه جَعَلَه صدقةً غَيرَ مَوقُوفٍ، فرأى النَّبيُّ ﷺ والِدَيهِ أحقَّ بصرفها (٣) إلَيهِما، بدليل أنَّه لم يَرُدَّها إليه، ويَحتَمِلُ أنَّ الحائطَ كان لهما، وتَصرُّفه فيه بحُكْمِ النِّيابة عنهما، ولم يُجِيزاهُ (٤). ثُمَّ القِياسُ على الصَّدقة لَيسَ بظاهِرٍ، فإنَّها تَلزَمُ في الحياة بغَيرِ حُكْمِ

стр. 3623

حاكِمٍ، وإنَّما يَفْتَقِرُ إلى القَبول، والوَقْفُ لا يَفْتَقِرُ إلَيهِ، فافْتَرَقَا. (وَلَا (١) يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا)؛ لأِنَّ ذلك شَأنُ العُقود المقْتَضِية للتَّأبيد. (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ)، ولا المناقلة به (٢)، (إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ) بالكُلِّيَّةِ (٣)؛ كدارٍ انْهَدَمَتْ، أو أرض (٤) خَرِبَتْ وعادَتْ مَوَاتًا، ولم تُمكِنْ (٥) عِمارتُها، نَقَلَ عليُّ بنُ سعيدٍ: لا يَستَبْدل (٦) به، ولا يَبيعُه، إلاَّ أنْ يكونَ بحالٍ لا يُنتَفَعُ به (٧)، ونَقَلَ أبو طالِبٍ: لا يُغَيَّرُ عن حاله، ولا يُباعُ إلاَّ أنْ لا يُنتَفَع منه بشَيءٍ (٨)، وقاله الأصحابُ، وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: إلاَّ أنْ يَقِلَّ فلا يُعَدَّ نَفْعًا، ونَقَلَ مهنَّى: أوْ ذَهَبَ أكثرُ نَفْعِه (٩). (فَيُبَاعُ)؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ عمرَ كتَبَ إلى سَعْدٍ لَمَّا بَلَغَه أنَّ بيتَ المال

стр. 3624

الذي (١) بالكُوفَة نُقِبَ: «أن انقُل المسجدَ الَّذي بالتَّمَّارين، واجْعَلْ بَيتَ المال في قِبْلة المسجد، فإنَّه لن يَزالَ في المسجد مصلٍّ» (٢)، وكان هذا بمَشْهَدٍ من الصَّحابة، ولم يَظهَرْ خِلافُه، فكان كالإجماع. وحكى في «التَّلخيص» عن أبي الخطَّاب: أنَّه لا يَجوزُ بَيعُه، وهو غريبٌ لا يُعرَفُ في كُتُبه؛ لأِنَّ ما لا يجوز بَيعُه مع بقاء منافعه؛ لا يجوز مع تعْطِيلها (٣)؛ كالعتق. وجوابُه: بأنَّ فِيما ذَكرْناه استِبْقاءً للوقْف عِنْدَ تعذُّرِ إبقائه (٤) بصورته، فوجب ذلك؛ كما لو اسْتَولَد الجاريةَ، أوْ قَتَلَها، أوْ قتلها (٥) غيره. قال ابنُ عَقِيلٍ: الوقْفُ مُؤبَّدٌ، فإذا لم يُمكِنْ تأبيدُه على وجْهِ تخصيصه؛ اسْتَبْقَينَا (٦) الغَرَضَ، وهو الاِنتِفاعُ على الدَّوام في عَينٍ أخرى، واتِّصال الأبدال جرى مَجرَى الأعيان، وجُمودُنا على العَين مع تعطلها؛ تَضْيِيعٌ للغَرَض. قولهم: (يُباعُ)؛ أيْ: يجوز بَيعُه، نَقَلَه وذَكَرَه جماعةٌ (٧). وظاهِرُ رواية الميمونيِّ: يَجِبُ (٨)؛ لأِنَّ الولِيَّ يَلزَمُه فِعلُ المصلحة، ولأِنَّه

стр. 3625

استِبْقاءٌ للوقف بمعناه، فوجب؛ كإيلاد أَمَةٍ موقوفةٍ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: مع الحاجة يَجِبُ بالمثل (١)، وبلا حاجةٍ يجوز بخَيرٍ منه؛ لظهور المصلحة، ولا يَجوزُ بمثله؛ لفوات التَّعْيين بلا حاجةٍ. فإن أمْكَنَ بَيعُ بعضه لِيُعمَرَ به الباقي؛ جاز، وإن لم يُمْكِن الاِنْتفاع بشَيءٍ منه بِيعَ جميعُه، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». قال في «الفروع»: والمرادُ مع (٢) اتِّحاد الواقف؛ كالجِهة، ثُمَّ إنْ كان المرادُ عَينَينِ؛ كدارَينِ؛ فظاهِرٌ، وكذا عَينًا واحِدةً، ولم تَنقُص القِيمةُ بالتَّشقيص، فإن نقصت؛ توجَّه البيع (٣) في قياس المذهب، كبَيعِ وصيٍّ لِدَينٍ أو حاجةِ صغيرٍ، بل هذا أسهل؛ لجواز تغيير (٤) صفاته لمصلحة. وذكر الحافِظُ ابنُ رجَبٍ: أنَّ عُبادةَ (٥) -من أصحابنا- أفْتَى في أوقاف وقفها (٦) جماعةٌ على جهةٍ واحدةٍ من جِهات البِرِّ إذا خَرِب بعضُها؛ للمباشِر أنْ يَعمُرَه من الأُجْرة، ووافقه طائفةٌ من الحَنَفِيَّة (٧). تنبيه: لم يتعرَّض المؤلِّفُ للمُتَوَلِّي لِبَيعه، والأشهرُ: أنَّه الحاكِمُ، قدَّمه في «الفروع»، وفي «التَّلخيص»: ويكون البائعُ الإمامَ أوْ نائبَه، نَصَّ عليه (٨)، وكذلك الشِّراء بثَمَنِه، وهو ظاهِرُ ما في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه فسخٌ لعَقْدٍ

стр. 3626

لازِمٍ مُختَلَفٍ فيه اخْتِلافًا قَوِيًّا، فيُوقَفُ (١) فسخُه على الحاكِمِ؛ كما قِيلَ في الفُسوخ المختلَفِ فيها، ولكونه بَيعًا على الغائبين، وهم الذين يَسْتحِقُّونه بعد انْقِراض الموْجودِينَ. وجَزَمَ في «المحرَّر»، و «الرِّعاية»، و «الفائق»: أنَّه ناظِرُه. وقِيلَ: بل يَفعَلُه الموقوفُ عَليه إنْ قُلْنا: يَملِكُه. فَرْعٌ: لو شَرَطَ الواقِفُ أنَّه لا يُباعُ، فخَرِبَ؛ يُباعُ، وشَرْطُه إِذًا (٢) فاسِدٌ، نَصَّ عليه، قال حَرْبٌ: قلت لأحمدَ: رجلٌ وَقَفَ ضَيعةً فخَرِبَتْ، وقال في الشَّرط: لا تباع (٣)، فباعوا منها سَهْمًا وأنْفَقُوه على البقيَّة ليَعْمُروها، قال: لا بأْسَ بذلك إذا كان كذلك؛ لأِنَّه اضْطِرارٌ ومنفعةٌ لهم (٤). (وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع»، وزاد: أو بعض (٥) مثله، قاله أحمدُ (٦)؛ لأِنَّه أقْرَبُ إلى غَرَض الواقف، وكجهته. وظاهِرُ الخِرَقِيِّ: أنَّه لا يتعيَّن المثْلُ، واقتصر عليه في «المغْنِي» و «الشرح»؛ إذ (٧) القصدُ النَّفعُ، لكن يتعيَّن صرْفُ المنفعة في المصلحة الَّتي كانت الأُولى تُصرَفُ إليها؛ لأِنَّ تغييرَ المصرِف مع إمكان المحافظة عليه لا يَجوزُ، كما لا يُغيَّر الوقف بالبيع مع إمكان الانتفاع به. وقوَّة كلامه، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ: أنَّه (٨) لا بدَّ من إيقاف النَّاظِر له.

стр. 3627

وصرَّح في «الرِّعاية»: أنَّه يصيرُ وقْفًا بمجرَّد الشِّراء. وجوَّزهما الشَّيخُ تقيُّ الدِّين لمصلحةٍ، وأنَّه قياس الهدي، وذكره وجهًا (١) في المناقَلَة، وأومأ إليه أحمدُ (٢). (وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ (٣) لِلْغَزْوِ)؛ بأنْ يَنحَطِمَ؛ (بِيعَ)؛ كالوقف إذا تعطَّلتْ منافِعُه، (وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ (٤) مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ)، نَصَّ عليه (٥)؛ مُحافَظةً على غَرَضِ الواقِفِ. وعنه: يَصرِفُه على الدَّوابِّ الحُبس، أو يَصرِفُ ثَمَنَه في مِثْله، وظاهره التَّخيير. وعلى الأوَّل: إن لم يَكْفِ ثَمنُه ثَمَنَ فَرَسٍ أخرى؛ أُعِينَ به في شِراءِ فرَسٍ حبيسٍ، نَصَّ عليه (٦)، ذكره في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ المقصودَ استِبْقاءُ منفعةِ الوقْفِ الممْكِنِ استِبْقاؤه، وصيانتُها عن الضَّياع. (وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إِذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ)، فإنَّه يُباعُ إذا خَرِبَتْ محلَّتُه، نَقَلَه عبد الله (٧)، ذكره جماعةٌ، وفي روايةِ صالِحٍ: يُحوَّلُ المسجدُ خَوفًا من اللُّصوص، وإذا كان في مَوضِعِه قَذَرٌ (٨)، قال (٩) القاضي: يعني إذا كان ذلك يَمنَعُ من الصَّلاة فيه، ونصَّ على جوازِ بَيعِ عَرْصَتِه (١٠)، وتكون الشَّهادةُ على الإمام.

стр. 3628

(وَعَنْهُ: لَا تُبَاعُ الْمَسَاجِدُ) نَقَلَها عليُّ بن سَعِيدٍ (١)؛ لأِنَّها آكَدُ من غيرها، (لَكِنْ تُنْقَلُ آلَتُهَا إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ)، اختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لأِنَّه أقْربُ إلى غرض الواقف، لكنْ نَقَلَ جعفرٌ فِيمَنْ جعل خانًا في السَّبيل وبَنَى بجَنْبه مسجدًا فضاق، أيزادُ منه في المسجد؟ قال: لا، قيل: فإنَّه تُرِكَ ليس يُنزَلُ فيه، فقد عُطِّلَ، قال: يُتْرَك على ما صِير إليه (٢)، ولا يجوز نَقْلُه مع إمكان عِمارته، قاله في «الفنون»، وإنَّ جماعةً أفْتَوْا بخلافه وغَلَّطهم. (وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ آلَتِهِ وَصَرْفُهَا فِي عِمَارَتِهِ)، نَقَلَ أبو داودَ: إذا كان في المسجد خَشَبتانِ لهما قِيمةٌ تشعَّث، وخافوا سقوطَه؛ جاز بَيعُهما، وصَرْفُ ثَمَنِهما عليه (٣)؛ لأنَّه إذا جاز بَيعُ الكلِّ عند الحاجة، فبَيعُ بعضه مع بقاء البَعْض أَوْلى، وقاسه في «الشرح» على بيع بعض الفرس الحبيس عند تعذُّر الانتفاع به. ويَجوز نقْضُ مَنارَته، وبناء حائطه بها؛ لتحصينه من الكلاب، نَصَّ عليه في روايةِ محمَّدِ بن الحكم (٤)؛ للمصلحة. (وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصُرِهِ، وَزَيْتِهِ)، وقَصَبه، ونَفَقَته، وعبارة «الوجيز» و «الفروع»: وما فضل عن حاجته، وهي أَوْلَى، (عَنْ حَاجَتِهِ؛ جَازَ صَرْفُهُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ)، قاله أحمدُ (٥)؛ لأِنَّه انْتِفاعٌ في جِنْسِ ما وُقِفَ له، فكان مَصْروفًا له في مِثْلِه، وكالهَدْيِ، (وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ)، نَصَّ عليه في روايةِ المرُّوذِيِّ (٦)، واحْتَجَّ: بأنَّ «شَيبَةَ بن عُثْمان الحَجَبي كان يَتصَدَّقُ بخُلْقانِ

стр. 3629

الكَعْبة» (١)، ورَوَى الخَلاَّلُ بإسْناده: «أنَّ عائشة أمرتْهُ بذلك» (٢)، وهذه قضيَّةٌ انتشرت ولم تُنْكَرْ، فكان كالإجماع، ولأنَّه (٣) مالٌ لله تعالى لم يَبْقَ له مَصرِفٌ، فصُرِفَ إلى المساكِينِ، ولأِنَّ نَفْعَ المسجِدِ عامٌّ، والفقراء (٤) كذلك. وخَصَّه أبو الخَطَّاب والمجْدُ: بِفُقراءِ جِيرانِه؛ لأِنَّهم أحقُّ بمَعْروفه. وعنه: لا يُصرَف لهما. وعنه: بَلَى لمِثْله، واخْتارَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وقال أيْضًا: وفي سائِرِ المصالِحِ وبِناءِ مَساكِنَ لِمُستَحِقِّ رَيعه القائِمِ بمَصْلَحَته. قال: وإنْ عَلِمَ أنَّ رَيعَه يَفضُلُ عنه دائمًا وجَبَ صَرْفُه؛ لأِنَّ بقاءَه فسادٌ، وإعطاؤه فوقَ ما قدَّره (٥) الواقِفُ؛ لأِنَّ تَقْديرَه لا يَمنَعُ استحقاقَه كغَيرِ مَسْجِده، وقال: ومثلُه وقْفُ غَيره، ولا يجوز لغَير النَّاظر صَرْفُ الفاضل (٦). فَرْعٌ: فضْلُ غَلَّةِ موقوفٍ على مُعَيَّنٍ، استحقاقُه مقدَّرٌ؛ يتعيَّن إرصاده (٧)، ذكره أبو الحُسَين والحارثي، ونقل حرْبٌ فِيمَنْ وَقَفَ على قنطرة فانحرف

стр. 3630

الماء: يُرصد، لعلَّه يرجِعُ (١). وإن وَقَف على ثَغْرٍ، فاختلَّ؛ صُرف في ثَغْرٍ مثْلِه، وعلى قياسه مسجدٌ ورِباطٌ ونحوُهما. (وَلَا يَجُوزُ غَرْسُ شَجَرَةٍ فِي الْمَسْجِدِ)، نَصَّ عليه، وقال: تُقْلَع، غُرِست بغَيرِ حقٍّ (٢)؛ لأِنَّ المسجدَ لم يُبْنَ لذلك، إنَّما (٣) بُنِيَ لقراءة القُرْآن والصَّلاةِ وذِكْرِ الله تعالى، ولِمَا يَحصُلُ بها من الْأَذَى. وفي «الإرشاد» و «المبهج»: يُكرَه غَرْسُها فيه. وقيل: يُكرَه إنْ لم يَضِقْ (٤)، وإلاَّ حَرُمَ. فإنْ غُرِسَتْ فيه وأثْمَرَتْ، فقال أحمدُ: لا أحبُّ الأَكْلَ منها (٥)، وقيل: تُباحُ لفقراء الدَّرْب، وقيل: مع غنى (٦) المسْجِد عنها. وظاهِرُ النَّصِّ و «المحرر»: أنه (٧) لا يَخْتَصُّ قَلْعُها بواحِدٍ، وفي «المستوعب» و «الشَّرح»: أنَّه للإمام. (فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً)؛ بأنْ وُقِفَ وهي (فِيهِ)؛ فإنْ عَيَّنَ مَصْرِفَها اتُّبِعَ، وإلاَّ صارَتْ كالوقْفِ المنقَطِع، (جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا)؛ لأِنَّها تَبَعٌ للمسجد، وهو لكلٍّ من المسلمين الاِنْتِفَاعُ به، فكذا الأكلُ منها، وظاهِرُه مطلَقًا، وهو قَولٌ. (قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا لَمْ تَكُنْ بِالْمَسْجِدِ حَاجَةٌ إِلَى ثَمَنِهَا)، اقْتَصَرَ في

стр. 3631

«المحرَّر» على هذا؛ لأِنَّ حاجةَ المسجد مُقدَّمةٌ على غَيرِه، (فَإِنِ احْتَاجَ؛ صُرِفَ ذَلِكَ (١) فِي عِمَارَتِهِ)؛ لأِنَّها مُقدَّمةٌ على غَيرها، وقَولُ أبِي الخَطَّاب تقييدٌ لِمَا أُطْلِقَ؛ لِعَدَم ذِكْرِه بواوِ العطْف. وذَكَرَ جماعةٌ: أنَّه يُصرَفُ في مصالحه، فإنْ فَضَلَ؛ فلجاره أكْلُها، نَصَّ عليه (٢)، قال جماعةٌ: ولِغَيره، وقيل: للفقير منهم. فَرْعٌ: لا يَجوزُ حَفْرُ بئرٍ في المسجد، ولا يُغَطَّى بالمغْتَسَل؛ لأِنَّه للمَوتَى، ونَقَلَ المرُّوذِيُّ: أنَّها تُطَمُّ (٣)، وفي «الرِّعاية»: أنَّ أحمدَ لم يَكرَهْ حَفْرَها فيه، ثمَّ قال: بلى، إنْ كُره الوضوء فيه. مسألةٌ: إذا غرس النَّاظِرُ، أو بَنَى فيه؛ فهو له إنْ أشْهَدَ، وإلاَّ للوقف. قال في «الفروع»: (ويتوجَّهُ في أجنبيٍّ: للوقف بِنِيَّتِه، وقال شَيخُنا: يدُ الواقِفِ ثابِتةٌ على المتِّصِلِ به ما لم يأتِ حُجَّةٌ يَدفَع مُوجِبَها، كمعرفةِ كون (٤) الغارس غَرَسَها بماله بحكم إجارةٍ، أو إعارةٍ، أو على المنفعة، فليس له دعوى البناء بلا حجَّةٍ، ويد أهل العَرْصَة المشتركة ثابتةٌ على ما فيها بحُكْم الاِشْتِراك، إلاَّ مع بيِّنةٍ (٥) باخْتِصاصه بِبِناءٍ ونحوِه) (٦).

стр. 3632

(بَابُ الْهِبَةِ) أصْلُها مِنْ هُبُوب الرِّيح؛ أيْ: مُروره، يُقالُ: وَهَبْت له شَيئًا وَهبًا، بإسْكان الهاء وفَتْحِها، وهبة (١)، والاِسمُ المَوْهِبُ، والمَوْهِبَة؛ بِكَسْر الهاء فِيهِما، والاِتِّهابُ: قَبولُ الهِبَة، والاِسْتِيهابُ: سُؤالُ الهِبَة، وتَوَاهَبَ القَومُ؛ أيْ: وَهَبَ بعضُهم بعضًا، وَوَهَبْتُه كذا، لغة (٢) قليلةٌ. (وَالْعَطِيَّةِ)، قال الجَوهَريُّ: هي الشَّيءُ المعْطَى، والجَمْعُ العَطا (٣)، والعَطِيَّةُ هنا: الهِبَة في مَرَضِ الموْت، فَذَكَرَ الهِبةَ في الصِّحَّة والمرض، وأحكامَهما، قالَهُ في «المطلع» (٤). (وَهِيَ تَمْلِيكٌ فِي حَيَاتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ)، فخَرَجَ بالأوَّل: ما لَيسَ بِتَمْلِيكٍ؛ كالعَرِيَّة، فإنَّها إباحةٌ، وبالثَّاني: الوصيَّةُ، وبالثَّالث: عُقودُ المعاوَضات؛ كالبيع والإجارة، والمرادُ به (٥): مالُه المعلومُ الموجودُ، صرَّح به في «الوجيز» بِما يُعَدُّ هِبَةً عُرْفًا. ويُعتَبَر فيه: أنْ يكونَ من جائز التَّصرُّف. (وَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضًا مَعْلُومًا)؛ صحَّ، نَصَّ عَلَيهِ (٦)، و (صَارَتْ بَيْعًا)؛ لأِنَّه تَمْلِيكٌ بعِوَضٍ معلومٍ أشْبَهَ البَيعَ، ومَعْناهُ: أنَّه يَثْبُتُ فيها الخِيارُ والشُّفْعةُ. وحكى في «الفروع» قَولاً: أنَّها تَصِحُّ بقيمتها، فَعَلَيه: يَلْغُو الثَّوابُ المشْروطُ، ويَرجِع إلى قيمتها، والظَّاهر: أنَّه يَرجِع إلى ذلك إذا جُعِل الثَّوابُ

стр. 3633

مجهولاً، ونبَّه عليه في «الفائق». وقيل: لا تصحُّ (١)؛ لأنَّه شَرَط في الهِبة ما يُنافِي مُقْتَضاها، ولِنَفْي الثَّمن. ورُدَّ: بأنَّه تمليكٌ بعِوَضٍ، فصحَّ كغَيرِه. (وَعَنْهُ: يُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ)، ذَكَرَها أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّه وُجِدَ لَفْظُها الصَّريح، فكان المغلَّبُ فيها الهِبَة، كما لو لم يَشْرِطْ عِوَضًا، وحِينَئِذٍ: لا يَثبُت فِيها أحكامُ البَيع المخْتصَّة به. وظاهِرُه: أنَّ الهِبَةَ المطلَقَةَ لا تَقتَضِي عوضًا، سَواءٌ كانت لمِثْله، أوْ دُونِهِ، أوْ أعْلَى منه. وقال ابنُ حَمْدانَ: هي من (٢) الأدْنَى تَقتَضِي عِوَضًا هو القيمةُ؛ لقَول عُمَرَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً أراد بها الثَّواب؛ فهو على هِبَته، يَرجِع فيها إذا لم يرضَ منها» (٣). وجوابُه: بأنَّها عطيَّة على وجهِ التَّبرُّع، فلم تَقتَضِ (٤) ثوابًا؛ كهِبَة المِثْل والوصيَّة، وقولُ عمرَ خالَفَه ابنُه وابنُ عبَّاسٍ (٥).

стр. 3634

وقيل: تَقتَضِي (١) عِوَضًا مع عُرْفٍ، فلو أعطاه لِيُعاوِضَه، أوْ لِيقْضِيَ له حاجةً، فلم يَفِ؛ فكالشرط، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). فعلى ما ذَكَرَه: لو عَوَّضَه عن الهِبَة؛ كانَتْ هِبَةً مبتدَأةً لا عِوَضًا، أيُّهما أصاب عَيبًا؛ لم يكن له الرَّدُّ، وإنْ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً؛ أخذَها صاحبُها، ولم يَرجِع الموْهوبُ له بِبَدَلها. (وَإِنْ شَرَطَ ثَوَابًا)؛ أيْ: عِوَضًا (مَجْهُولاً؛ لَمْ تَصِحَّ (٣) الهِبةُ؛ لأِنَّه عِوَضٌ مجهولٌ في مُعاوَضةٍ، فلم يَصِحَّ كالبَيع، وحِينَئِذٍ: حُكمُها حُكمُ البَيع الفاسِد، فيَردُّها (٤) الموْهوبُ له بزيادتها مطلَقًا؛ لأِنَّها نَماءُ ملْك الواهِب، وإنْ (٥) كانت تالِفةً ردَّ قِيمتَها. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: يُرْضِيهِ بِشَيْءٍ (٦)؛ أيْ: هو صحيحٌ، وذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ظاهِرَ المذهب (٧)، فإذا أعطاه عنها عِوَضًا رَضِيَه؛ لَزِمَ العقدُ؛ لأِنَّها تَصِحُّ بغَير عِوَضٍ، فَلَأَنْ تَصِحَّ بعِوضٍ مجهولٍ من بابِ أَوْلَى. قال أحمدُ في روايةِ محمَّد بنِ الحَكَم: هذا لَكَ على أنْ تُثِيبَنِي؛ فله أنْ

стр. 3635

يَرجِعَ إذا لم يُثِبْهُ؛ لأِنَّه شَرط (١)، ونَصَّ على معناه في روايةِ إسْماعيلَ بنِ سعيدٍ، ولا يَجوزُ أنْ يُكافِئَه بالشُّكر والثَّناء، نَصَّ عَلَيهِ (٢). (فَعَلَى هَذَا: إِنْ لَمْ يَرْضَ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، أَوْ فِي عِوَضِهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً)؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ فاسِدٌ، فيَلزَمُه ضَمانُ العَين إذا تَلِفَتْ؛ كالبيع الفاسِدِ. وقِيلَ: يُعطِيهِ قَدْرَ قِيمَتِها. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ هذا بَيعٌ، فيُعتبَرُ التَّراضي. ومُقْتَضاه: أنَّه يَرجِعُ في العَين مع بقائها مطلَقًا، لكن إنْ تَغيَّرتْ بزيادةٍ أوْ نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها؛ فقال أحمدُ: لا أرى عليه (٣) نقصانَ ما نَقَصَ عِنْدَه إذا ردَّه إلى صاحبه إلاَّ أنْ يكونَ ثَوبًا لَبِسَه، أوْ جاريةً اسْتَخْدَمها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ؛ فلا شَيءَ عَلَيه كالرَّهن (٤). فَرْعٌ: إذا ادَّعى ربُّها شَرْطَ العِوَض، أوْ قال: وَهَبْتني (٥) ما بِيَدِي، فقال: بل بِعْتُكَهُ، فأيُّهما يُصدَّقُ إذا حَلَفَ؟ فيه وجْهانِ، وجَزَم في «الكافي» في الأُولى: أنَّه يُقبَلُ قَولُ المنكِرِ. (وَتَحْصَلُ الْهِبَةُ بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هِبَةً، مِنَ الْإِيجَابِ)؛ بأنْ يقولَ: وَهَبْتُكَ، وأهديت (٦) إليكَ، وأعْطَيتُك، ونحوه؛ ك: هذا لَكَ، (وَالْقَبُولِ)؛ بأنْ يقولَ: قَبِلْتُ، أو رَضِيتُ. (وَالْمُعَاطَاةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا)، اخْتارَهُ ابنُ عَقِيلٍ، وهو الصَّحيحُ؛

стр. 3636

لأِنَّه ﵇ كان يُهْدِي ويُهْدَى إليه، ويُعْطِي ويُعْطَى، ويُفرِّقُ الصَّدَقاتِ، ويَأْمُرُ سُعاتَه بأخْذِها وتفريقها (١)، وكان أصحابُه يَفْعلون ذلك، ولم يُنقَلْ عنهم إيجابٌ ولا قَبولٌ، ولو كان شَرْطًا لَنُقِلَ عنهم نَقْلاً مُتَواتِرًا أوْ مشتهرًا (٢)، وكالبَيع. وذَكَرَ القاضي، وأبو الخَطَّاب: أنَّها لا تصحُّ إلاَّ بالإيجاب والقَبول، ولا تصحُّ (٣) بدُونِه. وسَواءٌ وُجِدَ قَبْضٌ أمْ لَا؛ لأِنَّها عَقْدُ تمليكٍ، فافْتَقَر إلى ذلك؛ كالنِّكاح. وفي «المستوعب» و «المغني»: أنَّها لا تصحُّ إلاَّ بِلَفْظِ الهِبَة، والعَفْو، والتَّمليك. وفي «الرِّعاية»: في عَفْوٍ وجْهانِ. وما وَرَدَ في الأخبار دالٌّ على خِلافه. قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُشتَرَطُ الإيجابُ والقَبولُ مع الإطلاق، وعَدَم العُرْف؛ ولأِنَّه يكتفى بها في المعاوَضات، فالهِبَةُ أَوْلَى، والنِّكاحُ يُشترَطُ فيه الإشْهادُ وغَيرُه، ولا يَقَعُ إلاَّ قليلاً، فلا يَشُقُّ فيه ذلك، بخلاف الهِبَة. (وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ) بإذْنِ واهِبٍ، بلا شُبهةٍ؛ لِمَا رَوَى مالِكٌ عن عائشةَ: أنَّ أبا بكْرٍ نَحَلَها جَداد عِشرينَ وَسْقًا من مالِه بالعالِيَة، فلمَّا مَرِضَ قال: «يا بُنَيَّةِ؛ كنتُ نَحَلْتُكِ جَداد عشرينَ وَسْقًا، ولو كنتِ حُزْتيه (٤) أو قَبَضْتِيهِ كان لك، فإنَّما هو اليومَ مالُ وارِثٍ، فاقْتَسِموهُ على كتاب الله تعالى» (٥)، ورَوَى ابنُ

стр. 3637

عُيَيْنةَ عن عمرَ نحوَه (١)، ولم نَعرِفْ (٢) لهما في الصَّحابة مُخالِفًا؛ ولأِنَّها هِبَةٌ غَيرُ مَقبوضةٍ، فلم تَلزَمْ؛ كالطَّعام المأْذون في أكْلِه. (وَعَنْهُ: تَلْزَمُ (٣) فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ) والمعْدودِ والمذْروعِ (بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ)؛ أيْ: إذا كان متميِّزًا، فإنَّه يَلزَمُ بمجرَّد العَقْد، اختاره الأكثرُ، قال ابنُ عَقِيلٍ: هي المذهَبُ؛ لِعُموم قَوله ﵇: «العائدُ في هِبَتِه كالكلْب يَقِيءُ ثُمَّ يَعودُ في قَيئِه» (٤)، ولأِنَّه إزالةُ ملْكٍ بغَير عِوَضٍ، فلَزِمَ بمجرَّد العَقْد؛ كالوَقْف والعِتْق، ولأِنَّه تَبَرُّعٌ، فلا يُعتَبَرُ فيه القَبْضُ كالوصيَّة، ولأِنَّه عَقْدٌ لازِمٌ يَنقُلُ الملْكَ، فلم يَقِفْ لزومُه على القَبْض كالبَيع. وحديثُ أبي بكرٍ محمولٌ على أنَّه أراد به عِشرين وسْقًا مَجْدودةً، فيكون مَكِيلاً غيرَ معيَّنٍ، ولا تَصِحُّ الهِبَةُ فيه قبل تَعْيِينه، فيكون معناه: وَعَدتُّكِ بالنِّحلة، لكنَّه خِلافُ الظَّاهِر. وأجابوا عن الوقْفِ والوصيَّة والعِتْقِ: بالفَرْق (٥)، فإنَّ الوقْف إخْراجُ ملْكٍ لله تعالى، فخالف التَّمْليكات، والوصيَّةَ تَلزَم (٦) في حقِّ الوارث، والعِتقَ

стр. 3638

إسقاطُ حقٍّ، ولَيسَ بِتَمليكٍ. وإذا قُلْنا: الهِبةُ تُملَكٌ بالعقد بمجرَّده؛ فيصحُّ التَّصرُّف فيها قبل القَبضِ، نَصَّ عَلَيهِ؛ لأِنَّ حقَّ الواهِبِ انقطع عنها بمجرَّد انْتِقالِ ملْكِه، ولَيستْ في ضَمانه، ولا محذورَ في التَّصرُّف فيها بوجْهٍ. وظاهِرُه: أنَّ الهِبَةَ حَيثُ افْتَقَرَتْ إلى القَبْض؛ فإنَّها تَصِحُّ بالعَقْدِ. واخْتار الخِرَقِيُّ وجَمْعٌ عَكْسَه، قال المرْوَزيُّ (١): اتَّفَقَ أبو بكْرٍ، وعمرُ، وعُثمانُ على (٢) أنَّ الهِبَةَ لا تَجوزُ إلاَّ مَقبوضةً (٣)، والأشْهَرُ الأوَّلُ. وهل يَملِكُها (٤) به؟ فيه وجْهانِ، وعَلَيهما يُخرَّج النَّماءُ، قال جماعةٌ: إنِ اتَّصَل القَبْضُ. (وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ) إذا قِيلَ تَلزَمُ (٥) به، (إِلاَّ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ)؛ لأِنَّه قَبْضٌ غَيرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيهِ، فلم يَصِحَّ إلاَّ بإذْنه؛ كأصْلِ العَقْدِ، وكالرَّهْن، (إِلاَّ مَا كَانَ فِي

стр. 3639

يَدِ الْمُتَّهِبِ)؛ كالوديعة والمغصوب (١). (فَيَكْفِي مُضِيُّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهِ)، هذا روايةٌ، واختارها القاضِي؛ لأِنَّه مَقْبوضٌ، فلا مَعْنَى لِتَجْديدِ (٢) الإذْنِ فِيهِ، وقَولُ ابنِ المنَجَّى: (إنَّه المذْهَبُ)، فِيهِ نَظَرٌ، فإنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ في روايةِ ابنِ منصورٍ: أنَّها تَلزَمُ من (٣) غَيرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى فيها القَبْضُ (٤)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وصححه في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ قَبْضَه مُسْتَدامٌ، فأغْنَى عن الاِبْتِداء، كما لو باعه سلعةً. ويُبْنَى على الخلاف: الرُّجوعُ، والنَّماءُ. وفي «الرِّعاية»: الزِّيادةُ قَبلَ القَبْض للمُتَّهِب إذا قَبَضَ ما يُعتَبَرُ قَبضُه، وقِيلَ: للواهِبِ، وهو أقْيَسُ. والأصحُّ: أنَّه إذا أَذِنَ في القَبْض ثُمَّ رَجَعَ عن الإذْن، أوْ في الهِبَة؛ صحَّ رجوعُه. (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ (٥) حَتَّى يَأْذَنَ فِي الْقَبْضِ)؛ كما لو لم يَكُنْ في يَدِه. (وَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ؛ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْإِذْنِ وَالرُّجُوعِ) في الأصح؛ لأِنَّه عَقْدٌ مآلُه إلى اللُّزوم، فلم يَنفَسِخْ بالموت؛ كالمبيع (٦) في مُدَّة الخِيار، وكما لو مات المتَّهِبُ بَعْدَ القَبول. وقال القاضِي، وقدَّمه في «الشَّرح»: أنَّها تَبطُلُ، سَواءٌ كان قَبلَ الإذْن في القَبْض أو بَعدَه؛ لأِنَّه عَقْدٌ جائِزٌ، فبَطَلَ بمَوتِ أحدِ المتعاقِدَينِ؛ كالوكالة.

стр. 3640

وظاهِرُه: أنَّ وَرَثَةَ المتَّهِب لا تَقومُ مَقامَه، بل تَبطُلُ الهِبَةُ بمَوتِه في الأصحِّ. فَرْعٌ: يَقْبِضُ أبٌ لطفْلٍ مِنْ نَفْسِه، والأصحُّ: لا يَحتاجُ قَبولاً. ويَقبَلُ ويَقبِضُ للطِّفل والمجنون وَلِيُّهما، وقيل: وغَيرُه ممَّن يَقومُ بمصلحتهما إذا عُدِمَ، وأمِينُ الحاكِمِ كَهُوَ. أصلٌ: يَصِحُّ قَبْضُ المميِّز وقَبولُه بلا إذْنِ وَلِيِّه، وقيل: يَتَوقَّفُ صحَّةُ قَبْضِه فقط على إذْنِه. ولا تَصِحُّ (١) هِبَةٌ من صَغِيرٍ وسَفِيهٍ، ولو بإذن وَلِيِّهما. وتصحُّ (٢) الهِبةُ من العبد، وقِيلَ: بإذْنِ سيِّده، وما اتَّهَبَه عبدٌ غَيرُ مكاتَبٍ وقَبِلَه؛ فهو لِسَيِّده، ويَصِحُّ قَبولُه بلا إذْنِ سَيِّدِه، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، وقيل: لا يَقبَلُه إلاَّ بإذْنِه. فإنْ قَبِلَه وقُلْنا: يَملِكُه؛ فهو له دُونَ سيِّدِه، وإلاَّ فلا، ذَكَرَه في «الرِّعاية». (وَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ)، ولو اعْتَقَدَ أنَّه لَيسَ له عِنْدَه شيء (٤)، ولو قَبْلَ وجوبه (٥)، خِلافًا للحُلْوانِيِّ وغَيرِه، (أَوْ وَهَبَهُ لَهُ (٦)، أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ)، أوْ أَسْقَطه عنه، أوْ تَرَكَه، أوْ مَلَّكه، أوْ تصدَّقَ به عَلَيهِ، أوْ عَفَا عنه؛ (بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ) في المنصوص (٧)؛ لأِنَّه إسْقاطُ حقٍّ، فلم يَفتَقِرْ إلى القَبول؛ كالعِتق، والطَّلاق، والشُّفْعة، وبهذا فارَقَ هِبَةَ المعَيَّنِ؛ لأِنَّه تمليكٌ.

стр. 3641

وفي «المغْنِي»: في إبرائها له من المهْرِ (١)؛ هل هو إسْقاطٌ أوْ تمليكٌ؟ فيتوجَّه منه احْتِمالٌ: لا يَصِحُّ، وإنْ صحَّ اعْتُبِرَ قَبولُه. وفي «الموجز» و «الإيضاح»: لا تَصِحُّ هِبةٌ إلاَّ في مُعَيَّنٍ. وفي «المغْنِي»: وإنْ حَلَفَ لا يَهَبُه (٢)، فأبْرَأَه؛ لم يَحنَثْ؛ لأِنَّ الهِبةَ تمليكٌ. وعلى النَّصِّ يَصِحُّ، ولو كان المبْرَأُ منه مجهولاً، وفيه خِلافٌ، لكن لو جَهِلَه ربُّه، وكَتَمَه المدينُ خَوفًا من أنَّه لو عَلِمَه لم يُبرئْه؛ لم تَصِحَّ البَراءةُ. ومن صُوَر البراءة من المجهول: لو أبْرَأَه من أحدهما، أو أَبْرَأَ أحدَهما، ويُؤخَذُ بالبيان، والمذهَبُ: لا يَصِحُّ (٣) مع إبهام المحلِّ؛ كأبرأتُ أحدَ غَريمَيَّ. ولو أَبْرَأَهُ مِنْ مائةٍ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّه لا شَيءَ له عليه، وكانت عليه؛ ففي صحَّة البراءة وجْهانِ، أصْلُهما: ما لو باع مالاً كان لمورِّثه يَعتَقِدُ أنَّه باقٍ لمورِّثه (٤)، وكان قد مات وانْتَقَل إليه. (وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ)، جَزَمَ به الأكثرُ؛ لِمَا في الصَّحيح: أنَّ وَفْدَ هوازِنَ لَمَّا جاؤوا يَطْلُبون من رسول الله ﷺ أنْ يَرُدَّ عَلَيهم ما غنم (٥) منهم، فقال رسول الله ﷺ : «ما كان لي ولبَنِي عبدِ المطَّلب فهو لكم» (٦)، ولأِنَّه يَجُوزُ بَيعُه.

стр. 3642

وظاهِرُه: سَواءٌ أمْكَنَ قِسْمتُه أوْ لا، لكن يُعتَبَر لقَبْضِه إذْنُ الشَّريك، قالَهُ في «المجرد»، فيكون نصفُه مقبوضًا تملُّكًا، ونِصْفُ الشَّريك أمانةً، وقال في «الفنون»: بل عاريةً مضمونةً. وفي «الرِّعاية»: مَنْ اتَّهَبَ مُبْهَمًا أوْ مُشاعًا، من منقولٍ أوْ غَيرِه، فأَذِنَ له شَريكُه في القَبض؛ كان سهمُه أمانةً مع المتَّهِب، أوْ يُوَكِّلُ المتَّهِب شريكَه في قَبْض سَهْمِه منه، ويَكونُ بيده أمانةً، وإنْ تنازَعا قَبَضَ لهما وكيلُهما أو أمينُ الحاكِمِ. والأشْهَرُ: إنْ أَذِنَ له في التَّصرُّف مجَّانًا فَكَعارِيةٍ، وإنْ كان بأُجرةٍ فكَمَأْجُورٍ. (وَ) تَصِحُّ (هِبَةُ كُلِّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ)؛ لأِنَّه تمليكٌ في الحياة فصحَّ كالبيع. وظاهِرُه: أنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه لا تَجوزُ هِبَتُه. وفي أمِّ الوَلَدِ أوْجُهٌ. وفي الكلب المعلَّمِ والصُّوف على الظَّهر وجْهانِ، وفي «المغني» و «الشرح» و «الوجيز»: تصحُّ هِبَتُه ونَجاسةٍ يُباحُ نَفْعُهما؛ كالوصيَّة. نَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ أهْدَى إلى رجلٍ كَلْبَ صَيْدٍ، تَرَى له أنْ يُثِيبَ عَلَيهِ؛ قال: هذا خِلافُ الثَّمَن، هذا عِوَضٌ من (١) شَيءٍ، فأمَّا الثَّمَنُ فلا (٢). (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ)؛ كالحَمْل في البطن، واللَّبَن في الضَّرْع، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ أبي داودَ وحرْبٍ (٣)؛ لأِنَّه تمليكٌ، فلم يَصِحَّ في المجهول،

стр. 3643

كالبَيع، وشَرْطُه: إلاَّ ما تعذَّر عِلْمُه كالصُّلْح، صرَّح (١) به الأئمَّةُ. وقيل: لا تَصِحُّ (٢) إنْ كان من الواهب دُونَ المتَّهِب؛ لاِنْتِفاء العِلَّة (٣). وعُلِمَ منه: أنَّه لا تصحُّ (٤) هِبَةُ المعدوم، كالَّتي تَحمِلُ أَمَتُه أوْ شَجَرَتُه من باب أَوْلَى. (وَمَا لَا (٥) يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمَهِ)؛ كالآبِقِ، والشَّارِد، والمغْصوب لِغَيرِ غاصِبِه؛ لأِنَّه عَقْدٌ يَفتَقِرُ إلى القَبض، أشْبَهَ البَيعَ. وظاهِرُه: أنَّه إذا وَهَبَه لغاصبه، أو لِمَنْ يَتَمَكَّنُ من أخْذه؛ صحَّ؛ لإمْكان قَبْضه، وليس لغَير الغاصب القَبْضُ إلاَّ بإذْن الواهِبِ. فإنْ وكَّل المالِكُ الغاصبَ في تَقْبِيضِه؛ صحَّ، وإنْ وكَّل المتَّهِبُ الغاصِبَ في القَبْض له، فقَبِلَ، ومَضَى زَمَنٌ يُمكِنُ قَبْضُه فيه؛ صار مقبوضًا، ومَلَكه (٦) المتَّهِبُ، وبَرِئَ الغاصب من ضَمانه، ذَكَرَه في «الشَّرح». وقِيلَ: تَصِحُّ هِبةُ غَيرِ مَقْدُورٍ عليه، وقاله أبو ثَورٍ؛ لأِنَّه تمليكٌ بلا عِوَضٍ؛ كالوصيَّة، قال في «الفروع»: ويَتَوجَّه منه: هِبَةُ مَعْدومٍ وغَيرِه. (وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ)، جَزَمَ به أكثرُ الأصحاب؛ لأنَّها (٧) تمليكٌ لِمُعَيَّنٍ في الحياة، فلم يَجُزْ تعليقُها على شَرْطٍ؛ كالبيع، وما رُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنْ رَجَعَتْ هَدِيَّتُنَا إلى النَّجاشِيِّ فهي لكِ» (٨)، وعْدٌ لا هِبَةٌ.

стр. 3644

واسْتَثْنَى في «الفروع»، وسَبَقَه إليه ابنُ شِهابٍ والقاضي: غَيرَ الموت؛ أيْ: مَوتِ المبْرِئ. تنبيهٌ: لا يَصِحُّ تعليقُ الإبراء بشرطٍ، نَصَّ عليه فيمَنْ قال: إنْ مِتَّ فأنت في حِلٍّ (١)؛ لأِنَّه إنْ كان تمليكًا؛ فكتعليق الهِبَة، وإلاَّ فقد يقال: هو تمليكٌ من وَجْهٍ، والتَّعليقُ مشروعٌ في الإسقاط المحْضِ فَقَطْ، فإنْ ضَمَّ التَّاءَ؛ فوصيَّةٌ. وعن أحمد: أنَّه جَعَلَ رجلاً في حِلٍّ مِنْ غِيبتِه (٢) بشَرْطِ أنْ لا يَعودَ، قال: ما أحْسَنَ الشَّرطَ، فيتوجَّه فيهما روايتانِ. وذَكَرَ الحُلْوانِيُّ: صحَّةَ الإبْراء بشَرطٍ، واحْتَجَّ بنَصِّه المذكورِ. (وَلَا شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ: أَنْ لَا يَبِيعَهَا، وَلَا يَهَبَهَا)، أوْ بشَرطِ (٣) أنْ يَبِيعَها، أو يَهَبَها، أوْ يَهَبَ فُلانًا شيئًا؛ لم يَصِحَّ الشَّرْطُ روايةً واحدةً، وكذا الهِبةُ، وفيها وجهٌ بناءً على الشُّروط الفاسدة في البَيع. وإنْ وَهَبَ أَمَةً، واستَثْنَى حمْلَها؛ صحَّ في قياس قَولِه في العتق، وفيه تخريجٌ. (وَلَا تَوْقِيتُهَا)، خِلافًا للحارِثِيِّ؛ (كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً)؛ لأِنَّه تعليقٌ لاِنْتِهاء الهِبَة، وقيل: يَلْغُو تَوقِيتُه، وتَصِحُّ الهِبَةُ مُطْلَقًا. (إِلاَّ فِي الْعُمْرىَ) والرُّقْبَى، فإنَّهما نَوعانِ من الهِبة، ويَصِحُّ تَوقِيتُهما، سُمِّيَتْ عُمْرَى؛ لِتَقْيِيدها بالعُمْرِ، وسُمِّيَتْ رُقْبَى؛ لأِنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَرْقُبُ مَوتَ صاحِبِه.

стр. 3645

(وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ)، أَوْ أعْطَيتُك، (أَوْ أَرْقَبْتُكَهَا (١)، قال ابنُ القَطَّاع (٢): أرْقَبْتُك: أعْطَيْتُك (٣)، وهي هِبَةٌ تَرجِعُ إلى المرْقِبِ إنْ ماتَ المرْقَبُ، وقد نُهي عنه (٤)، والفاعِلُ منهما: مُعْمِرٌ، ومُرْقِبٌ -بكسر الميم الثانية (٥) والقاف-، والمفعولُ بِفَتْحِهما. وقال أبو السَّعادات: يقال: أعْمَرْتُه الدَّارَ؛ أي: جَعَلْتُها له يَسكُنُها مدَّةَ عمره (٦)، فإذا مات عادت إليَّ، كذا كانوا يَفعَلُونَه في الجاهليَّة، فأبْطَلَ ذلك الشَّرعُ، وأعْلَمَهم أنَّ مَنْ أعَمْرَ شَيئًا أوْ أرْقَبَهُ في حياته؛ فهو له ولورثته من بَعْدِه (٧). (أَوْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمُرَكَ)، أوْ عُمُرِي، (أَوْ حَيَاتَكَ)، أوْ ما بَقِيتَ؛ (فَإِنَّهُ)؛ أيْ: ذلك وهو العُمْرَى والرُّقْبَى (يَصِحُّ) في قَولِ أكثرِ العلماء. وحُكِيَ عن بعضِهم ضِدُّه؛ لقوله ﵇: «لا تُعْمِرُوا ولا تُرْقِبُوا» (٨)، هذا نَهيٌ، وهو يقتضي (٩) الفسادَ.
следующие страницы →