← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وفي «المغْنِي»: في إبرائها له من المهْرِ (١)؛ هل هو إسْقاطٌ أوْ تمليكٌ؟ فيتوجَّه منه احْتِمالٌ: لا يَصِحُّ، وإنْ صحَّ اعْتُبِرَ قَبولُه. وفي «الموجز» و «الإيضاح»: لا تَصِحُّ هِبةٌ إلاَّ في مُعَيَّنٍ. وفي «المغْنِي»: وإنْ حَلَفَ لا يَهَبُه (٢)، فأبْرَأَه؛ لم يَحنَثْ؛ لأِنَّ الهِبةَ تمليكٌ. وعلى النَّصِّ يَصِحُّ، ولو كان المبْرَأُ منه مجهولاً، وفيه خِلافٌ، لكن لو جَهِلَه ربُّه، وكَتَمَه المدينُ خَوفًا من أنَّه لو عَلِمَه لم يُبرئْه؛ لم تَصِحَّ البَراءةُ. ومن صُوَر البراءة من المجهول: لو أبْرَأَه من أحدهما، أو أَبْرَأَ أحدَهما، ويُؤخَذُ بالبيان، والمذهَبُ: لا يَصِحُّ (٣) مع إبهام المحلِّ؛ كأبرأتُ أحدَ غَريمَيَّ. ولو أَبْرَأَهُ مِنْ مائةٍ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّه لا شَيءَ له عليه، وكانت عليه؛ ففي صحَّة البراءة وجْهانِ، أصْلُهما: ما لو باع مالاً كان لمورِّثه يَعتَقِدُ أنَّه باقٍ لمورِّثه (٤)، وكان قد مات وانْتَقَل إليه. (وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ)، جَزَمَ به الأكثرُ؛ لِمَا في الصَّحيح: أنَّ وَفْدَ هوازِنَ لَمَّا جاؤوا يَطْلُبون من رسول الله ﷺ أنْ يَرُدَّ عَلَيهم ما غنم (٥) منهم، فقال رسول الله ﷺ : «ما كان لي ولبَنِي عبدِ المطَّلب فهو لكم» (٦)، ولأِنَّه يَجُوزُ بَيعُه.

стр. 3642

وظاهِرُه: سَواءٌ أمْكَنَ قِسْمتُه أوْ لا، لكن يُعتَبَر لقَبْضِه إذْنُ الشَّريك، قالَهُ في «المجرد»، فيكون نصفُه مقبوضًا تملُّكًا، ونِصْفُ الشَّريك أمانةً، وقال في «الفنون»: بل عاريةً مضمونةً. وفي «الرِّعاية»: مَنْ اتَّهَبَ مُبْهَمًا أوْ مُشاعًا، من منقولٍ أوْ غَيرِه، فأَذِنَ له شَريكُه في القَبض؛ كان سهمُه أمانةً مع المتَّهِب، أوْ يُوَكِّلُ المتَّهِب شريكَه في قَبْض سَهْمِه منه، ويَكونُ بيده أمانةً، وإنْ تنازَعا قَبَضَ لهما وكيلُهما أو أمينُ الحاكِمِ. والأشْهَرُ: إنْ أَذِنَ له في التَّصرُّف مجَّانًا فَكَعارِيةٍ، وإنْ كان بأُجرةٍ فكَمَأْجُورٍ. (وَ) تَصِحُّ (هِبَةُ كُلِّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ)؛ لأِنَّه تمليكٌ في الحياة فصحَّ كالبيع. وظاهِرُه: أنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه لا تَجوزُ هِبَتُه. وفي أمِّ الوَلَدِ أوْجُهٌ. وفي الكلب المعلَّمِ والصُّوف على الظَّهر وجْهانِ، وفي «المغني» و «الشرح» و «الوجيز»: تصحُّ هِبَتُه ونَجاسةٍ يُباحُ نَفْعُهما؛ كالوصيَّة. نَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ أهْدَى إلى رجلٍ كَلْبَ صَيْدٍ، تَرَى له أنْ يُثِيبَ عَلَيهِ؛ قال: هذا خِلافُ الثَّمَن، هذا عِوَضٌ من (١) شَيءٍ، فأمَّا الثَّمَنُ فلا (٢). (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ)؛ كالحَمْل في البطن، واللَّبَن في الضَّرْع، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ أبي داودَ وحرْبٍ (٣)؛ لأِنَّه تمليكٌ، فلم يَصِحَّ في المجهول،

стр. 3643

كالبَيع، وشَرْطُه: إلاَّ ما تعذَّر عِلْمُه كالصُّلْح، صرَّح (١) به الأئمَّةُ. وقيل: لا تَصِحُّ (٢) إنْ كان من الواهب دُونَ المتَّهِب؛ لاِنْتِفاء العِلَّة (٣). وعُلِمَ منه: أنَّه لا تصحُّ (٤) هِبَةُ المعدوم، كالَّتي تَحمِلُ أَمَتُه أوْ شَجَرَتُه من باب أَوْلَى. (وَمَا لَا (٥) يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمَهِ)؛ كالآبِقِ، والشَّارِد، والمغْصوب لِغَيرِ غاصِبِه؛ لأِنَّه عَقْدٌ يَفتَقِرُ إلى القَبض، أشْبَهَ البَيعَ. وظاهِرُه: أنَّه إذا وَهَبَه لغاصبه، أو لِمَنْ يَتَمَكَّنُ من أخْذه؛ صحَّ؛ لإمْكان قَبْضه، وليس لغَير الغاصب القَبْضُ إلاَّ بإذْن الواهِبِ. فإنْ وكَّل المالِكُ الغاصبَ في تَقْبِيضِه؛ صحَّ، وإنْ وكَّل المتَّهِبُ الغاصِبَ في القَبْض له، فقَبِلَ، ومَضَى زَمَنٌ يُمكِنُ قَبْضُه فيه؛ صار مقبوضًا، ومَلَكه (٦) المتَّهِبُ، وبَرِئَ الغاصب من ضَمانه، ذَكَرَه في «الشَّرح». وقِيلَ: تَصِحُّ هِبةُ غَيرِ مَقْدُورٍ عليه، وقاله أبو ثَورٍ؛ لأِنَّه تمليكٌ بلا عِوَضٍ؛ كالوصيَّة، قال في «الفروع»: ويَتَوجَّه منه: هِبَةُ مَعْدومٍ وغَيرِه. (وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ)، جَزَمَ به أكثرُ الأصحاب؛ لأنَّها (٧) تمليكٌ لِمُعَيَّنٍ في الحياة، فلم يَجُزْ تعليقُها على شَرْطٍ؛ كالبيع، وما رُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنْ رَجَعَتْ هَدِيَّتُنَا إلى النَّجاشِيِّ فهي لكِ» (٨)، وعْدٌ لا هِبَةٌ.

стр. 3644

واسْتَثْنَى في «الفروع»، وسَبَقَه إليه ابنُ شِهابٍ والقاضي: غَيرَ الموت؛ أيْ: مَوتِ المبْرِئ. تنبيهٌ: لا يَصِحُّ تعليقُ الإبراء بشرطٍ، نَصَّ عليه فيمَنْ قال: إنْ مِتَّ فأنت في حِلٍّ (١)؛ لأِنَّه إنْ كان تمليكًا؛ فكتعليق الهِبَة، وإلاَّ فقد يقال: هو تمليكٌ من وَجْهٍ، والتَّعليقُ مشروعٌ في الإسقاط المحْضِ فَقَطْ، فإنْ ضَمَّ التَّاءَ؛ فوصيَّةٌ. وعن أحمد: أنَّه جَعَلَ رجلاً في حِلٍّ مِنْ غِيبتِه (٢) بشَرْطِ أنْ لا يَعودَ، قال: ما أحْسَنَ الشَّرطَ، فيتوجَّه فيهما روايتانِ. وذَكَرَ الحُلْوانِيُّ: صحَّةَ الإبْراء بشَرطٍ، واحْتَجَّ بنَصِّه المذكورِ. (وَلَا شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ: أَنْ لَا يَبِيعَهَا، وَلَا يَهَبَهَا)، أوْ بشَرطِ (٣) أنْ يَبِيعَها، أو يَهَبَها، أوْ يَهَبَ فُلانًا شيئًا؛ لم يَصِحَّ الشَّرْطُ روايةً واحدةً، وكذا الهِبةُ، وفيها وجهٌ بناءً على الشُّروط الفاسدة في البَيع. وإنْ وَهَبَ أَمَةً، واستَثْنَى حمْلَها؛ صحَّ في قياس قَولِه في العتق، وفيه تخريجٌ. (وَلَا تَوْقِيتُهَا)، خِلافًا للحارِثِيِّ؛ (كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً)؛ لأِنَّه تعليقٌ لاِنْتِهاء الهِبَة، وقيل: يَلْغُو تَوقِيتُه، وتَصِحُّ الهِبَةُ مُطْلَقًا. (إِلاَّ فِي الْعُمْرىَ) والرُّقْبَى، فإنَّهما نَوعانِ من الهِبة، ويَصِحُّ تَوقِيتُهما، سُمِّيَتْ عُمْرَى؛ لِتَقْيِيدها بالعُمْرِ، وسُمِّيَتْ رُقْبَى؛ لأِنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَرْقُبُ مَوتَ صاحِبِه.

стр. 3645

(وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ)، أَوْ أعْطَيتُك، (أَوْ أَرْقَبْتُكَهَا (١)، قال ابنُ القَطَّاع (٢): أرْقَبْتُك: أعْطَيْتُك (٣)، وهي هِبَةٌ تَرجِعُ إلى المرْقِبِ إنْ ماتَ المرْقَبُ، وقد نُهي عنه (٤)، والفاعِلُ منهما: مُعْمِرٌ، ومُرْقِبٌ -بكسر الميم الثانية (٥) والقاف-، والمفعولُ بِفَتْحِهما. وقال أبو السَّعادات: يقال: أعْمَرْتُه الدَّارَ؛ أي: جَعَلْتُها له يَسكُنُها مدَّةَ عمره (٦)، فإذا مات عادت إليَّ، كذا كانوا يَفعَلُونَه في الجاهليَّة، فأبْطَلَ ذلك الشَّرعُ، وأعْلَمَهم أنَّ مَنْ أعَمْرَ شَيئًا أوْ أرْقَبَهُ في حياته؛ فهو له ولورثته من بَعْدِه (٧). (أَوْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمُرَكَ)، أوْ عُمُرِي، (أَوْ حَيَاتَكَ)، أوْ ما بَقِيتَ؛ (فَإِنَّهُ)؛ أيْ: ذلك وهو العُمْرَى والرُّقْبَى (يَصِحُّ) في قَولِ أكثرِ العلماء. وحُكِيَ عن بعضِهم ضِدُّه؛ لقوله ﵇: «لا تُعْمِرُوا ولا تُرْقِبُوا» (٨)، هذا نَهيٌ، وهو يقتضي (٩) الفسادَ.

стр. 3646

وجوابُه: ما رَوَى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «العُمْرى جائزةٌ لأِهْلِها، والرُّقْبَى جائزةٌ لأِهْلِها» رواهُ أبو داودَ والتِّرْمذِيُّ وحسَّنَه (١)، والنَّهْيُ وَرَدَ على وَجْهِ الإعْلام لهم أنَّكم إنْ أعْمَرْتُم أوْ أرْقَبْتُم نَفَذَ للمعمَر (٢) والمرقَب ولم يَعُدْ إليكم منه شَيءٌ، بدليلِ حديثِ جابِرٍ مرفوعًا: «مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى فهي لِمَنْ أُعْمِرَها حيًّا وميتًا (٣)، ولِعَقِبِه» رواه مسلِمٌ (٤). ولو أُرِيدَ به حقيقةً؛ لم تُمنَعْ صحَّتُه؛ كطلاق الحائض، وصِحَّةُ العُمْرَى ضَرَرٌ على المعمِر، فإنَّ ملْكَه يَزولُ بغَيرِ عِوَضٍ، قاله في «المغْنِي» و «الشَّرح». (وَتَكُونُ (٥) لِلْمُعْمَرِ (٦) - بفَتْح الميم - ملْكًا في قَول جماعةٍ من الصَّحابة ومَنْ بَعْدَهم (٧)؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ قال: «قضى النَّبيُّ ﷺ بالعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ له»

стр. 3647

متَّفقٌ عليه (١)، ورواه مالِكٌ في «الموطَّأ» (٢)، (وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)؛ لِمَا رَوَى زَيدُ ابنُ ثابِتٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ العُمْرَى للوارث» (٣)؛ لأِنَّ الأمْلاكَ المستقِرَّةَ كلَّها مقدَّرةٌ بحياة المالك، وتَنتقِلُ إلى الوَرَثةِ، فلم يَكنْ تقديرُه بحياته مُنافِيًا لحكم الأملاك، فإنْ عُدِمُوا؛ فَلِبَيت المال دُونَ ربِّها، نَصَّ عليه (٤). ومُقْتَضاه: أنَّه إذا أضافها إلى عُمْرِ غَيرِه أنَّها لا تَصِحُّ. وعنه: تَرجِعُ (٥) بَعْدَ مَوتِ المعمَر إلى المعمِر، وقاله الليث؛ لِقَول جابِرٍ: «إنَّما العُمْرَى الَّتي أجازها النَّبيُّ ﷺ أنْ يقولَ: هي لك ولِعَقِبِكَ، أمَّا إذا قال: هي لك ما عِشْتَ، فإنَّها تَرجِعُ إلى صاحبها» (٦)، وليس بظاهِرٍ، مع أنَّه حَمَلَ قَولَه على تمليك المنافِعِ. وجوابُه: بأنَّه قَضَى بها طارِقٌ بالمدينة بأمْرِ عبد الملك بن مَرْوانَ (٧)،

стр. 3648

وقَولُ بعضِهم: إنَّها تمليكُ المنافِعِ، لا يَضُرُّ إذا نَقَلَها الشَّارعُ إلى تمليك الرَّقبة؛ كالمنقولات الشَّرعيَّة. أمَّا لو قال: أعْمَرْتُكَ هذه الدَّارَ ولِعَقِبِكَ؛ فلا خِلافَ عندنا (١) في الصِّحَّة، كما اقْتَضاه كلامُه في «الكافي»، وذِكْرُ العَقِبِ تأْكِيدٌ. تنبيهٌ: لَيسَ ذلك خاصًّا بالعَقار، بل يجري فِيهِ، وفي الحيوان والثياب (٢)، نَقَلَ يعقوبُ وابنُ هانِئٍ: مَنْ يُعْمِرُ الجاريةَ أيطأ؟ قال: لا أراه (٣)، وحَمَلَه القاضي على الوَرَع؛ لأِنَّ بعضَهم جَعَلَها تمليكَ المنافِعِ. ورَوَى سعيدٌ بإسْناده عن الحَسَنِ: أنَّ رجلاً أعْمَرَ فَرَسًا حياتَه، فخاصَمَه بَعْدَ ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال ﵇: «مَنْ مَلَكَ شَيئًا حَيَاتَهُ؛ فهو لِوَرَثَته بَعدَه» (٤)، والإنسانُ إنَّما يَمْلِكُ الشَّيءَ عُمْرَه، فقد (٥) وقَّته بما هو مؤقَّتٌ به في الحقيقة، فصار كالمطْلَق. (وَإِنْ شَرَطَ رَجُوعَهَا (٦) إِلَى الْمُعْمِرِ (٧) عِنْدَ مَوْتِهِ) إنْ ماتَ قَبْلَه، أوْ إلى غَيرِه، وتُسَمَّى الرُّقْبَى، أوْ رجوعَها مطلَقًا إليه، أوْ إلى وَرَثَتِه، (أَوْ قَالَ: هِيَ لآِخِرِنَا مَوْتًا؛ صَحَّ الشَّرْطُ)؛ كالعَقْد على الأصحِّ؛ لقَوله ﵇: «المسْلِمونَ

стр. 3649

على شُروطِهم» (١)، قال القاسِمُ: (ما أدْرَكْتُ النَّاسَ إلاَّ على شُروطِهم) (٢)، وحِينَئِذٍ يُعمَلُ بالشَّرط. (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ) الشَّرْطُ، نَصَّ عليه في روايةِ أبي طالِبٍ (٣)، وفي «المغْنِي»: هو ظاهر المذهب، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لِمَا رَوَى أحمدُ بإسناده مرفوعًا، قال: «لا عُمْرَى ولا رُقْبَى، فمَنْ أعْمَر شَيئًا أوْ أرْقَبَه؛ فهو له حياتَه ومَوتَه» (٤)، وهذا صريحٌ في إبْطالِ الشرط؛ لأِنَّ الرُّقْبَى يُشْتَرَط فيها عَودُها إلى المرقِب إن (٥) مات الآخَرُ قَبلَه. (وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ (٦) وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)؛ لقَوله ﵇: «مَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ؛ فَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ» (٧). وعَنْهُ: بطلانُهما؛ كالبيع.

стр. 3650

فَرْعٌ: إذا قال: سُكْناهُ لك عُمُرَك، أوْ غَلَّتُه، أوْ خِدْمتُه لك، أو مَنَحْتُكَه؛ فهو عاريةٌ، نَقَلَه الجماعةُ (١)؛ لأِنَّه في التَّحقيق هِبَةُ المنافِع، والمنافِعُ إنَّما تُسْتَوْفَى بمُضِيِّ الزَّمان شَيئًا فَشَيئًا، وتَبطُلُ بمَوتِ أحدِهما. تنبيه: إذا وَهَبَ أوْ باع فاسِدًا، ثُمَّ تصرَّف في العَين بعَقْدٍ صحيحٍ مع عِلْمِه بفَسادِ الأوَّل؛ صحَّ الثَّاني؛ لأِنَّه تَصَرَّفَ في ملْكِه عالِمًا بأنَّه ملْكُه. وإنِ اعْتَقَدَ صحَّةَ الأوَّل؛ ففي الثَّاني وجْهانِ، كما لو تصرَّف في عَينٍ يَعتقِدُ أنَّها لأِبِيهِ، فَبَانَ أنَّه قد مات ومَلَكَها. قال القاضِي: أصْلُهما: مَنْ باشَرَ بالطَّلاق امرأةً يَعتَقِدُها أجْنَبِيَّةً، فبانَت امْرأتَه، أو باشَرَ بالعتق مَنْ يَعتَقِدُها حُرَّةً فبانت أَمَتَه (٢)، ففي وُقوعِهما رِوايَتانِ.

стр. 3651

(فَصْلٌ) (وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ: الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ)؛ أيْ: يَجِبُ التَّعديلُ في عَطِيَّة أوْلادِه؛ للذَّكَر مِثْلُ حظِّ الأنْثَيَيْنِ؛ اقْتِداءً (١) بقسمة الله تعالى، وقِياسًا لحال الحياة على حال الموت، قال عَطاءٌ: (ما كانوا يَقْتَسِمونَ إلاَّ على كتاب الله تعالى) (٢)، وقالَهُ عطاء، وشُرَيحٌ، وإسْحاقُ. وقِيلَ: لصُلْبه، وذَكَرَه الحارِثِيُّ، لا وَلَدِ بَنِيهِ (٣) وبَناتِه؛ للحقيقة. وعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ ذَكَرٌ كأنْثَى، وقاله أكثرُ العلماء؛ لقوله ﵇ لِبَشِيرٍ بن سعدٍ: «سَوِّ بينَهم» (٤)، وكالنَّفقة. وجَوابُه: أنَّ الذَّكَرَ أحوج (٥) منها من جِهَةِ أنَّ الصَّداقَ والنَّفَقةَ عَليهِ، بخِلافها، وحديثُ بَشِيرٍ قضيَّةٌ في عَينٍ، وحِكايةُ حالٍ لا عُمومَ لها، إنَّما يَثْبُتُ حكمُها في مِثْلِها، ولا يُعلَمُ حالُ أوْلادِ بَشِيرٍ هل كان فِيهم أُنْثى أو لا، ثُمَّ تُحمَلُ التَّسْوِيةُ على القسمة على كتاب الله تعالى، ويَحتَمِلُ: أنَّه أراد التَّسويةَ في أصْلِ العَطاءِ. وعَنْهُ: لا يَجِبُ التَّعْديلُ في النَّفَقة؛ كشَيْءٍ تافه، نَصَّ عَلَيهِ (٦)، وقال أبو يعلى الصَّغيرُ: كشَيءٍ يَسِيرٍ. وعَنْهُ: بلى، مع تَساوِي فَقْرٍ أوْ غِنًى، نَقَلَ أبو طالِبٍ: لا يَنْبَغِي أنْ يُفضِّلَ

стр. 3652

أحَدًا مِنْ وَلَدِه في طعامٍ وغَيرِه (١)، قال إبراهيمُ: (كانوا يَسْتَحِبُّون التَّسْوِيةَ بَينَهم حتَّى في القُبَلِ) (٢)، فدخَلَ فِيهِ: نَظَر وَقْفٍ. وظاهِرُه: أنَّه لا يَجِبُ التَّعديلُ بَينَ غَيرِهم، بل ذلك مخصوصٌ بالأوْلاد فقطْ، جَزَمَ به المؤلِّفُ في كُتُبِه، وزَعَمَ الحارِثِيُّ أنَّه المذْهَبُ، وأنَّ عَلَيه المتقدِّمين من أصحابنا، قال في «الفروع»: (وهو سَهْوٌ)؛ إذ الأصلُ تصرُّفُ الإنسان في ماله كَيفَ شاء، خَرَجَ منه الأوْلادُ؛ للخبر، مع أنَّه ﵇ لم يَسألْ بَشِيرًا هل لك وارثٌ غَيرُ وَلَدِك أمْ لَا؟ واخْتار الأكثرُ: أنَّ بقيَّةَ الأقارب كالأولاد، نَصَّ عليه (٣)، وهو المذهبُ؛ لأِنَّ المنْعَ من ذلك كان خَوفَ قطيعةِ الرَّحِم والتَّباغُض، وهو موجودٌ في الأقارِبِ. والأمُّ كالأب فِيمَا ذَكَرْنا؛ لأِنَّها أَحَدُ الأبَوَينِ، أشْبَهت الأبَ، ولوجود المعنى المقْتَضِي للمَنْع. (فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ، أَوْ فَضَّلَهُ؛ فَعَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بِالرُّجُوعِ أَوْ إِعْطَاءِ الآْخَرِ (٤) حَتَّى يَسْتَوُوا)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، وجَزَمَ به الأصْحابُ؛ لِمَا رَوَى النُّعمانُ بنُ بَشِيرٍ، قال: تَصَدَّقَ علَيَّ أبِي ببَعْضِ مالِه، فقالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بنتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حتَّى تُشْهِدَ عَلَيهَا رسولَ الله ﷺ ، فجاء أَبِي إلى رسول الله ﷺ لِيُشْهِدَه، فقال: «أَكُلَّ وَلَدِكَ أعْطَيتَ مِثْلَه؟» قال: لا، قال: «اتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا بَينَ أوْلادِكم»، قال: فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدقةَ، وفي لَفْظٍ: «فارْدُدْهُ»، وفي

стр. 3653

لفظٍ: «فارْجِعْهُ»، وفي لَفْظٍ: «لا تُشْهِدْنِي على جَورٍ»، وفي لفظٍ: «فأشْهِدْ على هذا غَيرِي»، وفي لَفْظٍ: «سَوِّ بَينَهم» مُتَّفَقٌ عَلَيه (١). وذلك يَدُلُّ على التَّحريم؛ لأِنَّه سمَّاه جَورًا وأَمَرَ بِردِّه، وامْتَنَعَ من الشَّهادة عَلَيهِ، ولا شَكَّ أنَّ الجَورَ حرامٌ، والأمرُ يَقتَضِي الوُجوبَ، وهو يُورِثُ العَداوةَ والبَغْضاءَ وقَطِيعةَ الرَّحِم، فمُنِعَ منه؛ كتَزْويج المرأة على عَمَّتها. وقِيلَ: يَجوزُ تَفضِيلُ أحدِهم، واخْتِصاصُه (٢) لِمَعْنًى فيه، ويُكرَهُ إنْ كان على سبيل الأثَرَة، اخْتارَه المؤلِّفُ، ونَصَرَه في «الشَّرح». وقال اللَّيثُ والثَّلاثةُ (٣): يَجوزُ ذلك مطلَقًا؛ لأِنَّ «أبا بَكْرٍ نَحَلَ عائشةَ جَداد عشرين وسقًا دُونَ سائِرِ وَلَدِه» (٤)، واحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بقَوله: «أشْهِدْ على هذا غَيرِي»، فأَمَرَه بتأْكيدها دُونَ الرُّجوعِ فِيهَا؛ لأِنَّه عَطِيَّةٌ تَلزَمُ بمَوت المعْطِي؛ كالتَّسْوِية. وجوابُه: بأنَّ فِعْلَ أبي بكرٍ لا يُعارِضُ ما تقدَّم، وبأنَّه نحلها (٥) لِمَعْنًى فيها لا يُوجَدُ في غَيرها من أولاده، أوْ كان قاصدًا بأنْ يَنحَلَ غَيرَها فأدْرَكَتْه الوفاةُ، وبأنَّ قَولَه: «أشهد» إلى آخِرِه، لَيسَ بأمْرٍ؛ لأِنَّ أدْنَى أحْوالِه الاِسْتِحْبابُ، ولا خِلافَ في كراهته مع أنَّه لو كان أمْرًا لَبادَرَ إلى امْتِثالِه، وإنَّما هو تهديدٌ.

стр. 3654

وظاهِرُه: أنَّه إذا خَصَّ بعضَهم بإذْنِ الباقي، أو (١) كان لِمَعْنًى؛ كزَمانَةٍ، أوْ عَمًى، أوْ طَلَبِ عِلْمٍ؛ جازَ. وأنَّه لا فَرْقَ في ذلك بَينَ الصِّحَّة والمرض. وعَنْهُ: لا يَنفُذُ في مَرَضِه، ونَقَلَ الميْمونِيُّ مَعْناهُ (٢)، قال أبو الفرج: يُؤمَرُ بِرَدِّه. (فَإِنْ مَاتَ (٣) الواهِبُ (قَبْلَ ذَلِكَ؛ ثَبَتَ لِلْمُعْطَى)، ولَزِمَ، ولَيسَ لبقيَّة الورثة الرُّجوعُ، نَصَّ عليه (٤)، واختاره الخَلاَّلُ وصاحِبُه والخِرَقِيُّ، وأكثرُ العلماء؛ لقول أبِي بكرٍ لعائشةَ ﵄: «وَدِدْتُ أنَّكِ حزتيه» (٥)، فدلَّ أنَّها لو كانَتْ حازَتْه (٦) لم يكن لهم الرُّجوعُ، ولقول عمرَ (٧)، ولأنَّها عطيَّةٌ لِوَلَده، فَلَزمَت بالموت؛ كما لو انفرد. فإنْ كان في المرض؛ فقد خالَفَ، ويَقِفُ على إجازة بقيَّة الورثة، لكن إنْ كانت العطيَّةُ في المرض لِيُسَوِّيَ بَينَهم؛ فقد توقَّف أحمدُ (٨)، والأشْهَرُ الجَوازُ؛ لأِنَّه طريقٌ لِفِعْلِ الواجِبِ. (وَعَنْهُ: لَا يَثْبُتُ، وَلِلْبَاقِينَ الرُّجُوعُ، اخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ)، وأبو حَفْصٍ، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٩)، قال أحمدُ (١٠): (عروة قد رَوَى حديثَ

стр. 3655

عمرَ وعثمانَ وعائشةَ (١) وتَرَكَها، وذهب إلى حديث النَّبيِّ ﷺ ، يُردُّ (٢) في حياة الرَّجل وبَعْدَ مَوته (٣)، ولأِنَّه ﵇ سمَّى ذلك جَورًا، وفي روايةٍ لمسلِمٍ: «إنَّي لا أشْهَدُ إلاَّ على حقٍّ» (٤)، وغيرُ الحقِّ والجَورُ لا يَحِلُّ فِعْلُه، ولا يَختَلِفُ بالحياة والموت، ولا يَطِيبُ أكْلُه، ويتعيَّن ردُّه. وعنه: أنَّها باطِلةٌ، واختارها الحارِثِيُّ. وقال أبو يَعْلَى الصَّغيرُ: قَولُهم لو حَرُم لَفَسَدَ، والتَّحريمُ يَقْتَضِي الفَسادَ في روايةٍ لا في أخرى، بدليلِ قَوله في الصَّلاة في دارِ غَصْبٍ، فدلَّ على الخِلاف. أصلٌ: لا يُكرَه للحيِّ قَسْمُ ماله بَينَ أولاده، نَقَلَه الأكثرُ، وعنه: بلى، ونقل ابنُ الحَكَم: لا يُعجِبُنِي. فإنْ حَدَثَ له وارِثٌ؛ سوَّى نَدْبًا، قدَّمه جماعةٌ، وقيل: وُجوبًا، قال أحمدُ: أعْجَبُ إليَّ أن (٥) يُسَوِّيَ (٦)، اقْتَصَرَ عليه في «المغني». (وَإِنْ سَوَّى بَينَهُمْ فِي الْوَقْفِ)، ذَكَرٌ كأنْثَى؛ جاز، قاله القاضي، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ القَصْدَ القُربةُ على وَجْهِ الدَّوام، وقد اسْتَوَوْا في القرابة، نقل ابنُ الحَكَم: لا بأْسَ، قِيلَ: فإنْ فَضَّلَ؟ قال: (لا يُعجِبُنِي على وَجْه

стр. 3656

الأَثَرة إلاَّ لِعِيالٍ بقَدْرهم أوْ حاجةٍ) (١)؛ لأِنَّ الزُّبَيرَ خَصَّ المردودةَ من بناته دون المستَغْنِيةِ منهنَّ بِصَدَقَتِه (٢). واختار المؤلِّفُ: أنَّه يُسْتَحَبُّ أنْ يَقسِمَ بَينَهم كقِسمة الميراث؛ لأِنَّه إيصال (٣) المال إليهم، فيكونُ على حَسَبِ الميراث، وذَكَرَ أنَّ قَولَ القاضي لا أصْلَ له، وهو مُلْغًى بالعَطِيَّة والهِبَة؛ لأِنَّ الوَقْفَ لا يَنقُلُ الرَّقَبةَ، أو يَنقُلُها على وَجْهٍ من القُصور، بخِلاف الهِبَة. (أَوْ وَقَفَ ثُلُثَهُ فِي مَرَضِهِ)، أوْ وصَّى بِوَقْفِه، (عَلَى بَعْضِهِمْ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ (٤)، اختاره القاضِي والأكثرُ، واحتجَّ الإمامُ: بأنَّ «عمرَ جَعَلَ أمْرَ وَقْفِه إلى حَفْصةَ تأكل (٥) منه وتَشْتَرِي رقيقًا» (٦)، ولأِنَّ الوَقْفَ لَيسَ في مَعْنَى المال، فهو كعِتْقِ الوارث، وكالوقْفِ على الأجانب. وعلَّل في روايةِ الميمونيِّ: بأنَّ الوَقْفَ غَيرُ الوصيَّة (٧)؛ لأِنَّه لا يُباعُ، ولا يُورَثُ، ولا يَصيرُ ملْكًا للوَرَثَة يَنتَفِعُون بِغَلَّتِها. (وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ)، ظاهِرُه: أنَّه لا نَقْلَ فيها عن الإمام، لكن نَصَّ في روايةِ إسْحاقَ بنِ إبراهيمَ فِيمَنْ وصَّى لأِوْلادِ بِنْتِه بأرضٍ تُوقَفُ، فقال: إنْ لم يَرِثُوهُ فجائزٌ (٨). فظاهِرُه: أنَّه لا يَجوزُ الوقْفُ على وارِثٍ في المرض، اختارها أبو حَفْصٍ وابن عَقِيلٍ، وذَكَرَها أبو الخَطَّاب، ورجَّحها في

стр. 3657

«المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه تخصيصٌ لبعض وَرَثَتِه بماله في مَرَضِه، فَمُنِعَ منه كالوصيَّة، وإلْحاقًا له بالهِبة. وحديثُ عمرَ ليس فيه تخصيصٌ لبعض الورثة بالوَقْفِ؛ لأِنَّه جَعَلَ الولايةَ إليها، وليس ذلك وَقْفًا عليها، وكونُه انْتِفاعًا بالغَلَّة لا يَقتَضِي جوازَ التَّخصيص، كما لو أوصى لوارثٍ بمنفعةِ عبدٍ، وحُمل كلامُه على أنَّه (١) وقْفٌ على الوَرَثَة، فعَنْهُ: كهِبَةٍ، فتَصِحُّ بالإجازة، وعنه: لا إنْ قِيلَ هبةٌ، وعنه: تَلزَمُ (٢) في ثُلُثِه، وهي أشْهَرُ. تنبيهٌ: إذا وَقَفَ دارَه في مَرَض مَوتِه، وهِيَ تَخرُج مِنْ ثُلُثِه، على ابنه وبنته (٣) نَصفَينِ؛ جاز على المنصوص (٤)، ولَزِمَ؛ لأِنَّه لما كان له تخصيصُ البِنْتِ بها، فَبِنصْفِها أَوْلَى. وعلى المنصور في «المغْنِي» وغَيرِه: إنْ أجازَ الاِبْنُ جازَ، وإن ردَّه؛ بَطَلَ الوَقْفُ فيما زاد على نصيب الاِبْنِ، وهو السُّدُس، ويَرجِع إلى الابن ملكًا (٥)، فيكون له النِّصفُ وقْفًا، والسُّدُسُ ملْكًا، والثُّلُثُ للبنت جميعُه وقْفًا. وقِيلَ: يَبطُل الوقْفُ في نصف ما وَقَف على البنت وهو الرُّبع، ويبقى ثلاثةُ أرباعها وقْفًا، نصفُها للابن ورُبعها للبنت، والرُّبع الَّذي بَطَلَ الوقْفُ فيه بَينَهما أثلاثًا، وتصحُّ من اثْنَيْ عَشَر؛ للابن ستَّةُ أسْهُمٍ وَقْفٌ وسَهمان ملكٌ، وللبنت ثلاثةُ أسْهُمٍ وَقْفٌ وسَهْمٌ ملْكٌ. ولو كان لا يَملِكُ غَيرَها، وقُلْنا: يَلزَمُ في الثُّلث فَرَدَّا؛ فثُلُثها (٦) وَقْفٌ

стр. 3658

بَينَهما بالسَّوِيَّة، وثُلُثاها مِيراثًا، وإنْ رَدَّ ابنُه؛ فله ثُلُثا الثُّلُثَينِ إرْثًا ولِبِنْتِه ثُلُثُها وَقْفًا، وإنْ رَدَّتْ؛ فلها ثُلُثُ الثُّلُثَينِ إرْثًا، ولاِبْنه نِصفُها وقْفًا وسُدُسُها إرْثًا؛ كردِّ الموقوف عليه. فَرْعٌ: لا يَصِحُّ وقْفُ زائدٍ على الثُّلُث على أجنبيٍّ، جزم به المؤلِّفُ وجماعةٌ، وأطْلَقَ بعضُهم وَجْهَينِ، وكذا على وارثٍ ولو حيلةً؛ كوَقْفِ مريضٍ ونحوِه على نفسِه ثُمَّ عليه. (وَلَا يَجُوزُ)؛ أيْ: لا يحلُّ (لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ) اللاَّزِمةِ، كذا في «الرِّعاية» و «الوجيز»؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «العائِدُ في هِبَتِه كالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيئِه» متَّفَقٌ عليه (١)، ولأِحمدَ والبخاريِّ: «لَيسَ لنا مَثَلُ السَّوء» (٢)، وفي روايةٍ لأِحمدَ: قال قَتادةُ: (ولا أعْلَمُ القَيْءَ إلاَّ حرامًا) (٣)، وكالقِيمة. وظاهره: وإنْ لم يُثَبْ عَلَيها، صرَّح به في «المحرَّر»، وكذا حُكمُ الهَدِيَّة. (إِلاَّ الْأَبَ)، فله الرُّجوعُ في أظهر الرِّوايات عنه، وصحَّحه ابنُ حمدانَ، وهو المذهبُ عند الشَّيخَينِ؛ لِمَا رَوَى عمرُ (٤) وابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا: «لا يَحلُّ للرَّجُل أنْ يُعطِيَ العطيَّةَ فيَرجِعَ فيها، إلاَّ الوالد فيمَا يُعْطِي وَلَدَه» رواه الخمسةُ، وصحَّحه التِّرمذِيُّ (٥)، وسَواءٌ قَصَدَ برجوعه التَّسويةَ بَينَ أوْلادِه أوْ لَا.

стр. 3659

وظاهِرُه: لا فَرْقَ فيه بين المسلِم والكافِرِ في ظاهر كلامهم. وفي «الاختيارات»: مَنْعُ الأب الكافِرِ أنْ يَرجِعَ فِيمَا أعْطَى وَلَدَه الكافِرَ ثُمَّ أسْلَمَ، فإنْ كان في حال إسْلامِ الولد؛ فَفِيهِ نَظَرٌ (١). ومُقْتَضاهُ: أنَّ الأمَّ لا رُجوعَ لها، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، قال في رواية الأثْرَمِ: لَيستْ هِي عِنْدِي كالرَّجل؛ لأِنَّ له أنْ يأخُذَ من مال ولده بخلاف الأمِّ (٢)؛ ولِولايَتِه وحيازته جميعَ المال. وقيل: بلى، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، وصحَّحه في (٣) «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لقوله ﵇: «سَوُّوا بَينَ أوْلادكم» (٤). ولا للمرأة فِيما تَهَبُ زَوْجَها، وهو إحدى الرِّوايات؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٣٧]. وعنه: لها الرُّجوعُ مطلَقًا، نَقَلَها الأثرمُ، وحكاه الزُّهريُّ عن القُضاة (٥)، وأطلقهما في «المحرَّر» و «الفروع»، وقيَّداه بمسألته، وسيأتي. (وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ)؛ كالجَدِّ؛ لعُموم ما سَبَقَ، وفِيهِ وَجْهٌ ذَكَرَه ابنُ رَزِينٍ.

стр. 3660

وجوابُه: بأنَّه ﵇ قال لِبَشِيرٍ: «فَاَرْجِعْهُ»، وفي رواية: «فارْدُدْهُ»، رواهُ مالِكٌ عن الزُّهْرِيِّ عن حُمَيدٍ عن النُّعمان (١)، وأقلُّ أحوالِ الأمر الجَوازُ. (وَعَنْهُ: لَهُ الرُّجُوعُ، إِلاَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ أَوْ رَغْبَةٌ) لغَير الوَلَد، مِثْلَ أنْ يَهَبَ ابنَه شَيئًا، فيَرغَب النَّاسُ في مُعامَلَته فيُدايِنُوه، أو في مُناكَحَته فيُزَوِّجُوه، أوْ يَهَبَ ابْنَتَه شَيئًا فتتزوج (٢)، وقد نبَّه عَلَيهِ بقَولِه: (مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْوَلَدُ أَوْ يُفْلِسَ)؛ لأِنَّه تَعلَّق بها حقُّ غَيرِ الاِبْنِ، ففي الرُّجوع إبطالُ حقِّه، يُؤيِّدُه قَولُه ﵇: «لَا ضَرَرَ ولا إضرارَ» (٣)، والرُّجوعُ ضَرَرٌ، وفيه (٤) تحيُّلٌ على إلْحاقِ الضَّرَر بالمسلمين. زاد في «الفروع» تَبَعًا ل «الرِّعاية» و «الوجيز»: أوْ ما يَمنَعُ تَصرُّفَ المتَّهِبِ مؤبَّدًا أو مؤقَّتًا، كالرَّهْن ونحوِه؛ فلا رُجوعَ. فَرْعٌ: إذا أسْقَطَ حقَّه من الرُّجوع؛ فاحْتِمالانِ في «الاِنتِصار»، وإنْ علَّق الرُّجوعَ بشَرْطٍ؛ لم يَصِحَّ. تنبيهٌ: يَحصُل الرُّجوعُ في الهِبَة بالألفاظ الدَّالَّة عليه، عَلِمَ الولَدُ أوْ لا، ولا يَفتَقِرُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ في الأصحِّ، فإنْ أخذ ما وَهَبَه لولَدِه، ونَوَى به الرُّجوعَ كان رجوعًا، ويُقبَلُ قَولُه في نيته، فإن مات الأبُ ولم يُعلَمْ هل نَوَى الرُّجوعَ، ولم تُوجَدْ قرينةٌ؛ لم نحكُمْ (٥) بأنَّه رجوعٌ، وإنْ حَفَّتْ به قرائنُ دالة على الرُّجوع؛ فَوَجْهانِ.

стр. 3661

وفي «المغْنِي»: يَنْبَنِي هذا على نَفْسِ العَقْد، فَمَنْ أوْجَبَ الإيجابَ والقَبولَ؛ فليس برجوعٍ، وإلاَّ فهو رجوع (١)، فإنْ نَوَى الرُّجوعَ من غَيرِ قَولٍ ولا فِعْلٍ؛ لم يَحصُلِ الرُّجوعُ وجْهًا واحدًا. (وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَيْنُ)، أوْ تَلِفَ بعضُها؛ لم يَمنَع (٢) الرُّجوعَ، ولا ضَمانَ على الولد فيما تَلِفَ منها؛ لأِنَّه تَلِفَ على ملْكِه، سَواءٌ تَلِفَ بفعْلِه أوْ لَا. وإنْ جَنَى العبدُ جِنايَةً تعلَّق أرْشُها بِرَقَبَته، فهو كنقصانه بذهابِ بعضِ أجزائه، فإنْ رجع الأبُ فيه؛ ضَمِنَ أرْشَ الجناية، وإنْ كانت على العبد، فرجع الأبُ؛ فأرْشُ الجِنايةِ عليه للابْنِ؛ كالزِّيادة المنفَصِلة. (أَوْ زَادَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً)؛ كالولد، والثَّمرة، وكَسْبِ العبْدِ؛ (لَمْ يَمْنَعِ (٣) الرُّجُوعَ) بغَيرِ خِلافٍ نعلمُه، قاله في «الشَّرح»؛ لأِنَّ الرُّجوعَ في الأصل دُونَ النَّماء مُمْكِنٌ، وفِيهِ في «الموجز» روايةٌ، (وَالزِّيَادَةُ لِلاِبْنِ)؛ لأِنَّها حادِثَةٌ في ملْكِه، ولا تتبَعُ (٤) في الفسوخ، فكذا هنا، وكَوَلَدِ الأَمَة منه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّهَا لِلْأَبِ)، ذَكَرَه القاضِي؛ كالرَّدِّ بالعَيبِ؛ ولأِنَّها زيادةٌ في الموْهُوبِ، فَمَلَكَها الأبُ كالمتَّصِلة، لكِنْ إنْ كانَت الزِّيادةُ وَلَدَ أَمَةٍ لا يَجوزُ التَّفْريقُ بَينَهما؛ مُنِعَ من الرُّجوع، إلاَّ أنْ نقولَ: المنفصلة (٥) للأب، فيَرجِعُ فِيهما جميعًا، أَوْ يَرجِعُ في الأمِّ ويتملَّكُ الوَلَدَ من مالِ وَلَدِه، قالَهُ في «الشَّرح»، وفِيهِ شَيءٌ. وإن اخْتَلَفا في حُدوثِ زيادةٍ، ففي أيِّهما يُقبَلُ قَولُه؟ وجْهانِ.

стр. 3662

(وَهَلْ تَمْنَعُ) الزِّيادةُ (المُتَّصِلَةُ)؛ كالسِّمَن في العَين، وتعلُّمِ صَنْعَةٍ في المعاني (١)، (الرُّجُوعَ) إذا زادت بها القِيمةُ؟ قالَهُ في «الشَّرح» (٢)؛ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «الكافي» و «المحرَّر»: إحداهما: لا تَمنَعُ؛ لأِنَّها زيادةٌ في الموهوب، فلم تمنَع (٣) الرُّجوعَ، كالزِّيادة قَبْلَ القَبْض والمنفصِلَة. والثَّانية، وهي أشْهَرُ، ورجَّحها في «الشَّرح» (٤)؛ لأِنَّ الزِّيادةَ للموهوب له؛ لكونها (٥) نَماءَ ملْكِه، ولم تَنتَقِلْ (٦) إليه من جهة أبيه، فلم يَمْلِكِ الرُّجوعَ فيها، وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ الرُّجوعُ في الأصل؛ لِئَلاَّ يُفْضِيَ إلى سوء المشارَكة وضَرَرِ التَّشْقيص؛ لأِنَّه اسْتِرْجاعٌ للمال بفَسْخِ عَقْدٍ لغَير عَيبٍ في عِوَضه، فمَنَعَه الزِّيادةُ المتَّصلةُ كاسْتِرْجاعِ الصَّداق بفسخ النكاح، بخِلاف الرَّدِّ بالعيب، من جِهَةِ أنَّ الرَّدَّ من المشْتَرِي، وقد رَضِيَ ببذْلِ الزِّيادة. وعلى المنْع؛ فلِلأْب أخْذُها بطريق التَّملُّك بشَرْطِه. وقصرُ (٧) العَين وتفصيلها؛ زيادةٌ متَّصِلةٌ يَجري فيها الخِلافُ.

стр. 3663

فَرْعٌ: إذا وَهَبَ حامِلاً من غَيرِه، فَوَلَدَتْ في يَدِه؛ فهِبَةٌ متَّصِلةٌ، وقِيلَ: مُنفَصِلةٌ إن (١) قُلْنا: لا حُكْمَ للحَمْل، وإنْ رَجَعَ فيها حامِلاً؛ جاز إن (٢) لم تَزِدْ قِيمَتُها، وإن زادت قِيمَتُها؛ فمُتَّصِلةٌ. ولو وَهَبَه نخلةً، فحَمَلَتْ؛ فهي قَبلَ التَّأْبير زيادةٌ متَّصِلةٌ، وبعدَه مُنفَصِلةٌ. (وَإِنْ بَاعَهُ الْمُتَّهِبُ)، أوْ وَهَبَه؛ لم يَملِك الواهِبُ الرُّجوعَ، قَولاً واحدًا، (ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ بِفَسْخٍ، أَوْ إِقَالَةٍ)، أوْ فَلَسِ المشْتَرِي؛ (فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهُما في «المحرَّر» و «الفُروع»، واقْتَصَرَا على ذِكْرِ الفَسْخ فَقَطْ، وهو مُغْنٍ: أحدهما، وجَزَمَ به في «الوجيز»: لا يَملِكُ الرُّجوعَ؛ لأِنَّ الملْكَ عاد إلَيهِ بَعْدَ اسْتِقْرار ملْكِ مَنْ انْتَقَل إليه عادة (٣)، أشْبَهَ ما لو عاد إليه بالهِبة، أمَّا لو عاد إليه بخِيار المجلس أو الشَّرْط؛ فله الرُّجوعُ؛ لأِنَّ الملْكَ لم يَسْتَقِرَّ عليه. والثَّاني: يَملِكُه؛ لأِنَّ السَّببَ المزيلَ ارتفع (٤)، وعاد الملْكُ بالسَّبب الأوَّلِ، أشْبَهَ فَسْخَ البيع بالخِيار. (وَإِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ؛ لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ)؛ لأِنَّه عاد إلَيهِ بملْكٍ جَديدٍ لم يَسْتَفِدْه مِنْ قِبَلِ (٥) أبِيهِ، فلم يَملِكْ فَسْخَه وإزالته (٦)، كالذي لم يكُنْ مَوهُوبًا. (وَإِنْ وَهَبَهُ المُتَّهِبُ لاِبْنِهِ؛ لَمْ يَمْلِكْ أَبُوهُ الرُّجُوعَ)؛ كما لو وَهَبَه لِغَيرِ ابْنِه،

стр. 3664

ولأِنَّ في رُجوعه إبْطالاً لمِلْكِ غَيرِ ابْنِه. وقِيلَ: له أنْ يَرجِعَ، وإنْ لم يَرجِع ابنُه. (إِلاَّ أَنْ يَرْجِعَ هُوَ)؛ لأِنَّ المانِعَ من الرُّجوع زَوالُ ملْكِ الابنِ، وقد عاد إليه. وقِيلَ: لا يَمْلِكُه؛ لأِنَّه عاد إليه بَعْدَ اسْتِقْرار ملْكِ غَيرِه عَلَيه، أشْبَهَ ما لو وَهَبَه ابنُ الاِبْنِ لأِبِيهِ. (وَإِنْ كَاتَبَهُ، أَوْ رَهَنَهُ؛ لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ)؛ لأِنَّ حقَّ المرتَهِنِ والمكاتَبِ تعلَّق به، والرُّجوعَ يُبْطِلُه، فلم يَجُزْ؛ لِمَا فِيهِ من الضَّرَر بالغَيرِ، وهذا عِنْدَ مَنْ لا يَرَى بَيعَ المكاتَبِ، وقاله جماعةٌ، فأمَّا مَنْ أجاز بَيعَه؛ فحُكمُه عِندَه كالعَين المسْتأْجَرَة. (إَّلا أَنْ يَنْفَكَّ الرَّهْنُ وَتَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ)؛ لِزَوالِ المانِعِ، والمزوَّج (١) لا يَمنَعُ الرُّجوعَ، والمعلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ كذلك، وإذا رَجَعَ وكان التَّصرُّفُ لازِمًا كالإجارة والتَّزويجِ؛ فهو باقٍ بحالِه، وإنْ كان جائزًا كالوصيَّة؛ بَطَلَ، والصَّحيحُ في التَّدْبِير: أنَّه لا يَمنَعُ الرجوع (٢). فَرْعٌ: إذا قال أبوهُ: وَهَبْتُكَ هذا العبدَ وهو سَمِينٌ أو كَبِيرٌ، فلي الرُّجوعُ، فقال ابنه: وهو مَهْزُولٌ فسَمِنَ، أو صغيرٌ فكبِرَ، فلا رجوعَ لك؛ فوجْهانِ، فلو قال: وَهَبْتُك هذا الذَّهَبَ مَصوغًا، فقال ابنه: أنا صُغْتُه؛ صُدِّقَ الواهِبُ. (وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ تَهَبُ زَوْجَهَا مَهْرَهَا: إِنْ كَانَ سَأَلَهَا ذَلِكَ؛ رَدَّهُ إِلَيْهَا، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ)، نَقَلَهَا (٣) أبو طالِبٍ (٤)، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ، فقال: (لأِنَّهَا

стр. 3665

لَا تَهَبُ لَهُ إِلاَّ مَخَافَةَ غَضَبِهِ، أَوْ إِضْرَارًا بِهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا)؛ لأِنَّ شاهِدَ الحال يَدُلُّ على أنَّها لم تَطِبْ به نَفْسًا، والله تعالى إنَّما أباحه عِنْدَ طِيبِ نَفْسِها، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّسَاء: ٤]، وظاهِرُه: إنْ لم يَكُنْ سألها فهو جائِزٌ. وقِيلَ: تَرجِعُ (١) إنْ وَهَبَتْه لدَفْع ضرَرٍ فلم يَندَفِعْ، أوْ عِوَضٍ أوْ شَرْطٍ فلم يَحصُلْ. وعنه: يَرُدُّ عَلَيها الصَّداقَ مطلَقًا. ولو قال: هي طالِقٌ ثلاثًا إن لم تُبْرِئْنِي، فأَبْرَأَتْه؛ صحَّ، وهل تَرجِعُ؟ ثالِثُها: تَرجِعُ إنْ طلَّقها، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٢) وغَيرُه.

стр. 3666

(فَصْلٌ) (وَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ)، قال في «المستَوعب»: لا تختَلِف الرِّوايةُ: أنَّ مالَ الولد ملْكٌ له دُونَ أبِيهِ، (مَا شَاءَ) من ماله، (وَيَتَمَلَّكَهُ)؛ لأنَّه (١) مَنْ جاز له أخْذُ شَيءٍ؛ جاز له أنْ يتملَّكه، بدليلِ الأشْياءِ المباحَةِ، ولهذا قال أحمدُ: بَينَ الرَّجل وبَينَ وَلَدِه رِبًا (٢)، وقال: لا يَمنَعُ الاِبْنُ الأبَ ما أراد من ماله (٣) فهو له (٤). ويُسْتَثْنَى من ذلك: سُرِّيَّتُه ولو لم تَكُنْ أمَّ وَلَدٍ (٥). (مَعَ حَاجَتِهِ)، أي: الوالد (وَعَدَمِهَا، فِي صِغَرِهِ)؛ أي (٦): الولد (وَكِبَرِهِ)؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ والتِّرمذيُّ وحسَّنه، عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أطْيَبَ ما أكَلْتُم من كَسْبِكم، وإنَّ أولادَكم من كَسْبِكم» (٧)، وروى (٨) الطَّبَرانيُّ في «معجمه» عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: جاء رجلٌ إلى

стр. 3667

النَّبيِّ ﷺ فقال: إنَّ أبِي احْتاجَ (١) مَالِي، فقال: «أنتَ ومالُك لأِبِيكَ» (٢)، ولأِنَّ الولدَ مَوهوبٌ لأِبيه بالنَّصِّ القاطِعِ، وما كان مَوهوبًا له؛ كان له أخْذُ ماله؛ كعَبْدِه، يؤيِّده أنَّ سُفْيانَ بنَ عُيَيْنَةَ قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ … ﴾ [النُّور: ٦١]: (ذَكَرَ الأقارِبَ دُونَ الأوْلاد؛ لدُخولهم في قوله تعالى: ﴿من بيوتكم﴾؛ لأِنَّ بُيوتَ أوْلادِهم كبُيوتِهم) (٣)، ولأِنَّ الرَّجلَ يَلِي مالَ وَلَدِه من غَير تَوليةٍ، فكان له التَّصرُّفُ؛ كمال نفسه. وشَرْطُه: (إِذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الاِبْنِ بِهِ)، وما لا يَضرُّه، نَصَّ عليه (٤)، وجزم بها (٥) في «الوجيز»؛ لأِنَّ حاجةَ الإنسان مقدَّمةٌ على دَيْنِه، فَلَأَنْ تُقدَّمَ على أبيه بطريق الأَوْلى. وشَرَطَ في «الكافي» و «الشرح» و «الوجيز»: ما لم يُعطِه ولدًا آخَرَ، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّ تفضيلَ أحدِ الوَلَدَينِ غَيرُ جائزٍ، فمع تخصيص الآخَر بالأخذ منه أَوْلى. وعنه: له أن يتملَّك ما لا يُجحِف به، جزم به في «الكافي»، وذَكَرَ في «الشَّرح»: ألاَّ يُجحِف بالاِبن ولا يُضِرَّ به، ولا يَأخُذَ شيئًا تعلَّقت به حاجتُه. وعنه: له تملُّكُه كلِّه، ويُرْوَى أنَّ مسروقًا زوَّج ابنته بصداقِ عشرةِ آلافِ درهمٍ، فأخذها (٧) فأنفقها في سبيل الله، وقال للزَّوج: جهِّز امرأتَك (٨)،

стр. 3668

واسْتَدَلَّ ابنُ عَقِيلٍ بقوله ﵇: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مسلمٍ إلاَّ عن طِيب نفْسٍ منه» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (١)، ولأِنَّ ملكَ الولد تامٌّ على مال نفسه، فلم يَجُزِ انتزاعُه منه؛ كالَّذي تعلَّقت به حاجتُه. وجوابُه: بأنَّه مخصوصٌ بما سَبَق، فلا تَنافِيَ بَينَهما. وظاهِرُه: لا فَرْقَ في الولد بَينَ الذَّكر والأنثى، وأنَّ الجَدَّ لا يكون كذلك. وفِيهِ روايةٌ مخرَّجةٌ من ولايته وإجباره: أنَّه كالأب في كلِّ شَيءٍ ما لم يُخالِف الإجماعَ كالعُمَرِيَّتَيْنِ، وفي الأمِّ قَولٌ. (وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ بِبَيْعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أوْ إبْرَاءٍ مِنْ دَينٍ (٢)؛ لَمْ يَصِحَّ) تصرُّفُه على الأصحِّ؛ لأِنَّ ملْكَ الوَلَد على مالِ نفسه تامٌّ، فصحَّ تصرُّفه فيه، ولو كان للغير أو مشتَرَكًا؛ لم يَجُزْ ذلك، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ويَقدَحُ في أهْلِيَّته لأِجْلِ الأذى سِيَّما بالحبس. وعنه: له أن يبرِّئ من مال وَلَدِه، ويَتَسرَّى منه، وما فَعَلَ فيه فهو جائزٌ. وفيه بُعْدٌ؛ لأِنَّه تصرُّفٌ في ملْكِ غَيرِه بما لا حظَّ فيه، خصوصًا مع صِغَرِ الولد؛ إذْ لَيسَ من الحظِّ إسْقاطُ دَينِه، وعِتْقُ عَبْدِه، وهِبَة مالِه. تنبيه: يَحصُلُ التَّملُّكُ بقَبْضه، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، مع قَولٍ أوْ نية (٤)، قال في «الفروع»: ويَتَوجَّهُ: أوْ قَرينةٍ، وفي «المبهج»: في تَصرُّفه في غَيرِ مَكِيلٍ وموزون (٥) روايتان؛ بناءً على حصول ملكه قبل قَبْضه، ويَصِحُّ بَعْدَه. ولو أراد أخْذَه مع غِناهُ؛ فليس له (٦) أن يأبى عَلَيهِ، نَقَلَ الأثْرَم: ولو كُنْتُ

стр. 3669

أنا (١) لجبرته على دفعه إليه على حديث النَّبيِّ ﷺ : «أنْتَ ومالُكَ لأِبِيكَ» (٢). (وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ)؛ أيْ: قَبلَ تملُّكها، فَقَدْ وَطِئَهَا، ولَيسَتْ بِزَوجَةٍ (٣) ولا ملْكَ يَمينٍ، وهو حَرامٌ، (فَأَحْبَلَهَا؛ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ)؛ لأِنَّ إحْبالَ الأب لها يُوجِبُ نَقْلَ الملك إليه، وحِينَئِذٍ يكون الوَطْءُ مصادِفًا للملْك، وذلك يَقْتَضِي صَيرورَتَها أمَّ وَلَدٍ؛ ضرورةَ مُصادَفة الوطء الملك. ومُقْتَضاه: أنَّها إذا لم تَحْبَلْ منه؛ أنَّها باقِيَةٌ على ملك الولَدِ. (وَوَلَدُهُ حُرٌّ)؛ لأِنَّه مِنْ وَطْءِ شُبهةٍ، (لَا تَلْزَمُهُ (٤) قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرٌ)، ولا قِيمتُها؛ إذ لَيسَ له مُطالَبَةُ الأب بشَيءٍ مِنْ ذلك، (وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) على الأصحِّ؛ للشُّبْهة. (وَفِي التَّعْزِيرِ وَجْهَانِ): أشْهَرُهما: التَّعزيرُ، وذَكَرَه القاضِي روايةً واحدةً؛ لأِنَّه وَطِئَ وَطْئأً مُحَرَّمًا؛ كَوَطْءِ المشْتَرَكةِ. والثَّاني: لا؛ لأِنَّه لا يُقْتَصُّ منه بالجناية على ولده، فلا يُعزَّرُ بالتَّصرُّف في ماله، والفَرْقُ: أنَّ التَّعزير هنا حقٌّ لله تعالى، بخلاف الجناية على وَلَدِه، قال بعضُهم: فيُضرَبُ مائَةً إلاَّ سَوطًا. فَرْعٌ: إذا تملَّكها؛ فَلَيس له وطْؤُها حتَّى يَسْتَبْرئَها، فإنْ كان الاِبْنُ وَطِئَها؛ لم تَحِلَّ له بحالٍ. وإنْ (٥) وَطِئَها بعْدَ وَطْءِ الاِبن؛ فرِوايتانِ؛ كَوَطْءِ ذاتِ مَحرَمٍ بملْكِ يَمِينٍ، ولا يَنتَقِلُ الملك فيها إنْ كان الاِبْنُ اسْتَوْلَدَها.

стр. 3670

فإنْ وَطِئَها الأبُ والابنُ في طُهْرٍ واحِدٍ، وأتَتْ بِوَلدٍ؛ عُرِضَ على القافة، ويُحَدُّ الابنُ لِوَطْئه جاريةَ أبيه، ولم يَلحَقْه الوَلَدُ، ويكونُ ملْكًا لأبيه، وقد أحب (١) أحمدُ أنْ يُعتِقَه الأبُ؛ لكَونِه جزءًا من ابنه. (وَلَيْسَ لِلاِبْنِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَلَا أَرْشِ جِنَايَةٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ)، قالَه الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ، وسُفْيانُ بنُ عُيَيْنةَ؛ لِمَا رُوِي: أنَّ رجلاً جاء إلى النَّبيِّ ﷺ بأبيه يَقْتَضِيه دَينًا عليه، فقال: «أنتَ ومالُكَ لأِبيكَ» رواه الخَلاَّلُ (٢)، ولأِنَّ المالَ أحدُ نَوعَيِ الحُقوق، فلم يَملِكْ مطالبةَ أبيه به؛ كحقوق الأبْدان. وظاهره: أنَّه لا (٣) يُطالِبُه بنَفَقته، والمذهَبُ: أنَّه يُطالِبُه بها، وجَزَمَ به في «الوجيز» وغيره، وعَينِ مال (٤) له في يده، قاله في «الرِّعاية». وقِيلَ: له أنْ يُطالِبَه بماله في ذِمَّته مع حاجته إليه وغِنَى والده (٥) عنه. وقِيلَ: يَثْبُت له في ذمَّته مطلَقًا. فَعَلَى هذا: ففي ملْكِه إبْراءَ نفسه نَظَرٌ، قالَهُ القاضِي، وذَكَرَ غَيرُه: لا يَمْلِكه؛ كإبرائه لغريمه، ولا طَلَبَ له في حياة والده. فإنْ مات الاِبْنُ؛ فَلَيس لورثته مطالَبةُ الأب في الأشْهَر؛ كمُورِّثِهم، وإنْ مات الأبُ بَطَلَ دَينُ الاِبْنِ، قاله أحمدُ (٦). وقِيلَ: يَرجِعُ في تَرِكَة الأب؛ لأِنَّ دَينَه لم يَسقُطْ عن الأب، وإنَّما تأخَّرت المطالَبةُ.

стр. 3671

وحَمَلَه بعضُهم: على ما أخذه على سبيل التَّمْليك. مسألةٌ: إذا مات فَوَجَدَ ما اشْتَراه منه بعَينه، قال في «المبهج»: أو بعضَه، ولم يَنقُدْ ثَمَنَه، أو وَجَدَ ما أقْرَضَه؛ فهل يأخذه أو يكون إرْثًا؟ فيه روايتان. وما قضاه في مرضه، أو وصَّى بقضائه؛ فمِنْ رأْس ماله، وإلاَّ لم يَسقُطْ بمَوته. ولو أقرَّ بقَبض دَينه فأنكر؛ رجع على غريمه، وهو على الأب، نقله مهنَّى (١)، فظاهره: أنَّه لا يرجع إنْ أقرَّ الابن. (وَالْهَدِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ نَوْعَانِ مِنَ الْهِبَةِ)؛ أيْ: هما نَوْعا الجنس؛ كالإنسان والفرس مع (٢) الحيوان، وحاصِلُه: إنْ قَصَد بإعطائه ثَوابَ الآخِرة؛ فَصَدَقَةٌ، وإنْ قَصَدَ إكْرامًا وتَوَدُّدًا ونحوَه؛ فهديَّةٌ، وإلاَّ فهِبةٌ، وعطيَّةٌ، ونِحْلةٌ. وهما كهِبَةٍ فيما تقدَّم، لكِنْ نَقَلَ المرُّوذِيُّ وحنبلٌ: لا رجوعَ في الصَّدقة (٣). وفي «عيون المسائل» و «المستوعب»: لا يُعتَبَرُ في الهديَّة قَبولٌ؛ للعُرْف. ومَنْ أهْدَى إليه ليُهدى له أكثرُ؛ فلا بأْسَ به، لغَير النَّبيِّ ﷺ ، نقله أحمدُ عن الضَّحَّاك (٤). ونقل أبو الحارث فِيمَنْ سأل الحاجةَ؛ فسعى معه فيها، فيهدي إليه: إنْ علم أنَّه لأِداءِ الأمانة؛ لم يَقبَلْ إلاَّ أنْ يُكافِئَه (٥).

стр. 3672

ونقل يعقوبُ (١): لا يَنْبَغِي للخاطب إذا خَطَبَ لقومٍ أنْ يَقبَلَ (٢) لهم هديَّةً. فهاتان روايتان، واختار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين التَّحريمَ (٣)، ونقله عن السَّلف، ورخَّصَ فيه بعضُ المتأخِّرين. فَرْعٌ: وِعاءُ هديَّةٍ؛ كهِيَ مع عُرْفٍ (٤).

стр. 3673

(فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ) (أَمَّا الْمَرِيضُ غَيْرَ مَرَضِ الْمَوْتِ، أَوْ مَرَضًا غَيْرَ مَخُوفٍ؛ كَالرَّمَدِ)، وهو وَرَمٌ حارٌّ في الملْتَحم عن مادَّةٍ في العَين، ويُعرَفُ بتقدُّم الصُّداع، وقد يكون من الحجاب الدَّاخِل، وقد يكون من الخارج، (وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ) اليَسِيرِ، وهو وَجَعُ الرَّأس، (وَنَحْوِهِ)؛ كحُمَّى يَومٍ، قاله في «الرِّعاية»، وقيل: ساعةٍ، قاله في «الشَّرح»، وإسهالٍ يَسيرٍ من غَيرِ دَمٍ؛ (فَعَطَايَاهُ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ سَوَاءً)؛ لأِنَّه في حُكْم الصَّحيح؛ لكَونه لا يُخافُ منه في العادة، (يَصِحُّ (١) فِي جَمِيعِ مَالِهِ)، ولو اتَّصل به الموت؛ للأَدِلَّة، وكما لو كان مريضًا فَبَرَأَ. (وَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ) القاطِعِ بصاحبه، (الْمَخُوفَ)؛ أي: مَرَضًا مَخُوفًا اتَّصل به الموت؛ (كَالْبِرْسَامِ)، وهو بُخارٌ يَرْتَقِي إلى الرَّأس ويُؤثِّرُ في الدِّماغ، فيُحِيلُ عَقْلَ صاحبه، وقال عِياضٌ: هو وَرَمٌ في الدِّماغ يتغيَّر منه عَقْلُ الإنسان ويَهْذِي (٢)، ويُقالُ فيه: سرسام (٣)، (وَذَاتِ الْجَنْبِ)، وهو قَرْحٌ بباطن الجَنْب، وَوَجَعِ القَلْب والرِّئَة، ولا تَسكُن حَرَكَتها، وقيل: هو دُمَّلٌ كبيرةٌ تَخرَج بباطن الجنب (٤) وتفتح (٥) إلى داخِلٍ، (وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ)، فإنَّه يُصَفِّي الدَّمَ، فيُذهِبُ القُوَّةَ، (وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارِكِ)، هو المبطون الَّذي أصابه الإسْهالُ، ولا يُمكِنُه إمْساكُه، فإن كان يَجْرِي تارةً ويَنقَطِع أخرى؛ فإنْ كان يومًا أوْ يَومَينِ؛ فلَيسَ

стр. 3674

بمَخُوفٍ؛ لأِنَّه قد يَكونُ من فَضْلَة الطَّعام، إلاَّ أنْ يكونَ معه زَحِيرٌ (١) وتَقْطِيعٌ، فيكونُ مَخُوفًا؛ لأِنَّه يُضعِف البَدَنَ، (وَالْفَالِجِ فِي ابْتِدَائِهِ)، وهو داءٌ معروفٌ يُرْخِي بعْضَ البَدَنِ، قال ابن القَطَّاع: فُلِجَ فَالِجًا: بَطَلَ نصفُه أوْ عُضْوٌ منه (٢)، (وَالسِّلِّ فِي انْتِهَائِهِ)، هو بكَسْرِ السِّين، داءٌ معروفٌ، وقد سُلَّ وأَسالَه (٣) الله تعالى، فهو مسلول (٤) على غَيرِ قِياسٍ، ومِثْلُه القُولَنْجُ، وهو أن يَنعَقِدَ الطَّعام في بعض الأعضاء (٥) ولا يَنزِلَ عنه، فهذه الأشياء مخوفة (٦)، وإنْ لم يكُنْ معها حُمَّى، وهي مع الحُمَّى أشدُّ خَوفًا. وإنْ بادَرَه الدَّمُ، واجتمع في عضْوٍ؛ كان مَخُوفًا؛ لأِنَّه من الحرارة المفْرِطة. وإنْ هاجت به الصَّفْراءُ؛ فهي مخوفة (٧)؛ لأِنَّها تُورِثُ يُبوسةً، وكذلك البَلْغَم إذا هاج؛ لأِنَّه من شدَّة البرودة، وقد يَغلِبُ على الحرارة الغريزة (٨) فيُطْفِئُها، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». (وَمَا قَالَ عَدْلَانِ)؛ أيْ: مُسْلِمانِ، (مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ)؛ أيْ: عِنْدَ الشَّكِّ فيه: (إِنَّهُ مَخُوفٌ)، فيُرجَعُ إلى قَولِهما؛ لأِنَّهما من أهل الخبرة، كذا جَزَمَ به الأصحابُ. فظاهِرُه: أنَّه لا يُقبَلُ فيه قَولُ واحِدٍ؛ لأِنَّه يَتَعلَّق به حقُّ الوارِثِ والعَطَايَا.

стр. 3675

وقِيلَ: يُقبَلُ لِعَدَمٍ. وذَكَرَ ابنُ رَزِينٍ: المخُوفُ؛ عُرْفًا أوْ بقولِ عَدْلَينِ. (فَعَطَايَاهُ) صحيحةٌ؛ لأِنَّ «عمرَ أوْصَى حينَ جُرِح وسُقِيَ لَبَنًا وخَرَجَ مِنْ جُرْحه» (١)، واتَّفق الصَّحابةُ على نفوذ عَهْده؛ (كَالْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ (٢) لِوَارِثٍ، وَلَا (٣) لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ، إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ؛ كَالْهِبَةِ (٤) المقبوضةِ، (وَالْعِتْقِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالْمُحَابَاةِ)، والصَّدقة، والوقْفِ، والإبْراء من الدَّين، والعَفْو عن الجناية الموجِبَة للمال؛ لِمَا روى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الله تصدَّق عَلَيكم عِنْدَ وفاتكم بثُلُثِ أموالكم، زيادةً لكم في أعْمالِكم» رواه ابن ماجه (٥)، فمفهومُه: لَيسَ له أكثرُ من الثُّلُثِ، يؤيِّده: ما روى عِمرانُ بنُ حُصَينٍ: «أنَّ رجلاً أعْتَقَ في مرضه سِتَّةَ أعْبُدٍ لم يكن له مالٌ غَيرُهم، فاسْتَدْعاهم النَّبيُّ ﷺ ، فجَزَّأهم ثلاثةَ أجْزاءٍ، فأقْرَعَ بَينَهم، فأعْتَقَ اثْنَينِ وأرَقَّ أربعةً» رواه مسلِمٌ (٦)، وإذا لم يَنفُذ العِتقُ مع سِرايته؛ فغَيرُه أَوْلَى،

стр. 3676

ولأِنَّ هذه الحالَ الظَّاهِرُ منها الموتُ، فكانت عطيَّتُه فيها في حقِّ وَرَثَتِه لا تتجاوز (١) الثُّلُثَ؛ كالوصيَّة. وعُلِمَ منه: أنَّ هذه العطايا إذا وُجِدتْ في الصِّحَّة؛ فهي من رأس المال، بغير خلافٍ نَعْلَمُه (٢). تنبيهٌ: حُكمُ العطيَّة في مرض الموت؛ حكمُ الوصيَّة في أشْياءَ: مِنْها: أنْه (٣) يقف نفوذُها على خُروجها من الثُّلُث، أوْ إجازَةِ الوَرَثَة. ومِنْها: أنَّها لا تَصِحُّ لِوارِثٍ إلاَّ بإجازَةِ الوَرَثَة. ومِنْها: أنَّ فَضِيلتَها ناقِصَةٌ عن فضيلةِ الصَّدَقة في الصِّحَّة. ومِنْها: أنَّها تُزاحِمُ في (٤) الثُّلُث إذا وَقَعَتْ دَفْعةً واحدةً؛ كتَزاحُمِ الوصايا. ومِنْهَا: أنَّ خُروجَها من الثُّلث يعتبر (٥) حالَ الموت لا قَبْلَه ولا بَعْدَه. (فَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ؛ كَالسِّلِّ، وَالْجُذَامِ، وَالْفَالِجِ فِي دَوَامِهِ)، وحُمَّى الرِّبْعِ؛ (فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ)؛ أيْ: لَزِمَ الفِراشَ؛ (فَهِيَ مَخُوفَةٌ)؛ أيْ: عَطِيَّتُه من الثُّلُث؛ لأِنَّه مريضٌ صاحِبُ فِراشٍ يُخْشَى منه التَّلَفُ، أشْبَهَ الحُمَّى المطْبِقةَ، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إنْ لم يَصِرْ صاحِبُها صاحِبَ فِراشٍ؛ فلَيسَتْ مَخُوفَةً، وعَطِيَّتُه حِينَئِذٍ مِنْ رأْسِ المال. قال القاضِي: إذا كان يَذْهَبُ ويَجِيءُ؛ فعطاياه من جميع المال، هذا تحقيقُ المذْهَبِ؛ لأِنَّه لا يُخافُ تعجيلُ الموت منه، وإنْ كان لا يَبرَأُ منه؛ فهو كالهَرَم.

стр. 3677

(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنَ الثُّلُثِ) مطلَقًا؛ لأِنَّها مَخُوفَةٌ في الجملة، فَوَجَبَ إلْحاقُها به من غَيرِ تفصيلٍ، وهو روايةٌ نَقَلَ حَرْبٌ في وصيَّة المجْذُوم والمفْلُوج: من الثُّلُث (١)، فالمجْدُ أثْبَتَها وجَعَلَها ثابِتَةً، وصاحِبُ «الشَّرح» حَمَلَها على الأوَّل. وذَكَرَ أبو بكْرٍ وجْهًا آخَرَ: أنَّ عطايا هؤلاء من المال كلِّه. وقَولُ ابنِ المنَجَّى: إنَّه يَلزَمُ منه التَّناقُضُ على قَولِ أبي بكرٍ؛ لَيسَ بظاهِرٍ، فغَايَتُه أنَّه حَكَى وَجْهَينِ. (وَمَنْ كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ)؛ بِأَنِ اخْتَلَطت الطَّائفتانِ للقتال، وكانت كلٌّ منهما مُكافِئَةً للأخرى أوْ مقهورة، ولا فرق (٢) بَينَ كَونِهما مُتَّفِقين في الدِّين؛ لأِنَّ تَوقُّع التَّلَفِ هنا كتَوقُّع المريض أوْ أكثرَ، فَوَجَبَ أنْ يُلْحَقَ به، فأمَّا القاهِرةُ بَعدَ ظُهورِها؛ فَلَيسَ بمَخُوفٍ. (أَوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ)؛ أيْ: إذا اضْطَرَبَ وهبَّت الرِّيحُ العاصِفُ؛ لأِنَّ الله تعالى وَصَفَهم بشدَّة الخوف في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآيةَ [يُونس: ٢٢]، وظاهِرُه: أنَّه إذا رَكِبَه وهو ساكِنٌ؛ فلَيسَ بِمَخُوفٍ. (أَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ)، قال أبُو السَّعاداتِ: هو المرَضُ العامُّ والوَباءُ الذي يَفْسُدُ له الهواء، فتَفْسُدُ به الأمْزِجةُ (٣) والأبْدانُ (٤)، وقال عِياضٌ: هو قُروحٌ تَخرُجُ في المغابِن وغَيرِها، لا يَلبَثُ صاحِبُها، ويُغَمُّ إذا ظَهَرَتْ (٥)، وفي

стр. 3678

«شرح مسلم»: وأمَّا الطَّاعونُ فَوباءٌ معروفٌ، وهو بَثْرٌ (١) وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا، يَخرُج مع لَهَبٍ، ويَسْوَدُّ ما حَولَه، ويَخْضَرُّ ويَحْمَرُّ حُمْرةً بَنَفْسَجِيَّةً، ويَحصُلُ معه خَفَقانٌ للقَلْب (٢)، (بِبَلَدِهِ)؛ لأِنَّه مَخُوفٌ إذا كان فيه. (أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ)؛ لأِنَّه إذا حُكِمَ للمريض وحاضِرِ الحرب بالخَوف مع ظهور السَّلامة؛ فمَعَ ظُهور التَّلَف وقُرْبِه أَوْلَى، ولا عِبرةَ بصحَّة البَدَن، ولو عَبَّر بالقَتْل كغَيرِه؛ لَعَمَّ، سَواءٌ كان قِصاصًا أوْ غَيرَه؛ كالرَّجمِ. وكذا إذا حُبِس للقَتْل، ذَكَرَه (٣) في «الكافي» و «الفروع»، وأَسِيرٌ عِنْدَ مَنْ عادَتُهم القَتْلُ. مسألةٌ: إذا كان المريضُ يتحقَّق تعجيلَ موته؛ فإنْ كان عَقْلُه قد اخْتَلَّ؛ كمَنْ ذُبِحَ أو أُبينت (٤) حُشْوتُه؛ فلا حُكْمَ لِعطِيَّته ولا كلامِه. وإنْ كان ثابِتَ العَقْل؛ كَمَنْ خُرِقَتْ حُشْوتُه أو اشْتَدَّ مَرَضُه، ولم يَتغَيَّرْ عَقْلُه؛ صحَّ تصرُّفُه، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وكَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا مع ثَباتِ عَقْلِه. وفي «التَّرغِيبِ»: مَنْ قُطِعَ بمَوته؛ كَقَطْع حُشْوَتِه، وغَرِيقٍ، ومُعايِنٍ؛ كَمَيْتٍ. (وَالْحَامِلُ عِنْدَ الْمَخَاضِ)؛ أيْ: عِنْدَ الطَّلْق، كذا ذَكَرَه مُعْظَمُ الأصْحابِ، (فَهُوَ كَالْمَرِيضِ) مَرَضًا مَخُوفًا؛ لأِنَّه يَحصُلُ لها ألَمٌ شديدٌ يُخافُ منه التَّلَفُ. (وَقَالَ (٥) الْخِرَقِيُّ: وَكَذَلِكُ الْحَامِلُ إِذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ)، هو روايةٌ عن

стр. 3679

أحمدَ؛ أيْ: عَطِيَّتها من الثُّلُث كمريضٍ حتَّى تَنجُوَ من نِفاسِها؛ لأِنَّه وقتٌ تُمكِنُ الوِلادةُ فيه، وهو من أسباب التَّلَف، والأشْهَرُ: مع ألَمٍ. وقال إسحاقُ: إذا ثَقُلت؛ لا يجوز لها إلاَّ الثُّلث، ولم يَحُدَّ حَدًّا، وحكاه ابنُ المنذِرِ عن أحمدَ (١). (وَقِيلَ: عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَايَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ)، حكاهُ أبو بَكْرٍ؛ لأِنَّه لا مَرَضَ بهم، فهم كالصَّحيح. تنبيهٌ: إذا وَلَدَت المرأةُ؛ فإنْ بَقِيَت المَشِيمةُ معها، أوْ مات معها؛ فهو مَخُوفٌ، فإنْ خَرَجا فَحَصَل ثَمَّ وَرَمٌ، أوْ ضَرَبان شديدٌ؛ فكذلك، وإنْ لم يكن شَيءٌ من ذلك؛ فقد رُوِيَ عن أحمدَ في النُّفَساء إذا كانت تَرَى الدَّمَ: فعَطِيَّتُها من الثُّلث (٢)، والسِّقْطُ كالولد التَّام، لا مضغة (٣) أوْ عَلَقَةٌ، إلاَّ أن يكونَ أَلَمٌ، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». (وَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ)، يُحْتَرَزُ به عن الوصيَّة، فالتبرع (٤) عبارةٌ عن إزالة ملْكِه فِيما لَيسَ بواجِبٍ بِغَيرِ عِوَضٍ؛ (بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا)؛ لأِنَّ السَّابِقَ اسْتَحَقَّ الثُّلُثَ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَا بَعْدَهُ، وسَواءٌ كان السَّابِقُ عِتْقًا أوْ غَيرَه. وعَنْهُ: يُقسَمُ بَينَ الكُلِّ بالحِصَص. وعَنْهُ: يُقدَّمُ العِتْقُ. وَعُلِمَ منه: أنَّ التَّبَرُّعاتِ إذا كانَتْ عَطايَا وَوَصايَا؛ تُقدَّمُ العَطايا؛ لأِنَّها أسْبَقُ.

стр. 3680

(وَإِنْ (١) تَسَاوَتْ)؛ أيْ: وَقَعَتْ دَفْعةً؛ بأنْ وَكَّلَ جماعةً فيها، فأوْقَعُوها دَفْعةً واحدةً؛ (قُسِمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّهم تَساوَوْا في الاِسْتِحْقاق، فيُقْسَمُ بَينَهم على قَدْر حُقوقِهم؛ كغُرَماء المفْلِسِ. (وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ)؛ لأِنَّه آكَدُ؛ لِكَونه مَبْنِيًّا على السِّرايَة والتَّغْلِيبِ، وإنْ كانَتْ كلُّها عِتْقًا أقْرَعْنا بَينَهم، فيُكَمَّل العِتْقُ في بعضهم. أصْلٌ: إذا قَضَى المريضُ بعْضَ غُرَمائه، وَوَفَتْ تَرِكَتُه بالكلِّ؛ صحَّ، وإنْ لم تَفِ (٢) فَوَجْهانِ: أشْهَرُهما، وهو قِياسُ قَولِ أحمدَ: أنَّهم لا يَملِكونَ الاِعْتِراضَ عَلَيه؛ لأِنَّه أدَّى واجِبًا عَلَيه؛ كأداء ثَمَنِ المبيع (٣). والثَّاني: عَكْسُه؛ لأِنَّ حقهم (٤) تَعلَّقَ بماله بمَرَضه، فَمُنِعَ تصرُّفَه فيه كالتَّبرُّع، وما لَزِمَه في مَرَضِه مِنْ حقٍّ لا يُمكِنُه دَفْعُه وإسْقاطُه، فهو من رأس ماله، فلو تبرَّع أوْ أعْتَقَ، ثُمَّ أقرَّ بِدَينٍ؛ لم يَبطُلْ تبرُّعُه، نَصَّ عَلَيهِ في العتق (٥)؛ لأِنَّ الحقَّ ثَبَتَ بالتبرع (٦) في الظَّاهِرِ. (وَأَمَّا مُعَاوَضَةُ الْمَرِيضِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ فَتَصِحُّ (٧) مِنْ رَأْسِ الْمَالِ)، ذَكَرَه الأصْحابُ؛ لأِنَّه إنَّما يُعتبَرُ من الثُّلُث التَّبرُّعُ، ولَيسَ هذا تَبَرُّعًا، (وَإِنْ كَانَتْ مَعَ وَارِثٍ)؛ لأِنَّه لا تَبرُّعَ فيها ولا تُهمةَ، فصحَّتْ كالأجْنَبِيِّ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا تَصِحَّ لِوَارِثٍ)، هذا رواية؛ لأِنَّه خَصَّه بعَينِ المال، أشْبَهَ
следующие страницы →