← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

ولأِنَّ هذه الحالَ الظَّاهِرُ منها الموتُ، فكانت عطيَّتُه فيها في حقِّ وَرَثَتِه لا تتجاوز (١) الثُّلُثَ؛ كالوصيَّة. وعُلِمَ منه: أنَّ هذه العطايا إذا وُجِدتْ في الصِّحَّة؛ فهي من رأس المال، بغير خلافٍ نَعْلَمُه (٢). تنبيهٌ: حُكمُ العطيَّة في مرض الموت؛ حكمُ الوصيَّة في أشْياءَ: مِنْها: أنْه (٣) يقف نفوذُها على خُروجها من الثُّلُث، أوْ إجازَةِ الوَرَثَة. ومِنْها: أنَّها لا تَصِحُّ لِوارِثٍ إلاَّ بإجازَةِ الوَرَثَة. ومِنْها: أنَّ فَضِيلتَها ناقِصَةٌ عن فضيلةِ الصَّدَقة في الصِّحَّة. ومِنْها: أنَّها تُزاحِمُ في (٤) الثُّلُث إذا وَقَعَتْ دَفْعةً واحدةً؛ كتَزاحُمِ الوصايا. ومِنْهَا: أنَّ خُروجَها من الثُّلث يعتبر (٥) حالَ الموت لا قَبْلَه ولا بَعْدَه. (فَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ؛ كَالسِّلِّ، وَالْجُذَامِ، وَالْفَالِجِ فِي دَوَامِهِ)، وحُمَّى الرِّبْعِ؛ (فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ)؛ أيْ: لَزِمَ الفِراشَ؛ (فَهِيَ مَخُوفَةٌ)؛ أيْ: عَطِيَّتُه من الثُّلُث؛ لأِنَّه مريضٌ صاحِبُ فِراشٍ يُخْشَى منه التَّلَفُ، أشْبَهَ الحُمَّى المطْبِقةَ، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إنْ لم يَصِرْ صاحِبُها صاحِبَ فِراشٍ؛ فلَيسَتْ مَخُوفَةً، وعَطِيَّتُه حِينَئِذٍ مِنْ رأْسِ المال. قال القاضِي: إذا كان يَذْهَبُ ويَجِيءُ؛ فعطاياه من جميع المال، هذا تحقيقُ المذْهَبِ؛ لأِنَّه لا يُخافُ تعجيلُ الموت منه، وإنْ كان لا يَبرَأُ منه؛ فهو كالهَرَم.

стр. 3677

(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنَ الثُّلُثِ) مطلَقًا؛ لأِنَّها مَخُوفَةٌ في الجملة، فَوَجَبَ إلْحاقُها به من غَيرِ تفصيلٍ، وهو روايةٌ نَقَلَ حَرْبٌ في وصيَّة المجْذُوم والمفْلُوج: من الثُّلُث (١)، فالمجْدُ أثْبَتَها وجَعَلَها ثابِتَةً، وصاحِبُ «الشَّرح» حَمَلَها على الأوَّل. وذَكَرَ أبو بكْرٍ وجْهًا آخَرَ: أنَّ عطايا هؤلاء من المال كلِّه. وقَولُ ابنِ المنَجَّى: إنَّه يَلزَمُ منه التَّناقُضُ على قَولِ أبي بكرٍ؛ لَيسَ بظاهِرٍ، فغَايَتُه أنَّه حَكَى وَجْهَينِ. (وَمَنْ كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ)؛ بِأَنِ اخْتَلَطت الطَّائفتانِ للقتال، وكانت كلٌّ منهما مُكافِئَةً للأخرى أوْ مقهورة، ولا فرق (٢) بَينَ كَونِهما مُتَّفِقين في الدِّين؛ لأِنَّ تَوقُّع التَّلَفِ هنا كتَوقُّع المريض أوْ أكثرَ، فَوَجَبَ أنْ يُلْحَقَ به، فأمَّا القاهِرةُ بَعدَ ظُهورِها؛ فَلَيسَ بمَخُوفٍ. (أَوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ)؛ أيْ: إذا اضْطَرَبَ وهبَّت الرِّيحُ العاصِفُ؛ لأِنَّ الله تعالى وَصَفَهم بشدَّة الخوف في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآيةَ [يُونس: ٢٢]، وظاهِرُه: أنَّه إذا رَكِبَه وهو ساكِنٌ؛ فلَيسَ بِمَخُوفٍ. (أَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ)، قال أبُو السَّعاداتِ: هو المرَضُ العامُّ والوَباءُ الذي يَفْسُدُ له الهواء، فتَفْسُدُ به الأمْزِجةُ (٣) والأبْدانُ (٤)، وقال عِياضٌ: هو قُروحٌ تَخرُجُ في المغابِن وغَيرِها، لا يَلبَثُ صاحِبُها، ويُغَمُّ إذا ظَهَرَتْ (٥)، وفي

стр. 3678

«شرح مسلم»: وأمَّا الطَّاعونُ فَوباءٌ معروفٌ، وهو بَثْرٌ (١) وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا، يَخرُج مع لَهَبٍ، ويَسْوَدُّ ما حَولَه، ويَخْضَرُّ ويَحْمَرُّ حُمْرةً بَنَفْسَجِيَّةً، ويَحصُلُ معه خَفَقانٌ للقَلْب (٢)، (بِبَلَدِهِ)؛ لأِنَّه مَخُوفٌ إذا كان فيه. (أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ)؛ لأِنَّه إذا حُكِمَ للمريض وحاضِرِ الحرب بالخَوف مع ظهور السَّلامة؛ فمَعَ ظُهور التَّلَف وقُرْبِه أَوْلَى، ولا عِبرةَ بصحَّة البَدَن، ولو عَبَّر بالقَتْل كغَيرِه؛ لَعَمَّ، سَواءٌ كان قِصاصًا أوْ غَيرَه؛ كالرَّجمِ. وكذا إذا حُبِس للقَتْل، ذَكَرَه (٣) في «الكافي» و «الفروع»، وأَسِيرٌ عِنْدَ مَنْ عادَتُهم القَتْلُ. مسألةٌ: إذا كان المريضُ يتحقَّق تعجيلَ موته؛ فإنْ كان عَقْلُه قد اخْتَلَّ؛ كمَنْ ذُبِحَ أو أُبينت (٤) حُشْوتُه؛ فلا حُكْمَ لِعطِيَّته ولا كلامِه. وإنْ كان ثابِتَ العَقْل؛ كَمَنْ خُرِقَتْ حُشْوتُه أو اشْتَدَّ مَرَضُه، ولم يَتغَيَّرْ عَقْلُه؛ صحَّ تصرُّفُه، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وكَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا مع ثَباتِ عَقْلِه. وفي «التَّرغِيبِ»: مَنْ قُطِعَ بمَوته؛ كَقَطْع حُشْوَتِه، وغَرِيقٍ، ومُعايِنٍ؛ كَمَيْتٍ. (وَالْحَامِلُ عِنْدَ الْمَخَاضِ)؛ أيْ: عِنْدَ الطَّلْق، كذا ذَكَرَه مُعْظَمُ الأصْحابِ، (فَهُوَ كَالْمَرِيضِ) مَرَضًا مَخُوفًا؛ لأِنَّه يَحصُلُ لها ألَمٌ شديدٌ يُخافُ منه التَّلَفُ. (وَقَالَ (٥) الْخِرَقِيُّ: وَكَذَلِكُ الْحَامِلُ إِذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ)، هو روايةٌ عن

стр. 3679

أحمدَ؛ أيْ: عَطِيَّتها من الثُّلُث كمريضٍ حتَّى تَنجُوَ من نِفاسِها؛ لأِنَّه وقتٌ تُمكِنُ الوِلادةُ فيه، وهو من أسباب التَّلَف، والأشْهَرُ: مع ألَمٍ. وقال إسحاقُ: إذا ثَقُلت؛ لا يجوز لها إلاَّ الثُّلث، ولم يَحُدَّ حَدًّا، وحكاه ابنُ المنذِرِ عن أحمدَ (١). (وَقِيلَ: عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَايَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ)، حكاهُ أبو بَكْرٍ؛ لأِنَّه لا مَرَضَ بهم، فهم كالصَّحيح. تنبيهٌ: إذا وَلَدَت المرأةُ؛ فإنْ بَقِيَت المَشِيمةُ معها، أوْ مات معها؛ فهو مَخُوفٌ، فإنْ خَرَجا فَحَصَل ثَمَّ وَرَمٌ، أوْ ضَرَبان شديدٌ؛ فكذلك، وإنْ لم يكن شَيءٌ من ذلك؛ فقد رُوِيَ عن أحمدَ في النُّفَساء إذا كانت تَرَى الدَّمَ: فعَطِيَّتُها من الثُّلث (٢)، والسِّقْطُ كالولد التَّام، لا مضغة (٣) أوْ عَلَقَةٌ، إلاَّ أن يكونَ أَلَمٌ، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». (وَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ)، يُحْتَرَزُ به عن الوصيَّة، فالتبرع (٤) عبارةٌ عن إزالة ملْكِه فِيما لَيسَ بواجِبٍ بِغَيرِ عِوَضٍ؛ (بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا)؛ لأِنَّ السَّابِقَ اسْتَحَقَّ الثُّلُثَ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَا بَعْدَهُ، وسَواءٌ كان السَّابِقُ عِتْقًا أوْ غَيرَه. وعَنْهُ: يُقسَمُ بَينَ الكُلِّ بالحِصَص. وعَنْهُ: يُقدَّمُ العِتْقُ. وَعُلِمَ منه: أنَّ التَّبَرُّعاتِ إذا كانَتْ عَطايَا وَوَصايَا؛ تُقدَّمُ العَطايا؛ لأِنَّها أسْبَقُ.

стр. 3680

(وَإِنْ (١) تَسَاوَتْ)؛ أيْ: وَقَعَتْ دَفْعةً؛ بأنْ وَكَّلَ جماعةً فيها، فأوْقَعُوها دَفْعةً واحدةً؛ (قُسِمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّهم تَساوَوْا في الاِسْتِحْقاق، فيُقْسَمُ بَينَهم على قَدْر حُقوقِهم؛ كغُرَماء المفْلِسِ. (وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ)؛ لأِنَّه آكَدُ؛ لِكَونه مَبْنِيًّا على السِّرايَة والتَّغْلِيبِ، وإنْ كانَتْ كلُّها عِتْقًا أقْرَعْنا بَينَهم، فيُكَمَّل العِتْقُ في بعضهم. أصْلٌ: إذا قَضَى المريضُ بعْضَ غُرَمائه، وَوَفَتْ تَرِكَتُه بالكلِّ؛ صحَّ، وإنْ لم تَفِ (٢) فَوَجْهانِ: أشْهَرُهما، وهو قِياسُ قَولِ أحمدَ: أنَّهم لا يَملِكونَ الاِعْتِراضَ عَلَيه؛ لأِنَّه أدَّى واجِبًا عَلَيه؛ كأداء ثَمَنِ المبيع (٣). والثَّاني: عَكْسُه؛ لأِنَّ حقهم (٤) تَعلَّقَ بماله بمَرَضه، فَمُنِعَ تصرُّفَه فيه كالتَّبرُّع، وما لَزِمَه في مَرَضِه مِنْ حقٍّ لا يُمكِنُه دَفْعُه وإسْقاطُه، فهو من رأس ماله، فلو تبرَّع أوْ أعْتَقَ، ثُمَّ أقرَّ بِدَينٍ؛ لم يَبطُلْ تبرُّعُه، نَصَّ عَلَيهِ في العتق (٥)؛ لأِنَّ الحقَّ ثَبَتَ بالتبرع (٦) في الظَّاهِرِ. (وَأَمَّا مُعَاوَضَةُ الْمَرِيضِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ فَتَصِحُّ (٧) مِنْ رَأْسِ الْمَالِ)، ذَكَرَه الأصْحابُ؛ لأِنَّه إنَّما يُعتبَرُ من الثُّلُث التَّبرُّعُ، ولَيسَ هذا تَبَرُّعًا، (وَإِنْ كَانَتْ مَعَ وَارِثٍ)؛ لأِنَّه لا تَبرُّعَ فيها ولا تُهمةَ، فصحَّتْ كالأجْنَبِيِّ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا تَصِحَّ لِوَارِثٍ)، هذا رواية؛ لأِنَّه خَصَّه بعَينِ المال، أشْبَهَ

стр. 3681

ما لو حاباه، ومعْناهُ: أنَّها لا تَصِحُّ معه إلاَّ بإجازةٍ، اخْتارَه في «الاِنتصار»؛ لِفَواتِ حقِّه في المعيَّن (١). (وَإِنْ حَابَى وَارِثَهُ؛ فَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ فِي قَدْرِ مَا حَابَاهُ)؛ لأِنَّ المُحاباةَ كالوصيَّة، وهي لوارِثٍ باطِلةٌ، فكذا المُحاباةُ، (وَتَصِحُّ فِيمَا عَدَاهُ)؛ لأِنَّ المانِعَ من صحَّة البَيعِ المُحاباةُ، وهي هنا مَفْقودةٌ. فَعَلَى هذا: لو باعَ شَيئًا بنِصْفِ ثَمَنِه؛ فله نصفُه بجميع الثَّمَنِ؛ لأِنَّه تَبرَّعَ له بنِصْف الثَّمَن، فبَطَلَ التَّصرُّفُ فِيمَا تَبرَّعَ به. وعنه: يَبطُلُ بَيعُ الكُلِّ. وعلى الأوَّل: مَحلُّه بدونِ إجازَةِ الوارِثِ. ويُعتَبَرُ إجازةُ المجِيزِ في مَرَضِه من ثُلُثِه، وقال ابنُ حمْدانَ: إنْ جُعِلَتْ عَطِيَّةً، وإلاَّ فمِنْ كلِّه. (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ فِي حَقِّهِ)، فشُرِع ذلك دفْعًا للضَّرَرِ، فإنْ فَسَخَ وطَلَب قَدْر المحاباةِ، أوْ طَلَبَ الإمْضاءَ في الكلِّ وتكميلَ حقِّ الوَرَثَة من الثَّمَن؛ لم يكُنْ له ذلك. وعَنْهُ: يَصِحُّ في العَينِ (٢) كلِّها، ويَرُدُّ المشْتَرِي الوارثُ تمامَ قِيمتِها أوْ يَفسَخُ. (فَإِنْ كَانَ لَهُ شَفِيعٌ؛ فَلَهُ أَخْذُهُ)؛ لأِنَّها تَجِبُ بالبَيع الصَّحيح، وقد وُجِدَ، (فَإِنْ أَخَذَهُ؛ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشَتَرِي)؛ لِزَوالِ الضَّرَر عَنه؛ لأِنَّه لو فَسَخَ المبيع رَجَعَ بالثَّمنِ، وقد حَصَلَ له الثَّمَنُ من الشَّفِيعِ. فَرْعٌ: إذا آجَرَ نفْسَه، وحَابَى المستأجر؛ صحَّ مَجَّانًا.

стр. 3682

(وَإِنْ بَاعَ الْمَرِيضُ أَجْنَبِيًّا، وَحَابَاهُ)؛ لم يَمنَعْ ذلك من صحَّة العَقْد في قَولِ الجمهور؛ لأِنَّه تصرُّفٌ صَدَرَ من أهْلِه في محلِّه، فَصَحَّ، كغَيرِ المريضِ. فَعَلَيهِ: لو باعَ عَبْدًا لا يَمْلِكُ غَيرَه، قِيمَتُه ثلاثون بِعَشَرةٍ؛ فقد حَابَى المشْتَرِيَ بثُلُثَيْ (١) مالِه، ولَيسَ له المحاباةُ بأكثرَ من الثُّلُث، فإنْ أجاز الوَرَثَةُ ذلك؛ لَزِمَ البَيعُ، وإنْ رَدُّوا، فاختار المشْتَرِي فَسْخَ البَيع؛ فله ذلك، وإن اختار إمْضاءَه؛ فعن أحمدَ: يأخُذُ نصفَ المبِيع بنِصف الثَّمن، ويُفسَخُ البَيعُ في الباقي، وصحَّحه الشَّيخانِ. وطريقُه: أن (٢) يُسقِطَ الثَّمَنَ - وهو عَشَرةٌ - من قِيمة العَبدِ - وهو ثلاثون -، ثُمَّ يأخُذُ ثلثَ المبيع - وهو عشرةٌ -، فَيَنْسُبَه من الباقي - وهو عِشْرُونَ -، فَمَا خَرَجَ بالنِّسبة؛ صحَّ البَيعُ في مِقْدار تلك النِّسبة، فيَصِحُّ البَيعُ في نصف المبِيعِ بنِصْف الثَّمن. وعلى قَولِ القاضِي: يَنسِبُ الثَّمنَ وثُلُثَ المبِيع مِنْ قِيمة المبِيعِ، فيَصِحُّ في مِقْدار تلك النِّسبة بالثَّمَن كلِّه، وهو قَولُ أهلِ العراق. فلو باعه بخمسةَ عَشَر، وهو يُساوِي ثلاثين؛ صحَّ البَيعُ في ثُلُثَيْه بثُلُثَي الثَّمن على الأوَّل، وعلى الثَّاني: للمشْتَرِي خمسةُ أسداسه (٣). (وَكَانَ شَفِيعُهُ (٤) وَارِثًا؛ فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ) في الأصحِّ؛ (لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيْرِهِ)؛ كما لو وَصَّى لغَريمِ وارِثِه، وهذا إذا لم يَكُنْ حيلةً، ولأِنَّه إنَّما مُنِعَ منها في حقِّ الوارث لِمَا فيها من التُّهمة من إيصال (٥) المال إلى بعض الوَرَثة

стр. 3683

المنهيِّ عنه شَرْعًا، وهذا مَعْدومٌ فِيمَا إذا أَخَذَ بالشُّفْعة ما وَقَعَتْ فيه المحاباةُ. وقِيلَ: لا يَملِكُ الوَارثُ الشُّفْعةَ؛ لِإِفْضائه إلى إثْبات حقِّ وارِثه. فَرْعٌ: لا يَصِحُّ تعليقُ عطيَّةٍ مُنجَّزةٍ ونحوِها في مرضٍ مَخُوفٍ على شَرْطٍ إلاَّ في العِتْق، فلو علَّق صحيحٌ عِتْقَ عَبْدِه، فَوُجِدَ شَرْطُه في مرضه؛ فمِنْ ثُلُثِه في الأصحِّ. (وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ الْمَوْتِ)؛ لأِنَّه وقْتُ لُزومِ الوصايا واسْتِحقاقها، ويَثْبُتُ له وِلايةُ القَبول والرَّدِّ، فإنْ ضاق ثُلثُه عن العطيَّة والوصيَّة؛ قُدِّمت العطيَّةُ في قَول جمهور الفقهاء؛ لأِنَّها لازِمةٌ، فقُدِّمتْ على الوصيَّة؛ كعَطِيَّة الصِّحَّة. وعنه: هما سَواءٌ. وتُعتَبَرُ (١) قِيمةُ المنجَّز وقَبولُه حِينَ نجَّزه، ونماؤه (٢) من حِينه إلى الموت تَبَعٌ له، فمَنْ جَعَل عَطِيَّتَه من ثُلُثه، فحَمَل (٣) ما نجَّزه؛ فكَسْبُه له، وإلاَّ فله منه بقَدْر ما خَرَجَ من أصْله من الثُّلُث، ولَيسَ بشَرِكةٍ، قالَهُ في «الرِّعاية». (فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، ثُمَّ مَلَكَ مَالاً يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ)؛ لِخروجه من الثُّلث عند الموت، (وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ؛ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّ الدَّينَ مُقدَّمٌ على الوصيَّة، بدليلِ قَولِ عليٍّ: «قَضَى رسولُ الله ﷺ بالدَّين قَبْلَ الوصيَّة» (٥). وعنه: يَعتِقُ الثُّلُثُ؛ لأِنَّ تصرُّفَ المريض من الثُّلُث كتصرُّف الصَّحيح في الجميع، فإنْ مات قَبْلَ سيِّده؛ ماتَ حُرًّا، وقِيلَ: بل ثُلُثُه.

стр. 3684

فَرْعٌ: هِبَتُه كعِتْقِه. فائدةٌ: للمريض لُبْسُ ناعِمٍ، وأكْلُ طَيِّبٍ لِحاجَتِه، وإنْ فَعَلَه لِتَفْوِيت حقِّ الوَرَثَة؛ مُنِعَ، قالَهُ في «الانتصار»، وفِيهِ: يمنعه (١) إلاَّ بِقَدْر حاجَتِه وعادَتِه، وسلَّمه أيْضًا؛ لأِنَّه لا يُسْتَدْرَكُ؛ كإتْلافه (٢)، جزم (٣) به الحُلْوانِيُّ وغَيرُه؛ لأِنَّ حقَّ وارِثِه لم يَتَعَلَّقْ بعَينِ مالِهِ.

стр. 3685

(فَصْلٌ) (وَتُفَارِقُ الْعَطِيَّةُ الْوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ): (أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا)؛ لوقوعها (١) لازِمَةً، (وَالْوَصَايَا يُسَوَّى بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا)؛ لأِنَّها تبرُّعٌ بَعْدَ الموت، فَوُجِدَ دفْعَةً واحِدةً. (وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي الْعَطِيَّةِ)؛ لأِنَّها تَقَعُ لازِمةً في حقِّ المعْطِي، تَنتَقِلُ (٢) إلى المعْطَى في الحياة إذا اتَّصَلَ بها القَبولُ (٣) والقَبْضُ، ولو كَثُرَتْ، وإنَّما مُنِعَ من التَّبرُّعِ بزيادةٍ على الثُّلُث لحقِّ الوَرَثة، (بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ)، فإنَّه يَملِكُ الرُّجوعَ فيها؛ لأِنَّ التَّبرُّعَ فِيهَا مَشْروطٌ بالموت، فَقَبْلَ الموت لم تُوجَدْ (٤)، فهي كالهِبة قَبْلَ القَبول. (وَالثَّالِثُ (٥): أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ لِلْعَطِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِهَا)؛ لأِنَّها تمْليكٌ في الحال (٦)، (بِخِلَافِ الوَصِيَّةِ (٧)، فإنَّها تمْليكٌ بَعْدَ الموت، فاعْتُبِرَ عِنْدَ وُجودِه. (وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْعَطِيَّةِ مِنْ حِينِهَا) بِشُروطها؛ لأِنَّها إنْ كانَتْ هِبَةً فمُقْتَضاها تمْليكُه الموْهُوبَ في الحال، فيُعْتَبَرُ قَبولُها في المجلس؛ كعطيَّة

стр. 3686

الصِّحَّة، وكذا إنْ كانَتْ مُحاباةً أو إعتاقًا، (وَيَكُونُ مُرَاعًى)؛ لأِنَّا لا نَعلَمُ هل هو مَرَضُ الموت أوْ لا، ولا نَعلَمُ هل يَسْتفِيدُ مالاً أوْ يَتْلَفُ شَيءٌ من ماله، فتوقَّفْنا لِنَعْلَمَ عاقِبةَ أمْرِه لنعمل (١) بها، فإذا انْكَشَفَ الحالُ؛ عَلِمْنا حِينَئِذٍ ما ثَبَتَ حالَ العَقْد؛ كإسْلامِ أحدِ الزَّوجَينِ، (فَإِذَا (٢) خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِهِ)؛ أيْ: مِنْ حِينِ العَطِيَّة؛ لأِنَّ المانِعَ مِنْ ثُبوتِه كَونُه زائدًا على الثُّلُث، وقد تبيَّنَ خِلافُه. (فَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا، أَوْ وَهَبَهُ لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ كَسَبَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ شَيْئًا، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ؛ كَانَ كَسْبُهُ لَهُ إِنْ كَانَ مُعْتَقًا)؛ لأِنَّ الكَسْبَ تابِعٌ لِملْكِ الرَّقَبةِ، (وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ إِنْ كَانَ مَوْهُوبًا)؛ لِمَا ذَكَرْنا. وعُلِمَ منه: أنَّ العِتْقَ والهِبةَ نافِذانِ فيه إذا خرج من الثُّلث، فتعيَّن كَونُ الكَسْب للمُعْتَق والموْهوب له؛ للتَّبَعِيَّة. (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) من الثُّلث؛ (فَلَهُمَا)؛ أيْ: للمُعْتَقِ والموْهُوب له، (مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ)؛ أيْ: بمِقْدار نِسْبَةِ ذلك البَعْض إلَيهِ. (فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، فَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ؛ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ)؛ لأِنَّ الكَسْبَ يَتْبَعُ ما تَنفُذُ فيه العَطِيَّةُ دُونَ غَيرِه، فيَلزَمُ الدَّورُ؛ لأِنَّ للعَبد مِنْ كَسْبِه بقَدْرِ ما عَتَقَ، وباقِيهِ لسَيِّده، فيَزْدادُ به مالُ السَّيِّد، وتَزْدادُ (٣) الحُرِّيَّةُ كذلك (٤)، ويَزْدادُ حقُّه مِنْ كَسْبِه، فيَنْقُصُ به حقُّ السَّيِّد من كَسْبِه، ويَنقُصُ بذلك قَدْرُ المعتَقِ منه. ونبَّه عَلَيهِ بقَولِه: (وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيْئَانِ، فَصَارَ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ)؛ أيْ:

стр. 3687

صار مقسومًا نِصفَينِ؛ لأِنَّ العَبْدَ لَمَّا اسْتَحَقَّ بِعِتْقِه شَيئًا وبِكَسْبِه شَيئًا؛ كان له في الجملة شَيئانِ، وللوَرَثَة شَيئانِ، (فَيَعْتِقُ مِنْهُ نِصْفُهُ، وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا)؛ أيْ: نِصْفُ العبد ونِصْفُ الكَسْب، فإذا كان العَبْدُ قِيمتُه مائَةٌ - مَثَلاً -، وكَسَبَ مائَةً؛ قسمت ذلك على أربعة أشْياءَ، فيَكونُ الشَّيءُ خَمسين (١)، وهو أَوْلى من ضمِّ الأشْياء، ثُمَّ يُقسَمُ نصفَينِ؛ لأِنّ بالأوَّل تبيَّنَ مِقدَارُ الشَّيء، فيُعلَمُ مِقْدارُ العِتْقِ، بخِلاف القِسْمة نِصفَينِ، فإنَّه يُحتاجُ إلى نَظَرٍ ليَبين (٢) مِقْدارُ العِتْقِ. (وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ؛ صَارَ لَهُ شَيْئَانِ، وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَيَعْتِقُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ)، ففي مسْأَلَتِنا: إذا كَسَب مائَتَينِ؛ قَسَمْتَ المجموعَ - وهو ثلاثُمائَةٍ - على خَمْسةِ أشْياءَ: ثلاثةٌ للعبد، وشَيئانِ للوَرَثة، وَجَدْتَ كلَّ شَيءٍ يَعدِلُ شَيئَينِ، وذلك ثلاثةُ أخْماسِ العَبْدِ. (وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ؛ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ)، فالجميعُ ثلاثةُ أشْياءَ ونِصفُ شَيءٍ، فابْسُطْها تَصِيرُ سَبْعةً، له ثلاثةُ أسباعِه، (فَيَعْتِقُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ) في الصُّوَر كلِّها؛ لأِنَّه ملْكُهم. وضابِطُ ذلك أنْ نقولَ: عَتَقَ منه شَيءٌ، وللورثة مِثْلَا ما عَتَقَ منه، وهو شَيئانِ، وله من كَسْبِه شَيءٌ إنْ كَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِه، وشَيئانِ إنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمتِه، وثَلاثةُ أشْياءَ إنْ كَسَبَ ثلاثةَ أمْثالِ قِيمتِه، ونِصْفُ شَيءٍ إنْ كَسَبَ مِثْلَ نِصْفِ قِيمَتِه، وعلى هذا أبَدًا، ثُمَّ تَجمَع الأشْياءَ، فَتَقْسِمُ (٣) قِيمةَ العبد وكَسْبهُ عليها،

стр. 3688

فما خَرَجَ فهو الشَّيءُ. فلو أعْتَقَ عبدًا لا مالَ له سِواهُ، قِيمتُه مائةٌ، فكَسَب ثلاثةَ أمثْالِ قيمته؛ فقد عَتَقَ منه شَيءٌ، ولِوَرَثَة سيِّده شَيئانِ، وله مِنْ كَسْبه ثلاثةُ أشْياءَ، فتَجْمَع الأشْياءَ فتَصِيرُ ستَّةً، فاقْسِمْ عَلَيها قيمةَ العبد وكَسْبَه، وذلك أربعُمائَةٍ، يَخرُج الشَّيءُ ستَّةً وسِتِّينَ وثُلُثين (١)، فقد عَتَقَ منه شَيءٌ، وهو ثُلُثَا قِيمَتِه، ولِوَرَثَة سيِّده شَيئانِ مِثْلا ما عَتَقَ منه، وله مِنْ كَسْبِه ثلاثةُ أشْياءَ، مائتانِ، وهي (٢) ثُلُثا كَسْبِه. فَرْعٌ: أعْتَقَ عبْدًا قِيمَتُه عِشْرُونَ، ثُمَّ آخَرَ قِيمَتُه عَشَرةٌ، فكَسَبَ كلٌّ منهما قَدْرَ قِيمَتِه، تكَمَّلَت الحُرِّيَّةُ في العبد الأوَّل، فيَعْتِقُ منه شَيءٌ، وله مِنْ كَسْبِه شَيءٌ، وللوَرَثة شَيئانِ، فيَقْسِمُ العَبْدَينِ وكَسْبَهما على الأشْياءِ الأربعةِ، فيَخْرُجُ لِكُلِّ شَيءٍ خمسةَ عَشَرَ، فيَعتِقُ منه بِقَدْر ذلك، وهو ثلاثةُ أرْباعِه، وله ثَلاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، والباقِي للوَرَثَة. وإنْ بَدَأَ بِعِتْقِ الأدْنَى (٣)؛ عَتَقَ كلُّه، وأَخَذَ كَسْبَه، ويَسْتَحِقُّ الوَرَثَةُ من العَبْد الآخَرِ (٤) وكَسْبِه مِثْلَيِ (٥) العَبْدِ الَّذي عَتَقَ (٦)، وهو نِصفُه ونِصفُ كَسْبه، ويَبْقَى نِصفُه ونِصفُ كَسْبِه بَينَهما نَصْفَينِ، فيَعتِقُ رُبُعُه، وله رُبعُ كَسْبِه، ويَرِقُّ ثلاثةُ أرْباعِه، ويَتْبَعُه ثلاثةُ أرْباعِ كَسْبه، وذلك مِثلَا ما عَتَقَ منهما. فإِنْ أعْتَقَهما معًا؛ أقْرَعْنا بَينَهما، فَمَنْ خَرَجتْ له قُرْعةُ الحُرِّيَّةِ؛ فهو كما لو بدأ بإعْتاقه.

стр. 3689

فلو كانا متساوِيَيِ (١) القِيمَةِ، فأعْتَقَهما بكلمةٍ واحدةٍ، ولا مالَ له سَواهُما، فمات أحدُهما في حياته؛ أُقْرِعَ بَينَ الحيِّ والميت، فإنْ وَقَعتْ على الميت؛ فالحيُّ رَقِيقٌ، ويَتَبيَّنُ (٢) أنَّ الميتَ نصفُه حُرٌّ؛ لأِنَّ مع الوَرَثة مِثْلَ نصفه، وإنْ وَقَعتْ على الحيِّ؛ عَتَقَ ثُلُثه (٣) ولا يُحْسَبُ الميتُ على الورثة؛ لأِنَّه لم يَصِلْ إلَيهِم. (وَإِنْ كَانَ مَوْهُوبًا لِإِنْسَانٍ؛ فَلَهُ)؛ أيْ: للمَوهُوبِ له (مِنَ الْعَبْدِ (٤) بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ)؛ لأِنَّ القَدْرَ الموْهُوبَ يَعْدِلُ القَدْرَ المعْتَقَ، (وَبِقَدْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ)؛ لأِنَّ الكَسْبَ يَتْبَعُ الملْكَ، فلَزِمَ أنْ يَملِكَ من الكَسْبِ بِقَدْرِ ما مَلَكَ من العَبد. فإنْ كانَتْ قِيمَتُه مائَةً فكَسَبَ تسعةً، فاجْعَلْ له مِنْ كلِّ دِينارٍ شَيئًا، فقد عَتَقَ منه مائةُ (٥) شَيءٍ، وله مِنْ كَسْبه تسعةُ أشْياءَ، ولهم مائتا شَيءٍ، فيَعْتِقُ منه مائةُ جُزْءٍ، وتِسْعةُ أجْزاءٍ مِنْ ثلاثِمائةٍ وتِسعةٍ، وله (٦) من كَسْبه مِثْلُ ذلك، ولهم مائتا جزءٍ من نفسه ومائتا جزءٍ من كَسْبه. فإنْ كان على السَّيِّد دَينٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمتَه وقِيمةَ كَسْبه؛ صُرِفا في الدَّين، ولم يَعتِقْ منه شَيءٌ؛ لأِنَّ الدَّينَ مُقدَّمٌ على التَّبرُّع، وإن لم يَسْتغْرِقْ قِيمتَه وقِيمةَ كَسْبِه؛ صُرِفَ مِنَ العبدِ وكَسْبِه ما يُقْضَى منه الدَّينُ، وما بَقِيَ منهما يُقْسَمُ على ما يُعمَلُ في العبد الكامِلِ وكَسْبِه. (وَإنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً) لا مالَ له غَيرُها، (ثُمَّ وَطِئَهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ

стр. 3690

قِيمَتِهَا؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهَا، يَعْتِقُ (١) مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا)؛ لأِنَّها لو كَسَبَتْ نصفَ قيمتها؛ لَعَتَقَ منها ثلاثةُ أسْباعها، سُبُعٌ بِملْكِها له مِنْ نَفْسِها بحقِّها من مَهْرِها، ولا وَلاءَ عَلَيها لَأحَدٍ، وسُبُعانِ بإعْتاقِ الميت، لكِنْ في التَّشْبِيه نَظَرٌ مِنْ حَيثُ إنَّ الكَسْبَ يَزِيدُ به ملْكُ السَّيِّد، وذلك يَقْتَضِي الزِّيادةَ في العتق، والمهرُ يَنقُصُه، وذلك يَقْتَضِي نقصانَ العِتْق. (وَلَوْ وَهَبَهَا مَرِيضًا آخَرَ لَا مَالَ لَهُ أَيْضًا، فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ)، وماتا جميعًا؛ (صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شِيْءٍ (٢)، وَعَادَ إِلَيْهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ، بَقِيَ لِوَرَثَةِ الآْخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ، وَلِلْأَوَّلِ)؛ أيْ: لِوَرَثَة الأوَّلِ (شَيْئَانِ)، فاضْرِبْها في ثلاثةٍ؛ لِيَزُولَ الكَسْرُ، تَكُنْ ثمانيةَ أشْياء، تَعدِلُ الأَمَةَ الموْهوبَةَ، (فَلَهُمْ)؛ أيْ: لِوَرَثَة الأوَّل (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا)؛ سِتَّةٌ، (وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبُعُهَا)؛ شَيئانِ، وإنْ شِئْتَ قُلتَ: المسألةُ من ثلاثةٍ؛ لأِنَّ الهِبَةَ صحَّتْ في (٣) ثُلُث المال، وهِبَةَ الثَّاني صَحَّتْ في ثُلُثِ الثُّلُث، فتَكونُ مِنْ ثلاثةٍ، اضْرِبْها في أصْلِ المسألة تَكُنْ تِسعةً، أسْقِطِ السَّهْمَ الَّذي صَحَّتْ فيه الهِبَةُ الثَّانيةُ، بَقِيَت المسألةُ من ثَمانِيَةٍ. (وَإِنْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ (٤) غَيْرَهُ، يُسَاوِي ثَلَاثِينَ، بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشَرَةً)، وهُما من جِنْسٍ واحِدٍ، فيُحتَاجُ إلى تَصْحِيحِ البَيعِ في جُزْءٍ منه مع التَّخلُّص من الرِّبا؛ لِكَونِه يَحرُمُ التَّفاضُلُ بَينَهما، فأشار إلى الطَّريقة فقال: (فَأَسْقِطْ قِيمَةَ الرَّدِيءِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ، ثُمَّ انْسُبِ الثُّلُثَ إِلَى مَا بَقِي (٥)، وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ، تَجِدْهُ نِصْفَهَا، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ

стр. 3691

الرَّدِيءِ)؛ لأِنَّ ذلك مُقابَلَة (١) بعْضِ المبيعِ بِقِسْطِه من الثَّمَن عِنْدَ تعذُّر أخْذِ جَميعِه بجميع الثَّمَن، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى سِلْعَتَينِ بثَمَنٍ، فانْفَسَخَ البَيعُ في أحَدِهما بعَيبٍ أوْ غَيرِه، (وَيَبْطُلُ فِيمَا بَقِيَ)؛ لانْتِفاء المقْتَضِي للصِّحَّة، لا يُقالُ: هلاَّ (٢) يَصِحُّ في الجَيِّد بقَدْر قِيمة الرَّدِيءِ، ويَبطُلُ في غَيرِه؟ لأِنَّه يُفْضِي إلى الرِّبا؛ لكَونِهِ عَقْدًا يَصِحُّ في ثُلُث الجَيِّد بكلِّ الرَّديءِ، وذلك رِبًا؛ ولأِنَّ المحاباةَ في البَيع وصيَّةٌ، وفِيما ذُكِرَ إبطالها (٣)؛ لأِنَّه لا يَحصُلُ لها (٤) شَيْءٌ. وطَريقُ الجَبْر أنْ يُقالَ: يَصِحُّ البَيعُ في شَيءٍ من الأرْفَعِ بشَيءٍ من الأَدْنَى، وقِيمتُه ثُلُثُ شَيءٍ، فتكون (٥) المحاباةُ بثُلُثَيْ شَيءٍ، أَلْقِها من الأرْفَعِ، يَبْقَى قَفِيزٌ إلاَّ ثُلُثَيْ شَيءٍ، يَعدِلُ ثُلُثَي (٦) المحاباةِ، وذلك شَيءٌ وثُلُثُ شَيءٍ، فإذا جَبَرْتَه عَدَلَ شَيئَينِ؛ فالشيء (٧) نِصْفُ القَفِيزِ. فإن (٨) كان الأَدْنَى يُسَاوِي عِشْرينَ؛ صحَّتْ في جَمِيع الجَيِّد بجميع الرَّدِيءِ، وإن كان الأدْنَى يُساوِي خَمسةَ عَشَرَ؛ فاعْمَلْ بالطَّرِيقَينِ (٩) الأوَّلَينِ، ولك طريقٌ آخَرُ، وهو: أنْ تَضرِبَ ما حاباه به في ثلاثةٍ، تَبْلُغُ (١٠) خمسةً

стр. 3692

وثلاثِينَ (١)، انْسُبْ قِيمةَ الجَيِّدِ إلَيهَا؛ بثُلثيها (٢)، فيَصِحُّ بيعُ ثُلُثَي الجَيِّدِ بثُلُثَي الرَّدِيءِ، وبَطَلَ فِيمَا عَداهُ. فَرْعٌ: لَوْ حابَى في إقالةٍ في سَلَمٍ؛ كَمَنْ أسْلَفَ عَشَرةً في كُرِّ حِنطَةٍ، ثُمَّ أقالَهُ في مَرَضه، وقِيمتُه ثلاثونَ؛ تَعيَّن الحُكْمُ كما ذَكَرَه؛ لِإمْضاءِ (٣) الإقالَة في السَّلَم بزيادةٍ، وهو مُمْتَنِعٌ. (وَإِنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا، وَصَدَاقُ مِثْلِهَا: خَمْسَةٌ، فَمَاتَتْ قَبْلَهُ، ثُمَّ مَاتَ)؛ فَيَدخُلُها الدَّوْرُ، فنَقولُ: (لَهَا بِالصَّدَاقِ خَمْسَةٌ (٤)؛ لأِنَّها مَهْرُ مِثْلِها، (وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ)؛ لأِنَّها كالوصيَّة، ويبقى (٥) لِوَرَثَة الزَّوج خَمْسَةُ الأشْياءِ، (رَجَعَ إِلَيْهِ نِصْفُ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا)؛ لأِنَّ الزَّوجَ يَرِثُ نِصْفَ ما لاِمْرأته إذا لم يكُنْ لها وَلَدٌ، (صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إِلاَّ نِصْفَ شَيْءٍ)؛ لأِنَّه كان له خَمْسةٌ إلاَّ شيئًا (٦)، وَوَرِثَ اثْنَينِ ونِصْفًا ونِصْفَ شَيءٍ، (يَعْدِلُ (٧) شَيْئَيْنِ)؛ لأنه (٨) مِثلَا ما اسْتَحَقَّتْه المرأةُ بالمحاباة، وذلك شَيءٌ، (اجْبُرْهَا بِنِصْفِ شَيْءٍ)؛ لِيُعْلَمَ، (وَقَابِلْ)؛ أيْ: يُزادُ على الشَّيئَينِ نصفُ شَيءٍ، فلْيُقابَلْ ذلك النِّصفُ المرادُ؛ أي: يَبقَى سبعةٌ ونصْفٌ، تَعْدِلُ (٩) شَيئَينِ ونصفًا، (يَخْرُجُ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً، فَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ)؛ لأِنَّ لهم شَيْئَينِ، (وَلِوَرَثَتِهَا (١٠) أَرْبَعَةٌ)؛ لأِنَّه كان

стр. 3693

لها خمسةٌ وشَيءٌ، وذلك ثمانيةٌ، رَجَعَ إلى وَرَثَته نِصفُها، وهي أربعةٌ. والطَّريقةُ في هذا: أنْ نَنظُرَ (١) ما بَقِيَ في يَدِ وَرَثَةِ الزَّوج، فخُمُساهُ هو الشَّيءُ الذي صحَّت المحاباةُ فيه، وذلك لأِنَّه بَعْدَ الجَبْرِ يَعدِلُ شَيئَينِ ونِصْفًا، والشَّيءُ هو خُمُساها، وإنْ شِئْتَ أسْقَطْتَ خُمُسَه، وأخَذْتَ نِصْفَ ما بَقِيَ. (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا؛ وَرِثَتْهُ)؛ لأِنَّها زَوجَتُه، (وَسَقَطَتِ الْمُحَابَاةُ، نَصَّ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ حُكمَها في المرض حُكْمُ الوصيَّة في أنَّها لا تَصِحُّ لوارِثٍ، فَعَلَيهِ: لو كانت غَيرَ وارِثِة؛ كالكافِرَة؛ لم تَسقُط المحاباةُ؛ لِعَدَمِ الإرْثِ، وحِينَئِذٍ: فلها مَهرُها وثُلُثُ ما حاباها به. (وَعَنْهُ: تُعْتَبَرُ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ)؛ لأِنَّها مُحاباةٌ لِمَنْ يَجُوزُ (٢) عَلَيهَا الصَّدَقةُ، فاعْتُبِرَتْ من الثُّلُث؛ كمُحاباةِ الأجْنَبِيِّ، (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ). وقِيلَ: تَسقُطُ المُحاباةُ إنْ لم يُجِزْها بَقِيَّةُ الوَرَثَة. وقِيلَ: يَسقُطُ المسَمَّى ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. وقِيلَ: مَهْرُها ورُبُع الباقِي. وقيل: بَلْ ثُلُثُ المُحاباةِ. وكذا الخِلافُ فِيمَنْ تزوَّجَ مَنْ تَرِثُه (٣) في مَرَضِه بأكثرَ مِنْ مَهْر المِثْل، ولو تزوَّج مريضةً بِدُونِ مَهْرِها؛ فهل لها ما نَقَصَ؟ فيه وَجْهانِ.

стр. 3694

(فَصْلٌ) (وَلَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ: أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ؛ عَتَقَ) مِنْ رأْسِ المال؛ لأِنَّ إقْرارَ المريض بذلك كالصَّحيح، (وَلَمْ يَرِثْهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ)، وفي «الرِّعاية»: أنَّه أقْيَسُ؛ (لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَهُ؛ كَانَ إِقْرَارُهُ لِوَارِثٍ)، فَيَبطُلُ عِتْقُه؛ لأِنَّه مُرتَّبٌ على صِحَّة الإقْرار، وهو لا يَصِحُّ لِوارِثٍ، وعَلَّله الخَبْري (١): بأنَّ عِتْقَهم وصيَّةٌ، فلا يُجمَعُ لهم بَينَ الأمْرَينِ؛ لأِنَّهم إذا وَرِثُوا؛ بَطَلَت الوصيَّةُ، وإذا بَطَلَت الوصيَّةُ؛ بَطَلَ العِتْقُ، فيُؤَدِّي تَوْريثُهم إلى إسْقاطِ توريثهم. وقِيلَ: يَرِثُ؛ لأِنَّه حِينَ الإقْرار لم يَكُنْ وارِثًا، فَوَجَبَ أنْ يَرِثَ؛ كما لو لم يَصِرْ وارِثًا. (وَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهِ: لَوِ اشْتَرَى ذَا رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ)؛ أي: مَنْ يَعتِقُ عَلَيهِ بالشراء (فِي مَرَضِهِ (٢) وَهُوَ وَارِثُهُ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ، أَوْ وَهَبَ (٣) لَهُ فَقَبِلَهُ فِي مَرَضِهِ)؛ أيْ: يَعتِقُ، ولا يَرِثُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَعْتِقُ وَيَرِثُ)، وهو المنصوصُ (٤)، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وحاصلُه: أنَّه إذا مَلَكَ مَنْ يَعتِقُ عَلَيهِ بِهِبةٍ أوْ وصيَّةٍ، أوْ أقرَّ أنَّه أعْتَقَ ابنَ عمِّه عَتَقَا من رأس المال، وَوَرِثَا؛ لأِنَّه حِينَ موت (٥) مَوْرُوثه لَيسَ

стр. 3695

بقاتِلٍ ولا مُخالِفٍ لِدِينِه، ولا يكون عِتْقُهم وصيَّةً. وقِيلَ: يَعتِقُ مِنْ ثُلُثه، وإلاَّ عَتَقَ منه بقَدْر الثُّلُث، فلو دبَّرَ ابْنَ عمِّه؛ عَتَقَ ولم يَرِثْ، نَصَّ عَلَيهِ (١). وإنْ قال: أنْتَ حُرٌّ في آخِرِ حياتِي؛ عَتَقَ، والأشْهَرُ: يَرِثُ، ولَيسَ عِتْقُه وصيَّةً. ولو علَّق عِتْقَ عَبْدِه بمَوتِ قَريبِه؛ لم يَرِثْه، ذَكَرَه جماعةٌ، قال (٢) القاضِي: لأِنَّه لا حقَّ له فِيهِ، قال في «الفروع»: ويَتَوَجَّهُ الخِلافُ. مسألةٌ: إذا اشْتَرَى مريضٌ مَنْ يَعتِقُ على وارِثِه؛ صحَّ، وعَتَقَ على الوارِث قَولاً واحِدًا. وإنْ وَصَّى بعِتْقِ بَعْضِ عَبْدٍ، أوْ أعْتَقَه، أوْ دبَّرَه، وبَقِيَّتُه له أوْ لِغَيرِه، وثُلُثُه يَحمِلُ كُلَّه؛ كَمُلَ عِتْقُه، وأخَذَ الشَّرِيكُ حَقَّه. وعَنْهُ: لا سِرايَةَ فِيهِنَّ، وهو أَوْلَى. وفي استسعائه للشَّريك روايتانِ. وعَنْهُ: السِّرايَةُ في المنَجَّزِ فقطْ. قال ابنُ حَمْدانَ: وإنِ اشْتَرَى المدْيونُ ذا رَحِمِه المَحْرَمِ؛ لم يَصِحَّ، وقِيلَ: بَلَى ويُباعُ في الدَّينِ. ولو اتَّهَبَ عَبْدٌ مَنْ يَعتِقُ على سيِّده، وقُلْنا: يَصِحُّ قَبولُه بدونِ إذْنِه؛ عَتَقَ على سيِّده. (وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ؛ لَمْ تَرِثْهُ عَلَى قِيَاسِ الْأَوَّلِ)؛ لأِنَّ إرْثَها يُفْضِي إلى بُطْلانِ عِتْقِها؛ لأِنَّه وصيَّةٌ، وإبْطالَ عِتْقِها يُبْطِلُ تَوْرِيثَها.

стр. 3696

(وَقَالَ الْقَاضِي: تَرِثُهُ)، نَصَّ عَلَيهِ في رِوايةِ المرُّوذِيِّ (١)، وهو المذهَبُ؛ لأِنَّ العِتْقَ في هذه الحالِ وصيَّةٌ بِمَا لا يَلحَقُه الفَسْخُ، فيَجِبُ تصحيحُه للوارِثِ؛ كالعَفْوِ عن العَمْد في مَرَضِه، فإنَّه لا يَسقُطُ مِيراثُه، ولا تَبطُلُ (٢) الوصيَّةُ. ومحلُّه: ما إذا خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُث، كما لو أعْتَقَ ابْنَ عمِّه، أو اشْتَرَى ذا رَحِمٍ يَعتِقُ عَلَيهِ مِمَّنْ يَرِثُ. ولو أعْتَقَها في صحَّته وتَزَوَّجها في مَرَضِه؛ فإنَّه يَصِحُّ، وتَرِثُه بغَيرِ خَلافٍ عَلِمْناهُ (٣). (وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مائَةٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَأَصْدَقَهَا مائَتَيْنِ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، وَهِيَ (٤) مَهْرُ مِثْلِهَا، ثُمَّ مَاتَ؛ صَحَّ الْعِتْقُ) والنِّكاح؛ لأِنَّه صَدَرَ مِنْ أهْلِه في مَحَلِّه، (ولم تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ؛ لِئَلاَّ يُفْضِيَ إِلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا، ثُمَّ يَبْطُلُ صَدَاقُهَا)، وَوَجْهُه: أنَّها إذا اسْتَحَقَّت الصَّداقَ؛ لم يَبْقَ شَيءٌ سِوَى قَيمةِ الأَمَة المقدَّر بَقاؤُها، فلا يَنفُذُ العِتْقُ في كلِّها؛ لِكَونِ الإنسانِ مَحْجُورًا عَلَيهِ في التَّصرُّف في مَرَضِه في جَمِيعِ مالِه، وإذا بَطَلَ العِتْقُ في البَعْض؛ بَطَلَ النِّكاحُ، وإذا بَطَلَ النِّكاحُ؛ بَطَلَ الصَّداقُ. (وَقَالَ الْقَاضِي: تَسْتَحِقُّ (٥) الْمائَتَيْنِ) وتَعتِقُ (٦)؛ لأِنَّ العِتْقَ وَصِيَّةٌ لها، وهِيَ غَيرُ وارِثةٍ، والصَّداقُ اسْتَحَقَّتْه (٧) بِعَقْدِ المعاوَضَة، وهي تَنفُذُ من رأْسِ

стр. 3697

المال، فهو كما لو تَزَوَّجَ أجْنَبِيَّةً وأصْدَقَها المائَتَينِ. وفي إرْثِها الخِلافُ. قال في «المغني»: والأوَّلُ أَوْلَى من القَول بصِحَّة العِتْق واستِحْقاقِ الصَّداقِ جميعًا؛ لِإِفْضائِه إلى القَول بصِحَّة العِتْقِ في مَرَضِ الموت مِنْ جميع المال، ولا خِلافَ في فَسادِ ذلك. فلو أصْدَقَ المائتَينِ أجْنَبِيَّةً؛ صحَّ وبَطَلَ العِتْقُ في ثُلُثَي الأَمَة؛ لأِنَّ الخُروجَ من الثُّلُث معتبر (١) بحالة الموْتِ، وحالَةُ الموْت لم يَبقَ له مالٌ. وكذا لو تَلِفَت المائَتانِ قَبْلَ مَوتِه عَتَقَ مِنْها الثُّلُثُ فقطْ. فَرْعٌ: لو أعْتَقَ أَمَةً لا يَملِكُ غَيرَها، ثُمَّ تَزَوَّجَها؛ فالنِّكاحُ صحيحٌ في الظَّاهِرِ، فإنْ ماتَ ولم يَملِكْ شَيئًا آخَرَ؛ تَبَيَّنَّا أنَّ النِّكاحَ باطِلٌ، ويَسقُطُ مَهْرُها إنْ كان لم يَدخُلْ بها، وإنْ كانَ دَخَلَ بها، ومَهرُها نِصْفُ قِيمتِها؛ عَتَقَ منها ثلاثةُ أسْباعِها، ويَرِقُّ أربعةُ أسْباعِها، وحِسابُها أنْ نَقولَ: عَتَقَ منها شَيءٌ، ولها بِصَداقِها نِصْفُ شَيءٍ، وللوَرَثَةِ شَيئانِ، فتَجْمَعُه ثلاثةَ أشْياءَ ونِصْفًا، تبسطها (٢) تكن سَبْعةً. مسألةٌ: مريضةٌ أعْتَقَتْ عَبْدًا لها قِيمَتُه عَشَرةٌ، وتزوجها بعَشَرَةٍ في ذِمَّته، ثُمَّ ماتَتْ وخَلَّفَتْ مائةً، فمُقْتَضَى قَولِ الأصْحابِ: أنْ تُضَمَّ العَشَرَةُ إلى المائة، فتكونُ التَّرِكةَ، ويَرِثُ نَصْفَ ذلك، والباقِي للوَرَثَةِ. وقال أبُو يُوسُفَ ومحمَّدٌ: يُحْسَبُ عَلَيهِ قِيمَتُه أيْضًا، ويُضَمُّ إلى التَّرِكَةِ، ويَبْقَى للوَرَثَة سِتُّونَ. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَرِثُ شَيئًا، وعَلَيهِ أداءُ العَشَرَة الَّتي في ذِّمَّتِه؛ لِئَلاَّ

стр. 3698

يكونَ إعْتاقُه وصيَّةً لِوارِثٍ، وهو مُقْتَضَى قَولِ الخِرَقِيِّ (١). فائدةٌ: وَهَبَ أَمَةً؛ حَرُمَ على المتَّهِبِ وطْؤُها حتَّى يَبرَأَ أوْ يَموتَ (٢)، وفي «الخلاف»: له التَّصرُّفُ، وفي «الاِنتِصار»: وَالْوَطْءُ. (وَإِنْ تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مَالِهِ) في مَرَضِه، (ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ)، وله ابْنٌ؛ (فَقَالَ الْقَاضِي) ومُتابِعُوهُ: (يَصِحُّ الشِّرَاءُ، وَلَا يَعْتِقُ) الأبُ في الحال إذا اعْتَبَرْنا عِتْقَه من الثُّلُث؛ لِكَونِه اشْتَراهُ بمالٍ هو مُسْتَحَقٌّ للوَرَثَة بتَقْديرِ مَوتِه، ولأِنَّ تَبَرُّعَ المريضِ إنَّما يَنفُذُ من الثُّلُث، ويُقدَّمُ الأْوَّلُ فالأْوَّلُ، فإذا قُدِّمَ التَّبَرُّعُ؛ لم يَبْقَ من الثُّلُث شَيءٌ. ولو اشترى (٣) أباهُ بماله، وهو تِسْعةُ دنَانِيرَ، وقِيمتُه سِتَّةٌ، فقال المجْدُ: عِنْدِي تَنفُذُ المحاباةُ؛ لِسَبْقِها العِتْقَ، ولا يَعْتِقُ عَلَيهِ كالَّتي قَبْلَها. وقال القاضِي: يَتَحاصَّان هُنا، فيَنفُذُ ثُلُثُ الثُّلُث للبائع مُحاباةً، وثُلُثاهُ للمُشْتَرِي عِتْقًا، فيَعْتِق به ثُلُثُ رَقَبَتِه، ويَرُدُّ البائعُ دِينارَينِ، ويكونُ ثُلُثا المشْتَرِي مع الدِّينارَينِ مِيراثًا. (فَإِذَا مَاتَ) الْمُشْتَرِي؛ (عَتَقَ عَلَى الوَارِثِ (٤)؛ لأِنَّه مَلَكَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيهِ، (إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِمْ)؛ كالأْوْلادِ مَثَلاً؛ لأِنَّ الجَدَّ يَعتِقُ على أوْلادِ ابْنِه، (وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ فِي حَيَاتِهِ)، إذْ (٥) شَرْطُ الإرْثِ: أنْ يكونَ حُرًّا عِنْدَ الموْتِ، ولم يُوجَدْ. وعلى قَول غَيرِ القاضِي، وهو مَنْ يقول: إنَّ الشِّراءَ لَيسَ بوَصِيَّةٍ؛ يَعتِقُ

стр. 3699

الْأَبُ، ويَنفُذُ مِنْ التَّبرُّع قَدْرُ ثُلُثِ المال حالَ الموت، وما بَقِيَ فلِلأْبِ سُدُسُه، وبِاقِيهِ للوارِثِ. فَرْعٌ: مَنْ وُهِبَ له أَبُوهُ؛ اسْتُحِبَّ له قَبولُه، وقِيلَ: يَجِبُ. فإنْ قَبِلَه؛ عَتَقَ عَلَيهِ بالملْك، وَوَرِثَ، وإنْ وُهِبَ لِمُكاتَبِه أَبُوهُ؛ فله قَبولُه، ويَعتِقُ بِعِتْقِهِ (١).

стр. 3700

(كِتَابُ الْوَصَايَا) وهي: جَمْعُ وصِيَّةٍ؛ كالعَطايَا جَمْعُ عَطِيَّةٍ، والعَرايا جَمْعُ عرية (١)، فالوصِيَّةُ فَعِيلةٌ، والياءُ (٢) السَّاكِنَةُ بَعْد الصَّاد زائدةٌ للمَدِّ، والياءُ المتحرِّكةُ بَعْدَها لامُ الكلمة، وأُدْغِمَتْ، والتاء (٣) للتَّأنيث. وأصْلُه: وَصائِيُ، بهمْزةٍ مكسورةٍ بَعْدَ المدِّ، يليها (٤) ياءٌ متحرِّكةٌ، هي (٥) لامُ الكَلِمة، فُتِحَتْ هذه الهمزةُ العارضةُ في الجَمْع، وقُلِبَت الياءُ ألِفًا؛ لِتحرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبلَها، فصار وصاآ (٦)، فكَرِهوا اجْتِماعَ أَلِفين بَينَهما همزةٌ، فَقَلَبوها ياءً، فصار: وَصَايَا. ولو قِيلَ: إنَّ وَزْنَه: فَعَالَى، وإنَّ جَمْعَ المعْتَلِّ خِلافُ جَمْعِ الصَّحيحِ؛ لَكانَ حَسَنًا. وهي في الأصْل: مأخوذةٌ مِنْ وَصَيتُ الشَّيءَ: إذا وَصَلْتَه، فالموصِي وَصَلَ ما كان له في حياته بِما بَعْدَ مَوتِه. والإجْماعُ على مَشْروعيَّتها (٧)، وسَنَدُه قَولُه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ … (١٨٠)﴾ الآيةَ [البَقَرَة: ١٨٠]، وقَولُه تعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النِّسَاء: ١١]، وقَولُه ﵇: «ما حقُّ امْرِئٍ مسلِمٍ له شَيءٌ يُوصِي به؛ يَبِيتُ لَيلتَينِ إلاَّ وصِيَّتُه مكتوبةٌ عِنْدَ رأْسِه» مُتَّفقٌ عَلَيهِ من حديثِ

стр. 3701

ابنِ عمرَ (١)، وعن أبِي الدَّرْداء مرفوعًا: «إنَّ الله تَصدَّق عَلَيكم بثُلُثِ أمْوالكم عِنْدَ وفاتكم، زيادةً في حَسَناتِكم؛ لِيَجْعَلَها لكم زيادةً في أعْمالِكُم» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٢). (وَهِيَ الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمِوْتِ)، فهي لُغةً: عِبارةٌ عن الأمر؛ لِقَولِه تعالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البَقَرَة: ١٣٢]، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعَام: ١٥١]، ومِنُه قَولُ الخَطِيب: أُوصِيكُمْ بتقوى الله، أيْ: آمُرُكم. فَقَولُه: (هي الأمْرُ بالتَّصرُّف) إلى آخره؛ بَيانٌ لأِحَدِ نَوعَي الوصيَّةِ، وهي أنْ يُوصِيَ إلى إنْسانٍ أنْ يتكلَّمَ على أولاده الصِّغار، أو يُفرِّقَ ثُلُثَ ماله. والقَيدُ الأخِيرُ: أخْرَجَ الوكالةَ. وقد أوْصَى أبو بَكْرٍ بالخِلافة لِعُمرَ (٣)، ووصَّى بها إلى أهْل الشُّورَى (٤)، ولم يُنكَرْ، وقد رَوَى سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن هِشامٍ، عن (٥) عُرْوةَ، قال: «أوصى (٦) إلى الزُّبَير سَبعةٌ من الصَّحابة، فكان يَحفَظُ عَلَيهم أمْوالَهم، ويُنفِقُ

стр. 3702

على أبنائهم (١) من ماله» (٢). (وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ: هِيَ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ)، هذا بَيانُ النَّوعِ الثَّاني منها، والقَيدُ الأخِيرُ أخْرَجَ الهِبَةَ. وقال أبو الخَطَّاب: هي التَّبرُّعُ بمالٍ يَقِفُ نُفوذُه على خُروجه من الثُّلُث. فَعَلَى هذا: تكونُ العَطِيَّةُ في مَرَض الموْت وصيَّةً، والصَّحيحُ أنَّها لَيسَتْ وصيَّةً؛ لمُخالَفَتِها لها في الاِسْمِ والحُكْم، قال في «المستوعب»: وفي حدِّه اخْتِلالٌ من أوْجُهٍ. وقد يُعْتَرَضُ أيضًا: بأنَّها قد تكونُ بحقٍّ (٣)؛ كجِلْدِ الميتة ونَحوِه، ولَيسَ بمالٍ. قَولُه: (بالمال)؛ أيْ: بجُزْءٍ منه، وقد تكونُ (٤) بكلِّه، ويُجِيزُه الوارِثُ. ولها أربعةُ أرْكانٍ: الموصِي، والموصَى له، والموصَى به، والصِّيغةُ؛ وهي الإِيجابُ والقَبولُ. فلو قال: هذا لِفُلانٍ، فهو إقْرارٌ، ولَيسَ بوصيَّةٍ، إلاَّ أنْ يَتَوافَقَا على إرادةِ الوصيَّةِ، فَيَصِحُّ. ولو قال: هذا مِنْ مالي لِفُلانٍ، فهو وصيَّةٌ، يُعتَبَرُ القَبولُ مِمَّنْ (٥) يُتَصوَّرُ منه مع التَّعْيين، فلو أَوْصَى لِمَسجِدٍ، أوْ لِغَيرِ مُعَيَّنٍ كالفقراء؛ لم يَحتَجْ إلى قَبولٍ.

стр. 3703

(وَتَصِحُّ (١) الوصيَّةُ بالمال (مِنَ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ، عَدْلاً كَانَ أَوْ فَاسِقًا، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا)؛ لأِنَّ هِبَتَهم صحيحةٌ، فالوصيَّةُ أَوْلَى. وحاصِلُه: أنَّ مَنْ جاز تصرُّفُه في ماله؛ جازت وصيَّتُه، والمرادُ: ما لم يُعايِن الموتَ، قاله في «الكافِي»؛ لأِنَّه لا قَولَ له، والوصيَّةُ قَولٌ. وظاهِرُه في الكافر (٢): لا فَرْقَ بَينَ الذِّمِّيِّ والحَرْبِيِّ، وفِيهِ احْتِمالٌ؛ لأِنَّه لا حُرمةَ له، ولا لماله. ومُقْتَضاهُ: أنَّها تَصِحُّ وصيَّةُ العبد إنْ قُلْنا: يَملِكُ، أوْ عَتَقَ ثُمَّ مات بَعدَها. والحاصِلُ: أنَّها تَصِحُّ من البالِغ العاقِلِ مطلَقًا، قال في «المستوعب»: لا يَختَلِفُ المذْهَبُ في هذا. والضَّعيفُ في عَقْله إنْ مَنَعَ ذلك رُشْدَه في ماله؛ فهو كالسَّفِيه، وإلاَّ فكالعاقِلِ، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَ) تَصِحُّ (٣) (مِنَ السَّفِيهِ) بمالٍ، لا على أوْلادِه (فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)، وهو قِياسُ قَولِ أحمدَ، قال الخَبْرِيُّ: هو قَولُ الأكْثَرِينَ؛ لأِنَّه إنَّما حُجِرَ عَلَيه لِحِفْظِ مالِه، ولَيسَ فيها إضاعةٌ لماله؛ لأِنَّه إنْ عاشَ؛ كان مالُه له، وإنْ ماتَ؛ فله ثَوابُه، وهو أحْوَجُ إلَيهِ مِنْ غَيرِه. والثَّاني: لا تصِحُّ (٤)؛ لأِنَّه مَحْجورٌ عَلَيهِ في تصرُّفاته، فلم تَصِحَّ منه؛ كالهِبة. والأوَّلُ نَصَرَه في «الشَّرح» بأنَّه (٥) عاقِلٌ مكلَّفٌ، فصحَّتْ منه كعِبادَتِه.

стр. 3704

(وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إِذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ)، نَقَلَه صالِحٌ وحَنبَلٌ (١)، قال أبو بَكْرٍ: لا يَختَلِف المذْهَبُ في صِحَّتها؛ لمَا رَوَى سعيدٌ: «أنَّ صَبِيًّا مِنْ غَسَّانَ له عَشْرُ سِنِينَ أوصَى لَأخْوالٍ له، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ بنِ الخَطَّاب، فأجاز وصيَّتَه»، ورَوَى مالِكٌ في «موطئه» بإسْناده عنه نحوَه (٢)، وانْتَشَر ولم يُنكَرْ، ولأِنَّه تصرُّفٌ تمحَّضَ (٣) نَفْعًا له، فصحَّ منه؛ كالإسلام والصَّلاة، ولأِنَّه لا يَلحَقُه ضَرَرٌ في (٤) عاجِلِ دنياهُ ولا أُخْراهُ، بخلاف الهِبَة والعِتْق المنَجَّزِ، فإنَّه تَفْويتٌ لمالِه. وقيَّده (٥) الخِرَقِيُّ: إذا وافق (٦) الحقَّ، وهو مرادٌ في جميع الوصايا. (وَلَا تَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ)، قال أبُو بَكْرٍ: لا يَختَلِفُ المذْهَبُ فِيهِ؛

стр. 3705

لأِنَّه لا تَمْييزَ له، ولا تَصِحُّ عبادته ولا إسْلامُه. وعَنْهُ: تَصِحُّ لِسَبْعٍ؛ كعِبادَتِه. (وَفَيمَا بَيْنَهُمَا)؛ أيْ: بَينَ السَّبْع والعَشْر (رِوَايَتَانِ): أقْيَسُهما: أنَّها تَصِحُّ؛ لأِنَّه عاقِلٌ يَصِحُّ إسْلامُه، ويُؤمَرُ بالصَّلاة، وتَصِحُّ (١) منه؛ كمَنْ جاوَزَ العَشْرَ. والثَّانِيةُ: لا تَصِحُّ، وهي ظاهِرُ الوجيز؛ لأِنَّه ضَعِيفُ الرَّأْي، أشْبَهَ مَنْ له دُونَ السَّبْع. ومِنَ الأصحابِ؛ كالقَاضي وأبي الخطَّابِ، وهو ظاهر نقل الميموني: أنَّه لا يقيَّدُ بسنٍّ، بل إذا عَقَلَ تصحُّ (٢) منه (٣). وعُلِمَ منه: أنَّه إذا جاوَزَ العَشْرَ قَبْلَ البلوغ أنَّها تَصِحُّ في المنصوص (٤). وعَنْهُ: إذا بَلَغَ ثِنْتَيْ عَشْرةَ سَنَةً، حكاها ابْنُ المنذِر (٥)، وهي قَولُ إسْحاقَ. وفِيه وَجْهٌ: أنَّها لا تَصِحُّ منه حتَّى يَبلُغَ، تَبَعًا لاِبْنِ عَبَّاسٍ (٦) والحَسَنِ ومُجاهِدٍ؛ لأِنَّه تَبرُّعٌ بالمال، فلم تَصِحَّ منه؛ كالهبة، والفَرْقُ واضِحٌ. وهذا في الصَّبِيِّ، وأمَّا الجاريةُ فقد نَصَّ في روايةِ حَنبَلٍ: أنَّها إذا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ (٧).

стр. 3706

(وَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ عَاقِلٍ؛ كَالطِّفْلِ)، وهو مَنْ له سِتُّ سِنِينَ فما دُونَها، (وَالمَجْنُونِ، والمُبَرْسَمِ)، وهو قَولُ الأكثَرِ فِيهِما، وفي «المغْنِي»: لا نَعلَمُ أحدًا قال بخِلافه إلاَّ إيَاس بن مُعاوِيةَ، فإنَّه أجاز وصيَّةَ الصَّبِيِّ والمجْنُون إذا وافَقَت الحقَّ، وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّه لا حُكْمَ لِكِلامِهما، ولا تَصِحُّ عبادتهما (١) ولا تصرُّفُهما، فالوصيَّةُ كذلك بَلْ أَوْلَى، فإنَّه إذا لم يَصِحَّ إسْلامُه وصَلاتُه التي هي مَحْضُ نَفْعٍ لا ضَرَرَ فيها؛ فأَوْلَى أنْ لا يَصِحَّ بَذْلُه لِمَالٍ يَتَضرَّرُ به وارِثُه (٢). لكِنْ إنْ كان يُجَنُّ في الأحْيان، فأَوْصَى حالَ إفاقَتِه؛ فإنَّها تَصِحُّ؛ لأنَّه (٣) في حُكْمِ العُقَلاء في شَهادَتِه، وَوُجوبِ العبادة عَلَيهِ. والمغْمَى عَلَيهِ كذلك. (وَفِي السَّكْرَانِ وَجْهَانِ): أصحهما: أنها (٤) لا تَصِحُّ؛ لأِنَّه غَيرُ عاقِلٍ، أشْبَهَ المجْنونَ، وطلاقُه إنَّما وَقَعَ تَغْليظًا عَلَيه؛ لاِرْتِكابه المعْصِيةَ. والثَّانِي: تَصِحُّ (٥)؛ بِناءً على طَلاقِه. (وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ)؛ أيْ: إذا فُهِمَتْ؛ لأِنَّها أُقِيمَتْ مُقامَ نُطْقِه في طَلاقه ولِعانِه وغَيرِهما، فإنْ لم تُفهَمْ؛ فلا حُكْمَ لها. (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ، بِهَا)؛ أيْ: بالإشارة المفْهِمَة إذا لم يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقه، ذَكَرَه القاضِي وابنُ عَقِيلٍ، وقاله الثَّوريُّ والأَوْزاعِيُّ؛ لأِنَّه غَيرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِه، وكالقادِرِ على الكَلامِ.

стр. 3707

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَصِحَّ)؛ كالأخْرَس، واخْتارَهُ ابنُ المنْذِرِ (١)، واحْتَجَّ: «بأنَّه ﵇ صلَّى وهو قاعِدٌ، فأشار (٢) إلَيهم فقعدوا (٣)» رواه البُخاريُّ (٤). وخرَّجه ابنُ عَقِيلٍ وجْهًا: إذا اتَّصل باعْتِقال لِسانه الموتُ. والأوَّلُ أشْهَرُ، والفَرْقُ واضِحٌ. (وَإِنْ وُجِدَتْ وَصِيَّتُهُ بِخَطِّهِ) الثَّابِتِ بإقْرارِ وارِثِه أوْ بَيِّنةٍ؛ (صَحَّتْ) نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ إسْحاقَ بنِ إبراهيمَ، وفِيهِ: وعُرِفَ خَطُّه، وكان مشهورَ الخَطِّ يُقبَلُ ما فِيهَا (٥)؛ لقَولِه ﵇: «ما حقُّ امْرِئٍ» الخَبَرَ (٦)، فلم يَذكُرْ شَهادةً، ولأِنَّ الوصيَّةَ يُتَسامَحُ فيها، ويَصِحُّ تعليقها على الخَطَرِ والغَرَرِ وغَيرِه، فجاز أنْ يُتَسامَحَ فِيها بقَبول الخَطِّ؛ كروايةِ الحديث وكِتابَةِ الطَّلاق. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا تَصِحَّ حَتَّى يُشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهَا (٧)، هذا روايةٌ عن أحمدَ، وهِيَ قَولُ الحَسَن وأبِي ثَورٍ؛ لأِنَّ الحُكْمَ لا يَجوزُ برؤية (٨) خطِّ الشَّاهِدِ بالشَّهادة، فكذا هنا، وأَبْلَغُ منه الحاكِمُ، فلو كَتَبَها وخَتَمَها وأشْهَدَ عَلَيهِ بما فيها؛ لم يَصِحَّ على المذهب؛ لأِنَّ الشَّاهِدَ لا يَعلَمُ ما فِيهَا، فلم يَجُزْ أنْ يَشْهَدَ عَلَيهِ، ككِتابِ القاضِي إلى القاضِي. وفِيهَا روايةٌ ذَكَرَها الخِرَقِيُّ، وهي (٩) قولُ جماعةٍ من التَّابِعينَ، ومَنْ

стр. 3708

بَعدَهم، وعَلَيهِ فُقَهاء البَصْرة وقُضاتُها، واحْتَجَّ أبو عُبَيدٍ: بكُتُب رسول الله ﷺ إلى عُمَّاله وأُمَرائه في أمْرِ وِلايَتِه، وأحكامه، وسُنَّته (١)، ثُمَّ عَمِلَ به الخُلَفاءُ إلى عُمَّالهم بالأحكام الَّتي فيها الدِّماءُ والفُروجُ والأموالُ، مختومةً، لا يَعلَمُ حاملها (٢) ما فيها، وأمضوها (٣) على وَجْهِها، وهذا أَوْلَى من المنْع؛ لظُهور دليله. ومن الأصحاب مَنْ خرَّج في كلِّ مسألةٍ روايةً من الأخرى، وهذا إذا لم يُعلَمْ رجوعُه عنها، وإنْ طالت مُدَّتُه، وتَغيَّرتْ أحْوالُ الموصِي (٤)؛ لأِنَّ الأصْلَ بقاؤه، فلا يَزولُ حُكْمُه بمجرَّد الاِحْتِمال؛ كسائر الأحكام. فائدةٌ: يُستَحبُّ أنْ يَكتُبَ وصيَّتَه، ويُشهِدَ عَلَيها؛ لأِنَّه أحْوَطُ لها، وأحْفَظُ لمَا فِيها، وقد رَوَى سعيدٌ، عن فُضَيلِ بنِ عِياضٍ، عن هِشامِ بنِ حَسَّان، عن ابنِ سَيرِينَ، عن أنَسٍ قال: «كانوا (٥) يَكتُبون في صُدُور وصاياهم: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هذا ما أَوْصَى به فُلانٌ أنَّه يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وحده لا شريك له (٦)، وأنَّ محمَّدًا عَبدُه ورسولُه، وأنَّ السَّاعةَ آتِيَةٌ لا رَيبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَنْ في القُبور، أَوْصَى مَنْ ترك من (٧) أهله (٨) أنْ يتَّقُوا الله،

стр. 3709

ويُصْلِحُوا ذاتَ بَينِهم، ويُطِيعُوا اللهَ ورسولَه، إنْ كانوا مؤمنين، وأوْصاهم بما أوْصَى به (١) إبراهيمُ بَنِيهِ ويعقوبُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٣٢]» (٢).

стр. 3710

(فَصْلٌ) (وَالْوَصِيَّةُ) لا فَرْقَ فيها بَينَ الصِّحَّة والمرض. وعَنْهُ: في الصِّحَّة من رأس المال، وفي المرض من الثُّلُث. وعلى الأوَّل: هي العطيَّةُ المنَجَّزَة، تَنفُذُ من جميع المال. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى: أنَّ المدبَّر في الصِّحَّة يُقدَّمُ (١) على المدبَّر في المرض إذا لم يحملهما (٢) الثُّلثُ. وذَكَرَ القاضِي: أنَّ الوصيَّةَ عطيَّةٌ بَعْدَ الموت، فلا يَجوزُ فِيهَا إلاَّ الثُّلُث على كلِّ حالٍ. وهي (٣) (مُسْتَحَبَّةٌ لِمِنْ تَرَكَ خَيْرًا)؛ لقَوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البَقَرَة: ١٨٠]، نُسِخَ الوجوبُ، وهو المنْعُ من التَّرْك، بَقِيَ الرُّجْحانُ وهو الاِسْتِحْبابُ، يُؤيِّدُه: ما رَوَى ابنُ ماجَهْ عن ابن عمرَ مرفوعًا: «يقولُ الله: يا ابْنَ آدَمَ! جَعَلْتُ لك نَصيبًا من مالك حِينَ أخَذْتُ بكَظَمِك (٤)؛ لِأُطَهِّرَك (٥) وأزَكِّيَكَ» (٦). لكِنَّها تَجِبُ على مَنْ عَلَيهِ دَينٌ، أو واجِبٌ غَيرُه. وعَنْهُ: تَجِبُ لكلِّ قَريبٍ غَيرِ وارِثٍ، وهذا قَولُ أبي بَكْرٍ.

стр. 3711

وفي «التَّبصرة»: عَنْهُ: وللمساكِينِ، ووجْهِ البِرِّ. وظاهِرُه: أنَّها (١) لا تُستَحَبُّ لمَنْ لم يترك (٢) خَيرًا؛ لأِنَّه تعالَى شَرَطَ تَرْكَ الخَير، والمعلَّقُ بشَرْطٍ يَنتَفِي عِنْدَ انْتِفائه، ولقَولِه: «إنَّكَ أنْ تَذَرَ وَرثَتَك أغْنِياءَ» الخَبَرَ (٣). (وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ)، واخْتُلِف في مِقْداره، فعن أحمدَ: إذا تَرَكَ دُونَ الألْف؛ لا تُستَحَبُّ له الوصيَّةُ، فعُلِمَ أنَّه إذا تَرَكَ ألْفَ دِرهَمٍ فصاعِدًا؛ أنَّها تُسَنُّ، وجَزَمَ بها في «الوجيز». وعنه (٤): على أربعمائة دينارٍ. وعن ابن عبَّاسٍ: إذا تَرَكَ سَبْعَمائةِ درهَمٍ لا يُوصِي، وقال: «مَنْ ترَكَ سِتِّينَ دينارًا ما تَرَكَ خَيرًا» (٥). وعن طاوُسٍ: هو ثَمانُونَ دِينارًا. وعن النَّخَعِيِّ: ألْفٌ إلى خَمْسِمائَةٍ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّه متى كان المتْروكُ لا يَفضُلُ عن غِنَى الوَرَثَةِ؛ لم تُستَحَبَّ الوصيَّةُ، لِمَا عَلَّل به النَّبيُّ ﷺ ، فَعَلَيهِ: يَختَلِفُ الحالُ باخْتِلافِ الورثة في كَثْرَتِهِم وقِلَّتِهم، وغِناهُم وحاجَتِهم، فلا يَتقَيَّدُ بقَدْرٍ من المال. والأشْهَرُ: أنَّها تُستَحَبُّ مع غِناهُ عُرْفًا.

стр. 3712

وقِيلَ: الغَنِيُّ عُرْفًا: مَنْ له أكثرُ من ثلاثةِ آلاف (١) دِرهَمٍ، والمتوسِّطُ: من له ثلاثةُ آلافِ درهَمٍ، والأدْنَى: مَنْ له دُونَها. (بِخُمُسِ مَالِهِ)، رُوِيَ عن أبي بَكْرٍ (٢) وعَلِيٍّ (٣)، وهو ظاهِرُ قَولِ السَّلَف، قال أبو بَكْرٍ: «رَضِيتُ بما رَضِيَ الله به لِنَفْسه»؛ يَعْنِي في قَولِه تعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفَال: ٤١]، وقال العَلاءُ بنُ زِيادٍ: (أُوصِيَ إليَّ أنْ أسأَلَ العلماء؛ أيُّ الوصيَّة أعْدَلُ، فما تَبايَعُوا عليه فهو وصيَّةٌ، فتَبايَعُوا (٤) على الخُمس) (٥). وقِيلَ: بالثُّلث؛ للخبر (٦).

стр. 3713

وفي «الإفصاح»: يُستَحَبُّ (١) بدونه. وذَكَرَ جماعةٌ: بخُمُسه لمتوسط (٢). وذَكَرَ آخَرُونَ: أنَّ مَنْ مَلَكَ فَوقَ ألْفٍ إلى ثلاثةٍ، ونَقَلَ أبو طالِبٍ: إن لم يكن له مالٌ كثيرٌ، ألْفانِ أو ثلاثةٌ؛ أَوْصَى بالخُمُس، ولم يُضيِّقْ على ورثته، وإن كان له مالٌ كثيرٌ؛ فبالرُّبُع والثُّلث (٣). والأفضلُ: أنْ تُجعَلَ (٤) وصيَّتُه لأِقارِبِه الَّذين (٥) لا يَرِثُون إذا كانوا فقراءَ، بلا خِلافٍ، قالَهُ ابنُ عبدِ البَرِّ (٦)، فإنْ وصَّى لغيرهم وتَرَكَهُم؛ صحَّتْ في قَول الجماهير. (وَتُكْرَهُ (٧) لِغَيْرِهِ)؛ أيْ: لِغَيرِ مَنْ تَرَكَ خَيرًا، وهو الفقيرُ، (إِنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ) مَحاوِيجُ، كذا قيَّده جماعةٌ، قال في «التَّبصرة»: رواه ابنُ منصورٍ (٨)؛ لأِنَّه عَدَلَ عن أقاربه المحاويج إلى الأجانِب، قال الشَّعْبِيُّ: (ما من مالٍ أعظمُ أجرًا من مالٍ يَترُكُه الرَّجُل لِوَلَدِه يُغْنِيهم به عن النَّاس) (٩). وأطْلَقَ في «الغنية»: اسْتِحْبابَ الوصيَّة بالثُّلُث لِقَريبٍ فقيرٍ لا يَرِثُ، فإنْ كان غَنِيًّا؛ فلِمِسكينٍ وعالِمٍ، ودَيِّنٍ قَطَعَه عن السَّبب القَدَر (١٠)، وكذا قيَّد في

стр. 3714

«المغْنِي» استحْبابَها لقَريبٍ بفقْره. (فَأَمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ؛ فَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ)، روي (١) عن ابنِ مَسْعودٍ (٢)، وقالَهُ أهلُ العراق؛ لأِنَّ المنْعَ من الزِّيادة على الثُّلُث لِحقِّ الوارِثِ، فإذا عُدِم؛ وَجَب أنْ يزولَ المنْعُ؛ لزوال عِلَّتِهِ، أشْبَهَ حال الصِّحة. (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ (٣) إِلاَّ الثُّلُثُ)، وهو قَولُ الأوْزاعِيِّ؛ لأِنَّ له مَنْ يَعقِلُ عنه، فلم تَنفُذْ وصيَّتُه بأكثرَ من الثُّلُث، كما لو كان له وارثٌ، مع أنَّ المسلِمِينَ يَرِثُونَه، وهو بَيتُ المال. فَعَلَى الأوَّل: لو وَرِثَه زَوجٌ أوْ زَوجةٌ وَرُدَّ؛ بَطَلَتْ بِقَدْر فَرْضِه من ثُلُثَيهِ، فيَأخُذ الوصيُّ الثُّلُثَ، ثُمَّ ذو الفَرْض من ثُلُثَيهِ، ثُمَّ تُتَمَّم (٤) الوصيَّةُ مِنْهُما. وقيل: لا تُتَمَّمُ (٥)؛ كوارِثٍ بفَرْضٍ ورَدٍّ، وعليها (٦): بيتُ المال جِهةُ مصلحةٍ لا وارِثٌ. ولو وصَّى أحدُهما لآِخَرَ؛ فعلى الأُولى: كلُّه إرْثًا ووصيَّةً، وقيل: لا تصح (٧)، وعلى الثَّانية: ثُلُثُه وصيَّةً، ثُمَّ فَرضه، والبقيَّةُ لبَيتِ المال. تنبيهٌ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّه إذا خلَّف ذا رَحِمٍ، أنَّه لا يُمنَعُ الوصيَّةُ بجميع مالِه؛ لقَولِه: ومَنْ أوْصَى بجميعِ مالِه، ولا عَصَبَةَ ولا مَوْلَى؛

стр. 3715

فجائِزٌ (١)، وذلك لأِنَّ ذا الرَّحِم إرْثُه كالفَضْلة والصِّلةِ، بدليلِ: أنَّها لا تَجِبُ نَفَقَتُهم على الصَّحيح. وظاهِرُ كلامِ المؤلِّف: أنَّها لا تَنفُذُ فيما زاد على الثُّلث؛ لأِنَّ له وارِثًا في الجملة، فيَدخُل في عُمومِ النَّصِّ كَذِي الفَرْض الَّذي يَحجُبُ بعضُهم بعضًا. (وَلَا تَجُوزُ (٢) لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلَا لِوَارِثِهِ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ)، وجُملَتُه: أنَّ الوصيَّةَ لِغَيرِ وارِثٍ تَلزَمُ في الثُّلُث من غَيرِ إجازةٍ، وما زاد عَلَيهِ مُتَوَقِّفٌ على إجازة الورثة في قول أكثرِ العلماء؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لسَعْدٍ حِينَ قال: أُوصِي بمالي كلِّه؟ قال: «لَا»، قال: فالشَّطْرِ؟ قال: «لَا»، قال: فالثُّلث؟ (٣)، قال: «الثُّلُث والثُّلُثُ كثيرٌ، إنَّك أنْ تَذَرَ ورثتَك أغْنِياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُم عالةً يتكفَّفُون النَّاسَ» متَّفَقٌ عَلَيهِ (٤)، وحديثُ عِمْرانَ في المملوكين (٥) السِّتَّة الَّذين (٦) أعْتَقَهم المريضُ، ولَيسَ له مالٌ سِواهُمْ (٧)؛ يَدُلُّ على أنَّه لا يَصِحُّ تصرُّفه فِيما زاد على الثُّلُث إذا لم يُجِزِ (٨) الوَرَثَةُ، وتجوزُ بإجازتهم؛ لأِنَّ الحقَّ لهم. وأمَّا الوصيَّةُ للوارث (٩) فكالوصيَّة لِغَيرِه بزيادةٍ على الثُّلُث؛ في أنَّها تَصِحُّ بالإجازة، وتَبطُلُ بالرَّدِّ، بغَيرِ خِلافٍ، قالَهُ ابنُ المنذِر وابنُ عبدِ البَرِّ (١٠)؛ لِمَا
следующие страницы →