← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

وفي «التَّبصرة»: عَنْهُ: وللمساكِينِ، ووجْهِ البِرِّ. وظاهِرُه: أنَّها (١) لا تُستَحَبُّ لمَنْ لم يترك (٢) خَيرًا؛ لأِنَّه تعالَى شَرَطَ تَرْكَ الخَير، والمعلَّقُ بشَرْطٍ يَنتَفِي عِنْدَ انْتِفائه، ولقَولِه: «إنَّكَ أنْ تَذَرَ وَرثَتَك أغْنِياءَ» الخَبَرَ (٣). (وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ)، واخْتُلِف في مِقْداره، فعن أحمدَ: إذا تَرَكَ دُونَ الألْف؛ لا تُستَحَبُّ له الوصيَّةُ، فعُلِمَ أنَّه إذا تَرَكَ ألْفَ دِرهَمٍ فصاعِدًا؛ أنَّها تُسَنُّ، وجَزَمَ بها في «الوجيز». وعنه (٤): على أربعمائة دينارٍ. وعن ابن عبَّاسٍ: إذا تَرَكَ سَبْعَمائةِ درهَمٍ لا يُوصِي، وقال: «مَنْ ترَكَ سِتِّينَ دينارًا ما تَرَكَ خَيرًا» (٥). وعن طاوُسٍ: هو ثَمانُونَ دِينارًا. وعن النَّخَعِيِّ: ألْفٌ إلى خَمْسِمائَةٍ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّه متى كان المتْروكُ لا يَفضُلُ عن غِنَى الوَرَثَةِ؛ لم تُستَحَبَّ الوصيَّةُ، لِمَا عَلَّل به النَّبيُّ ﷺ ، فَعَلَيهِ: يَختَلِفُ الحالُ باخْتِلافِ الورثة في كَثْرَتِهِم وقِلَّتِهم، وغِناهُم وحاجَتِهم، فلا يَتقَيَّدُ بقَدْرٍ من المال. والأشْهَرُ: أنَّها تُستَحَبُّ مع غِناهُ عُرْفًا.

стр. 3712

وقِيلَ: الغَنِيُّ عُرْفًا: مَنْ له أكثرُ من ثلاثةِ آلاف (١) دِرهَمٍ، والمتوسِّطُ: من له ثلاثةُ آلافِ درهَمٍ، والأدْنَى: مَنْ له دُونَها. (بِخُمُسِ مَالِهِ)، رُوِيَ عن أبي بَكْرٍ (٢) وعَلِيٍّ (٣)، وهو ظاهِرُ قَولِ السَّلَف، قال أبو بَكْرٍ: «رَضِيتُ بما رَضِيَ الله به لِنَفْسه»؛ يَعْنِي في قَولِه تعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفَال: ٤١]، وقال العَلاءُ بنُ زِيادٍ: (أُوصِيَ إليَّ أنْ أسأَلَ العلماء؛ أيُّ الوصيَّة أعْدَلُ، فما تَبايَعُوا عليه فهو وصيَّةٌ، فتَبايَعُوا (٤) على الخُمس) (٥). وقِيلَ: بالثُّلث؛ للخبر (٦).

стр. 3713

وفي «الإفصاح»: يُستَحَبُّ (١) بدونه. وذَكَرَ جماعةٌ: بخُمُسه لمتوسط (٢). وذَكَرَ آخَرُونَ: أنَّ مَنْ مَلَكَ فَوقَ ألْفٍ إلى ثلاثةٍ، ونَقَلَ أبو طالِبٍ: إن لم يكن له مالٌ كثيرٌ، ألْفانِ أو ثلاثةٌ؛ أَوْصَى بالخُمُس، ولم يُضيِّقْ على ورثته، وإن كان له مالٌ كثيرٌ؛ فبالرُّبُع والثُّلث (٣). والأفضلُ: أنْ تُجعَلَ (٤) وصيَّتُه لأِقارِبِه الَّذين (٥) لا يَرِثُون إذا كانوا فقراءَ، بلا خِلافٍ، قالَهُ ابنُ عبدِ البَرِّ (٦)، فإنْ وصَّى لغيرهم وتَرَكَهُم؛ صحَّتْ في قَول الجماهير. (وَتُكْرَهُ (٧) لِغَيْرِهِ)؛ أيْ: لِغَيرِ مَنْ تَرَكَ خَيرًا، وهو الفقيرُ، (إِنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ) مَحاوِيجُ، كذا قيَّده جماعةٌ، قال في «التَّبصرة»: رواه ابنُ منصورٍ (٨)؛ لأِنَّه عَدَلَ عن أقاربه المحاويج إلى الأجانِب، قال الشَّعْبِيُّ: (ما من مالٍ أعظمُ أجرًا من مالٍ يَترُكُه الرَّجُل لِوَلَدِه يُغْنِيهم به عن النَّاس) (٩). وأطْلَقَ في «الغنية»: اسْتِحْبابَ الوصيَّة بالثُّلُث لِقَريبٍ فقيرٍ لا يَرِثُ، فإنْ كان غَنِيًّا؛ فلِمِسكينٍ وعالِمٍ، ودَيِّنٍ قَطَعَه عن السَّبب القَدَر (١٠)، وكذا قيَّد في

стр. 3714

«المغْنِي» استحْبابَها لقَريبٍ بفقْره. (فَأَمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ؛ فَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ)، روي (١) عن ابنِ مَسْعودٍ (٢)، وقالَهُ أهلُ العراق؛ لأِنَّ المنْعَ من الزِّيادة على الثُّلُث لِحقِّ الوارِثِ، فإذا عُدِم؛ وَجَب أنْ يزولَ المنْعُ؛ لزوال عِلَّتِهِ، أشْبَهَ حال الصِّحة. (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ (٣) إِلاَّ الثُّلُثُ)، وهو قَولُ الأوْزاعِيِّ؛ لأِنَّ له مَنْ يَعقِلُ عنه، فلم تَنفُذْ وصيَّتُه بأكثرَ من الثُّلُث، كما لو كان له وارثٌ، مع أنَّ المسلِمِينَ يَرِثُونَه، وهو بَيتُ المال. فَعَلَى الأوَّل: لو وَرِثَه زَوجٌ أوْ زَوجةٌ وَرُدَّ؛ بَطَلَتْ بِقَدْر فَرْضِه من ثُلُثَيهِ، فيَأخُذ الوصيُّ الثُّلُثَ، ثُمَّ ذو الفَرْض من ثُلُثَيهِ، ثُمَّ تُتَمَّم (٤) الوصيَّةُ مِنْهُما. وقيل: لا تُتَمَّمُ (٥)؛ كوارِثٍ بفَرْضٍ ورَدٍّ، وعليها (٦): بيتُ المال جِهةُ مصلحةٍ لا وارِثٌ. ولو وصَّى أحدُهما لآِخَرَ؛ فعلى الأُولى: كلُّه إرْثًا ووصيَّةً، وقيل: لا تصح (٧)، وعلى الثَّانية: ثُلُثُه وصيَّةً، ثُمَّ فَرضه، والبقيَّةُ لبَيتِ المال. تنبيهٌ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّه إذا خلَّف ذا رَحِمٍ، أنَّه لا يُمنَعُ الوصيَّةُ بجميع مالِه؛ لقَولِه: ومَنْ أوْصَى بجميعِ مالِه، ولا عَصَبَةَ ولا مَوْلَى؛

стр. 3715

فجائِزٌ (١)، وذلك لأِنَّ ذا الرَّحِم إرْثُه كالفَضْلة والصِّلةِ، بدليلِ: أنَّها لا تَجِبُ نَفَقَتُهم على الصَّحيح. وظاهِرُ كلامِ المؤلِّف: أنَّها لا تَنفُذُ فيما زاد على الثُّلث؛ لأِنَّ له وارِثًا في الجملة، فيَدخُل في عُمومِ النَّصِّ كَذِي الفَرْض الَّذي يَحجُبُ بعضُهم بعضًا. (وَلَا تَجُوزُ (٢) لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلَا لِوَارِثِهِ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ)، وجُملَتُه: أنَّ الوصيَّةَ لِغَيرِ وارِثٍ تَلزَمُ في الثُّلُث من غَيرِ إجازةٍ، وما زاد عَلَيهِ مُتَوَقِّفٌ على إجازة الورثة في قول أكثرِ العلماء؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لسَعْدٍ حِينَ قال: أُوصِي بمالي كلِّه؟ قال: «لَا»، قال: فالشَّطْرِ؟ قال: «لَا»، قال: فالثُّلث؟ (٣)، قال: «الثُّلُث والثُّلُثُ كثيرٌ، إنَّك أنْ تَذَرَ ورثتَك أغْنِياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُم عالةً يتكفَّفُون النَّاسَ» متَّفَقٌ عَلَيهِ (٤)، وحديثُ عِمْرانَ في المملوكين (٥) السِّتَّة الَّذين (٦) أعْتَقَهم المريضُ، ولَيسَ له مالٌ سِواهُمْ (٧)؛ يَدُلُّ على أنَّه لا يَصِحُّ تصرُّفه فِيما زاد على الثُّلُث إذا لم يُجِزِ (٨) الوَرَثَةُ، وتجوزُ بإجازتهم؛ لأِنَّ الحقَّ لهم. وأمَّا الوصيَّةُ للوارث (٩) فكالوصيَّة لِغَيرِه بزيادةٍ على الثُّلُث؛ في أنَّها تَصِحُّ بالإجازة، وتَبطُلُ بالرَّدِّ، بغَيرِ خِلافٍ، قالَهُ ابنُ المنذِر وابنُ عبدِ البَرِّ (١٠)؛ لِمَا

стр. 3716

رَوَى أبو أُمامَةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: «إنَّ الله قد أَعْطَى كلَّ ذِي حقٍّ حقَّه، فلا وصيَّةَ لوارِثٍ» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، وحسَّنَه (١)، وعن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا، قال: «لَا وصيَّةَ لوارثٍ إلاَّ أنْ يُجِيزَ الوَرَثَةُ» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٢). وقال بعضُ أصحابنا: الوصيَّةُ باطِلةٌ، وإنْ أجازها الوارِثُ، إلاَّ أنْ يُعطوهُ عطيَّةً مُبتَدَأةً، أخْذًا من ظاهر قول أحمدَ في روايةِ حنبلٍ: (لا وصيَّةَ لوارِثٍ) (٣)، وقالَهُ المزَنِيُّ (٤) وغَيرُه؛ لظاهِرِ خَبرِ أبي أُمامةَ. والأكثرُ على صحَّتها في نفسها؛ لأِنَّه تصرُّفٌ صَدَرَ من أهْلِه في محلِّه، فصحَّ كالأجنبيِّ، والخبرُ قد خُصَّ بخَبَرِ عمرو، إذ الاستثناءُ من النَّفْي إثْباتٌ، فيكونُ دليلاً على الصِّحَّة عِنْدَ الإجازة، ولو خَلا من الاِستِثْناء؛ جاز أنْ يكونَ مَعْناهُ: لا وصيَّةَ نافِذَةٌ، أوْ لازِمةٌ ونحوهما، أوْ يُقدَّرُ: لا وصيَّةَ لوارِثٍ عِنْدَ عَدَمِ الإجازة. وفائدةُ الخِلاف: أنَّها إنْ كانَتْ صحيحةً؛ فإجازتهم تنفيذٌ، وإلاَّ هِبَةٌ مُبتَدَأةٌ.

стр. 3717

ويُستَثْنَى من ذلك: إذا أَوْصَى بوقف (١) ثُلُثِه على بَعْضِ الوَرَثَة، فإنَّه يَصِحُّ، نَصَّ عَلَيهِ (٢). وحاصِلُه: أنَّها تُكرَه لغَير وارِثٍ بأكثرَ من الثُّلث، وتَصِحُّ وتَلزَمُ بالإجازة. وعَنْهُ: تَحرُم الزِّيادةُ عليه، فتَبطُلُ وَحْدَها. ولا تَجوزُ (٣) لوارِثٍ بثُلُثه، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، وفي «التبصرة»: تُكرَه، وتَصِحُّ على الأصحِّ بالإجازة. (إِلاَّ أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّنٍ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ (٥)؛ كَمَنْ خلَّف ابنًا (٦) وبِنْتًا، وعبْدًا قِيمتُه مائةٌ، وأَمَةً قِيمتُها خمَسونَ، فأَوْصَى لِلاِبْن بالعَبْد، ولِلبِنْت بالأَمَة، (فَهَلْ يَصِحُّ (٧)؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما جماعةٌ. أشْهرُهما: أنَّها تَصِحُّ؛ لأِنَّ حقَّ الوارِثِ في القَدْر لا في العَين، بدليلِ ما لو عاوَضَ المريضُ بعضَ ورثته أو أجنَبِيًّا، فإنَّه يَصِحُّ إذا كان بثَمَن المِثْل، وإنْ تَضمَّن فوات عَين المال. والثَّاني: لا تَصِحُّ (٨) إلاَّ بإجازةِ كلٍّ منهما للآخَر؛ لأِنَّ في الأعيان غَرَضًا صحيحًا، فلا يَجوزُ إبْطالُ حقِّه منها، كما لا يجوزُ إبْطالُه من القدر، وكذا وقَفه بالإجازة، ولو كان الوارِثُ واحدًا. (وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَصَايَا؛ تَحَاصُّوا فِيهِ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ

стр. 3718

بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ (١)؛ لأِنَّهم تَساوَوْا في الأصل، وتَفاوَتُوا في المقْدار، فَوجَبَ أنْ يكونَ كذلك؛ كمسائل العَولِ، ولا فرق فيه بين العتق وغَيرِه. فلو وصَّى لرجلٍ بِثُلث ماله، ولآِخَرَ بمائةٍ، ولثالِثٍ بمُعَيَّنٍ (٢) قيمتُه خَمسونَ، ولِفِداء أسيرٍ بثلاثين، ولعمارةِ مسجدٍ بعشرين، وثُلثُ ماله مائةٌ، فجُمِعت الوصايا كلُّها فَبَلَغَتْ ثلاثَمائةٍ، فنُسِبت منها الثُّلُث؛ فكان ثُلثها، فيعطى كلُّ واحد ثُلُثَ وصيَّته. (وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ)، وما فَضَلَ يُقسَمُ بَينَ سائرِ الوصايا على قَدْرها، وهي (٣) قول عمرَ (٤)، وشُرَيحٍ والثَّوريِّ؛ لأِنَّ فيه حقًّا لله تعالى وللآدَمِيِّ، فكان آكَدَ؛ لأِنَّه لا يَلحَقُه فَسْخٌ، وهو أقْوَى بدليلِ سِرايَته، ونفوذِه من المراهِق (٥) والمفلس (٦)، والعطايا المعلَّقة بالموت كالوصايا في هذا. فَرْعٌ: إذا أوْصَى بعتقِ عبدٍ بعَينه؛ لَزِمَ الوارِثَ إعْتاقُه، ولم يَعتِقْ إلاَّ

стр. 3719

بإعْتاقه، فإنِ امتَنَعَ؛ أجْبَرَه الحاكِمُ، فإنْ أعْتَقه أو الحاكِمُ؛ فهو حرٌّ من حِين أعتقه، وولاؤه للمُوصِي؛ لأِنَّه السَّببُ، وكَسْبُه بَينَ الموت والعِتْقِ إرْثٌ، وذَكَرَ جماعةٌ: له. وفي «الفروع»: ويتوجَّه مِثلُه في مُوصىً بوقْفه، وفي «الرَّوضة»: الموصَى بعِتْقه لَيسَ بمدبَّرٍ، وله حكمُ المدبَّر في كلِّ أحكامه. مسألةٌ: إذا أسْقَطَ عن وارثه دَينًا، أوْ وصَّى (١) بقضاء دينه (٢)، أوْ أسْقَطَتْ صداقَها عن زوجها، أو عفا عن جناية مُوجِبةٍ للمال؛ فهو كالوصيَّة. وإنْ وصَّى لغريمِ الوارِث، أو وَهَبَ له هبةً؛ صحَّ، كما لو أوْصَى لِوَلَدِ الوارث، فإنْ قَصَدَ نَفْعَ الوارِث؛ لم يَجُزْ فيما بَينَه وبَينَ الله تعالى. (وَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ) بَعْدَ مَوت الموصِي، وعنه: وقَبلَه في مرضه، خرَّجها القاضي أبو حازِمٍ من إذْنِ الشَّفِيع في الشَّراء، ذَكَرَه في «النَّوادِر»، واختاره ابن حمدانَ والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣)، (جَازَتْ) بغَير خلافٍ (٤)؛ لَأنَّ الحقَّ لهم، فجازت بإجازتهم، كما تبطُل بِرَدِّهم. وسواءٌ كانت الوصيَّةُ لوارِثٍ، أوْ بزيادةٍ على الثُّلث لأِجنَبِيٍّ. وفيه روايةٌ: أنَّها لا تجوز لوارثٍ. (وَإِجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ فِي الصَّحِيحِ مِنَ المَذْهَبِ)؛ لأِنَّها إمْضاءٌ لقول الموروث، ولا مَعْنَى للتَّنفيذِ إلاَّ ذلك، فيَكْفِي لَفظُها، وهو: أجَزْتُ، وكذا أمْضَيتُ، أوْ نَفَّذْتُ، فإذا وُجِدَ شَيءٌ منها؛ لَزِمَت الوصيَّةُ، وإنْ لم يَقبَلِ الموصَى له في المجْلِس، (لَا تَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا)؛

стр. 3720

أيْ: أحكامُ الهِبة؛ لأِنَّها لَيسَتْ بهِبَةٍ. (فَلَوْ كَانَ المُجِيزُ أَبًا لِلْمُجَازِ لَهُ)؛ كَمَنْ أَوْصَى لِوَلد وَلَدِه مع وجوده؛ (لَمْ يَكُنْ لَهُ)؛ أيْ: للأب (الرُّجُوعُ فِيهِ)؛ لأِنَّ الأبَ إنَّما يَرجِعُ فِيما وَهَبَ، لا فِيما وَهَبَه غَيرُه، (وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا)؛ بأنْ أعْتَقَ عبدًا لا مالَ له سِواه، أوْ وصَّى بعِتْقه فأعْتَقُوه؛ نَفذ العِتْقُ في ثُلُثه، وَوَقَفَ عِتْقُ الباقي على إجازتهم، فإنْ أجازُوهُ؛ عَتَقَ جميعُه، و (كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصِي)؛ لأِنَّه هو الَّذي أعْتَقَه، (يَخْتَصُّ بِهِ عَصَبَتُهُ)؛ كما لو أعْتَقَه في صحَّته، (وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ)؛ كالوقْف على أوْلاده؛ (صَحَّ) أي: الوَقْفُ روايةً واحدةً؛ لأِنَّ الواقِفَ عليهم أبوهُمْ. (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ هِبَةٌ)؛ أخْذًا من إطْلاقه في روايةِ حنبلٍ: (لا وَصيَّةَ لِوارِثٍ) (١)، وظاهِرُه نَفْيُ الوصيَّة مطلَقًا، فتكونُ إجازتُهم ابْتِداءَ عطيَّةٍ. وأطْلَقَهما أبو الفَرَج، وخَصَّها في «الانتصار»: بالوارث (٢). (فَتَنْعَكِسُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ)، فتَفْتَقِرُ (٣) إلى شُروطِ الهِبة من القَبْض ونحوِه، ولِلأب الرُّجوعُ في جميع ما وصَّى به لاِبْنِه، ويكونُ الولاءُ مشتَرَكًا بَينَ العَصَبةِ وغَيرِهم من الورثة، والوَقْفُ يَنبَنِي على صحَّة وَقْفِ الإنسان على نفسه. وكلامُ القاضي يقتَضِي أنَّ في صحَّتها بلفظ الإجازة إذا قلنا: هي هِبَةٌ؛ وَجْهَينِ، قال المجْدُ: والصِّحَّةُ ظاهِرُ المذهب، وهذا إنَّما يَظهَرُ في الزَّائد على الثُّلث، ولهذا قيل: الخِلافُ مبنيٌّ على أنَّ الوصيَّة بالزَّائد على الثُّلُث هل هو باطِلٌ، أوْ مَوقُوفٌ على الإجازة؟

стр. 3721

وقيل (١): الخلاف مبنيٌّ على القَول بالصِّحَّة، وأمَّا على البُطْلان فلا مَعْنَى للتَّنفيذ، وهو أشْبَهُ. وقرَّر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّ الوارِثَ إذا أسْقَطَ حقَّه قَبْلَ القسمة؛ فإنَّه يَسقُطُ، وطَرَدَ هذا (٢) في الأعيان المشاعة؛ كالغانِم (٣) إذا أسْقَطَ حقَّه من الغنيمة، والموقوفِ عَلَيه إذا أسقط حقَّه من الوَقْف، والمضارِبِ إذا أسقط حقَّه من الرِّبْح (٤). فوائدُ أُخَرُ: منها: إذا أوْصَى له بمجهولٍ، فأجازه الوارِثُ، فإنْ قُلْنا: هي تنفيذٌ؛ صحَّتْ، وإلاَّ فَوَجْهانِ. ومنها: لو حَلَف لا يَهَبُ، فأجاز، فإنْ قُلْنا: هي عطيَّةٌ؛ حَنِثَ، وإلاَّ فلا. ومنها: إجازةُ المفْلِس، فقال في «المغْنِي»: إنَّها نافِذةٌ، وهو مُنزَّلٌ على القول بالتَّنفيذ، ويُخرَّج على قول القاضي خِلافه؛ لأِنَّه لَيسَ من أهل التَّبرُّع. ومنها: أنَّ ما جاوَزَ الثُّلُثَ من الوصايا إذا أجِيزَ؛ هل يُزاحَم بالزَّائد ما لم يُجاوِزْه؟ هو مَبْنِيٌّ على هذا الاِخْتِلاف، ذَكَرَه المجْدُ. قال الشَّيخُ زين (٥) الدِّين بن رَجَبٍ: (وأشْكَلَ تَوجِيهُه على الأصْحاب، وهو واضِح، فإنَّه إذا كانت مَعَنا وصِيَّتانِ، إحداهما مُجاوِزَةٌ للثُّلث، والأخْرَى لا تُجاوِزُه؛ كنِصْفٍ وثُلُثٍ، فأجاز الورثةُ الوصيَّةَ المجاوِزَةَ للثُّلُث خاصَّةً؛ فإنْ قُلْنا: الإجازةُ تنفيذٌ، زاحَمَ صاحِبُ النِّصْف صاحِب الثُّلُث بنِصْفٍ كامِلٍ،

стр. 3722

فيُقسَمُ الثُّلُث بَينَهما على خمسةٍ؛ لِصاحِب النِّصف ثلاثةُ أخْماسه، ولِلآخَرِ خُمُساهُ، ثُمَّ يُكمَّلُ لصاحِبِ النِّصْفِ نِصفُه بالإجازة. وإنْ قُلْنا: هي عَطِيَّةٌ، فإنَّما يُزاحِمُه بثُلثٍ خاصَّةً؛ إذ الزِّيادةُ عَلَيهِ عَطِيَّةٌ مَحْضَةٌ من الورثة، ثُمَّ تُتَلقَّ (١) من الميت، فلا يُزاحَمُ بها (٢) الوصايا، فيُقسَمُ الثُّلُثُ بَينَهما نِصفَينِ، ثُمَّ يُكمَّل لصاحِبِ النِّصف ثُلُثٌ بالإجازة). (وَمَنْ أُوصِيَ لَهُ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ وَارِثٌ)؛ كَمَنْ أَوْصَى لأِحدِ إخْوَتِه، (فَصَارَ عِنْدَ المَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ)، بِسَبَبِ تجدُّدِ ابنٍ للمُوصِي؛ (صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ)؛ لأِنَّ الأخَ عِنْدَ الموت لَيسَ بِوارِثٍ، والاِعْتِبارُ في الوصيَّة بالموت؛ لأِنَّه الحالُ الذي يَحصُل به الاِنْتِقالُ إلى الوارث والموصَى له، ومَعْناهُ: أنَّها صحيحةٌ في الثُّلث، وما زاد عليه مَوقُوفٌ على الإجازة. (وَإِنْ أُوصِيَ (٣) له وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ)؛ كَمَنْ أوْصَى لأِخِيهِ مع وُجود ابْنِه، (فَصَارَ عِنْدَ المَوْتِ وَارِثًا؛ بَطَلَتْ)، وحكاهُ في «الرِّعاية» قَولاً، والمذْهَبُ: أنَّها لا تَصِحُّ إلاَّ بإجازةِ بقيَّةِ الوَرَثَة؛ (لأِنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالمَوْتِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٤)، فلو وَصَّى لِثلاثَةِ إخْوةٍ له مُفْتَرِقِينَ، ولا وَلَدَ له، ومات؛ لم تصحَّ الوصيَّةُ لغَيرِ الأخِ من الأب إلاَّ بإجازة الوَرَثَة، وإنْ وُلِد له ابن؛ صحَّت الوصيَّةُ للجميع من غَيرِ إجازةٍ إذا لم تتجاوَز الثُّلثَ، وإنْ وُلِد له بنتٌ؛ جازت الوصيَّة لغير الأخ من الأبَوَينِ، فيكون لهما ثُلُثَا الموصَى بَينَهما. فَرْعٌ: لو وصَّى لاِمْرأةٍ أجْنَبِيَّةٍ، وأوْصَتْ له، ثُمَّ تزوَّجها؛ لم تَجُزْ (٥)

стр. 3723

وصيتهما (١) إلاَّ بالإجازة. وإنْ أوصى (٢) أحدهما للآخَر، ثُمَّ طلَّقها؛ جازت الوصيَّةُ؛ لأِنَّه صار غَيرَ وارِثٍ، إلاَّ أنَّه إنْ طلَّقَها في مَرَضِ مَوتِه، فَقِياسُ المذهب: أنَّها لا تُعْطَى أكثرَ من مِيراثِها؛ لأِنَّه متهم (٣) أنَّه طلَّقها لِيُوصِلَ إلَيها مالَه بالوصيَّة، فلم يَنفُذْ، كما لو طلَّقها في مرض مَوتِه، وأوْصَى لها بأكثر (٤) من مِيراثِها. (وَلَا تَصِحُّ إِجَازَتُهُمْ وَرَدُّهُمْ إلاَّ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ لأِنَّه حقٌّ لهم حِينَئِذٍ، فَتَصِحُّ منهم الإجازةُ والرَّدُّ كسائِرِ الحُقوق، (وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا عِبْرَةَ بِهِ)، هذا زيادةُ إيضاحٍ، فدلَّ على أنَّ الحقَّ لم يَمْلِكوه، فلم يَصِحَّ منهم ما ذُكِرَ، كالمرأة تُسقِطُ (٦) مَهْرَها قَبْلَ النِّكاح، والشَّفيعِ يُسقطُ شُفْعَتَه قَبْلَ البَيع، وقد سَبَقَ. فَرْعٌ: لا تَصِحُّ الإجازةُ والرَّدُّ إلاَّ مِنْ جائِزِ التَّصرُّف، وتَقَدَّم الخِلافُ في المفْلِس والسَّفِيه. (وَمَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ)؛ كما إذا كانت بجُزْءٍ مُشاعٍ زائدٍ على الثُّلُث، (ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَجَزْتُ؛ لِأَنَّنِي ظَنَنْتُ المَالَ قَلَيلاً)؛ كما إذا أَوْصَى بنِصْف مالِه، فأجازه الوارِثُ، وكان المالُ سِتَّةَ آلافٍ، فقال: ظَنَنْتُه ثلاثةَ آلافٍ؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لأِنَّ الإجازةَ إمَّا تنفيذٌ أوْ هِبَةٌ، وكِلاهُما لا يَجوزُ في المجْهولِ، (مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ كَذِبُهُ.

стр. 3724

(وَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ (١) فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز» (٢)، فَعَلَى هذا: يَرجِعُ بخَمْسِمائةٍ؛ لأِنَّه رَضِيَ بإجازة الوصيَّة على الزَّائد (٣) على الثُّلث خمسمائة (٤)، فكانت ألْفًا، فيَرجِعُ بخَمْسِمائةٍ، فيَحصُلُ للموصَى له: ألْفانِ وخَمْسُمائةٍ. والثَّاني: أنَّه لا يُقبَلُ قَولُه؛ لأِنَّه أجاز عقْدًا له الخِيارُ في فَسْخه، فبَطَلَ خِيارُه؛ كما لو أجاز البَيعَ مَنْ له الخِيارُ في فَسْخِه بعَيبٍ أوْ خِيارٍ. (إِلَا أَنْ تَقُومَ بِهِ (٥) بَيِّنَةٌ) تَشهَدُ باعْتِرافه بقَدْره، أوْ يكونَ المالُ ظاهِرًا لا يَخفَى عَلَيهِ؛ لم يُقبَلْ قَولُه إذا قُلْنا: الإجازةُ تنفيذٌ، وإنْ قُلْنا: هي هِبَةٌ؛ فله الرُّجوعُ فِيما يَجوزُ الرُّجوعُ في الهبة (٦) في مِثْلِه. ومِنَ الأصحاب؛ كالقاضي والمجد، بنى (٧) هذه المسألةَ على أنه: هل (٨) يُعتَبَرُ أنْ يكونَ المجازُ مَعْلومًا للمُجِيز أمْ لا؟ فذَكَرَ المجْدُ: بأنَّه لو أجاز قَدْرًا مسْتَوِيًا من (٩) المال، ثُمَّ قال: ظنَنْتُ المالَ قليلاً؛ أنَّه لا يُقبَلُ قَولُه. ولا تَنَافِيَ بَينَهُما لِوَجْهَينِ: أحدهما: أنَّ صحَّةَ إجازةِ المجْهول لا تُنافِي ثُبوتَ الرُّجوع فيه إذا تبيَّن فيه ضَرَرٌ على المجِيزِ لم يُعْلَمْ؛ اسْتِدْراكًا لِظُلامَتِه، كما نَقولُ (١٠) فيمَنْ أسقَطَ

стр. 3725

شُفْعتَه لِمَعْنًى، ثُمَّ بانَ بخِلافه، فإنَّ (١) له العَودَ إلَيها، فكذلك هنا إذا أجاز الجُزْءَ الموصَى به يَظُنُّه قليلاً فبانَ كثيرًا، فله الرُّجوعُ بما زاد على ظنِّه. والثَّاني: أنَّه إذا اعْتَقَد أنَّ النِّصفَ الموصَى به -مثلاً- مائةٌ وخمسون درهمًا، ثمَّ بانَ ألْفًا، فهو إنَّما أجاز خمسينَ، لم يُجِزْ أكثرَ منها، فلا يجوز أكثرُ منها، فلا تَنفُذُ إجازتُه في غَيرها، وهذا بخلاف ما إذا أجاز النِّصْفَ. (وَإِنْ كَانَ المُجَازُ عَيْنًا)؛ كعبدٍ تزيدُ قيمَتُه على الثُّلُث، (فَقَالَ: ظَنَنْتُ بَاقِيَ الْمَالِ كَثِيرًا (٢)؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَظْهَرِ (٣) الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّ العَبدَ مَعْلومٌ لا جَهالةَ فيه. والثَّانِي: أنَّه يَملِكُ الفَسْخَ؛ لأِنَّه قد يَسمَحُ بذلك ظَنًّا منه أنَّه يَبْقَى له من المال ما يَكفِيهِ، فإذا (٤) بانَ خَلافُ ذلك لَحِقَه الضَّرَرُ في الإجازة، فَمَلَكَ الفَسْخَ كالأُولَى. وقِيلَ: يَصِحُّ وَجْهًا واحِدًا؛ لأِنَّ المجازَ مَعْلومٌ. وكذا الخلافُ فِيمَا إذا كان المجازُ مَبْلَغًا مَعْلومًا، فلو كان العَبْدُ قِيمَتُه سِتُّمائَةٍ، فيُجِيزُ الوصيَّةَ بِناءً على أنَّ المالَ ألْفٌ - مثلاً -، ثمَّ تبَيَّنَ أنَّه سِتُّمائَةٍ، فيَدَّعِي أنَّه إنَّما أجاز بِناءً على ذلك. فعلى الأول (٥) والثَّالث: جميعُ العبد للمُوصَى له، وعلى الثَّاني: ثُلُثَا العَبْد وتُسُعُه؛ لأِنَّ له ثُلُثَ المال بالأصل، وهو أربعُمائَةٍ، وقد أجاز له سِتَّةً وسَتِّينَ وثُلُثَينِ؛ لأِنَّ ذلك هو ما بين الألْف وسِتِّمائةٍ المظنونةِ قِيمةَ العَبْدِ.

стр. 3726

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: فإنْ قال: ظنَنْتُ أنَّ قِيمتَه ألْفٌ، فَبَانَ أكثرَ؛ قُبِلَ، ولَيس نقضًا (١)؛ لصحَّة الإجازة ببيِّنةٍ أوْ إقرارٍ، قال: وإنْ أجاز وقال: أردتُ أصلَ الوصيَّة؛ قُبِلَ (٢). (٣) وَلَا يَثْبُتُ المِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إِلاَّ بِالْقَبُولِ بَعْدَ المَوْتِ)؛ أيْ: إذا كانَتْ لمعين (٤) يُمكِنُ القَبولُ منه (٥)، في قَولِ جمهور الفقهاء؛ لأِنَّه تمليكُ مالٍ، فاعتبِرَ قَبولُه كالهِبة، قال أحمدُ: الهِبَةُ والوصيَّةُ واحدةٌ (٦). ولا يتعيَّنُ القَبولُ باللَّفظ، بل يَحصُلُ به (٧) وبِمَا قامَ مَقامَه؛ كالهِبة والبَيع، ويجوز القَبولُ على التَّراخِي؛ كالفَور، وحِينَئِذٍ الملْكُ له شَرْطانِ: الأوَّلُ: القَبولُ. الثَّاني: أنْ يكونَ القَبولُ بَعْدَ مَوت الموصِي؛ لأِنَّه قَبْلَ ذلك لم يَثْبُتْ له حقٌّ. فأمَّا إنْ كانَتْ لِغَير مُعيَّنٍ؛ كالفقراء، أو لا يُمكِنُ حَصْرُهم؛ كبَنِي تميمٍ، أوْ على مصلحةِ مسجِدٍ أوْ حجٍّ؛ لم يَفتَقِرْ إلى قَبولٍ، ولَزِمَتْ بمجرَّد الموت؛ لأِنَّ اعْتِبارَ القَبول منهم مُتَعذِّرٌ، فَسَقَطَ اعْتِبارُه؛ كالوقْفِ عَلَيهِم، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ منهم، فيُكتَفَى به. ولو كان فِيهم ذُو رَحِمٍ من الموصَى له؛ كمن أوْصَى بعَبدٍ للفقراء وأبوه (٨)

стр. 3727

منهم؛ لم يَعتِقْ عَلَيهِ؛ لأِنَّ الملْكَ لا يَثبُتُ لكلٍّ منهم إلاَّ بالقَبْضِ. (فَأَمَّا قَبُولُهُ وَرَدُّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ)؛ لأِنَّه لم يَثْبُتْ له حقٌّ. (فَإِنْ (١) مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ المُوصِي (٢)؛ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ) في قَولِ أكثرِ العلماء (٣)؛ لأِنَّها عطيَّةٌ صادَفَت المعْطَى ميتًا، فلم تَصِحَّ، كما لو وَهَبَ ميتًا، إلاَّ أنْ يكونَ أَوْصَى بقَضاء دَينِه، فلا تَبطُلُ، قالَهُ الحارِثِيُّ وغَيرُه. (وَإِنْ رَدَّهَا بَعْدَ مَوْتِهِ (٤)؛ بَطَلَتْ أَيْضًا)؛ لِلرَّدِّ أحْوالٌ: مِنْها: أنْ يَرُدَّها قَبلَ مَوت الموصِي، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ، وقَد ذَكَرَه؛ لأِنَّ الوصيَّةَ لم تَقَعْ بَعْدُ، أشْبَهَ ردَّ المبِيعِ قَبْلَ إِيجابِ البيع (٥)، ولأِنَّه لَيسَ بمحلٍّ للقَبول. ومِنْها: أنْ يَرُدَّها بَعْدَ الموت وقَبْلَ القَبول، وهي مسألةُ المتْنِ؛ فيَصِحُّ الرَّدُّ، وتَبطُلُ الوصيَّةُ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦)؛ لأِنَّه أسْقَطَ حقَّه في حالةٍ يَملِكُ قَبولَه وأخْذَه، أشْبَهَ عَفْوَ الشَّفيع عنها بَعْدَ البَيع. ومِنْها: أنْ يَرُدَّ بَعْدَ القَبول والقَبْض، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأِنَّ ملْكَه قد استقرَّ عَلَيهِ (٧)، أشْبَهَ ردَّه لسائر (٨) أمْلاكِه، إلاَّ أنْ تَرْضَى (٩) الوَرَثةُ بذلك، فتكون (١٠)

стр. 3728

هِبةً منه لهم، تَفتَقِرُ (١) إلى شُروطها. ومنها: أنْ يَرُدَّ بَعْدَ القَبول وقَبْلَ القَبْض، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأِنَّ الملْكَ يَحصُلُ فيه بالقَبول مِنْ غَير قَبْضٍ. وقِيلَ: يَصِحُّ فيما كِيلَ أوْ وُزِنَ، دُونَ المعيَّن في الأشْهَرِ فيهِما. وقِيلَ: يَصِحُّ مطلَقًا؛ بِناءً على أنَّ القَبْضَ مُعْتَبَرٌ فيه. فإنْ لم يَقبَل؛ فكمُتَحَجِّرٍ مَواتًا؛ أي: للوَرَثَة مطالَبَتُه بأحَدِهما، فإن امْتَنَع؛ حُكِم عليه بالرَّدِّ، وسَقَطَ حقُّه منها. وكلُّ مَوضِعٍ صحَّ الرَّدُّ قَبْلَ القَبول أو القَبض؛ فالمردودُ إرْثٌ، ولَيسَ له ردُّه إذنْ إلى بعض الورثة، ولا إلى غَيرهم. وإذا امْتَنَع الرَّدُّ بَعْدَ القَبول والقَبْض؛ فله هِبَتُه وتمليكُه لوارِثٍ وغَيرِه. فَرْعٌ: يَحصُلُ الرَّدُّ بقَوله: رَدَدْتُ الوصيَّةَ، وكذا لا أَقْبَلُها، قال أحمدُ: إذا أوْصَى لرجلٍ (٢) بألْفٍ، فقال: لا أَقْبَلُها؛ فهي لِوَرَثَته (٣). (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ؛ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، قدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه حقٌّ ثَبَتَ للمَورُوث، فيَنتَقِلُ إلى الوارث (٤) بَعْدَ مَوتِه؛ لقَوله ﵇: «مَنْ تَرَك حقًّا؛ فَلِوَرَثَتِه» (٥)، وكَخِيار العَيب. ثُمَّ إنْ كان الوارِثُ جماعةً؛ اعتُبِر القَبولُ والرَّدُّ مِنْ جميعهم، وإنْ ردَّ بَعْضٌ وقَبِلَ آخَرُ؛ تَرتَّبَ على كلٍّ حُكمُه، فإنْ كان فيهم مَولِيًّا عَلَيهِ؛ تقيَّد (٦) وَلِيُّه بفِعْلِ الأحَظِّ.

стр. 3729

(وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ)، وهو روايةٌ؛ لأِنَّها تفتقر إلى القبول (١)، فإذا ماتَ قَبْلَه؛ بَطَلَتْ؛ كالهِبَة، (عَلَى (٢) قِيَاسِ قَوْلِهِ)؛ أيْ: قَولِ الإمام؛ لأِنَّه خِيارٌ لا يُعتَاضُ عنه، فبَطَلَ؛ كخِيارِ المجْلِس والشَّرطِ والشُّفْعةِ، نَصَّ عليه (٣)، وهذا مِثلُه، وحَكَى في «المغْنِي» و «الشَّرح» البُطْلانَ، عن ابنِ حامِدٍ، وأنَّ القاضِيَ قال: هو قِياسُ المذْهَب. (وَإِنْ قَبِلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ ثَبَتَ (٤) المِلْكُ) للمُوصَى له (حِينَ الْقَبُولِ فِي الصَّحِيحِ) من المذْهَبِ، أَوْمَأَ إلَيهِ أحمدُ (٥)، وهو قَولُ أهلِ العراق؛ لأِنَّه تمليكُ عَينٍ لِمُعَيَّنٍ، يفتقر (٦) إلى القَبول، فلم يَسْبِقِ الملْكُ القَبولَ؛ كسائر العُقود، والقَبولُ مِنْ تمامِ السَّبَب، والحُكْمُ لا يَتَقدَّمُ سبَبَه ولَا شَرْطَه. وفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَه أبو الخَطَّاب، وقدَّمه في «الرِّعاية»: أنَّه إذا قَبِلَ تبَيَّنَّا أنَّ الملكَ ثَبَتَ حينَ مَوت الموصِي؛ لأِنَّ ما وَجَبَ انْتِقالُه بالقَبول وَجَب انتِقالُه من جِهَةِ الموجِبِ عند الإيجاب كالهِبة. واخْتارَ أبو بَكْرٍ: أنَّ الملْكَ يَقِفُ مُرَاعًى. وعلى الأوَّل: هل هي قَبْلَ القَبول على ملْكِ الميت أو الورثة؟ فيه وجْهانِ، ونَصَّ أحمدُ في مَواضِعَ: أنَّه لا يُعتَبَرُ له القَبولُ، فيَملِكُه قَهْرًا؛ كالميراث (٧)، وحكاه الحُلْوانِيُّ عن الأصْحاب، ولهذا الاِخْتِلاف فوائدُ نبَّه المؤلِّفُ على بعضها.

стр. 3730

(١) فَمَا حَدَثَ قَبْلَهُ)؛ أيْ: قَبْلَ القَبول (مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ)؛ كالوَلَد والثَّمَرة؛ فهو لورَثَتِه؛ لأِنَّه ملكُهم، فعلى هذا يزكُّونه، وقِيلَ: للميت، وقِيلَ: مُنْذُ ماتَ الموصِي؛ فيُزَكِّيهِ. وفي «القواعد»: (أنَّ النَّماءَ (٢) المنْفَصِلَ إنْ قُلْنا: هو على ملْك الموصَى له؛ فهو له لا يُحْسَبُ عليه من الثُّلث، وإنْ قُلْنا: هو على ملْك الميت، فتَتَوفَّرُ به التَّرِكةُ، فيَزْدادُ به الثُّلث، وإنْ قُلْنا: على ملك الورثة؛ فنَماؤه لهم خاصَّةً. وذَكَرَ القاضِي في «خِلافه»: أنَّ ملْكَ الموصى (٣) له لا يتقدَّم القَبولَ، وأنَّ النَّماءَ قَبْلَه للورثة مع أنَّ العَينَ باقيةٌ على حكمِ ملكِ (٤) الميتِ، فلا يَتَوفَّرُ به الثُّلثُ؛ لأِنَّه لم يكُنْ ملْكًا له حِينَ الموت). (وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلاً؛ تَبِعَهَا) كما يَتْبَعُ في العُقود والفُسوخ. (وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِأَمَةٍ، فَوَطِئَهَا الْوَارِثُ قَبْلَ الْقَبولِ)؛ أيْ: قَبولِ الموصَى له، (فَأَوْلَدَهَا؛ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ)؛ لأِنَّه وَطئَ مَمْلُوكَتَهُ، (وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ الإنسانَ لا يَجِبُ عَلَيه مَهْرٌ مِنْ وَطْءِ مملوكتِه، (وَوَلَدُهُ حُرٌّ)؛ لأِنَّه وَطِئَها في ملْكِه، (لَا تَلْزَمُهُ (٥) قِيمَتُهُ)؛ لأِنَّه لا حقَّ فيه لأِحَدٍ، بل انْعَقَد حُرًّا. (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِلْمُوصَى (٦) إذا قَبِلها؛ لأِنَّه فَوَّتَها عَلَيهِ، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَها. لا يُقالُ: كَيفَ قَضَيتُم هنا بعِتْقِها، وهي لا تَعتِقُ بإعْتاقِه؛ لأِنَّ الاِسْتِيلادَ أقْوَى، بدليلِ نُفُوذه من المجْنُون، والمراهِقِ، والشَّريكِ المعْسِرِ، وإنْ لم يَنفُذْ إعْتاقُهم.

стр. 3731

لكِنْ إذا وَطِئَها الموصَى له قَبْلَ قَبولها؛ كان ذلك قَبُولاً لها، ويَثبُتُ (١) الملْكُ له؛ كوطْءِ مَنْ له الخِيار. (وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِزَوْجَتِهِ، فَأَوْلَدَهَا قَبْلَ الْقَبُولِ؛ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ)؛ لأِنَّها لم تَصِرْ ملْكًا له بَعْدُ، (وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ)؛ لأِنَّه مِنْ وَطْءٍ في ملْكِ غَيرِه. (وَمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِأَبِيهِ، فَمَاتَ) الموصَى له (قَبْلَ الْقَبُولِ؛ فَقَبِلَ ابْنُهُ)؛ صحَّ، و (عَتَقَ المُوصَى بِهِ)، وهو الجَدُّ، (حِينَئِذٍ)؛ أيْ: حِينَ القَبول، (وَلَمْ يَرِثْ) من ابنه (٢) (شَيْئًا (٣)؛ لأِنَّ حُرِّيَّتَه إنَّما حَدَثَتْ حِينَ القَبولِ بَعْدَ أنْ صار الميراثُ لِغَيرِه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ حِينَ الْمَوْتِ)؛ كالبَيع، (فَتَنْعَكِسُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ)، فيَكونُ النَّماءُ المنْفَصِلُ للمُوصَى له؛ كالمتَّصِل؛ لأِنَّه نَماءُ ملْكِه. وفي الثَّانية: أنَّها لا تَصِيرُ أمَّ وَلدٍ له؛ لأِنَّه وَطْءٌ في غَيرِ ملْكٍ، وهي باقيةٌ على الرِّقِّ، وعَلَيهِ المَهْرُ؛ لأِنَّه وَطِئَ مملوكةَ غَيرِه، وَوَلَدُه رقيقٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا. وفي الثَّالثة: يكونُ حرَّ الأصل، ولا وَلاءَ عَلَيهِ، وأمُّه أمَّ وَلَدٍ؛ لأِنَّها عَلِقَتْ منه بحرٍّ (٤) في ملْكِه. وفي الرَّابعة: تَثْبُتُ حُرِّيَّتُه مِنْ حِينِ مَوتِ الموصِي، ويَرِثُ من ابنه السُّدُسَ. وللخِلافِ فوائدُ أخْرَى: مِنْها: لو أوْصَى بأمته (٥) لزَوجها، فلم يَعلَمْ حتَّى أوْلَدَها، ثُمَّ قَبِلَها، فإنْ

стр. 3732

قِيلَ: يَملِكُها بالموت؛ فَوَلَدُه حُرٌّ، وهي أمُّ وَلَدِه، ويَبطُلُ نكاحُه بالموت، وإنْ قِيلَ: لا يَمْلِكُها إلاَّ بَعْدَ القَبول؛ فنِكاحُه باقٍ قَبْلَ القَبول، وَوَلدُه رقيقٌ للوارِثِ. ومِنْهَا: لو زوَّج أَمَتَه بابْنِه، ثُمَّ وصَّى بها لآِخَرَ، وهي تَخرُجُ من الثُّلث؛ لم يَنفَسِخْ نكاحُ الاِبْن، وعلى الثَّاني عَكْسُه. ومِنْها: لو وصَّى لرجل (١) بأرضٍ، فبَنَى الوارِثُ فيها، أوْ غَرَسَ قَبْلَ القَبول، ثُمَّ قَبِلَ؛ ففي «الإرشاد»: إنْ كان الوارِثُ عالِمًا بالوصيَّة؛ قُلِعَ غَرْسُه وبناؤُه مَجَّانًا، وإنْ كان جاهِلاً؛ فوَجْهانِ. قال في «القواعد»: (وهذا مُتَوَجِّهٌ على القَول بالملْك بالموت، أمَّا إن قيل: إنَّها قَبْلَ القَبول على ملْكِ الوارِث؛ فهو كبِناءِ مُشْتَرِي الشِّقْص المشْفوعِ وغَرْسِه، فيكونُ مُحترَمًا يُتَمَلَّك بقِيمته). ومِنْها: لو بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكة الورثة والموصَى له قَبْلَ قَبوله، فإنْ قُلْنا: الملْك له من حِين الموت؛ فهو (٢) شريكٌ للورثة في الشُّفْعة، وإلا فلا حقَّ له فيها. ومِنْها: جَرَيانُه من حين الموت في حول الزَّكاة، فإنْ قُلْنا: مَلَكه (٣) الموصَى له؛ جَرَى في (٤) حَوله، وإنْ قُلْنا: للورثة؛ فهل يَجْرِي في حولهم حتَّى لو تأخَّرَ القَبولُ سَنَةً، كانت زكاتُه عَلَيهم، أمْ لا؛ لِضعْف ملْكِهم فيه، وتزلزله (٥)، وتَعَلُّق حقِّ الموصَى له به؛ فهو كمالِ المكاتَب؟ فيه تَرَدُّدٌ.

стр. 3733

ومِنْها: لو نَقَصَ الموصَى به في (١) سِعْرٍ أوْ صِفَةٍ، فَذَكَرَ جماعةٌ: أنَّه يُقوَّمُ بسِعْرِه وَقْتَ الموت. وفي «المحرَّر»: إنْ قُلْنا: يَملِكُه بالموت؛ اعْتُبِرتْ قِيمتُه من التَّرِكة بسِعْرِ يَومِ الموت على أدْنَى صِفاتِه من يَوم الموت إلى القَبول؛ لأِنَّ الزِّيادةَ حَصَلَتْ في ملْكِه، فلا تُحسَب عَلَيهِ، والنَّقصُ لم يَدخُلْ في ضَمانه. وإنْ قُلْنا: يَملِكُه من حِينِ القَبول؛ اعتُبِرَتْ قِيمتُه يَومَ القَبول سِعْرًا وصِفَةً؛ لأِنَّه لم يَمْلِكْه قَبْلَ ذلك. وذَكَرَ الخِرَقِيُّ، ونَصَّ عَلَيهِ: أنَّه تُعتَبَرُ (٢) قيمتُه يَومَ الوصيَّةِ (٣)، ولم يَحْكِ في «المغْنِي» خِلافًا، فظاهِرُه: أنَّه يُعْتَبَرُ سِعْرُه بيوم الموت على الوُجوه كلِّها؛ لأِنَّ حقَّه تعلَّق بالموصَى به تعلُّقًا قَطَعَ تصرُّفَ الوَرَثَة فيه، فيكونُ ضمانُه عليه؛ كالعبد الجانِي.

стр. 3734

(فَصْلٌ) (وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ)؛ لقَولِ عُمَرَ: «يُغَيِّرُ الرَّجُلُ ما شاء في وصيَّتِه» (١)، وهو اتِّفاقٌ في غَيرِ الوصيَّة بالعِتْق (٢)، ولأِنَّها عطيَّةٌ تَتَنَجَّزُ بالموت، فجاز له الرُّجوع عنها قَبْلَ تَنجِيزها، كهِبَةِ ما يَفْتَقِرُ إلى القَبْض قَبْلَ قَبْضِه. وقال الشَّعْبِيُّ وغَيرُه: يُغَيِّرُ ما شاءَ مِنْها إلاَّ العِتْقَ؛ لأِنَّه إعْتاقٌ بَعْدَ الموت، فلم يَملِكْ تَغْيِيرَه (٣) كالتَّدْبِير. وجَوابُه: بالمنْعِ، ولو سُلِّمَ؛ فالوصيَّةُ تُفارِقُ التَّدْبيرَ، فإنَّه تعليقٌ على شَرْطٍ، فلم يَمْلِكْ تَغْيِيرَه؛ كتَعْليقِه على صِفَةٍ في الحياة. (فَإِذَا قَالَ: قَدْ رَجَعْتُ فِي وَصِيَّتِي، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوَ نَحْوَ (٤) ذَلِكَ)؛ كَ: غَيَّرْتها، أو فَسَخْتُها؛ (بَطَلَتْ)؛ لأِنَّه صريحٌ في الرُّجوع. (وَإنْ (٥) قَالَ فِي الْمُوصَى بِهِ: هذا لِوَرَثَتِي)؛ لأِنَّ ذلك يُنافِي كَونَه وصيَّةً، (أَوْ) قال: (مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ؛ كَانَ رُجُوعًا) بغَيرِ خِلافٍ

стр. 3735

نَعلَمُه (١)؛ لرُجوعه عن الأوَّل وصَرْفِه إلى الثَّاني، أشْبَهَ ما لو صرَّح بالرُّجوع. (وَإِنْ وَصَّى بِهِ لآِخَرَ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) في قَولِ الجمهور؛ لِتَعلُّق حقِّ كلِّ واحدٍ منهما على السَّواء، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَرِكا (٢) فيه، كما لو قال: هو بَينَهما. وقِيلَ: للثَّاني. ونَقَلَ الأثْرَمُ: يُؤخَذُ بآخِر الوصيَّة (٣)، وهو قَولُ عَطاءٍ وطاوُسٍ؛ لأِنَّ الثَّانيةَ تُنافِي الأُولَى، فإذا أتى بها؛ كان رجوعًا، كما لو قال: هذا لِوَرَثَتِي. ورُدَّ: بالفَرْق. وفي «التبصرة»: للأوَّل. وأيُّهما مات؛ فهو للآخَر؛ لأِنَّه اشْتِراكُ تَزَاحُمٍ. فَرْعٌ: لو وَصَّى بثُلُثِه لِرَجُلٍ، ثُمَّ بثُلثه لآخر (٤)؛ فمُتَغايِرانِ (٥)، وفي الرَّدِّ؛ يُقسَمُ بَينَهما. ولو وَصَّى بجميعِ مالِه لرجُلٍ، ثُمَّ وَصَّى به لآِخَرَ؛ فهو بَينَهما. (وَإِنْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ رَهَنَهُ؛ كَانَ رُجُوعًا)؛ لأِنَّه أزال ملكَه عنه، وذلك يُنافِي الوصيَّةَ، والرَّهْنُ يراد (٦) للبيع، أشْبَهَ ما لو باعَه، ولأِنَّ الوصيَّةَ تَنقُلُ الملْكَ حِينَ الموتِ، وذلك بقيمةِ القابِلِيَّة (٧) له (٨)،

стр. 3736

والقابِلِيَّة (١) للنَّقْل غَيرُ مَوجُودةٍ فيما رَهَنَه. وكذا إنْ كان ثَوبًا فَفَصَّلَه ولَبِسَه، أوْ جارِيَةً فأحْبَلَها أوْ أوْلَدَها. (وَإِنْ كَاتَبَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ)، أوْ أوْجَبَه في بَيعٍ أوْ هِبَةٍ، فلَمْ يَقْبَلْ، أوْ عرضه (٢) في بَيعٍ، أوْ رَهْنٍ، أوْ وَصَّى بِبَيعِه أوْ هِبَتِه؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أصَحُّهما: أنَّه رجوعٌ؛ لأِنَّ الكتابةَ والتَّدبيرَ أقْوَى من الوصيَّة؛ لأِنَّه يَتَنَجَّزُ بالموت، فيَسبِقُ أخْذَ الموصَى له، وجَحْدُها ظاهِرٌ في الرُّجوع، وفي الباقِي يَدُلُّ على اخْتِياره الرُّجوع. والثَّاني: لا يكون رُجوعًا؛ لأِنَّ الكتابةَ والتَّدبيرَ لا يَخرُجُ بهما عن ملْكِه، والوصيَّةَ عَقْدٌ، فلا تَبطُلُ بالجُحود؛ كسائر العُقود، وكإيجاره، وتزوِيجِه، ولُبْسِه، وسُكْناهُ. وهذا كلُّه إذا كانت بمُعَيَّنٍ، فإنْ كانَتْ بثُلث مالِه، فيَتْلَفُ أوْ يَبِيعُه، ثُمَّ يَملِكُ مالاً آخَرَ؛ فهي باقيةٌ، ولَيسَ برجوعٍ. (وَإِنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ)، ولا يَنفَصِلُ عنه غالِبًا، قالَهُ في «الرِّعاية»، (أَوْ أَزَالَ اسْمَهُ؛ فَطَحَنَ الْحِنْطَةَ، أَوْ خَبَزَ الدَّقِيقَ، أَوْ جَعَلَ الْخُبْزَ فَتِيتًا، أَوْ نَسَجَ الْغَزْلَ، أَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا وَنَحْوَهُ، أَوِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ وَزَالَ اسْمُهَا؛ فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ رُجُوعٌ)، صحَّحه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه أزال اسْمَه، وأخْرَجَه عن دُخُولِه في الاِسْمِ الدَّالِّ على الموصَى به. (وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهَيْنِ):

стр. 3737

أحدهما: أنَّه رجوعٌ، وقالَهُ أكثرُ العلماء، ونَصَرَه في «الشَّرح». والثَّاني، واخْتارَه أبو الخَطَّاب: أنَّه لَيْسَ برجوعٍ؛ لأِنَّ الموصَى به باقٍ، أشْبَهَ غَسْلَ الثَّوب، وهو لا يُسَمَّى غَزْلاً، كما لا يُسَمَّى الغَزْلُ كُتَّانًا. وكذا الخِلافُ إذا ضَرَبَ النقرة (١)، أوْ ذَبَحَ الشَّاةَ، أوْ بَنَى، أوْ غَرَسَ، وذَكَرَهُما ابْنُ رَزِينٍ في وطئه. فَرْعٌ: إذا حَدَثَ بالموصَى به ما يُزِيلُ اسْمَه من غَيرِ فِعْلِ الموصِي؛ كالحَبِّ إذا سَقَطَ وصار زَرْعًا، والدَّارِ إذا انْهَدَمَتْ وصارَتْ فَضاءً؛ فَوَجْهانِ: أشْهَرُهُما البُطْلانُ؛ لأِنَّ الباقِيَ لا يَتَناوَلُه الاِسْمُ. (وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، ثُمَّ خَلَطَ الصُّبْرَةَ بِأُخْرَى؛ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا)؛ لأِنَّه كان مُشَاعًا، وبَقِيَ على إشاعَتِه، وسَواءٌ خَلَطَها بِمِثْلها، أوْ دُونِها، أوْ خَيرٍ منها. وقِيلَ: إنْ خَلَطَها بخَيرٍ منها؛ كان رُجوعًا، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّه لا يُمكِنُه تسليمُ الموصَى به إلاَّ بتَسْليمِ خَيرٍ منه، ولا يَجِبُ على الوارث تسليم (٢) خَيرٍ منه، فصار مُتعَذِّرَ التَّسْليم. (فَإنْ (٣) زَادَ) الموصي (٤) (فِي الدَّارِ عِمَارَةً، أَوِ انْهَدَمَ بَعْضُهَا) في حياةِ الموصِي؛ (فَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ (٥)؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهُما في «الفروع» في الزِّيادة. أحدهما (٦): لا يَستَحِقُّه؛ لأِنَّ الزِّيادةَ لم تتناوَلْها الوصيَّةُ، والأَنقاضَ لا

стр. 3738

يَدخُلُ في مُسَمَّى الدَّار، وإنَّما يتبع الدَّارَ في الوصيَّة ما يَتْبَعُها في البَيعِ. والثَّاني: يَسْتَحِقُّهما، قدَّمه في «الحاشية»؛ لأِنَّ الزِّيادةَ تابِعةٌ؛ كالسِّمَن، والمنْهَدِمُ قد دخل في الوصيَّة، فتبقى (١) الوصيَّةُ ببقائها. والمذْهَبُ: أنَّ زيادةَ الموصِي فيها للورثة، دُونَ المنْهَدِم. وقال ابْنُ حَمْدانَ: الأنقاضُ، أو العِمارةُ إرْثٌ. وقِيلَ: إنْ صارَتْ فَضاءً في حياة الموصي (٢)؛ بَطَلَت الوصيَّةُ، وإنْ بَقِيَ اسْمُها؛ أخَذَها، لا ما انْفَصَلَ منها. فَرْعٌ: إذا بَنَى فيها الوارِثُ وقد خَرَجَت من الثُّلث؛ رَجَعَ على الموصَى له بِقِيمة البِناء، وقِيلَ: لا رُجوعَ، وعَلَيهِ أرْشُ ما نَقَصَ من الدَّار عمَّا كانَتْ عَلَيهِ قَبْلَ عِمارته، وإنْ جَهِلَ الوصيَّةَ؛ فله قِيمةُ بنائه غَيرَ مَقْلُوعٍ. فائدةٌ: نَقَلَ الحَسَنُ بنُ ثَوَابٍ عن أحمدَ في رجُلٍ قال: ثُلُثِي لِفُلانٍ، ويُعْطَى فُلانٌ منه مائةً في كلِّ شَهْرٍ إلى أنْ يَموتَ؛ فهو للآخَرِ منهما، ويُعْطَى هذا مائةً في كلِّ شَهْرٍ، فإنْ مات وفضل منه (٣) شَيءٌ؛ رُدَّ إلى صاحب الثُّلث (٤)، فحَكَمَ بصحَّة الوصيَّة وإنْفاذِها على ما أَمَرَ به الموصِي. (وَإِنْ وَصَّى لِرَجُلٍ) بمُعيَّنٍ (٥)، (ثُمَّ قَالَ: إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَهُوَ لَهُ، فَقَدِمَ فِي حَيَاةِ المُوصِي؛ فَهُوَ لَهُ)؛ لأِنَّه جَعَلَه له بِشَرْطِ قُدومِه، وقد وُجِدَ. (وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وهو ظاهِرُ «الفروع»، وصحَّحه ابنُ المنَجَّى؛ لأِنَّه لَمَّا مات قَبْلَ قُدومه؛ انْتَقَلَ

стр. 3739

إلى الأوَّل؛ لِعَدم الشَّرْط في الثَّاني، وقُدومِ الثَّاني بَعْدَ ملْكِ الأوَّل له، وانْقِطاعِ حقِّ الموصِي منه، فَبَقِيَ للأوَّل. (وَفِي الآْخَرِ: هُوَ (١) لِلْقَادِمِ)؛ لأِنَّه مشروطٌ له بِقُدومه، وقد وُجِدَ، أشْبَهَ ما لو قال: إنْ حَمَلَتْ نَخْلَتِي بَعْدَ مَوتِي فهو لِفُلانٍ، فحَمَلَتْ بَعْدَ مَوتِه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ حَمْلَها بَعْدَ ملْكِ الورثة لأِصْلِها.

стр. 3740

(فَصْلٌ) (وَتُخْرَجُ الْوَاجِبَاتُ)؛ كقَضاءِ الدَّين والزَّكاة والحجِّ (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ)؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النِّسَاء: ١١]، ولقَول عليٍّ: «قَضَى رسولُ الله ﷺ بالدَّين قَبْلَ الوصيَّةِ» رواهُ التِّرمذيُّ (١)، ولأِنَّ حقَّ الورثة إنَّما هو بَعْدَ أداءِ الدَّين، وقد حَكَى القُرْطبِيُّ الإجْماعَ على تقديمِ الدَّين على الوصيَّة (٢)، إلاَّ ما حُكِيَ عن أبي ثَورٍ: أنَّه قَدَّمها عَلَيهِ، حكاهُ العَبْدَرِيُّ. والحِكمةُ في تقديمها في الآية: أنَّ الوصيَّةَ لَمَّا أشْبَهَت الميراثَ في كَونِها بلا عِوَضٍ؛ فكان في إخْراجِها مشقَّةٌ على الوارث، فقُدِّمت حَثًّا على إخْراجِها. قال الزَّمَخْشَرِيُّ (٣): ولذلك جِيءَ بكلمةِ «أوْ» الَّتي للتَّسوية؛ أيْ: فيَسْتَوِيانِ في الاِهْتِمام وعَدَمِ التَّضْيِيع (٤)، وإنْ كان مقدَّمًا عَلَيها. وقال السُّهَيلِيُّ: لَمَّا كانت الوصيَّةُ طاعةً وخَيرًا، والدَّينُ غالِبًا لِمَنفَعَةٍ، وهو مَذْمومٌ في غالِبِ أحْواله، وقد تَعَوَّذَ منه ﵇ (٥)، فَبَدَأَ بالأفْضَل (٦). وقال ابنُ عَطِيَّةَ: الوصيَّةُ غالِبًا تَكُون لِضِعافٍ، فَقُوِّيَ جانِبُها بالتَّقديم في

стр. 3741

الذِّكْر؛ لِئَلاَّ يُطمَعَ ويُتَساهَلَ فيها بخِلافِ الدَّين (١). وحِينَئِذٍ: إنْ كان له وَصِيٌّ؛ قام بإخْراج ذلك ونَفاذِه، وإلاَّ فالوارِثُ، نَصَّ عَلَيهِ (٢). وقِيلَ: يَتَوَلاَّهُ الحاكِمُ، كما لو كان الوارِثُ صغيرًا ولا وَصِيَّ له. فَرْعٌ: إذا أخْرَجَ أجْنَبِيٌّ عن ميتٍ زكاةً تَلزَمُه بإذْنِ وصيِّه أوْ وارِثِه؛ أجْزَأَتْ، وإلاَّ فوجْهانِ. وكذا لو أخْرَجَها الوارِثُ، وثَمَّ أجْنَبِيٌّ أخْرَجَها ولم يُعْلِمْه، وكذا الحجُّ والكَفَّارةُ. (وَإِنْ (٣) وَصَّى مَعَهَا)؛ أيْ: مع الواجبات، (بِتَبَرُّعٍ (٤)؛ اعْتُبِرَ الثُّلُثُ مِنَ الْبَاقِي)؛ أيْ: بَعْدَ إخْراجِ الواجِبِ، فلو كانَتْ تَرِكَتُه أرْبَعينَ، فيُوصِي بِثُلُث ماله، وعَلَيهِ دَينٌ عَشَرَةٌ، فتُدفَعُ أوَّلاً، ويُدفَعُ (٥) إلى الموصَى له بالثُّلث عشرة (٦)، وهو ثُلُثُ الباقي بَعْدَ الدَّين. (فَإِنْ (٧) قَالَ: أَخْرِجُوا الْوَاجِبَ مِنْ ثُلُثِي)؛ أُخرِجَ الثُّلُثُ، وتُمِّمَ من رأس المال على ما قال الموصِي (٨)، كأنَّه قَصَدَ إرْفاقَ وَرَثَتِه بذلك. فإنْ كان وَصَّى معها بتَبَرُّعٍ؛ (فَقَالَ الْقَاضِي: يُبْدَأُ بِهِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، (فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الثُّلُثِ شَيْءٌ؛ فَهُوَ لِصَاحِبِ

стр. 3742

التَّبَرُّعِ)؛ لأِنَّ الدَّين تَجبُ البَداءَةُ به قَبْلَ الميراث والتَّبرُّع، فإذا عَيَّنَه في الثُّلث؛ وَجَبَت البَداءَةُ به، وما فَضَلَ للتَّبَرُّع، (وَإِلاَّ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ (١)؛ أيْ: إنْ لم يَفضُلْ شَيءٌ للتَّبَرُّع؛ سَقَطَ؛ لأِنَّه لم يُوصِ له بِشَيْءٍ، إلاَّ أنْ يُجِيزَ الوَرَثةُ، فيُعْطَى ما أُوصِيَ له به. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُزَاحِمُ (٢) بِهِ أَصْحَابَ الْوَصَايَا)، فيَحتَمِل ما قاله القاضي وغَيرُه، (وَيَحْتَمِلُ) ما قاله المؤلِّفُ هنا، (وَهُوَ أَنْ يُقْسَمَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا) على قَدْرِ حَقَّيهِما؛ كالموصَى لهما (وَيُتَمَّمُ الْوَاجِبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ)؛ لأِنَّه لا بُدَّ مِنْ وَفائه، ولم يَبْقَ من الثُّلُث ما هو مَحَلٌّ له، (فَيَدْخُلُهُ الدَّوْرُ)؛ لأِنَّه لا يُعلَمُ قَدْرُ الثُّلُث، حتَّى يُعلَمَ ما هو تَتِمَّة الواجِبِ، ولا يُعلَمُ تتمته (٣) حتَّى يُعْلَمَ ما يَسْتَحِقُّه بالمزاحَمة، ولا يُعلَمُ ما يَسْتَحِقُّه بالمزاحَمَة حتَّى يُعلَمَ الثُّلثُ، فَعَلَى هذا: يحتاجُ إلى العَمَل بطَريق الجَبْر. (فَلَوْ كَانَ الْمَالُ ثَلَاثِينَ، وَالْوَاجِبُ عَشَرَةً، وَالْوَصِيَّةُ عَشَرَةً؛ جَعَلْتَ تَتِمَّةَ الْوَاجِبِ شَيْئًا) ونكَّر (٤)؛ لأِنَّه غَيرُ مَعْلومٍ حالاً، لا مَآلاً، (يَكُنِ الثُّلُثُ عَشَرَةً إِلاَّ ثُلُثَ شَيْءٍ)؛ لأِنَّك إذا أسْقَطْتَ شَيئًا من ثَلاثين؛ يَكُنْ ثُلُثُها ذلك، (بَيْنَهُمَا)؛ أيْ: بَينَ الواجِبِ والوصيَّةِ؛ لِتَساوِيهِما في القَدْر، (لِلْوَاجِبِ خَمْسَةٌ إِلاَّ سُدُسَ شَيْءٍ)؛ لأِنَّه نِصْفُ ما ذُكِرَ، (تَضُمُّ (٥) إِلَيْهِ شَيْئًا)؛ لأِنَّه تَتِمَّتُه، (يَكُنْ عَشَرَةً)؛ لأِنَّ الشَّيءَ سِتَّةٌ، خَرَجَ منه سُدُسٌ؛ جَبْرًا للخَمْسة، فيبقى خَمْسةٌ، وخَمْسةُ أسْدَاسٍ تَعدِلُ عَشَرةً، (فَتُجْبَرُ الْخَمْسَةُ بِسُدُسِ شَيْءٍ مِنَ الشَّيْءِ)؛

стр. 3743

لِيَخْرُجَ بلا كَسْرٍ، (يَبْقَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ شَيْءٍ تَعْدِلُ خَمْسَةً، فَالشَّيْءُ سِتَّةٌ)؛ لأِنَّ الخَمْسةَ إذا عَدَلَتْ خَمسةَ أسْداسٍ كان كلُّ سُدُسٍ يَعدِلُ واحِدًا، (وَيَحْصُلُ لِلْوَصِيِّ الآْخَرِ)، وهو صاحِبُ التَّبرُّع؛ (أَرْبَعَةٌ). وفي عَمَلِها طريقٌ آخَرُ: وهو أنْ تَقْسِمَ (١) الثُّلُثَ بكَماله بَينَ الوصايا بالقِسْط، ثُمَّ ما بَقِيَ من الواجب أَخَذته من الورثة وصاحِبِ التَّبَرُّع بالقِسْط، فيَحصُلُ للواجب خَمْسةٌ، يَبْقَى له خَمْسةٌ، تأخُذُ (٢) من صاحِبِ التَّبرُّع دِينارًا؛ لأِنَّك نَسَبتَ ما لصاحِبِ التَّبرُّع وهو خَمْسةٌ من خمسةٍ وعِشْرينَ؛ فكانَتِ الخُمُسَ، وتأخذ (٣) من الورثة أرْبعَةً. فَرْعٌ: إذا أَوْصَى بالواجِبِ، وقَرَنَ (٤) به الوصيَّةَ بتبرُّعٍ، مِثْلَ: حُجُّوا عَنِّي، وأَدُّوا دَينِي، وتَصَدَّقوا عنِّي؛ فوَجْهانِ: أصحُّهما: أنَّ الواجِبَ من رأس المال؛ لأِنَّ الاِقْتِران في اللَّفْظ لا يَدُلُّ على التَّساوِي في الحُكْم؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [الأنعَام: ١٤١]. والثَّاني: أنَّه من الثُّلُث؛ لأِنَّه قَرَنَ به ما يُخرِجُه من الثُّلث. ومَنْ مات بطَريقِ مَكَّةَ؛ لَزِمَه أنْ يُوصِيَ بحَجَّةِ الإسْلامِ، قالَهُ في «الرَّوْضة»، وكذا كلُّ واجِبٍ عَلَيهِ (٥).

стр. 3744

(بَابُ المُوصَى لَهُ) هذا هو الرُّكْنُ الثَّاني. (تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ مَنْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، مِنْ مُسْلِمٍ وَذَمِّيٍّ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزَاب: ٦]، قال محمَّدُ بنُ الحنَفِيَّة: (هو وصيَّةُ المسْلِم لليهوديِّ والنَّصْرانيِّ) (٢)؛ لأِنَّ الهِبَةَ تَصِحُّ لهم، فصحَّتْ لهم الوصيَّةُ؛ كالمسْلِمِ. وعُلِمُ منه: صِحَّتُها من الذِّمِّيِّ للمُسْلِم من بابِ أَوْلَى. ويُستَثنَى من الوصيَّة لكافِرٍ: ما إذا أَوْصَى له بمُصْحَفٍ، أوْ عَبْدٍ مسلِمٍ، أوْ سِلاحٍ، أوْ حدِّ قَذْفٍ، فإنَّه لا يَصِحُّ. (وَمُرْتَدٍّ)؛ كالهِبَة، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب، لكِنْ إنْ ضاقَ الثُّلُثُ عنه وعن وَصِيَّتِه؛ بُدِئَ بعتقه (٣). (وَحَرْبِيٍّ)، وظاهِرُه ولو كان في دارِ الحرب، نَصَّ عليه (٤)، وقاله أكثرُ العلماء. وقِيلَ: لا تَصِحُّ (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ … (٩)﴾ الآيةَ [المُمتَحنَة: ٩]، فدلَّ على أنَّ مَنْ قاتَلَنا لا يَحِلُّ بِرُّه. وجوابُه: بأنَّه قد حَصَلَ الإجماعُ على صحَّة الهَبَة له، والوصيَّةُ في مَعْناهُ،

стр. 3745

وقضيَّةُ عُمَرَ شاهِدةٌ بذلك (١). ومَحَلُّ الخِلاف فيه: إذا أَوْصَى له بغَيرِ السِّلاح والخَيْل، فإنْ كانَتْ بِشَيءٍ منهما؛ فيتوجَّه أنَّه كبَيعِه منه (٢). فَرْعٌ: إذا أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ بعَبْدٍ كافِرٍ، فأسْلَمَ قَبْلَ مَوتِ الموصِي؛ بَطَلَتْ، وإنْ أسْلَمَ بَعْدَه قَبْلَ القَبول؛ فوَجْهانِ، وقِيلَ: إنْ مُلِكَتْ بالقَبول؛ بَطَلَتْ، وإنْ مَلَكَه بالموت فلا، وقِيلَ: بَلَى، وهو أَوْلَى. (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا تَصِحُّ لِمُرْتَدٍّ)؛ لأنَّ (٣) ملْكَه غَيرُ مُسْتَقِرٍّ، ولا يَرِثُ ولا يُورَثُ، فهو كالميت، ولأِنَّ ملْكَه يَزُولُ عن ماله بِرِدَّته في قَولِ أبي بَكْرٍ وجماعةٍ، فلا يَثْبُتُ الملْكُ له بالوصَيَّة. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ بَقِيَ ملْكُه؛ صحَّ الإِيصاءُ له؛ كالهِبَة له مُطْلَقًا، وإنْ زال ملْكُه في الحال؛ فلا، وإنْ وُقِفَ أمْرُ مالِه على إسْلامِه، فأَسْلَمَ؛ احْتَمَلَ وَجْهَينِ. ولو عَبَّرَ بقَولِه: (في الأصحِّ فِيهِما) لكان أَوْلَى؛ إذْ الخِلافُ فِيهِما مَعًا. تنبيهٌ: يُعتَبَرُ تَعْيينُ الموصَى له، فلو قال: ثُلُثِي لأِحَدِ هذَينِ، أوْ لِجارِه، أوْ قرابة (٤) محمَّدٍ بِاسْمٍ مُشْتَرَكٍ؛ لم يَصِحَّ. وعَنْهُ: بَلَى، كقَولِه: أعْطُوا ثُلُثِي أحدَهُما، في الأصحِّ، فَقِيلَ: يُعيِّنُه الوارِثُ، وقِيلَ: بِقُرْعَةٍ. وجَزَمَ ابنُ رَزِينٍ بصِحَّتها بِمَجْهولٍ ومَعْدومٍ.

стр. 3746

فعلى الأَوَّلة؛ لَوْ قال: عَبْدِي غانِمٌ حُرٌّ بَعْدَ مَوتِي، وله مائةٌ، وله عَبْدانِ بهذا الاِسْمِ؛ عَتَقَ أحَدُهما بِقُرْعَةٍ، ولا شَيءَ له، نَقَلَه يعقوبُ (١)، وعلى الثَّانية: هِيَ له من ثُلُثِه، اخْتَارَهُ أبو بَكْرٍ. (وَتَصِحُّ لِمُكَاتَبِهِ)؛ لأِنَّه مَعَهُ كالأجْنَبِيِّ في المعامَلات، فكذا في الوصيَّة، ولأِنَّه يَمْلِكُ المالَ بالعَقْد، فصحَّت الوصيَّةُ له كالحُرِّ. وتَصِحُّ لِمكاتَبِ وارِثِه، ومُكاتَبِ أَجْنَبِيٍّ، سَواءٌ وصَّى له (٢) بِجُزْءٍ شائع أوْ مُعَيَّنٍ؛ لأِنَّ الوَرَثَةَ لا يَسْتَحِقُّون المكاتَبَ، ولا يَمْلِكونَ مَالَه. فإنْ قال: ضَعُوا عن مكاتَبِي بعضَ كِتابَتِه؛ وضَعُوا ما شاؤُوا، وإِنْ قال: ضَعُوا نَجْمًا؛ فَلَهُمْ وَضْعُ أيِّ نَجْمٍ شاؤُوا، سَواءٌ (٣) اتَّفَقَتْ أو اخْتَلَفَتْ، فإنْ قال: ضَعُوا عنه أيَّ نَجْمٍ شاء؛ رُدَّ ذلك إلى مَشيئَتِه، وإنْ قال: ضَعُوا عنه أكثرَ نجومِه؛ وَضَعُوا عنه أكثرَ مِنْ نِصْفِها، وإنْ قال: الأَوْسَطَ؛ تعيَّنَ، وإنْ كانَتْ خمسةً؛ تعيَّنَ الثَّالِثُ، أوْ سَبْعَةً؛ تَعَيَّنَ الرَّابِعُ، وإن اخْتَلَفَتْ؛ رُجِعَ إلى قَول الوَرَثَةِ. (وَمُدَبَّرِهِ)؛ لأِنَّه يَصِيرُ حُرًّا حِينَ لُزُومِ الوصيَّة، فصحَّتْ كأمِّ الوَلَد، فإنْ لم يَخرُجْ من الثُّلُث هو والوصيَّة؛ قُدِّمَ عِتْقُه على الوصيَّة؛ لأِنَّه أنْفَعُ له. وقال القاضِي: يَعتِقُ بعضُه، ويَمْلِكُ منها بقَدْر ما عَتَقَ منه. وجوابُه: بأنَّه وَصَّى لِعَبْدِه وصيَّةً صحيحةً، فيُقدَّمُ عِتْقُه على ما يَحصُلُ له من المال، كما لو أَوْصَى لِعَبدِه القِنِّ بِمُشاعٍ من مالِه. (وَأُمِّ وَلَدِهِ)؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ: «أنَّ عمرَ أَوْصَى لِأُمَّهاتِ أوْلادِه لكلِّ واحِدةٍ

стр. 3747

بأربعةِ آلافٍ» (١)، ورُوِيَ عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (٢) وغَيرِه من التَّابِعينَ وغيرهم؛ لأِنَّها حُرَّةٌ حينَ لُزُومِ الوصيَّة، وكَوَصِيَّتِه أنَّ ثُلُثَ قريته (٣) وَقْفٌ عَلَيها ما دامَتْ على وَلَدِها، نَقَلَهُ المرُّوذِيُّ (٤). وإنْ شَرَطَ عَدَمَ تَزْويجها، فَفَعَلَتْ، وأَخَذَت الوصيَّةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ؛ فقِيلَ: تَبطُلُ، وقِيلَ: لا؛ كَوَصِيَّته بِعِتْقِ أَمَتِه على شَرْطِه. (وَتَصِحُّ لِعَبْدِ غَيْرِهِ)؛ لأِنَّه يَصِحُّ اكْتِسابُه، فصحَّت الوصيَّةُ كالحُرِّ، إنْ قُلْنا: يَمْلِكُ، صرَّح به في «الفروع»، وفي «الواضِحِ» - وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ -: خِلافُه، وهذا بِشَرْطِ: ألاَّ يَكونَ عَبْدَ وارِثِه ولا قاتِلِه إنْ لم يَصِرْ حُرًّا وَقْتَ نَقْل الملْك. (فَإِذَا قَبِلَهَا؛ فَهِيَ لِسَيِّدِهِ)؛ لأِنَّه مِنْ كَسْبِ عَبْدِه، وكَسْبُه للسيد (٥)، ما لم يكُنْ حُرًّا وَقْتَ مَوتِ مُوصٍ. وإنْ عَتَقَ بَعْدَه وقَبْلَ القَبول؛ فالخِلافُ. وظاهِرُه: أنَّ قَبولَ العَبْدِ لا يَفتقِرُ إلى إِذْنِ السَّيِّدِ؛ لأِنَّه كَسْبٌ؛ كالاِحْتِطاب. وفِيهِ وَجْهٌ؛ لأِنَّه تَصرُّفٌ من العبد، فهو كَبَيعِه. ورُدَّ: بأنَّه تحصيلُ مالٍ بغَيرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلى إذْنِه؛ كالمباح. (وَتَصِحُّ لِعَبْدِهِ بِمُشَاعٍ؛ كَثُلُثِ مَالِهِ)؛ لأِنَّها وصيَّةٌ تضمَّنَت العِتْقَ بثُلُث ماله؛

стр. 3748

فصحَّت، كما لو صرَّح بذلك. (فَإَذَا أَوْصَى لَهُ (١) بِثُلُثِهِ؛ عَتَقَ)؛ كما إذا كان ثُلُثُه مائَةً، وقِيمَةُ العبْدِ مائَةً أوْ دُونَها؛ عَتَقَ؛ لأِنَّه مَلَكَ من كلِّ جُزْءٍ من المال ثُلُثَه مُشاعًا، ومن جُمْلَته نَفْسُه، فيَملِكُ ثُلُثَها، وإذنْ يَعْتِقُ ذلك الجُزْء؛ لِتَعذُّر ملْكِ نَفْسِه، ويَسْرِي إلى بَقِيَّته، كما لو أَعْتَقَ بعضَ عَبْدِه، بل أَوْلَى، (وَأَخَذَ فَاضِلَ الثُّلُثِ)؛ لأِنَّه صَارَ حُرًّا. (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ؛ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ)، ولا يَعْتِقُ منه أكثرُ مِنْ ذلك؛ لأِنَّ الوصيَّةَ لا تَنفُذُ في الزَّائد على الثُّلُث إلاَّ بإجازةِ الوارِثِ، ولم تُوجَدْ (٢). وعُلِم ممَّا سَبَقَ: أنَّه إذا (٣) أوْصَى له بنفسه، أو رَقَبَتِه؛ أنَّه يَصِحُّ، ويَعْتِقُ بقَبوله إن خَرَجَ من ثُلُثِه، وإلاَّ عَتَقَ منه بِقَدْره. وإنْ وصَّى له بِبَعْضِ رقَبَتِه، فَخَرجَ من الثُّلُث؛ عَتَقَ ما وَصَّى له به، وفي بقِيَّته روايَتانِ. (وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمُعَيَّنٍ)؛ كدارٍ وثَوبٍ، (أَوْ بِمائَةٍ؛ لَمْ يَصِحَّ) في قَول الأكثرِ؛ لأِنَّه يَصِيرُ ملْكًا للورثة، فما وصَّى له به فهو لهم، فكأنَّه وصَّى لِوَرَثَتِه بما يَرِثُونَه، فلا فائدةَ فيه. وعَنْهُ: يَصِحُّ (٤) كالمشاع، وعَلَيها ما ذَكَرَه في «الكافي»: أنَّه يُشرَى العَبْدُ من الوصيَّة فيَعتِقُ، وما بَقِيَ فهو له، قال الزَّرْكَشِيُّ: محافظة على تصحيح كلامِ المكلَّف ما أمْكَنَ؛ إذْ تَصحيحُ الوصيَّة يَستَلْزِمُ ذلك. وبَنَى الشِّيرازِيُّ الخِلافَ على تمْليكه، ثُمَّ قال: وعلى رواية الصِّحَّة؛ تُدفَعُ

стр. 3749

المائةُ إلَيهِ، فإنْ باعَهُ الوَرَثَةُ بَعْدَ ذلك، فالمائةُ لهم، قال في «الرعاية»: إذا لم يَشْرِطْها المبْتاعُ. وعَنْهُ: تَصِحُّ، ويُعْطَى ثُلُثَ المعَيَّن إنْ خَرَجَ معه من الثُّلُث. وعَنْهُ: مَنْعُها لقِنٍّ زَمَنَها (١)، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. وعَنْهُ: كَمَالِهِ. (وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ). (وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٢)؛ لأِنَّ الوصيَّةَ تَجْرِي مَجْرَى الميراثِ في الاِنْتِقال بَعْدَ الموتِ، وقد سَمَّى اللهُ تعالى الميراثَ وصيَّةً بقَوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ [النِّسَاء: ١١]، والحَمْلُ يَرِثُ، فصحَّت الوصيَّةُ له، مع أنَّها أوْسَعُ من الميراث؛ لأِنَّها تَصِحُّ للمُخالِف في الدِّين والعَبْدِ، فالوصية له (٣) أَوْلَى. لكِنْ إن انفصَلَ ميتًا؛ بَطَلَتْ؛ لأِنَّه لا يَرِثُ؛ لاِحْتِمالِ أنْ لا يكونَ حيًّا حِينَ الوصيَّة، فلا يَثْبُتانِ بالشَّكِّ، وسواءٌ مات لِعارِضٍ مِنْ ضَرْبِ بَطْنٍ أوْ غَيرِه، فإنْ وضعته (٤) حيًّا؛ صحَّتْ. (إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ (٥) الْوَصِيَّةِ)؛ لِتَحَقُّقِ الشَّرْط، (بِأَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) من حِين الوصيَّة، (إِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، أَوْ سَيِّدٍ يَطَؤُهَا)، أوْ بائِنًا؛ للعِلْم بِوُجودِه حالَ الوصيَّة؛ إذِ التَّمْلِيكُ لَا يَصِحُّ لِمَعْدومٍ.

стр. 3750

وفي «المغْنِي»: (أنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فما دُونُ)، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لأِنَّها إذا وَضَعَتْه لِسِتَّةِ أشْهُرٍ احْتَمَلَ حُدوثُه حالَ الوصيَّة، فلم يُصادِفْ مَوجُودًا يَقِينًا. وقد وَهِمَ ابنُ المنَجَّى، فقال: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سِتَّةِ أشْهُرٍ؛ لأِنَّها إذا وَضَعَتْهُ لذلك (١)؛ عُلِمَ أنَّه كان مَوجُودًا حالَ الوصيَّة، وتَقدَّمَ رَدُّه. ومُقْتَضاهُ: أنَّها إذا وَضَعَتْه لأِكْثَرَ مِنْ ذلك؛ أنَّها لا تَصِحُّ الوصيَّةُ؛ لاِحْتِمالِ حُدوثِه بَعْدَها. وعلى الأوَّل: لو كانَتْ فِراشًا لهما وما وَطِئَا لِبُعْدٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ حَبْسٍ؛ صحَّتِ الوصيَّةُ في ظاهِرِ كلامِهم. (أَوْ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ إِنْ لَمْ تَكُنْ (٢) كَذَلِكَ)؛ أيْ: إنْ لم تَكُنْ ذاتَ زَوْجٍ، أوْ سَيِّدٍ يَطَؤُها، (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّه محكومٌ بِوُجودِه، لَاحِقٌ بِأَبِيهِ. والثَّانِي: لا تَصِحُّ الوصيَّةُ؛ لأِنَّه مَشْكُوكٌ في وُجودِه، فلم تصحَّ (٣) مع الشَّكِّ فيه، ولا يَلزَمُ من لُحُوقِ النَّسَب صحَّةُ الوصيَّةِ، فإنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بالاِحْتِمال. وفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أنَّه إذا أَتَتْ به لأِكثَرَ من سَنَتَينِ إذا كانَتْ بائِنًا؛ لا تَثْبُتُ (٤) له الوصيَّةُ؛ بِناءً على أنَّ (٥) أكثر مُدَّةِ الحَمْل سَنَتانِ. (وَإِنْ وَصَّى لِمَنْ تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ؛ لَمْ يَصِحَّ) في قول الأكْثَرِ؛ لأِنَّ الوصيَّةَ تمليكٌ، فلا تَصِحُّ للمَعْدوم، بخِلافِ الموصَى به، فإنَّه تمليكٌ، فلم يُعْتَبَرْ وُجودُه، ولأِنَّ الوصيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الميراث.
следующие страницы →