← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

فعلى الأَوَّلة؛ لَوْ قال: عَبْدِي غانِمٌ حُرٌّ بَعْدَ مَوتِي، وله مائةٌ، وله عَبْدانِ بهذا الاِسْمِ؛ عَتَقَ أحَدُهما بِقُرْعَةٍ، ولا شَيءَ له، نَقَلَه يعقوبُ (١)، وعلى الثَّانية: هِيَ له من ثُلُثِه، اخْتَارَهُ أبو بَكْرٍ. (وَتَصِحُّ لِمُكَاتَبِهِ)؛ لأِنَّه مَعَهُ كالأجْنَبِيِّ في المعامَلات، فكذا في الوصيَّة، ولأِنَّه يَمْلِكُ المالَ بالعَقْد، فصحَّت الوصيَّةُ له كالحُرِّ. وتَصِحُّ لِمكاتَبِ وارِثِه، ومُكاتَبِ أَجْنَبِيٍّ، سَواءٌ وصَّى له (٢) بِجُزْءٍ شائع أوْ مُعَيَّنٍ؛ لأِنَّ الوَرَثَةَ لا يَسْتَحِقُّون المكاتَبَ، ولا يَمْلِكونَ مَالَه. فإنْ قال: ضَعُوا عن مكاتَبِي بعضَ كِتابَتِه؛ وضَعُوا ما شاؤُوا، وإِنْ قال: ضَعُوا نَجْمًا؛ فَلَهُمْ وَضْعُ أيِّ نَجْمٍ شاؤُوا، سَواءٌ (٣) اتَّفَقَتْ أو اخْتَلَفَتْ، فإنْ قال: ضَعُوا عنه أيَّ نَجْمٍ شاء؛ رُدَّ ذلك إلى مَشيئَتِه، وإنْ قال: ضَعُوا عنه أكثرَ نجومِه؛ وَضَعُوا عنه أكثرَ مِنْ نِصْفِها، وإنْ قال: الأَوْسَطَ؛ تعيَّنَ، وإنْ كانَتْ خمسةً؛ تعيَّنَ الثَّالِثُ، أوْ سَبْعَةً؛ تَعَيَّنَ الرَّابِعُ، وإن اخْتَلَفَتْ؛ رُجِعَ إلى قَول الوَرَثَةِ. (وَمُدَبَّرِهِ)؛ لأِنَّه يَصِيرُ حُرًّا حِينَ لُزُومِ الوصيَّة، فصحَّتْ كأمِّ الوَلَد، فإنْ لم يَخرُجْ من الثُّلُث هو والوصيَّة؛ قُدِّمَ عِتْقُه على الوصيَّة؛ لأِنَّه أنْفَعُ له. وقال القاضِي: يَعتِقُ بعضُه، ويَمْلِكُ منها بقَدْر ما عَتَقَ منه. وجوابُه: بأنَّه وَصَّى لِعَبْدِه وصيَّةً صحيحةً، فيُقدَّمُ عِتْقُه على ما يَحصُلُ له من المال، كما لو أَوْصَى لِعَبدِه القِنِّ بِمُشاعٍ من مالِه. (وَأُمِّ وَلَدِهِ)؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ: «أنَّ عمرَ أَوْصَى لِأُمَّهاتِ أوْلادِه لكلِّ واحِدةٍ

стр. 3747

بأربعةِ آلافٍ» (١)، ورُوِيَ عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (٢) وغَيرِه من التَّابِعينَ وغيرهم؛ لأِنَّها حُرَّةٌ حينَ لُزُومِ الوصيَّة، وكَوَصِيَّتِه أنَّ ثُلُثَ قريته (٣) وَقْفٌ عَلَيها ما دامَتْ على وَلَدِها، نَقَلَهُ المرُّوذِيُّ (٤). وإنْ شَرَطَ عَدَمَ تَزْويجها، فَفَعَلَتْ، وأَخَذَت الوصيَّةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ؛ فقِيلَ: تَبطُلُ، وقِيلَ: لا؛ كَوَصِيَّته بِعِتْقِ أَمَتِه على شَرْطِه. (وَتَصِحُّ لِعَبْدِ غَيْرِهِ)؛ لأِنَّه يَصِحُّ اكْتِسابُه، فصحَّت الوصيَّةُ كالحُرِّ، إنْ قُلْنا: يَمْلِكُ، صرَّح به في «الفروع»، وفي «الواضِحِ» - وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ -: خِلافُه، وهذا بِشَرْطِ: ألاَّ يَكونَ عَبْدَ وارِثِه ولا قاتِلِه إنْ لم يَصِرْ حُرًّا وَقْتَ نَقْل الملْك. (فَإِذَا قَبِلَهَا؛ فَهِيَ لِسَيِّدِهِ)؛ لأِنَّه مِنْ كَسْبِ عَبْدِه، وكَسْبُه للسيد (٥)، ما لم يكُنْ حُرًّا وَقْتَ مَوتِ مُوصٍ. وإنْ عَتَقَ بَعْدَه وقَبْلَ القَبول؛ فالخِلافُ. وظاهِرُه: أنَّ قَبولَ العَبْدِ لا يَفتقِرُ إلى إِذْنِ السَّيِّدِ؛ لأِنَّه كَسْبٌ؛ كالاِحْتِطاب. وفِيهِ وَجْهٌ؛ لأِنَّه تَصرُّفٌ من العبد، فهو كَبَيعِه. ورُدَّ: بأنَّه تحصيلُ مالٍ بغَيرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلى إذْنِه؛ كالمباح. (وَتَصِحُّ لِعَبْدِهِ بِمُشَاعٍ؛ كَثُلُثِ مَالِهِ)؛ لأِنَّها وصيَّةٌ تضمَّنَت العِتْقَ بثُلُث ماله؛

стр. 3748

فصحَّت، كما لو صرَّح بذلك. (فَإَذَا أَوْصَى لَهُ (١) بِثُلُثِهِ؛ عَتَقَ)؛ كما إذا كان ثُلُثُه مائَةً، وقِيمَةُ العبْدِ مائَةً أوْ دُونَها؛ عَتَقَ؛ لأِنَّه مَلَكَ من كلِّ جُزْءٍ من المال ثُلُثَه مُشاعًا، ومن جُمْلَته نَفْسُه، فيَملِكُ ثُلُثَها، وإذنْ يَعْتِقُ ذلك الجُزْء؛ لِتَعذُّر ملْكِ نَفْسِه، ويَسْرِي إلى بَقِيَّته، كما لو أَعْتَقَ بعضَ عَبْدِه، بل أَوْلَى، (وَأَخَذَ فَاضِلَ الثُّلُثِ)؛ لأِنَّه صَارَ حُرًّا. (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ؛ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ)، ولا يَعْتِقُ منه أكثرُ مِنْ ذلك؛ لأِنَّ الوصيَّةَ لا تَنفُذُ في الزَّائد على الثُّلُث إلاَّ بإجازةِ الوارِثِ، ولم تُوجَدْ (٢). وعُلِم ممَّا سَبَقَ: أنَّه إذا (٣) أوْصَى له بنفسه، أو رَقَبَتِه؛ أنَّه يَصِحُّ، ويَعْتِقُ بقَبوله إن خَرَجَ من ثُلُثِه، وإلاَّ عَتَقَ منه بِقَدْره. وإنْ وصَّى له بِبَعْضِ رقَبَتِه، فَخَرجَ من الثُّلُث؛ عَتَقَ ما وَصَّى له به، وفي بقِيَّته روايَتانِ. (وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمُعَيَّنٍ)؛ كدارٍ وثَوبٍ، (أَوْ بِمائَةٍ؛ لَمْ يَصِحَّ) في قَول الأكثرِ؛ لأِنَّه يَصِيرُ ملْكًا للورثة، فما وصَّى له به فهو لهم، فكأنَّه وصَّى لِوَرَثَتِه بما يَرِثُونَه، فلا فائدةَ فيه. وعَنْهُ: يَصِحُّ (٤) كالمشاع، وعَلَيها ما ذَكَرَه في «الكافي»: أنَّه يُشرَى العَبْدُ من الوصيَّة فيَعتِقُ، وما بَقِيَ فهو له، قال الزَّرْكَشِيُّ: محافظة على تصحيح كلامِ المكلَّف ما أمْكَنَ؛ إذْ تَصحيحُ الوصيَّة يَستَلْزِمُ ذلك. وبَنَى الشِّيرازِيُّ الخِلافَ على تمْليكه، ثُمَّ قال: وعلى رواية الصِّحَّة؛ تُدفَعُ

стр. 3749

المائةُ إلَيهِ، فإنْ باعَهُ الوَرَثَةُ بَعْدَ ذلك، فالمائةُ لهم، قال في «الرعاية»: إذا لم يَشْرِطْها المبْتاعُ. وعَنْهُ: تَصِحُّ، ويُعْطَى ثُلُثَ المعَيَّن إنْ خَرَجَ معه من الثُّلُث. وعَنْهُ: مَنْعُها لقِنٍّ زَمَنَها (١)، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. وعَنْهُ: كَمَالِهِ. (وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ). (وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٢)؛ لأِنَّ الوصيَّةَ تَجْرِي مَجْرَى الميراثِ في الاِنْتِقال بَعْدَ الموتِ، وقد سَمَّى اللهُ تعالى الميراثَ وصيَّةً بقَوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ [النِّسَاء: ١١]، والحَمْلُ يَرِثُ، فصحَّت الوصيَّةُ له، مع أنَّها أوْسَعُ من الميراث؛ لأِنَّها تَصِحُّ للمُخالِف في الدِّين والعَبْدِ، فالوصية له (٣) أَوْلَى. لكِنْ إن انفصَلَ ميتًا؛ بَطَلَتْ؛ لأِنَّه لا يَرِثُ؛ لاِحْتِمالِ أنْ لا يكونَ حيًّا حِينَ الوصيَّة، فلا يَثْبُتانِ بالشَّكِّ، وسواءٌ مات لِعارِضٍ مِنْ ضَرْبِ بَطْنٍ أوْ غَيرِه، فإنْ وضعته (٤) حيًّا؛ صحَّتْ. (إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ (٥) الْوَصِيَّةِ)؛ لِتَحَقُّقِ الشَّرْط، (بِأَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) من حِين الوصيَّة، (إِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، أَوْ سَيِّدٍ يَطَؤُهَا)، أوْ بائِنًا؛ للعِلْم بِوُجودِه حالَ الوصيَّة؛ إذِ التَّمْلِيكُ لَا يَصِحُّ لِمَعْدومٍ.

стр. 3750

وفي «المغْنِي»: (أنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فما دُونُ)، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لأِنَّها إذا وَضَعَتْه لِسِتَّةِ أشْهُرٍ احْتَمَلَ حُدوثُه حالَ الوصيَّة، فلم يُصادِفْ مَوجُودًا يَقِينًا. وقد وَهِمَ ابنُ المنَجَّى، فقال: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سِتَّةِ أشْهُرٍ؛ لأِنَّها إذا وَضَعَتْهُ لذلك (١)؛ عُلِمَ أنَّه كان مَوجُودًا حالَ الوصيَّة، وتَقدَّمَ رَدُّه. ومُقْتَضاهُ: أنَّها إذا وَضَعَتْه لأِكْثَرَ مِنْ ذلك؛ أنَّها لا تَصِحُّ الوصيَّةُ؛ لاِحْتِمالِ حُدوثِه بَعْدَها. وعلى الأوَّل: لو كانَتْ فِراشًا لهما وما وَطِئَا لِبُعْدٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ حَبْسٍ؛ صحَّتِ الوصيَّةُ في ظاهِرِ كلامِهم. (أَوْ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ إِنْ لَمْ تَكُنْ (٢) كَذَلِكَ)؛ أيْ: إنْ لم تَكُنْ ذاتَ زَوْجٍ، أوْ سَيِّدٍ يَطَؤُها، (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّه محكومٌ بِوُجودِه، لَاحِقٌ بِأَبِيهِ. والثَّانِي: لا تَصِحُّ الوصيَّةُ؛ لأِنَّه مَشْكُوكٌ في وُجودِه، فلم تصحَّ (٣) مع الشَّكِّ فيه، ولا يَلزَمُ من لُحُوقِ النَّسَب صحَّةُ الوصيَّةِ، فإنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بالاِحْتِمال. وفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أنَّه إذا أَتَتْ به لأِكثَرَ من سَنَتَينِ إذا كانَتْ بائِنًا؛ لا تَثْبُتُ (٤) له الوصيَّةُ؛ بِناءً على أنَّ (٥) أكثر مُدَّةِ الحَمْل سَنَتانِ. (وَإِنْ وَصَّى لِمَنْ تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ؛ لَمْ يَصِحَّ) في قول الأكْثَرِ؛ لأِنَّ الوصيَّةَ تمليكٌ، فلا تَصِحُّ للمَعْدوم، بخِلافِ الموصَى به، فإنَّه تمليكٌ، فلم يُعْتَبَرْ وُجودُه، ولأِنَّ الوصيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الميراث.

стр. 3751

وقِيلَ: يَصِحُّ (١) كما يَصِحُّ بما تَحمِلُ هذه الجارِيَةُ، وكما لو وَقَفَ على مَنْ يَحدُثُ من وَلَده، أوْ وَلَدِ وَلَدِه. ورُدَّ: بالفَرْق بَينَهما؛ لأِنَّها تَجْرِي مَجْرَى الميراث، ولا تَحصُلُ (٢) إلاَّ لموجُودٍ، والوَقْفُ يُرادُ للدَّوام، ومِنْ ضَرورَتهِ إثْباتُه للمَعْدومِ. (وَإِنْ (٣) قَتَلَ الْمُوصَى (٤) الْمُوصِيَ) ولو خَطَأً؛ (بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ)، قالَهُ الثَّورِيُّ، واخْتارَهُ أبو بَكْرٍ، ونَصَّ عَلَيهِ في المدبَّر (٥)؛ لأِنَّ القَتْلَ يَمْنَعُ الميراثَ الَّذي هو آكَدُ منها، فالوصيَّةُ أَوْلَى، ولأِنَّه عُومِلَ بِنَقِيضِ قَصْدِه. وقال ابنُ حامِدٍ: تَجوزُ الوصيَّةُ له، واحْتَجَّ بقَولِ أحمدَ: مَنْ جَرَحَ رجلاً خَطَأً، فعَفَا المجْروحُ، فقال: يُعْتَبَرُ من ثُلُثِه، وهذه وصيَّةٌ لِقاتِلٍ (٦)؛ لأِنَّ الهِبَةَ له تَصِحُّ، فكذا الوصيَّة. (وَإِنْ جَرَحَهُ، ثُمَّ أَوْصَى لَهُ، فَمَاتَ مِنَ الْجُرْحِ؛ لَمْ تَبْطُلْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)؛ لأِنَّها بَعْدَ الجُرْح صَدَرَتْ من (٧) أهْلِها في مَحَلِّها، لم يَطْرَأْ عَلَيها ما يُبْطِلُها، بخِلافِ ما إذا تَقَدَّمَتْ، فإنَّ القَتْلَ طرأ (٨) عَلَيها فأبْطَلَها، فيَبْطُلُ ما هو آكَدُ منها، وبهذا (٩) جَمَعَ أبو الخَطَّاب بَينَ نَصَّيِ (١٠) الإمام (١١).

стр. 3752

(وَقَالَ أَصْحَابُنَا: فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ رِوَايَتَانِ): إحْداهُما: لا تَصِحُّ، سواءٌ وصَّى له ثُمَّ قَتَلَه، أوْ جَرَحَه جُرْحًا صالِحًا للزُّهُوق ثُمَّ وَصَّى له؛ لأِنَّه قاتِلٌ، فَبَطَلَتْ؛ كالميراث. والثَّانية: بلى؛ لأِنَّها تمليكٌ بعَقْدٍ فَضَاهَت الهبة (١). والأَوْلَى ما ذَكَرَه المؤلِّفُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع» (٢). (وَإِنْ وَصَّى لِصِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ)؛ كالفقراء، (أَوْ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّهم من أبْوابِ البِرِّ، ولأِنَّهم يَمْلِكُون، بدليلِ الزَّكاة والوَقْف. (وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقَدْرَ الذِي يُعْطَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ)؛ لأِنَّ المطْلَقَ في كَلامِ الآدَمِيِّينَ يُحمَلُ على المقيَّد في كلامِ الله تعالى. قال في «المغْنِي»: (ويَنبَغِي أنْ يُجْعَلَ لكلِّ صِنْفٍ حَيثُ أَوْصَى لِجَميعِهم ثُمُنُ الوصيَّة، كما لو أَوْصَى لِثَمانِ قبائلَ، والفَرْقُ بَينَهما حَيثُ يَجوزُ الاِقْتِصارُ على صِنْفٍ واحِدٍ: أنَّ آية الزَّكاة أُرِيدَ بها مَنْ يَجوزُ الدَّفْعُ إلَيهِ، والوصيَّةُ أُرِيدَ بها بَيانُ مَنْ يَجِبُ الدَّفْعُ إلَيهِ) انْتَهى. ويَجوزُ الاِقْتِصارُ مِنْ كلِّ صِنْفٍ على واحِدٍ في ظاهِرِ المذهب. وعَنْهُ: يُتَقَيَّدُ بثلاثةٍ من كلِّ صِنْفٍ، ولا يُصرَفُ إلاَّ إلى المسْتَحِقِّ من أهل بَلَدِه. فَرْعٌ: إذا أوْصَى بشَيءٍ لِزَيدٍ، وبِشَيءٍ للفقراء ولجيرانه، وزَيدٌ منهم؛ لم يُشارِكْهم، نَصَّ عَلَيهِما (٣)، ولو وصَّى لقَرابته بشَيءٍ، وللفقراء كذلك؛ فلِقَريبٍ فقيرٍ سَهْمانِ، ذَكَره أبو المعالِي.

стр. 3753

قال في «الفروع»: (ويَتَوجَّهُ تخريجُ حُكْمِ كلِّ صورةٍ إلى الأخرى). قال شَيخُنا (١): (قد يُفرَّقُ بَينَهما بأنَّ زَيدًا يَتَعيَّنُ، والقَرابةَ (٢) لَفْظٌ عامٌّ يَدخُلُ فيه الفقراء وغَيرُهم، فصَلَحَ كلٌّ مِنْ وَصْفَيهِ سَبَبًا؛ لاِسْتِحْقاقِه به، فإنَّه علَّق اسْتِحْقاقَه بِوَصفِهِ، وهو القَرابةُ، فإذا كان فيه وَصْفانِ صار اسْتِحْقاقُه بهما، بخِلافِ زَيدٍ فإنَّه علَّق اسْتِحْقاقَه بعَينِه، وعَينُه لا تَتَعدَّدُ). (وَإنْ وَصَّى لِكَتْبِ الْقُرْآنِ، أَوِ الْعِلْمِ، أَوْ لِمَسْجِدٍ، أَوْ لِفَرَسٍ حَبِيسٍ يُنْفَقُ عَلَيْهِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ ذلك قُربةٌ، فصحَّ بَذْلُ المال فيه؛ كالوصيَّة للفقير، والموصَى به للمسجد يُصرَفُ في مصالحه عَمَلاً بالعُرْف، ويَصرِفُه النَّاظِرُ إلى الْأَهَمِّ والْأَصْلَح باجتهاده (٣)، فلو قال: إنْ متُّ فبَيْتِي للمسجد، أو فأَعْطُوه مائَةً من مالي؛ تَوَجَّهَ صحَّتُه، ولو أراد تمليكَ الفَرَس أو المسجد (٤)؛ لم يَصِحَّ. (فَإِنْ (٥) مَاتَ الْفَرَسُ؛ رُدَّ الْمُوصَى بِهِ، أَوْ بَاقِيهِ) إنْ كان أنْفَقَ بَعْضَه، (إِلَى الْوَرَثَةِ)؛ لأِنَّه لَمَّا بَطَلَ مَحَلُّ الوصيَّة؛ وَجَبَ الرَّدُّ إلى الوَرَثَة؛ كَوَصِيَّتِه بِعِتْقِ عَبْدِ زَيْدٍ، فَتَعَذَّرَ، أوْ شِراءِ عَبْدٍ بأَلْفٍ، أوْ عَبْدِ زَيدٍ بها في المنصوص فيه، فاشْتَرَوه بِدُونِها. ومُقْتَضاهُ: أنَّه لا يُصرَفُ إلى فَرَسٍ آخَرَ حَبِيسٍ في المنصوص (٦). مسائلُ: إذا أَوْصَى بخِدْمةِ عبْدِه سَنَةً، ثُمَّ هو حُرٌّ؛ صَحَّت الوصيَّةُ، فلو ردَّها، أوْ

стр. 3754

وهبَ الخِدْمَة؛ عَتَقَ في الحال، وفي «المغْنِي» و «الشَّرح» خِلافُه. وإنْ أوْصَى بعِتْقِ نَسَمَةٍ بألْفٍ، فأعْتَقُوا نَسَمَةً بخَمْسِمائةٍ؛ لَزِمَهم عِتْقُ أخرى بخَمْسِمائةٍ في الأصحِّ. وإن قال: أربعة بكذا؛ جاز الفضل بَينَها ما لم يُسَمِّ ثمَنًا معلومًا، نَصَّ عَلَيهِ (١). ولو وَصَّى أنْ يَشْتَرِيَ فَرَسًا للغزو بمُعَيَّنٍ، فاشْتَراهُ بأقلَّ منه؛ فَبَاقِيهِ نَفَقَةٌ لا إرْثٌ في المنصوص (٢). (وَإِنْ وَصَّى فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ؛ صُرِفَ فِي الْقُرَبِ) كلِّها، اخْتارَهُ المؤلِّفُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ اللَّفْظَ للعُموم، فيَجِبُ الحَمْلُ عَلَيهِ، ولا يَجوزُ التَّخْصيصُ إلاَّ بدليلٍ. (وَقِيلَ: عَنْهُ) أيْ: عن الإمام أحمدَ: (يُصْرَفُ فِي أَرْبَعِ جِهَاتٍ؛ فِي الْأَقَارِبِ (٣)، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ)، قال ابنُ المنَجَّى: وهي المذْهَبُ؛ لأِنَّ أبْوابَ البِرِّ وإنْ كانَتْ عامَّة، إلاَّ أنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حالِ المُوصِي أنَّه أراد المشْهورَ منها، والجِهاتُ الأربعُ هي أشْهَرُ القُرَب؛ لأِنَّ الصَّدَقَةَ على الأقارب صدقةٌ وصِلَةٌ، والمساكِينَ مَصارِفُ الصَّدَقات، والحجَّ والجِهادَ مِنْ أكبَرِ شعائرِ الإسلام. وظاهِرُه: أنَّها سَواءٌ، لكنَّ الغَزْوَ أفْضَلُها، فَيُبْدَأُ به، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ حَرْبٍ (٤)، وهو قَولُ أبي الدَّرْداءِ (٥).

стр. 3755

(وَعَنْهُ: فِدَاءُ الْأَسْرَى مَكَانَ الْحَجِّ)؛ لأنَّ فِداءَهم من أعْظَمِ القُرُباتِ؛ لِمَا فيه من تَخْلِيص رَقَبَةٍ مؤمنةٍ من أيدي الكُفَّار، وهو يتضمَّنُ منفعة (١) المخَلَّصِ، ونَفْعَ نفْسِه، بخِلافِ الحجِّ. ونَقَلَ المرُّوذِيُّ عنه فِيمَنْ أَوْصَى بثُلُثهِ في أبواب البِرِّ: يُجزَّأ (٢) ثلاثةَ أجْزاءٍ، في الجهاد، والأقارب، والحجِّ (٣). قال في «المغْنِي»: وهذا لَيسَ على سَبِيلِ اللُّزُوم والتَّحْديدِ، بل يَجوزُ صَرْفُها في الجِهات كلِّها؛ للعُمومِ، ولأِنَّه ربَّما كان غَيرُ هذه الجِهاتِ من تَكْفِينِ ميتٍ، وإصْلاحِ طريقٍ، وإعْتاقِ رَقَبَةٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ؛ أحْوَجَ مِنْ بعَضِها وأَحَقَّ. فَرْعٌ: إذا قال: ضَعْ ثُلُثِي حَيثُ أراك الله؛ فله صَرْفُه في أيِّ جِهَةٍ من جِهاتِ القُرَب؛ عَمَلاً بمُقْتَضَى وصيَّتِه. وقال القاضي: يَجِبُ صَرْفُه إلى الفقراء والمساكينِ. والأفْضَلُ: صَرْفُه إلى فقراءِ أقارِبِه، فإنْ لم يَجِدْ؛ فإلى محارِمِه من الرّضاع، فإنْ لم يكُنْ؛ فإلى جيرانه.

стр. 3756

(وَإِنْ وَصَّى)؛ أيْ: مَنْ لا حجَّ عَلَيهِ، قاله في «الوجيز» و «الفروع»: (أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ؛ صُرِفَ) مِنْ ثُلُثِه (فِي حِجَّةٍ)؛ أيْ: مُؤْنَةِ حَجِّه، أمانةً، أو جعالةً، أوْ إجارةً، إنْ صحَّ الإِيجارُ عَلَيهِ، من مَحَلِّ وصيَّته؛ كحَجِّه بنفسه، وقِيلَ: أوْ مِنَ المِيقات، وهو أَوْلَى، (بَعْدَ أُخْرَى)، راكِبًا أوْ راجِلاً، نَصَّ عَلَيهِ (١)، (حَتَّى يَنْفَدَ)؛ لأِنَّه وصَّى بها في جِهةِ قُرْبَةٍ، فَوَجَبَ صَرْفُها فِيهَا؛ كالوصيَّة في سَبِيلِ الله. وعَنْهُ: لا يُصرَفُ منها سِوَى مُؤْنَةِ حِجَّةٍ واحِدَةٍ، والبَقِيَّةُ إرْثٌ. وعَنْهُ: بَعْدَ حجِّه؛ للحجِّ أو في (٢) سبيل الله (٣). فلو لم تَكْفِ الألْفُ، أو البقيَّةُ؛ حجَّ من حَيثُ يَبلُغُ في ظاهِرِ نصوصه. وعَنْهُ: يُعانُ به في حجٍّ، قال القاضي: وحَكاهُ العَنْبَرِيُّ عن سَوَّارٍ القاضِي (٤). ونَقَلَ أبو داودَ: يُخَيَّرُ بَينَهُما (٥). (وَيَدْفَعُ) الموصَى (إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ مَا يَحُجُّ بِهِ)، مِنْ غَيرِ زيادةٍ على نَفَقَةِ المِثْل؛ لأِنَّه أطْلَقَ له التَّصرُّفَ في المعاوَضَة، فاقْتَضَى عِوَضَ المِثْل؛ كالتَّوكِيلِ في البَيعِ.

стр. 3757

ثُمَّ إنْ كان الموصَى به لا يَحمِلُه الثُّلُثُ؛ لم يَخْلُ مِنْ أنْ يكونَ الحجُّ فَرْضًا أوْ نَفْلًا، فإنْ كان فَرْضًا؛ أخَذَ أكثرَ الأمْرَينِ من الثُّلث أو القَدْرِ الكافي لحجِّ الفَرْض إذا كان قَدْ أوْصَى بالثُّلُث. فإنْ كان الثُّلُثُ أكثرَ؛ أَخَذَه، وصُرف في الفرض قَدْرَ ما يَكفِيهِ، وباقَيِه في حجَّةٍ أخرى حتَّى يَنفَدَ. وإنْ كان الثُّلُثُ أقلَّ؛ تمَّم قَدْرَ ما يَكْفِي الحجَّ، في قَول الجمهور. وإنْ كان تَطَوُّعًا؛ أَخَذَ الثُّلُثَ لا غَيرُ إذا لم يُجِزِ الوَرَثَةُ، ويُحَجُّ به على ما وَصَفْنا. (وَإَنْ قَالَ: يُحَجُّ عَنِّي حِجَّةً بِأَلْفٍ؛ دُفِعَ الْكُلُّ إِلَى مَنْ يَحُجُّ)؛ لأِنَّه أوْصَى بها في حِجَّةٍ واحدةٍ، فَوَجَبَ أنْ يُعملَ بها، فإنْ فَضَلَ منها فَضْلٌ؛ فهو لِمَنْ يَحُجُّ؛ لأِنَّه قَصَدَ إرْفاقَه، فكأنَّه صرَّح به. وقِيلَ: إِرْثٌ، جَزَمَ به في «التَّبصرة». ولا يَدْفَعُها إلى وارِثٍ، نَصَّ عَليهِ (١)، زاد في «الشَّرح» وغَيره: حَيثُ كان فِيهَا فَضْلٌ إلاَّ بإذْنِ الورثة. واخْتارَ جماعةٌ: للوارِث أنْ يَحُجَّ عنه إذا عيَّنه، ولم يَزِدْ على نَفَقَة المِثْل. وفي «الفصول»: إنْ لم يُعيِّنْه جاز. وقِيلَ له في روايةِ أبي داودَ: أَوْصَى أنْ يَحُجَّ عَنْهُ. قال: لا، كأنَّه وصيَّةٌ لوارث (٢). (فَإِنْ عَيَّنهُ في الْوَصِيَّةِ (٣)، فَقَالَ: يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ بِأَلْفٍ)؛ صُرِفَ ذلك إلَيهِ،

стр. 3758

(فَإِنْ أَبَى (١) الْحَجَّ، وَقَالَ: اصْرِفُوا إِلَيَّ (٢) الْفَضْلَ؛ لَمْ يُعْطَهُ)؛ لأِنَّه إنَّما وَصَّى له بالزِّيادة بشَرْطِ الحجِّ، ولم يُوجَدْ، (وَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ)، حَكاهُ في «الفروع» قَولاً؛ لأِنَّ الموصَى له لم يَقْبَلْها بامْتِناعه من فِعْلِها، أشْبَهَ ما لو أوْصَى له بمالٍ فردَّه. وقِيلَ: (في حقِّه)، وقد زاده بعضُ مَنْ أَذِنَ له المؤلِّف في الإصلاح؛ لأِنَّ الوصيَّةَ فيها حقٌّ للحَجِّ، وحقٌّ للمُوصَى له، فإذا ردَّه؛ بَطَلَ في حَقِّه دُونَ غَيرِه، كقَولِه: بِيعُوا عَبْدِي لِفُلانٍ، وتصدَّقُوا بِثَمَنِه، فلم يَقْبَلْه، وكما لَوْ لَمْ يَقْدِر الموصَى له بفرَسٍ في السَّبيل على الخُروجِ، نَقَلَه أبو طالِبٍ (٣)، ويُحَجُّ عنه بأقلِّ ما يُمكِنُ من نَفَقَةٍ أوْ أُجْرَةٍ، والبقيَّةُ إرْثٌ؛ كالفَرْض. فَرْعٌ: إذا قال: حُجُّوا عنِّي حجَّةً، ولم يَذكُرْ قَدْرًا من المال؛ فإنَّه لا يُدفَعُ إلى مَنْ يَحُجُّ إلاَّ قَدْرَ نَفَقَةِ المِثْل، والباقِي للورثة. قال في «الشَّرح»: (وهذا يَنْبَنِي على أنَّه لا يَجوزُ الاِسْتِئْجارُ عليه، فإنْ قُلْنَا بجَوازه؛ فلا يُسْتَأْجَرُ إلاَّ ثقة (٤) بأقلِّ ما يُمكِنُ، وما فَضَلَ فهو للأجير؛ لأِنَّه مَلَكَ ما أُعْطِيَ بعَقْد الإجارة، وإنْ تَلِفَ المالُ في الطَّريق؛ فهو من ماله، ويَلزَمُه إتْمامُ العمل). فلو وَصَّى بثَلاثِ حِجَجٍ إلى ثلاثةِ نَفَرٍ؛ صحَّ صَرْفُها في عامٍ واحِدٍ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وفي «الرِّعاية» عَكْسُه. تنبيهٌ: إذا أوْصَى أنْ يُحَجَّ عنه بالنَّفقة؛ صحَّ. واختار أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ: إنْ وَصَّى بألْفٍ يُحَجُّ بها؛ صُرِفَ في كلِّ

стр. 3759

حجَّةٍ قَدْرُ نَفَقَتِه حتَّى يَنفَدَ. وإنْ قال: حُجُّوا عَنِّي بألْفٍ؛ فما فَضَلَ للورثة. ولو قال: يَحُجُّ عنِّي زَيدٌ بألْفٍ، فما فَضَلَ؛ وصيَّةٌ له إنْ يَحُجَّ (١)، وله تأخيرُه لِعُذْرٍ، ولا يُعْطَى إلى أيَّام الحجِّ، قاله أحمدُ (٢). نَقَلَ أبو طالِبٍ: اشْتَرى به متاعًا، يتَّجِرُ به؟ قال: لا يَجُوزُ، قد خالَفَ، لم يَقُل: اتَّجِرْ به (٣). ولا يصِحُّ أنْ يَحُجَّ وَصِيٌّ بإخراجها، نَصَّ عَلَيهِ (٤)؛ لأِنَّه مُنَفِّذٌ، كقَولِهِ: تَصَدَّقْ عنِّي؛ لا يَأخُذُ (٥) منه، وكما لا يَحُجُّ (٦) على دابَّةٍ موصًى بها في السَّبيل. (وَإِنْ وَصَّى لِأَهْلِ سِكَّتِهِ؛ فَهُوَ لِأَهْلِ دَرْبِهِ)؛ لأِنَّ السِّكَّةَ: الطَّريقُ، والدَّرْبُ طريقٌ مُضافٌ إليه، وحِينَئِذٍ يُعْطَى مَنْ كان ساكِنًا وقْتَ الوصيَّة، أوْ طَرَأَ إلَيهِ بَعْدَها، وجَزَمَ في «المستوعب» بالأوَّل، ونَصَّ عَلَيهِ (٧). وقِيلَ: أهلُ دَرْبِه، وسِكَّتِهِ: أهلُ المحلَّة الذين طَريقُهم في دَرْبِه. (وَإِنْ وَصَّى لِجِيرَانِهِ؛ تَنَاوَلَ أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ)، نَصَّ عَلَيهِ (٨)، وهو قَولُ الأوْزَاعِيِّ؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْجارُ أرْبَعُونَ دارًا، هَكَذَا وهَكَذَا وهَكَذَا» رواهُ أحمدُ (٩)، وهذا نَصٌّ لا يَجوزُ العُدولُ عنه إنْ

стр. 3760

صحَّ، وإلاَّ فالْجارُ المقارِبُ، ويُرجَعُ فِيهِ إلى العُرْف، قاله في «الشَّرح»، وحكاه في «الفروع» قَولاً. ونَقَل ابنُ مَنْصورٍ: يَنْبَغِي أنْ لا يُعْطَى إلاَّ الجارُ الملاصِقُ (١)؛ لأِنَّه مُشْتَقٌّ من المجاوَرَةِ. ومُقْتَضاهُ: أنَّ المجموعَ مائةٌ وسِتُّونَ، وفيهِ نَظَرٌ، فإنَّ دارَ الموصِي قد تكونُ كبيرةً في التَّرْبِيعِ (٢)، فيُسامِتُها مِنْ كلِّ جِهَةٍ أكثرُ من دارِ؛ لِصِغَرِ المسامِتَةِ لها، أوْ يسامتها (٣) دارانِ، يَخرُج مِنْ كلٍّ منها شَيءٌ عنها، فيَزيدُ على العَدَد. ويُقسَمُ المالُ على عَدَدِ الدُّور، وكلُّ حِصَّةِ دارٍ تُقْسَمُ على سُكَّانها. وجِيرانُ المسجد: مَنْ يَسمَعُ النداء منه (٤). وقال أبو يوسُفَ (٥): الجِيرانُ: أهلُ المحَلَّة إنْ جَمَعَهم مَسْجِدٌ. فإنْ تفرَّق أهلُها في مَسْجِدَينِ صغيرَينِ مُتَقارِبَينِ؛ فكذلك، وإنْ كانا عَظيمَينِ فكلُّ أهلِ مسجِدٍ جِيرانٌ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مُسْتَدَارُ أرْبَعِينَ دَارًا)، وهو روايةٌ عن أحمدَ؛ لأِنَّ الخَبَرَ يَحتَمِلُه.

стр. 3761

وعَنْهُ: ثَلاثِينَ دارًا من كلِّ جانِبٍ، ذَكَرَها ابنُ هُبَيرَةَ وابنُ الزَّاغُونِيِّ، قال: واحْتَجَّ لذلك بحديثٍ رواهُ الزُّهْرِيُّ عن النَّبيِّ ﷺ (١). (وَإِنْ وَصَّى لِأَقْرَبِ قَرَابَتِهِ)، أوْ لأِقْرَبِ النَّاس إلَيهِ، أوْ أقْرَبِهم به رَحِمًا، (وَلَهُ أَبٌ وَابْنٌ؛ فَهُمَا سَوَاءٌ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُدْلِي بنَفْسِه مِنْ غَيرِ واسِطَةٍ، فإنْ (٢) كان أحَدُهما؛ تَعَيَّنَ بلا شَكٍّ، (وَالْجَدُّ وَالْأَخُ سَوَاءٌ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُدْلِي بالأبِ من غَيرِ واسِطَةٍ. (وَيَحْتَمِلُ)، وحَكاهُ في «المستوعب» وجْهًا: (تَقْدِيمُ الاِبْنِ عَلَى الْأَبِ)؛ لأِنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَه. ورُدَّ: بأنَّ إسْقاطَ تَعْصيبِه لا يَمنَعُ (٣) مساواتَه في القُرْب، ولا كَونَه أقْرَبَ منه، بدليلِ ابنِ الاِبنِ يُسقِط (٤) تعصيبَ مَنْ بعده. (وَالْأَخِ عَلَى الْجَدِّ)؛ لأِنَّه يُدْلِي بِبُنُوَّةِ الأبِ، والجدُّ يُدْلِي بالأُبُوَّة، فَهُما كالأب والاِبنِ. ورُدَّ: بأنَّه لا يَصِحُّ قِياسُ الأخ على الاِبْنِ؛ لأِنَّه يُسْقِطُ تَعْصيبَ الجَدِّ، بخِلافِ الاِبْن. وعُلِمَ منه: تَقْديمُ الاِبْنِ على الجَدِّ، والأبِ على ابْنِ الاِبْن. تنبيهٌ: البِنْتُ كالاِبْن، والجَدُّ أبُو الْأَب، وأبُو الأمِّ، وأمُّ الأبِ، وأمُّ الأمِّ؛ كلُّهم سَواءٌ، ذَكَرَه في «المغْنِي». ويَحتَمِلُ: تقديمُ أبِي الأب على أبي الأمِّ؛ لأِنَّه يُسْقِطُه. ثُمَّ بَعْدَ الأوْلاد؛ أوْلادُ البَنينَ وإنْ سَفَلُوا، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، الذُّكورُ والإناثُ.

стр. 3762

وفي أوْلاد البنات وَجْهانِ، بِناءً على الوَقْف. ثُمَّ بعد الأولاد؛ الأجدادُ، الأقْرَبُ منهم فالأقْرَبُ؛ لأِنَّهم العَمودُ الثَّاني، ثمَّ الإخْوَةُ والأَخَواتُ، ثُمَّ وَلَدُهم وإنْ سَفَلُوا، ولَا شَيءَ لولَدِ الأَخَواتَ إذا قُلْنا بِعَدَمِ دخولِ وَلَدِ البنات. والعمُّ من الأب والعمُّ من الأمِّ سَواءٌ، وفِيهِ احْتِمالٌ، وكذلك أبْناؤهما على التَّرتيب، ذَكَرَه القاضي. (وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ وَالْأَخُ مِنَ الْأُمِّ سَوَاءٌ)؛ لأِنَّهما في درجةٍ واحدةٍ، لا يُقالُ: كَيفَ يُسَوَّى بَينَهُما؛ إذ لو أوْصَى لقَرابَته؛ لم يَدخُلْ فيها وَلَدُ الأمِّ على المذهب، ومَنْ لا يَدخُلُ في القَرابَة لا يَدخُلُ في أقْرَبِ القَرابَة؛ لأنَّ ذلك مُخَرَّجٌ على الرِّواية الأخرى، كما ذَكَرَه في «المغْني»، لا على المذْهَبِ. (وَالْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقُّ مِنْهُمَا)؛ لأِنَّ له قَرابَتَينِ، فهو أقْرَبُ مِمَّنْ له قرابةٌ واحدةٌ. فلَوْ أَوْصَى لِعَصَبَتِه؛ فهو لِمَنْ يَرِثُه بالتَّعْصيب، سَواءٌ كان ممَّن (١) يَرِثُه في الحال أوْ لَا، ويَسْتَوِي فيه قريبُهم وبعيدُهم. فَرْعٌ: لم يَتَعرَّض المؤلِّفُ لِذَوِي الأرحام؛ فإنْ قُلْنا بالرِّواية الَّتي تَجعَلُ القَرابةَ: كلُّ مَنْ يَقَعُ عَلَيهِ اسْمُ القرابة؛ كان حكمُهم كما سَلَفَ، وإنْ قُلْنَا: القَرابَةُ تَختَصُّ (٢) بمَنْ كان من أولاد الآباء؛ فلا يدخل فيهم (٣) الأمُّ ولا أقارِبُها. مسألةٌ: أوْصَى لِجماعةٍ من أقْرَبِ النَّاس إليه؛ أُعْطِيَ ثلاثةٌ، فإنْ كانوا أكثرَ في درجةٍ واحدةٍ؛ كالإخْوَة؛ فهو لِجَميعِهم؛ لأِنَّ الاِسْمَ يَشْمَلُهم، وإنْ لم

стр. 3763

يُوجَدْ ثلاثةٌ في درجةٍ واحدةٍ؛ كُملتْ من الثَّانية، وإنْ لم تَكْمُلْ (١) منها؛ فَمِنَ الثَّالِثة. فوائدُ: أوْصَى بإحْراق ثُلُثِ مالِه؛ صحَّ وصُرِفَ في تَجْمِيرِ الكعبة، وتَنْويرِ المساجد، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. وفي التراب؛ يُصرَفُ في تَكْفينِ الموْتَى. وفي الماء؛ يُصرَف في عَمَلِ سُفُنٍ للجِهاد. وفي الهواء؛ قال شَيخُنَا مُحِبُّ الدِّين بنُ نَصْرِ الله: يَتَوَجَّهُ: أنْ يُعْمَلَ به باذهنج (٢) لمسجدٍ يَنتَفِعُ به المصلُّون، وفيه شَيءٌ. ولو وَصَّى بكُتُب العِلْم لآِخَرَ؛ لم يَدخُلْ فيها كُتُبُ الكَلامِ؛ لأِنَّها لَيسَتْ من العِلْم، ولو أَوْصَى بِدَفْنِها؛ لم تُدْفَنْ، قالَهُ أحمدُ، ونَقَلَ الأثْرَمُ: لَا بَأْسَ، وقال الخَلاَّلُ: الْأَحْوَطُ دَفْنُها.

стр. 3764

(فَصْلٌ) (وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكَنِيسَةٍ، وَلَا بَيْتِ نَارٍ)، ولا لِعِمارتهما والإنفاقِ عَلَيهما؛ لأِنَّ ذلك معصيةٌ، وسواءٌ كان الموصِي مسلِمًا، أوْ ذِمِّيًّا. (وَلَا لِكَتْبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) على الأصحِّ، قالَهُ في «الرِّعاية»؛ لأِنَّها كُتُبٌ منسوخةٌ، والاِشْتِغالُ بها غَيرُ جائزٍ؛ لِمَا فيها من التَّبديل والتَّغيير. وذَكَرَ القاضي: لو أوْصَى بحُصُرٍ لبِيَعٍ (١) وقناديلها، لا على قَصْدِ تعظيمها؛ فهو جائزٌ؛ لأِنَّ الوصيَّةَ في الحقيقة لأِهلِ الذِّمَّة؛ لكَونهم يَنتَفِعون بها. والأصحُّ: أنَّها لا تَصِحُّ؛ لأِنَّ ذلك إعانةٌ لهم على معصيتهم، وتعظيمِ كنائسهم. وعن أحمدَ: صحَّتُها من الذِّمِّيِّ لِخِدمة الكنيسة. فَرْعٌ: أوْصَى بِبِناءِ بَيتٍ يَسكُنُه المجْتازُون من أهل الذِّمَّة والحربِ؛ صحَّ؛ لأِنَّ بِناءَ مساكِنِهم لَيسَ بمعصيةٍ. ولا تَصِحُّ (٢) لكافِرٍ بمُصْحَفٍ؛ كعبدٍ مسلِمٍ، بدليلِ: البيع والهبة، وإنْ وصَّى له بعبدٍ (٣) كافِرٍ، فأسْلَم في حياةِ الموصِي؛ بَطَلَتْ، وإنْ أسْلَمَ بَعْدَ الموت، وقَبْلَ القَبول؛ انْبَنَى على الخِلاف. (وَلَا لِمَلَكٍ، وَلَا لِمَيْتٍ، وَلَا بَهِيمَةٍ)، ولا لِجِنِّيٍّ؛ لأِنَّه تمليكٌ، فلم تَصِحَّ (٤) لهم؛ كالهبة.

стр. 3765

لكن (١) تَصِحُّ (٢) وصيَّتُه لِحَبِيسٍ، وفَرَسِ زَيدٍ، ولو لم يَقْبَلْه، ويَصرِفُه في عَلَفِه، فإنْ مات؛ فالباقي للورثة. (وَإِنْ وَصَّى بِثُلُثِهِ)، أوْ مائَةٍ (٣)، (لِحَيٍّ وَمَيْتٍ يَعْلَمُ مَوْتَهُ؛ فَالْكُلُّ لِلْحَيِّ)، اختاره أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وذَكَرَ ابنُ المنَجَّى أنَّه المذْهَبُ؛ لأِنَّه لَمَّا أوْصَى بذلك مع عِلْمه بمَوته؛ فكأنَّه قَصَدَ الوصيَّةَ للحَيِّ وَحْدَه (٤)، كما لو صرَّح به، إلاَّ أنْ يقولَ (٥): هو بَينَهما، كالمنصوصِ في: له ولجبريلَ، أو الحائطِ (٦). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلاَّ النِّصْفُ)، هذا الاِحْتِمالُ هو المذْهَبُ، وقدَّمه الأشْياخُ؛ لأِنَّه أضاف الوصيَّةَ إلَيهِما، فإذا (٧) لم يَكُنْ أحَدُهما مَحَلًّا للتَّمْليك، بَطَلَ في نصِيبِه، وبَقِيَ نَصيبُ الحيِّ، وهو النِّصْفُ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ؛ فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْمُوصَى بِهِ)، وَجْهًا واحِدًا؛ لأِنَّه أضاف الوصية (٨) إلَيهِما، ولا قَرِينةَ تَدُلُّ على عَدَمِ إرادةِ الآخَرِ، فَوَجَبَ أنْ يكونَ له النِّصْفُ؛ عَمَلاً بالمقْتَضِي السَّالِمِ عن المعارِض (٩)، وكما لو أَوْصَى لِحَيَّيْنِ، فمات أحدُهما، بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (١٠).

стр. 3766

فَرْعٌ: أوْصَى لله تعالى ولِزَيدٍ بشَيءٍ؛ فنِصْفانِ (١)، وجَزَمَ في «الكافي» وغَيره: بأنَّ جَمِيعَه لِزَيدٍ؛ لأِنَّ ذِكْرَ الله تعالى للتَّبَرُّك. وإنْ وَصَّى للرَّسول ولِزَيدٍ؛ صحَّ، ونِصْفُ الرَّسول يُصرَف في المصالِح. (وَإِنْ وَصَّى لِوَارِثِهِ (٢) وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ مَالِهِ)، فأجاز الورثة (٣) وصيَّةَ الوارث، فالثُّلُث بَينَهما، وفي الرَّدِّ أشار إلَيهِ بِقَولِه: (فَرَدَّ الْوَرَثَةُ؛ فَلِلْأَجْنَبِيِّ السُّدُسُ)، في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لأِنَّ كُلًّا منهما له السُّدُسُ، فصحَّ للأجنبِيِّ؛ إذْ لا اعْتِراضَ للورثة (٤) عَلَيهِ، وبَطَلَ سُدُسُ الوارِثِ؛ لأِنَّ الوصيَّةَ له لا تَصِحُّ إلاَّ بإجازةِ الوارِثِ. وفي «الرِّعاية»: إذا أوْصَى لوارِثٍ وغَيرِه بثُلُثه؛ اشْتَرَكا مع الإجازة، ومع الرَّدِّ على الوارث للآخَرِ الثُّلُثُ، وقِيلَ: نِصفُه، كما لو أَوْصَى لهما بثُلُثه، فردَّ عَلَيهِما، أو على الوارث فقطْ. وإنْ ردَّ الزَّائدَ على الثُّلُث دُونَ وصيَّته عَينًا؛ فهو لهما، وقِيلَ: للأجنبيِّ، وقِيلَ: له السُّدُسُ، ويَبطُلُ الباقي. ولو أُجِيزَ للوارث وحدَه؛ فله الثُّلُثُ، وكذا الأجنبيُّ إذنْ، وقِيلَ: السُّدُسُ. (وَإِنْ وَصَّى لَهُمَا)؛ أيْ: للوارِثِ وأجْنَبِيٍّ، (بِثُلُثَيْ مَالِهِ؛ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي)؛ أيْ: إذا أبطل الورثةُ الزَّائدَ على الثُّلث من غَيرِ تعيينِ نصيبِ أحَدِهما؛ فالثُّلُث بَينَهما، لكلِّ واحِدٍ منهما السُّدُسُ، واخْتارَهُ في الوجيز؛ لأِنَّ

стр. 3767

الوارِثَ يُزاحِمُ الأجنبيَّ مع الإجازة، فإذا رَدُّوا؛ تَعيَّنَ أنْ يكونَ الباقي بَينَهما، كما لو تَلِفَ بغَيرِ ردٍّ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَهُ الثُّلُثُ)؛ لأِنَّهم لا يَقدِرون على إبْطال الثُّلث فَما دُون إذا كان لأِجنبيٍّ، ولو جَعَلْنا الوصيَّةَ بَينَهما؛ لَمَلَكوا إبْطالَ ما زاد على السُّدُس، وكما لو خَصُّوا الوارثَ بالإبْطال. فإنْ قالوا: أجَزْنا وصيَّةَ الوارث، ورَدَدْنا نِصْفَ وصيَّة الأجنبيِّ؛ صحَّ، واتُّبعَ؛ كالعكس، وإنْ أجازوا أنْ يَنقُصُوا الأجنبيَّ عن نصفِ وصيَّته؛ لم يَملِكُوا ذلك مطلَقًا، فإنْ ردُّوا جميعَ وصيَّة الوارث، ونِصْفَ وصيَّةِ الأجنبيِّ؛ فلهم ذلك، على قَولِ القاضي، وعلى قَول أبي الخَطَّاب: يَتَوفَّرُ الثُّلُث كلُّه للأجنبيِّ. (وَإِنْ وَصَّى بِمَالِهِ لاِبْنَيْهِ وَأَجْنَبِيٍّ، فَرَدَّا (١) وَصِيَّتَهُ؛ فَلَهُ التُّسُعُ عِنْدَ الْقَاضِي)؛ لأِنَّه بالرَّدِّ رَجَعَت الوصيَّةُ إلى الثُّلث، والموصَى له ابْنانِ وأجنبيٌّ، فيكونُ للأجنبيِّ التُّسُعُ؛ لأِنَّه ثُلُثُ الثُّلُثِ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَهُ الثُّلُثُ)؛ لأِنَّ الأجنبيَّ موصًى له بالثُّلُث، وبالرَّدِّ بَطَلَتْ وصيَّة الوارث، فَوَجَبَ أنْ يكونَ له الثُّلُثُ؛ عَمَلاً بالوصيَّة السَّالِمة عن المزاحِم. (وَإِنْ وَصَّى لِزَيْدٍ وَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِثُلُثِهِ؛ فَلِزَيْدٍ التُّسُعُ)، هذا هو المذْهَبُ؛ لأِنَّه وَصَّى لِثَلاثِ جِهاتٍ، فَوَجَبَت التَّسْويةُ، كما لو وَصَّى لِزَيدٍ وبَكْرٍ وخَالِدٍ. وقال محمَّدُ بنُ الحَسَن: له الخُمُسُ، وللفقراء خُمُسانِ، وللمساكين خُمُسانِ؛ لأِنَّ أقلَّ الجَمْع اثْنانِ (٢).

стр. 3768

وقال ابنُ حَمْدانَ: ويَحتَمِلُ أنَّ له السُّدُسَ؛ لأِنَّهما هنا صِنْفٌ. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان زَيدٌ مِسْكينًا؛ أنَّه لا يُدفَعُ إليه من سهمهم؛ إذ العَطْفُ يَقتَضِي المغايَرةَ. فلو كانت الوصيَّةُ لِقَومٍ يُمكِنُ حَصرُهم؛ كزَيدٍ وإخْوته، فهو كأحدهم في وجْهٍ، وفي آخَرَ: كالتي قبلها. فلو وصَّى بثُلُثه لزيدٍ وللفقراء؛ فنِصْفانِ، وقِيلَ: كأحَدِهم. تنبيهٌ: لو أوْصَى مسلمٌ (١) لأِهْلِ قَرْيته، وقِيلَ: أوْ لِقَرابَته بلفظٍ عامٍّ؛ لم يَعُمَّ كافِرَهم إلاَّ بِذِكْره في الأشْهَر، وإنْ كان الموصِي كافِرًا؛ عَمَّ مسلمَهم بِدُون ذِكْره في الأصحِّ. وقِيلَ: إنْ كان أهلُ القرية أو الأقارِبُ كلُّهم كُفَّارًا، والموصِي مسلِمًا؛ عمَّهم، كما لو كان فيهم مسلِمٌ، وإن كان أكثرُهم كُفَّارًا؛ لم يَعُمَّهم، وفِيهِ احْتِمالٌ. مسألةٌ: أوْصَى بثُلُثه للمساكين، وله أقارِبُ محاويجُ، ولم يُوصِ لهم بشَيءٍ، ولم يَرِثُوهُ، فإنَّهم أحقُّ به. ولو وَصَّى نصرانِيٌّ بثلثه لفقراء المسلمين، وله إخْوةٌ فقراءُ، أُعْطِيَ كلُّ واحِدٍ خمسينَ فَقَطْ، نَصَّ عَلَيهِما (٢). ولو وصَّى لولدِ زَيدٍ، ولَيس له إلاَّ وَلَدُ وَلَدٍ؛ دَخَلُوا فيها، ويَحتَمِلُ دخولُ وَلَدِ البنينَ فقطْ (٣).

стр. 3769

(بَابُ الْمُوصَى بِهِ) هذا هو الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْها. (تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ كَالآبِقِ) من (١) الرَّقيق، (وَالشَّارِدِ) من الدَّوابِّ، (وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، والحَمْلِ (٢) فِي الْبَطْنِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ)؛ لأِنَّها إذا صحَّتْ بالمعدوم فهذا أَوْلَى، ولأِنَّها أُجْرِيَتْ مُجْرَى الميراث، وهذا يُورَث، فيُوصَى به، وللوصيِّ السَّعْيُ في تحصيله، فإنْ قَدَرَ عَلَيهِ؛ أَخَذَه إذا خَرج من الثُّلث. ولا فَرْقَ في الحَمْل بَينَ أنْ يكونَ رقيقًا، أوْ حَمْلَ بهيمةٍ مملوكةٍ له؛ لأِنَّ الغرر (٣) لا يَمنَعُ الصِّحَّةَ، فجرى مَجْرَى إعتاقه، فإن انفصل ميتًا؛ بطلت، وإنْ خرج حيًّا، وعَلِمْنا وُجودَه حالَ الوصيَّة، أوْ حَكَمْنا بوجوده؛ صحَّتْ، وإن لم يكن كذلك؛ فلا؛ لاِحْتِمال حدوثه. ويُعتبَرُ إمْكانُ الموصَى به، فلو وصَّى بما تَحمِلُ أمتُه العقيمُ، أو بألْفِ قنطارٍ من شجرةٍ معيَّنةٍ من (٤) سنَةٍ معينة (٥). قال في «الترغيب» وغيره: واختصاصُه به، فلو وصَّى بمالِ غَيرِه؛ لم يَصِحَّ، ولو مَلَكَه بَعْدُ؛ لأِنَّ الوصيَّةَ لم تَنعَقِدْ. (وَبِالْمَعْدُومِ)؛ لأِنَّه يَجوزُ أنْ يُملَكَ بالسَّلَم والمساقاة، فجاز أنْ يُملَكَ بالوصيَّة؛ (كَالَّذِي تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ أَبَدًا)؛ أيْ: يكونُ ذلك للموصَى له

стр. 3770

على التَّأْبيد، (أَوْ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ)؛ كسنةٍ، دون (١) ما عداها، معرَّفًا أوْ منكَّرًا، ولا يَلزَمُ الوارِثَ السَّقْيُ؛ لَأنَّه لم يَضمَنْ تَسليمَها، بخِلافِ مُشْتَرٍ. (فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ؛ فَهُوَ لَهُ)؛ أيْ: للموصَى له بمُقْتَضَى الوصيَّة، (وَإِلاَّ بَطَلَتْ)؛ لأِنَّها لم تصادِفْ (٢) مَحَلًّا؛ كالوصيَّة بثُلُثِه ولم يُخلِّفْ شَيئًا. فَرْعٌ: تَصِحُّ الوصيَّةُ بإناءِ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، وبزوجته (٣)؛ أيْ: له أمةٌ فيُوصِي بها لِزَوجها، ويَنفَسِخُ نكاحُه وَقْتَ ثُبوتِ ملْكِه لها. (وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمائَةٍ لَا يَمْلِكُهَا؛ صَحَّ)، إذْ غايَتُه أنَّها معدومةٌ، والوصيَّةُ به صحيحةٌ، (فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا)؛ صحَّتْ؛ لأِنَّه أمْكَنَ نُفوذُها، (وَإِلاَّ بَطَلَتْ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. (وَتَصِحُّ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ؛ كَالْكَلْبِ) المعلَّم (٤)؛ لأِنَّه يباح (٥) اقْتِناؤُه للصَّيد والماشِية والحَرْث، وقِيلَ: وحِفْظِ البُيوت؛ لأِنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا، وتُقَر اليَدُ عَلَيهِ، والوصيَّةُ تبرُّعٌ، فصحَّتْ في غير المال؛ كالمال، وكصِحَّة (٦) هِبَتِه. فإنْ كان ممَّا لا (٧) يُباحُ اقْتِناؤه؛ لم تَصِحَّ (٨)، سَواءٌ قال: من كِلابِي، أو مِنْ مالِي؛ لأِنَّه لا يَصِحُّ شِراءُ الكلب؛ لأِنَّه لا قيمةَ له، بخلاف ما إذا أوْصَى بشاةٍ ولا شاةَ له، فإنَّه يُمكِنُ تحصيلُها (٩) بالشِّراء.

стр. 3771

وظاهِرُه: أنَّها لا تَصِحُّ بالجِرْوِ الصَّغِيرِ، وهو وَجْهٌ، والأصحُّ: صحَّتُها بتربيته لأحدها (١). وفي «الفروع»: وإنْ لم يَصِدْ به، أوْ يصيد إن احتاجه، أو لِحِفْظ ماشيةٍ أو زرعٍ إن (٢) حصل؛ فخلافٌ. وفي «الواضح»: الكلْبُ لَيسَ مِمَّا يَملِكُه. (وَالزَّيْتِ النَّجِسِ) إذا جاز الاِسْتِصْباحُ به، قاله في «الشَّرح»، وإلاَّ لم يَصِحَّ؛ إذْ لَيسَ فيه نَفْعٌ مُباحٌ؛ كالخنزير وسائِرِ سِباعِ البهائم الَّتي لا تَصلُحُ للصَّيد. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي مَالٌ) سِواهُ؛ (فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ)؛ لأِنَّ الوصيَّةَ تَنفُذُ في الثُّلُث. (وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ) غَير الموصَى به؛ (فَجَمِيعُ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ قَلَّ الْمَالُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ قليلَ المال خَيرٌ من الكلب؛ لكَونه (٣) لا قِيمةَ له، فالثُّلُثُ أكثرُ منه حَينئِذٍ. (وَفِي الآْخَرِ: لَهُ ثُلُثُهُ) وإنْ كثُر المالُ؛ لأِنَّ موضوعَ الوصيَّة على أنْ يُسلَّمَ ثُلُثا التَّرِكة للورثة، وليس في التركة شَيءٌ من جنس الموصَى به. تنبيهٌ: أوْصَى لرجلٍ بكِلابِه، ولآِخَرَ بثُلُث ماله؛ فله الثُّلُث، وللأوَّل ثُلُثُ الكلاب، وجْهًا واحدًا؛ لأِنَّ ما حَصَلَ للوَرَثَة من ثُلُثَي المالِ؛ قد جازت (٤) الوصيَّةُ فِيمَا يُقابِلُه من حقِّ الموصَى له، وهو ثُلُثُ المال، ولم يُحتَسَبْ على الورثة بالكلاب؛ لأِنَّها لَيست بمالٍ، وإذا قُسِمَت الكِلابُ بَينَ الوارث

стр. 3772

والموصَى له؛ قُسِمَتْ على عددها، فإن تشاحُّوا؛ أُقْرِعَ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ؛ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ)؛ لأِنَّها لم تُصادِفْ مَحَلًّا يَثبُتُ الحقُّ فيه. فإن تجدَّد له كلبٌ؛ فيتوجَّه: الصِّحَّةُ؛ نَظَرًا إلى حالة الموت لا الوصية (١). (وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ؛ كَالْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَنَحْوِهِمَا)؛ لأِنَّ الوصيَّةَ تمليكٌ، فلا تَصِحُّ بذلك؛ كالهبة، وقد حثَّ الشارِعُ على إراقة الخمر وإعْدامه، فلم يُناسِبْ صحَّةَ الوصيَّة. وظاهِرُه: ولو قُلْنا: يَطهُرُ جِلْدُ الميتة بالدِّباغ، ويتوجَّه: عَكْسُه. (وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُولِ؛ كَعَبْدٍ وَشَاةٍ)؛ لأِنَّها إذا صحَّتْ بالمعْدُوم؛ فالمجْهُولُ أَوْلَى، ولأِنَّه يَنتَقِلُ إلى الوارث، فصحَّت الوصيَّةُ به؛ كالمعلوم، (وَيُعْطَى)؛ أيْ: يُعطيه الوارِثُ (مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِسْمُ)؛ لأِنَّه اليقينُ؛ كما لو أقرَّ له بعبْدٍ، قال القاضي: يُعطيه الورثةُ ما شاؤوا من ذَكَرٍ أو أنثى. وصحَّحَ في «المغني»: أنَّه لا يُعطى إلاَّ ذَكَرًا؛ لأِنَّه تعالى سبحانه (٢) فرَّق بَينَ العبيد والإماء بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النُّور: ٣٢]، وهو يَقْتَضِي المغايَرة، ولأِنَّه العُرْفُ، وبدليل الوكالة، وكعكسه، ولَيسَ له أن يُعطيَه خُنْثَى، فلو أَوْصَى له بواحِدٍ من رقيقه؛ شَمِلَ الكلَّ. (فَإِنِ (٣) اخْتَلَفَ الاِسْمُ بِالْحَقِيقَةِ (٤) وَالْعُرْفِ؛ كَالشَّاةِ فِي (٥) الْعُرْفِ لِلْأُنْثَى،

стр. 3773

وَالْبَعِيرِ وَالثَّوْرِ هُوَ فِي الْعُرْفِ لِلذَّكَرِ (١) وَحْدَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ (٢) وَالْأُنْثَى؛ غُلِّبَ الْعُرْفُ) في اخْتِيار المؤلِّف، وجزم به في «الوجيز» و «التَّبصرة»؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّ المتكلِّمَ إنَّما يتكلَّم بعُرْفه، ولأِنَّه المتبادِرُ إلى الفهم. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تُغَلَّبُ الْحَقِيقَةُ)؛ لأِنَّها الأصلُ، ولهذا يُحمَلُ عَلَيهِ كلامُ الله تعالى، وكلامُ رسوله ﵇. فعلى هذا: إذا أوصى بشاةٍ (٣)؛ تَتَناوَلُ (٤) الذَّكرَ والأنثى، والضَّأْنَ والمعْزَ، والكبيرة (٥) والصَّغيرة؛ لأِنَّ اسْمَ الشَّاة يَتناوَلُ ذلك كلَّه، بدليل قَوله ﵇: «في أربعين شاةً شاةٌ» (٦). وقال المؤلِّفُ: لا يَتناوَلُ إلاَّ أنثى (٧) كبيرةً، إلاَّ أنْ يكونَ في بَلَدٍ عُرْفُهم يَتناوَلُ ذلك. وفي «الخلاف»: الشِّياه (٨): اسمٌ لجنس الغَنَم، يَتناوَل الصِّغارَ والكِبارَ، والكَبْشُ: الذَّكَرُ الكبيرُ من الضَّأْنِ، والتَّيسُ: الذَّكَرُ الكبيرُ من المعْزِ، والجَمَلُ (٩): الذَّكَرُ، والنَّاقةُ: الأنثى. ولو قال: عشَرة من إبلي؛ وقَعَ على الذَّكَر والأنثى. وقيل: إنْ قال: عَشَرةً - بالهاء -؛ فهو للذُّكور، وإن قال: بغَير هاءٍ؛ فهو

стр. 3774

للإناث، وكذلك الغنم، وفي البعير وجْهانِ، حكاهما في «الشَّرح»، وهما مبنيَّانِ على الخلاف. والثَّور: الذَّكَرُ، والبقرةُ: للأنثى. (وَالدَّابَّةُ: اسْمٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى؛ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ)، قاله الأصحابُ؛ لأِنَّ ذلك هو المتعارَفُ، فإنْ قُرِن به ما يَصرِفه إلى أحدها؛ كقوله: دابَّةٌ يُقاتَلُ عليها؛ انصرف إلى الخيل، وإن (١) قال: يُنتفَعُ بظَهْرها ونَسْلِها؛ خرج منه البِغالُ، وخَرَجَ منه الذَّكَرُ، ذَكَرَه في «الشَّرح»، وحكاه في «الرِّعاية» قَولاً. وقِيلَ: يُعتَبَر عُرْفُ البلد. وفي «التمهيد»: في الحقيقة العرفيَّة: الدَّابَّة للفرس عُرْفًا، والإطلاقُ يَنصرِف إليه، وقالَهُ في «الفنون» عن أصولِيٍّ؛ يعني: نفسَه، قال: لنَوع قُوَّةٍ في الدَّبيب؛ لأِنَّه ذُو كرٍّ وفرٍّ، انتهى. والفرسُ: للذَّكر والأنثى، والحِصانُ: للذَّكر، وعكسُه: الحِجْرَةُ (٢). والحِمار: للذَّكَر، والأَتانُ: للأنثى. فَرْعٌ: لا يَستَحِقُّ للدَّابَّةِ سَرْجًا، ولا للبعير رَحْلاً. (وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ)، وَشاةٍ من غَنَمه؛ (صَحَّ)؛ لأِنَّ الجَهالةَ هنا أقلُّ من الجهالة في عَبْدٍ، وقد صحَّت فيه، فَلَأَنْ تصِحَّ هنا من بابِ أَوْلَى، (وَيُعْطِيهِ (٣) الْوَرَثَةُ مَا شَاؤُوا مِنْهُمْ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)، نقله ابنُ

стр. 3775

منصورٍ (١)، واخْتارَه أبو الخَطَّاب والشَّريفُ في «خِلافَيهِما»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ لَفْظَه تَناوَلَ واحِدًا، والأقلُّ هو اليقينُ، فيكونُ هو الواجِب، فعلى هذا: ما يَدفَعه الوارِثُ من صحيحٍ أو معيب (٢)، جيِّدٍ أوْ رَدِيءٍ؛ يَلزَمُ قَبولُه؛ لِتَناوُل الاِسمِ له. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُعْطَى وَاحِدًا بِالْقُرْعَةِ)، هذا روايةٌ، واختارها ابنُ أبي موسى؛ لأِنَّ الجَميعَ سواء (٣) بالنِّسبة إلى الاِسْتِحْقاق، فكان له أحدُهم بالقُرْعة؛ كالعِتْق. ولم يُرجِّح في «الفروع» شَيئًا. وفي «التَّبصرة»: هما في لفظٍ احتَمَلَ مَعْنَيَينِ، قال: ويَحتَمِلُ حَمْلُه على ظاهرهما. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ؛ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ الوصيَّة تَقْتَضِي عبْدًا من الموجودِينَ حالَ الوصيَّة، أشْبَهَ ما لو أَوْصَى له بما في الكِيس ولا شَيءَ فيه، أوْ بِداره ولا دارَ له. (وَتَصِحُّ فِي الآْخَرِ)؛ لأِنَّه لَمَّا تعذَّرت الصِّفةُ بَقِيَ أصلُ الوصيَّة، أشْبَهَ ما لو أوْصَى له بألْفٍ لا يَملِكُها ثُمَّ مَلَكَها، (وَيُشْتَرَى لَهُ مَا يُسَمَّى عَبْدًا)؛ لأِنَّ الاِسْمَ يتناوَلُه، فيَخرُج به عن عُهْدةِ الوصيَّة، وكقوله: عبدٌ من مالِي (٤). ونَقَل ابنُ منصورٍ فِيمَنْ قال: أعْطُوه مائةً من أحد كِيسَيَّ، فلم يُوجَدْ فيهما شَيءٌ: يُعْطَى مائةً؛ لأِنَّه قَصَدَ إعْطاءَه (٥).

стр. 3776

وإنْ مَلَكَه قَبلَ مَوته؛ فوجْهانِ. (فَإِنْ (١) كَانَ لَهُ عَبِيدٌ فَمَاتُوا إِلاَّ وَاحِدًا)، أوْ لم يكُنْ له إلاَّ عبدٌ واحِدٌ؛ (تَعَيَّنَتِ الْوَصِيَّةُ فِيهِ)؛ لأِنَّه لم يَبْقَ غَيرُه، وقد تعذَّر تسليمُ الباقي، وهذا إنْ حَمَلَه الثُّلُثُ، قالَهُ في «الرِّعاية». وقِيلَ: يُقرَعُ بَينَ الحيِّ والميت. وإنْ تَلِفَ رقيقُه جميعُهم قَبْلَ مَوت الموصِي، أوْ بَعْدَه، بغَيرِ تفريطٍ من الوارث؛ بَطَلَتْ؛ لأِنَّ التَّرِكَة غَيرُ مَضْمونةٍ عَلَيهم؛ لحصولها (٢) في أيْدِيهم بغَيرِ فِعْلِهم. فَرْعٌ: أوْصَى بعِتْقِ أحَدِ عَبِيدِه الموجُودِينَ؛ صحَّ، وأجْزَأَ عِتْقُ ما يُسمَّى عبدًا، وقِيلَ: ما يُجزِئُ في كَفَّارة، وهل يُعَيِّنُه الوارِثُ أوْ بقُرْعةٍ؟ فيه وجْهانِ، وقال في «المستوعب»: للعبيد تعيينُ عِتْقِ أحَدِهم. (وَإِنْ قُتِلُوا كُلُّهُمْ؛ فَلَهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ)، إمَّا باخْتِيار الورثة، أوْ بالقُرْعة، على الخلاف، (عَلَى قَاتِلِهِ)؛ لأِنَّ حقَّه في واحدٍ منهم، وقد قَتَلَهم كلَّهم؛ فَوَجَبَ عَلَيهِ ضَمانُه، كما لو قَتَلَ واحِدٌ عَبْدَ غَيرِه، وهذا إذا قُتِلُوا بَعْدَ مَوت الموصِي. فَرْعٌ: لا تَصِحُّ الوصيَّةُ بأمِّ وَلَدِه، نَصَّ عَلَيهِ. وقِيلَ: بَلَى. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ جاز بَيعُها ولم تَعتِقْ بمَوتِه، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِقَوْسٍ)؛ صحَّ؛ لأِنَّ فِيهِ منفعةً مُباحةً، فإنْ كان (لَهُ أقْوَاسٌ لِلرَّمْيِ وَالْبُنْدُقِ وَالنَّدْفِ؛ فَلَهُ قَوْسُ النُّشَّابِ) في ظاهر المذهب؛ (لِأَنَّهُ أَظْهَرُهَا)، ويُسمَّى الفارِسِيَّ، وقَوسُ النَّبْل يُسَمَّى: العَربِيَّ، (إِلاَّ أَنْ تَقْتَرِنَ (٣)

стр. 3777

بِهِ (١) قَرِينَةٌ)؛ كما لو كان الموصَى له نَدَّافًا، أوْ بُنْدُقَانِيًّا، أوْ غازِيًا، فإنَّه (يُصْرَفُ (٢) إِلَى غَيْرِهِ)؛ لأِنَّ القَرِينةَ كالصَّريح، وهذا إذا أَطْلَقَ، فإن وَصَفَها بصفةٍ، أوْ كان له قَوسٌ واحِدٌ؛ تعيَّنَتْ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا؛ كَالْوَصِيَّةِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ)؛ لأِنَّ اللَّفْظ يَتَناوَلُ جميعَها. وقِيلَ: له غَيرُ قَوْسِ بُنْدُقٍ. وقِيلَ: ما يُرْمَى به عادةً. وظاهِرُه: أنَّه لا يَستَحِقُّ وَتَرَها؛ لأِنَّه مُنفَصِلٌ عنها. وقِيلَ: بلى، جَزَمَ به في «الترغيب»؛ لأِنَّه لا يُنتَفَعُ بها إلاَّ به، فكان كجُزْءٍ من أجْزائها. (وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِكَلْبٍ أَوْ طَبْلٍ، وَلَهُ مِنْهَا مُبَاحٌ)؛ ككلب الصَّيد، وطَبْل الحرب، (وَمُحَرَّمٌ)؛ كضِدِّهما، وكالأسود البهيم؛ (انْصَرَفَ إِلَى الْمُبَاحِ)؛ لأِنَّ فِيهِ مَنفعةً مُباحةً، ووجودُ المحرَّم كعَدَمِه شَرْعًا، فلا يَشمَلُه اللَّفْظُ عِنْدَ الإطلاق. وقيل: لا تَصِحُّ الوصيَّةُ بهما معًا. (فَإِنْ (٣) لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ مُحَرَّمٌ؛ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ)؛ لأِنَّ الوصيَّةَ بالمحرَّم معصيَةٌ، فلم تصِحَّ كالكنيسة. فلو كان طَبْلٌ إذا فُصِلَ صَلَح للحرب؛ لم تَصِحَّ. ويُلحَقُ بطَبْل اللَّهْو؛ المزمار والطُّنبور وعُود اللَّهو؛ لأِنَّها محرَّمةٌ، سواءٌ كانت فيه الأوتار أو لا؛ لأِنَّه مُهَيَّأٌ لفعل المعصية. وتُباحُ الوصيَّةُ بالدُّفِّ المباح؛ للخبر (٤).

стр. 3778

(وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِيمَا عَلِمَ مِنْ مَالِهِ) اتِّفاقًا، (وَمَا لَمْ يَعْلَمْ)؛ أيْ: تُنفَّذُ وصيَّتُه في ثُلُث الموجود، وإنْ جَهِلَه. وعَنْهُ: إنْ عَلِمَ به (١)، وحُكِيَ ذلك عن أبَانَ بنِ عُثْمانَ، وعُمَرَ بنِ عبد العزيز، وربيعةَ، إلاَّ في المدبَّر، فإنَّه يَدخُلُ في كلِّ شَيءٍ. والأوَّلُ أشْهَرُ؛ لأِنَّ الوصيَّةَ بجزءٍ من ماله لَفْظٌ عامٌّ، فيَدخُل فيه ما لا (٢) يَعلَمُ به من ماله، كما لو نَذَرَ الصَّدقةَ بثُلثه. (وَإِذَا أَوْصَى (٣) بِثُلُثِهِ، فَاسْتَحْدَثَ مَالاً) قَبلَ مَوته؛ (دَخَلَ ثُلُثُهُ فِي الْوَصِيَّةِ)، في قَول أكثرِ العلماء، ولا فَرْق عِندَهم بَينَ التِّلاد والمسْتَفاد؛ لأِنَّ الحادِثَ من ماله يَرِثُه وَرَثَتُه، وتُقْضَى منه ديونُه، أشْبَهَ ما لو مَلَكَه قَبلَ الوصيَّة. وعنه: يَعُمُّ المتجدِّدَ مع عِلْمه به، أوْ قَولِه: بثُلُثِي يَومَ أموتُ. (وَإِنْ قُتِلَ) عَمْدًا أو خَطَأً، (وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ؛ فَهَلْ تَدْخُلُ الدِّيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما، وهي المذهَبُ، وجَزَم بها في «الوجيز»، وقدَّمها في «الفروع»: تَدخُلُ ديتُه مطلَقًا؛ لأِنَّها تَجِبُ للميت بَدَلَ نفسه، ونفسُه له، فكذا بَدَلُها، قال أحمدُ: (قَضَى النَّبيُّ ﷺ أنَّ الدِّيَةَ مِيراثٌ) (٤)،

стр. 3779

فيُقضَى منها دُيُونُه وتجهيزه (١)؛ لأِنَّه إنَّما يَحوزُ وَرَثَتُه مِنْ أمْلاكه ما استَغْنَى عنه، بدليل أنَّه يَجوزُ أنْ يَتَجَدَّدَ له ملْكٌ بَعْدَ مَوته؛ كصَيدٍ وَقَعَ في أحبولة نَصَبَها، خِلافًا ل «الانتصار» وغَيرِه، وإنْ تَلِفَ بها شَيءٌ؛ فيَتوَجَّهُ في ضَمان الميت الخِلافُ، قالَهُ في «الفروع»، ورُوِيَ عن عليٍّ مِثْلُ ذلك في دية الخَطَأ (٢). والثَّانيةُ: لا تَدخُلُ في وصيَّته، نَقَلَها ابنُ منصورٍ (٣)؛ لأِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ للوَرَثَة بَعْدَ مَوت الموصِي؛ لأِنَّ سبَبَها الموتُ، فلا يَجوزُ وُجوبُها قَبلَه؛ لأِنَّ الحُكْمَ لا يَتَقدَّمُ سَبَبَه؛ إذْ بالموت تَزُولُ أمْلاكُه. (فَإِنْ (٤) وَصَّى بِمُعَيَّنٍ بِقَدْرِ نِصْفِ الدِّيَةِ؛ فَهَلْ تُحْسَبُ الدِّيَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ مِنْ الثُّلُثَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، هما مَبْنِيَّانِ على الرِّوايَتَينِ. فَعَلَى الأُولى: تُحسَبُ الدِّيةُ من ماله، فإنْ كانَتْ وصيَّتُه بِقَدْرِ نِصْفِ الدِّيَة، أوْ أقلَّ منه؛ نُفِّذت الوصيَّةُ، وإلاَّ أُخْرِج منه قَدْرُ ثُلُثِها.

стр. 3780

وعلى الثَّانية: لا تُحْسَبُ الدِّيَةُ، وتُخرَجُ الوصيَّةُ من تِلادِ ماله دُونَ دِيَته، بِناءً على أنَّ الدِّيَةَ لَيست من ماله، فيَخْتَصُّ بها الوَرَثَةُ.

стр. 3781

(فَصْلٌ) (وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ الْمُفْرَدَةِ)، في قَولِ الأكْثَرِ؛ لأِنَّه يَصِحُّ تمليكُها بعَقْدِ المعاوَضَة، فتَصِحُّ الوصيَّةُ بها؛ كالأعيان، ولأِنَّها هِبَةُ المنفعة بَعْدَ الموت، فصحَّت في الحياة كالمقارِنة (١)، وسَواءٌ وصَّى بها أبدًا، أوْ مُدَّةً مُعَيَّنةً. لكِنْ يُعتبَرُ خُروجُ ذلك مِنْ ثُلُث المال، نَصَّ عَلَيه في سُكْنَى الدَّار (٢)، وهو قَولُ مَنْ قال بصحَّة الوصيَّة بِها، وإنْ لم تَخرُجْ (٣) من الثُّلُث؛ أُجِيزَ منها بقَدر الثُّلُث. وقال (٤): إذا أوْصَى بخِدْمةِ عبده سَنَةً، فلم تَخرُجْ (٥) من الثُّلث؛ خُيِّرَ الورثةُ بَينَ تسليم خِدْمته سَنَةً، وبَينَ ثُلُث المال. وقال الحنفيَّةُ: يَخدُمُ الموصَى له يومًا والورثة يومين (٦) حتَّى تُستَكْمَلَ (٧) منه، فإنْ أراد الورثةُ بَيعَه؛ بِيع (٨). ولنا: أنَّها وصيَّةٌ صحيحةٌ، فَوَجَبَ تنفيذُها على صِفَتها، فإنْ أُرِيدَ تقويمُها، وكانت الوصيَّةُ مُقَيَّدةً بمُدَّةٍ؛ قُوِّم (٩) الموصَى بمَنفَعَتِه مَسْلُوبَ المنْفَعةِ

стр. 3782

تَلْكَ المدَّةَ، ثُمَّ تُقَوَّمُ المنفعةُ تلك المدَّةَ، فيُنَظَرُ كَمْ قِيمتُها. فَرْعٌ: للمُوصَى له بِنَفْع العبد أو الدار (١) إجارتُها تلك المدَّةَ، وله إخْراجُ العبد عن البلد؛ لأنَّه (٢) مالِكٌ لِنَفْعِه، فَمَلَكَ إخْراجَه وإجارتَه كالمسْتَأْجِر. (فَلَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِمَنَافِعِ أَمَتِهِ أَبَدًا، أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً؛ صَحَّ)؛ لأِنَّها وصيَّةٌ بمَنفَعَةٍ، وهي صحيحةٌ بها، (فَإِذَا أَوْصَى بِهَا أَبَدًا؛ فَلِلْوَرَثَةِ عِتْقُهَا)؛ لأِنَّها مملوكةٌ لهم، ومَنافِعُها للموصَى له، ولا يَرجِعُ على المعْتِقِ بشَيءٍ. وظاهِرُه: أنَّه إذا أعْتَقَها صاحِبُ المنفعةِ؛ لم تَعتِقْ؛ لأِنَّ العِتقَ للرَّقَبَة، وهو لا يَملِكُها. فإنْ وَهَبَ صاحِبُ المنفعة مَنافِعَه للعبد، أوْ أسْقَطَها عنه؛ صحَّ، وللوَرَثَة الانتِفاعُ به؛ لأِنَّ ما يُوهَبُ للعبد يكون لِسَيِّده. (وَ) لهم (بَيْعُهَا)؛ لأِنَّها أمةٌ مملوكةٌ، تَصِحُّ الوصيَّةُ بها، فصحَّ بيعها كغَيرِها، وتُباعُ مسلوبةَ المنفعة، ويَقُومُ المشْتَرِي مَقامَ البائع (٣) فيما له وعَلَيهِ. وقيل: لا تُباعُ؛ لأِنَّ ما لا نَفْعَ فيه لا يَصِحُّ بَيعُه؛ كالحشرات. ورُدَّ: بأنَّه يُمكِنُه إعْتاقُها، وتَحصيلُ ولائها (٤) وثوابِ عِتْقِها، بخِلافِ الحشرات. (وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا إِلاَّ لِمَالِكِ نَفْعِهَا)؛ لأِنَّه يَجتَمِعُ له الرَّقَبةُ والمنفعةُ، فيَنتَفِعُ بذلك، بخِلافِ غَيرِه، بدليلِ جوازِ بَيعِ الثَّمرة قَبْلَ بُدُوِّ صلاحِها لِمالِكِ الشَّجر، وبَيعِ الزَّرع لمالك الأرض، دُونَ غَيرِهما. وفي كِتابَتها الخِلافُ.

стр. 3783

(وَلَهُمْ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهَا)؛ أيْ: بإذْنِ صاحِبِ المنفعة، ولَيسَ لواحدٍ منهما الاِنْفِرادُ بتزوِيجِها؛ لأِنَّ مالِكَ المنفعة لا يَملِكُ رَقَبَتَها، وصاحِبَ المنفعة يَتَضرَّرُ به، فإن اتَّفَقا على ذلك؛ جاز. فإن (١) طَلَبَت التَّزويجَ؛ وَجَبَ؛ لأِنَّه لِحَقِّها، وهو مقدَّمٌ عَلَيهِما، ووليُّها مَالِكُ الرَّقَبة، وقِيلَ: هما. (وَ) لهم (أَخْذُ مَهْرِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ)، في اختيار المؤلِّف وصاحبِ «الوجيز»؛ (لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا) مُفْرَدَةً، ولا مَعَ غَيرِها، وإنَّما هي تابِعةٌ للرَّقَبة، فتَكونُ لصاحبها. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: مَهْرُهَا لِلْوَصِيِّ (٢)؛ لأنَّه من منافعها. (وَإِنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ؛ فَالْوَلَدُ حُرٌّ)؛ لأِنَّ وَطْءَ الشُّبهة يَكونُ الوَلَدُ حُرًّا؛ لاِعْتِقاد الواطِئِ أنَّه وَطِئَ في ملْكٍ؛ كالمغرور (٣) بأَمَةٍ. (وَلِلْوَرَثَةِ قِيمَةُ وَلَدِهَا)؛ لأِنَّه امْتَنَع رِقُّه، فَوَجَبَ جَبْرُ ما فات من رِقِّه، (عِنْدَ الْوَضْعِ)؛ لأِنَّه حِينَئِذٍ وُجِدَ، ولأِنَّه قَبْلَ الوضع لا تُعْلَمُ (٤) قِيمَتُه، فَوَجَبَ اعْتِبارُ أوَّلِ حالةٍ يُعْلَمُ بها، (عَلَى الْوَاطِئِ)؛ لأِنَّه يُفوِّت (٥) رِقَّه. (وَإِنْ قُتِلَتْ؛ فَلَهُمْ قِيمَتُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّ الإتْلافَ صادَفَ الرَّقَبةَ، وهم مالِكُوها، وفَواتُ المنفعة حَصَلَ ضِمْنًا، وتَبطُلُ وصيَّتُه؛ كالإجارة. (وَفِي الآْخَرِ: يُشْتَرَى بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا)؛ لأِنَّ كلَّ حقٍّ تعلَّق بالعَين؛ تعلَّق بِبَدَلها إذا لم يَبطُلْ سَبَبُ استِحْقاقها، ويُفارِقُ الزَّوجةَ والعَينَ المسْتَأْجَرةَ؛

стр. 3784

لأِنَّ سَبَبَ الاستِحْقاق يَبطُلُ بِتَلَفِها، ويَحتَمِلُ أنَّ ذلك لِمَالِكِ النَّفْع. (وَلِلْوَصِيِّ)؛ أيْ: لمالِكِ نفعها (١): (اسْتِخْدَامُهَا) حَضَرًا وَسَفَرًا، (وَإِجَارَتُهَا، وَإِعَارَتُهَا)؛ لأِنَّ الوصيَّةَ له بنَفْعِها، وهذا منه. فإنْ قَتَلَها وارِثُها؛ فَعَلَيه قِيمةُ المنْفَعةِ، قالَهُ في «الاِنتصار». وفي «التَّبصرة»: إنْ قُتِلَتْ فَرَقَبةٌ بثَمَنِها مَقامَها. وقِيلَ: لِمالِكِ نَفْعِها، قال: وهو أَوْلَى. (وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطْؤُهَا)؛ لأِنَّ مالِكَ المنفعة لَيسَ بزَوجٍ، ولا مالِكٍ للرَّقَبة، والوَطْءُ لا يُباحُ بغَيرِهما، ومالِكَ الرَّقَبة لا يَملِكُها ملْكًا تامًّا، ولا يَأمَنُ أنْ تَحمِلَ منه، وربَّما أفْضَى إلى هلاكها. لكِنْ أيُّهما وَطِئَها؛ فلا حَدَّ عَلَيهِ؛ لأِنَّه وَطْءُ شُبْهَةٍ؛ لِوُجودِ الملْكِ لكلٍّ منهما، فإن وَلَدَتْ؛ فهو حُرٌّ. فإنْ كان الواطِئُ صاحِبَ المنفعة؛ لم تَصِرْ أمَّ وَلَدٍ له؛ لأِنَّه لا يَملِكُها، وعَلَيهِ قِيمةُ وَلَدِها عند الوَضْع، كما تقدَّم. وإنْ كان مالِكَ الرَّقَبةِ؛ صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأِنَّها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ (٢) في ملكه، وفي وُجوبِ قِيمتِه عَلَيه (٣) الوجهان (٤)، ولا مَهْرَ عَلَيه في اختيار المؤلِّف، وله المهْرُ على صاحِب المنفعة، إنْ كان هو الواطِئَ، وعِنْدَ أصحابنا: تَنْعَكِسُ الأحكام. وقِيلَ: يَجِبُ الحدُّ على صاحب المنفعة إذا وَطِئَ؛ كالمسْتَأْجِر، وعلى هذا يكون ولدُه مملوكًا.

стр. 3785

(وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ، أَوْ زِنًى؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا)؛ لأِنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأمَّ في حُكْمِها؛ كَوَلَدِ المكاتَبَة والمدبَّرة. وقيل: هو لِمالِكِ الرَّقَبة؛ لأِنَّه لَيسَ من النَّفْع الموصَى به، ولا هو من الرَّقَبة الموصَى بِنَفْعها. (وَفِي نَفَقَتِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ): (أَحَدُهَا: أَنَّهُ فِي كَسْبِهَا)؛ لأِنَّه يَتعذَّرُ إيجابُها على مالِكِ الرَّقَبة؛ لكَونه لا نَفْعَ له، وعلى مالِكِ المنفعة؛ لكَونه لا رَقَبَةَ له، فلم يَبْقَ إلاَّ إِيجابُها في كَسْبِها، قال في «الشَّرح»: وهذا راجِعٌ إلى إيجابها على صاحب المنفعة؛ لأنَّ كَسْبَها من منافعها، فعَلَيهِ: إن لم يَكُنْ لها كَسْبٌ؛ فَقِيلَ: تَجِبُ في بَيتِ المال. (وَالثَّانِي: عَلَى مَالِكِهَا)؛ أيْ: مالِكِ الرَّقَبة، وهو الذي (١) ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أبو جَعفَرٍ مذهبًا لأِحمدَ، وقاله أبو ثَوْرٍ؛ لأِنَّ النَّفقةَ على الرَّقبة، فكانت على مالكها؛ كنفقةِ المسْتَأْجَر، وكما لو لم يكُنْ له منفعةٌ، ولأِنَّ الفِطْرةَ تَتْبَعُ النَّفقةَ، وَوُجوب التَّابِعِ يَدُلُّ على وُجوب المتْبُوع عَلَيهِ. (وَالثَّالِثُ: عَلَى الْوَصِيِّ (٢)؛ أيْ: صاحِبِ المنفعة، صحَّحه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وجَزَم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه يَمْلِكُ نَفْعَها، فكانت النَّفقةُ عَلَيهِ؛ كالزَّوج. وهذا لَيسَ خاصًّا بالأَمَة، بل حُكْمُ سائِرِ الحَيَوانات الموصَى بِنَفْعِها كذلك؛ قياسًا عَلَيها. ونَفْعُها بَعْدَ الوصيِّ لِوَرَثَتِه، قَطَعَ به في «الاِنْتِصار»، وأنَّه يَحتَمِلُ مِثْلُه في هِبَةِ نَفْعِ دارِه وسُكْناها شَهْرًا وتَسْليمِها، وقِيلَ: لِوَرَثَة الموصِي.
следующие страницы →