← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

عَلَيهم؛ كالعُقَلاء الرَّاشِدينَ، وغَيرِ أولاده من الإخوة والأعْمامِ؛ فلا تَصِحُّ الوصيَّة؛ لِعَدَم الولاية في الحياة. فَرْعٌ: تصِحُّ الوصيَّةُ بِحَدِّ قَذْفِه يَسْتَوفِيهِ له، لا للمُوصَى له. (وَإِذَا أَوْصَى إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ؛ لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ)؛ لأِنَّه اسْتَفادَ التَّصرُّفَ بالإذْن من جِهَتِه، فكان مقصورًا على ما أَذِنَ فيه كالوكيل. وقال أبو حنيفةَ: يَملِكُ الكلَّ (١)؛ لأِنَّها ولايةٌ تَنتَقِلُ من الأب، فلا تتبعَّضُ؛ كوِلايَةِ الجَدِّ. وأُجِيبَ: بمَنْع وِلايَتِه، ولو سُلِّم؛ فاسْتَفادَها بالقَرابة، وهي لا تتبعَّض، والإذْنُ يتبعَّض، فافْتَرقا. فإنْ وَصَّى إليه في تَرِكَتِه، وأنْ يقومَ مَقامَه؛ فهذا وصيٌّ في جميع أموره، يَبِيعُ ويَشْتَرِي إذا كان نَظَرًا لهم. (وَإِذَا أَوْصَى إِلَيْهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ، فَأَبَى الْوَرَثَةُ إِخْرَاجَ ثُلُثِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ؛ أَخْرَجَهُ كُلَّهُ مِمَّا فِي يَدِهِ)؛ نَقَلَه أبو طالِبٍ (٢)؛ لأِنَّ حقَّ الموصَى له يتعلق (٣) بأجْزاءِ التَّرِكة، فجاز أنْ يَدفَعَ إليه مِمَّا في يده؛ كما يَدفَعُ إلى بعض الوَرَثَة. (وَعَنْهُ: يُخْرِجُ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ)؛ لأِنَّه مُوصًى به، ولا حقَّ للورثة فيه، وثُلُثاهُ لَيسَ كذلك، (وَيَحْبِسُ بَاقِيَهُ حَتَّى يُخْرِجُوا)؛ لأِنَّ إخْراجَ بقيَّةِ الثُّلث واجِبٌ، وهذا وسيلةٌ إليه. وفي «الفروع»: في جَواز قَضائه باطِنًا، وتَكمِيلِ ثُلُثِه من بقيَّة ماله روايتانِ، وحَمَلهما (٤) في «المغني» و «الشَّرح» على حالَتَينِ:

стр. 3852

فالأُولَى: محمولةٌ على ما إذا كان المالُ جنسًا واحِدًا؛ لأِنَّه لا فائدةَ في انتظار إخراجِهم. والثَّانيةُ: محمولةٌ على ما إذا كان أجْناسًا؛ لأِنَّها تتعلَّق بثُلُث كلِّ جِنْسٍ، فلم يَجُزْ أنْ يُخرِجَ عِوَضًا عن ثلث ما في أيديهم مِمَّا في يَدِه؛ لأِنَّها مُعاوَضَةٌ تتعلَّق بتَراضِيهِم. وحَكَى ذلك في «الرِّعاية» قَولاً عن (١) أحمد: يَرُدُّه (٢) إلَيهم ويَطلُبُهم بالثُّلث. فإنْ فرَّقه، ثُمَّ ظَهَرَ دَينٌ مُسْتَغْرِقٌ، أوْ جُهِلَ مُوصًى له فتصدَّق هو أو حاكِمٌ؛ لم يَضمَنْ على الأصحِّ، وقال ابنُ حَمْدانَ: بل يَرجِعُ به؛ كَوَفاءِ (٣) الدَّين. (وَإِنْ أَوْصَاهُ بِقَضَاءِ دَيْنٍ مُعَيَّنٍ، فَأَبَى الْوَرَثَةُ)، أوْ جَحَدُوا، وتعذَّر (٤) ثُبوتُ (ذَلِكَ؛ قَضَاهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ)؛ أيْ: باطِنًا، جَزَمَ به في «الوجيز»، وهو المذْهَبُ؛ لأِنَّه واجِبٌ، سَواءٌ رَضُوا به أوْ أبَوْهُ، ولأِنَّه لا حقَّ لهم إلاَّ بَعْدَ وفاءِ الدَّين. والثَّانية: المنع (٥)؛ لأِنَّه لا يَأمَنُ رُجوعَهم عَلَيهِ. وقِيلَ له في روايةِ أبي داودَ مع عدم البيِّنة في الدَّين: أَيَحِلُّ له إن لم (٦) يُنفِّذْه؟ قال: لا (٧).

стр. 3853

وعَنْهُ: إنْ أَذِنَ فِيهِ حاكِمٌ جاز، قِيلَ لأِحمدَ: فإنْ عَلِمَ الوَصِيُّ أنَّ لرجلٍ عَلَيهِ حقًّا، فجاء الغَريمُ يُطالِبُ الوصِيَّ (١)، وقدَّمه إلى القاضي ليستحلفه (٢): أنَّ مَا لِي في يَدَيكَ حقٌّ، قال: (لا يَحلِفُ، ويُعلِمُ القاضِي بالقضيَّة، فإنْ أعْطاهُ القاضِي فهو أعْلَمُ) (٣)؛ أي: يُقيمُ القاضِي ثبوتَه، ويُشهِد بما (٤) أَمَرَه به، فلو صدَّقه وارِثٌ؛ لَزِمَه منه بِقَدْر حقِّه، نَصَّ عَلَيهِ. فإنْ كان ثَمَّ بيِّنةٌ؛ ففي لُزُومِ قضائه بلا حاكِمٍ، ففي «المغْنِي» و «الشَّرح»: في جوازه روايتانِ، ما لم يصدِّقه وارِثُه المكلَّفُ؛ لأِنَّه إقْرارٌ منهم على أنفسهم. مسألةٌ: يُسَنُّ الإيصاءُ بقَضاءِ الدَّين؛ لأِنَّه إذا شُرِعَ له الوصيَّةُ في حقِّ غَيرِه؛ فحاجةُ نَفْسِه أَوْلَى، وهذا في الدَّين الذي لا يَعجِزُ عن وفائه في الحال، فأمَّا الذي يَعجِزُ عن وفائه في الحال؛ فالوَصاةُ به واجِبَةٌ، قاله بعضهم (٥). (وَعَنْهُ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِمَيْتٍ، وَعَلَى الْمَيْتِ دَيْنٌ (٦): أَنَّهُ يَقْضِي دَيْنَ الْمَيْتِ إِنْ لَمْ يَخَفْ تَبِعَةً)؛ يَعْنِي: إذا خافَ أنْ يَطْلُبَه الوَرَثَةُ بما عَلَيهِ، ويُنكِرُوا الدَّيْنَ على مَورُوثِهم (٧)؛ فلا يَقْضِيهِ؛ لأِنَّه لا يَأْمَنُ رُجوعَهم عَلَيهِ.

стр. 3854

وإنْ لم يَخَفْ ذلك؛ قَضَى (١) دَينَ الميت بما (٢) عَلَيهِ؛ من تَبرِئَةِ ذمَّتِه وذمَّة الميت (٣). وفي براءة المَدِين باطِنًا بقضاءِ دَينٍ يَعْلَمُه على الميت الرِّوايَتانِ. فإنْ كان عَلَيهِ دَينٌ لِمَيْتٍ، وَوَصَّى به لِزَيْدٍ؛ فله دَفْعُه إلَيهِ، أو إلى وصِيِّ الميت، وإنْ لم يوصِ (٤) به، ولا يَقْضِيهِ عَينًا (٥)؛ لم يَبْرَأْ بِدَفْعه إلاَّ إلى الوارث والوصيِّ جميعًا. وقِيلَ: يَبرَأُ بِدَفْعه إلى الوصيِّ. فَرْعٌ: صَرَفَ أجْنَبِيٌّ الموصى (٦) به لِمُعَيَّنٍ، وقِيلَ: أوْ لغَيرِه في جِهَتِه؛ لم يَضمَنْه، وإنْ وصَّاهُ بإعْطاءِ مُدَّعٍ دَينًا بيمينه؛ نَقَده (٧) من رأس ماله، قاله (٨) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٩). ونَقَلَ ابنُ هانِئٍ: بِبَيِّنةٍ (١٠)، ونَقَلَ عبدُ الله: يُقبَلُ مع صِدْقِ المدَّعِي (١١)، ونَقَلَ ابنُ هانِئٍ فِيمَنْ وصَّاهُ بدَفْعِ مَهْرِ امْرأتِه: لم يَدفَعْه في غيبة الورثة (١٢).

стр. 3855

(وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إِلَى الْمُسْلِمِ)؛ لِقَبول شهادته عَلَيه وعلى غَيرِه، ومَحَلُّه: ما لم تَكُنْ التَّرِكةُ خَمْرًا، أوْ خِنزيرًا، أوْ نَحْوَهما (١). (وَإِلَى مَنْ كَانَ عَدْلاً فِي دِينِهِ) في الأَشْهَر؛ لأِنَّه يَلِي بالنَّسَب، فيلي بالوصية (٢) كالمسْلِم. والثَّاني: لا تَصِحُّ (٣)، وهو قَولُ أبي ثَورٍ؛ لأِنَّه أسْوَأُ حالاً من الفاسِقِ. وعلى الأوَّل: إذا لم يَكُنْ عَدْلاً في دِينه لا تَصِحُّ (٤)؛ لأِنَّ عَدَمَ العدالة في المسلم تَمنَعُ الصِّحَّة، فالكافِرُ أَوْلَى. (وَإِذَا (٥) قَالَ: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ شِئْتَ، أَوْ أَعْطِهِ)، أوْ تصدَّقْ به عَلَى (مَنْ شِئْتَ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ) في المنصوص (٦)؛ لأِنَّه تمليكٌ مَلَكه بالإذْنِ، فلا يَكونُ قابِلاً له؛ كالوكيل، وقِيلَ: يَعمَلُ بالقرينة. (وَلَا دَفْعُهُ إِلَى وَلَدِهِ)؛ لأِنَّه مُتَّهَمٌ في حقِّه؛ كهو، وأباحه الشَّيخانِ، وذَكَرَ جماعةٌ: مَنْعَ ابنه (٧)، وذَكَرَه آخَرون: وأبِيهِ، ولم يَزِيدُوا. ولا يَجوز دَفْعُه إلى وارثه، سَواءٌ كان غنيًّا أوْ فَقِيرًا، نَصَّ عَلَيهِ، وذَكَرَ ابنُ رَزِينٍ في مَنْعِ مَنْ يَمُونُه وَجْهًا. (وَيَحْتَمِلُ: جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِتَنَاوُلِ (٨) اللَّفْظِ لَهُ)، ولأِنَّه يَجوزُ دَفْعُه إلى الأجنبيِّ، فكذا ما ذُكِرَ.

стр. 3856

وقِيلَ: له إعْطاءُ وَلَدِه وسائرِ أقاربه إذا كانوا مُسْتَحِقِّينَ، دُونَ نَفْسِه؛ لأِنَّه مأْمُورٌ بالتَّفريق، وقد وُجِدَ. مسائلُ: إذا قال: تصدَّقْ من مالي؛ احْتَمَل ما تناوَله الاِسْمُ، واحْتَمَلَ ما قلَّ وكَثُرَ؛ لأِنَّه لو أراد مُعيَّنًا عيَّنَه، ذكره (١) في «التَّمهيد». مَنْ أُوصِيَ إليه بحفر بئرٍ في طريقِ مكَّةَ، أوْ في السَّبيل، فقال: لا أَقْدِرُ، فقال الموصِي: افْعَلْ ما تَرَى؛ لم يَجُزْ حفرها (٢) بدارِ قَومٍ لا بئرَ لهم (٣)؛ لِمَا فيه من تخصيصهم، نَقَلَه ابنُ هانِئٍ (٤). ولو أَمَرَه ببناءِ مسجِدٍ، فلم يَجِدْ عَرْصَةً؛ لم يَجُزْ شِراءُ عَرْصَةٍ يزيدُها في مسجِدٍ صغيرِ، نَصَّ عليه (٥). ولو قال: ادْفَعْ هذا إلى يَتَامَى فُلانٍ؛ فإقْرارٌ بقرينةٍ، وإلاَّ وصية (٦)، ذَكَرَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٧). (وَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى بَيْعِ بَعْضِ الْعَقَارِ لِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيْتِ، أَوْ حَاجَةِ الصِّغَارِ، وَفِي بَيْعِ بَعْضِهِ نَقْصٌ)؛ أيْ: ضَرَرٌ؛ (فَلَهُ الْبَيْعُ عَلَى الْكِبَارِ) إذا امْتَنَعُوا أوْ غابُوا، والصِّغارِ، نَصَّ عَلَيهِ (٨)؛ لأِنَّ الوصي (٩) يَملِكُ بَيعَ التَّرِكةِ،

стр. 3857

فَمَلَكَ بيع (١) جَميعِها، كما لو كان الورثةُ صغارًا، أو التركة (٢) مُسْتَغْرَقَةً، وكالعَينِ المرْهونَة. وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يكن فيه (٣) ضررٌ؛ فلَيس له البَيع على الكبار؛ لأِنَّه إنَّما جاز أوَّلاً لدَفْع الضَّرر. وقِيلَ: يَبيعُ بقَدْر دَينٍ ووصيَّةٍ وحِصَّةِ صغارٍ. وقِيلَ (٤) لأِحمدَ: بَيعُ الوصيِّ الدُّورَ على الصِّغار يَجُوزُ؟ قال: إذا كان نَظَرًا لهم (٥) لا على كِبارٍ يُؤنَسُ فِيهِ رُشْدٌ، هو كالأب في كلِّ شَيءٍ إلاَّ في النِّكاح، قِيلَ له: وإنْ لم يَكُنْ أثبت (٦) وصيَّتَه (٧) عِنْدَ القاضي؟ قال: إذا كانَتْ له بَيِّنةٌ (٨). (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّهُ (٩) لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ عَلَى الْكِبَارِ)؛ لأِنَّه لا يَجِبُ على الإنسان بَيعُ مِلْكِه لِيَزْدادَ ثَمَنُ ملْكِ غَيرِه، كما لو كان شريكُهم غَيرَ وارِثٍ، قَالَ: (وَهُوَ أَقْيَسُ)، وصحَّحه في «الشرح» (١٠). وقال ابنُ أبي لَيلَى: يَجُوزُ له البَيعُ على الكلِّ فيما لا بُدَّ منه. فَرْعٌ: إذا مات في مَوضِعٍ لا حاكِمَ فيه ولا وصيَّ؛ فلِمَنْ حَضَرَه من

стр. 3858

المسلمين حوزُ (١) تَرِكَتِه، وبيعُ ما يَراهُ، وقِيلَ: إلاَّ الإماءَ، قال أحمدُ في الجَوارِي: (أُحبُّ أنْ يَتَوَلَّى بَيعَهنَّ الحاكِمُ) (٢)، قال في «الشَّرح»: (وإنَّما تَوَقَّفَ عن بَيعِهِنَّ على طريقِ الاِخْتِيار احْتِياطًا؛ لأِنَّ بَيعَهُنَّ يَتَضَمَّنُ إباحةَ فروجهن (٣). وعلى المذْهَبِ: يَجُوزُ؛ لأِنَّه مَوضِعُ ضَرورَةٍ، ويُكَفِّنُه منها ثُمَّ مِنْ عِندِه، ويَرجِعُ عَلَيها أوْ عَلَى مَنْ تَلزَمُه نَفَقَتُه إنْ نَواهُ ولا حاكِمَ. فإنْ تعذَّرَ الإذْنُ؛ رَجَعَ، وقِيلَ: فِيهِ وجْهانِ؛ كإمْكانِه ولم يَسْتَأْذِنْهُ أوْ لم يَنْوِ مع إذْنِه، واللهُ تَعَالَى أعلم (٤).

стр. 3859

(كِتَابُ الْفَرَائِضِ) جَمْعُ فريضةٍ، وهي في الأصل اسْمُ مَصدَرٍ مِنْ فَرَضَ وأفْرَضَ (١)، وسُمِّيَ البعيرُ المأْخُوذُ في الزَّكاة (٢): فريضةً، فَعِيلة بمَعْنَى مفعولةٍ، مُشْتَقَّة من الفَرْض، وهو التَّقديرُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]؛ أيْ: قَدَّرتم. وتأْتِي (٣) بِمَعْنَى القَطْع؛ لقَوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النِّسَاء: ٧]؛ أيْ: مَقْطوعًا، وبِمَعْنَى الحزّ (٤)، يُقالُ: فَرْضُ القَوْس، وفرضته: الحَزُّ (٥) الذي فيه الوَتَرُ، وفرضة النَّهر (٦)؛ أيْ: ثلمَتُه، وبِمَعْنَى التَّبْيِين؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التّحْريم: ٢] أيْ: بَيَّنَ، وبمَعْنَى الإنْزالِ؛ لقَولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القَصَص: ٨٥]؛ أيْ: أنْزَلَ، وبِمَعْنَى الإحْلال؛ لقَولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزَاب: ٣٨] أيْ: أحلَّ، وبِمَعْنَى العَطاء، تقولُ العربُ: ما أَصَبْتُ منه فَرْضًا. ولَمَّا كان عِلْمُ الفرائض مُشْتَمِلاً على هذه المعاني؛ لِمَا فِيهِ من السِّهام المقدَّرة، والمقادير المنقَطِعَة، والعَطاءِ المجرَّد، وقد بَيَّن لكلِّ وارِثٍ نصيبَه وأحلَّه له؛ سُمِّيَ بذلك. ويُقالُ للعالِمِ به: فَرَضِيٌّ (٧)، وفارِضٌ، وفَرِيضٌ؛

стр. 3860

كعالِمٍ وعَلِيمٍ، حَكاهُ المبَرِّدُ (١). وقد وَرَدَ التَّحْريضُ على تعلُّمِها (٢) وتَعْليمِها، فعن ابن مَسْعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: «تَعلَّمُوا الفَرائضَ، وعَلِّمُوها النَّاسَ، فإنِّي امْرُؤٌ مَقْبوضٌ (٣)، وإنَّ العِلْمَ سَيُقبَضُ (٤)، وتَظْهَرُ الفِتَنُ حتَّى يَختَلِفَ اثْنانِ في الفَرِيضة، فلا يَجِدانِ مَنْ يَفْصِلُ بَينَهما» رواه أحمدُ والتِّرمِذِيُّ والحاكِمُ، ولَفْظُه له (٥)، وعن أبي هُرَيرةَ مَرْفوعًا: «تَعلَّمُوا الفرائضَ وعلِّمُوها، فإنَّها نِصْفُ العِلْم، وهو يُنْسَى، وهو

стр. 3861

أوَّلُ عِلْمٍ يُنزَعُ من أُمَّتِي» رواهُ ابنُ ماجَهْ والدَّارَقُطْنِيُّ، من روايةِ حَفْصِ بنِ عُمَرَ، وقد ضعَّفه جماعةٌ (١). واخْتُلِف في مَعْناه؛ فقال أهْلُ السَّلامة: لا نتكلَّمُ فيه، بل يَجِبُ عَلَينا اتِّباعُه. وقِيلَ: عُلِمَ مَعْناهُ باعْتِبار الحال، فإنَّ حالَ النَّاس اثْنانِ، حياةٌ ووفاةٌ، فالفرائضُ تتعلَّق بالثَّاني، وسائرُ العُلُوم بالأوَّل. وقِيلَ: هو نِصْفٌ باعْتِبار الثَّواب؛ لأِنَّه يَسْتَحِقُّ بتعلُّمِ مسألةٍ واحدةٍ من الفرائض مائَةَ (٢) حسنةٍ، وبغَيرها من العلوم عَشْرَ حسناتٍ، وقِيلَ باعْتِبار المشقَّة، وهما ضَعِيفانِ. وأحْسَنُها: أنَّ أسبابَ الملْكِ اخْتِيارِيٌّ واضْطِرارِيٌّ، فَالاِخْتِياريُّ: إنْ شاءَ دَخَلَ في ملْكِه، وإنْ شاءَ ردَّ؛ كالشِّراء والهِبة ونحوِهما، والاِضْطِراريُّ (٣): يَدخُلُ في ملْكِه، اختار أو ردَّ (٤). وقال عمرُ: «إذا تَحدَّثْتم فتحدَّثُوا في الفرائض، وإذا لَهَوْتُم فالْهُوا بالرَّمْيِ» (٥)، وكان لا يُوَلِّي أحدًا حتَّى يَسأَلَه عن قِسْمة المواريث (٦).

стр. 3862

وحُكِيَ أنَّ الولِيدَ بنَ مُسلِمٍ رأى في منامه: دخل بستانًا، فأكَلَ (١) من جميعِ ثَمَرِه إلاَّ العِنَبَ الأبْيَض، فقصَّه على شَيخِه الأوزاعيِّ، فقال: تُصِيبُ (٢) من العلوم كلِّها إلاَّ الفرائضَ، فإنَّها جَوهَرُ العِلْم، كما أنَّ العِنَبَ الأبْيَضَ جَوهَرُ العِنَب (٣). (وِهِيَ قِسْمَةُ الْمَوَارِيثِ)، فظاهِرُه: أنَّ الفرائضَ هي (٤) نَفْسُ القِسْمة، والظَّاهِرُ: أنَّه على حَذْفِ مُضافٍ، تقديرُه: وهي العِلْم بِقِسمةِ المواريث، وصرَّح به في «الكافي». وهو جَمْعُ مِيراثٍ، وهو: المالُ المخَلَّفُ عن الميت، أصْلُه مِوراثٌ (٥) انْقَلَبَت الواوُ ياءً لسُكونِها، وانْكِسارِ ما قَبْلَها، ويُقالُ له: التُّراثُ. (وَأَسْبَابُ التَّوَارُثِ: رَحِمٌ)، وهو القَرابةُ من جِهَة البُنُوَّة والأُبُوَّة ونحوِهما؛ إذْ بها يَرِثُ بعضُهم بعْضًا؛ لقَوله تعالى: ء ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزَاب: ٣٨]. (وَنِكَاحٌ)، وهو عَقْد الزَّوجِيَّة، وإنْ عَرِيَ عن الوَطْء؛ لقَوله تعالى: الآيةَ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٢]. (وَوَلَاءٌ)، وهو الإنْعامُ عَلَيهِ بالعِتْق؛ لقَوله ﷺ : «الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» متَّفقٌ عَلَيهِ (٦)، ورَوَى ابنُ عمرَ مرفوعًا: «الوَلاءُ لُحمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» رواهُ ابنُ حِبَّانَ

стр. 3863

في «صحيحه»، والحاكِمُ وقال: صحيحُ الإسْناد (١)، شَبَّهَ الوَلاءَ بالنَّسب، والنَّسبُ يُورَثُ به، فكذا الوَلاءُ. ومُقْتَضاهُ: أنَّ العَتيقَ لا يَرِثُ مُعْتِقَه، وهو قَولُ الأكثرِ. وقِيلَ: بَلَى عِنْدَ عدم (٢)، وقاله الحَسَنُ بنُ زِيادٍ، نَقَلَه الطَّبَرِيُّ (٣). ونَقَلَ ابنُ الحَكَمِ: لا أدْرِي (٤). وفي «الفُروع»: يتوجَّهُ منه: يُنفَقُ على المنْعِم، واخْتارَهُ شَيخُنا، ويَشهَدُ له ما رَوَى الطَّبَرانيُّ من حديثِ عَوسَجَةَ مَولَى ابنِ عبَّاسٍ، عنه: «أنَّ رجلاً ماتَ، ولم يَترُكْ وارِثًا إلاَّ عَبْدًا أعْتَقَه، فأعْطاهُ النَّبيُّ ﷺ مِيراثَه»، وعَوسَجَةُ وثَّقه أبو زُرْعَةَ، لكِنْ قال البخاريُّ: (لا يَصِحُّ حديثُه) (٥)، ولو سُلِّمَت صحَّتُه؛ فهو

стр. 3864

محمولٌ على أنَّه أعطاهُ على جِهَةِ المصلحة، لا مِيراثًا. (لَا غَيْرُ)؛ لأِنَّ الشَّرعَ وَرَدَ بالتَّوارُث بها، إلاَّ النَّبيَّ ﷺ ، فكانت تَرِكَتُه صدقةً لم تُورَثْ (١). (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَثْبُتُ) مع عَدَمِهِنَّ (بِالْمُوَالَاةِ)، وهي المؤاخاةُ، (وَالْمُعَاقَدَةِ)، وهي المحالَفةُ (٢)؛ لقَوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣٣]، وكان في ابْتِداء الإسلام يَقولُ الرَّجُلُ: دَمِي دَمُكَ، ومالِي مالُكَ، تَنصُرنِي وأَنصُرُكَ، وتَرِثُنِي وأَرِثُكَ، (وَإِسْلَامِهِ عَلَى يَدَيْهِ)؛ لِمَا رَوَى أَبُو أُمامَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أسْلَم على يَدَيهِ رجلٌ؛ فهو مَولاهُ يَرِثُه» رواهُ سعيدٌ في «سُنَنه» (٣)، وكذا الْتِقاطُهُ، (وَكَوْنِهِمَا (٤) مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ)؛ أيْ: مَكْتُوبَينِ في دِيوَانٍ واحِدٍ، قالَهُ في «المطْلَع»، واخْتارَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥)، وحَكاهُ في

стр. 3865

«الشَّرح» قَولاً، وظاهِرُ المتْنِ: أنَّه مِنْ جُمْلةِ الرِّوايةِ، وفي «شَرح المحرَّر»: أوْ مِنْ قَبِيلةٍ واحدةٍ. (وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ ما ذُكِرَ كان في بَدْءِ الإسلامِ، بدليلِ ما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ آخَى بَينَ أصحابِه، فكانوا يَتَوارَثُونَ بذلك، فَنَزَلَتْ الآيةَ ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ﴾ [الأنفَال: ٧٥]، فتَوارَثُوا بالنَّسَب» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وفي إسْنادِه مَقالٌ (١). (وَالْمُجْمَعُ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ مِنَ الذُّكُورِ عَشَرَةٌ: الاِبْنُ، وَابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ)؛ لقَولِه تعالَى: الآيةَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ [النِّسَاء: ١١]، وابنُ الاِبْنِ ابْنٌ؛ لقَولِه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعرَاف: ٢٦] ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البَقَرَة: ٤٠]. (وَالْأَبُ، وَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا)؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: ١١]، والجَدُّ تَناوَلَه النَّصُّ؛ لِدُخُولِ وَلَدِ الاِبْنِ في عُمومِ الأولاد، وقِيلَ: ثَبَتَ فَرْضُه بالسُّنَّة؛ لأِنَّه «﵊ أعْطاهُ السُّدُسَ» (٢).

стр. 3866

(وَالْأَخُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ)، فالأخُ من الأمِّ ثَبَتَ بقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النِّسَاء: ١٢]، ومِن الأبَوَينِ أو الأبِ بقَوله ﷺ : «أَلْحِقُوا الفرائضَ بأهْلِها، فَما أبْقَت الفُروضُ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (١). (وَابْنُ الْأَخِ إِلاَّ مِنَ الْأُمِّ)؛ فإنَّه مِنْ ذَوِي الأرْحامِ. (وَالْعَمُّ، وَابْنُهُ كَذَلِكَ)؛ أيْ: مِنْ الأبَوَينِ أو الأبِ، وعمُّ الأبِ كذلك، ولا يَدخُلُ فيه العمُّ من الأمِّ، ولا ابْنُه؛ لأِنَّهما لَيسَا من العَصَباتِ. (وَالزَّوْجُ)؛ لقَولِه تعالى: الآيةَ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٢]. (وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ)؛ أي: المعتِقُ، سُمُّوا به؛ لأِنَّه أنْعَمَ على العبد بعِتْقه وتَخْليصه من أَسْرِ الرِّقِّ، ثَبَتَ بالسُّنَّة (٢). والذُّكور كلُّهم عَصَباتٌ، إلاَّ الزَّوجَ، والأخَ من الأمِّ، والأبَ، وأباه مع الابن. (وَمِنَ الْإِنَاثِ سَبْعٌ: الْبِنْتُ، وَبِنْتُ الاِبْنِ، وَالأُمُّ، وَالْجَدَّةُ، وَالأخْتُ،

стр. 3867

وَالْمَرْأَةُ، وَمَوْلَاةُ النِّعْمَةِ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. والإناث كلُّهنَّ إذا انْفَرَدْنَ عن إِخْوَتِهِنَّ (١) ذَواتُ فَرْضٍ، إلاَّ المعْتِقةَ، والأخَواتِ مع البنات. أصلٌ: إذا اجْتَمَع الوارِثُونَ من الرِّجال؛ لم يَرِثْ منهم إلاَّ الأبُ، والاِبْنُ، والزَّوجُ. وإذا اجْتَمَعَت الوارِثاتُ من النِّساء وَرِثَ مِنهُنَّ خمسةٌ: البنتُ، وبِنتُ الاِبْن، والأمُّ (٢)، والزَّوجةُ، والأُخْتُ من الأَبَوَينِ أو الأبِ. والذي يُمكِنُ اجْتِماعُهم من الصِّنفَينِ وارِثًا: الأَبَوانِ، والاِبْنُ، والبِنْتُ، وأحدُ الزَّوجَينِ. (وَالْوُرَّاثُ ثَلَاثَةٌ: ذُو فَرْضٍ، وَعَصَبَةٌ)، إجْماعًا (٣)، (وَذُو رَحِمٍ) على الأصحِّ فيه، وسيأتي، فإنْ مات ولا وارِثَ له من هؤلاء؛ فمالُه لبَيت المال، قالَهُ ابنُ هُبَيرَةَ، وهو على وَجْهِ المصلحة، قالَهُ أحمدُ؛ كالمال الضَّائع؛ لأِنَّه لا يَخْلُو عن ابْنِ عمٍّ وإنْ بَعُدَ غالِبًا، وقد نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيّ في «الأُمِّ» (٤). وعَنْهُ: يَنتَقِلُ إليه على وَجْهِ الإرث، كما يَتحمَّلُ عنه الدِّيةَ؛ لقَوله ﵇: «أنا وارِثُ مَنْ لا وارِثَ له، أعْقِلُ عنه وأَرِثُه» صحَّحه ابْنُ حِبَّانَ والحاكِمُ (٥)،

стр. 3868

وهو ﵇ لا يَرِثُ لنَفْسِه، وإنَّما يَصرِفُ ذلك في مصالِح المسلِمين، فهم الوارِثُون. وأجابُوا عن الأوَّل: بأنَّه لا يَلزَمُ من وُجودِ ابْنِ عَمٍّ أنْ يكونَ وارِثًا؛ لاِحْتِمالِ مانِعٍ، وأيضًا وُجودُ ابْنِ عمٍّ لَيسَ بِلازِمٍ، فإنَّ (١) ابْنَ الزِّنَى والمنفِيَّ بِلِعانٍ قد يكونُ الميت من أحدِ القِسمَينِ. وهذا إذا (٢) انْتَظَمَ أمْرُ (٣) بَيتِ المال، فإنْ (٤) لم يَنتَظِمْ فاخْتارَ ابنُ كجٍّ: أنَّه يُصرَفُ لِذَوِي الأرحامِ، ونَقَلَه الأئمَّةُ من الشَّافِعِيَّة (٥).

стр. 3869

(بَابُ مِيرَاثِ ذَوِي الْفُرُوضِ) بَدَأَ المؤلِّفُ بهم؛ لأِنَّهم الأصلُ، ولهم فُروضٌ مُقدَّرةٌ لا تَسقُطُ (١). (وَهُمْ عَشَرَةٌ: الزَّوْجَانِ، وَالْأَبَوَانِ، وَالْجَدُّ، وَالْجَدَّةُ، وَالْبِنْتُ، وَبِنْتُ الاِبْنِ، وَالأخْتُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ)؛ أيْ: من الأبَوَينِ، أو الأبِ، أو الأمِّ، (وَالأْخُ مِنَ الْأُمِّ)، فالإخْوةُ والأَخَواتُ لأمٍّ يُسَمَّونَ: بَنِي الأَخْياف، والأَخْيافُ: الأَخْلاطُ، فهم من أخْلاطِ الرِّجال، ولَيسَ هم من رجلٍ واحدٍ، ولِلأب يُسَمَّونَ: بَنِي العَلاَّت؛ لأِنَّ أُمَّ كلِّ واحدٍ منهم لم تَسْقِه (٢) لَبَنَ رضاعِها، ولِلأبَوَينِ يُسَمَّونَ: بَنِي الأَعْيَان، سُمُّوا به؛ لأِنَّهم مِنْ عَينٍ واحدةٍ، ومِنْه قَولُه ﵇: «أعْيانُ بَنِي الأمِّ يَتوارَثُون» (٣). (فَلِلزَّوْجِ الرُّبُعُ إِذَا كَانَ لَهَا وَلَدٌ)، ذَكَرًا كان أو أنثى، (أَوْ وَلَدُ ابْنٍ)، يُحترَزُ به عن وَلَد البنت، فإنَّه لا اعْتِبارَ به، وإنْ وَرَّثْنا ذَوِي الأرحام. (وَالنِّصْفُ مَعَ عَدَمِهِمَا)، وهذا بالإجماع (٤)، وسَنَدُه النَّصُّ؛ لأِنَّه تعالى نَصَّ على الولد، وَوَلَدُه مُلْحَقٌ به بالإجماع، لكِنِ اخْتَلَفوا هل حَجْبُه بالاِسْم أو المعْنَى؟

стр. 3870

فَقِيلَ: بالاِسم، وهو ظاهِرُ قَولِ الأصحاب؛ لأِنَّه يُسَمَّى وَلَدًا، فَتَدلُّ الآيةُ عَلَيهِ. وقيل: بالمعْنى؛ لأِنَّ الوَلَدَ حقيقةً وَلَدُ الصُّلْب، إلاَّ أنَّهم أجْمَعُوا على أنَّ وَلَدَ الاِبْنِ يقوم مَقامَ الولد في الحَجْب، إلاَّ ما حُكِيَ عن مجاهِدٍ أنَّه لا يَحجُب، وهو مَدْفوعٌ بالإجماع (١). فإنْ قُلْتَ: هلاَّ بَدَأَ بالأولاد كما في القرآن؟ قيل: بدأ الله تعالى بهم؛ لأنَّهم أهمُّ عند الآدَمِيِّ، وهو آكَدُ، ومُرادُ الفَرَضِيِّينَ (٢) التَّعليمُ والتَّقريبُ على الأفهام، والكلام على الزَّوجَينِ أقلُّ منه على غيرهما. (وَلِلْمَرْأَةِ الثُّمُنُ إِذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، وَالرُّبُعُ مَعَ عَدَمِهِمَا)، إجْماعًا (٣)، وسَنَدُه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ الآيةَ [النِّسَاء: ١٢]. والزَّوجاتُ كالزَّوجة، وإنَّما جُعِلَ لهنَّ ذلك؛ لأِنَّه لو جُعِلَ لكلِّ واحدةٍ الرُّبُعُ وهنَّ أرْبَعٌ؛ لَأَخَذْنَ جميعَ المال، وزاد فَرْضُهنَّ على فَرْض الزَّوج، ومِثْلُهُنَّ الجَدَّاتُ. فأمَّا سائر الأقارِب؛ كالبنات، وبناتِ الابن، والأخواتِ المفْتَرِقاتِ؛ فإنَّ لكلِّ جماعةٍ مِنهُنَّ ما لِلاِثْنَتَينِ، وزِدْنَ على فَرْضِ الواحدةِ؛ لأِنَّ الذَّكَرَ الذِي يَرِثُ في دَرَجَتِهنَّ لا فَرْضَ له، إلاَّ وَلَدَ الأمِّ، فإنَّ ذَكَرَهم وأنثاهم سَواءٌ؛ لأِنَّهم يَرِثُون بالرَّحِم وقَرابةِ الأمِّ المجرَّدةِ.

стр. 3871

(فَصْلٌ) (وَلِلْأَبِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ): (حَالٌ يَرِثُ فِيهَا السُّدُسَ بِالْفَرْضِ، وَهِيَ مَعَ ذُكُورِ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الاِبْنِ)؛ لِلنَّصِّ السَّابِق، والمرادُ بِوَلَدِ الاِبْنِ هنا: الذَّكَرُ. (وَحَالٌ يَرِثُ فِيهَا بِالتَّعْصِيبِ، وَهِيَ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الاِبْنِ)؛ لقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النِّسَاء: ١١]، أضافَ المِيراثَ لهما، وجَعَلَ لها (١) الثُّلثَ، فكان الباقِي لِلأَب، وهذا شَأْنُ التَّعصيب، وهذه الحالُ مِمَّا امْتازَ بها الأبُ والجَدُّ. (وَحَالٌ يَجْتَمِعُ لَهُ الْفَرْضُ وَالتَّعْصِيبُ، وَهِيَ مَعَ إِنَاثِ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الاِبْنِ)؛ لِلنَّصِّ، وقد سَأَلَ الحجَّاجُ الشَّعْبِيَّ: عَمَّنْ مات عن أبٍ وبنتٍ، فقال: للبنت النِّصفُ، والباقي للأب، فقال له الحجَّاجُ: أصَبْتَ في المعْنَى، وأخْطَأْتَ في اللَّفظ، هلاَّ قُلْتَ: للأب السُّدُسُ، وللبنت النِّصفُ، والباقي للأب، فقال: أخْطَأْتُ، وأصاب الأميرُ (٢). مسألةٌ: يَقَعُ الإرْثُ بالفرض والتَّعصيب في صُوَرٍ؛ كزوجٍ معتِقٍ، وزوجةٍ معتِقةٍ، وأخٍ لأِمٍّ هو ابنٌ (٣)، وهو بِسببين (٤) مختلِفَينِ، فأمَّا الجَمعُ بَينَهما بسببٍ واحدٍ، وهو الأُبُوَّةُ، فقد (٥) تقدَّم.

стр. 3872

(فَصْلٌ) (وَلِلْجَدِّ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ)؛ أيْ (١): لأِنَّه أبٌ؛ لقَوله تعالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحَجّ: ٧٨] وقَولِ يُوسفَ: الآيةَ ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يُوسُف: ٣٨]، وقَولِه ﵇: «ارْمُوا بَنِي إسْماعِيلَ، فإنَّ أَباكُمْ كان رامِيًا» (٢)، ولأِنَّه لا يُقتَلُ بقَتْل ابْنِ ابنِه، ولا يُحَدُّ بقَذْفه، ولا يُقطَعُ بسَرِقةِ مالِه، وتَجِبُ عليه نَفَقَتُه، ويُمنَعُ مِنْ دَفْعِ زكاته إلَيه؛ كالأب، وقد «أعْطاهُ النَّبيُّ ﷺ السُّدُسَ» رواهُ سَعِيدُ بنُ منصورٍ (٣). لكِنَّه يَسقُطُ بالأب، ويُنقَصُ عن رُتْبته في إحْدَى العُمَرِيَّتَينِ (٤)، فإنَّ للأمِّ مع الجَدِّ ثُلثَ جميعِ المال. (وَحَالٌ رَابِعٌ، وَهِيَ: مَعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَوِ الْأَبِ، فَإِنَّهُ يُقَاسِمُهُمْ كَأَخٍ)، وهو قَولُ عليٍّ (٥)، وابنِ مسعودٍ (٦)، وزَيد (٧)؛ لأِنَّ الأخَ ذَكَرٌ

стр. 3873

يُعصِّبُ أخْتَه، فلم يُسقِطْهُ الجَدُّ كالاِبْنِ، ولاِسْتِوائِهِما في سَببِ الاِسْتِحْقاق؛ لأِنَّ كلًّا مِنهُما يُدْلِي بالأب؛ الجدُّ بالأُبُوَّة، والأخُ بالبُنُوَّة، وقَرابةُ البُنُوَّة لا تَنقُص عن قَرابة الأُبُوَّة، بَلْ ربَّما كانَتْ أقْوَى منها، فإنَّ الاِبنَ يُسقِطُ تعصيب الأب، ولذلك مثَّله عليٌّ ﵁: «بشَجَرةٍ أنْبَتَتْ (١) غُصْنًا، فانْفرَقَ منه غُصْنانِ، كلٌّ منهما أقربُ منه إلى أصْلِ الشَّجرة» (٢)، ومثَّله زَيدٌ ﵁: «بِوادٍ خَرَجَ منه نَهْرٌ، انْفَرَقَ (٣) منه جُزءٌ (٤)» (٥)، ولأِنَّ كُلًّا منهما إلى الآخَر أقربُ منه إلى الوادي. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ خَيْرًا لَهُ، فَيَأْخُذُهُ، وَالْبَاقِي لَهُمْ)، للذَّكَر مِثْلُ حظِّ الأنثَيَينِ، وقد يَسْتَوِي الأمْرانِ، والضَّابِطُ: أنَّ الإخْوةَ والأخَواتِ إنْ كانوا مِثْلَيهِ؛ فالمقاسَمةُ والثُّلثُ سِيَّانِ، وذلك في مسائلَ: جَدٌّ وأَخَوانِ، جَدٌّ وأخٌ وأُخْتانِ، جَدٌّ وأرْبعُ أخَواتٍ. وإنْ كانُوا دُونَ مِثْلَيهِ، فالمقاسَمَةُ خَيرٌ له، وذلك في مسائلَ: جَدٌّ وأخٌ، جَدٌّ وأُخْتانِ، جَدٌّ وأخٌ وأُخْتٌ، جَدٌّ وثَلاثُ أخَواتٍ، جَدٌّ وأُخْتٌ. وإنْ كانُوا فَوقَ المِثْلَينِ، فالثُّلثُ خَيرٌ له، وَوَجْهُه: بأنَّ الجَدَّ والأُمَّ إذا اجْتَمَعا؛ أخَذَ الجَدُّ مِثْلَيْ ما تأخُذُ الأُمُّ؛ لأِنَّها لا تأخُذُ إلاَّ الثُّلثَ، والإخْوةُ لا

стр. 3874

يَنقُصون الأُمَّ من السُّدس، فَوَجَبَ أنْ لا يَنقُصُوا الجَدَّ من ضِعْف السُّدس. وعَنْهُ: أنَّ الجَدَّ يُسقِطُ الإخْوةَ، كما يُسقِطُهم الأبُ، اخْتارَها أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ والآجُرِّيُّ، وهو مَذْهَبُ الصِّدِّيقِ (١)، وعُثْمانَ (٢)، وعائشةَ (٣)، وابنِ عبَّاسٍ (٤)، وابنِ الزُّبَير (٥)، وقالَهُ المزَنِيُّ، وابنُ سُرَيجٍ، وابنُ اللَّبَّان؛ لأِنَّه أبٌ بالنُّصوص السَّابِقةِ، قال ابْنُ عبَّاسٍ: «ألَا يَتَّقِي اللهَ زَيدٌ، يَجعَلُ ابنَ الاِبنِ ابْنًا، ولا يَجعَلُ أبَا الأَبِ أَبًا» (٦)، ولأِنَّه أَوْلَى من الأخ؛ لأِنَّ له إيلادًا، ولو

стр. 3875

ازْدَحَمَت الفُروض؛ سَقَطَ الأخُ دونَه. لكنْ ما ذَكَرَه المؤلِّف من كَيفِيَّة إرْثِه معهم هو قَولُ زَيدٍ، واعْتَمَدَ عَلَيهِ أحمدُ (١)؛ لِمَا رَوَى أنَسٌ مرفوعًا قال: «أرْحَمُ أُمَّتِي بأُمَّتِي أبو بَكْرٍ، وأشَدُّها في دِينِ الله عمرُ، وأصْدَقُها حَياءً عُثْمانُ، وأعْلَمُها بالحلال والحرام مُعاذٌ، وأقْرَؤُها لكتاب الله أُبَيٌّ، وأعْلَمُها بالفَرائض زَيدٌ، ولكلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وأمِينُ هذه الأمَّةِ أَبُو عُبَيدةَ بنُ الْجَرَّاح» رواهُ أحمدُ، والنَّسائِيُّ، والتِّرمذِيُّ وصحَّحه، والحاكِمُ، وقال: على شَرْطِ الشَّيخَينِ، وصَحَّحَ جماعةٌ إرْسالَه (٢). (فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ؛ أَخَذَ فَرْضَهُ)؛ لِلنَّصِّ. (ثُمَّ لِلْجَدِّ الْأَحَظُّ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ كَأَخٍ)؛ لأِنَّها له مع عَدَمِ الفُروض، فكذا مع وُجودِها، (وَثُلُثِ الْبَاقِي)؛ لأِنَّ ما أُخِذَ بالفَرْض كأنَّه معدومٌ، قد ذَهَب من المال، فصار ثلثُ الباقي بمنزلةِ ثلثِ الجميع، (وَسُدُسِ جَمِيعِ الْمَالِ)؛ لأِنَّه يَأخُذُه مع الوَلَد الَّذي هو أقْوَى، فَمَعَ غَيرِه من باب أَوْلَى. وضابِطُه: أنَّه متى زاد الإخْوةُ عن اثنَينِ، أو مَنْ يَعدِلُهم من الإناث؛ فلا

стр. 3876

حظَّ له في المقاسَمة، وإنْ نَقَصُوا عن ذلك؛ فلا حظَّ له في ثلث الباقي، ومتى زادت الفُروضُ عن النِّصف؛ فلا حَظَّ له في ثُلث الباقي، وإنْ نَقَصت عن النِّصف؛ فلا حَظَّ له في السُّدس، وإنْ كان الفَرضُ النِّصفَ؛ فقد اسْتَوَى (١) السُّدسُ وثُلثُ الباقي، وإنْ كان الإخْوةُ اثْنَينِ، والفَرْضُ النِّصفَ؛ اسْتَوَت الأحوالُ كلُّها. (فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنِ الْفَرْضِ إِلاَّ السُّدُسُ؛ فَهَوُ لَهُ)؛ لأِنَّه «﵊ أطْعَمَه السُّدسَ» (٢)، ولا يُنْقَصُ عَنه في قَولِ العامَّة. وحَكَى الشَّعبِيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه كأخٍ مطلَقًا، فقال في سبعةِ إخْوَةٍ وجَدٍّ: «الجَدُّ ثامِنُهم» (٣). (وَسَقَطَ مَنْ مَعَهُ مِنْهُمْ)؛ أيْ: من الإخْوة والأَخَوات؛ كأمٍّ وابْنَتَينِ وجَدٍّ وأُخْتٍ أو أخٍ، (إِلاَّ فِي الْأَكْدَرِيَّةِ)، قِيلَ: سُمِّيَتْ به؛ لتكدير (٤) أصولِ زَيدٍ في الأَشْهَر عنه؛ لكَونِه لا يَفرِضُ للأخْت مع الجَدِّ إلاَّ فيها، ولا يُعِيلُ مسائِلَ الجَدِّ وأعالَها، وأيضًا فإنَّه جَمَعَ سِهامَ الفَرْض، وقَسَمَها على التَّعصيب. وقِيلَ: إنَّ زَيدًا كدَّرَ على الأُخْت مِيراثَها، فأعْطاها النِّصفَ، ثُمَّ اسْتَرْجَعَه منها. وقِيلَ: إنَّ عبدَ الملك بنَ مَرْوانَ سأل عنها رجلاً اسْمُه أكْدَرُ، فأخْطَأَ فِيهَا (٥)، وقِيلَ: اسْمُ المرأةِ أكْدَرَةُ، وقِيلَ: اسْمُ زَوجِها، وقِيلَ: اسْمُ السَّائل. وقِيلَ: لِتَكدُّرِ أقْوالِ الصَّحابة وكَثْرةِ اخْتِلافِهم.

стр. 3877

(وَهِيَ: زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَأُخْتٌ، وَجَدٌّ)، فأصْلُها من ستَّةٍ، وتَعُولُ إلى تسعةٍ، فعالَتْ بمِثْلِ نصفِها، (فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، ثُمَّ يُقْسَمُ نِصْفُ الْأُخْتِ وَسُدُسُ الْجَدِّ) - وهما أربعة - (بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ)، لا تَصِحُّ ولا تُوافِقُ (١)، (فَتَضْرِبُهَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَعَوْلِهَا، تَكُنْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ)، ومِنْهَا تَصِحُّ، فكلُّ مَنْ له شَيءٌ من أصل المسألة مضروبٌ في ثلاثةٍ، (لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ، وَلِلْأُمِّ سِتَّةٌ)، يَبقَى اثْنَا عَشَرَ بَينَ الجَدِّ والأُخْتِ، (وِلِلْجَدِّ (٢) ثَمَانِيَةٌ، وَلِلْأُخْتِ أَرْبَعَةٌ)، ويُعايَا بها، فيُقالُ: أربعةٌ وَرِثُوا مالَ ميتٍ، فأحَدُهم أخَذَ ثُلثَه، والثَّاني ثُلثَ ما بَقِيَ، والثَّالِثُ ثُلثَ ما بَقِيَ، والرَّابِعُ ما بَقِيَ. ونَظَمَها بعضُهم (٣) فقال: ما فَرْضُ أربعةٍ تَوَزَّعَ بَينَهم … مِيراثُ ميِّتهِم بفَرضٍ واقِعِ (٤) فلواحدٍ ثُلُثُ الجميعِ وثُلْثُ … ما يَبقى لثانِيهِم (٥) بحُكْمٍ جامِعِ ولِثالِثٍ مِنْ بعدِهم ثُلُثُ الذي … يَبقَى وما يَبقَى نصيبُ الرَّابِعِ وإنْ شِئْتَ قُلتَ: أخَذَ أحدُهم جزءًا من المال، وأخَذَ الثَّاني نصفَ ذلك الجزْءِ، وأخَذَ الثَّالثُ نصفَ ذلك الجُزئَينِ، وأخَذَ الرَّابِعُ نصفَ الأجزاء، فإنَّ الجَدَّ أخَذَ ثمانيةً، والأُخْتَ أربعةً، والأمَّ ستَّةً، وهي نصفُ ما حَصَلَ لهما، والزَّوجَ تسعةً، وهو نِصْفُ ما حصل لهم. (وَلَا يَعُولُ مِنْ مَسَائِلِ الْجَدِّ غَيْرُهَا، وَلَا يُفْرَضُ لِأُخْتٍ مَعَ جَدٍّ إِلاَّ فِيهَا)،

стр. 3878

هذا مذْهَبُ زَيدٍ، وقِيلَ: إنَّه لم يُصرِّحْ به، وإنَّما أصحابُه قاسُوها على أُصولِه؛ لأِنَّه لو لم يُفرَضْ لها؛ لَسَقَطَتْ، ولَيسَ في الفريضة مَنْ يُسقِطُها. ومَذْهَبُ الصِّدِّيقِ ومُوافِقِيهِ (١): إسْقاطُ الأخت، فيكونُ للزَّوج النِّصفُ، وللأمِّ الثُّلثُ، وللجَدِّ السُّدسُ، وهو قُوَيلٌ حَكاهُ في «الرِّعاية». ومَذهَبُ عمرَ وابنِ مسعودٍ: للزَّوج النِّصفُ، وللأخت النِّصفُ، وللجَدِّ السُّدسُ، وللأمِّ السُّدسُ، فتَعُولُ إلى ثمانيةٍ، وجَعَلَا للأمِّ السُّدسَ؛ لِكَيلا تَفضُلَ (٢) على الجَدِّ. ومذْهَبُ عليٍّ كزَيدٍ، غَيرَ أنَّ زَيدًا ضَمَّ نصفَ الأُخت إلى سُدس الجَدِّ، وقَسَمَه بَينَهما أثْلاثًا (٣). (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَوْجٌ؛ فَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ عَلَى

стр. 3879

ثَلَاثَةٍ)، فأصْلُها من ثلاثةٍ، للأمِّ واحِدٌ، يَبقَى اثْنانِ على ثلاثةٍ لا يَصِحُّ، فتَضْرِبُها في أصل المسألة، (فَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ)، هذا قَولُ زَيدٍ، وَوَافَقَه الأكثرُ، (وَتُسَمَّى الْخَرْقَاءَ؛ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِيهَا (١)، كأنَّ الأقْوالَ خَرَقَتْها بكَثْرَتها. وتُسَمَّى المسبَّعة؛ لأِنَّ فِيهَا سبعةَ أقْوالٍ. والمسدَّسة؛ لأِنَّ أقْوالَ الصَّحابة تَرجِعُ فِيهَا إلى ستَّةٍ. والمثلَّثة؛ لأِنَّ عُثمانَ ومَنْ وافَقَه جعَلَ للأمِّ الثُّلثَ، والباقِي بَينَ الجَدِّ والأُخْت نِصْفانِ. ويُقالُ لها: العُثْمانِيَّةُ. والمربَّعةُ؛ لأِنَّ ابنَ مَسْعودٍ في إحْدَى الرِّوايتَينِ عنه جَعَلَها من اثْنَينِ، وتَصِحُّ من أربعةٍ، للأخت النِّصفُ، والباقِي بَينَهما نِصفَينِ (٢). والرِّوايةُ الثَّانيةُ عنه؛ كقَولِ عُمَرَ (٣)، وهو أنَّه جَعَلَها من ستَّةٍ، للأخت

стр. 3880

ثلاثةٌ، وللأمِّ سهمٌ، ويُعبَّر عنه بثُلث ما يَبقَى، ولا يُعبَّر عنه بالسُّدس؛ تأدُّبًا، وللجَدِّ سَهْمانِ. والمخمَّسةُ؛ لأِنَّه اخْتَلَف فيها خمسةٌ من الصَّحابة؛ عثمانُ، وعليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وزَيدٌ، وابنُ عبَّاسٍ، على خَمسةِ أقْوالٍ، وكان الشعبي لا يُثبِتُ الرواية عن غير هؤلاء. والشَّعْبِيَّةُ، والحَجَّاجِيَّةُ؛ لأِنَّ الحَجَّاجَ امْتَحَنَ فِيها الشَّعْبِيَّ، فأصاب فَعَفَا عنه (١). فإن عُدِمَ الجَدُّ، سُمِّيَت المباهَلَةَ؛ لقَول ابنِ عبَّاسٍ: «مَنْ باهَلَنِي باهَلْتُه، إنَّ الله تعالى لم يَجعَلْ في مالٍ واحِدٍ نِصْفًا ونِصْفًا وثُلُثًا» (٢). (وَوَلَدُ الْأَبِ كَوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ فِي مُقَاسَمَةِ الْجَدِّ إِذَا انْفَرَدُوا)؛ لأِنَّهم يُشارِكونَهم في بُنُوَّةِ الأب التي ساوَوْا بها الجَدَّ، (فَإِنِ اجْتَمَعُوا؛ عَادَّ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ الْجَدَّ بِوَلَدِ الْأَبِ)؛ أيْ: زاحَمَ به، وتُسمَّى المعادَّةَ، (ثُمَّ أَخَذُوا مِنْهُمْ

стр. 3881

مَا حَصَلَ لَهُمْ)؛ لأِنَّ الجَدَّ والِدٌ، فإذا حَجَبَه أخَوانِ وارِثانِ؛ جاز أنْ يَحجُبَه أخٌ وارِثٌ وأخٌ غَيرُ وارِثٍ؛ كالأْمِّ، ولأِنَّ وَلَدَ الأب يَحجُبونه إذا انفرَدُوا، فيَحجبونه مع غيرهم كالأمِّ، ويُفارِقُ وَلَدَ الأمِّ، فإنَّ الجَدَّ يَحجُبهم، فلا يَنبغِي أنْ يَحجُبوه، بخِلافِ وَلَدِ الأب، فإنَّ الجَدَّ لا يَحجُبُهم. وأمَّا الأخُ من الأبَوَينِ؛ فإنَّه أقْوى تَعْصِيبًا من الأخ للأب، فلا يَرِثُ معه شَيئًا، كما لو انْفرَدَا (١) عن الجَدِّ، فيأخُذُ مِيراثَه، كما لو اجتمع ابنٌ وابنُ ابْنٍ. لا يُقالُ: الجَدُّ يَحجُبُ وَلَدَ الأمِّ، ولا يأخُذُ شَيئًا أنَّه هو (٢)، والإخْوةُ يَحجُبونَ الأمَّ، ولم يأخُذُوا ميراثَها؛ لأِنَّ الجَدَّ وولدَ الأمِّ سببُ اسْتِحْقاقهم في الميراث مُختَلِفٌ، وكذلك سائرُ مَنْ يَحجُبُ، ولا يأخُذُ ميراثَ المحجوب، وههنا سببُ اسْتِحْقاق الإِخْوة الميراثَ: الأُخُوَّةُ والعُصوبة، فأيُّهما قَوِيَ حَجَبَ الآخَرَ، وأخَذَ مِيراثَه. والمُعادَّةُ إنَّما تكونُ إذا احْتِيجَ إليها، فلو اسْتُغْنِيَ عنها؛ فلا مُعادَّةَ؛ كجَدٍّ وأخَوَينِ مِنْ أبَوَينِ وأخٍ مِنْ أبٍ. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ (٣) وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ أُخْتًا وَاحِدَةً، فَتَأْخُذُ تَمَامَ النِّصْفِ)؛ لأِنَّ فَرضَها لا يَزيدُ على نِصْفٍ، (وَمَا فَضَلَ لَهُمْ)؛ أيْ: لِوَلَد الأب؛ لأِنَّه إنَّما يُؤخَذُ منه لكَونِ وَلَدِ الأَبَوَينِ أَوْلَى، وقد زالَتْ أوْلَوِيَّتُه (٤) باسْتِكْمالِ حقِّه، (وَلَا يَتَّفِقُ هَذَا فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا فَرْضٌ غَيْرُ السُّدُسِ)؛ لأِنَّ أدْنَى ما يأخُذُ الجَدُّ: الثُّلُثُ من الباقي، والأُخْتُ: النِّصفُ، والباقِي بَعْدَهما هو السُّدُسُ، ولا يَلزَمُ أنْ

стр. 3882

يَفضُلَ لهم شَيءٌ؛ كمسألةٍ فيها أمٌّ وجَدٌّ وأُخْتٌ لِأَبَوَينِ وأَخٌ أو أُخْتٌ لِأَبٍ. (فَإِذَا كَانَ جَدٌّ وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ، وَأُخْتٌ مِنْ أَبٍ؛ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةٍ)؛ لأِنَّ المقاسَمةَ خَيرٌ له، فيُجْعَلُ (١) كأُخْتَينِ، (لِلْجَدِّ سَهْمَانِ، وَلِكُلِّ أُخْتٍ سَهْمٌ، ثُمَّ رَجَعَتِ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، فَأَخَذَتْ مَا فِي يَدِ أُخْتِهَا كُلَّهُ)؛ لِتَستَكْمِلَ النِّصفَ. (وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَخٌ مِنْ أَبٍ؛ فَلِلْجَدِّ الثُّلُثُ)؛ لأِنَّه أحَظُّ له، (وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ)؛ لأِنَّها أُخْتٌ لأِبَوَينِ، (يَبْقَى لِلْأَخِ وَأُخْتِهِ السُّدُسُ)، فأصْلُها من ستَّةٍ، (بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ)؛ للعُصوبة، فتَضْرِبُها في ستَّةٍ، (فَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ)؛ للأُخْت تسعةٌ، وللجَدِّ ستَّةٌ، ويَسْتَوِي (٢) هنا المقاسَمةُ، وثُلثُ جميعِ المال، وللأخ سَهْمانِ، وأختِه سَهْمٌ. (فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُمٌّ؛ فَلَهَا السُّدُسُ)؛ لأِنَّ ذلك فَرْضُها مع الإخوة، (وَلِلْجَدِّ ثُلُثُ الْبَاقِي)؛ لأِنَّه أحظُّ له، قال ابنُ المنَجَّى: وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّه يَستَوِي له المقاسَمةُ، وثُلثُ الباقي، (وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ)؛ لأِنَّه فَرْضُها، (وَالْبَاقِي لَهُمْ)؛ أيْ: لِوَلَدِ الأب؛ لأِنَّهم عَصَبَةٌ، فَتَضْرِبُ ثلاثةً في ثَمانِيَةَ عَشَرَ، (وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ)، وإنْ قاسَمَ الإخْوةَ أَعْطَيتَ الأمَّ السُّدسَ، يَبقَى خمسةٌ مَقْسومةٌ على الجَدِّ والأخِ وأُخْتَينِ على ستَّةٍ، فتضْرِبُها في أصل المسألة، تَكُنْ ستَّةً وثَلاثِينَ، للأمِّ ستَّةٌ، وللجَدِّ عَشَرَةٌ، وللأُخْتِ من الأَبَوَينِ ثَمانِيةَ عَشَرَ، يَبقَى سَهْمانِ عَلَى الأخ من الأب وأختِه، لا تَصِحُّ، فاضْرِبْ ثلاثةً في ستَّةٍ وثَلاثِينَ تَكُنْ مائةً وثَمانيةً، وتَرجِعُ بالاِختِصار إلى نِصْفِها أربعةً وخَمْسينَ؛ لأِنَّها تتَّفِقُ بالنِّصف، فلِهذا قال: (وَتُسَمَّى: مُخْتَصَرَةَ زَيْدٍ).

стр. 3883

(فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَخٌ آخَرُ)؛ فلِلأْمِّ السُّدسُ: ثلاثةٌ، وللجَدِّ ثُلثُ الباقِي: خَمسةٌ، وللأخْتِ من الأَبَوَينِ النِّصفُ: تسعةٌ، يَبقَى سهمٌ لأِوْلادِ الأبِ على خمسةٍ لا يَصِحُّ عَلَيهم، فاضْرِبْها في ثمانيةَ عَشَرَ، (صَحَّتْ مِنْ تِسْعِينَ)، فكلُّ مَنْ له شَيءٌ من ثمانيةَ عَشَرَ مَضْرُوبٌ في خمسةٍ، (وَتُسَمَّى: تِسْعِينِيَّةَ زَيْدٍ). وهذا التَّفْريعُ كلُّه على مذْهَبِ زَيدٍ؛ لأِنَّه يُوَرِّثُ الإخْوةَ مع الجَدِّ، وقد نَصَّ أحمدُ على بَعْضِ ذلك، وعلى مَعْناهُ تَبَعًا له. مسائلُ: أمٌّ وأُخْتانِ وجَدٌّ، المقاسَمةُ خَيرٌ له، يَبقَى خمسةٌ على أربعةٍ، وتَصِحُّ من أربعةٍ وعشرينَ. بِنْتٌ وأخٌ وجَدٌّ، للبنت النِّصفُ، والباقِي بَينَهما نِصفَينِ، فإن كان معهما أُخْتُه؛ فالباقِي بَينَهم على خمسةٍ. بِنْتانِ أوْ أكثرُ، أوْ بِنتٌ وبِنتُ ابْنٍ وأخْتٌ وجَدٌّ؛ لِلاِبْنَتَينِ الثُّلثانِ، والباقي بَينَهما على ثلاثةٍ، وتَصِحُّ من تسعةٍ. وإنْ كان مكانَها أخٌ؛ فالباقي بَينَهما نِصفَينِ، وتَصِحُّ من ستَّةٍ. وإنْ كان أُخْتانِ؛ صحَّتْ من اثْنَيْ عَشَرَ، ويَستَوِي السُّدسُ والمقاسَمةُ. زَوجةٌ وبنتٌ وأختٌ وجَدٌّ، الباقِي بَينَ الأخت والجَدِّ على ثلاثةٍ، وتَصِحُّ من ثمانيةٍ، فإنْ كان مكانَ الأخت أخٌ أوْ أُخْتانِ؛ فالباقِي بَينَهم، وتَصِحُّ مع الأخ من ستَّةَ عَشَرَ، ومع الأخْتَينِ من اثْنَينِ وثلاثينَ، وإنْ زادوا فُرِضَ للجَدِّ السُّدسُ، فانْتَقَلتْ إلى أربعةٍ وعِشْرينَ، ثمَّ تَصِحُّ على المنْكَسِرِ عَلَيهِم. وإنْ كان مع الزَّوجة ابْنَتانِ أوْ أكثرُ، أوْ بنتٌ وبنتُ ابنٍ، أو بِنتٌ وأمٌّ وجَدٌّ؛ فَرَضْتَ للجَدِّ السُّدسَ، يَبقَى للإخوة والأخَوات سَهْمٌ، وتَصِحُّ من أربعةٍ وعِشْرينَ.

стр. 3884

(فَصْلٌ) (وَلِلْأُمِّ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ): (حَالٌ لَهَا السُّدُسُ، وَهِيَ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الاِبْنِ)؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلأِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: ١١]، وَوَلَدُ الوَلَد وَلَدٌ حقيقةً أوْ مَجازًا، قال الماوَرْدِيُّ: انْعَقَدَ الإجْماعُ في وَلَدِ الوَلَد، ولم يُخالِفْ فيه إلاَّ مُجاهِدٌ (١). (أَوِ الاِثْنَيْنِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ (٢)، كامِلِي الحُرِّيَّةِ في قَول الجُمهور، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «لا يَحجُبُها عن الثُّلثِ إلى السُّدُس إلاَّ ثلاثةٌ»، وحُكِيَ عن مُعاذٍ (٣)؛ لقَوله تعالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النِّسَاء: ١١]، وأقلُّ الجَمْع ثلاثةٌ. وجَوابُه: بأنَّ الجَمْعَ قد يُعَبَّرُ به عن الاِثْنَينِ، قال الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفْظُ الإخْوةِ

стр. 3885

هنا يَتَناوَلُ الأَخَوَينِ؛ لأِنَّ المقصودَ الجَمْعيَّةَ المطْلَقةَ من غَيرِ كَمِّيَّةٍ (١). وفي «صحيح الحاكم» وقال: صحيحُ الإسْناد: «أنَّ ابْنَ عبَّاسٍ احْتَجَّ على عُثمانَ، وقال: كَيفَ نَرُدُّها إلى السُّدس بالأَخَوَينِ، ولَيسا بإخْوةٍ؟ فقال عُثْمانُ: لا أسْتَطِيعُ ردَّ شَيءٍ كان قَبْلِي، ومَضَى في البُلْدان، وتَوارَثَ النَّاسُ به» (٢)، فهذا يَدُلُّ على الإجماع قَبْلَ مُخالَفَةِ ابنِ عبَّاسٍ، ورُوِيَ أنَّه قال: «حَجَبَها قَومك يا غُلامُ» (٣)، ولأِنَّه حَجْبٌ يتعلَّقُ بعَدَد، فكان الاِثْنانِ أوَّلَه، كحَجْب البنات لِبَناتِ الاِبن، يُؤيِّدُه قَولُه تعالى: الآيةَ ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً﴾ [النِّسَاء: ١٧٦]، وهذا الحكمُ ثابِتٌ في أخِ وأخْتٍ، وقد أُكِّد ذلك: بأنَّ جماعةً من أهل اللُّغة جَعَلُوا الاِثْنَينِ جَمْعًا حقيقةً. وقد أغْرَبَ الحَسَنُ البصْرِيُّ، فقال: لا يَحجُبُها إلاَّ ثلاثةُ إخْوةٍ ذُكورٍ. وعِندَنا لا فَرْقَ في حَجْبِها بَينَ الذَّكَرِ والأنْثَى، ولو كانا غَيرَ وارِثَينِ؛ لِسُقوطِهما بالأب، لا بمانِعٍ قام بهما. (وَحَالٌ لَهَا الثُّلُثُ، وَهِيَ مَعَ عَدَمِ هَؤُلَاءِ)؛ أيْ: مع عَدَمِ مَنْ ذُكِرَ من الولد، أوْ وَلَدِ ابنِه، أو اثْنَينِ من الإخْوةِ والأَخَوات، من أيِّ الجِهات كانوا، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٤)، وسَنَدُه قَولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ

стр. 3886

فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النِّسَاء: ١١]. (وَحَالٌ لَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي، وَهِيَ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ، وَامْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ؛ لَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ)، وهاتانِ المسألَتانِ تُسَمَّى العُمَرِيَّتَيْنِ؛ لأِنَّ عمرَ ﵁ قضى بذلك (١)، ووافَقَه عُثْمانُ (٢)، وزَيدُ بنُ ثابِتٍ (٣)،

стр. 3887

وابنُ مسعودٍ (١)، ورُوِي عن عليٍّ (٢)، وقاله الحَسَنُ والثَّوْريُّ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: «لها ثُلثُ المال كلِّه فِيهِما» (٣)؛ لأِنَّ الله فَرَضَ لها الثُّلثَ عِنْدَ عَدَمِ الولد والإخوة، ويُرْوَى عن عليٍّ (٤)، قال أحمدُ: وهو ظاهِرُ القرآن (٥)، واختاره ابنُ اللَّبَّان، وقالَهُ ابنُ سُرَيجٍ في زَوجٍ وأبَوَينِ. وفَصَّل ابنُ سِيرِينَ، فقال كقول الجماعة في زَوجٍ وأبَوَينِ، وكقول ابنِ عبَّاسٍ

стр. 3888

في امرأةٍ وأبَوَينِ، وقاله أبو ثَورٍ؛ لأِنَّا لو فَرَضْنا لها ثُلُثَ المال في الأولى؛ لَفَضَّلْناها على الأب، وهو ممتَنِعٌ، وفي مسألة الزَّوجة لا يتأتَّى ذلك. قال المؤلِّفُ: (والحُجَّةُ مع ابنِ عبَّاسٍ لولا انْعِقادُ الإجماع من الصَّحابة على خلافه؛ لأِنَّ الفريضةَ إذا جَمَعَتْ أبَوَينِ وذا فَرْضٍ؛ كان للأمِّ ثلثُ الباقي، كما لو كان معهما بنتٌ، ويُخالِفُ الأبُ الجَدَّ؛ لأِنَّ الأبَ في دَرَجَتِها، والجَدُّ أعلى منها). ولأِنَّ مِيراثَهما هو ما سِوَى مِيراثِ الزَّوجَينِ، فلم يَجُزْ أنْ يُزادَ على ثلث ما وَرِثَه الأَبَوانِ، ولأِنَّ ما يأخُذُه أحدُ الزَّوجَينِ إنَّما يأخُذُه بالسَّبب، وما يُؤخَذُ بالسَّبَب؛ كالطَّارِئِ على التَّرِكةِ، فإذن: الباقِي بَعْدَه يكونُ بَينَ الأَبَوَينِ. فَعَلَى هذا: تكون المسألةُ الأولى من اثْنَينِ، وتَصِحُّ من ستَّةٍ، والثَّانيةُ تَصِحُّ من أربعةٍ، وإنَّما قالوا: لها (١) ثُلثُ الباقي، ولم يَقُولُوا: سُدُس المال في الأولى، ورُبعه في الثَّانية؛ مُحافَظةً على الأَدَب في مُوافَقَةِ القُرآن، وعبَّر به في «الوجيز» اعْتِبارًا بالحاصل. وما ذَهَب إلَيهِ ابنُ سِيرِينَ تَفْريقٌ في مَوضِعٍ أجْمَعَ الصَّحابةُ على التَّسْوِيَة فيه، ثُمَّ إنَّه مع الزَّوج يأخُذُ مِثْلَ ما أَخَذَتِ الأمُّ، كذلك مع المرأة قِياسًا عَلَيهِ. (وَحَالٌ رَابِعٌ، وَهِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا أَبٌ؛ لِكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًى)؛ لأِنَّه لا يُنسَبُ إلى الزَّانِي، (أَوْ مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ، فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ تَعْصِيبُهُ مِنْ جِهَةِ مَنْ نَفَاهُ) أيْ: إذا لَاعَنَ الرَّجُلُ امرأتَه، وانْتَفَى مِنْ وَلَدِها، وفرَّق الحاكِمُ بَينَهُما؛ انْتَفَى وَلَدُها عنه، وانْقَطَعَ تعصيبُه من جِهَة المُلاعِنِ، (فَلَمْ يَرِثْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِهِ، وَتَرِثُ أُمُّهُ وَذَوُو (٢) الْفُرُوضِ مِنْهُ فُرُوضَهُمْ)، ويَنقَطِعُ التَّوارُثُ بَينَ الزَّوجَينِ، لا

стр. 3889

نَعلَمُ فيه خِلافًا (١)، فإنْ مات أحدُهما قَبْلَ تمامِ اللِّعان؛ وَرِثَه الآخَرُ في قَول الجُمهور، فإنْ تَمَّ اللِّعانُ بَينَهما، فماتَ أحدُهما قَبْلَ تفريقِ الحاكِم؛ لم يتوارَثا في الأَشْهَر؛ لأِنَّ اللِّعانَ يقتَضِي التَّحريمَ المؤبَّدَ، فلم يُعتَبَر فيه التَّفريقُ؛ كالرَّضاع. والثَّانية: يَتَوارثانِ (٢)؛ لأِنَّه «﵊ فرَّق بَينَهما» (٣)، ولو حصل التَّفريقُ باللِّعان لم يَحتَجْ إلى تفريقه، لكِنْ لو فرَّق بَينَهما قَبْلَ تمامه؛ لم تَقَعِ الفُرْقةُ، ولم يَنقَطِع التَّوارُثُ في قَول الجماعة. وهذا في تَوارُث الزَّوجَينِ، فأمَّا الوَلَدُ؛ فالأصحُّ أنَّه يَنتَفِي عن الملاعِن إذا تَمَّ اللِّعانُ بَينَهما من غَيرِ اعْتِبارِ تفريقِ الحاكم، فإنْ لم يَكُنْ ذَكَرَه في اللِّعان؛ لم يَنتَفِ عن الملاعِن، ولم يَنقَطِع التَّوارُثُ بَينَهما. وقال أبو بكرٍ: يَنتَفِي بزَوالِ الفراشِ؛ لأِنَّه ﵇ نَفَى الوَلَدَ عن المُلاعِنِ، وألْحَقَه بأُمِّه، ولم يَذكُرْه في لِعانه؛ لأِنَّه كان حَمْلاً في البطن. وفي «الرِّعاية»: إنْ قَذَفَها ولَاعَنَها في مرضِ موتِه؛ وَرِثَتْه. وقِيلَ: لا. وإنْ قَذَفَها في صحَّته، ولَاعَنَها في مَرضِ مَوتِه، وافْتَرَقا، فمات؛ فروايتانِ. وإنْ أكْذَبَ نفسَه؛ لم تَرِثْه. فإنْ نَفَى في لِعانِه وَلَدَها؛ انْقَطَعَ نَسَبُه عنه، ولم يتوارَثَا، فإنْ اسْتَلْحَقَه بعدُ؛ لَحِقَه وتوارَثَا. تنبيهٌ: إذا ادَّعَتْه امرأةٌ دُونَ زَوجِها، وأُلْحِقَ بها؛ فهو كَوَلَدِ المُلاعَنَةِ، وكذا

стр. 3890

لو ادَّعاهُ الزَّانِي، وقوة اللِّعان والزِّنى، وفروعهما ولداه، ولا يورثون بأخوة الأب على المذهب (١). (وَعَصَبَتُهُ) بَعْدَ ذُكورِ وَلَدِه وإنْ نَزَلَ؛ (عَصَبَةُ أُمِّهِ) في الإرْث، نَقَلَه الأثْرَمُ وحنبلٌ (٢)، ورُوِيَ عن عليٍّ (٣)، وابنِ عبَّاسٍ (٤)، وابنِ عُمَرَ (٥)، وقاله جَمْعٌ؛ لقَولِه ﵇: «ألْحِقُوا الفَرائضَ بأهْلِها» الخبرَ (٦)، وأَوْلَى الرِّجالِ به أقارِبُ أُمِّه،
следующие страницы →