← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النِّسَاء: ١١]. (وَحَالٌ لَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي، وَهِيَ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ، وَامْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ؛ لَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ)، وهاتانِ المسألَتانِ تُسَمَّى العُمَرِيَّتَيْنِ؛ لأِنَّ عمرَ ﵁ قضى بذلك (١)، ووافَقَه عُثْمانُ (٢)، وزَيدُ بنُ ثابِتٍ (٣)،

стр. 3887

وابنُ مسعودٍ (١)، ورُوِي عن عليٍّ (٢)، وقاله الحَسَنُ والثَّوْريُّ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: «لها ثُلثُ المال كلِّه فِيهِما» (٣)؛ لأِنَّ الله فَرَضَ لها الثُّلثَ عِنْدَ عَدَمِ الولد والإخوة، ويُرْوَى عن عليٍّ (٤)، قال أحمدُ: وهو ظاهِرُ القرآن (٥)، واختاره ابنُ اللَّبَّان، وقالَهُ ابنُ سُرَيجٍ في زَوجٍ وأبَوَينِ. وفَصَّل ابنُ سِيرِينَ، فقال كقول الجماعة في زَوجٍ وأبَوَينِ، وكقول ابنِ عبَّاسٍ

стр. 3888

في امرأةٍ وأبَوَينِ، وقاله أبو ثَورٍ؛ لأِنَّا لو فَرَضْنا لها ثُلُثَ المال في الأولى؛ لَفَضَّلْناها على الأب، وهو ممتَنِعٌ، وفي مسألة الزَّوجة لا يتأتَّى ذلك. قال المؤلِّفُ: (والحُجَّةُ مع ابنِ عبَّاسٍ لولا انْعِقادُ الإجماع من الصَّحابة على خلافه؛ لأِنَّ الفريضةَ إذا جَمَعَتْ أبَوَينِ وذا فَرْضٍ؛ كان للأمِّ ثلثُ الباقي، كما لو كان معهما بنتٌ، ويُخالِفُ الأبُ الجَدَّ؛ لأِنَّ الأبَ في دَرَجَتِها، والجَدُّ أعلى منها). ولأِنَّ مِيراثَهما هو ما سِوَى مِيراثِ الزَّوجَينِ، فلم يَجُزْ أنْ يُزادَ على ثلث ما وَرِثَه الأَبَوانِ، ولأِنَّ ما يأخُذُه أحدُ الزَّوجَينِ إنَّما يأخُذُه بالسَّبب، وما يُؤخَذُ بالسَّبَب؛ كالطَّارِئِ على التَّرِكةِ، فإذن: الباقِي بَعْدَه يكونُ بَينَ الأَبَوَينِ. فَعَلَى هذا: تكون المسألةُ الأولى من اثْنَينِ، وتَصِحُّ من ستَّةٍ، والثَّانيةُ تَصِحُّ من أربعةٍ، وإنَّما قالوا: لها (١) ثُلثُ الباقي، ولم يَقُولُوا: سُدُس المال في الأولى، ورُبعه في الثَّانية؛ مُحافَظةً على الأَدَب في مُوافَقَةِ القُرآن، وعبَّر به في «الوجيز» اعْتِبارًا بالحاصل. وما ذَهَب إلَيهِ ابنُ سِيرِينَ تَفْريقٌ في مَوضِعٍ أجْمَعَ الصَّحابةُ على التَّسْوِيَة فيه، ثُمَّ إنَّه مع الزَّوج يأخُذُ مِثْلَ ما أَخَذَتِ الأمُّ، كذلك مع المرأة قِياسًا عَلَيهِ. (وَحَالٌ رَابِعٌ، وَهِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا أَبٌ؛ لِكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًى)؛ لأِنَّه لا يُنسَبُ إلى الزَّانِي، (أَوْ مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ، فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ تَعْصِيبُهُ مِنْ جِهَةِ مَنْ نَفَاهُ) أيْ: إذا لَاعَنَ الرَّجُلُ امرأتَه، وانْتَفَى مِنْ وَلَدِها، وفرَّق الحاكِمُ بَينَهُما؛ انْتَفَى وَلَدُها عنه، وانْقَطَعَ تعصيبُه من جِهَة المُلاعِنِ، (فَلَمْ يَرِثْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِهِ، وَتَرِثُ أُمُّهُ وَذَوُو (٢) الْفُرُوضِ مِنْهُ فُرُوضَهُمْ)، ويَنقَطِعُ التَّوارُثُ بَينَ الزَّوجَينِ، لا

стр. 3889

نَعلَمُ فيه خِلافًا (١)، فإنْ مات أحدُهما قَبْلَ تمامِ اللِّعان؛ وَرِثَه الآخَرُ في قَول الجُمهور، فإنْ تَمَّ اللِّعانُ بَينَهما، فماتَ أحدُهما قَبْلَ تفريقِ الحاكِم؛ لم يتوارَثا في الأَشْهَر؛ لأِنَّ اللِّعانَ يقتَضِي التَّحريمَ المؤبَّدَ، فلم يُعتَبَر فيه التَّفريقُ؛ كالرَّضاع. والثَّانية: يَتَوارثانِ (٢)؛ لأِنَّه «﵊ فرَّق بَينَهما» (٣)، ولو حصل التَّفريقُ باللِّعان لم يَحتَجْ إلى تفريقه، لكِنْ لو فرَّق بَينَهما قَبْلَ تمامه؛ لم تَقَعِ الفُرْقةُ، ولم يَنقَطِع التَّوارُثُ في قَول الجماعة. وهذا في تَوارُث الزَّوجَينِ، فأمَّا الوَلَدُ؛ فالأصحُّ أنَّه يَنتَفِي عن الملاعِن إذا تَمَّ اللِّعانُ بَينَهما من غَيرِ اعْتِبارِ تفريقِ الحاكم، فإنْ لم يَكُنْ ذَكَرَه في اللِّعان؛ لم يَنتَفِ عن الملاعِن، ولم يَنقَطِع التَّوارُثُ بَينَهما. وقال أبو بكرٍ: يَنتَفِي بزَوالِ الفراشِ؛ لأِنَّه ﵇ نَفَى الوَلَدَ عن المُلاعِنِ، وألْحَقَه بأُمِّه، ولم يَذكُرْه في لِعانه؛ لأِنَّه كان حَمْلاً في البطن. وفي «الرِّعاية»: إنْ قَذَفَها ولَاعَنَها في مرضِ موتِه؛ وَرِثَتْه. وقِيلَ: لا. وإنْ قَذَفَها في صحَّته، ولَاعَنَها في مَرضِ مَوتِه، وافْتَرَقا، فمات؛ فروايتانِ. وإنْ أكْذَبَ نفسَه؛ لم تَرِثْه. فإنْ نَفَى في لِعانِه وَلَدَها؛ انْقَطَعَ نَسَبُه عنه، ولم يتوارَثَا، فإنْ اسْتَلْحَقَه بعدُ؛ لَحِقَه وتوارَثَا. تنبيهٌ: إذا ادَّعَتْه امرأةٌ دُونَ زَوجِها، وأُلْحِقَ بها؛ فهو كَوَلَدِ المُلاعَنَةِ، وكذا

стр. 3890

لو ادَّعاهُ الزَّانِي، وقوة اللِّعان والزِّنى، وفروعهما ولداه، ولا يورثون بأخوة الأب على المذهب (١). (وَعَصَبَتُهُ) بَعْدَ ذُكورِ وَلَدِه وإنْ نَزَلَ؛ (عَصَبَةُ أُمِّهِ) في الإرْث، نَقَلَه الأثْرَمُ وحنبلٌ (٢)، ورُوِيَ عن عليٍّ (٣)، وابنِ عبَّاسٍ (٤)، وابنِ عُمَرَ (٥)، وقاله جَمْعٌ؛ لقَولِه ﵇: «ألْحِقُوا الفَرائضَ بأهْلِها» الخبرَ (٦)، وأَوْلَى الرِّجالِ به أقارِبُ أُمِّه،

стр. 3891

ولو كانت عصَبةً كأبيه؛ لَحَجَبت الإخوةَ، ولأِنَّ مَولاها مَولَى أوْلادها، فيَجِبُ أنْ يكونَ (١) عَصَبَتُها عَصَبَتَه كالأب، فإنْ كانَتْ أُمُّه مولاةً (٢)؛ فما بَقِيَ فلِمَولاها، وإلاَّ جُعِلَ لبيت المال، ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ نحوُه (٣)، وقالَهُ جَمْعٌ من التَّابِعِينَ وأهلِ المدينة. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا هِيَ عَصَبَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ؛ فَعَصَبَتُهَا عَصَبَتُهُ)، نَقَلَها أبو الحارِثِ ومُهَنَّى (٤)، وهيَ قَول ابنِ مسعودٍ (٥)، اختارها أبو بَكْرٍ، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦)؛ لِمَا رَوَى عمرُو بن شُعَيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه مرفوعًا: «أنَّه جَعَلَ مِيراثَ ابنِ الملاعَنَةِ لأُمِّه، ولِوَرَثَتِها من بعدِها (٧)» رواهُ أبو داودَ، وعن واثلةَ بنِ الأسْقَعِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «تَحُوزُ المرأةُ ثلاثةَ موارِيث: عَتِيقَها، ولَقِيطَها، ومِيراثَ وَلَدِها التي لَاعَنَتْ عليه» رواهُ أبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ وقال: حسَنٌ غريبٌ (٨)، ولأِنَّها قامَتْ مَقامَ الأب في انْتِسابه إلَيها، فقامَتْ مَقامَه في حِيازةِ مِيراثِه، ولأِنَّهم عَصَباتٌ أدْلَوْا بها، فلم يَرِثُوا معها؛ كأقارِبِ الأب مَعَه.

стр. 3892

وعَنهُ: إنْ كان لهما ذُو فَرْضٍ؛ رُدَّ عَلَيهم، فإنْ عُدِمَ؛ فَعَصَبَتُها عَصَبتُه. فَعَلَى الأولى: يَرِثُ أخُوهُ لأُمِّه مع بِنْتِه، لا أُخْتُه، ويُعايَا بها. ولو خلَّف خالاً وخالةً، أوْ خالاً ومَولَى أمٍّ؛ فالمالُ للخال روايةً واحدةً. فإذا ماتَ عَتيقُ ابنِ الملاعِنَة عن الملاعِنَة وعَصَبَتها؛ فقِيلَ: المالُ لِعَصَبَتِها على الرِّوايات، والأصحُّ: أنَّه مَبْنِيٌّ على القَول بتَعْصيبِها. فإنْ لم يَترُك ابنُ الملاعِنةِ ذا سَهْمٍ؛ فالمالُ لِعَصَبةِ أُمِّه في قَولِ الجماعة، ونَقَلَ الخَلاَّلُ في «جامعه»: أنَّهم يَعقِلُونَ عنه. (فَإِذَا خَلَّفَ أُمًّا وَخَالاً؛ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)؛ لأِنَّه فَرْضُها، (وَبَاقِيهِ لِلْخَالِ)؛ أيْ: على الرِّواية الأُولَى؛ لأِنَّه عَصَبَتُها. (وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: الْكُلُّ لِلْأُمِّ)؛ لأِنَّها عَصَبَتُه. وعلى الثَّالِثة: تَستَوعِبُ (١) المالَ بالفَرْض والرَّدِّ، وهي قَولُ ابنِ مسعودٍ. ومذْهَبُ زَيدٍ: الباقِي لبَيتِ المال (٢).

стр. 3893

(فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَخٌ لِأُمٍّ؛ فَلَهُ السُّدُسُ)؛ لأِنَّه فَرْضُه، (وَالْبَاقِي لَهُ)؛ أيْ: للأخ من الأمِّ؛ لأِنَّه عَصَبتُها دُونَ الخالِ؛ لأِنَّه مَحْجُوبٌ، (أَوْ لِلْأُمِّ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ)، وهذا كلُّه بَعْدَ أخْذِ الأمِّ الثُّلثَ، والأخِ السُّدسَ؛ لأِنَّه لو لم يَكُنْ كذلك؛ لَمَا كان للأمِّ شَيءٌ على الرِّواية الأُولى، ولَيسَ كذلك وِفاقًا. فإنْ كان مَعَهُما مَولَى أُمٍّ؛ فلا شَيءَ له عِندَنا، وقال زَيدٌ ومُوَافِقُوهُ: له الباقِي. وإنْ لم يَكنْ لِأُمِّه عَصَبةٌ إلاَّ مَولاها، فالباقِي له إذا قُلْنا: عَصَبَتُها عَصَبَتُه، وعلى الأخرى: هو للأمِّ، وقالَهُ ابنُ مسعودٍ (١)؛ لأِنَّها عَصَبةُ ابْنِها. (وَإِذَا مَاتَ ابْنُ ابْنِ مُلَاعِنَةٍ، وخَلَّفَ أُمَّهُ وَجَدَّتَهُ)؛ أُمَّ أَبِيهِ الملاعِنَةَ؛ (فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)؛ لأِنَّه فَرْضُها (وَبَاقِيهِ لِلْجَدَّةِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ (٢)؛ لأِنَّها هي الملاعِنَةُ، فهي عَصَبتُه، فيكون لها الباقِي، (وَهَذِهِ جَدَّةٌ وَرِثَتْ مَعَ أُمٍّ أَكْثَرَ مِنْهَا)، فيُعايَا بها؛ لأِنَّها وَرِثَت الثُّلَثَينِ مع إرْثِ الأمِّ الثُّلث، فهو مِثْلَا نصيبِها؛ لأِنَّها عَصَبةٌ على روايةٍ، فيكونُ لها الباقي. وعلى الأخرى (٣): الكلُّ للأمِّ؛ الثُّلث بالفَرْض، والباقِي بالرَّدِّ، وهو قَولُ عليٍّ (٤). فإذا ماتَ ابنُ ابْنِ الملاعِنَةِ عن عمِّه وعمِّ أبيه؛ فالمالُ لِعَمِّه.

стр. 3894

وقال بعضُ العُلَماء: عمُّ الأب أَوْلى؛ لأِنَّه ابنُ الملاعِنَة. ورُدَّ: بأنَّ العَصَبات إنَّما يُعتَبَرُ أقْرَبُهم من الميت، لا من آبائه. فأمَّا وَلَدُ بنتِ الملاعِنَة؛ فلَيست الملاعِنَةُ عَصَبةً لهم في قَولِ الجميع. وإنْ مات ابنُ الملاعِنَة، وخلَّف ابنَه وإنْ نَزَلَ وأُمَّه؛ فَلأِمِّه السُّدسُ، والباقِي لِلاِبن على الرِّوايات كلِّها.

стр. 3895

(فَصْلٌ) (وَلِلْجَدَّاتِ السُّدُسُ، وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ)، وقد حَكاهُ ابنُ المنذِر إجْماعًا (١). وحَكَى غَيرُه روايةً شاذَّةً: أنَّها بمنزلة الأمِّ؛ لأِنَّها تُدْلِي بها فقامت مَقامَها عِنْدَ عَدَمها كالجَدِّ. وأُجِيبَ: بِما رَوَى قَبيصةُ بنُ ذُؤَيْبٍ قال: جاءت الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ تسألُه مِيراثَها فقال: «ما لَكِ في كتاب الله شَيءٌ، وما عَلِمْتُ لكِ في سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ شَيئًا، فارْجِعِي حتَّى أسألَ النَّاسَ»، فسأل النَّاسَ، فقال المغيرةُ ابنُ شُعْبةَ: «حَضَرْتُ رسولَ الله ﷺ ، وأعطاها السُّدُسَ»، فقال: «هل معك غَيرُك؟» فقام محمَّدُ بن مَسْلَمَةَ الأنصاريُّ، فشَهِدَ مِثْلَه فأنْفَذَه لها، ثُمَّ جاءت الثَّانيةُ إلى عمرَ بن الخَطَّاب، فسأَلَتْه (٢) مِيراثَها، فقال: «ما لَكِ في كتاب الله شَيءٌ، لكِنْ هو ذاك السُّدسُ، فإذا اجْتَمَعْتُما فهو بَينَكما، وأيُّكما خَلَتْ به فهو لها» رواهُ الخمسةُ إلاَّ النَّسائيَّ، وصحَّحه التِّرمذِيُّ (٣).

стр. 3896

وعُلِمَ منه: أنَّهنَّ لا يُزَدْنَ على السُّدس فَرْضًا؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ: ثَنَا هُشَيمٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسِمِ بنِ محمَّدٍ، قال: «جاءت الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ، فأعْطَى أمَّ الأمِّ دُونَ الأب، فقال له عبدُ الرَّحْمنِ بنُ سَهْلٍ - وكان شَهِدَ بَدْرًا - يا خليفةَ رسولِ الله أعْطَيتَ التي إنْ ماتَتْ لم يَرِثْها (١)، ومَنَعْتَ التي لو ماتَتْ وَرِثَها! فَجَعَلَ أبو بكرٍ السُّدسَ بَينَهما» (٢)، وهذا إجماعٌ (٣). وشَرْطُه: (إِذَا تَحَاذَيْنَ)؛ لأِنَّه إذا كان بَعضُهنَّ أقْرَبَ كان الميراثُ لها، ولا خَلافَ في تَورِيثِ جَدَّتَينِ: أمِّ الأمِّ، وأمِّ الأب، وكذا إنْ عَلَتَا، وكانَتَا في القُرْب سَواءً، كأمِّ أمِّ أمٍّ، وأُمِّ أمِّ أبٍ (٤). (فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُنَّ أَقْرَبَ مِنْ بَعْضٍ؛ فَالْمِيرَاثُ لِأَقْرَبِهِنَّ)، سَواءٌ كانا من جِهَةٍ واحدةٍ، فهو للقُرْبَى إجْماعًا (٥)، وكذا إنْ كانا مِنْ جِهَتَينِ، والقُرْبَى من جِهَةِ الأمِّ؛ فبالاِتِّفاق أنَّ الميراثَ لها دُونَ البُعْدَى (٦)؛ إذِ الأقْرَبُ يَحجُبُ الأبْعَدَ؛ كالآباء والأبْناء. وظاهِرُه: أنَّ القُرْبَى من جِهَةِ الأب تَحجُبُ البُعْدَى من جِهةِ الأمِّ، وهو أشْهَرُ الرِّوايَتَينِ، ونَصَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح» وغَيرهما، وهو قَولُ أهلِ العراق.

стр. 3897

(وَعَنْهُ: أَنَّ الْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ لَا تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ)، بل تُشارِكُها، وبِه قَطَعَ القاضي في «جامِعه»، وصحَّحه ابنُ عَقِيلٍ، وهي المنصوصةُ (١)، حتَّى إنَّ القاضِيَ في الرِّوايَتَينِ لم يَحكِ الأُولى إلاَّ عن الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ الأبَ الَّتي تُدْلِي به الجَدَّةُ لا يَحجُبُ (٢) الجَدَّةَ مِنْ قِبَلِ الأمِّ، فالتي تُدْلِي به أَوْلَى ألاَّ يَحجُبَها (٣)، وبهذا فارَقَت القُرْبَى من قِبَلِ الأمِّ، فإنَّها تُدْلِي بالأمِّ، وهي تَحجُبُ جَميعَ الجَدَّات. وأُجِيبَ: بأنَّ قَولَهم: الأبُ لا يُسقِطها، قلنا: لأِنَّهنَّ لا يَرِثْنَ مِيراثَه، وإنَّما يَرِثْنَ مِيراثَ الأمَّهات؛ لكَونِهنَّ أُمَّهاتٍ، ولذلك أسْقَطَتْهُنَّ الأمُّ. أُمُّ أمٍّ، أم أمِّ أبٍ: الميراث للأولى بلا نزاعٍ. أمُّ أبٍ، وأمُّ أمِّ أمٍّ: الميراثُ للأولى على الأولى، وعلى الثَّانية: هو مُشْتَرِكٌ بَينَهما. (وَلَا يَرِثُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ جَدَّاتٍ)، قالَهُ أحمدُ (٤)، من غَيرِ زيادةٍ، رُوِيَ عن عليٍّ (٥)، وابن مسعودٍ (٦)،

стр. 3898

وزَيدٍ (١)؛ لِمَا رَوَى سَعيدٌ، عن سُفْيانَ بنِ عُيَيْنةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ورَّث ثلاثَ جَدَّاتٍ: ثِنْتَينِ من قِبَلِ الأبِ، وواحدةً من قبلِ الأمِّ»، وأخْرَجَهُ أبُو عُبيدٍ والدَّارقُطْنِيُّ (٢). وأشار إليهم المؤلِّفُ بقَوله: (أُمُّ الْأُمِّ، وَأُمُّ الْأَبِ، وَأُمُّ الْجَدِّ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِهِنَّ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ)، يُؤيِّدُه ما رَوَى سعيدٌ بإسْنادِه عن إبراهيمَ، قال: «كانوا يُوَرِّثُونِ من الجَدَّات ثلاثًا: ثِنْتَينِ مِنْ قِبَلِ الأبِ، وواحدةً مِنْ قِبَلِ الأمِّ» (٣). وقال جماعةٌ من العلماء: لا يَرِثُ أكثرُ من جَدَّتَينِ، وحكاهُ الزُّهْرِيُّ عن العلماء.

стр. 3899

وعن ابنِ عبَّاسٍ (١): أنَّه وَرَّثَ الجَدَّاتِ وإنْ كَثُرْنَ، إذا كُنَّ في درجةٍ واحدةٍ، إلاَّ مَنْ أَدْلَتْ بِأَبٍ غَيرِ وارِثٍ كأمِّ أبِي الأمِّ، قال ابنُ سُراقَةَ: وبهذا قال عامَّةُ الصَّحابة (٢)، وهو روايةُ المزَنِيِّ عن الشَّافِعِيِّ (٣)، ويَحتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ. فَعَلَى ما ذَكَرَه المؤلِّفُ: يَرِثْنَ، وإنْ عَلَوْنَ أُمومةً، وقِيلَ: وأُبُوَّةً. (فَأَمَّا أُمُّ أَبِي الْأُمِّ، وَأُمُّ أَبِي الْجَدِّ؛ فَلَا مِيرَاثَ لَهُمَا)، وكذا كلُّ جَدَّةٍ تُدْلِي بغَيرِ وارِثٍ، وهذا إجْماعٌ (٤)، إلاَّ ما حُكِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ (٥)، وجابِرِ بنِ زَيدٍ، ومُجاهِدٍ، وابنْ سِيرِينَ، فإنَّهم قالوا: تَرِثُ (٦)، وهو قَولٌ شاذٌّ؛ لأِنَّها تُدْلِي بغَيرِ وارِثٍ، فلم تَرِثْ؛ كالأجانب، ولأِنَّهما مِنْ ذَوِي الأرحام. والمرادُ: نَفْيُ مِيراث الجَدَّةِ المسْتَحِقَّةِ بنَفْسِها، لا بِسَبَبٍ آخَرَ. (وَالْجَدَّاتُ الْمُتَحَاذِيَاتُ)؛ أيْ: المتساوِياتُ في الدَّرَجة بحَيثُ لا تكونُ واحدةٌ أعْلَى من الأخرى، ولا أنْزَلَ منها؛ لأِنَّ الجَدَّاتِ إنَّما يَرِثْنَ كلُّهُنَّ إذا كُنَّ في درجةٍ واحدةٍ، فمتى كان بعضُهُنَّ أقربَ؛ كان الميراثُ لها.

стр. 3900

ثُمَّ مَثَّلَ المتَحاذِياتِ: (أُمُّ أُمِّ أُمٍّ، وَأُمُّ أُمِّ أَبٍ، وَأُمُّ أَبِي أَبٍ)، فهم مُتَساوُونَ في الدَّرجة، وهو مُتَصوَّرٌ (١) في الثَّلاث، وأمَّا في الأربع؛ فأمُّ أمِّ أُمِّ أُمٍّ، وأُمُّ أُمِّ أُمِّ أَبٍ، وأُمُّ أُمِّ أَبِي أَبٍ، وأُمُّ أَبِي أَبِي أبٍ، وفي الخامسة خَمْسًا، وفي السَّادِسة ستًّا، فإذا أردتَ تنزيلَ الجَدَّاتِ الوارِثاتِ وغَيرِهِنَّ؛ فاعْلَمْ أنَّ للميت في الدَّرجة الأولى جَدَّتَينِ: أمّ أمِّه، وأم أبيه، وفي الثَّانية أربعٌ؛ لأِنَّ لكلِّ واحِدٍ من أبَوَيهِ جَدَّتَينِ، فهما أربعٌ بالنِّسبة إلَيهِ، وفي الثَّالثة ثَمانٌ؛ لأِنَّ لكلِّ واحِدٍ من أبَوَيهٍ أربعًا على هذا الوجْهِ، ويكون لوالدهما (٢) ثمانٌ، وعلى هذا؛ كلَّما عَلَوْنَ تضاعَفَ عَدَدُهنَّ، وهذا ظاهِرُ الخِرَقِيِّ مع أنَّ قَولَه: وإنْ كَثُرْنَ يَحتَمِلُ أنْ (٣) لا يَزيدَ فَرضُهنَّ على السُّدس. (وَتَرِثُ الْجَدَّةُ وَابْنُهَا حَيٌّ)، في ظاهر المذْهَبِ، وهو قَولُ عُمَرَ (٤)، وابنِ مسعودٍ (٥)، وأبِي موسى (٦)،

стр. 3901

وعمرانَ بنِ حُصَينٍ (١)؛ لِمَا رَوَى ابنُ مسعودٍ، قال: «أوَّلُ جدَّةٍ أطْعَمَها رسولُ الله ﷺ السُّدسَ أمُّ أبٍ مع ابنها، وابنُها حيٌّ» رواه سعيدٌ والتِّرمذيُّ (٢)، ولأِنَّ الجَدَّاتِ أُمَّهاتٌ يَرِثْنَ مِيراثَ الأمِّ لا مِيراث الأب، فلا يُحْجَبْنَ (٣) به؛ كأمَّهات الأمِّ. (وَعَنْهُ: لَا تَرِثُ)، بل هي محجوبةٌ بابْنِها، وهي قَولُ زَيدٍ (٤)؛ لأِنَّها تُدْلِي به، فلا تَرِثُ معه؛ كالجَدِّ مع الأب، وأمِّ الأمِّ مع الأمِّ.

стр. 3902

وهذا الخِلافُ فيما إذا كانت أمُّ الأب أو الجَدِّ، أمَّا لو كان ابنُها عمًّا للميت، أو عمَّ أبٍ؛ فلا خِلافَ في تَورِيثِها، قالَهُ ابنُ عَقِيلٍ، وتَبِعَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّها لا تُدْلِي به. مسائلُ: أمُّ أبٍ وأبٌ؛ لها السُّدس على الأُولى، والباقي له، وعلى الثَّانية الكُلُّ له. أمُّ أبٍ، وأمُّ أمٍّ، وأبٌ؛ فَعَلَى الأُولى: السُّدسُ بَينَهما، وعلى الثَّانية: هو لأِمِّ الأمِّ، وقِيلَ: نصفُه مُعادَّةً، والباقِي له. أمُّ أبٍ، وأمُّ أمِّ أمٍّ، وأبٌ؛ السُّدس لأِمِّ الأب، ومَنْ حَجَب الجَدَّةَ بابْنِها أسْقَطَ أمَّ الأب، ثُمَّ اخْتَلَفَ القائلون بذلك، فقيل: السُّدس كلُّه لأِمِّ أمِّ الأمِّ؛ لأِنَّ التي كانت تَحجُبُها أوْ تُزاحِمُها قد سَقَطَ حُكْمُها، فصارت كالمعدَمة، وقِيلَ: بل لها نصفُ السُّدس، وقِيلَ: لا شَيءَ لها؛ لأِنَّها انْحَجَبَتْ بأمِّ الأب، ثُمَّ انْحَجَبَتْ أمُّ الأب بالأب، فصار المالُ كلُّه للأب. (وَإِذَا اجْتَمَعَتْ جَدَّةٌ ذَاتُ قَرَابَتَيْنِ)؛ كما لو تزوَّجَ ابنُ ابنِ المرأة بِنتَ بِنْتِها، فيُولَدُ لهما وَلَدٌ، فتكونُ المرأةُ أمَّ أبٍ وأمَّ أبِي أَبِيهِ، (مَعَ أُخْرَى؛ فَلَهَا)؛ أيْ: فَلِذَاتِ القَرَابَتَينِ؛ (ثُلُثَا السُّدُسِ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ)، أيْ: قَولِ أحمدَ، (وَلِلْأُخْرَى ثُلُثُهُ)، كذلك قالَهُ أبو الحَسَنِ التَّميميُّ، وأبو عبد الله الوَنِّي (١)، فيَحْتَمِلُ أنَّهما أَخَذَا ذلك من قوله في المجوس: أنَّهم يَرِثُون بجميع قراباتهم، ويَحتَمِلُ أنَّهما أرادا بذلك قِياسَه على قَوله في ابنِ العَمِّ

стр. 3903

إذا كان زَوجًا أوْ أخًا لِأُمٍّ؛ لأِنَّها شَخْصٌ ذَاتُ قَرابَتَينِ، تَرِثُ بكلٍّ منهما منفرِدةً، فَوَجَبَ أنْ تَرِثَ (١) بهما عند الاِجْتِماع. وَقَالَ بعضُ العلماء: السُّدسُ بَينَهما نصفانِ؛ لأِنَّ القرابتَينِ إذا كانتا من جهةٍ واحدةٍ؛ لم تَرِثْ بهما جميعًا؛ كالأخ من الأب والأمِّ. وجَوابُه: الفَرْقُ، فإنَّ الأخَ من الأبَوَينِ تَرجَّحَ بقرابَتَيهِ على الأخ من الأبِ. وعَنْهُ: بأقْواهُما. فلو تزوَّج بنتَ عمَّتِه؛ فجَدَّتُه أمُّ أمِّ أمِّ وَلَدِهما، وأمُّ أبِي أبيهِ، وبنتَ خالته فجَدَّتُه أمُّ أمِّ أمٍّ، وأمُّ أمِّ أبٍ. فإنْ أدْلَت الجَدَّةُ بثَلاثِ جِهاتٍ تَرِثُ بها؛ لم يُمْكِنْ أنْ تُجمَعَ (٢) معها جَدَّةٌ أخرى وارِثَةٌ عِنْدَ مَنْ لا يُوَرِّثُ أكثرَ من ثلاث.

стр. 3904

(فَصْلٌ) (وَلِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ) من الصُّلْب (النِّصْفُ)، بغَير خِلافٍ (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النِّسَاء: ١١]، وقضاؤه ﵇ (٢). (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا؛ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النِّسَاء: ١١]، وهو إجماعٌ (٣)، إلاَّ روايةً شذَّت عن ابن عبَّاسٍ أنَّ الابنتين (٤) فَرضُهما النِّصفُ (٥)؛ أخذًا بالمفهوم، والآيةُ ظاهِرَةُ الدَّلالة على ما زاد على اثنتَينِ، ووجْهُ دَلالَتها عَلَيهما: أنَّ الآيةَ وَرَدَتْ على سببٍ خاصٍّ، وهو ما رواه جابر، قال: جاءت امرأةُ سعدِ بن الرَّبيع بابنَتَيْها إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: هاتان ابْنَتَا سعدٍ، قُتِلَ أبوهما معك يوم أُحُدٍ، وابنُ عمِّهما أخَذَ مالَهما، فلم يَدَعْ لهما شَيئًا من مالٍ، قال: «يَقْضِي الله في ذلك»، فنَزلتْ آيةُ المواريث، فدعا النَّبيُّ ﷺ ابنَ عَمِّهما، فقال: «أعْطِ ابْنَتَيْ سعدٍ الثُّلُثَينِ، وأعْطِ أُمَّهما الثُّمنَ، وما بَقِيَ فهو لك» رواه أبو داودَ، وصحَّحه التِّرمذِيُّ والحاكِمُ (٦)، ووقع في «المغْنِي»، و «الشَّرح» أنَّه

стр. 3905

قال: «لأِخِي سعدٍ»، فدلَّت الآيةُ على فَرْضِ ما زاد على الاِثْنَتينِ، ودلَّت السُّنَّةُ على فَرضِ الاِثنتَينِ، فهذا من السُّنَّة بيانٌ ونسخٌ لِمَا كان عليه أمرُ الجاهليَّة من تَوريثِ الذُّكور دُونَ الإناث. و في الآية الكريمة، ادُّعِيَ زيادتُها؛ كقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]؛ أي: اضْرِبوا الأعناقَ. وردَّه ابنُ عطيَّة (١) وجماعةٌ؛ إذ الأسماء لا تَجوزُ زيادتُها لغير (٢) مَعْنًى، وفي قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] غَيرُ زائدةٍ؛ لأِنَّ الضَّرْبَ يكونُ في أعلى العُنُق في المفْصِل. وقِيلَ: المعْنَى: اثْنَتَينِ فما فَوقُ. ولأِنَّ (٣) الأخَواتِ أضعفُ من البنات، وقد جعل للأختَينِ الثُّلثَينِ نصًّا مع بُعْدِ الدَّرجة، فللبنتَينِ الثُّلثانِ مع قُرْب الدَّرجة من باب أَوْلى. واختُلِف فيما ثبت به فرضُ الابنتين، فقيل: بالقرآن؛ لأِنَّه تعالى ذَكَرَ حُكمَ البنت وحكمَ الثَّلاث بناتٍ دونَ حكمِ البنتَينِ (٤)، وذَكَرَ حكْمَ الأخت والأختَين دُونَ ما زاد، فوجب حملُ كلٍّ من الآيتَينِ على الأخرى؛ لِظُهورِ المعْنَى. ورُدَّ: بأنَّ ذلك لا يُخرِجُه عن القياس.

стр. 3906

وقيل: بالسُّنَّة، وقيل: بالتَّنبيه، وقِيلَ: بالإجماع، وقيل: بالقياس. وما رُوِي عن ابن عبَّاسٍ رجَّحه ابنُ حَزْمٍ في بعض كُتبه، لكِنْ قال الشَّريف الأرْمَوِيُّ (١): صحَّ عن ابن عبَّاسٍ رجوعُه عن ذلك (٢)، وصار إجماعًا؛ إذ الإجماعُ بَعْدَ الاِختلاف حجة. وممَّا يؤكِّدُ أنَّ للبنتَينِ الثُّلثَينِ: أنَّ الله تعالى قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّسَاء: ١١]، وهو لو كان مع واحدةٍ؛ كان حظُّها الثُّلث، فأَوْلَى وأحرى أن يَجِبَ لها مع أختها. (وَبَنَاتُ الاِبْنِ بِمَنْزِلَةِ الْبَنَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَنَاتٌ)، بالإجماع (٣)؛ لأِنَّ بنتَ الاِبن بنتُه، كما أنَّ ابنَ الابن ابنُه، ولدخوله في النُّصوص، سواءٌ كانت بناتُ الابن من أبٍ واحدٍ أو آباءٍ، فإنَّهن يشترِكْنَ في الثُّلثَينِ، وكان ينبغي أنْ يقولَ: إذا لم يكُنْ بنتانِ؛ لأِنَّ بناتِ الاِبن لا يَرِثْنَ (٤) مع البنتَينِ شَيئًا. (فَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَبَنَاتُ ابْنٍ؛ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِبَنَاتِ الاِبْنِ - وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ)، بالإجْماع (٥)، واخْتصَّت البنتُ بالنِّصف؛ لأِنَّه مَفْروضٌ لها، والاِسْمُ يَتَناوَلُها حقيقةً، فبَقِيَ السُّدسُ لِبَنات الاِبْنِ تَمامَ الثُّلثَينِ. وعن هُزَيلِ بنِ شُرَحْبِيلَ، قال: سُئِل أبو موسى عن ابْنةٍ وابْنةِ ابنٍ وأُخْتٍ،

стр. 3907

فقال: «للبنت النِّصفُ، وللأخت النِّصفُ، وائْتِ ابنَ مسعودٍ فسَيُتابِعُني (١)»، فسُئلَ ابنُ مسعودٍ، وأُخبِرَ بقَولِ أبي موسى، فقال: «لقد ضَلَلْتُ إذَنْ، وما أنا من المهتَدين، أقْضِي فيها بما قَضَى رسولُ الله ﷺ : لِلاِبْنة النِّصفُ، ولاِبْنة الابنِ السُّدسُ تَكْملةَ الثُّلثَينِ، وما بَقِيَ فلِلأْخت»، فأتَينا أبا موسى، فأخْبَرْناهُ بقَولِ ابنِ مسعودٍ، فقال: «لا تَسألونِي ما دام هذا الحَبْرُ فِيكُمْ» رواه البخاريُّ (٢). (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ)؛ أيْ: مع بَناتِ الاِبْن (ذَكَرٌ) في دَرَجَتِهنَّ؛ (فَيُعَصِّبُهُنَّ فِيمَا بَقِيَ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، في قَولِ جمهورِ الفقهاء (٣) من الصَّحابة ومَنْ بَعدَهم؛ لقَوله تعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١١]. وانْفَرَدَ ابنُ مسعودٍ، فقال: «لِبَنات الاِبْن الأَضَرُّ بِهنَّ من المقاسَمَة أو السُّدسِ» (٤)، وذلك مَبْنِيٌّ على أصْله، وهو أنَّ بنتَ الاِبن لا يُعصِّبُها أخوها إذا اسْتَكْملَ البناتُ الثُّلثَينِ، وقد ناقَضَ في المقاسَمةِ إذا كان أضرَّ بهِنَّ، وكان (٥) يَنبَغِي أنْ يُعطِيَهُنَّ السُّدسَ على كلِّ حالٍ. (وَإِنِ اسْتَكْمَلَ الْبَنَاتُ الثُّلَثَيْنِ؛ سَقَطَ بَنَاتُ الاِبْنِ)، بالإجْماع (٦)؛ لأِنَّه

стр. 3908

تعالَى لم يَفرِضْ للأوْلاد إذا كانوا نساءً إلاَّ الثُّلثَينِ، قليلاتٍ كُنَّ أوْ كَثِيراتٍ، وهؤلاءِ لم يَخرُجْنَ عن كونِهِنَّ نساءً من الأولاد، وقد ذَهَبَ الثُّلثانِ، والمشارَكةُ مُمْتَنِعةٌ؛ لأِنَّهنَّ دُونَ (١) درجتِهِنَّ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ)؛ كأخِيهِنَّ أو ابْنِ عَمِّهِنَّ، (أَوْ أَنْزَلَ مِنْهُنَّ)؛ كابنِ أخيهنَّ، أو ابنِ عمِّهنَّ، أو ابنِ ابنِ عمِّهنَّ؛ (فَيُعَصِّبُهُنَّ فِيمَا بَقِيَ)، للذَّكَر مثلُ حظِّ الأنثَيَينِ، هذا قولُ عليٍّ، وزَيدٍ، وسائرِ الفقهاء غيرِ ابنِ مسعودٍ ومَنْ وافَقَه (٢)، فإنَّه خالَفَ الصَّحابةَ في سِتِّ مسائلَ هذه إحداهُنَّ، فَجَعَلَ الباقِيَ للذَّكر دُونَ أخواتِه، وقاله أبو ثَورٍ؛ لأِنَّ النِّساءَ لا يَرِثْنَ أكثرَ من الثُّلثَينِ، بدليلِ ما لو انْفَرَدْنَ. وجوابُه: بأنَّه قد دَخَلْنَ في عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١١]، بدليلِ تَناوُلِ اللَّفظ لهنَّ لو لم يكُنْ بناتٌ، وعَدَمُ البنات لا يُوجِبُ لهنَّ هذا الاسمَ، ولأِنَّ كلَّ ذَكَرٍ وأُنْثى يَقتَسِمون المالَ إذا لم يَكُنْ معهم ذُو فَرْضٍ؛ يَجِبُ أنْ يَقتَسِما الفاضِلَ عنه؛ كأوْلاد الصُّلْب، والإخوةِ مع الأخوات.

стр. 3909

(فَصْلٌ) (وَفَرْضُ الْأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مِثْلُ فَرْضِ الْبَنَاتِ سَوَاءً)، إجْماعًا (١)؛ لقَوله تعالَى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النِّسَاء: ١٧٦]، وهذا ممَّا لا خِلافَ فيه. (وَالْأَخَوَاتُ مِنَ الْأَبِ مَعَهُنَّ كَبَنَاتِ الاِبْنِ مَعَ الْبَنَاتِ (٢) سَوَاءً)، فأُخْتٌ لأِبَوَينِ لها النِّصفُ، وأخْتٌ أو أخواتٌ من أبٍ لهنَّ السُّدسُ تكملة الثُّلثَينِ، فإن اسْتَكْمَل الأخواتُ لِأَبَوَينِ (٣) الثُّلثَينِ؛ سَقَطَ الأخواتُ من الأب؛ لأِنَّه لم يَبقَ من فَرْضِ الأخوات شَيءٌ. (إِلاَّ أَنَّهُ لَا يُعَصِّبُهُنَّ إِلاَّ أَخُوهُنَّ)، للذَّكر مِثْلُ حظِّ الأنثَيَينِ، خِلافًا لاِبْنِ مَسعودٍ وأتْباعِه (٤)، فقال: إذا اسْتَكْمَلَ الأخواتُ من الأبَوَينِ الثُّلثَينِ فالباقي للذُّكور من وَلَدِ الأب دُونَ الإناث، وجعل لهنَّ الأضرَّ بهنَّ من المقاسَمَة أو السُّدسِ، والباقي للذُّكور، كما فَعَلَ في وَلَدِ الابن مع البنات، وهنا لا يُعَصِّبُها إلاَّ أخوها. فلو اسْتَكْمَلَ الأخواتُ من الأبَوَينِ الثُّلثَينِ، وثَمَّ أخواتٌ لأِبٍ وابنُ أخٍ لهنَّ؛ لم يكن للأخوات شَيءٌ، وكان الباقي لاِبنِ الأخ، بخِلافِ ما سَبَقَ، فإنَّ (٥) ابنَ الاِبنِ ابْنٌ وإنْ نَزَلَ، وابْنُ الأخ لَيسَ بأخٍ.

стр. 3910

(وَالْأَخَوَاتُ) من الأبَوَينِ أو الأب (مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ (١)، يَرِثْنَ مَا فَضَلَ كَالْإِخْوَةِ) في قَولِ عامَّة الفقهاء. وقال ابنُ عبَّاسٍ: «لا شَيءَ للأخوات»، وقال في بنتٍ وأخْتٍ: «للبنت النِّصفُ، ولا شَيءَ للأخت»، فقِيلَ له: إنَّ عمرَ ﵁ قَضَى بخِلافِ ذلك، فقال ابنُ عبَّاسٍ: «أنتم أعْلَمُ أم الله؟» (٢) يُرِيدُ قَولَه تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النِّسَاء: ١٧٦] فَجَعَلَ لها النِّصفَ مع عَدَمِ الوَلَدِ. وهذا لا يَدُلُّ على ما ذَهَبَ إلَيهِ، بل يَدُلُّ على أنَّ الأختَ لا يُفرَضُ لها النِّصفُ مع الولد، ونَحنُ نَقولُ به، وإنَّما تأخُذُه (٣) بالتَّعصيب، كالأخ. (وَلَيْسَتْ لَهُنَّ مَعَهُنَّ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ)، وقد وافَقَ ابنُ عبَّاسٍ على ثُبوتِ مِيراث الأخ مع الولد (٤)، مع قوله تعالَى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: ١٧٦] وعلى قِياسِ قَولِه: يَنبَغِي أنْ يَسقُطَ الأخُ؛ لاِشْتِراطِه في تَورِيثِها منها عَدَم الولد، وهو خِلافُ الإجْماع، والمبَيِّنُ لكلام الله تعالى رسولُه ﷺ ، وقد جَعَلَ للأخت مع البنت، وبنت الابن الباقِي عن فَرضِهِما، وهو الثُّلث (٥).

стр. 3911

(فَصْلٌ) (وَلِلْوَاحِدِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ السُّدُسُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى)، بغَيرِ خِلافٍ (١)؛ لقَوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النِّسَاء: ١٢]، والمرادُ به وَلَدُ الأمِّ بالإجماع (٢)، وفي قراءةِ عبدِ الله وسَعْدٍ: (وله أخٌ أو أُخْتٌ من أمٍّ) (٣). (فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ (٤) فَصَاعِدًا؛ فَلَهُمُ الثُّلُثُ)؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، (بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ) [النِّسَاء: ١٢]، إذ الشَّرِكة من غَيرِ تفصيلٍ تَقتَضِي التَّسويةَ بَينَهم؛ كما لو وصَّى أو أقرَّ لهم، ولا نَعلَمُ فيه خلافًا (٥) إلاَّ روايةً شَذَّتْ عن ابن عبَّاسٍ (٦): أنَّه فَضَّلَ الذَّكَر على الأنثى؛ لقوله تعالى: الآيةَ ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً﴾ [النِّسَاء: ١٧٦].

стр. 3912

وجَوابُه: أنَّ المرادَ بها: وَلَدُ الأبَوَينِ، أو الأبِ، قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: وهذا مُجمَعٌ عَلَيهِ، ولا عِبرةَ بقولٍ شاذٍّ. تنبيهٌ: الكَلالةُ اسمٌ للورثة ما عدا الوالِدِينَ والمولُودِينَ، نَصَّ عليه (١)، رُوِيَ عن الصَّدِّيق (٢)، وقالَهُ زَيدٌ (٣)، وابنُ عبَّاسٍ (٤)، وجابِرُ بنُ زَيدٍ، وأهلُ المدينة والبصرة والكُوفَة، واحتجُّوا بقَولِ الفَرَزْدَق في بَنِي أُمَيَّةَ (٥): وَرِثْتُم قَناةَ (٦) المجْدِ لا عن كَلالةٍ … عن ابْنَيْ مَنافٍ عبدِ شَمْسٍ وهاشِمِ واشْتِقاقُه من الإكليل الذي يُحِيطُ بالرَّأْس، ولا يَعْلُو عليه، فكأنَّ الوَرَثَةَ ما عدا الوالدَ والولدَ قد أحاطوا بالميت مِنْ حَولِه، لا مِنْ طَرَفِه؛ أعْلاهُ وأسْفَله، كإحاطةِ الإكْلِيلِ بالرَّأس، فأمَّا الولدُ والوالِدُ، فهُما طَرَفَا الرَّجُل، فإذا ذَهَبا كان بقيَّةُ النَّسَب كَلالةً. وقالَتْ طائفةُ: الكلالةُ: الميتُ نفسُه الَّذي لا وَلَدَ له ولا والِدَ.

стр. 3913

وقِيلَ: الكلالةُ قرابةُ الأمِّ، وَرُوِيَ عن الزُّهريِّ أنَّه قال: الميت الَّذي لا وَلَدَ له ولا وَالِدَ كَلالةٌ، ويُسَمَّى وارِثُه كلالةً. ولا خِلافَ أنَّ اسْمَ الكلالة يَقعُ على الإخوة من الجهات كلِّها (١).

стр. 3914

(فَصْلٌ فِي الْحَجْبِ) الحَجْبُ: مأْخُوذٌ من الحِجاب، وهو المنْعُ من الميراث بِوُجودِ وارِثٍ أقْرَبَ منه، يَمْنَعُه من كلِّ الميراث أو بعضِه، ومنه سُمِّيَ حاجِبُ السُّلْطان؛ لأِنَّه يَمنَعُ مَنْ أراد الدُّخولَ إلَيهِ. وهو ضَرْبانِ: حَجْبُ نُقْصانٍ: كحَجْبِ الزَّوج من النِّصف إلى الرُّبع بالوَلَدِ، والزَّوجةِ من الرُّبع إلى الثُّمن به، والأمِّ من الثُّلُث إلى السُّدس. وحَجْبُ حِرْمانٍ: وهو أنْ يُسقِطَ الشَّخْصُ غَيرَه بالكُلِّيَّة، وهو المرادُ هنا. (يَسْقُطُ الْجَدُّ بِالْأَبِ)، حكاهُ ابنُ المنذِر إجْماعَ الصَّحابة ومَنْ بَعْدَهم (١)؛ لأِنَّه يُدْلِي به، ومن أدْلَى بشَخصٍ لا يَرِثُ مع وجوده، إلاَّ وَلَدَ الأمِّ، (وكلُّ جَدٍّ) يَسقُطُ (بِمَنْ (٢) هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ)؛ لأِنَّه يُدْلِي به، فهو كإسْقاطِ الجَدِّ بالأبِ. (وَالْجَدَّاتُ بِالْأُمِّ)، سَواءٌ كُنَّ من جهةِ الأب أو الأمِّ، بلا خِلافٍ، حكاهُ ابنُ المنذِر والماوَرْدِيُّ (٣)؛ لأِنَّ الجَدَّاتِ يَرِثْنَ بالوِلادة، فكانت الأمُّ أَوْلَى منهنَّ؛ لمباشَرَتها الوِلادةَ. (وَوَلَدُ الاِبْنِ بِالاِبْنِ)، بالإجْماع (٤)؛ لِقُربِه؛ لأِنَّه إنْ كان أبًا (٥)؛ فهو يُدْلِي به، فسَقَطَ به كما يُسقِطُ الأبُ الجَدَّ، وإنْ كان عمَّه؛ فهو أقْرَبُ منه، فيَسقُط به؛ لقَوله ﵇: «ألْحِقُوا … » الخبرَ (٦).

стр. 3915

(وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ بِثَلَاثَةٍ: بِالاِبْنِ، وَابْنِهِ، وَالْأَبِ)، حكاهُ ابنُ المنذِرِ إجْماعًا (١)؛ لأِنَّ الله تعالى جعل إرْثَهم في الكَلالة، وهي اسْمٌ لِمَا عدا الولدَ والوالد. (وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ)؛ لأِنَّهم إذا حَجَبُوا الشَّقيقَ؛ فهو أَوْلى، (وَبِالْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ)؛ لقُوَّته بزيادة القُرْب، وعن عليٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضَى بالدَّين قَبْلَ الوصيَّة، وأنَّ أعْيانَ بَنِي الأمِّ يَتَوارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلاَّتِ، يَرِثُ الرَّجُلُ أخاهُ لأِبِيهِ وأُمِّه، دُونَ أخِيهِ لأِبِيهِ» رواهُ أحمدُ والتِّرْمذِيُّ، من روايةِ الحارثِ عن عليٍّ (٢). وعن أحمدَ: يَسقُطُ وَلَدُ الأبَوَينِ والأبِ بِجَدٍّ، قال في «الفروع»: وهو أظْهَرُ، واختارهُ شَيخُنا (٣)، قال: وهو قَولُ طائفةٍ من أصحاب أحمدَ، كأبي حَفْصٍ البَرْمَكِيِّ والآجُرِّيِّ، لكِنْ نَقَلَ أبو طالِبٍ: لَيسَ الجَدُّ أبًا في قَولِ زَيدٍ (٤)، واحْتَجَّ بقَولِه ﵇: «أفْرَضُكم زَيدٌ» وإسْنادُه ثِقاتٌ (٥). (وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأُمِّ بِأَرْبَعَةٍ: بِالْوَلَدِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَوَلَدِ الاِبْنِ، وَالْأَبِ، وَالْجَدِّ)؛ لقَوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النِّسَاء: ١٢]، وقد سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عنها، فقال: «أمَا سمِعْتَ الآيةَ التي أُنزِلَتْ (٦) في الصَّيف: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النِّسَاء: ١٧٦] وهي مَنْ لم يَتْرُكْ وَلَدًا ولا والِدًا» رواه الحاكم في «المستدرك» من حديثِ أبي هُرَيرةَ، ثُمَّ

стр. 3916

قال: صحيحٌ على شَرْطِ مسلِمٍ (١)، فدلَّ على أنَّه إنَّما يَرِثُ عِنْدَ عَدَمِهما، والجَدُّ أبٌ، وَوَلَدُ الاِبْن ابْنٌ. وقد رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ في أبَوَينِ وأَخَوَينِ لِأُمٍّ: «للأمِّ الثُّلثُ، وللأخَوَينِ الثُّلث» (٢). وقِيلَ عنه: لها ثلثُ الباقي، وهذا بعيدٌ جِدًّا، قاله في «المغْنِي» و «الشَّرح»، فإنَّه يُسقِطُ الإخْوةَ كلَّهم بالجَدِّ، فكَيفَ يُوَرِّثُهم (٣) مع الأب (٤). فَرْعٌ: مَنْ لا يَرِثُ لا يَحجُبُ، نَقَلَ أبو الحارث في أخٍ مَمْلوكٍ، وابنِ أخٍ

стр. 3917

حرٍّ: المالُ لاِبن أخيهِ (١)، رُوِيَ عن عمرَ (٢) وعليٍّ (٣). أصلٌ: من الورثة من لا يَسقُطُ بحالٍ، وهو الزَّوجانِ، والأبَوانِ، والاِبنُ، والبنتُ؛ لأِنَّه لا حاجِبَ لهم يَمنَعُهم من الإرث، والضَّابِطُ في ذلك: أنَّ كلَّ مَنْ لا يُتوسَّطُ بَينَه وبَينَ الميت؛ لا يَسقُطُ إرْثُه بحالٍ (٤).

стр. 3918

(بَابُ الْعَصَبَاتِ) وهو جَمْعُ عَصَبةٍ، مأخوذةٌ من العَصْب، وهو المنْعُ، سُمِّيَت الوَرَثَةُ بذلك؛ لِتَقوِّي (١) بعضُهم ببعضٍ بحَيثُ يَحصُلُ لكلٍّ منهم مَنَعةٌ بالآخَر. وقِيلَ: العَصَبةُ مأخوذةٌ من العِصابة، وهي العِمامةُ؛ لأِنَّها تُحِيطُ بجميع الرَّأس، كذلك العَصَبةُ يُحِيطونَ بالميت من الجوانب كلِّها. وقِيلَ: أصلُها الشِّدَّةُ والقُوَّةُ، ومنه: عَصَبُ الحَيَوان؛ لأِنَّه مُعِينٌ له على القُوَّة والمدافَعة. وفي الاِصْطِلاح: هو الوارِثُ بغَير تقديرٍ، أوْ: مَنْ يُحرِزُ المالَ إذا لم يَكُنْ معه صاحِبُ (٢) فَرْضٍ. وهم ثلاثةُ أنواعٍ: عَصبَةٌ بنفسه: كالمعتِق، وكلِّ ذَكَرٍ نسيب، لَيسَ بَينَه وبَينَ الميت أُنثى؛ كالاِبن. وعَصبَةٌ بغَيرِه: كالبنت، وبنتِ الاِبن، والأخت الشَّقيقة، والأخت للأب، كلٌّ بأخِيها. وعَصَبةٌ مع غَيرِه: كالأخَوات مع البنات. (وَهُمْ عَشَرَةٌ: الاِبْنُ، وَابْنُهُ، وَالْأَبُ، وَأَبُوهُ، وَالْأَخُ وَابْنُهُ، إِلاَّ مِنَ الْأُمِّ)؛ لأِنَّ الأخَ من الأمِّ صاحِبُ فَرْضٍ، وابْنَ الأخ من الأمِّ من ذَوِي الأرحام، (وَالْعَمُّ، وَابْنُهُ كَذَلِكَ)؛ أيْ: من الأبَوَينِ أو الأبِ، وأمَّا العمُّ من الأمِّ، وابنُ العمِّ من الأمِّ؛ فَلَيسَا عَصَبةً؛ لأِنَّهما من ذَوِي الأرحام، (وَمَوْلَى النِّعْمَةِ)؛ أي: المعتِق، (وَمَوْلَاةُ النِّعْمَةِ)؛ أي: المعتِقَة.

стр. 3919

(وَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَقْرَبُهُمْ، وَيَسْقُطُ بِهِ)؛ أيْ: بالأقْرَب، (مَنْ بَعُدَ)، وهذا ظاهِرٌ، (وَأَقْرَبُهُمُ: الاِبْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ)؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١١]، والعربُ تَبدَأُ بالأهمِّ فالأهمِّ؛ إذ الفَرْعُ أقْربُ من الأصل؛ لأِنَّ الفَرْعَ جزءُ الميت، وجزءُ الشَّيء أقْرَبُ إلى ذلك الشَّيء مِنْ أصْلِه، واعتَبِرْ هذا بالجُزء المتَّصِل، فإنَّ إصْبعَك جُزؤُك المتَّصلِ، فهو أقْرَبُ إليك من أصلك بالحس، فكذلك جُزؤك المنفصِلِ؛ لأِنَّ المتَّصِلَ والمنفصِلَ مِنْ حَيثُ إنَّهما جزءٌ واحِدٌ لا فَرْقَ بَينَهما، فإذا عَلِمْتَ أنَّ الجزءَ المتَّصِلَ أقْربُ إليه من أصله، فالجزءُ المنفَصِلُ كذلك، وابنُ الاِبن مُلحَقٌ به إجْماعًا، وإنْ (١) قُلْنا: لَفظُ الولد يَصدُقُ عليه حقيقةً أوْ مجازًا؛ فالآيةُ دالَّةٌ عليه. (ثُمَّ الْأَبُ)؛ لأِنَّ سائرَ العَصَبات يُدْلُون به، (ثُمَّ الْجَدُّ)؛ لأِنَّه أبٌ، وله إِيلادٌ وتَعْصيبٌ، (وَإِنْ عَلَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِخْوَةٌ) لِأَبَوَينِ أو لأِبٍ، فإن اجْتَمَعوا؛ فلهم حكمُ ما (٢) تقدَّم. تنبيهٌ: الجَدُّ يُفارِقُ الأب في مسائلَ: الأبُ يُسقِطُ الإخوةَ والأخَواتِ، والجَدُّ يُقاسِمُهم. الأبُ يَرُدُّ الأمَّ في العُمَريَّتَينِ من الثُّلث إلى ثلثِ الباقي، ولا يَرُدُّها الجَدُّ؛ لأِنَّه لا يُساوِيها في الدَّرجة. الأبُ يُسقِطُ الجَدَّ، ولا يَسقُطُ هو بحالٍ. (ثُمَّ الْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ)؛ لأِنَّه جُزْءُ أبيه، وهو مُقدَّمٌ على الأخ من الأب؛ لأِنَّه ساواه في قَرابة الأبِ، وترجَّح بقَرابة الأمِّ، (ثُمَّ مِنَ الْأَبِ)؛ لِمَا ذَكَرْناهُ، (ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ)؛ لأِنَّه يُدْلِي بأبِيهِ، واقْتَضَى ذلك تقديمَ الأخ من الأب عَلَيهِ، (ثُمَّ) ابنُ الأخ (مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمْ، وَإِنْ نَزَلُوا)؛ لأِنَّهم يُدْلُونَ

стр. 3920

بهم، وقُدِّموا على الأعمام؛ لأِنَّ الإخْوةَ وأوْلادَهم مِنْ وَلَدِ الأب، والأعمام من وَلَدِ الجَدِّ. (ثُمَّ الْأَعْمَامُ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمْ كَذَلِكَ)؛ أي: الأعمامُ من الأبَوَينِ يُقدَّمون على الأعمام من الأب، وابنُ العمِّ من الأبَوَينِ مُقَدَّمٌ على ابن (١) العمِّ من الأب؛ لأِنَّه يُدْلِي بمَنْ هو أَوْلَى، (ثُمَّ أَعْمَامُ الْأَبِ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمْ)؛ لِمَا ذَكَرْنَا، (ثُمَّ أَعْمَامُ الْجَدِّ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمْ كَذَلِكَ، لَا يَرِثُ بَنُو أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِي أَبٍ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ألْحِقُوا الفَرائضَ بأهْلِهَا، فما بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» متَّفقٌ عليه (٣)، ورُوِيَ: «ما أبْقَت الفُروضُ؛ فَلأِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٤)، وأَوْلَى هنا: بمَعْنَى أقْرَبَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يكونَ (٥) بمعْنَى أحقَّ؛ لِمَا يَلزَم عليه من الإبهام (٦) والجَهالة، فإنَّه لا يُدرى مَنْ هو الأحقُّ. وقولُه: «ذكر» هو تأكيدٌ، أو احْتِرازٌ من الخُنْثَى، أوْ لاِخْتِصاص الرِّجال بالتَّعصيب. فمَنْ نَكَحَ امْرأةً، وأبوهُ ابْنَتَها؛ فَوَلَدُ الأبِ عمٌّ، وَوَلَدُ الاِبْنِ خالٌ، فيَرِثُه الخالُ دُونَ العَمِّ، ولو خلَّف أخًا، وابنَ ابنِه هذا، وهو أخو زَوجَته؛ وَرِثَه (٧) دُونَ أخيه، ويُعَايَا بها.

стр. 3921

ويُقالُ أيضًا: وَرِثَتْ زَوجةٌ ثُمُنًا، وأخوها الباقي، فلو كان الإخْوةُ سبعةً؛ وَرِثُوه سَواءً، ولو كان الأبُ نَكَحَ الأمَّ؛ فَوَلَدُه عمُّ وَلَدِ الاِبْنِ وخالُه. ولو نَكَحَ رجلانِ كلُّ واحِدٍ منهم (١) أمَّ الآخَر؛ فهما القائِلتانِ: مرحبًا بابْنَيْنا وزَوْجَيْنا، وابْنَيْ زَوْجَينا (٢)، وَوَلَدُ كلِّ منهما عمُّ الآخَر. (وَأَوْلَى وَلَدِ كُلِّ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ)، حتَّى في أختٍ لأِبٍ، وابنِ أخٍ مع بنتٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، (فَإِنِ اسْتَوَوْا؛ فَأَوْلَاهُمْ مَنْ كَانَ لِأَبَوَيْنِ)، وهذا كلُّه مُجمَعٌ عليه (٤)، ونَصَّ عليه في أختٍ لِأَبَوَينِ، وأخٍ من أبٍ مع بنتٍ (٥). (وَإِذَا انْقَرَضَ الْعَصَبَةُ مِنَ النَّسَبِ؛ وَرِثَ المَوْلَى المُنْعِمُ)؛ لقَوله ﵇: «الوَلاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمَة النَّسَب» (٦)، ورُوِي أنَّ رجلاً أعتق عبدًا، فقال للنَّبيِّ ﷺ : ما تَرَى في ماله؟ فقال: «إذا لم يَدَعْ وارِثًا؛ فهو لك» (٧)، (ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ)؛ لأِنَّهم يُدْلُونَ به، (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (٨)؛ لأِنَّ الولاءَ مُشَبَّهٌ بالنَّسب، ثمَّ مَولاه، ولا شَيءَ لموَالِي أبيه بحالٍ؛ لأِنَّه عَتَقَ مباشَرَةً، وولاء المباشَرة أقْوَى. ثمَّ الرَّدُّ، ثمَّ الرَّحِمُ. وعَنْهُ: تَقدُّمهما (٩) على الولاء.

стр. 3922

وعَنْهُ: الرَّدُّ بَعْدَ الرَّحِم، ثمَّ بيتُ المال بَعدَهُما. (وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الذُّكُورِ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ، وَيَمْنَعُونَهُمُ (١) الْفَرْضَ، وَيَقْتَسِمُونَ مَا وَرِثُوا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَهُمُ: الاِبْنُ)؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ [النِّسَاء: ١١]، فَجَعَلَ المِيراثَ عِنْدَ اجْتِماعهما للذَّكَر مِثْلَي (٢) الأنثى من غَير فَرْضٍ لها، ولو كانت وَحدَها لَفُرِض لها، ولو فُرِضَ لها معه؛ لَأدَّى إلى تفضيلها عليه، أو المساواة، أو الإسْقاطِ، فكانت المقاسَمَةُ أعْدَلَ، (وَابْنُهُ)؛ لأِنَّه بمنزلته، (وَالْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّسَاء: ١٧٦]، ولو كانَتْ مُنفَرِدَةً لَفُرِضَ لها، ولِمَا ذَكَرْناهُ. (وَمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْعَصَبَاتِ؛ يَنْفَرِدُ الذُّكُورُ بِالْمِيرَاثِ، دُونَ الْإِنَاثِ)؛ أيْ: لا حقَّ لهنَّ فيه مَعَهُم، (وَهُمْ: بَنُو الْإِخْوَةِ، وَالْأَعْمَامُ، وَبَنُوهُمْ)؛ لأنَّ أخَواتِهِم من ذَوِي الأرحام؛ لأِنَّهنَّ لَسْنَ بذواتِ فرْضٍ، ولا يَرِثْنَ منفرِداتٍ، فلا يَرِثْنَ مع إخْوَتِهنَّ شَيئًا، وهذا ممَّا لا خِلافَ (٣) فيه. (وَابْنُ ابْنِ الاِبْنِ يُعَصِّبُ مَنْ بِإِزَائِهِ مِنْ أَخَوَاتِهِ وَبَنَاتِ عَمِّهِ)؛ لأِنَّه ذَكَرٌ، فيَدخُلُ في قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّسَاء: ١١]، (وَيُعَصِّبُ مَنْ أَعْلَى مِنْهُ مِنْ عَمَّاتِهِ، وَبَنَاتِ عَمِّ أَبِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ فَرْضٌ)، فإنَّه لا يُعصِّبُهن، بل يكونُ باقي المال له، ولا يُشارِكُ أهْلَ الفَرْض في فَرْضِه؛ لِمَا فيه من الإضْرار بصاحِب الفَرْض، (وَلَا يُعَصِّبُ مَنْ أَنْزَلُ مِنْهُ)؛ لأِنَّه لو عصَّبه لَاقْتَضَى مُشارَكَتَه، والأبعدُ لا يُشارِكُ الأقْرَبَ.

стр. 3923

(وَكُلَّمَا نَزَلَتْ (١) دَرَجَتُهُ؛ زَادَ فِيمَنْ يُعَصِّبُهُ قَبِيلٌ)، هو الجماعةُ تكون (٢) من الثَّلاثة فصاعِدًا، والجَمْعُ: قُبُل، قالَهُ الجَوهَرِيُّ (٣)، (آخَرُ)؛ لأِنَّه يُعَصِّبُ مَنْ بإزائه، فيَزْدَادُ القَبِيلُ الذي بإزائه. فإذا خلَّف خمسَ بناتِ ابْنٍ، بعضُهنَّ أنْزَلُ من بعضٍ، لا ذَكَرَ مَعَهُنَّ، كان للعُلْيا النِّصفُ، وللثَّانية السُّدسُ، وسَقَطَ سائِرُهنَّ، والباقي للعَصَبةِ. فإنْ كان مع العُلْيا أخُوهَا أو ابنُ عمِّها؛ فالمالُ بَينَهما على ثلاثةٍ، وسَقَطَ سائِرُهن. وإنْ كان مع الثَّانية عَصَبَتُها؛ كان الباقي - وهو النِّصفُ - بَينَهما على ثلاثةٍ. وإنْ كان مع الثَّالثة؛ فالباقي - وهو الثُّلثُ - بَينَهما على ثلاثةٍ. وإنْ كان مع الرَّابعة؛ فالباقي بَينَه وبَينَ الثَّالثة والرَّابعة على أربعةٍ. وإنْ كان مع الخامسة؛ فالباقي بَعْدَ فَرْض الأولى والثَّانية بَينَهم على خمسةٍ، وتَصِحُّ من ثلاثينَ، وإنْ كان أنْزَلَ من الخامسة فكذلك. قال في «المغْنِي»: ولا أعْلَمُ في هذا اخْتِلافًا بتوريث بنات الابن مع بني الابن بَعْدَ اسْتِكْمال الثُّلثَينِ. مسألةٌ: لَيسَ في الفرائض مَنْ يُعصِّبُ أخْتَه، وعمَّتَه، وعمَّةَ أبيه وجَدِّه، وبناتِ أعمامِه، وبناتِ أعْمام أبيه وجَدِّه؛ إلاَّ المسْتَفِل من أولاد الابن. (وَمَتَى كَانَ بَعْضُ بَنِي الْأَعْمَامِ زَوْجًا، أَوْ أَخًا لِأُمٍّ؛ أَخَذَ فَرْضَهُ، وَشَارَكَ الْبَاقِيَ فِي تَعْصِيبِهِمْ)، في قَول عمرَ، وعليٍّ، وزَيدٍ، وابنِ عبَّاسٍ (٤)، وجمهورِ الفقهاء.

стр. 3924

وقال ابنُ مسعودٍ، وجَمْعٌ: المالُ للأخ من الأمِّ؛ لأِنَّهما اسْتَوَيا في قرابة الأمِّ (١)، وفَضَلَه بأمٍّ، فصارا كأخَوَينِ أوْ عَمَّينِ، أحدُهما لأِبَوَينِ، والآخَرُ لأِبٍ. وجوابه: أنَّ الأُخُوّةَ من الأمِّ يُفرَض لها بهذا الرَّحِم، فإذا أخَذَ ذلك الفَرْضَ؛ سَقَطَ هذا الرَّحِمُ، وصار بمنزلة ابنِ العمِّ الآخَرِ، فلهما ما بَقِيَ من المال بعد الفُروض. فلو كان أبناءُ عمٍّ، أحدُهما زَوجٌ؛ فله النِّصفُ، والباقي بَينَهما نصفانِ عند الجميع. فإن كان الآخر أخًا لأمٍّ؛ فللزَّوج النِّصفُ، وللأخ السُّدسُ، والباقي بَينَهما، فأصْلُها من ستَّةٍ، للزَّوج أربعةٌ، وللأخ سَهْمانِ، وتَرجِعُ إلى ثلاثةٍ، وعند ابن مسعودٍ الباقِي للأخ، فتكون من اثْنَينِ. فإنْ كانا ابْنَيْ عمٍّ، أحدهما ابن أخٍ لأِمٍّ، أو ابن أختٍ لأِمٍّ؛ المالُ بَينَهما نصفانِ، ولَيس لهذا الذي هو ابن أخٍ أو ابن أختٍ لأِمٍّ مَزِيَّةٌ على الآخَر. فإنْ قُلتَ: ألَيسَ لو كان أحدُهما ابنَ عمٍّ لِأَبَوَينِ؛ كان أَوْلَى من الآخَر، وإذا كان ابنُ عمٍّ لأِبٍ وأمٍّ لَيس فيه إلاَّ أنَّه أدْلَى برَحِمِ جدَّة الميت أمِّ أبيه، وهذا الذي هو ابن أخٍ يُدْلِي برحم أمِّ الميت، وأمُّ الميت أولى من جَدَّته، فهلاَّ كان الَّذي يُدْلِي بِرَحِمها أَوْلَى ممَّن يُدْلِي برحم الجَدَّة؟

стр. 3925

فالجوابُ: إنَّما يُفضَّلُ بعضُ بني الأب على سائرهم إذا أدْلَى بأمٍّ هي نَظيرةٌ للأب الذي أدلى به جميعه، وإذا أدلى بعضهم برحم أمٍّ غَيرِ تلك الأمِّ؛ لم يكن له بذلك مزيَّةٌ، ألَا ترى أنَّا نقولُ في ابن عمٍّ لأِبٍ هو خالٌ من أمٍّ: ليس بأَوْلَى من بني العمِّ من الأب وإنْ كان يُدْلِي بجدَّة الميت؛ لأِنَّه يُدْلِي برحم أمِّ الأمِّ، وهي غَيرُ الأمِّ الَّتي في حدِّ جِهَة الجَدِّ؛ أبي الأب، فلم يكن له بذلك مزيَّةٌ، ولو كان لذلك مزيَّةٌ؛ لَقُلْنا في ابن عمٍّ لأِبٍ وأمٍّ وابنِ عمٍّ لأِبٍ هو ابنُ خالٍ من أمٍّ: المال بَينَهما نصفانِ؛ لأِنَّهما يُدْلِيانِ بجَدٍّ وجَدَّةٍ، فلمَّا لم نَقُلْ (١) ذلك؛ عُلِمَ الفَرْقُ بَينَ أنْ يُدْلِيَ بأمٍّ هي نظيرةُ الأب المدلَى به، وبَينَ أنْ يُدْلِيَ بأمٍّ هي غَيرُها، وإنْ كانت أقربَ منها إلى الميت، ذَكَرَه الونِّي. ومحلُّ هذا: إذا لم يكن فيها من يُسقِطُ الأخَ من الأمِّ. وإنْ (٢) كانا ابْنَيْ عمٍّ، أحدُهما أخٌ لأِمٍّ وبِنْت، أوْ بنتُ ابنٍ؛ فللبنت أو لبنت الابن النِّصف، والباقي بينهما نصفان، وسقط الإخوة من الأمِّ. (وَإِذَا اجْتَمَعَ ذُو فَرْضٍ وَعَصَبَةٌ؛ بُدِئَ بِذِي الْفَرْضِ فَأَخَذَ فَرْضَهُ، وَمَا بَقِيَ لِلْعَصَبَةِ)؛ لخبرِ: «ألْحِقُوا الفرائضَ بأهلها» (٣). (فَإِنِ اسْتَغْرَقَتِ الْفُرُوضُ الْمَالَ؛ فَلَا شَيْءَ لِلْعَصَبَةِ)؛ لأِنَّ العاصِبَ يَرِثُ الفاضِلَ، ولا فاضِلَ هنا؛ (كَزَوْجٍ، وَأُمٍّ، وَإِخْوَةٍ لِأُمٍّ، وَإِخْوَةٍ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ)، المسألةُ مِنْ ستَّةٍ، (لِلزّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَسَقَطَ سَائِرُهُمْ)؛ أيْ: باقِيهم؛ لأِنَّهم عَصَبةٌ، في قَولِ عليٍّ (٤)، وابنْ
следующие страницы →