← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدَّثِّر: ٤]، والأحاديث مستفيضة بذلك، (إِلَّا الدَّمَ) فإنَّه يُعفى عن يسيره في الصَّلاة دون المائعات والمطعومات، فإنَّ الإنسان غالِبًا لا يسلم منه، وهو قول جماعة من الصَّحابة والتَّابعين فمَن بعدَهم، ولقول عائشة: «ما كان لإحدانا إلَّا ثوب تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها، فمَصَعته (١) بظفرها» (٢)، وهذا يدلُّ على العفو عنه؛ لأنَّ الرِّيق لا يُطَهِّر، ويتنجَّس به ظفرها، وهو إخبار عن دوام الفعل، ومثله لا يخفى عنه ﷺ ، فلا (٣) يصدر إلَّا عن أمره، وعن ابن عمر: «أنَّه كان يخرج من يديه دم في الصَّلاة من شقاق كان بهما» (٤)، «وعصَر بثرة، فخرج منها دم، فمسحه (٥)، ولم يغسله» (٦)، ولأنَّه (٧) يشقُّ التَّحرُّز منه، فعُفِي عنه؛ كأثَر الاستجمار. وقيل: يَختصُّ بدم نفسه. واليسير: الذي لم ينقض الوضوء، والكثير (٨): ما نقض الوضوء. والدَّم المعفُو عنه: ما كان من آدمي أو حيوان طاهر، لا الكلب والخنزير.

стр. 422

بقي ههنا (١) صُوَرٌ: منها: دمُ ما لا نفس له سائلة؛ كالبَقِّ والقمل والبراغيث؛ طاهر في ظاهر (٢) المذهب. وعنه: نجس، ويعفى عن يسيره، قال في دم البراغيث: (إنِّي لأفزع منه إذا كثر) (٣)، قال في «الشَّرح»: ليس فيه تصريح بنجاسته، بل هو دليل التَّوقُّف. ومنها: دم السَّمك، فإنَّه طاهر؛ لأنَّه لو كان نجسًا لتوقَّفت إباحته على إراقته بالذَّبح؛ كحَيَوان البَرِّ، ولأنَّه يستحيل ماءً. وقيل: نجس. ومنها: دم الشَّهيد، فإنَّه نجس، وقيل: طاهر، وعليهما (٤): يستحبُّ بقاؤه، فيُعايَا بها (٥)، ذكره ابن عقيل. وقيل: طاهر ما دام عليه، صحَّحه ابن تميم. ومنها: الدَّم الذي يبقى في اللَّحم وعروقه؛ طاهر، ولو غلبت حمرته في القِدر؛ لأنَّه لا يمكن التَّحرُّز منه، فهو وارِد على إطلاقه، ويدفع بالعناية. ومنها: العَلَقة التي يُخلَق منها الآدمي أو الحيوانُ الطَّاهِرُ؛ طاهرةٌ في رواية صحَّحها ابن تميم؛ لأنَّها بدْءُ خلْقِ آدَمِيٍّ. وعنه: نجِسةٌ، صحَّحها في «المغني»؛ كسائر الدِّماء. (وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ (٦) مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ)، بل العفْوُ عنهما أَوْلى؛ لاختلاف

стр. 423

العلماء في نجاستهما، ولذلك قال أحمد: (هو أسهل من الدَّم) (١)، قال في «الشَّرح»: (فعلى هذا يُعفَى عنه عن أكثر ممَّا يُعفَى عن مثله في الدَّم؛ لأنَّ هذا لا نصَّ فيه، وإنَّما ثبتت نجاسته لاستحالته من الدَّم). وعنه: طهارة قَيحٍ ومِدَّة (٢) وصَديدٍ. مسألتان: الأولى: ماء القروح نجِس في ظاهر نقل الإمام (٣)، وقال في «شرح العمدة»: (إن كان متغيِّرًا فهو كالقَيح، وإلَّا فهو طاهِرٌ كالعَرَق). الثَّانية: إذا تفرَّق دمٌ مسفوحٌ في غير الصَّحراء؛ فإذا اجتمع لم يكن قدرَ ما يُعفى عنه؛ فكثير حُكْمًا في الأشهر، وإن نفذ من جانِبَيْ جُبَّة أو ثوب صفيق؛ فكدَمٍ واحد في الأصحِّ؛ كما لو نفذ من أحدهما، وإن لم يَنفُذْ، ولم يتَّصل بالآخَر؛ فهما نجاستان؛ إذا بلغا أو جمعا قدْرًا لا يُعفى عنه؛ لم يعفَ عنها؛ كجانبي الثَّوب. (وَأَثَرَ الاِسْتِنْجَاءِ)؛ أي: الاستجمار، فإنَّه يُعفى عنه بعد الإنقاء واستيفاء العَدَد بغير خلاف نعلمه، قاله في «الشَّرح»، واقتضى ذلك نجاسته، وهو قول أكثر الأصحاب؛ لأنَّ الباقي عين النَّجاسة، فعلى هذا: عرَقه نجِسٌ، فينجس الماء اليسير بقعوده فيه. واختار ابن حامد طهارته (٤). (وَعَنْهُ: فِي الْمَذْيِ، وَالْقَيْءِ (٥)، وَرِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ

стр. 424

وَالطَّيْرِ، وَعَرَقِهَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَالنَّبِيذِ، وَالْمَنِيِّ؛ أَنَّهُ كَالدَّمِ. وَعَنْهُ: فِي (١) الْمَذْيِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ). نقول: المذْي مختَلَف فيه (٢)؛ لتردُّده بين البول لكونه لا يخلق منه الحيوان، والمنِيِّ لكونه ناشئًا عن الشَّهوة، والمذهبُ: نجاستُه، ويُعفَى عن يسيره في رواية جزم بها في «الوجيز»، وهو قول جماعة من التَّابعين وغيرهم (٣)؛ لأنَّه يخرج من الشَّباب كثيرًا، فيشقُّ التحرُّز منه. وعنه: يُكتفَى فيه بالنَّضح؛ لحديث سهل بن حُنَيف قال: قلت: يا رسول الله، كيف ما (٤) يصيب ثوبي؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء فتنضِح به ثوبك حيث ترى أنَّه قد (٥) أصاب منه» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي، وصحَّحه (٦). والمذهب: أنَّه لا يطهر بنضحه، ولا يعفى عن يسيره؛ لأنَّه ﵇ أمر بغسل الذَّكر منه (٧)، ولأنَّه نجاسة خارج (٨) من الذكر كالبول. وهل يغسل ما أصابه، أو جميع ذكره، أو وأُنثيَيْه؟ فيه روايات.

стр. 425

وعنه: طاهر كالمنِيِّ، اختاره أبو الخطَّاب في خلافه؛ لأنَّه خارج بسبب الشَّهوة. وقيل: إن قلنا مخرجه مخرج المنِيِّ فله حكمه. واقتضى ذلك: أنَّ الوَدْي - وهو ماء أبيض يخرج عقيب البول -؛ نجس، وأنَّه لا يعفى عنه مطلقًا، وصرَّح به الأصحاب. وعنه: هو كالمذْي. وأمَّا القَيْء: وهو طعام استحال في الجوف إلى نَتْنٍ وفساد؛ فقال أحمد: (هو عندي بمنزلة الدَّم) (١)، وذكره القاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه خارِجٌ نجِسٌ من غير السَّبيل أشبه الدَّم. والثَّانية: عدم العفو عنه مطلقًا، قدَّمها في «الفروع»، وهي أشهر؛ لأنَّ الأصل عدم العفو عن النَّجاسة إلَّا فيما خصَّ، وقيَّده في «الوجيز» بالنَّجس احترازًا عن قيء المأكول. وأمَّا ريق البغل والحمار وعرقهما؛ فيعفى عن يسيره إذا قيل بالنَّجاسة؛ لأنَّه يشق التَّحرُّز منه، قال في «الشَّرح»: (هو الظَّاهر عن (٢) أحمد، قال الخلَّال: وعليه مذهبه، قال أحمد: من يَسلَم من هذا ممَّن يركب الحمير؟! إلَّا أنِّي أرجو أن يكون ما خفَّ منه أسهل). والثَّانية: لا يعفى عنه؛ لما تقدَّم. وريق سباع البهائم؛ كالأسد ونحوه - ما عدا الكلب والخنزير -، وريقُ سباع الطَّير؛ كالبازي ونحوه، وعَرقُها؛ فيعفى عن يسيره؛ للاختلاف في نجاستهما (٣).

стр. 426

وبول الخفَّاش - وهو واحد الخفافيش (١)، وهو الذي يطير ليلاً -؛ يعفى عن يسيره في رواية، جزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه يشقُّ التَّحرُّز منه (٢)؛ لكونه في المساجد كثيرًا، فلو لم يعفَ عنه؛ لم يُقَرَّ في المساجد، ولما أمكن الصلاة في بعضها. وقدَّم في «الفروع» وغيره خلافها (٣). ونبيذٌ نجِسٌ، وهو المختلَف فيه، فيعفى عن يسيره في رواية جزم بها في «الوجيز»؛ لوقوع الخلاف في نجاسته. والثَّانية: لا يعفى عنه مطلقًا، قدَّمها في «الفروع»، وصحَّحها في «شرح العمدة»، وذكر (٤) أنَّ (٥) المُجمَع عليه لا يعفى عن شيء منه، قال في «شرح العمدة»: (رواية واحدة). والمنِيُّ سيأتي (٦) الكلام عليه. ملحقة به: منها: بول ما يؤكل لحمه إذا قيل بنجاسته؛ فإنَّه يعفى عن يسيره في قول؛ لأنَّه يشُقُّ التَّحرُّز منه. ومنها: سؤر الجلَّالة إذا حبست وأكلت الطَّاهرات المدَّة المعتبرة؛ فهو طاهر. وقيل ذلك في (٧) العفو عن يسيره روايتان (٨)، وكذا عرقها.

стр. 427

ومنها: طين الشَّارع؛ فهو طاهر ما لم تعلم (١) نجاسته. وعنه: نجس، فيعفى عن يسيره، ويسير دخان نجاسة في وجه، وأطلق أبو المعالي العفو عنه، ولم يقيِّده باليسير؛ لأنَّ التَّحرُّز لا سبيل إليه، قال في «الفروع»: وهذا متوجِّه. (وَلَا يَنْجُسُ الآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ) على الأصحِّ؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المؤمن لا يَنجُس» متَّفق عليه (٢)، ولمسلم معناه من حديث حذيفة (٣)، وعن ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المسلم ليس بِنجِس حيًّا ولا ميِّتًا» رواه الدَّارقطني والحاكم، وقال: (على شرطهما)، وذكره (٤) البخاري موقوفًا على ابن عبَّاس (٥). وعن أحمد: بلى، ما عدا الأنبياء ﵈؛ لما روى الدَّارقطني: «أنَّ زِنجِيًّا وقع في بئر زمزم فمات، فأمر بها ابن عبَّاس أن تنزح» (٦)، ولأنَّه

стр. 428

ذو نفس سائلة، فنجُس بالموت كسائر الحيوانات. وزاد هـ (١): ويطهر بالغسل. قلنا: لو نجس بالموت؛ لم يطهر بالغسل، كالحيوانات التي تنجس به، ولأنَّه آدمِيٌّ، فلم ينجُس بالموت كالشَّهيد. وعلى الأوَّل: لا ينجس ما غيره، ذكره في «الفصول» وغيره، خلافًا ل «المستوعِب». وظاهره: لا فرق فيه بين المسلم والكافر؛ لاستوائهما في الآدمية حال الحياة. وفي الاستدلال نظر. وقيل: ينجس الكافر وشعره بموته؛ لأنَّ الخبر إنَّما ورد في المسلم، ولا يقاس الكافر عليه؛ لأنَّه لا يصلَّى عليه، ولا حرمة له كالمسلم. فرع: حكم أجزاء الآدَمِيِّ وأبْعاضِه؛ حكم جُملته، سواء انفصَلَت في حياته أو بعد موته. وقال القاضي: هي نجسة روايةً واحدةً؛ لأنَّه لا حُرمةَ لها، بدليل: أنَّه لا يصلَّى عليها. ونُقض بأن (٢) لها حرمة؛ بدليل أنَّ كسر عظم الميِّت ككسره وهو حيٌّ.

стр. 429

وكذا شعره مطلقًا، ويكره استعماله؛ لحرمته. وعنه: يحرم، وتصحُّ الصَّلاة معه. وعنه: نجاسة شعر كلِّ آدمِيٍّ غير النبي ﷺ . (وَمَا (١) لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ)؛ المراد بالنَّفْس السَّائلة: الدَّم السَّائل؛ لأنَّ العرب تسمِّي الدَّم نفسًا، ومنه قيل: للمرأة نُفَساء؛ لسيَلان دمها عند الولادة، ويقال: نُفِست المرأة إذا حاضت، (وسمِّي الدَّم نفْسًا؛ لنفاسته في البدن)، قاله ابن أبي الفتح (٢)، وقال الزمخشري: (النَّفْس ذات الشَّيء وحقيقته، يقال: عندي كذا نفسًا، ثمَّ قيل للقلب (٣) نفس لأنَّ النَّفس به، كقولهم: المرء بأصغريه) (٤). (كَالذُّبَابِ) هو هذا المعروف، وهو مفرد، وجمعه: ذُبَّان (٥) وأذبة، ولا يقال: ذبابة، (وَغَيْرِهِ)، سواء كان من حيوان البرِّ أو البحر؛ كالعقرب والخُنفساء والعلق والسَّرطان ونحوها، فإنَّها لا تنجس بالموت. فعلى هذا: لا ينجس الماء اليسير بموتها فيه (٦) في قول عامة العلماء، وهو أصحُّ الرِّوايتين؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا وقع الذُّباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثمَّ ليطرحه؛ فإنَّ في أحد جناحيه شفاءً، وفي الآخر داء» رواه أحمد والبخاري (٧)، والظَّاهر موته بالغمس لا سيَّما إذا كان الطعام حارًّا، فإنَّه لا يكاد يعيش غالبًا، ولو نجَّس الطَّعام لأفسده،

стр. 430

فيكون أمرًا بإفساد الطعام، وهو خلاف ما قصده الشَّارع؛ لأنَّه قصد بغمسه إزالة ضرره، ولأنَّه لا نفس له سائلةٌ، أشبه دود الخل إذا مات فيه. والثَّانية: نجِس؛ لأنَّه لا يؤكل، لا (١) لحرمته، أشبه الحمار. وفي «الرِّعاية»: وعنه: ينجُس إن لم يؤكل، فينجس به الماء القليل في الأصحِّ إن أمكن التَّحرُّز منه غالبًا، وقلنا: ينجُس القليل بمجرَّد ملاقاة النَّجاسة دون تغيره. فأمَّا إن كان متولِّدًا من النَّجاسة؛ كدود الحُشِّ وصراصره، فهو نجس حيًّا وميِّتًا، قال في «الشَّرح»: (إلَّا إذا قلنا إنَّ النَّجاسة تطهر بالاستحالة)، ولا يرد هذا على المتن؛ لأنَّ موته لم يؤثِّر فيه شيئًا، بل هو باقٍ على ما كان عليه. تنبيه: ما له نفس سائلة ضربان: نجس في الحياة، وهو ظاهر؛ إذ موته لا يزيده إلَّا خُبْثًا. وطاهر، وهو ثلاثة أنواع: آدميٌّ، وقد تقدَّم حكمه. وما تباح (٢) ميتته؛ كسمك ونحوه؛ فلا ينجس بالموت؛ لأنَّه لو نجس به (٣) لم يبح أكله. وعنه: نجاسة الطَّافي، وإن مات بغير فعل آدميٍّ وقلنا: يحرم الطَّافي؛ ففيه روايتان، بناءً على نجاسة دمه، فإن لم يكن له دم؛ لم يحرم على الأصحِّ. وما لا تباح ميتته؛ كحيوان البرِّ المأكول، وحيوان البحر الذي يعيش فيه؛ كالضِّفدع والتِّمساح ونحوهما، فينجُس بالموت، وينجس الماء اليسير

стр. 431

بملاقاته (١)، والكثير بتغيُّره (٢). وللوزَغ نفس سائلة، نصَّ عليه (٣)؛ كالحيَّة، لا للعقرب. وفي «الرِّعاية»: في دود القَزِّ وبَزْره وجهان. (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ؛ طَاهِرٌ) في المنصور (٤) عند أصحابنا؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر العُرَنِيِّين أن يلحَقوا بإبل الصدقة؛ فيشربوا من أبوالها وألبانها» (٥)، والنَّجِس لا يُباح شربُه، ولو أبيح للضَّرورة؛ لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصَّلاة، «وكان ﷺ يُصلِّي في مرابِض الغنم» (٦)، «وأمر بالصَّلاة فيها» (٧)، وطاف (٨) على بعيره (٩)، ولأنَّه لو كان نجِسًا لتنجَّست الحبوب التي تدوسها البقر، فإنَّها لا تسلم من أبوالها وأرواثها. وشمِل كلامه: بول سَمَك ونحوه ممَّا لا ينجس بموته، فإنه طاهر على المذهب. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ نَجِسٌ)؛ لأنَّه رجيع من حيوان، أشبه غير المأكول. (وَمَنِيُّ الآْدَمِيِّ طَاهِرٌ) في ظاهر المذهب؛ لقول عائشة: «كنت أفرُك المنيَّ

стр. 432

من ثوب رسول الله ﷺ ، ثمَّ يذهب فيصلِّي فيه» متَّفق عليه (١)، وقال ابن عبَّاس: «امسحه عنك بإِذْخِرَةٍ أو خِرْقة؛ فإنَّما هو بمنزلة المُخاط والبُصاق»، رواه سعيد، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عنه (٢)، ورواه الدَّارقطني مرفوعًا (٣)، ولأنَّه لا يجب غسله إذا جفَّ، فلم يكن نجسًا؛ كالمخاط. وظاهره: أنَّه لا فرق بين ما أوجب غسلًا أو لا، وصرَّح به في «الرِّعاية». وهو بدء خلق آدمي؛ فكان طاهرًا كالطِّين، وبهذا فارق البول، فعلى هذا يستحب فرْك يابسه وغسل رطبه. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ نَجِسٌ، يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ)؛ لقول عائشة: «كنت أفرُك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابِسًا» رواه الدَّارقطني (٤)، ولأنَّه مستحيل من الدَّم، أشبه القَيح، فعلى هذا: يُعفى عن يسيره. وعنه: كالبول؛ لما في الصَّحيح عن عائشة: «أنَّها كانت تغسل المنِيَّ من

стр. 433

ثوب رسول الله ﷺ » (١)، ولأنَّه خارج معتاد من السَّبيل أشبه البول، فعلى هذا: لا بدَّ من غسله. وظاهِر «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه يُجْزئ فَرْك يابسه. وجزم ابن عَقيل: أنَّه كالبول في منِيِّ الخَصِيِّ؛ لاختلاطه بمجرى بوله. وقيل: وقت جِماع؛ لأنَّه لا يسلم من المَذْي، وبعَّده في «المغني». وفي «المحرَّر» على هذه الرِّواية: أنَّه يجزئ فرك يابسه من الرَّجل، وتمسَّك بقول أحمد؛ لأنَّه ثَخِينٌ فيؤثِّر فيه الفَرْك تخفيفًا، بخلاف منِيِّ المرأة فإنَّه رقيق، ولا يبقى له جسم بعد جفافه، فلا يفيد الفرك فيه شيئًا. فإن خفي موضع الفَرْك فيه؛ فركه كلَّه، لكن لو أمْنَى وعلى فرجه نجاسةٌ؛ نجُس منيُّه لإصابته (٢) النَّجاسة، ولم يعفَ عن شيء منه. فرع: حكم بقية الخارج من بدن الآدمي؛ كالعرق والرِّيق والمخاط ونحوها؛ طاهر، حتَّى البلغم، سواء كان من الرأس أو الصَّدر، ذكره القاضي. وقال أبو الخطاب: هو نجس. وقيل: بلغم الصَّدر؛ جزم به ابن الجوزي؛ لأنَّه استحال في المعدة أشبه القيْء. والأوَّل أشهر؛ لأنَّه لو كان نجسًا لنجَّس الفم ونقض الوضوء، ولا نسلِّم أنَّه استحال في المعدة، بل هو منعقد من الأبخرة كالمخاط. وما سال من الفم وقت النَّوم؛ طاهر في ظاهر كلامهم. (وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) - وهو مسلك الذَّكر - (رِوَايَتَانِ):

стр. 434

إحداهما: نجِسة؛ لأنَّها بلَل في الفرج لا يخلق منها الآدمي، أشبه المذْي. والثَّانية - وهي الصَّحيحة، وجزم بها الأكثر -: أنَّها طاهرة؛ لأنَّ «عائشة كانت تفرُك المنيَّ من ثوبه ﵇» (١)، وإنَّما كان من جماع؛ لأنَّ الأنبياء لا يحتَلِمون، وهو يصيب الرُّطوبة، ولأنَّه لو حكمنا بنجاستها لحكمنا بنجاسة منيِّها؛ لكونه يلاقي رطوبته بخروجه منه. وقال القاضي: ما أصاب منه في حال الجماع؛ فهو نجس؛ لأنَّه لا يسلم من المذْي. وهو ممنوع؛ فإنَّ الشَّهوة إذا اشتدَّت خرج المنيُّ وحده؛ كالاحتلام. (وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ، وَ) سباع (الطَّيْرِ، وَالْبَغْلُ) إذا كان من الحمار الأهلي، (وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ؛ نَجِسَةٌ)، نصره في «التَّحقيق»، وجزم به في (٢) الخِرَقِيِّ و «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأنَّه ﵇ لمَّا سئل عن الماء وما ينوبه من السِّباع والدَّواب فقال: «إذا كان الماء قُلَّتين لم ينجِّسه شيءٌ» (٣)، فمفهومه: أنَّه ينجُس (٤) إذا لم يبلغهما، وقال يوم خيبر عن الحمر: «إنَّها رِجْس» متَّفق عليه (٥)، والرِّجْسُ: النَّجِسُ، ولأنَّه حيَوان حَرُم أكله لخُبثه، لا لحُرمته، ويمكن التَّحرُّز منه، فكان نجِسًا، وجميع أجزائه وفضلاته كذلك. (وَعَنْهُ: أنَّهَا طَاهِرَةٌ)، نقلها عنه إسماعيل بن سعيد (٦)، واختارها الآجُرِّي، وقال في «المحرَّر»: (مما (٧) عدا الكلب والخنزير)، وهو مراد؛ لما

стр. 435

روى جابر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل: أنتوضَّأ (١) بما أفضلت الحمر؟ والسِّباع كلها» رواه الشَّافعيُّ والبيهقِيُّ من رواية ابن أبي حبيبة، قال البخاري: (هو منكر الحديث) (٢)، وروى ابن ماجه من حديث أبي سعيد معناه، وفيه قال: «لها ما أخذت في أفواهها، ولنا ما غَبَر طَهور» (٣)، ومرَّ عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص على حوض، فقال: يا صاحب الحوض ترد على حوضك السباع؟ فقال عمر: «يا صاحب الحوض لا تخبرنا؛ فإنَّا نَرِدُ عليها وتَرِدُ علينا»، رواه مالك (٤)، ولأنَّه حيوان يجوز بيعه، فكان طاهرًا؛ كبهيمة الأنعام. وعنه: طهارة البغل والحمار، اختاره المؤلِّف؛ لأنَّه ﵇ كان يركبهما (٥)، ورُكبا في زمنه، ولأنَّه لا يمكن التَّحرُّز منهما لمُقتنيهِما، فكانا طاهرين كالسِّنَّوْر. وأمَّا قوله: «إنَّها رِجس»؛ أراد به التَّحريم؛ كقوله في الأنصاب والأزلام: «إنَّها رجس». وقيل: لحمها نجس.

стр. 436

وعليها: حكمها حكم الآدمِيِّ، قال في «الشَّرح» وغيره: إلَّا في منيِّها، فإنَّ حكمَه حكمُ بَولها. وذكر السَّامَرِّيُّ وغيره: أنَّ في طهارة منيِّها ولبنها وبيضها على هذه الرِّواية؛ وجهين. وعن أحمد: أنَّهما مشكوكٌ فيهما؛ لتردُّده بين أمارة تنجيسه؛ بدليل أنَّه يحرم أكله كالكلب، وأمارة تطهيره؛ لأنَّه ذو حافر يجوز بيعه أشبه الفرس، فلا يجب غسل رأسه إذا وجد الماء المطلق. فعلى هذه: إذا لم يجد غير سؤرهما؛ توضَّأ به (١)، ثمَّ تيمَّم. زاد في «الرِّعاية»: ينوي الحدث والنَّجاسة. وقال ابن عقيل: يتيمَّم، ثمَّ يصلِّي، ثمَّ يتوضَّأ ويصلِّي، ويبطل التَّيمُّم بخروج الوقت دون الوضوء، قال في «الرِّعاية»: في الأقيس فيهما. (وَسُؤْرُ) - بضم السِّين مهموزًا، وهو بقيَّة طعام الحيوان وشرابه - (الْهِرِّ) ويسمَّى الضَّيْوَنَ بضاد معجمة وياء ونون، والسِّنَّوْرَ والقِطَّ، (وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ)؛ كابن عِرْس، والفَأرة (٢)؛ (طَاهِرٌ) غير مكروه، نصَّ عليه في الهرِّ (٣)، وهو قول أكثر العلماء؛ لما روى مالك، وأحمد، وأبو داود، والتِّرمذي وصحَّحه عن أبي قتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في الهرِّ: «إنَّها ليست بنجِس، إنها من الطَّوافين عليكم أو الطَّوافات» (٤)، شبَّهها بالخَدَم؛ أخذًا من قول الله

стр. 437

تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النُّور: ٥٨]، ولعدم إمكان التَّحرُّز منها؛ كحَشَرات (١) الأرض كالحيَّة، قاله القاضي، فطهارتها من النَّصِّ، وما دونها من (٢) التَّعليل. قال السَّامَرِّيُّ: سُؤْرُ ما دون الهرِّ؛ طاهرٌ في ظاهر المذهب، وفيه وجْهٌ، وبُعِّد. تنبيه: إذا عُلمتْ نجاسة فم هرٍّ؛ فأوجُهٌ، ثالثها: إن غاب فطاهر، وإلَّا فلا، ورابعها: إن احتمل ولوغها في ماء كثير طَهور؛ فطاهر. قال ابن تميم: (قال شيخنا (٣): يُعتبر مضيُّ زمن بعد أكلها يزول فيه أثر النَّجاسة بريقها، قال: وكذا أفواه الأطفال والبهائم إذا تنجَّست)، قال ابن تميم: (فيكون الرِّيق مطهِّرًا لها). ودلَّ أنَّه لا يُعفى عن نجاسة بيدها أو رجلها، نصَّ عليه. ولا عن يسير نجاسة في طعام؛ خلافًا للشَّيخ تقِيِّ الدِّين (٤)، وذكره قولًا في المذهب؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما حرَّم الدَّمَ المسفوحَ، ولفعل الصَّحابة (٥)، ولعموم البَلوَى ببعر الفأر وغيره.

стр. 438

(بَابُ الْحَيْضِ) وهو مصدر: حاضت المرأة تحيض حيضًا، ومَحيضًا، فهي حائض وحائضة: إذا جرى دمها. فأصله السَّيَلان، مأخوذ من قولهم: حاض الوادي إذا سال، وحاضت الشَّجرة: إذا سال منها شبه (١) الدم، وهو الصمغ الأحمر. واستحيضت المرأة: استمر بها الدَّم بعد أيامها؛ فهي مستحاضة، وتحيَّضت: أي (٢) قعدت أيَّام حيضها عن الصَّلاة. ويسمَّى أيضًا: الطَّمث، والعِراك، والضَّحِك، والإعْصار. وهو ثابت بالإجماع، وسنده قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، والسُّنَّة، قال أحمد: (الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة)، وفي رواية: (وحديث أمِّ سلمة) مكان حديث أمِّ حبيبة (٣). (وَهُوَ: دَمُ طَبِيعَةٍ) سَجِيَّة (وَجِبِلِّيَّةٍ (٤) خِلْقَة، كتبه الله تعالى على بنات آدم، يُرخِيه الرَّحِم إذا بلغت في أوقات معلومة، يخرج من قعر الرَّحِم. وليس هو بدم فساد، بل خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته، وهو مخلوق من مائهما (٥)، فإذا حمَلت، انصرف ذلك بإذن الله تعالى إلى غذائه، ولذلك

стр. 439

لا تحيض الحامل، فإذا وضعته (١)؛ قَلَبَه الله تعالى بحكمته لبنًا يتغذَّى به، ولذلك قلَّما تحيض المرضع، فإذا خلت عنهما بقي الدَّم لا مصرِف له، فيستقرُّ في مكان، ثمَّ يخرج في الغالب في كلِّ شهر ستَّة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقلُّ، ويطول شهرها ويقصر، بحسب ما ركَّبه الله تعالى في الطباع، ولهذا «أمر النَّبيُّ ﷺ ببرِّ الأم ثلاث مرات، وببرِّ (٢) الأب واحدةً» (٣). (وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ): (فِعْلَ الصَّلَاةِ)؛ فرضًا كانت أو نفلًا، (وَ) يمنع (وُجُوبَهَا)، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على إسقاط فرض الصَّلاة عنها في أيَّام حيضها، وعلى أنَّ قضاء ما فات منها في أيَّام حيضها ليس بواجب) (٤)؛ لقوله ﵇ لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصَّلاة» (٥)، ولما روت معاذة قالت: سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي (٦) الصوم، ولا تقضي الصَّلاة؟! فقالت: «أحروريةٌ أنتِ؟» فقلت (٧): لست بحروريَّة، ولكنِّي أسأل، فقالت: «كنَّا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصَّوم، ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة» متَّفق عليهما (٨)، ومعنى قولها: «أحرورية»؛ الإنكار عليها أن تكون من أهل حَرُوراء، وهي مكان ينسب إليه الخوارج؛ لأنَّهم

стр. 440

يرون على الحائض قضاء الصَّلاة كالصَّوم؛ لفرط تعمُّقهم (١) حتَّى مرَقوا منه، ولأنَّه يشقُّ؛ لتكرُّره وطول مدَّته. فإن أحبَّت القضاء؛ فظاهر نقل الأثرم: المنعُ، قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمال: يكره، لكنَّه بدعة كما رواه الأثرم عن عكرمة، ولعلَّ المراد إلَّا ركعتي الطواف؛ لأنَّها نسك لا آخر لوقته، فيُعايَا بها (٢). وما اعترض (٣) به شيخنا ابن نصر الله عليه ليس بلازمٍ (٤). وعُلم منه: أنَّه يمنع صحَّة الطَّهارة، وحكاه بعضهم اتِّفاقًا (٥)؛ لأنَّه حدث

стр. 441

يوجب الطَّهارة، واستمراره يمنع صحَّتها كالبول، ولا يمنع غسلها لجنابة، نصَّ عليه (١)، بل يسن. (وَفِعْلَ الصِّيَامِ)؛ لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: «أليس إذا حاضت لم تصم ولم تصلِّ؟» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها» رواه البخاري (٢). وظاهره يقتضي وجوب الصَّوم، وهو كذلك إجماعًا؛ لأنَّه واجب في ذمَّتها، وكذا كلُّ من لزمته عبادة وجبت في ذمَّته؛ كالدَّين المؤجَّل، لكنَّه مشروط (٣) بالتَّمكُّن منها، فإن مات قبل التَّمكُّن منها، لم يكن عاصيًا. وتقضيه هي وكل معذور بالأمر السَّابق، لا بأمر جديد على الأشهر. وفي «الرِّعاية»: يقضيه مسافِرٌ بالأمر الأوَّل على الأصحِّ، وحائضٌ ونُفَساء بأمر جديد على الأصحِّ، وفيه نَظَرٌ. (وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ)؛ لقوله ﵇: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن»، وقد سبق (٤). ونقل الشالَنْجِيُّ كراهتَها لها (٥)، وقال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: إذا ظنَّت نسيانَه، وجبتْ (٦). (وَمَسَّ الْمُصْحَفِ)؛ للنَّص. (وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ)؛ لقوله ﵇: «لا أحلُّ المسجد لحائض، ولا

стр. 442

جنب» رواه أبو داود (١). وقيل: لا بوضوء، وقيل: ويمنع دخوله، وحُكي رواية؛ لخوفها تلويثه في الأشهر، ونصُّه في رواية ابن إبراهيم: (تَمرُّ ولا تقعُد) (٢)، والمذهب: حيث أمنت تلويثه. (وَالطَّوَافَ) (٣)؛ لقوله ﷺ لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاجُّ غير أن لا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري» متَّفق عليه (٤)، ولأنَّه صلاة، وهي ممنوعة منها (٥)، ومن لوازمه اللُّبث في المسجد، وهي ممنوعة منه. وعند الشَّيخ تقِيِّ الدِّين: بلا عذر (٦). وعن أحمد: يصحُّ منها، وتجبره بدم. (وَ) يمنع (الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، ولقوله ﵇: «اصنعوا كلَّ شيء إلَّا النِّكاح» رواه مسلم (٧)، ويستثنى (٨): من به شَبَق بشرطه. (وَسُنَّةَ الطَّلَاقِ)؛ لما روي عن ابن عمر: أنَّه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: «مُرْهُ فليراجعها، ثمَّ ليطلِّقها طاهرًا أو حامِلًا» متَّفق عليه، ولم يقل البخاري: «أو حاملًا» (٩)، ولأنَّه إذا طلَّقها فيه كان محرَّمًا، وهو طلاق بِدعةٍ؛ لما فيه من تطويل العدَّة، وسيأتي، وهذا ما لم

стр. 443

تسأله الطلاق بعِوَضٍ أو الخُلْع، وفيه وجه. (وَالاِعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، فأوجب العِدَّة بالقروء، وشرط في الآية عدَم الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ [الطّلَاق: ٤]، ويُستثنى منه: المتوفَّى عنها زوجها. (وَيُوجِبُ الْغَسْلَ) عند انقطاعه؛ لقوله ﷺ : «دعي الصَّلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثمَّ اغتسلي وصلِّي» متَّفق عليه (١)، وقد سبق الاختلاف فيه (٢)، هل يجب بالخروج أو الانقطاع؟ (وَالْبُلُوغَ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلَّا بخمار» رواه أحمد وغيره من حديث عائشة، ورُوي أيضًا مرسَلًا وموقوفًا (٣)، فأوجب عليها أن تستتر لأجل الحيض، فدلَّ على أنَّ التَّكليف حصل به. وظاهره: أنَّ أحكام البلوغ تثبت بابتدائه، وصرَّح به في «التَّلخيص» و «البلغة». (وَ) يوجب (٤) (الاِعْتِدَادَ بِهِ)؛ لما سبق، قال في «المغني» و «الشَّرح»: وأكثر هذه الأحكام مُجمَعٌ عليها. (وَالنِّفَاسُ مِثْلُهُ) فيما يجب به، ويحرم، وما يسقط عنها، بغير خلاف

стр. 444

نعلمه (١)؛ لأنَّه دم حيض احتبس لأجل الولد، ثمَّ خرج، فثبت حكمه. لكنْ لو ضَربتِ الحامِلُ بطنَها، أو شَرِبتْ دواءً، فأسقطت ونُفِست؛ لم تصلِّ، وفي وجوب القضاء وجهان. (إِلَّا فِي الاِعْتِدَادِ)؛ لأنَّ انقضاء العدَّة بالقُروء، والنَّفاسُ ليس بقروء، ولأنَّ العدَّة تنقضي بوضع الحمل. ولا يدلُّ على البلوغ؛ لأنَّه لا يُتصوَّر؛ لحصوله بالحمل قبله، ولا يحتسب عليه به في مدَّة الإيلاء، ويقطع تتابع صوم الظِّهار في قولٍ. (وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ) انقطاعًا يوجب الغسل والصَّلاة عليها؛ (أُبِيحَ) لها (فِعْلُ الصِّيَامِ)؛ لأنَّ وجوب الغسل لا يمنع فعله؛ كالجنب، (وَ) أبيح (الطَّلَاقُ)؛ لأنَّ تحريمه لتطويل العدَّة بالحيض، وقد زال ذلك. والثَّاني: لا يباحان؛ لمفهوم خبرِ ابنِ عمر، رواه الدَّارقطني (٢). والأوَّل أصحُّ. وألحَق القاضِي بهما: القراءةَ، وهو رواية عن أحمد. (وَلَمْ يُبَحْ غَيْرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) في قول أكثرهم، وقال ابن المنذر: (هو كالإجماع) (٣)، وحكاه إسحاق بن راهويهِ إجماعَ التَّابعين (٤)؛ لأنَّ الله تعالى شرط لحلِّ الوطء شرطَين: انقطاع الدم، والغسل، فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى

стр. 445

يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]؛ أي: حتَّى ينقطع دمهنَّ، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]؛ أي: اغتسلن بالماء؛ ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، كذا فسره ابن عبَّاس (١)، وهي قراءة الأكثر بالتَّخفيف في الأولى، وأهل الكوفة بتشديدها، واتَّفق الكل على تشديد الثَّانية، والتَّطهُّر: تَفَعُّل، إنَّما يكون فيما يتكلَّفه (٢) ويروم تحصيله، فيقتضي اتخاذ الفعل منه؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦]، وانقطاع الدَّم غير منسوب إليها، ولا صنع لها فيه. لا يقال: ينبغي على قراءة الأكثر: أنَّه ينتهي النَّهي عن القُرْبان بانقطاع الدَّم؛ إذ الغاية تدخل في المغيَّا لكونها بحرف حتَّى؛ لأنَّه قبل الانقطاع النهي عن القربان مطلق، فلا يباح بحال، وبعده يزول التحريم (٣) المطلق، ويصير إباحة وطئها موقوفًا على الغسل، وظهر أنَّ قراءة الأكثر؛ أكثر فائدةً. وقيل: لا يحرم وطؤها بعد الانقطاع، وقاله داود وه (٤): إذا انقطع دمها لأكثره، وهو عشرة أيَّام؛ حلَّ وطؤها، وإلَّا لم يُبَح حتَّى تطهُر. وعلى الأوَّل: لو عَدِمت الماء؛ تيمَّمت وحلَّ وطؤها، وإن تيمَّمت لها، حلَّ؛ لأنَّ ما أباح الصَّلاة أباح ما دونها، ولو عبَّر بالطُّهر لكان أولى؛ لشموله ما ذكرنا. فرع: إذا أراد وطأها فادَّعتْ حيضًا وأمكن؛ قُبِل، نصَّ عليه (٥)؛ لأنَّها

стр. 446

مُؤتَمَنةٌ، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه تخريج في الطَّلاق، وأنَّه يحتمل أن يُعمل بقرينة أو أَمَارة، وقال ابن حزم: اتَّفَقوا على قبول قول المرأةِ تَزُفُّ العروسَ إلى زوجها فتقول: هذه زوجتُك، وعلى استباحة وطئها بذلك، وعلى تصديقها في قولها: أنا حائض، وفي قولها: قد طهُرتُ). مسألة: تُغَسَّل المسلمةُ الممْتنعةُ قهرًا، ولا نيَّة هنا للعذر؛ كالممتنع من الزَّكاة، وإذا فعلته لم تُصلِّ به على الصَّحيح. وتُغسَّل المجنونة ويَنْويه. وقال ابن عقيل: يحتمل أن يغسِّلها ليطأها، وينوي غسلها؛ تخريجًا على الكافرة. (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ)؛ من القُبْلة، واللَّمْس، والوطْء دون الفرج في قول جماعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] (١)، قال ابن عبَّاس: «فاعتزَلوا نكاح فروجهن» رواه عبد بن حميد وابن جرير (٢)، ولأنَّ المَحيض هو اسم لمكان الحيض في ظاهر كلام أحمد، وقاله ابن عقيل؛ كالمقيل والمبيت، فيختصُّ التحريم بمكان الحيض، وهو الفرج، ولهذا لمَّا نزلت هذه الآية؛ قال النَّبيُّ ﷺ : «اصنعوا كلَّ شيء إلَّا النِّكاح» رواه مسلم، وفي لفظ «إلَّا الجماع» رواه أحمد وغيره (٣)، ولأنَّه وطء مُنع للأذى، فاختصَّ بمحلِّه؛ كالدُّبر. وقيل: المحيض زمن الحيض، قاله في «الرِّعاية» وغيرها، فالاعتزال على

стр. 447

هذا؛ اعتزالهنَّ مطلقًا؛ كاعتزال المُحرِمة والصَّائمة، ويحتمل اعتزال ما يراد منهنَّ في الغالب، وهو الوطء في الفرج. قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (هذا هو المراد؛ لأنَّه قال: ﴿هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، فذكر الحكم بعد الوصف بالفاء، فدلَّ على أنَّ الوصف هو العلَّة، لا سيَّما وهو مناسِبٌ للحكم؛ كآية السَّرقة، فالأمر بالاعتزال في الدَّم للضَّرر (١) والتَّنجيس، وهو مخصوص بالفرج، فيختص الحكم بمحلِّ سببه) (٢). وقال ابن قتيبة: (المحيض: الحيض نفسه) (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، ولا شكَّ أنَّ الاستِمتاع بما فوق السُّرة، وتحت الرُّكبة جائز إجماعًا (٤)، فكذا ما بينهما. وعلى هذا: يُسنُّ ستر فرجها عند مباشرة غيره. وقال ابن حامد: يجب. وعن أحمد: لا يجوز أن يستمتع بما بينهما، وجزم به في «النِّهاية»؛ كخوفه (٥) مواقَعة المحظور؛ لما روى عبد الله بن سعد: أنَّه سأل رسول الله ﷺ : ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإزار» رواه أبو داود (٦).

стр. 448

وأجيب: بأنَّه من (١) رواية حرام بن حَكِيم، وقد ضعَّفه ابن حزم وغيره. سلَّمنا صحَّته؛ فإنَّه يدلُّ بالمفهوم، والمنطوق راجِحٌ عليه، وما رَوى البخاري عن عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يأمرني أن أتَّزِرَ، فيباشرني وأنا حائض» (٢)؛ لأنَّه كان يترك بعض المباح تقذُّرًا؛ كتركه أكل الضَّبِّ. (فَإِنْ وَطِئَهَا) من يجامِع مثلُه، ولو بلفِّ خِرقة قبل انقطاعه، (فِي الْفَرْجِ؛ فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ كَفَّارَةً)، كذا في «المحرَّر» وهو رواية (٣)؛ لما رُوِي: أنَّ عمر بن الخطاب وقع على جاريةٍ له، فوجدها حائضًا، فأتى النَّبيَّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «يغفر الله لك أبا (٤) حفص، تصدَّق بنصف دينار» رواه حرب (٥).

стр. 449

وظاهر المذهب: أنَّ الكفَّارة دينار أو نصفه على وجه التَّخيير؛ لما روى ابن عبَّاس عن النَّبيِّ ﷺ قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدَّق بدينار أو نصفه» رواه أحمد، والتِّرمذي، وأبو داود وقال: (هكذا الرِّواية الصَّحيحة) (١). وعنه: نصفه. وعنه: نصفه في إدباره. وعنه: بل في أصفر (٢). وما ذكرناه هو المشهور؛ لأنَّه معنًى تجب فيه الكفَّارة، فاستوى الحال فيه بين إقباله وإدباره وصفاتِه؛ كالإحرام، لا يقال: كيف يخيَّر بين الشيء ونصفه؟! لأنَّه كتخيير المسافر بين الإتمام والقصر. وظاهره: لا فرق بين كونه ذهبًا مضروبًا أو تِبْرًا، نقله الجماعة. واعتبر الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: كونه مضروبًا (٣)، قال في «الفروع»: (هو أظهر)؛ لأنَّ الدِّينار اسم له كما في الدِّية. وذكر في «الرِّعاية»: هل الدينارُ هنا عشرة أو اثنا عشر؟ يحتمل وجهين، ومراده: إذا أخرج دراهم كم يخرج؛ وإلَّا فلو أخرج ذهبًا؛ لم تعتبر قيمتُه بلا شكٍّ. وأنَّه لا فرق بين النَّاسي والمكرَه، والجاهلِ بالحيض أو التَّحريمِ أو هما؛ للعموم.

стр. 450

وعنه: لا كفَّارة، قال القاضي وابن عقيل: بناءً على الصَّوم والإحرام. وبان بهذا: أنَّ من كرَّر الوطء في حيضة أو حيضتين؛ أنَّه في (١) تكرار الكفَّارة كالصَّوم. فإن وطئها طاهرًا ثمَّ حاضت؛ فإن استدام لزِمتْه الكفَّارةُ، وإن نزع؛ انبنى على الخلاف هل هو جماع أم لا؟ والمنصوص: أنَّها تلزمه الكفَّارة (٢)؛ لأنَّه وإن كان معذورًا؛ فهي واجبة بالشَّرع كالصَّوم. وأنَّ المرأة لا كفَّارة عليها، وهو وجه؛ لأنَّ الإيجاب بالشَّرع، ولم يرد. والمنصوص: أنَّ عليها الكفَّارة (٣)؛ ككفَّارة الوطء في الإحرام. ومقتضاه: أنَّها إذا كانت مكرَهةً، أو غيرَ عالمةٍ؛ لا شيء عليها؛ كالصَّبي؛ لعدم تكليفه. وظاهر كلامه، واختاره ابن حامد: أنَّها تلزمه؛ للعموم. وهما في القيمة، والكفَّارة؛ للفقراء. وتجزئ إلى مسكين واحد؛ كنذرٍ مُطلَق، وتسقط (٤) بالعجز عنها على الأصحِّ. وعنه: تلزمه بوطء دبر، وهو غريب. فرع: الوطءُ في الحيض ليس بكبيرة، ش (٥)، وإنَّما شُرِعت الكفَّارة زجرًا عن معاودته، ولهذا أغنى وجوبها عن التعزير في وجه. (وَعَنْهُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ)، قدَّمه ابن تميم، وجزم به في «الوجيز»،

стр. 451

وهو قول أكثر العلماء؛ لقول النبي ﷺ : «من أتى حائضًا أو امرأةً في دُبُرها، أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمَّد» رواه ابن ماجه، وضعَّفه البخاري (١)، ولأنَّه وطْءٌ نُهي عنه لأجل الأذى أشبه الوطء في الدُّبر، وكما لو وطئ بعد انقطاعه قبل غسلها في المنصوص. وحديث الكفَّارة مداره على عبد الحميد بن زيد بن الخطاب، قيل لأحمد: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم، قال: ولو صحَّ ذلك لكنَّا نرى عليه الكفَّارة (٢). تذنيب: بَدَن الحائض، وعَرَقها، وسُؤرها؛ طاهر، ولا يكره طبخها وعجينها وغير ذلك، ولا وضع بدنها (٣) على شيء من المائعات، ذكره ابن جرير إجماعًا، ولعلَّ المراد: ما لم يَفسُد من المائعات (٤) بملاقاة بدنها، وإلَّا توجَّه المنع فيها وفي (٥) المرأة الجنب، قاله في «الفروع». (وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ)؛ تمام (تِسْعِ سِنِينَ) في المشهور من المذهب، قال التِّرمذي: قالت عائشة: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» (٦)، ورواه القاضي مرفوعًا من رواية ابن عمر (٧)، أي: حكمها حكم

стр. 452

المرأة، قال الشَّافعيُّ: (رأيت جدَّةً لها إحدى وعشرين سنة) (١)، وذكر ابن عَقيل: أنَّ نساء تِهامة يَحِضْن لتسع سنين. وظاهره: أنَّها إذا رأت لدونِ تسع فليس بحيض، وهو كذلك بغير خلاف؛ لأنَّه لم يثبت في الوجود والعادة لأنثى حيض قبل استكمالها، وأنَّه لا فرق فيه بين البلاد الحارة والباردة. وقيل: لا حيض قبل تمام عشر (٢). وعنه: اثنتا عشرة؛ لأنَّه الزَّمان الذي يصحُّ فيه بلوغ الغلام، وهو تقريب. وقيل: تحديد (٣). ولانقطاعِه غاية، نصَّ عليه (٤)، (وَأَكْثَرُهُ خَمْسُونَ سَنَةً)، قدَّمه في «المستوعب» و «الرِّعاية» و «التَّلخيص»، وصحَّحه في «البلغة»، واختاره عامَّة المشايخ، قاله (٥) ابن الزَّاغُوني؛ لقول عائشة: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة؛

стр. 453

خرجت من حدِّ الحيض»، ذكره أحمد (١)، وقال أيضًا: «لن ترى في بطنها ولدًا بعد الخمسين» رواه أبو إسحاق الشَّالَنْجِيُّ (٢). وظاهره: أنَّه لا فرق بين نساء العرب وغيرهنَّ؛ لاستوائهنَّ في جميع الأحكام. (وَعَنْهُ: سِتُّونَ فِي نِسَاءِ الْعَرَبِ) وخمسون لغيرهن، وقاله أهل المدينة؛ لأنَّهنَّ أقوى جِبِلَّةً. وعنه: غايته ستون سنةً، جزم بها في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمها ابن تميم، واختارها أبو الخَطَّاب في «خلافه الصَّغير»؛ لأنَّ ما قبل ذلك وجد فيه حيض بنقل نساءٍ ثقاتٍ. وعنه: إن تكرَّر بعد الخمسين فهو حيض، وإلَّا فلا، صحَّحها في «الكافي»؛ لوجوده على ما نقله الزُّبَير بن بَكَّارٍ (٣). وعنه: مشكوك فيه، اختارها الخِرَقِيُّ، فتصوم وتصلِّي؛ لأنَّ وجوبهما متيقَّن، فلا يزول بالشكِّ، ولا يقربها زوجها إذا انقطع حتَّى تغتسل؛ لاحتمال أن يكون حيضًا، والصَّوم تقضيه وجوبًا على الأصحِّ؛ لأنَّه واجب بيقين، فلا يسقط بالشَّكِّ.

стр. 454

وقد عُلم: أنَّها إذا رأت دمًا (١) أنه ليس بحيض بغير خلاف في المذهب؛ لأنَّه لم يوجد، وهو بمنزلة الجُرْح، قاله أحمد (٢)، وهو دم فساد، ش (٣) فإنَّه لا غاية لانقطاعه. فالجواب (٤): أنَّه قد وُصف النِّساء بالإيَاس منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطّلَاق: ٤]، ولو أمكن أن يكون حيضًا لم تيْأس أبدًا، ولأنَّها تعتدُّ بالأَشْهُر. (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) في المنصوص (٥)، وه (٦)؛ لما روى أبو سعيد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتَّى تضع، ولا غير ذات حمل حتَّى تحيض» رواه أحمد وأبو داود من رواية شريك القاضي (٧)، فجعل الحيض علَمًا على براءة الرَّحِم، فدلَّ على أنَّه لا يجتمع معه، وقال ﵇ في حقِّ ابن عمر لمَّا طلَّق زوجته وهي حائض: «ليُطَلِّقها طاهرًا أو حاملًا» (٨)، فجعل الحمل علَمًا على عدم الحيض كالطهر، احتجَّ به أحمد. وعنه: بلى، حكاها أبو القاسم التَّميمي (٩) والبيهقِيُّ، والشَّيخ تقِيُّ الدِّين

стр. 455

واختارها (١)، قال في «الفروع»: وهي أظهر، وذكر عبيدة بن الطَّيِّب (٢): أنَّه سمع إسحاق ناظر أحمد، ورجع إلى قوله هذا. رواه الحاكم (٣)، لأنَّه دمٌ صادف عادةً، فكان حيضًا كغيرها. فعلى الأولى: إذا رأت دمًا؛ فهو دم فساد، لا تترك له (٤) العبادة، ولا يُمنع زوجها من وطئها. ويستحبُّ أن تغتسل (٥) بعد انقطاعه، نصَّ عليه (٦)، وفي وجوبه وجهان. إلَّا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة؛ فهو نفاس، ولا تنقص به مدته، نصَّ عليه (٧)؛ لأنَّه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسًا، ولا تترك العبادة من غير علامة على قرب الوضع؛ عملاً بالأصل، فإن تركتها لعلامةٍ، فتبيَّن بُعده عنها؛ أعادت ما تركته من العبادة الواجبة (٨). (وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)، هذا هو المشهور، واختاره عامَّة المشايخ؛ لقول عليٍّ ﵁ (٩). لا ثلاثة أيام، هـ (١٠).

стр. 456

(وَعَنْهُ: يَوْمٌ)، اختارها أبو بكر؛ لأنَّ الشَّرع علَّق على الحيض أحكامًا، ولم يبيِّنه، فعُلم أنَّه ردَّه إلى العُرف؛ كالقَبْض والحِرْز، وقد وُجِد حَيضٌ معتادٌ يومًا، ولم يوجد أقل منه، قال عَطاءٌ: (رأيت من تحيض يومًا) رواه الدَّارقطني (١)، وقال الشَّافِعِيُّ: (رأَيْتُ امرأة قالت (٢): إنَّها لم تزل تحيض يومًا لا يزيد) (٣)، وقال أبو عبد الله الزُّبيرِيُّ: (كان في نسائنا من تحيض يومًا) (٤). فمن قال به أخذ بظاهر الإطلاق، يؤيده قول الأوزاعي: (عندنا امرأةٌ تحيض بُكرةً، وتطهُر عَشيَّةً). ومن قال باليوم واللَّيلة، قال: إنَّه المفهوم من إطلاق اليوم، ومن ثَمَّ قال القاضي: يمكن حمل كلام أحمد: (أقلُّه يوم)؛ أي (٥): بليلته، فتكون المسألةُ روايةً واحدةً، وهذه طريقة الخلَّال، ولكن الأكثر على خلافها. (وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) في ظاهر المذهب، قال الخلَّال: لا اختلاف فيه؛ لقول عطاء: «رأيت من تحيض خمسة عشر يومًا» (٦)، يؤيِّده ما رواه عبد الرَّحمن (٧) بن أبي حاتم في «سننه» عن ابن عمر مرفوعًا أنَّه قال: «النِّساء ناقصات عقلٍ ودينٍ»، قيل: وما نُقصانُ دينِهِنَّ؟ قال: «تمكث (٨) إحداهنَّ شطر عمرها لا تصلِّي»، وذكر ابن المُنَجَّى: (أنَّه رواه البخاري)، وهو خطأ، قال

стр. 457

البيهقي: (لم أجده في شيء من كتب الحديث)، وقال ابن منده: (لا يثبُت هذا بوجه من الوجوه عن النَّبيِّ ﷺ (١). (وَعَنْهُ: سَبْعَةَ عَشَرَ)، قال ابن المنذر: (بلغني أن نساء الماجِشُون كن يحضن سبع عشرة، وحكاه ابن مهدي عن غيرهن) (٢). وقيل عليهما: وليلة، لا عشرة بلياليها، هـ (٣). وقال م (٤): لا حدَّ لأقلِّه، فلو رأت دَفعة واحدةً كان حيضًا، وأكثره خمسة عشر يومًا. (وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لِحَمْنَةَ بنتِ جحْش لما سألته: «تحيَّضي في علم الله ستَّة أيَّام أو سبعة، ثمَّ اغتسلي، وصلِّي أربعًا وعشرين ليلةً، أو ثلاثًا وعشرين ليلةً وأيَّامها، فإنَّ ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كلِّ شهر كما تحيض النِّساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهنَّ» رواه أبو داود والنَّسائي وأحمد والتِّرمذي وصحَّحاه، وحسَّنه البخاري (٥). (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا)، هذا هو المختار من (٦)

стр. 458

المذهب، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى أحمد واحتجَّ به عن عليٍّ: أنَّ امرأةً جاءته، وقد طلَّقها زوجها، فزعمت أنَّها حاضت في شهر ثلاث حِيَضٍ، فقال عليٌّ لشُرَيح: «قل فيها»، فقال شريح: إن جاءت ببيِّنة من بِطانةِ أهلها ممَّن يُرضى دينُه وأمانتُه فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة (١). فقال عليٌّ: «قَالُون»؛ أي: جيِّد بالرُّوميَّة (٢)، وهذا لا يقوله إلَّا توقيفًا، وهو قول صحابي انتشر ولم يُعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر دليل على أنَّ الثَّلاثة عشر طهرٌ صحيحٌ يقينًا، قال أحمد: (لا يُختلف أنَّ العدَّة يصحُّ أن تنقضي في شهر إذا قامت به البيِّنة) (٣). وظاهره: أنَّ الطُّهر في أثناء الحيضة لا توقيت فيه، وسيأتي. (وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ)، هذا (٤) رواية عن أحمد حكاها في «المحرَّر» و «الفروع»، وهي قول أكثر العلماء؛ لما تقدَّم من قوله: «تمكث إحداكنَّ (٥) شطر عمرها لا تُصلِّي» (٦). وذكر أبو بكر: أنَّهما مبنيان على أكثر الحيض؛ فإن قيل: خمسة عشر يومًا فأقلُّ الطُّهر مثله، وإن قيل: سبعةَ عشر يومًا فأقله ثلاثة عشر يومًا.

стр. 459

والمشهور عند الأصحاب: لا بِنَاءَ، فأكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأقلُّ الطُّهر ثلاثة عشر، ثمَّ إنَّما يلزم ذلك أن لو كان شهرُ المرأة لا يزيد على ثلاثين يومًا، فإذا زاد تُصوِّر أن يكونَ حيضُها سبعةَ عشَرَ، وطهرُها خمسةَ عشرَ وأكثر. وقيل: يزاد على كل عدد ليلة. وعنه: لا توقيتَ فيه، وهو على ما تعرفه من عادتها، اختاره بعض أصحابنا. وعنه: إلَّا في العدة؛ أي (١): إذا ادَّعت انقضاءها في شهر كُلِّفت البينة، وإن كان في أكثر منه؛ صُدِّقتْ. (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ)؛ أي: الطُّهر؛ لأنَّ التَّحديد من الشَّرع ولم يرد به، ولا نعلم له دليلًا، ولأنَّه قد وجد من لا تحيض أصلاً، لكنَّ غالبَه بقية الشهر (٢).

стр. 460

(فَصْلٌ) (وَالْمُبْتَدَأَةُ): هي التي رأت دمَ الحيض ولم تكن حاضت، في زمن يمكن أن يكون حيضًا. وظاهره: لا فرق بين الأسود والأحمر، وهو الأصحُّ. وقال ابن حامد وابن عقيل: لا تلتفت أوَّل مرَّةٍ إلا (١) إلى الأسود، قدَّمه في «الرِّعاية». فإن كان صُفرةً أو كُدْرةً؛ فظاهره أنَّها تجلسه، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»، وظاهر كلام الإمام خلافه. (تَجْلِسُ)؛ أي: تدَع برؤيته - نقله الجماعة (٢) - الصَّلاة والصِّيام ونحوهما؛ لأنَّ دم الحيض جِبِلَّةٌ وعادةٌ، ودمُ الاِستحاضة لعارض من مرَضٍ ونحوِه، والأصل عدمه، (يَوْمًا وَلَيْلَةً) نصَّ عليه في رواية ابنَيْه والمَرُّوذِيِّ (٣)؛ لأنَّ العبادةَ واجبةٌ في ذمَّتها بِيَقِينٍ، وما زاد على أقلِّ الحيض مشكوك فيه، فلا نسقطها (٤) بالشَّكِّ، ولو لم نُجْلِسْها (٥) الأقل؛ لأدَّى إلى عدم جلوسها أصلًا. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان أقلَّ من يوْمٍ وليلةٍ؛ لا تلتَفِت (٦) إليه؛ لأنَّه دم فساد، إلَّا إذا قلنا: أقلُّه يوم. قال القاضي وابن عَقيل: إنَّ المبتدَأة لا تجلس فوق الأقلِّ بلا خلاف،
следующие страницы →