← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

(بَابُ مِيرَاثِ الْغَرْقَى وَمَنْ عَمِيَ مَوْتُهُمْ) أيْ (١): خَفِيَ ولم يُعلَمْ. وكان يَنبَغِي للمؤلِّف أنْ يَذكُرَ هذا البابَ عَقِبَ المفْقودِ؛ لأِنَّه جَهْلٌ يُوجِبُ التَّوقُّفَ في الإرْث، وهُنا يُوجِبُ حِرْمانَه في بَعْضِ الصُّوَر. (إِذَا مَاتَ مُتَوَارِثَانِ، فَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا؛ كَالْغَرْقَى)، هو جَمْعُ غَرِيقٍ، كقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، (وَالْهَدْمَى)، يَجوزُ أنْ يكونَ جَمْعُ هَدِيمٍ بمَعْنَى مَهْدومٍ، كجَرِيحٍ بمَعْنَى مَجْروحٍ، قال ابنُ أبي الفَتْحِ: ولم أرَ هذا مَنْقولاً (٢)، (وَاخْتَلَفَ وَارِثُهُمَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا)؛ أي: ادَّعَى وَرَثَةُ كلِّ ميِّتٍ سَبْقَ الآخَرِ، ولا بيِّنةَ، أوْ تَعارَضَت البيِّنةُ؛ تَحالَفَا ولم يَتَوارَثَا، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، واخْتارَه الأكثرُ. وقال جماعةٌ: بَلَى. وخرَّجوا منها: المنْعَ في جَهْلِهم الحالَ، اخْتارَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤). (فَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي امْرَأَةٍ وَابْنِهَا مَاتَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ، وَقَالَ أَخُوهَا: مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا: أنَّه يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُنْكِرُ ما ادُّعِيَ به عَلَيهِ، والمنْكِرُ عَلَيهِ اليَمينُ، وهذا إذا لم تَكُنْ (٥) بَيِّنةٌ، (وَيَكُونُ مِيرَاثُ الاِبْنِ لِأَبِيهِ)؛ لأِنَّه وارِثُه الحَيُّ المُتَيَقَّنُ، وغَيرُه مَشْكوكٌ فيه، (وَمِيرَاثُ

стр. 4027

المَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ)؛ لأِنَّهما اللَّذانِ يَرِثانِها يقينًا، وغَيرُهما مَشْكوكٌ فيه، (ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) في «الدَّعاوَى»، وهو قَولُ الصِّدِّيقِ، وزَيْدٍ (١)، وابنِ عبَّاسٍ (٢)، والحَسَنِ بنِ عليٍّ (٣)، وعمرَ بنِ عبدِ العزيز، والأوزاعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وأكثرِ العلماء، وهو المنصوصُ. وظاهِرُه: أنَّه إذا مات المتوارِثانِ معًا، وعَلِمَ الورثةُ ذلك؛ فلا إرْثَ، صرَّح به في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأِنَّ من شَرْطِ تَورِيثِه كَونَه حَيًّا حِينَ مَوت الآخَرِ. (وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ) وقد نَصَّ عَلَيهِ (٤)، واخْتارَه الأكْثَرُ: (أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْتَى يَرِثُ صَاحِبَهُ مِنْ تِلَادِ مَالِهِ)؛ أيْ: مالِه القَديمِ الأصْليِّ، (دُونَ مَا وَرِثَهُ مِنَ الْمَيِّتِ مَعَهُ)، وهو المسْتَحْدَثُ، ويُقالُ له: الطَّارِقُ، والطَّرِيقُ (٥)، وسَواءٌ

стр. 4028

جَهِلَ الوَرَثَةُ كَيفَ ماتَا، أوْ تحقَّقُوا السَّابِقَ وجَهِلُوا عَينَه. (فَيُقَدَّرُ أَحَدُهُمَا مَاتَ أَوَّلاً، وَيُوَرَّثُ الآْخَرُ مِنْهُ، ثُمَّ يُقْسَمُ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِالثَّانِي كَذَلِكَ)، فيُقدَّرُ أنَّ المرأةَ ماتَتْ أوَّلاً، فَوَرِثَها زَوجُها وابْنُها أرْباعًا، ثُمَّ يأخُذُ ما وَرِثَه الاِبْنُ فيُدفَعُ لِوَرَثَتِه (١) الأحياءِ، وهُمُ الأبُ، فيَجتَمِعُ له جَميعُ مالِه، ثُمَّ يُقدَّرُ أنَّ الاِبْنَ مات أوَّلاً، فَوَرِثَه أبَواهُ أثْلاثًا، ثُمَّ يأخُذُ ثُلثَ الأمِّ فيَقْسِمُه بَينَ وَرَثَتِها الأحياءِ، وهم أخُوها وزَوجُها نِصفَينِ فيَحصُل للأخ السُّدسُ من مال الاِبْنِ، قال أحمدُ (٢): أذْهَبُ إلى قَولِ عُمَرَ (٣) وعليٍّ (٤) وشُرَيحٍ وإبراهيمَ والشَّعبيِّ، وحكاهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح»

стр. 4029

عن جَمْعٍ من التَّابِعِينَ ومَنْ بَعْدَهم. قال الشَّعْبِيُّ: (وَقَعَ الطَّاعُونُ بالشَّام عامَ عَمَواسٍ، فَجَعَلَ أهْلُ البَيتِ يَمُوتُونَ عن آخِرِهم، فكُتِبَ في ذلك إلى عمرَ، فأمَرَ عُمَرُ أنْ وَرِّثُوا بَعْضَهم مِنْ بَعْضٍ) (١)، وَرُوِيَ عن إيَاسٍ المُزَنِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن قَومٍ وَقَعَ عَلَيهِم بَيتٌ، فقال: «يَرِثُ بَعضُهم بَعْضًا» (٢). وحَمَلَ بَعْضُ الأصْحاب نَصَّ أحمدَ الذي حَكاهُ الخِرَقِيُّ اخْتِصاصَه بِما إذا ادَّعَى وارِثُ كلِّ ميِّتٍ بأنَّ مَورُوثَه كان آخِرَهما مَوتًا، فأمَّا مع الجَهْل؛ فيُوَرَّثُ (٣) كلُّ واحِدٍ منهما من الآخَرِ؛ لأِنَّ مع التَّداعِي يتوجَّه اليَمِينُ على المدَّعَى عَلَيهِ، بخِلافِ ما إذا اتَّفَقُوا على الجَهْلِ؛ لكَونِها لا تُشْرَعُ حِينَئِذٍ. واحْتَجَّ في «المغْنِي» و «الشَّرح» للرِّواية الأُولَى: بِمَا رَوَى سعيدٌ في «سُننه»: حدَّثنا إسْماعِيلُ بنَ عُوَيسٍ (٤)، عن يَحيى بنِ سَعِيدٍ: «أنَّ قَتْلَى اليمامةِ وصِفِّينَ والحرَّةِ لم يَرِثْ بعضُهم من بَعْضٍ، وَوَرَّثُوا عَصَبَتَهم الأحياءَ» (٥)،

стр. 4030

وقال: ثَنَا عَبدُ العزيز بنُ محمَّدٍ، عن جَعفَرِ بنِ محمَّدٍ، عن أبِيهِم: «أنَّ أُمَّ كُلْثومٍ بنتَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَتْ هي وابْنُها زَيدُ بنُ عُمَرَ، فلم يُدْرَ أيُّهما ماتَ قَبْلَ صاحِبِه، فلم تَرِثْه (١) ولم يَرِثْها» (٢)، ولأِنَّ شَرْطَ التَّوارُث حياةُ الوارِثِ بَعْدَ مَوتِ الموْرُوثِ، ولَيسَ بمَعْلومٍ، فلا يَثْبُتُ مع الشَّكِّ في شَرْطِه، ولأِنَّه مَشْكُوكٌ في حياته حِينَ موتِ (٣) مَوْرُوثِه، فلا يَرِثُه؛ كالحَمْل إذا وَضَعَتْهُ ميتًا، ولا (٤) تَورِيث كلِّ واحِدٍ منهما خَطأٌ قَطْعًا؛ لأِنَّه لا يَخْلُو من (٥) أنْ يكونَ مَوتُهما معًا، أوْ يَسبِقَ أحَدُهما، وتَورِيثُ السابِقِ بالموت خَطَأٌ يَقِينًا مُخالِفٌ للإجماع، فكَيفَ يُعمَلُ به؟! وقال أبو ثَورٍ، وابن سُرَيجٍ، وطائفةٌ: يُعْطَى كلُّ وارِثٍ اليَقِينَ، ويُوقَفُ المشْكوكُ فيه حتَّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ أوْ يَصْطلِحُوا، وحكاهُ في «الرِّعاية» قَولاً. وقال أبو بَكْرٍ: المالُ بَينَهما نصْفانِ، وأبْطَلَه في «المغْنِي» بأنَّه يقتضي (٦) إِلَى أنْ يُعْطَى الأخُ ما لا يَدَّعِيهِ ولا يَسْتَحِقُّه يَقِينًا؛ لأِنَّه لا يَدَّعِي مِنْ مالِ الاِبْنِ أكثرَ مِنْ سُدُسِه، ولا يُمكِنُ أنْ يَسْتَحِقَّ أكثرَ منه. فَرْعٌ: لو عُلِمَ السَّابِقُ ثُمَّ نُسِيَ؛ فالحُكْمُ فيه كما لو جُهِلَ. وقِيلَ: بالقُرْعة، قال الأَزَجِيُّ: وإنَّما لم نُجِزِ (٧) القرعَةَ لِعَدَمِ دخولِها في النَّسَبِ. وقال الوَنِّيُّ:

стр. 4031

يُعمَلُ باليقِينِ، ويُوقَفُ مع الشَّكِّ. (فَعَلَى هَذَا: لَوْ غَرِقَ أَخَوَانِ، أَحَدُهُمَا مَوْلَى زَيْدٍ، وَالآْخَرُ مَوْلَى عَمْرٍو؛ صَارَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى الآْخَرِ)؛ لأِنَّه إذا قُدِّرَ مَوتُ مَوْلَى زَيْدٍ أَوَّلاً؛ اسْتَحَقَّ مِيرَاثَه أخُوهُ (١)، ثُمَّ يُدفَعُ إلى ورثَتِه (٢) الأحْياءِ، وهو مَولاهُ، ثُمَّ هكذا يُقدَّرُ في مَولَى عَمْرٍو. (وَعَلَى الْقَوْلِ الآْخَرِ)، وهو مَنْ لم يُوَرِّثْ أحدَهما من صاحبه: (يَصِيرُ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَاهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى)؛ لِمَا تَقَدَّم، ومَنْ قال بالوقْف؛ وَقَفَ مالَهما. وإن ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ مَولاهُ آخِرُهما مَوتًا؛ حَلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوَى صاحِبِه، وأَخَذَ مالَ مَولاهُ على ما ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وإنْ كان لهما أُخْتٌ؛ فَمَنْ وَرَّثَ كلَّ واحِدٍ منهما من صاحِبِه؛ جَعَلَ لها الثُّلُثَينِ من مالِ كلِّ واحِدٍ منهما، والنِّصفَ على القول الآخَرِ. وإنْ خلَّف كلُّ واحِدٍ منهما زَوجَةً وبِنْتًا؛ فَمَنْ لم يُورِّثْ بَعضَهم من بَعْضٍ؛ صحَّحها من ثمانيةٍ؛ لاِمْرأتِه الثُّمُنُ، ولاِبْنَتِه النِّصفُ، والباقِي لِمَولاهُ. ومَنْ ورَّثَهم؛ جَعَلَ الباقِيَ لِأَخِيهِ، ثُمَّ قَسَمَهُ بَينَ وَرَثَةِ أخِيهِ على ثمانيةٍ، ثُمَّ ضَرَبَها في الثَّمانية الأُولَى، فصحَّتْ من أربعةٍ وسِتِّينَ؛ لاِمْرأتِه ثمانيةٌ، ولاِبْنَتِه اثْنانِ وثلاثونَ، ولاِمْرأةِ أخِيهِ ثُمُنُ الباقِي ثلاثةٌ، ولاِبْنَتِه اثْنَا عَشَرَ، ولِمَولاهُ الباقِي تسعةٌ. مسألةٌ: لو عَيَّنَ الورثةُ وَقْتَ مَوتِ أحدِهما، وشَكُّوا هل ماتَ الآخَرُ قَبْلَه أوْ بَعْدَه؛ وَرِثَ مَنْ شُكَّ في مَوته من الآخَر؛ إذِ الأصلُ بَقاؤُهُ. وقِيلَ: لا تَوارُثَ بَينَهما بحالٍ، وهو بَعِيدٌ.

стр. 4032

ولو مات أخَوانِ عِنْدَ الزَّوال، أحدُهُما بالمشْرِقِ، والآخَرُ بالمغْرِبِ؛ وَرِثَ الذِي ماتَ بالمغْرِبِ مِنَ الذِي ماتَ بالمشْرِقِ؛ لِمَوتِه قَبْلَه، بِناءً على اخْتِلافِ الزَّوال، قالَهُ في «الفائق».

стр. 4033

(بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ) وهو جَمْعُ مِلَّةٍ، بكَسْرِ الميم إفْرادًا وجَمْعًا، وهي: الدِّينُ والشَّريعةُ. (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ)، قال أحمدُ: لَيسَ بَينَ النَّاس اخْتِلافٌ فيه (١)، وهو قَولُ جُمهورِ الصَّحابة والتَّابِعِينَ ومَنْ بَعدَهم (٢). ورُوِيَ عن عُمرَ ومُعاذٍ ومُعاوِيَةَ خِلافُه (٣).

стр. 4034

والعَمَلُ على الأوَّل. ولا فَرْقَ فيه (١) بَينَ أنْ يكونَ من نَسَبٍ أوْ نكاحٍ، وصرَّح به في «الوجيز»، وقيَّد الكافِرَ بالأصليِّ، وهو مُرادٌ. (وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)، إجْماعًا (٢)، وسَنَدُه: ما رَوَى أسامةُ بنُ زَيدٍ مَرْفوعًا: «لا يَرِثُ المسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المسْلِمَ» متَّفَقٌ عَلَيهِ (٣)، ولأِنَّ الوَلاءَ (٤) بَينَهما مُنقَطِعةٌ، فلم يَتَوارَثَا. (إِلاَّ أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ؛ فَيَرِثُهُ)، نَقَلَه الأثْرَمُ ومحمَّدُ بنُ الحَكَم (٥)، واختاره الشَّريفُ وأبو الخَطَّاب في «خِلافَيهِما»؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ

стр. 4035

في «سُنَنه» من طَريقَينِ، عن عُرْوةَ وابنِ أبي مُلَيكَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أسْلَمَ على شَيءٍ فهو له» (١)، وعن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كلُّ قَسْمٍ قُسِمَ في الجاهليَّة؛ فهو على ما قُسِمَ، وكلُّ قَسْمٍ أدْرَكَه قَسْمُ الإسلام؛ فإنَّه على قَسْمِ الإسلام» رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجَهْ (٢)، وقَضَى به عمرُ وعُثْمانُ (٣)،

стр. 4036

رواه ابنُ عبدِ البَرِّ في «التَّمهيد»، ولم يُنكَرْ، فكان إجْماعًا. والحِكمةُ فيه: التَّرغِيبُ في الإسلام والحثُّ عليه. فعلى هذا: إنْ أسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ البَعْض؛ وَرِثَ ما بَقِيَ، فإنْ كان الوارِثُ واحِدًا فتَصَرُّفُه في التَّرِكة وحِيازَتُها كقِسْمَتها، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». وظاهِرُه: أنَّه إذا قُسِمَت التَّرِكةُ، وتَعَيَّنَ حقُّ كلِّ وارِثٍ، ثمَّ أسْلَمَ؛ فلا شَيءَ له. واسْتَثْنَى الخِرَقِيُّ، والمجْدُ، والجَدُّ: الميراثَ بالوَلاء، وهو: ما إذا أعْتَقَ الكافِرُ مسلِمًا، أوْ بالعكس، فإنَّه يَرِثُه بالوَلاء على المذْهَبِ؛ لِثُبوتِه. (وَعَنْهُ: لَا يَرِثُهُ)، نقلها أبو طالِبٍ (١)، وصحَّحها جماعةٌ، وقاله أكثرُ العلماء؛ لقَولِه ﵇: «لا يَرِثُ المسلِمُ الكافِرَ … » الخبرَ (٢)، ولأِنَّ الملْكَ قد انتَقَلَ عنه بالموت، فلم يُشارِكْهم مَنْ أسْلَمَ؛ كما لو اقْتَسَمُوا، أو كان رقيقًا فأُعْتِق. فَعَلَيها: تَرِثُ (٣) عَصَبةُ سيِّده الموافِقِ لدِينه. وورَّث الشَّيخُ تقيُّ الدِّين المسلمَ من ذِمِّيٍّ؛ لِئَلاَّ يَمتَنِعَ قَريبُه (٤) من الإسلام، ولِوُجوبِ نَصْرِهم ولا يَنصُروننا (٥). (وَإِنْ عَتَقَ عَبْدٌ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، وَقَبْلَ الْقَسْمِ؛ لَمْ يَرِثْ وَجْهًا وَاحِدًا)،

стр. 4037

نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ الحَكَم (١)، وقالَهُ جُمْهورُ الفقهاء من الصَّحابة ومَن بَعدَهم (٢)؛ لأِنَّ مُقْتَضَى الدَّليل مَنْعُه مطلَقًا، خَرَجَ منه ما سَبَقَ، فيَبْقَى ما عَداهُ على مُقْتَضاهُ. وعَنْهُ: يَرِثُ، ذَكَرَها ابنُ أبي موسى؛ كمَن أسْلَم، وقاله ابنُ مَسْعودٍ (٣)، ومَكحولٌ، وقَتادةُ. والأوَّلُ أصحُّ، قال ابنُ حَمْدانَ: والمذْهَبُ تَورِيثُ مَنْ أسْلَمَ لا مَنْ عَتَقَ، والفَرْقُ: أنَّ الإسْلامَ أعْظَمُ الطَّاعات والقُرَبِ وَرَدَ الشَّرعُ بالتَّأليف عليه، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بتَورِيثه؛ تَرْغِيبًا له في الإسلام، والعِتْق لا صُنْعَ له فيه، ولا يُحْمَدُ عليه، فلم يَصِحَّ قَياسُه عليه، ولَولا ما وَرَدَ مِنْ الأثر في تَورِيثِ مَنْ أسْلَمَ؛ لَكانَ النَّظَرُ أنْ لا يَرِثَ مَنْ لم يَكُنْ من أهْلِ الميراث حِينَ الموت. فَرْعٌ: لو مَلَكَ ابنَ عمِّه، فدَبَّره؛ يَعْتِق بمَوته ولم يَرِثْه؛ لأِنَّه رقيقٌ حِينَ الموت. وإنْ قال: أنت حُرٌّ في آخِرِ حَياتِي عَتَقَ وَوَرِثَ في الأصحِّ؛ كحُرِّيَّته حِينَ الموت. (وَيَرِثُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِنِ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٤)؛ لأِنَّ المانِعَ من الإرث اخْتِلافُ الدِّين، وهو مُنْتَفٍ، لكِنْ لا فَرْقَ بَينَ أهلِ الذِّمَّة وغَيرِهم من الكُفَّار في ذلك؛ لِمَفْهومِ حديثِ أُسامةَ (٥).

стр. 4038

(وَهُمْ ثَلَاثُ مِلَلٍ)، هذا رِوايةٌ: (الْيَهُودِيَّةُ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ)؛ لأنَّ كُلًّا منهما له كِتابٌ وأحْكامٌ وشَرائِعُ غَيرُ الأخْرى، (وَدِينُ سَائِرِهِمْ)؛ أيْ: باقِيهِم؛ كالمجوس وعَبَدةِ الأوْثان، فإنَّهم مِلَّةٌ واحِدةٌ؛ لأِنَّه يَشمَلُهم بأنَّه لا كِتابَ لهم، وهذا قَولُ شُرَيحٍ وعَطاءٍ وجَمْعٍ، واخْتارَه القاضِي وعامَّةُ الأصحاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِمَا رَوَى عَبدُ الله بنُ عُمَرَ (١): أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَتوارَثُ أهْلُ مِلَّتَينِ شَتَّى» رواه أبو داودَ (٢)، ولأِنَّ الموالاةَ مُنقَطِعةٌ بَينَهم، أشْبَهَ اخْتِلافَهم بالكفر والإسلام. وعَنْهُ: الكُفْرُ مِلَلٌ مُختلِفَةٌ، اخْتارَه أبو بَكْرٍ والشَّريفُ وأبو الخَطَّاب في «خِلافَيهِما» (٣)، وقدَّمه في «الفروع»، وهو (٤) قَولُ كثيرٍ من العلماء؛ لأِنَّ الخَبَرَ المذكورَ يَنفِي تَوارُثَهم، ولم نَسمَعْ عن أحمدَ تصريحًا بذِكْرِ انْقِسامِ الملْك، فَعَلَى هذا: لا توارُثَ بَينَها، قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: يَحتمِلُ أنْ تَكونَ مِلَلاً كثيرةً، فتكونَ المجوسيَّةُ مِلَّةً، وعَبدةُ الأوثان مِلَّةً، وعُبَّادُ الشَّمس مِلَّةً، قال في «المغْنِي»: وهو أصحُّ؛ لأِنَّ كلَّ فَريقَينِ منهم لا مُوالاةَ بَينَهم ولا اتِّفاقَ

стр. 4039

في دِينٍ، وقَولُ مَنْ حَصَرَ المِلَّةَ بِعدَمِ الكتاب لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه وَصْفٌ عَدَمِيٌّ لا يَقْتَضِي حُكْمًا. وعَنْهُ: مِلَّةٌ واحدةٌ، نَقَلَها حَرْبٌ (١)، فَعَلَيها: يَتوارَثُونَ، اخْتارَها (٢) الخَلاَّلُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفَال: ٧٣]، عامٌّ في جميعهم، فالصابِئةُ قِيلَ: كاليهود، وقيلَ: كالنَّصارَى. (وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمْ؛ لَمْ يَتَوَارَثَا)، هذا هو المذْهَبُ؛ لخَبَرِ ابنِ عمرَ. (وَعَنْهُ: يَتَوَارَثُونَ)، قدَّمه في «الكافي» و «المحرَّر»؛ لمَفْهومِ حديثِ أُسامةَ، قال في «الشَّرح»: وهذا يَجيءُ على قَولِنا: إنَّ الكفرَ مِلَّةٌ واحدةٌ. (وَلَا يَرِثُ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا، وَلَا حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي)، وقالَهُ أكثرُ أصحابنا، وذَكَرَه أبو الخَطَّاب في «التَّهذيب» اتِّفاقًا؛ لاِنْقِطاعِ الموالاةِ بَينَهُما. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَتَوَارَثَا)، نَصَّ عليه في روايةِ يعقوبَ (٣)، وقاله القاضي في «تعليقه»، قال في «الاِنْتِصار»: وهو الأقْوَى في المذهب؛ عَمَلاً بظاهِرِ الخَبَرِ، ولأِنَّهم أهلُ مِلَّةٍ واحدةٍ، وإنَّما اخْتَلَفَت الدَّارُ. قال في «المغْنِي»: قِياسُ المذْهَبِ عِنْدِي: أنَّ المِلَّةَ الواحدةَ يَتَوارَثُونَ وإن اخْتَلَفَتْ دِيارُهم؛ لأِنَّ العُموماتِ من (٤) النُّصوص تَقْتَضِي تَورِيثَهم، ولم يَرِدْ بتَخْصيصهم نَصٌّ ولا إجْماعٌ، ولا يَصِحُّ فيهم قِياسٌ، فيَجِبُ العَمَلُ بِعُمومِها، ولأِنَّ مُقْتَضَى التَّورِيثِ مَوجُودٌ، فيُعمَلُ به، ما لم يَقُمْ دليلٌ على تحقُّقِ المانِعِ. مسألةٌ: يَتوارَثُ حَرْبِيٌّ ومُسْتَأْمِنٌ، وذِمِّيٌّ وَمسْتَأْمِنٌ، وفي «المنتخب»: يَرِثُ مُسْتَأْمِنًا وَرَثَتُه بدارِ حَرْبٍ؛ لأِنَّه حَرْبِيٌّ، وفي «التَّرغيب»: هو في حُكْمِ ذِمِّيٍّ،

стр. 4040

ونَقَلَ أبو الحارِث: المسْتَأْمِنُ يَموتُ هنا يَرِثُه وَرَثَتُه (١). (وَالمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا)، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (٢)؛ لأِنَّه لا يُقَرُّ على كُفْرِه، فلم يَثبُتْ له حُكْمُ الدِّين الذي انْتَقَلَ إليه، ولهذا لا تَحِلُّ ذَبيحَتُه، ولا نِكاحُ نسائه، ولو انْتَقَلَ إلى دِينِ أهلِ الكتاب؛ لأِنَّ المرتدَّ تَزُولُ أمْلاكُه الثَّابِتةُ له أو استِقْرارُها فلِئلاَّ (٣) يَثبُتَ له ملْكٌ أَوْلَى. (إِلاَّ أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ المِيرَاثِ)؛ فعلى الخلافِ السَّابِق. ولو ارْتدَّ مُتَوارِثانِ، فمات أحدُهما؛ لم يَرِثْه الآخَرُ؛ لأِنَّ المرتدَّ لا يَرِثُ ولا يُورَثُ، لكن قال المؤلِّفُ: قِياسُ المذْهَبِ: أنَّ أحدَ الزَّوجَينِ إذا ارْتَدَّ في مَرَضِ مَوتِه؛ وَرِثَه الآخَرُ، ويُخرَّجُ في مِيراثِ سائرِ الأقارب كذلك. (وَإِنْ قُتِلَ) أوْ ماتَ (فِي رِدَّتِهِ؛ فَمَالُهُ فَيْءٌ) في بَيتِ مالِ المسلمين، هذا هو المشهورُ والصَّحيحُ، وقالَهُ ابنُ عبَّاسٍ وغَيره (٤)؛ لأِنَّه كافِرٌ، فَلَا يَرِثُه المسْلِمُ؛ كالكافِرِ الأصليِّ، ولأِنَّ مالَه مالُ مَرْتَدٍّ، أشْبَهَ الذي كَسَبَه في رِدَّته، ولا يُمكِنُ جَعْلُه لأِهْلِ دِينِه؛ لأِنَّه لا يَرِثُهم، فلا يَرِثُونه؛ كغَيرِهم من أهلِ الأدْيانِ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) رُوِيَ عن الصِّدِّيقِ (٥) وعليٍّ (٦)

стр. 4041

وابنِ مسعودٍ (١) وجمعٍ، واختارَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين؛ لأِنَّ رِدَّتَه كمَرضِ مَوتِه، والفَرْق بَينَهما أنَّ على الأولى: يأخُذُونَه فَيئًا، وعلى الثَّانية: إرْثًا. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي اخْتَارَهُ)، رُوِيَ عن عَلقَمةَ؛ لأِنَّه كافِرٌ فوَرِثه (٢) أهلُ دِينِه؛ كالحَرْبِيِّ، فإنْ لم يَكُنْ فيهم مَنْ يَرِثُه؛ فهو فَيْءٌ. وظاهِرُ ما ذَكَرَه الأصْحابُ: لا فَرْقَ بَينَ تِلادِ مالِه وطارِئِه (٣). فإن (٤) ارتدَّ ودَخَلَ دارَ الحرب؛ وُقِفَ مالُه إلى أنْ يَموتَ على الأصحِّ، قالَهُ في «الرِّعاية».

стр. 4042

تنبيهٌ: لم يتعرَّض المؤلِّفُ لحكْمِ الزِّنْدِيقِ، وهو الذي يُظهِرُ الإسلامَ ويُبطِنُ الكُفْرَ، الذي كان يُسَمَّى مُنافِقًا في عَصْرِه ﵇، حُكمُه كالمرتدِّ، قال في «الفصول»: وآكَدُ، حَيثُ لا تُقبَلُ تَوبتُه (١)، قال في «الفروع»: والمرادُ إذا لم يَتُبْ، أوْ تاب ولم نَقبَلْها (٢). واحتجَّ المؤلِّفُ وغَيرُه: بكفِّ النَّبيِّ ﷺ عنهم بإظْهارِ الشَّهادة، مع علم الله تعالى له بباطِنِهم. واختار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّ المنافِقَ يَرِثُ ويُورَثُ؛ لأِنَّه ﵇ لم يأخُذْ من تَرِكةِ مُنافِقٍ شَيئًا، ولا جَعَلَه فَيْئًا، فَعُلِمَ أنَّ الميراثَ مَدارُه على النُّصرة الظَّاهِرة، واسْمُ الإسلام يَجْرِي عليهم في الظَّاهِر إجْماعًا (٣). ولا لِحُكْمِ الدَّاعية، وهو إذا دعا إلى بِدْعةٍ مُكفِّرةٍ؛ فمالُه فَيءٌ، نَصَّ عليه في الجَهْمِيِّ (٤)، وعلى الأصحِّ: أو غَيرِ داعِيةٍ، وهما في غَسْلِه والصَّلاة عليه وغيرِ ذلك. ونَقَلَ الميْمُونِيُّ في الجَهْمِيِّ إذا مات في قَرْيةٍ لَيسَ فيها إلاَّ نصارَى، مَنْ يَشهَدُه؟ قال: أنا لا أشْهَدُه، يَشهَدُه مَنْ شاءَ (٥)، قال ابنُ حامِدٍ: ظاهِرُ المذْهَبِ خِلافُها.

стр. 4043

(فَصْلٌ) (وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَجُوسُ، أَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا؛ وَرِثُوا بِجَمِيعِ قَرَابَاتِهِمْ) إنْ أمْكَنَ، نَصَّ عليه (١)، وهو قَولُ عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وزَيدٍ في الصَّحيح عنه (٢)، وجَمْعٍ من التَّابِعِينَ وغَيرِهم، واخْتارَهُ ابنُ اللَّبَّانِ؛ لأِنَّ الله تعالى فَرَضَ للأمِّ الثُّلثَ، وللأخت النِّصفَ، فإذا كانت الأمُّ أخْتًا؛ وَجَبَ إعْطاؤها ما فَرضَ اللهُ لها في الآيَتَينِ؛ كالشَّخْصَينِ، ولأِنَّهما قرابَتانِ تَرِثُ كلُّ واحدةٍ منهما مُنفَرِدةً، ولا تَحجُبُ إحداهما الأخرى إذا كانا في شَخْصَينِ، ولا ترجيحَ فيهما، فيَرِثُ بهما جميعًا؛ كزَوجٍ هو ابنُ عمٍّ، وابنُ عمٍّ هو أخٌ لأِمٍّ. وعَنْهُ: يَرِثُ بأقْوَى القَرابَتَينِ، وهي التي لا تَسقُطُ بحالٍ، رُوِيَ عن زَيدٍ (٣)، وقاله الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ؛ لأِنَّهما قَرابَتانِ لا يُورَّثُ بهما في الإسلام،

стр. 4044

فلا يُورَّثُ بهما في غَيرِه، كما لو أسْقَطَتْ إحداهما الأخرى. وجَوابُه: أنَّ أبا بَكْرٍ أنْكَرَ هذه الرِّوايةَ، وقال: لم يَحْكِ حنبلٌ عن أحمدَ لَفْظًا ومَعْنًى، وبأنَّ القَرابَتَينِ في الأصل يُسقِطُ إحداهما الأخرى إذا كانا في شَخْصَينِ، فكذا إذا كانا في شخصٍ واحدٍ. وقَولُهم: لا تُورَّثُ بهما في الإسلام؛ لِعَدَمِ وجودِهما، فلو تُصُوِّرَ وُجودُهما؛ كزَوجٍ هو ابنُ عمٍّ؛ وَرِثَ بِهِمَا. تنبيهٌ: اعْلَمْ أنَّ المسائلَ التي يَجتَمِعُ بها قرابتان يَصِحُّ الإرْثُ بهما سِتٌّ؛ إحداهنَّ في الذُّكور، وهي: عمٌّ هو أخٌ لأِمٍّ، وخمسٌ في الإناث، وهي: بنتٌ هي أختٌ أوْ بنتُ ابنٍ، وأمٌّ هي أختٌ، وأمُّ أمٍّ هي أختٌ لأِبٍ، وأمُّ أبٍ هي أختٌ لأِمٍّ. ومتى كانت البنتُ أُخْتًا، والميتُ رجلٌ؛ فهي أختٌ لأُمٍّ، ومتى كان امرأةً فهي أختٌ لأِبٍ. فإنْ قِيلَ: أمٌّ هي أختٌ لأِمٍّ، أوْ أمُّ أمٍّ هي أختٌ لأُمٍّ، وأمُّ أب هي أختٌ لأِبٍ؛ فهو مُحالٌ. (فَإِذَا خَلَّفَ أُمَّهُ، وَهِيَ أُخْتُهُ مِنْ أَبِيهِ، وَعَمًّا؛ وَرِثَتِ الثُّلُثَ بِكَوْنِهَا أُمًّا، وَالنِّصْفَ بِكَوْنِهَا أُخْتًا)؛ لِمَا تقدَّمَ، (وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ)؛ لِخَبَرِ: «ألْحِقُوا الفَرائضَ بأهْلِها، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رجلٍ ذَكَرٍ» (١). (فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أُخْتٌ أُخْرَى؛ لَمْ تَرِثْ بِكَوْنِهَا أُمًّا إِلاَّ السُّدُسَ)، وعلَّله: (لِأَنَّهَا انْحَجَبَتْ بِنَفْسِهَا وَبِالْأُخْرَى)، لأِنَّ الأمَّ تُرَدُّ من الثُّلُث إلى السُّدس بالأخْتَينِ، ومَنْ وَرَّثَها بأقْوَى القَرابَتَينِ؛ وَرَّثَها الثُّلثَ بكَونِها أُمًّا، ولم يَحجُبْها (٢) بنَفْسها.

стр. 4045

وقد تَحجُبُ هي نفْسَها، وهو ما إذا تزوَّجَ مَجوسِيٌّ أمَّه، فأوْلَدَها بنتًا، ثُمَّ مات؛ فلها السُّدسُ، ولاِبْنَتِه النِّصفُ، ولا تَرِثُ (١) أمُّه بالزَّوجيَّة، ولا ابْنَتُه بالأخُوَّة للأمِّ؛ لأِنَّ وَلَدَ الأمِّ (٢)، وهو مَوجُودٌ هنا، فتكون (٣) إذًا قد حَجَبَتْ نفْسَها بنفْسِها. مسألةٌ: مَجُوسِيٌّ تزوَّجَ ابنتَه، فأوْلَدَها بنتًا، ثُمَّ مات عنها، وعن عمٍّ؛ فلهما الثُّلثانِ، والبقيَّةُ للعمِّ، ولا تَرِثُ الكبْرَى بالزَّوجِيَّة في قَولِ الجميعِ. فإنْ ماتت الكُبْرَى بعدَه؛ فالمالُ للصُّغْرَى؛ لأِنَّها بنتٌ وأُخْتٌ، فإنْ ماتَتْ (٤) قَبْلَ الكُبْرى فلها نصفٌ وثلثٌ، والبقيَّةُ للعمِّ، ومَنْ ورَّثَ بأقْواهما لم يُورِّثْها بالأُخُوَّة شَيئًا في المسْأَلَتَينِ. ثمَّ لو تزوَّجَ الصُّغْرَى، فَوَلَدَتْ بِنْتًا، وخلَّف مَعَهنَّ عَمًّا؛ فلِبَناتِه الثُّلثانِ، وما بَقِيَ للعمِّ، ولو ماتَتْ (٥) بَعدَه ابنتُه الكُبْرى؛ فللوُسْطَى النِّصفُ؛ لأِنَّها بنتٌ، وما بَقِيَ لها وللصُّغْرى؛ لأِنَّهما أُخْتانِ لأِبٍ، وتَصِحُّ من أربعةٍ، فهذه بنتُ بنتٍ، وَرِثَتْ مع بنتٍ فَوقَ السُّدس. ولو ماتَتْ (٦) بَعدَه الوُسْطَى؛ فالكُبْرَى: أمٌّ وأختٌ لأِبٍ، والصُّغرَى: بنتٌ وأختٌ لأِبٍ، فللأمِّ السُّدسُ، وللبنت النِّصفُ، وما بَقِيَ لهما بالتَّعصيب. وإنْ ماتَت الصُّغْرى بَعدَها؛ فأمُّ أمِّها أُخْتٌ لأِبٍ، فلها الثُّلثانِ، وما بَقِيَ للعمِّ.

стр. 4046

ولو ماتَتْ (١) بَعْدَه بنتُه الصُّغْرَى؛ فللوُسْطَى بأنَّها أمٌّ: السُّدسُ، وحَجَبَتْ نَفْسَها، ولهما الثُّلثانِ؛ بأنَّهما أُخْتانِ لأِبٍ، وما بَقِيَ للعمِّ، ولا تَرِثُ الكُبْرَى بأنَّها جَدَّةٌ مع أمٍّ، فهذه جَدَّةٌ حَجَبَتْ أُمًّا، وَوَرِثَتْ معها، ومَن حَجَبَ نفْسَه عمل به. (وَلَا يَرِثُونَ بِنِكَاحِ ذَوَاتِ المَحَارِمِ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٢)، (وَلَا بِنِكَاحٍ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ)؛ كمَنْ تزوَّج مطلَّقَتَه ثَلاثًا، (لَوْ أَسْلَمُوا)؛ لأِنَّه باطِلٌ لا يُقَرُّ عليه، والمجوسُ وغَيرُهم في هذا سَواءٌ. وظاهِرُه: أنَّهم إذا اعْتَقَدوا صِحَّتَه، وأُقِرُّوا عليه بَعْدَ الإسلام؛ يَرِثونَ به، سَواءٌ وُجِدَ بشروطه الصَّحيحة المعتبَرة في نكاحِ المسلِمينَ أوْ لَا؛ كمَنْ تزوَّجَ بلا شُهودٍ ونحوِه؛ لأِنَّه نكاحٌ يُقَرُّ عليه، فتَرتَّبَ (٣) عليه الإرْثُ؛ كالنِّكاح الصَّحيح، وفي بعض الأنْكِحة خِلافٌ. واستِحْقاقُ الإرْثِ مبنيٌّ على الخلاف في أنَّه يُقَرُّ عليه أمْ لا، فالمجوسِيُّ إذا تزوَّجَ امرأةً في عِدَّتها؛ فظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّهما يَتوارَثانِ؛ لِإقْرارهم عَلَيهِ بَعْدَ الإسلام. وقال القاضي: إنْ أسْلَما بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ أُقِرَّا، وإلاَّ فَلَا، فَعلَيه: لو مات أحدُهما قَبلَ انْقِضاءِ العِدَّة؛ لم يَتوارَثَا، وإنْ ماتَ بعدَه تَوارَثَا، وتأوَّلَ كلامَ أحمدَ على مَنْ أسْلَمَ بَعْدَ انْقِضاء العِدَّة، والله أعلم (٤).

стр. 4047

(بَابُ مِيرَاثِ الْمُطَلَّقَةِ) أيْ: غَيرِ مَشْدودةٍ ولا مُمْسَكةِ بعَقْدِ النِّكاح. (إِذَا طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ، أَوْ مَرَضٍ غَيْرِ مَخُوفٍ، أَوْ غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ طَلَاقًا بَائِنًا؛ قَطَعَ التَّوَارُثَ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّ التَّوارُثَ سبَبُه الزَّوجِيَّةُ، وهي معدومةٌ هنا، ولأِنَّ حُكْمَ الطَّلاق في مَرَضٍ غَيرِ مَخُوفٍ؛ حُكْمُ الطَّلاق في الصِّحَّة. وحِينَئِذٍ إذا طلَّقَها في صحَّته طَلاقًا بائنًا، أوْ رَجْعِيًّا فبانَتْ بانْقِضاءِ عِدَّتها؛ لم يَتوارَثا إجْماعًا (١)؛ لِزَوالِ الزَّوجِيَّةِ التي هي سببُ المِيراث. فإنْ طلَّقها في المرض المخُوفِ، ثُمَّ فصحَّ (٢) منه ومات بَعْدَه؛ لم تَرِثْه. (وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا؛ لَمْ يَقْطَعْهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ)، سَواءٌ كان صحيحًا أوْ مريضًا، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٣)؛ لأِنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوجةٌ. (وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ طَلَاقًا لَا يُتَّهَمُ فِيهِ؛ بِأَنْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ)؛ أيْ: في مَرضِه، فأجابها؛ فالأصحُّ: أنَّها لا تَرِثُه؛ لأِنَّه لَيسَ بفارٍّ. والثَّانيةُ: بَلَى، صحَّحها في «المستوعب»، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤)؛ لأِنَّه طَلَّقها في مَرَضِه، فهو كمَنْ سَألَتْه طلقةً فطلَّقها ثلاثًا. وقال أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ: إذا سألَتْه الطَّلاقَ، فطلَّقها ثلاثًا؛ لم تَرِثْه، وهو مَعْنَى كلامِ جماعةٍ. وكذلك الحكمُ إذا خالَعَها.

стр. 4048

(أَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلٍ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَفَعَلَتْهُ)، أوْ خَيَّرَها فاخْتارَتْ نَفْسَها، أوْ علَّقَ طلاقَها على مَشيئَتِها فشاءت؛ فالأصحُّ: أنَّها لا تَرِثُه؛ لأِنَّه لَيسَ بفارٍّ، ولِزَوالِ الزَّوجِيَّةِ بأمْرٍ لا يُتَّهَمُ فيه، لكِنْ إنْ لم تَعْلَمْ بتَعْليق طلاقِها، فَفَعَلَتْ ما عُلِّقَ عَلَيهِ؛ وَرِثَتْه؛ لأِنَّها مَعْذُورةٌ فيه، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». (أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ) لَيسَ مِنْ صُنْعِهِما ولا مِنْ صُنْعِها، ولها منه بُدٌّ، (فَوُجِدَ فِي الْمَرَضِ)؛ كقُدومِ زَيدٍ مَثَلاً؛ لم تَرِثْه؛ لِمَا ذَكَرْنا. وذَكَرَ القاضِي روايةً أخْرَى فِيهِما: بالإرْثِ؛ لأِنَّ الطَّلاقَ وَقَعَ في المرض. فلو عَلَّقَ طلاقَها على فِعْلِ نَفْسِه وفَعَلَه في المرض؛ وَرِثَتْه؛ لأِنَّه أوْقَعَه في المرض. ولَوْ قال في الصِّحَّة: أنتِ طالِقٌ إنْ لم أضْرِبْ غُلامِي، فلم يَضرِبْه حتَّى مات؛ وَرِثَتْه، ولا يَرِثُها إنْ ماتَتْ، وإنْ مات الغُلامُ والزَّوجُ مَرِيضٌ؛ طَلَقَت، وكان كتعليقه على مجيءِ زَيدٍ. وكذا إنْ قال: إنْ لم أُوَفِّكِ مَهْرَكِ فأنتِ طالِقٌ، فإن ادَّعَى أنَّه وفَّاها مَهْرَها، فأنْكَرَتْه؛ صُدِّقَ الزَّوجُ في تَورِيثه منها؛ لأِنَّ الأصلَ بَقاءُ النِّكاح، ولم يُصدَّقْ في براءته منه؛ لأِنَّ الأصلَ بقاؤه في ذِمَّته. فلو قال لها في صحَّته: إنْ لم أتَزَوَّجْ عَلَيكِ فأنتِ طالِقٌ، فكذلك نَصَّ عليه (١)، وهو قَولُ الحَسَنِ. فَرْعٌ: إذا قال لها في صحَّته: إذا مَرِضْتُ فأنتِ طالِقٌ؛ فهو كطلاق المريض سَواءٌ. وإنْ أقَرَّ في مَرَضِه أنَّه كان طلَّقها في صحَّتِه ثلاثًا؛ لم يُقبَلْ إقْرارُه، وكان

стр. 4049

كطلاقِ المريض؛ لأِنَّه أقرَّ بما يُبطِلُ حقَّ غَيرِه، فلم يُقْبَلْ؛ كما لو أقرَّ بما لها. (أَوْ طَلَّقَ) المسلِمُ في المرض طلاقًا بائنًا، (مَنْ لَا يَرِثُ؛ كَالْأَمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ؛ فَعَتَقَتْ أَوْ أَسْلَمَتْ)، ثُمَّ ماتَ عَقِبَها؛ (فَهُوَ كَطَلَاقِ الصَّحِيحِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)؛ أيْ: لم يَرِثاهُ؛ لأِنَّه لَيسَ بِفَارٍّ. والثَّانيةُ: بَلَى؛ لأِنَّه طلاقٌ في مَرَضِ الموت، فَوَرِثاهُ كغَيرِهِما، وهذه الرِّوايةُ لم يَذكُرْها في «المغْنِي» و «الكافي»، فلو قال لهما: أنْتُما طالِقَتَان غَدًا، فَعَتَقَت الأمَةُ، وأسْلَمَت الذِّمِّيةُ؛ لم يَرِثاهُ؛ لأِنَّه لَيسَ بِفارٍّ. (فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا الْمِيرَاثَ، مِثْلَ أَنْ طَلَّقَهَا) ثلاثًا - وفي «المحرَّر»: أبانَها، وهو أوْلَى - في مَرَضِه المخُوفِ (ابْتِدَاءً)؛ وَرِثَتْه إذا مات، في قَولِ عُمَرَ (١)، وعُثْمانَ (٢)، وشُرَيحٍ، وعُرْوةَ، وغَيرِهم.

стр. 4050

وقال عليٌّ، وعبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ، وعبدُ الرَّحمن بنُ عَوفٍ (١): لا تَرِثُ مَبْتوتَةٌ؛ لأِنَّها بائِنٌ، فلا تَرِثُ؛ كالبائِنِ في الصِّحَّة، وكما لو كان الطَّلاقُ باخْتِيارِها. وجوابُه: بأنَّ عُثْمانَ ورَّث تُماضِرَ بنتَ الأَصْبَغ الكَلْبِيَّةَ من عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، وكان طلَّقها في مَرَضِه فبتَّها، واشْتَهَرَ ذلك في الصَّحابة ولم يُنكَرْ، فكان إجْماعًا، ولم يَثْبُتْ عن عليٍّ وعبدِ الرَّحمنِ خلافُ هذا، بل رَوَى عُرْوةُ: أنَّ عُثْمانَ قال لعبد الرَّحمنِ: «إنْ متَّ لَأُوَرِّثَنَّها منكَ»، قال: «قد عَلِمْتُ ذلك» (٢).

стр. 4051

وما رُوِيَ عن ابن الزُّبَير؛ فهو مَسْبوقٌ بالإجماع، ولأِنَّه قَصَدَ قَصْدًا فاسِدًا، فعُومِلَ بنَقِيضِ قَصْدِه؛ كالقاتِلِ القاصِدِ استِعْجالَ المِيراث. (أَوْ عَلَّقَهُ)؛ أي (١): الثَّلاث (عَلَى فِعْلٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ) شَرْعًا؛ (كَالصَّلَاةِ) المفروضةِ، (وَنَحْوِهَا)؛ كالصَّوم الواجِبِ، أوْ عَقْلاً؛ كأكْلٍ ونحوِه، لأِنَّها تُضْطَرُّ إلى فِعْلِ ذلك، فتعليقُه عليه كتَنْجيزه في قَول الجميعِ. وكذا إنْ عَلَّقَه على كلامها لأِبَوَيها أو أحدِهما، قَطَعَ به في «المنتخَب» و «الشَّرح»، وذَكَرَه في «الرِّعاية» قَولاً، وفي «المحرَّر»: وكلامِ أبِيهَا فَفَعَلَتْه. وكذا لو طلَّقها طلقةً بِعِوَضٍ من غَيرِها، أوْ قَذَفَها في صحَّته ولاعَنَها في مرضه، وقِيلَ: للحدِّ، لا لِنَفْيِ الوَلَدِ؛ وَرِثَتْه على الأصحِّ، وجزم جماعةٌ بخِلافه. وإنْ آلى منها في مرضه، ثمَّ صحَّ، ثمَّ رَجَع إلى مرضه، وبانت بالإِيلاءِ؛ لم تَرِثْه، ذَكَرَه في «الشَّرح». (أَوْ قَالَ لِلذِّمِّيَّةِ أَوِ الْأَمَةِ: إِذَا أَسْلَمْتِ أَوْ عَتَقْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ) ثلاثًا؛ لأِنَّ قَصْدَ الحِرْمانِ ظاهِرٌ فيه؛ لكَونِه رتَّبَ الطَّلاقَ على الموجِبِ للإرْثِ. (أَوْ عَلِمَ أَنَّ سَيِّدَ الْأَمَةِ قَالَ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ غَدًا، فَطَلَّقَهَا)؛ أيْ: أبانَها (الْيَوْمَ)؛ لأِنَّه فَارٌّ، وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يَعلَمْ؛ أنَّها لا تَرِثُه، وهو ظاهِرٌ؛ لِعَدَم الفِرار، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٢). وكذا إذا وَطِئَ عاقِلٌ - وقِيلَ: مكلَّفٌ - حَماتَه، أوْ علَّق إبانتها في صحَّته على مرضه، أو على فِعْلٍ له، فَفَعَلَه في مَرَضِه، أوْ على تَرْكِه؛ نحْو: لَأتزوَّجَنَّ عَلَيكِ، أوْ وكَّلَ في صحَّته مَنْ يُبِينُها متى شاء، فأبانَها في مَرَضِه.

стр. 4052

(وَرِثَتْهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ)، روايةً واحدةً؛ لوجود المقْتَضِي، (وَلَمْ يَرِثْهَا)؛ لأِنَّ مُقتَضَى البَيْنونَة قَطْعُ التَّوارُثِ، خُولِفَ في الزَّوجة لِمَا ذَكَرْنا، فيَبْقَى ما عَداهُ على مُقْتَضَى الأصلِ. (وَهَلْ تَرِثُهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ، أَوْ تَرِثُهُ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): الأَشْهَرُ: أنَّها تَرِثُه في العِدَّة وبَعْدَها ما لم تَتَزَوَّجْ، نَقَلَه (١) واخْتارَه الأكثرُ، وذَكَرَ أبو بَكْرٍ: أنَّ قَولَ أحمدَ لا يَختَلِفُ في ذلك، وهو قَولُ الحَسَنِ وجَمْعٍ؛ لِمَا رَوَى أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمن: «أنَّ أباهُ طلَّقَ أُمَّه وهو مريضٌ، فَوَرَّثَها بَعْدَ انقِضاء العِدَّة» (٢)، ولأِنَّ سبَبَ تَورِيثِها فِرارُه من مِيراثها، وهذا المعْنَى لا يَزُولُ بانْقِضاء العِدَّةِ، وشَرْطُه: ما لم تَرتَدَّ، وَالأَظْهَرُ: أوْ تُسْلِمْ. والثَّانيةُ: لا تَرِثُ بَعْدَ العِدَّة، اخْتارَهُ في «التَّبصرة»؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى تَورِيثِ أكْثَرَ مِنْ أرْبَعٍ، فلم يَجُزْ، كما لو تزوَّجتْ، فَعَلَى هذا: لو تزوَّجَ أرْبَعًا سِواهَا، ثُمَّ مات؛ صحَّ على الأصحِّ، فَتَرِثُه الخَمْسُ. وعَنْهُ، وصحَّحَها في «المحرَّر»: أنَّ رُبعَه للمَبْتوتَةِ، وثلاثةَ أرْباعِه للأرْبَعِ إنْ تزوَّجَهُنَّ في عَقْدٍ، وإلاَّ فَلِلثَّلاثِ السَّوابِقِ بالعَقْدِ. وقِيلَ: كلُّه للمَبتوتة، فإنْ تزوَّجَتْ أوْ ماتَتْ؛ فحقُّها للجُدُد في عَقْدٍ، وإلاَّ فللسَّابِقةِ إلى كمالِ أرْبَعٍ بالمتْبوعةِ (٣).

стр. 4053

وأمَّا المطلَّقة قَبْلَ الدُّخول فرِوايَتانِ، أطْلَقَهما في «الفروع»، وقدَّمَ في «المحرَّر»: عَدَمَ الإرْثِ. وذَكَرَ أبو بَكْرٍ - إذا طَلَّقَها ثلاثًا قَبْلَ الدُّخولِ في مَرَضِه - أرْبَعَ رِواياتٍ: إحْداهُنَّ: لها الصَّداقُ كامِلاً والمِيراثُ، وعَلَيها العِدَّةُ؛ لأِنَّ المِيراثَ ثَبَتَ للمَدْخُول بها؛ لِفِراره، وهذا فارٌّ، وإذا ثَبَتَ المِيراثُ؛ وَجَبَ تكميلُ الصَّداق. قال المؤلِّف: (ويَنْبَغِي أنْ تكونَ العِدَّةُ عِدَّةَ وَفاةٍ)، وقِيلَ: طَلاقٍ. والثَّانيةُ: لها المِيراثُ والصَّداقُ، ولا عِدَّةَ عَلَيها؛ لأِنَّ العِدَّةَ حقٌّ عَلَيها، فلا تَجِبُ بفِراره. والثَّالِثَةُ: لها المِيراثُ ونصفُ الصَّداق، وعَلَيها العِدَّةُ، وهِيَ قَولُ مالِكٍ (١)؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ … (٢٣٧)﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٣٧]. والرَّابِعةُ: لا تَرِثُ ولا عِدَّةَ عَلَيها، ولها نصفُ الصَّداق، وهي قَولُ أكثرِ العلماء؛ لأِنَّ الله تعالى نَصَّ على تَنْصِيفِ الصَّداق، ونَفَى العِدَّةَ عن المطلَّقة قَبْلَ الدُّخول، وأمَّا المِيراثُ فَلَيسَتْ زَوجةً ولا مُعْتدَّةً من نِكاحٍ، أشْبَهَت المطلَّقةَ في الصِّحَّة. فإنْ خَلَا بها، وأنْكَرَ الوَطْءَ، وصدَّقَتْه؛ فلها المِيراثُ، وعَلَيها العِدَّةُ للوفاة، ويُكمَّلُ لها الصَّداقُ؛ لأِنَّ الخَلْوةَ تَكْفِي في ثُبوتِ هذه الأحكامِ. (وَإِنْ تَزَوَّجَتْ؛ لَمْ تَرِثْهُ)؛ لأِنَّها فَعَلَتْ باخْتِيارِها ما يُنافِي نكاحَ الأوَّل، أشْبَهَ ما لو فَسَخَت النِّكاحَ، وسَواءٌ كانَتْ باقِيَةً مع الزَّوج الثَّانِي أوْ بانَتْ منه في قَولِ أكثرِ العلماء. (وَإِنْ أَكْرَهَ الاِبْنُ) وهو عاقِلٌ وارِثٌ (امْرَأَةَ أَبِيهِ)، أوْ جَدِّه المريضِ، (عَلَى مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا) مِنْ وَطْءٍ أوْ غَيرِه؛ (لَمْ يَقْطَعْ مِيرَاثَهَا)؛ لأِنَّه قَصَدَ حِرْمانَها،

стр. 4054

أشْبَهَ ما لو أبانها زَوجُها. وظاهِرُه: سَواءٌ زادَ إرْثُه أوْ نَقَصَ، أوْ كان له أوْلادٌ أُخَرُ أوْ لم يَكُنْ له، أوْ فاتَ إرْثُه بقَتْلٍ أوْ حَجْبٍ. فإنْ طاوَعَتْهُ؛ فالأشْهَرُ: أنَّها لا تَرِثُه؛ لأِنَّها مُشارِكةٌ له فِيمَا يَنفَسِخُ نكاحُها، أشْبَهَ ما لو خالَعَتْهُ. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ (١) لَهُ امْرَأَةٌ) وارِثَةٌ (سِوَاهَا)؛ فإنَّ المسْتَكْرَهَةَ لا تَرِثُ؛ لاِنْتِفاءِ التُّهَمة. وكذا لو كان الاِبْنُ مجنونًا، أوْ عَبْدًا، أوْ كافِرًا، أو اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وهو نائِمٌ؛ لم تَرِثْه في الأصحِّ. والاِعْتِبارُ بالتُّهَمة حالَ الإكْراه، فَعَلَى هذا: لو صار ابْنُ الاِبْنِ وارِثًا بَعْدَ ذلك؛ لم تَرِثْ؛ لاِنْتِفاءِ التُّهَمة حالَ الوَطْء، وعَكْسُه لو كان وارِثًا حالَ الوَطْءِ، فعادَ مَحجُوبًا؛ وَرِثَتْ؛ لِوُجودِ التُّهمةِ حِينَ الوَطْءِ. وَجَزَم بعضُهم: إن انْتَفَت التُّهمةُ بقَصْد حِرْمانِها الإرثَ أوْ بَعضَه؛ لم تَرِثْه في الأصحِّ. قال في «الفروع»: (فيتوجَّهُ منه: لو تزوَّج في مرضه مُضارَّة ليَنقُصَ إرْثَ غَيرِها، وأقرَّتْ به؛ لم تَرِثْه، ومَعْنَى كلامِ شَيخِنا (٢) - وهو ظاهِرُ كَلامِ غَيرِه -: تَرِثُه؛ لأِنَّ له أنْ يُوصِيَ بالثُّلث). فَرْعٌ: لو كان للمريض امْرَأتانِ، فاسْتَكْرَهَ ابنُه إحداهما؛ لم تَرِثْه؛ لاِنْتِفاء التُّهمة، لكَون مِيراثِها لا يَرجِعُ إلَيهِ، وإنِ اسْتَكْرَهَ الثَّانيةَ بَعدَها وَرِثَتْ؛ لأِنَّه مُتَّهَمٌ في حقِّهما، فإن استكرههما (٣) معًا؛ وَرِثَتَا مَعًا.

стр. 4055

مسألةٌ: تقدَّم أنَّه إذا وَطِئَ حماتَه أنَّ امرأتَه تَبِينُ منه وتَرِثُه، سَواءٌ طاوَعَتْه (١) أوْ لَا، وإنْ كان زائلَ العَقْل حِينَ الوَطْء؛ لم تَرِثْ شَيئًا؛ لأِنَّه لَيسَ له قَصْدٌ صحيحٌ، فلا يكون فارًّا. وكذا لو وَطِئَ بنتَ امْرَأَتِه وهو زائلُ العَقْل، فإنْ كان صَبِيًّا عاقِلاً؛ وَرِثَتْ؛ لأِنَّ له قَصْدًا صحيحًا. وفي القُبلة والمباشَرَة دُونَ الفَرْجِ رِوايَتانِ: إحداهما: تَنشُرُ الحُرمةَ؛ كالوطء. والثَّانيةُ: لا؛ كالنَّظَرِ. وخرَّج بعضُ أصحابنا في النَّظَر إلى الفَرْجِ والخلْوة لِشَهْوةٍ وَجْهًا: أنه يَنشُرُ الحُرْمَةَ، والأصحُّ خِلافُه. (وَإِنْ فَعَلَتْ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا)؛ بأنْ تُرضِعَ زَوجَها الصَّغيرَ، أو تَرتَدَّ؛ سَقَطَ مِيراثُها (ولَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُ زَوْجِهَا)؛ لأِنَّها أحدُ الزَّوجَينِ، فلم يُسقِط فِعْلُها (٢) مِيراثَ الآخَر؛ كالزَّوج. قال في «الفروع»: (والزَّوجُ في إرْثِها إذا قَطَعَتْ نكاحَها منه كفِعْلِه، وكذا رِدَّةُ أحدِهما، ذَكَرَه في «الانتصار»، ذَكَرَهُ الشَّيخُ قِياسَ المذهب، والأَشْهَرُ: لا، وكذا خرَّج الشَّيخُ في سائرِ الأقارِبِ). تنبيهٌ: إذا أُعْتِقَتْ فاخْتارَتْ نَفْسَها، أوْ كان الزَّوجُ عِنِّينًا فأُجِّلَ سَنَةً، ولم يُصِبْها حتَّى مَرِضَتْ في آخِرِ الحَول، فاخْتارَتْ (٣) فُرْقَتَه، وفُرِّقَ بَينَهما؛ لم يتوارَثَا، ذَكَرَه ابنُ اللَّبَّانِ. وذَكَرَ القاضي في المعْتَقَةِ إذا اخْتارَتْ نَفْسَها في مرضها: لم يَرِثْها؛ لأِنَّ

стр. 4056

فَسْخَ النِّكاح لِدَفْعِ الضَّرَرِ، لا للفِرارِ. ولو زوَّجَ ابنةَ أخيه (١) صغيرةً (٢)، فَفَسَخَت النِّكاحَ في مَرَضِها، لم يَرِثْها الزَّوجُ، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (٣)؛ لأِنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ من أصْلِه في الصَّحيح من المذْهَبِ. وعن أحمدَ: خِلافُه، ولها الخِيارُ؛ لأِنَّ الفَسْخَ لَيسَ للفِرار، فلم يَرِثْها؛ كما لو فَسَخَت المعْتَقَةُ نِكاحَها. (وَإِنْ خَلَّفَ زَوْجَاتٍ، نِكَاحُ بَعْضِهِنَّ فَاسِدٌ)، قال في «المحرَّر»: أوْ مُنقَطِعٌ قَطْعًا يَمْنَعُ الإرْثَ، ولم يُعلَمْ عَينُها؛ (أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ)؛ لأِنَّها تُزيلُ الإبْهامَ، فَشُرِعَتْ كالعَينِ (٤)، (فَمَنْ أَصَابَتْهَا (٥) الْقُرْعَةُ؛ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا)، ذَكَرَه أبو بَكْرٍ والأصحابُ؛ لأِنَّ القُرْعَةَ تُعَيِّنُها. فَرْعٌ: لو قتلها (٦) في مرضه، ثمَّ ماتَ؛ لم تَرِثْه؛ لخُروجِها من حيِّزِ التَّمَلُّكِ (٧) والتَّمْلِيكِ، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغَيره، ويَتَوَجَّهُ خِلافٌ؛ كمَنْ وَقَعَ في شَبَكتِه صَيدٌ بَعْدَ مَوته، ذَكَرَه في «الفروع». (وَإِذَا طَلَّقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي مَرَضِهِ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، وَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ؛ فَالْمِيرَاثُ لِلزَّوْجَاتِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ بَيْنَ الثَّمَانِ)، جَعَلَ ابنُ المنَجَّى هذا الخِلافَ مَبْنِيٌّ على أنَّ المطلَّقةَ في مرض الموت هل تَرِثُ ما لم تتزوَّجْ؟ والأصحُّ الإرثُ، فَعَلَى هذا: الصَّحيحُ هنا أنَّ المِيراثَ بَينَ الثَّمان، وفِيهِ شَيءٌ.

стр. 4057

ونَقَلَ أبو الخَطَّاب: أنَّ المِيراثَ هل هو للمُطلَّقات، أوْ بَينَ الثَّمان؟ فيه وَجْهانِ: أحدُهما: أنَّه بَينَ المطلَّقات؛ لأِنَّهنَّ يَرِثْنَ ما كنَّ (١) يَرِثْنَ، وكنَّ يَرِثْنَ جميعَ المِيراثِ، فكذا بعد تَزْويجِه. والثَّاني: أنَّه بَينَ الثَّمان؛ لأِنَّ المطلَّقات إذا وَرِثْنَ، وقد مَضَى نكاحُهنَّ؛ فَلَأَنْ تَرِثَ (٢) الزَّوجاتُ ونكاحُهنَّ باقٍ بطريقِ الأَوْلَى. وجُمْلتُه: أنَّ المريضَ إذا طلَّقَ امرأتَه، ثُمَّ نَكَحَ غَيرَها، ثُمَّ مات؛ لم يَخْلُ (٣) مِنْ حالَينِ: أحدهما: أنْ يموتَ في عِدَّة المطلَّقةِ؛ فتَرِثاهُ جَميعًا في قَول الجُمْهور. وفيه وَجْهٌ: أنَّ المِيراثَ كلَّه للمطلَّقة، بِناءً على أنَّ نكاحَ المريض غَيرُ صحيحٍ؛ لأِنَّها تَرِثُ منه ما كانت تَرِثُ قَبلَ طلاقِها، وهو جميعُ الميراث، فكذا بَعْدَه. وردَّه في «المغْنِي» و «الشَّرح»: بأنَّها إنَّما تَرِثُ ما كانت تَرِثُ لو لم يُطلِّقْها، ولو تزوَّج ولم يُطلِّقْها؛ لم تَرِثْ إلاَّ نصفَ مِيراثِ الزَّوجات، فكذا إذا طَلَّقها، فعلى هذا: لو تزوَّج ثلاثًا في مرضه؛ فللمُطلَّقة رُبعُ مِيراثِ الزَّوجات، ولكلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ رُبعُه. الثَّاني: أنْ يموتَ بَعْدَ انْقِضاء عِدَّةِ المطلَّقة، فيكونُ المِيراثُ كلُّه للزَّوجات. وعَنْهُ: للأرْبَع، كما لو مات في عِدَّةِ المطلَّقة. مسألةٌ: إذا كنَّ أربعَ نِسوةٍ، فطلَّق إحداهُنَّ في مَرَضِه ثلاثًا، ثُمَّ نَكَحَ أُخْرَى

стр. 4058

في عِدَّة المطلَّقة، أوْ طلَّقَها ونَكَحَ أُخْتَها في عِدَّتها، وماتَ في عِدَّتِها؛ فالنِّكاحُ باطِلٌ، والمِيراثُ بَينَ المطلَّقة وباقي الزَّوجات الأوائلِ. فإنْ مات بَعْدَ انْقِضاء عِدَّتها؛ ففي مِيراثِها رِوايَتانِ: إحداهما: لا مِيراثَ لها، فيكون لباقِي الزَّوجات. والثَّانيةُ: تَرِثُ مَعَهنَّ، ولا شَيءَ للمَنْكوحَةِ. فإنْ تزوَّج الخامِسةَ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّة المطلَّقة؛ صحَّ نِكاحُها، وهل تَرِثُ المطلَّقةُ؟ على رِوايَتَينِ، ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: عَدَمُ الإرث؛ لأِنَّه يَلزَمُ منه تَورِيثُ ثَمانِ نِسوةٍ، أوْ أُخْتينِ، أوْ حِرْمانُ الزَّوجاتِ المنصوصِ على مِيراثِهنَّ، فَعَلَى هذا: يكونُ المِيراثُ للزَّوجات دُونَ المطلَّقة. والثَّانيةُ: تَرِثُ المطلَّقة، وفيه وجهان: أحدُهما: يكونُ المِيراثُ بَينَ الخَمْس. والثَّاني: يكونُ للمطلَّقة والمنكوحات الأوائلِ؛ لأِنَّ المريضَ مَمْنوعٌ من أنْ يَحرِمَهنَّ مِيراثَهنَّ بالطَّلاق، فكذا يُمنَعُ من تَنْقيصهِنَّ منه. وَرَدَّ المؤلِّفُ كِلَا الوَجْهَينِ، أمَّا أحدُهما؛ فرَدَّه نَصُّ الكتاب على تَورِيث الزَّوجات، فلا تَجوزُ مُخالَفَتُه. وأمَّا الآخَرُ؛ فِلأِنَّ اللهَ تعالى لم يُبِحْ نكاحَ (١) أكثرَ من أربعٍ، ولا الجَمْعَ بَينَ الأخْتَينِ، فلا يَجوزُ أنْ يَجْتَمِعْنَ في مَيراثِه بالزَّوجيَّة. وعلى هذا: لو طلَّق أربعًا في مرضه، وانْقَضَتْ عِدَّتهنَّ، ونَكَحَ أرْبَعًا سِواهُنَّ، ثُمَّ مات في مرضه؛ فعلى المختار: تَرِثُه (٢) المنكوحاتُ خاصَّةً، وعلى الثَّاني: فيه وجْهانِ:

стр. 4059

أحدُهما: أنَّه بَينَ الثَّمانِ. والثَّاني: أنَّه للمُطلَّقات. وإنْ صحَّ من مَرَضِه، ثُمَّ تزوَّج أرْبَعًا في صحَّتِه، ثُمَّ مات؛ فالمِيراثُ لهنَّ في قَولِ الجَماعة، ولا شَيءَ للمُطلَّقات. فَرْعٌ: إذا ادَّعَتْ عَلَيه زَوجتُه طَلاقًا يَقطَعُ المِيراثَ، فأنْكَرَ؛ لم تَرِثْه إنْ مات إذا كانت مُقِيمةً على قَولِها، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الفروع».

стр. 4060

(بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ) (إِذَا أَقَرَّ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ)، ولو مع أهْلِيَّةِ الشَّهادة، ولو أنَّه واحِدٌ، ذَكَرًا كان أو أُنْثَى، (بِوَارِثٍ لِلْمَيِّتِ، فَصَدَّقَهُمْ، أَوْ كَانَ صَغِيرًا)، أوْ مجنونًا، وسَواءٌ كان مِنْ حُرَّةٍ أوْ أَمَةٍ، نَقَلَه الجماعةُ (١)؛ (ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِرْثُهُ)؛ لأِنَّه ﵇ قَبِلَ قَولَ عبدِ ابنِ زَمْعَةَ لمَّا ادَّعَى نَسَبَ وليدةِ أبِيهِ (٢)، وقال: «هذا أخِي، وُلِدَ على فِراشِ أَبِي» (٣)، فأثْبَتَ نَسَبَه منه، ولأِنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ مُوَرِّثِه في مِيراثِه ودُيونِه وسائرِ حقوقه، فكذا في النَّسَب، وإذا ثَبَتَ النَّسبُ ثَبَتَ الإرْثُ. واشْتُرِطَ في البالِغِ العاقِلِ التَّصْديقُ؛ لأِنَّ الإقْرارَ بالنَّسَبِ إقْرارٌ، فاشْتُرِطَ تَصْديقُ المُقَرِّ له؛ كالإقْرار بالمال، وفي الصَّغير يُكْتَفَى بِصِغَرِه؛ لِعَدَم اعْتِبارِ قَوله، فقُبِلَ الإقْرارُ بنَفْسِه وإنْ لم يُصدِّقْه؛ كالمال. وظاهِرُه: أنَّه يَثبُتُ النَّسبُ ولو مع وُجودِ مُنكِرٍ لا يَرِثُ لِمانِعِ رِقٍّ ونحوِه إنْ كان مَجهولَ النَّسب، وإلاَّ فَلَا، والإرْثُ إنْ لم يَكُنْ به مانِعٌ. (سَوَاءٌ كَانُوا)؛ أي: المُقِرِّينَ (جَمَاعَةً أَوْ وَاحِدًا)؛ لأِنَّهم سَواءٌ في الإقْرار بالمال، فكذا في الإقْرار بغَيرِه. (وَسَوَاءٌ كَانَ المُقَرُّ بِهِ يَحْجُبُ المُقِرَّ، أَوْ لَا يَحْجُبُهُ؛ كَأَخٍ يُقِرُّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ)، أو ابنِ ابْنٍ يُقِرُّ بابْنٍ للميِّت، فإنَّه يَثْبُتُ نَسَبُه وإرْثُه، ويَسقُطُ المقِرُّ، هذا هو المذْهَبُ، وقالَهُ شُرَيحٌ؛ لأِنَّه ثابِتُ النَّسب، لم يُوجَدْ في حقِّه مانِعٌ من الإرْث، فَدَخَلَ في عُمومِ النَّصِّ، والعِبرةُ بكَونِه وارِثًا حالةَ الإقْرار. وقِيلَ: لا يَرِثُ مُسقِطٌ، اختاره أبو إسْحاقَ، وذَكَرَه الأَزَجِيُّ عن

стр. 4061

الأصحاب سِوَى القاضِي، وأنَّه الصَّحيحُ؛ لأِنَّ تَورِيثَه يُفْضِي إلى إسْقاطِ تَورِيثِه؛ فَسَقَطَ؛ لأِنَّه لو وَرِثَ لخرَجَ المقِرُّ عن كَونِه وارِثًا، فيَبطُلُ إقْرارُه، فَعَلَيهِ: نصيبُه بِيَدِ المقِرِّ، وقِيلَ: بِبَيتِ (١) المال. فإنْ بَلغ الصَّغيرُ، وعَقَلَ المجْنونُ، فصدَّقا المقِرَّ؛ يَثبُتُ إرْثُهما من المقِرِّ. وعلى الأوَّل: يُعتَبَرُ إقْرارُ الزَّوج والمولى المعتِق إذا كانا من الورثة، ولو كانت بنتًا صحَّ؛ لإرْثِها بالفَرْض والرَّدِّ. فَرْعٌ: إذا أقرَّ أحدُ الزَّوجَينِ بابْنٍ لِلآخَرِ من غَيرِه، فصدَّقه نائبُ الإمامِ؛ ثَبَتَ نَسَبُه، وفيه احْتِمالٌ ذَكَرَه الأزَجِيُّ؛ لأِنَّ الإمامَ لَيسَ له مَنصِبُ الورثة، قال: وهو مَبنِيٌّ على أنَّه هل له اسْتِيفاءُ قَوَدٍ لا وارِثَ له؟ وإذا لم يَثبُتْ؛ أخَذَ نصفَ ما بِيَدِ المقِرِّ. (وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ) بوارِثٍ مُشارِكٍ لهم في المِيراث؛ (لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ)، بالإجْماع (٢)، ذَكَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ النَّسَبَ لا يَتَبَعَّضُ، فلا يُمكِنُ إثْباتُه في حقِّ المقِرِّ دُونَ المنكِر، ولا إثْباتُه في حَقِّهما؛ لأِنَّ الآخَرَ مُنكِرٌ، فلا يُقبَلُ إقْرارُ غَيرِه عَلَيهِ، ولم تُوجَدْ (٣) شهادةٌ يَثبُتُ بها النَّسَبُ، ولو كان المقِرُّ عَدْلَينِ؛ لأِنه إقرارٌ مِنْ بعضِ الورثة. وعَنْهُ: إنْ أقرَّ اثْنانِ منهم على أبيهما بدَينٍ أوْ نَسَبٍ؛ ثَبَتَ في حقِّ غَيرِهم؛ إعطاءً (٤) له حكمَ شهادةٍ وإقْرارٍ، وفي اعتبار العدالة منهما رِوايَتانِ. (إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ)، أوْ مِنْ غَيرِهم؛ (عَدْلَانِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ)، أوْ وَلَدُه، (أَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ أَقَرَّ بِهِ)؛ ثَبت نسبُه من المقِرِّينَ الوارِثينَ، ويُشارِكُهم في

стр. 4062

الإرث؛ لأِنَّها بيِّنةٌ عادِلةٌ، فثَبَتَ النَّسبُ بهما كالأجانب، ولأِنَّهما لو شَهِدَا على غَيرِ مُوَرِّثهما؛ لقُبِلَ، فكذا إذا شَهِدَا عليه. وقِيلَ: لا، جَزَمَ به الأَزَجِيُّ وغَيرُه. فلو كان المقَرُّ به أخًا، ومات المقِرُّ عن بَنِي عمٍّ وَرِثُوه، وعلى الأوَّل يَرِثُه الأخُ. وهل يَثبُتُ نسبُه مِنْ وَلَدِ المقِرِّ المنكِرِ له تَبَعًا، فتَثبُتُ العُمومة؟ فيه وَجْهانِ، وفي «الانتصار» خِلافٌ مع كونه أكبرَ سِنًّا من أبِي المقَرِّ أو معروفِ النَّسَب. ولو مات المقِرُّ، وخَلَّفه والمنكرَ؛ فإرْثُه بَينَهما، فلو خَلَّفَه فقط؛ ورِثَه. وذَكَرَ جماعةٌ: إقراره كوصيَّةٍ، فيأخُذُ المالَ في وَجْهٍ، وثلثَه في آخَرَ. وقِيلَ: المالُ لبيت المال. (وَعَلَى المُقِرِّ) إذا لم يَثبُت النَّسبُ؛ (أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ فَضْلَ مَا فِي يَدِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ)؛ لأِنَّه تبَيَّنَ بإقْرارِه أنَّه لا يَستَحِقُّه، (فَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ بِأَخٍ؛ فَلَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ)، نَقَلَه بَكرُ بنُ محمَّدٍ (١)؛ لأِنَّ في يده النِّصفَ، وهو لا يَستَحِقُّ إلاَّ الثُّلثَ، فالسُّدسُ مُسْتَحَقٌّ للمُقَرِّ به، وهو ثلثُ النِّصف. (وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ؛ فَلَهَا خُمُسُ مَا فِي يَدِهِ)؛ لأِنَّ في يده النِّصفَ، وهو يَسْتَحِقُّ خُمُسَينِ، فنصف الخُمُسِ مُسْتَحَقٌّ للمُقَرِّ بها، وهو خُمسُ ما في يده، هذا قَول الجمهور. وقال النَّخَعِيُّ وحَمَّادٌ: تُقاسِمُه (٢) ما في يده؛ لأِنَّه يقولُ: أنا وأنتِ سَواءٌ في ميراثِ أبِينا، وما أخَذَه المنكِرُ بمنزلة التَّالِفِ.

стр. 4063

وأُجِيبَ بأنَّه: إنَّما أقَرَّ له بالفاضِل عن ميراثه، فلم يَلزَمْه أكثرُ ممَّا أقرَّ به، كما لو أقرَّ له بمُعَيَّنٍ، وكإقرارِ أحدِ الشَّريكَينِ بجناية العبد، والتَّرِكةُ بَينَهم أثْلاثًا، فلا يَستَحِقُّ مِمَّا في يده إلاَّ الثُّلثَ، كما لو ثَبَتَ نسبُه ببيِّنةٍ. فَرْعٌ: خلَّف ابْنًا، فأقرَّ بأخٍ، ثُمَّ جَحَدَه؛ لم يُقْبَلْ جَحْدُه، ولَزِمَه أنْ يَدفَعَ نصفَ ما في يده، فإنْ صدَّقه المقَرُّ له، أو بِه؛ فوجْهَانِ، ذَكَرَهُما في «الكافي» وغيره. فإنْ أقرَّ بَعْدَ جَحْدِه بآخَرَ: احْتَمَلَ أنْ لا يَلزَمه له شَيءٌ، وإنْ كان لم يَدفَعْ إلى الأوَّل شَيئًا لَزِمَه أنْ يَدفَعَ إليه نصفَ ما في يَدِه، ولا يَلزَمُه للآخَرِ شَيءٌ، ويَحتَمِلُ أنْ يَلزَمَه دَفْعُ النِّصف كلِّه إلى الثَّاني، ويَحتَمِلُ أنْ يَلزَمَه ثُلثُ ما في يده للثَّاني، كما لو أقرَّ بالثَّاني من غَيرِ جَحْدِ الأوَّلِ. فإنْ خلَّفَ ابْنَينِ فأقرَّ أحدُهما بأخٍ، ثُمَّ جَحَدَه، ثُمَّ أقرَّ بأخٍ؛ لم يَلزَمْه للثَّاني شَيءٌ، وعلى الاِحْتِمال الثَّاني: يَدفَعُ إليه نصفَ ما في يده، وعلى الثَّالث: يَلزَمُه دَفْعُ ما بَقِيَ في يده، ولا يَثبُتُ نَسَبُ واحِدٍ منهما، ويَثْبُتُ نَسَبُ المقَرِّ به الأوَّلِ في المسألة الأولى دُونَ الثَّاني. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ المُقِرِّ فَضْلٌ؛ فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ)؛ لأِنَّه يُقِرُّ على غَيرِه. (وَإِذَا خَلَّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ، وَأَخًا مِنْ أُمٍّ، فَأَقَرَّا بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ؛ ثَبَتَ نَسَبُهُ)؛ لِإقْرار كلِّ الورثة به، (وَأَخَذَ مَا فِي يَدِ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ)؛ لأِنَّه تبيَّن بإقْراره أنَّه لا حقَّ له، وأنَّ الحقَّ للمُقَرِّ به؛ إذْ هو مَحْجوبٌ به. (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ؛ أَخَذَ مَا فِي يَدِهِ)؛ لأِنَّه يُسقِطُه في المِيراث، وقال أبو الخَطَّاب: يأخُذُ نصفَ ما في يدِه، وهو سَهْوٌ، (وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّ كلَّ الوَرَثَة لم يُقِرُّوا به، وإقْرارُهم شَرْطٌ في ثُبوتِه. (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ مِنَ الْأُمِّ، أَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ سِوَاهُ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأِنَّه لا فَضْلَ في يده، وهذا بخِلافِ ما إذا أقرَّ بأخَوَينِ من أُمٍّ؛ فإنَّه يَدفَع إلَيهِما ثلثَ ما في

стр. 4064

يده؛ لأِنَّ في يده السُّدسَ، وبإقْراره اعْتَرَفَ أنَّه لا يَستَحِقُّ من المِيراث إلاَّ التُّسُعَ، فيَبْقَى في يده نصفُ التُّسُع، وهو ثلثُ ما في يده. (وَطَرِيقُ الْعَمَلِ) في هذا البابِ: (أَنْ تَضْرِبَ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ)؛ لأِنَّ به يَظهَرُ ما للمُقِرِّ وما للمُنكِر، وما يَفضُلُ، وتُراعَى الموافَقَةُ، (وَتَدْفَعَ (١) إِلَى المُقِرِّ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، وَإِلَى المُنْكِرِ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ بِهِ)، فإذا أقرَّ أحدُ الاِبْنَيْنِ بأخٍ؛ فمَسألةُ الإقْرار من ثلاثةٍ، والإنكار من اثْنَينِ، فاضْرِبْ إحداهما في الأخرى؛ لِتَبايُنِهما؛ تكُنْ ستَّةً؛ للمُقِرِّ سَهْمٌ من الإقرار في الإنكار باثْنَينِ، وللمنكِر سَهْمٌ من الإنكار في الإقرار بثلاثةٍ، يَبْقَى سَهْمٌ للمُقَرِّ له؛ لأِنَّه الفاضِلُ، وهو ثُلثُ ما بَقِيَ في يد المقِرِّ؛ لأِنَّ النِّصفَ في يده، وقد تبيَّنَ هنا أنَّه ثلاثةٌ. (فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخَوَيْنِ، فَصَدَّقَهُ أَخُوهُ فِي أَحَدِهِمَا؛ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ)؛ لِإقْرارِ كلِّ الورثةِ به، (فَصَارُوا ثَلَاثَةً، ثُمَّ تَضْرِبُ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ)، وهي أربعةٌ، (فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ)، وهي ثلاثةٌ، (تَكُنِ اثْنَيْ عَشَرَ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، (لِلْمُنْكِرِ سَهْمٌ مِنَ الْإِنْكَارِ فِي الْإِقْرَارِ: أَرْبَعَةٌ، وَلِلْمُقِرِّ سَهْمٌ مِنَ الْإِقْرَارِ فِي الْإِنْكَارِ: ثَلَاثَةٌ، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِنْ صَدَّقَ المُقِرَّ مِثْلُ سَهْمِهِ)؛ لأِنَّه مُقِرٌّ، (وَإِنْ أَنْكَرَهُ مِثْلُ سَهْمِ المُنْكِرِ)؛ لأِنَّه مُنكِرٌ، (وَمَا فَضَلَ لِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهُوَ سَهْمَانِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ، وَسَهْمٌ فِي حَالِ الْإِنْكَارِ)؛ لأِنَّ ذلك هو الفاضِلُ، وهذا أصحُّ الأقْوال، قالَهُ في «الشَّرح». (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَأْخُذُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنَ المُنْكِرِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ إِلاَّ رُبُعَ مَا فِي يَدِهِ)؛ لأِنَّه لا يَدَّعِي أكثرَ منه؛ لأِنَّه يدَّعِي أنَّهم (٢) أربعةٌ،

стр. 4065

(وَصَحِّحْهَا مِنْ ثَمَانِيَةٍ)؛ لأِنَّ أصلَ المسألة من اثْنَينِ، والمقَرُّ به يَستحِقُّ رُبعَ ما في يد المنكِر، فاضْرِبْ أربعةً في اثنَينِ بثمانيةٍ، (لِلْمُنْكِرِ ثَلَاثَةٌ)؛ لأِنَّه كان يَستحِقُّ أربعةً، أخَذَ منها المتَّفَقُ عَلَيهِ رُبعَها، بَقِيَ ثلاثةٌ، (وَلِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ سَهْمٌ)؛ لأِنَّه يَستحِقُّ رُبعَ ما في يدِ المقِرِّ بِهِما، (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخَوَيْنِ سَهْمَانِ)؛ لأِنَّه كان يَستحِقُّ أربعةً، خَرَجَ منها سَهْمٌ للمتَّفقِ عَلَيهِ، وسَهْمٌ للمُخْتَلَفِ فيه، بَقِيَ اثْنانِ للآخَرِ. وذَكَرَ ابنُ اللَّبَّانِ: أنَّ هذا قِياسُ قَولِ مالِكٍ والشَّافِعيِّ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لأِنَّ المنكِرَ يُقِرُّ أنَّه لا يَستحِقُّ إلاَّ الثُّلثَ، وقد حَضَرَ مَنْ يدَّعِي الزِّيادةَ، فَوَجَبَ دَفْعُها إليه، ونظيرُه لو ادَّعَى إنسانٌ دارًا في يدِ آخَرَ، فأقرَّ بها لغَيره، فقال المقَرُّ له: إنَّما هِيَ للمُدَّعِي، فإنَّها تُسلَّمُ إليه. وقد ردَّ الخَبْرِيُّ على ابنِ اللَّبَّانِ قَولَه، وقال: يَبقَى مع المنكِرِ ثلاثةُ أثْمانٍ، وهو لا يَدَّعِي إلاَّ الثُّلثَ، وقد حَضَرَ مَنْ يدَّعِي هذه الزِّيادةَ، ولا مُنازِعَ له فيها، فيَجِبُ دَفْعُها إلَيهِ. قال: والصَّحيحُ أنْ يَضُمَّ المتَّفَقُ عَلَيهِ السُّدسَ الذي يأخُذُه من المقَرِّ به، فيَضُمُّه إلى النِّصف الذي (١) بِيَدِ المقِرِّ لهما، فيَقْتَسمانه أثْلاثًا، فتَصِحُّ من تسعةٍ، للمنكِر ثلاثةٌ، ولكلِّ واحِدٍ من الآخَرِينَ (٢) سهْمانِ. قال في «المغْنِي»: ولا يَستَقِيمُ هذا على قَولِ مَنْ لا يُلزِمُ المقِرَّ أكثرَ من الفَضْل عن مِيراثِه؛ لأِنَّ المقِرَّ بهما والمتَّفَقَ عَلَيهِ لا يَنقُصُ مِيراثُه عن الرُّبُع (٣)، ولم يَحصُلْ له على هذا القَولِ إلاَّ التُّسُعانِ. وقِيلَ: في حالِ الإنكار يَدفَعُ المقِرُّ بهما إلَيهِما نصفَ ما في يده، ويأخُذُ
следующие страницы →