← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

الأصحاب سِوَى القاضِي، وأنَّه الصَّحيحُ؛ لأِنَّ تَورِيثَه يُفْضِي إلى إسْقاطِ تَورِيثِه؛ فَسَقَطَ؛ لأِنَّه لو وَرِثَ لخرَجَ المقِرُّ عن كَونِه وارِثًا، فيَبطُلُ إقْرارُه، فَعَلَيهِ: نصيبُه بِيَدِ المقِرِّ، وقِيلَ: بِبَيتِ (١) المال. فإنْ بَلغ الصَّغيرُ، وعَقَلَ المجْنونُ، فصدَّقا المقِرَّ؛ يَثبُتُ إرْثُهما من المقِرِّ. وعلى الأوَّل: يُعتَبَرُ إقْرارُ الزَّوج والمولى المعتِق إذا كانا من الورثة، ولو كانت بنتًا صحَّ؛ لإرْثِها بالفَرْض والرَّدِّ. فَرْعٌ: إذا أقرَّ أحدُ الزَّوجَينِ بابْنٍ لِلآخَرِ من غَيرِه، فصدَّقه نائبُ الإمامِ؛ ثَبَتَ نَسَبُه، وفيه احْتِمالٌ ذَكَرَه الأزَجِيُّ؛ لأِنَّ الإمامَ لَيسَ له مَنصِبُ الورثة، قال: وهو مَبنِيٌّ على أنَّه هل له اسْتِيفاءُ قَوَدٍ لا وارِثَ له؟ وإذا لم يَثبُتْ؛ أخَذَ نصفَ ما بِيَدِ المقِرِّ. (وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ) بوارِثٍ مُشارِكٍ لهم في المِيراث؛ (لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ)، بالإجْماع (٢)، ذَكَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ النَّسَبَ لا يَتَبَعَّضُ، فلا يُمكِنُ إثْباتُه في حقِّ المقِرِّ دُونَ المنكِر، ولا إثْباتُه في حَقِّهما؛ لأِنَّ الآخَرَ مُنكِرٌ، فلا يُقبَلُ إقْرارُ غَيرِه عَلَيهِ، ولم تُوجَدْ (٣) شهادةٌ يَثبُتُ بها النَّسَبُ، ولو كان المقِرُّ عَدْلَينِ؛ لأِنه إقرارٌ مِنْ بعضِ الورثة. وعَنْهُ: إنْ أقرَّ اثْنانِ منهم على أبيهما بدَينٍ أوْ نَسَبٍ؛ ثَبَتَ في حقِّ غَيرِهم؛ إعطاءً (٤) له حكمَ شهادةٍ وإقْرارٍ، وفي اعتبار العدالة منهما رِوايَتانِ. (إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ)، أوْ مِنْ غَيرِهم؛ (عَدْلَانِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ)، أوْ وَلَدُه، (أَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ أَقَرَّ بِهِ)؛ ثَبت نسبُه من المقِرِّينَ الوارِثينَ، ويُشارِكُهم في

стр. 4062

الإرث؛ لأِنَّها بيِّنةٌ عادِلةٌ، فثَبَتَ النَّسبُ بهما كالأجانب، ولأِنَّهما لو شَهِدَا على غَيرِ مُوَرِّثهما؛ لقُبِلَ، فكذا إذا شَهِدَا عليه. وقِيلَ: لا، جَزَمَ به الأَزَجِيُّ وغَيرُه. فلو كان المقَرُّ به أخًا، ومات المقِرُّ عن بَنِي عمٍّ وَرِثُوه، وعلى الأوَّل يَرِثُه الأخُ. وهل يَثبُتُ نسبُه مِنْ وَلَدِ المقِرِّ المنكِرِ له تَبَعًا، فتَثبُتُ العُمومة؟ فيه وَجْهانِ، وفي «الانتصار» خِلافٌ مع كونه أكبرَ سِنًّا من أبِي المقَرِّ أو معروفِ النَّسَب. ولو مات المقِرُّ، وخَلَّفه والمنكرَ؛ فإرْثُه بَينَهما، فلو خَلَّفَه فقط؛ ورِثَه. وذَكَرَ جماعةٌ: إقراره كوصيَّةٍ، فيأخُذُ المالَ في وَجْهٍ، وثلثَه في آخَرَ. وقِيلَ: المالُ لبيت المال. (وَعَلَى المُقِرِّ) إذا لم يَثبُت النَّسبُ؛ (أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ فَضْلَ مَا فِي يَدِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ)؛ لأِنَّه تبَيَّنَ بإقْرارِه أنَّه لا يَستَحِقُّه، (فَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ بِأَخٍ؛ فَلَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ)، نَقَلَه بَكرُ بنُ محمَّدٍ (١)؛ لأِنَّ في يده النِّصفَ، وهو لا يَستَحِقُّ إلاَّ الثُّلثَ، فالسُّدسُ مُسْتَحَقٌّ للمُقَرِّ به، وهو ثلثُ النِّصف. (وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ؛ فَلَهَا خُمُسُ مَا فِي يَدِهِ)؛ لأِنَّ في يده النِّصفَ، وهو يَسْتَحِقُّ خُمُسَينِ، فنصف الخُمُسِ مُسْتَحَقٌّ للمُقَرِّ بها، وهو خُمسُ ما في يده، هذا قَول الجمهور. وقال النَّخَعِيُّ وحَمَّادٌ: تُقاسِمُه (٢) ما في يده؛ لأِنَّه يقولُ: أنا وأنتِ سَواءٌ في ميراثِ أبِينا، وما أخَذَه المنكِرُ بمنزلة التَّالِفِ.

стр. 4063

وأُجِيبَ بأنَّه: إنَّما أقَرَّ له بالفاضِل عن ميراثه، فلم يَلزَمْه أكثرُ ممَّا أقرَّ به، كما لو أقرَّ له بمُعَيَّنٍ، وكإقرارِ أحدِ الشَّريكَينِ بجناية العبد، والتَّرِكةُ بَينَهم أثْلاثًا، فلا يَستَحِقُّ مِمَّا في يده إلاَّ الثُّلثَ، كما لو ثَبَتَ نسبُه ببيِّنةٍ. فَرْعٌ: خلَّف ابْنًا، فأقرَّ بأخٍ، ثُمَّ جَحَدَه؛ لم يُقْبَلْ جَحْدُه، ولَزِمَه أنْ يَدفَعَ نصفَ ما في يده، فإنْ صدَّقه المقَرُّ له، أو بِه؛ فوجْهَانِ، ذَكَرَهُما في «الكافي» وغيره. فإنْ أقرَّ بَعْدَ جَحْدِه بآخَرَ: احْتَمَلَ أنْ لا يَلزَمه له شَيءٌ، وإنْ كان لم يَدفَعْ إلى الأوَّل شَيئًا لَزِمَه أنْ يَدفَعَ إليه نصفَ ما في يَدِه، ولا يَلزَمُه للآخَرِ شَيءٌ، ويَحتَمِلُ أنْ يَلزَمَه دَفْعُ النِّصف كلِّه إلى الثَّاني، ويَحتَمِلُ أنْ يَلزَمَه ثُلثُ ما في يده للثَّاني، كما لو أقرَّ بالثَّاني من غَيرِ جَحْدِ الأوَّلِ. فإنْ خلَّفَ ابْنَينِ فأقرَّ أحدُهما بأخٍ، ثُمَّ جَحَدَه، ثُمَّ أقرَّ بأخٍ؛ لم يَلزَمْه للثَّاني شَيءٌ، وعلى الاِحْتِمال الثَّاني: يَدفَعُ إليه نصفَ ما في يده، وعلى الثَّالث: يَلزَمُه دَفْعُ ما بَقِيَ في يده، ولا يَثبُتُ نَسَبُ واحِدٍ منهما، ويَثْبُتُ نَسَبُ المقَرِّ به الأوَّلِ في المسألة الأولى دُونَ الثَّاني. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ المُقِرِّ فَضْلٌ؛ فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ)؛ لأِنَّه يُقِرُّ على غَيرِه. (وَإِذَا خَلَّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ، وَأَخًا مِنْ أُمٍّ، فَأَقَرَّا بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ؛ ثَبَتَ نَسَبُهُ)؛ لِإقْرار كلِّ الورثة به، (وَأَخَذَ مَا فِي يَدِ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ)؛ لأِنَّه تبيَّن بإقْراره أنَّه لا حقَّ له، وأنَّ الحقَّ للمُقَرِّ به؛ إذْ هو مَحْجوبٌ به. (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ؛ أَخَذَ مَا فِي يَدِهِ)؛ لأِنَّه يُسقِطُه في المِيراث، وقال أبو الخَطَّاب: يأخُذُ نصفَ ما في يدِه، وهو سَهْوٌ، (وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّ كلَّ الوَرَثَة لم يُقِرُّوا به، وإقْرارُهم شَرْطٌ في ثُبوتِه. (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ مِنَ الْأُمِّ، أَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ سِوَاهُ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأِنَّه لا فَضْلَ في يده، وهذا بخِلافِ ما إذا أقرَّ بأخَوَينِ من أُمٍّ؛ فإنَّه يَدفَع إلَيهِما ثلثَ ما في

стр. 4064

يده؛ لأِنَّ في يده السُّدسَ، وبإقْراره اعْتَرَفَ أنَّه لا يَستَحِقُّ من المِيراث إلاَّ التُّسُعَ، فيَبْقَى في يده نصفُ التُّسُع، وهو ثلثُ ما في يده. (وَطَرِيقُ الْعَمَلِ) في هذا البابِ: (أَنْ تَضْرِبَ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ)؛ لأِنَّ به يَظهَرُ ما للمُقِرِّ وما للمُنكِر، وما يَفضُلُ، وتُراعَى الموافَقَةُ، (وَتَدْفَعَ (١) إِلَى المُقِرِّ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، وَإِلَى المُنْكِرِ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ بِهِ)، فإذا أقرَّ أحدُ الاِبْنَيْنِ بأخٍ؛ فمَسألةُ الإقْرار من ثلاثةٍ، والإنكار من اثْنَينِ، فاضْرِبْ إحداهما في الأخرى؛ لِتَبايُنِهما؛ تكُنْ ستَّةً؛ للمُقِرِّ سَهْمٌ من الإقرار في الإنكار باثْنَينِ، وللمنكِر سَهْمٌ من الإنكار في الإقرار بثلاثةٍ، يَبْقَى سَهْمٌ للمُقَرِّ له؛ لأِنَّه الفاضِلُ، وهو ثُلثُ ما بَقِيَ في يد المقِرِّ؛ لأِنَّ النِّصفَ في يده، وقد تبيَّنَ هنا أنَّه ثلاثةٌ. (فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخَوَيْنِ، فَصَدَّقَهُ أَخُوهُ فِي أَحَدِهِمَا؛ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ)؛ لِإقْرارِ كلِّ الورثةِ به، (فَصَارُوا ثَلَاثَةً، ثُمَّ تَضْرِبُ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ)، وهي أربعةٌ، (فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ)، وهي ثلاثةٌ، (تَكُنِ اثْنَيْ عَشَرَ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، (لِلْمُنْكِرِ سَهْمٌ مِنَ الْإِنْكَارِ فِي الْإِقْرَارِ: أَرْبَعَةٌ، وَلِلْمُقِرِّ سَهْمٌ مِنَ الْإِقْرَارِ فِي الْإِنْكَارِ: ثَلَاثَةٌ، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِنْ صَدَّقَ المُقِرَّ مِثْلُ سَهْمِهِ)؛ لأِنَّه مُقِرٌّ، (وَإِنْ أَنْكَرَهُ مِثْلُ سَهْمِ المُنْكِرِ)؛ لأِنَّه مُنكِرٌ، (وَمَا فَضَلَ لِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهُوَ سَهْمَانِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ، وَسَهْمٌ فِي حَالِ الْإِنْكَارِ)؛ لأِنَّ ذلك هو الفاضِلُ، وهذا أصحُّ الأقْوال، قالَهُ في «الشَّرح». (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَأْخُذُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنَ المُنْكِرِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ إِلاَّ رُبُعَ مَا فِي يَدِهِ)؛ لأِنَّه لا يَدَّعِي أكثرَ منه؛ لأِنَّه يدَّعِي أنَّهم (٢) أربعةٌ،

стр. 4065

(وَصَحِّحْهَا مِنْ ثَمَانِيَةٍ)؛ لأِنَّ أصلَ المسألة من اثْنَينِ، والمقَرُّ به يَستحِقُّ رُبعَ ما في يد المنكِر، فاضْرِبْ أربعةً في اثنَينِ بثمانيةٍ، (لِلْمُنْكِرِ ثَلَاثَةٌ)؛ لأِنَّه كان يَستحِقُّ أربعةً، أخَذَ منها المتَّفَقُ عَلَيهِ رُبعَها، بَقِيَ ثلاثةٌ، (وَلِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ سَهْمٌ)؛ لأِنَّه يَستحِقُّ رُبعَ ما في يدِ المقِرِّ بِهِما، (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخَوَيْنِ سَهْمَانِ)؛ لأِنَّه كان يَستحِقُّ أربعةً، خَرَجَ منها سَهْمٌ للمتَّفقِ عَلَيهِ، وسَهْمٌ للمُخْتَلَفِ فيه، بَقِيَ اثْنانِ للآخَرِ. وذَكَرَ ابنُ اللَّبَّانِ: أنَّ هذا قِياسُ قَولِ مالِكٍ والشَّافِعيِّ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لأِنَّ المنكِرَ يُقِرُّ أنَّه لا يَستحِقُّ إلاَّ الثُّلثَ، وقد حَضَرَ مَنْ يدَّعِي الزِّيادةَ، فَوَجَبَ دَفْعُها إليه، ونظيرُه لو ادَّعَى إنسانٌ دارًا في يدِ آخَرَ، فأقرَّ بها لغَيره، فقال المقَرُّ له: إنَّما هِيَ للمُدَّعِي، فإنَّها تُسلَّمُ إليه. وقد ردَّ الخَبْرِيُّ على ابنِ اللَّبَّانِ قَولَه، وقال: يَبقَى مع المنكِرِ ثلاثةُ أثْمانٍ، وهو لا يَدَّعِي إلاَّ الثُّلثَ، وقد حَضَرَ مَنْ يدَّعِي هذه الزِّيادةَ، ولا مُنازِعَ له فيها، فيَجِبُ دَفْعُها إلَيهِ. قال: والصَّحيحُ أنْ يَضُمَّ المتَّفَقُ عَلَيهِ السُّدسَ الذي يأخُذُه من المقَرِّ به، فيَضُمُّه إلى النِّصف الذي (١) بِيَدِ المقِرِّ لهما، فيَقْتَسمانه أثْلاثًا، فتَصِحُّ من تسعةٍ، للمنكِر ثلاثةٌ، ولكلِّ واحِدٍ من الآخَرِينَ (٢) سهْمانِ. قال في «المغْنِي»: ولا يَستَقِيمُ هذا على قَولِ مَنْ لا يُلزِمُ المقِرَّ أكثرَ من الفَضْل عن مِيراثِه؛ لأِنَّ المقِرَّ بهما والمتَّفَقَ عَلَيهِ لا يَنقُصُ مِيراثُه عن الرُّبُع (٣)، ولم يَحصُلْ له على هذا القَولِ إلاَّ التُّسُعانِ. وقِيلَ: في حالِ الإنكار يَدفَعُ المقِرُّ بهما إلَيهِما نصفَ ما في يده، ويأخُذُ

стр. 4066

المتَّفَقُ عليه من المنكِر ثلثَ ما في يده، فيَحصُل للمنكِر الثُّلثُ، وللمُقِرِّ الرُّبعُ، وللمتَّفَق عليه السُّدسُ والثُّمنُ، وللمُختَلَفِ فيه الثُّمنُ، وتَصِحُّ من أربعةٍ وعِشْرينَ، للمُنكِرِ ثمانيةٌ، وللمتَّفَق عَلَيه سبعةٌ، وللمُقِرِّ ستَّةٌ، وللمُختَلَفِ ثَلاثةٌ، قال ابنُ حَمْدانَ: وهو أصحُّ. (وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا، فَأَقَرَّ بِأَخَوَيْنِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ؛ ثَبَتَ نَسَبَهُمَا) مُطلَقًا، (سَوَاءٌ اتَّفَقَا) مع إقْرارِ الاِبْنِ بهما، (أَوِ اخْتَلَفَا)؛ أيْ: تَجاحَدَا؛ لأِنَّ نَسَبَهُما ثَبَتَ بإقْرارِ كلٍّ من الورثة قَبْلَهما، فلم تُعتَبَرْ مُوافَقَةُ الآخَرِ، كما لو كانا صغِيرَينِ. (وَيَحْتَمِلَ: أَلاَّ يَثْبُتَ نَسَبُهُمَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا)؛ لأِنَّ الإقْرارَ بكلِّ واحِدٍ مِنْهُما لم يَصدُرْ من كلِّ الورثة (١)، ويَدفَعُ إلى كلِّ واحِدٍ منهما ثُلثَ ما في يده، فإنْ صدَّقَ أحدُهما بصاحبه وجَحَدَه الآخَرُ؛ ثَبَتَ نَسَبُ المتَّفَقِ عليه، وفي الآخَر وجْهانِ. فإنْ كانا تَوْأَمَيْنِ؛ ثَبَتَ نَسَبُهما، ولم يُلْتَفت إلى إنكارِ المنكِرِ منهما، سواءٌ تَجاحَدَا معًا أوْ جَحَدَ أحدُهما صاحِبَه، ومتى أقرَّ الوارِثُ بأحدِهما؛ ثَبَتَ نَسَبُ الآخَرِ. فإنْ أقرَّ بنَسَبِ صغِيرَينِ معًا ثَبَتَ نَسَبُهما على الأوَّل، وعلى الثَّانِي فيه احْتِمالانِ. (فَإِنْ أَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الآْخَرِ؛ أُعْطِيَ الْأَوَّلُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ)، بغَيرِ خِلافٍ (٢)؛ لأِنَّه اعْتَرَف بأُخُوَّتِه، فيَلزَمُ منه إرْثُه، فتكونُ المسألةُ بالنِّسبة إليه مقسومةً على اثْنَينِ، (وَالثَّانِي ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ)، وهو السُّدسُ؛ لأِنَّه فاضِلٌ عن حقِّه؛ لأِنَّه أقرَّ أنَّ الأوْلادَ ثلاثةٌ، فأحدُهم يَستَحِقُّ الثُّلثَ فَقَطْ، (وَثَبَتَ نَسَبُ الْأَوَّلِ)؛ لأِنَّه أقَرَّ به كلُّ الورثة، (وَيَقِفُ نَسَبُ الثَّانِي عَلَى تَصْدِيقِهِ)؛ لأِنَّه صار

стр. 4067

من الورثة. وكذا إنْ كانا تَوْأَمَيْنِ. وفي «المحرَّر» و «الفروع»: وإنْ كَذَّبَ الثَّاني بالأوَّل، وهو مُصدِّقٌ به؛ ثَبَتَ نَسَبُ الثَّلاثة، وقِيلَ: يَسقُطُ نَسَبُ الأوَّلِ، ويأخُذُ الثَّانِي ثُلُثَيْ ما في يده، وثُلُثَ ما في يَدِ المقِرِّ. (وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِامْرَأَةٍ لِلْمَيِّتِ؛ لَزِمَهُ مِنْ إِرْثِهَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ)؛ أيْ: يَلزَمُه ما يَفضُلُ في يده لها عن حقِّه، كما لو أقرَّ بابْنٍ. وفي «الرِّعاية»: وإنْ أقرَّ بها كلُّهم، أو شَهِدَ بالنِّكاح اثْنانِ منهم أوْ مِنْ غَيرِهِم؛ ثَبَتَ كلُّ إرْثِها. فإنْ ماتَ المنكِرُ، فأقرَّ به ابنُه؛ فهل يُكمَّلُ إرْثُها؟ فيه وَجْهانِ. مسألةٌ: إذا خلَّف ثلاثةَ بَنِينَ، فأقرَّ أحدُهم بأخٍ وأخْتٍ، فصدَّقَه أحدُهما في الأخ، والآخَرُ في الأخت؛ لم يَثبُتْ نَسَبُهما، ويَدفَعُ المقِرُّ بهما إليهما ثُلثَ ما في يده، ويَدفَعُ المقِرُّ بالأخ إليه رُبعَ ما في يده، ويَدفَعُ المقِرُّ بالأخت إليها سُبعَ ما في يده. فأصْلُ المسألة ثلاثةٌ؛ سهمُ المقِرِّ يُقسَمُ بَينَهما وبَينَه على تسعةٍ؛ له ستَّةٌ، ولهما ثلاثةٌ، وسهمُ المقرِّ بالأخ بَينَهما على أربعة؛ له ثلاثةٌ ولأِخيهِ سهمٌ، وسهمُ المقِرِّ بالأخت بَينَه وبَينَها على سبعةٍ؛ له ستَّةٌ، ولها سهمٌ، وكلُّها متبايِنةٌ، فاضْرِبْ أربعةً في سبعةٍ في تسعةٍ، ثُمَّ في أصْلِ المسألة، تكُنْ سبعَمائةٍ وستَّةً وخَمْسينَ، ومنها تصحُّ، للمُقِرِّ بهما ستَّةٌ في أربعةٍ في سبعةٍ، بمائةٍ وثمانيةٍ وسِتِّينَ، وللمُقِرِّ بالأخت ستَّةٌ في أربعةٍ في تسعةٍ، بمائَتَينِ وستَّةَ عَشَرَ، وللمُقِرِّ بالأخ ثلاثةٌ في سبعةٍ في تسعةٍ، بمائةٍ وتسعةٍ وثَمانِينَ، وللأخ المقَرَّ به سَهْمانِ في أربعةٍ في سبعةٍ (١)، بستَّةٍ وخَمْسِينَ، وسهمٌ في سبعةٍ في تسعةٍ،

стр. 4068

بثلاثةٍ وسِتِّينَ، فيَجتَمِعُ له مائةٌ وتسعةَ عَشَرَ، وللأخت سهمٌ في أربعةٍ في سبعةٍ، بثمانيةٍ وعِشْرينَ، وسهمٌ في أربعةٍ في تسعةٍ، بستَّةٍ وثَلاثَينَ، يَجتَمِعُ لها أربعةٌ وسِتُّونَ، ولا فَرْقَ بَينَ تَصادُقِهما وتجاحُدِهما؛ لأِنَّه لا فَضْلَ في يدِ أحدِهما عن مِيراثِه. (وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ: مَاتَ أَبِي وَأَنْتَ أَخِي)، أوْ ماتَ أَبُونا ونَحْنُ ابْناهُ، (فَقَالَ: هُوَ أَبِي، وَلَسْتَ بِأَخِي؛ لَمْ يُقْبَلْ إِنْكَارُهُ)؛ لأِنَّه نَسَبَ الميتَ إلَيهِ بأنَّه أبوهُ، وأقرَّ بمشارَكة المقِرِّ في ميراثه بطريقِ الأُخُوَّة، فلمَّا أنْكَرَ أُخُوَّتَه؛ لم يَثْبُتْ إقْرارُه به، وبَقِيَتْ دَعْواهُ: أنَّه أبوهُ دُونَه غَيرُ مَقْبولةٍ، كما لو ادَّعى ذلك قَبْلَ الإقرار، وحِينَئِذٍ فالمالُ بَينَهُما، وقِيلَ: للمُقِرِّ، وقِيلَ: للمُقَرِّ به. (وَإِنْ قَالَ: مَاتَ أَبُوكَ وَأَنَا أَخُوكَ؛ قَالَ: لَسْتَ أَخِي؛ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْمُقَرِّ بِهِ)؛ لأِنَّه صَدَرَ الإقْرارُ بأنَّه أبوهُ، وذلك يُوجِبُ كَونَ المِيراثَ له، ثُمَّ ادَّعَى مُشارَكَتَه بَعْدَ ثُبوتِ الأُبُوَّة للأوَّل، فإذا أنْكَرَ أُخُوَّتَه؛ لم تُقْبَلْ دَعْوَى هذا المقِرِّ. (وَإِنْ قَالَ: مَاتَتْ زَوْجَتِي وَأَنْتَ أَخُوهَا؛ قَالَ: لَسْتَ بِزَوْجِهَا، فَهَلْ يُقْبَلُ إِنْكَارُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: أصحُّهما: أنَّه يُقبَلُ إنكارُ الأخ؛ لأِنَّ النِّكاحَ يَفتَقِرُ إلى إقامة البيِّنة عَلَيهِ. والثَّانِي: لا يُقْبَلُ؛ لمَا سَبَقَ، والمالُ بَينَهما، قال في «الشَّرح»: وهذه المسألةُ تُشبِهُ الأولى مِنْ حَيثُ إنَّه نَسَبَ الميتَ إلَيهِ بالزَّوجِيَّة في ابْتِداءِ إقْراره، كما نَسَبَ الأُبُوَّةَ في قَولِه: مات أبِي، وتُفارِقُها: في (١) أنَّ الزَّوجِيَّةَ مِنْ شَرْطِها الإشْهادُ، ويُسْتَحَبُّ الإعْلانُ بها واشتِهارُها، فلا تكادُ تَخْفَى، بخِلافِ النَّسَب، فإنَّه إنَّما يُشهَدُ عَلَيه بالاِسْتِفاضة غالِبًا.

стр. 4069

(فَصْلٌ) (وَإِذَا أَقَرَّ مَنْ أُعِيلَتْ لَهُ المَسْأَلَةُ بِمَنْ يُزِيلُ العَوْلَ؛ كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ)، أصْلُها من ستَّةٍ، وتَعُولُ إلى سبعةٍ، (أَقَرَّتْ إِحْدَاهُمَا بِأَخٍ؛ فَاضْرِبْ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ)، وهي ثمانيةٌ ناشِئَةٌ مِنْ ضَرْبِ أربعةٍ في اثْنَينِ، (فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ)، وهي سبعةٌ، (تَكُنْ سِتَّةً وَخَمْسِينَ، فَاعْمَلْ (١) عَلَى مَا ذَكَرْنَا، يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ)، مُرتَفِعةٌ من ضَرْبِ ثلاثةٍ، وهي مَا لَهُ من (٢) مسألة الإنكار، في ثمانيةٍ، (وَلِلْمُنْكِرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ)، مُرتَفِعةٌ مِنْ ضَرْبِ اثْنَينِ في ثَمانيةٍ، (وَلِلْمُقِرَّةِ سَبْعَةٌ)؛ لأِنَّ لها من مسألةِ الإقْرار سَهْمًا مضروبًا في مسألة الإنكار، (يَبْقَى تِسْعَةٌ لِلْأَخِ)؛ لأِنَّها الفاضِلُ، (فَإِنْ صَدَّقَهَا الزَّوْجُ؛ فَهُوَ يَدَّعِي أَرْبَعَةً)، وهي تمامُ النِّصف، (وَالْأَخُ يَدَّعِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ)؛ لأِنَّه يَدَّعِي اسْتِحْقاقَ رُبعِ المال، (وَلِلْمُقَرِّ (٣) بِهِ مِنْ السِّهَامِ تِسْعَةٌ، فَاقْسِمْهَا)؛ أي: التِّسعة (عَلَى سِهَامِهِمْ) المدَّعَى به، وهي ثمانيةَ عَشَرَ، (لِكُلِّ سَهْمَيْنِ سَهْمًا، فَيَحْصُلُ لِلزَّوْجِ سَهْمَانِ) مُضافَانِ إلى ما أَخَذَه، وهو أربعةٌ وعِشْرونَ، تكُنْ ستَّةً وعِشْرِينَ، (وَلِلْأَخِ سَبْعَةٌ) مُضافةٌ إلى ما أَخَذَه، فإنْ أقَرَّتِ الأخْتانِ، وأنْكَرَ الزَّوجُ؛ دُفِعَ إلى كلِّ أختٍ سبعةٌ، وإلى الأخ أربعةَ عَشَرَ، يَبْقَى أربعةٌ، يُقِرَّانِ بها للزَّوج، وهو يُنكِرُها، وفي ذلك ثلاثةُ أَوْجُهٍ ستأتي. (فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُخْتَانِ لِأُمٍّ)، فتكونُ مسألةُ الإنكار من ستَّةٍ، وتَعُولُ إلى تسعةٍ، ومسألةُ الإقرار من أربعةٍ وعِشْرِينَ؛ لأِنَّ فيها نصفًا وثُلثًا، وما بَقِيَ وهو

стр. 4070

سهمٌ على أربعةٍ، لا يَصِحُّ ولا يُوافِقُ، فاضْرِبْ ستَّةً في أربعةٍ تَبلُغْ (١) ذلك، فإذا نَظَرْتَ بَينَهما؛ فهما متَّفِقانِ بالأثْلاث، (فَإِذَا ضَرَبْتَ وَفْقَ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ؛ كَانَتِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، فِي وَفْقِ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ) وهي ثمانيةٌ؛ (أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ)، مرتَفِعةٌ مِمَّا ذَكَرْنا، (وَلِلْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ) سَهْمانِ في ثمانيةٍ؛ (سِتَّةَ عَشَرَ، وَلِلْأَخْتِ المُنْكِرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ)، مُرتَفِعةٌ من ضَرْبِ اثْنَينِ في ثمانيةٍ، (وَلِلْمُقِرَّةِ ثَلَاثَةٌ)؛ لأِنَّ لها سهْمًا من مسألة الإقْرار، مَضرُوبٌ في وَفْقِ مسألة الإنكار، وهو ثلاثةٌ بثلاثةٍ، (يَبْقَى فِي يَدِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ)؛ أي: من الاِثْنَينِ والسَبعِينَ (٢)، (لِلْأَخِ مِنْهَا سِتَّةٌ)، ضعف نصيبها، (يَبْقَى سَبْعَةٌ لَا يَدَّعِيهَا أَحَدٌ)؛ لاِسْتِكْمالِ كلِّ واحِدٍ حقَّه، (فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ): (أَحَدُهَا)، قدَّمه في «الشَّرح» و «الفروع»: (تُقَرُّ فِي يَدِ المُقِرَّةِ)؛ لأِنَّه لا يَدَّعِيها أحدٌ. (وَالثَّانِي: تُؤْخَذُ (٣) إِلَى بَيْتِ الْمَالِ)؛ لأِنَّه مَوضِعُ الأموال التي لا أرْبابَ لها. (وَالثَّالِثُ: يُقْسَمُ (٤) بَيْنَ المُقِرَّةِ وَالزَّوْجِ وَالأخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَهُمْ)؛ لأِنَّ هذا المالَ لا يَخرُجُ عنهم، فإنَّ المُقِرَّةَ إنْ كانَتَ صادِقةً؛ فهو للزَّوج والأختَينِ من الأمِّ، وإنْ كانَتْ كاذِبةً؛ فهو لهما (٥)، وإذا كان لهم لا يَخرُجُ عنهم؛ قُسِمَ بَينَهم على قَدْرِ الاِحْتِمال، كما قَسَمْنا مِيراثَ الخُنْثَى وبَينَ من (٦) معه على ذلك، فعلى هذا: يكونُ للمُقِرَّةِ النِّصفُ، وللزَّوجِ

стр. 4071

والأختَينِ من الأمِّ النِّصف بَينَهم على خمسةٍ؛ لأِنَّ هذا في حالٍ للمُقِرَّة، وفي حالٍ لهما، فيُقْسَمُ بَينَهم نصفَينِ. ثُمَّ تَجعَلُ نصفَ الزَّوجِ والأختَينِ من الأمِّ على خمسةٍ؛ لأِنَّ له النِّصفَ، ولهما الثُّلثَ، وذلك خمسةٌ من ستَّةٍ، فتَقْسِمُ السَّبعةَ بَينَهم على عَشَرةٍ، للمُقِرَّة خمسةٌ، وللزَّوج ثلاثةٌ، وللأختَينِ سَهْمانِ. فإذا أردتَ تصحيحَ المسألة؛ فاضْرِبْها وهي اثْنانِ وسبعونَ في عشرةٍ، ثُمَّ كلُّ مَنْ له شَيءٌ من اثنَينِ وسبعِينَ مضروبٌ في عشرةٍ، ومَن له شَيءٌ من عشرةٍ مضروبٌ في سبعةٍ. (فَإِنْ صَدَّقَ الزَّوْجُ المُقِرَّةَ؛ فَهُوَ يَدَّعِي اثْنَيْ عَشَرَ)؛ لأِنَّ له النِّصفَ، وهو هنا ستَّةٌ وثلاثونَ، معه منها أربعةٌ وعِشْرونَ، بَقِيَ ما ذَكَرَ، (وَالْأَخُ يَدَّعِي سِتَّةً)؛ لأِنَّه هو وأُخْتاهُ يدَّعون أربعةً من أربعةٍ وعِشْرينَ، مضروبةً في وَفْقِ مسألة الإنكار، وهو ثلاثةٌ، تكُن اثْنَيْ عَشَرَ، له نِصفُها، (يَكُونَانِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلَا تَنْقَسِمُ (١) عَلَيْهَا الثَّلَاثَةَ عَشَرَ، وَلَا تُوَافِقُهَا، فَاضْرِبْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ)؛ لاِنْكِسارها على المقْسومِ عَلَيهِ، (فِي المَسْأَلَةِ)، وهو اثْنانِ وسَبْعُونَ، تكُنْ ألْفًا ومائَتَيْنِ ستَّةً وتِسْعِينَ (٢). (ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مَضْرُوبٌ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَضْرُوبٌ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ)، فللزَّوج أربعةٌ وعِشْرونَ في ثمانيةَ عَشَرَ: بأربعِمائةٍ واثْنَينِ وثلاثِينَ، وللأختَينِ من الأمِّ: مائَتانِ ثمانيةٌ وثلاثُونَ (٣)، وللمنكِرة كذلك، وللمُقِرَّة ثلاثةٌ في ثمانيةَ عَشَرَ: بأربعةٍ

стр. 4072

وخَمْسِينَ، وللأخ ستَّةٌ في ثلاثةَ عَشَرَ: ثمانيةٌ وسَبْعونَ، وللزَّوج اثْنا عَشَرَ في ثلاثةَ عَشَرَ: مائةٌ (١) وستَّةٌ وخَمْسونَ، وتَرجِعُ بالاِخْتِصار إلى مائتَينِ وستَّةَ عَشَرَ؛ لأِنَّ السِّهامَ كلَّها تتَّفِقُ بالأسْداسِ. (وَعَلَى هَذَا تَعْمَلُ مَا وَرَدَ عَلَيْكَ) من هذه المسائلِ؛ لأِنَّها مِثلُها مَعْنًى، فكذا يَجِبُ أنْ تكونَ مثلَها عَمَلاً. مسألةٌ: ثلاثةُ إخْوةٍ لأِبٍ، ادَّعَت امرأةٌ أنَّها أختُ الميِّت لأِبيهِ وأُمِّه، فصدَّقَها الأكبرُ، وقال الأوسطُ: هي أختٌ لأِمٍّ، وقال الأصغرُ: هي أختٌ لأِبٍ؛ فالأكبرُ يَدفَعُ إليها نصفَ ما في يده، ويَدفَع الأوسطُ سُدسَ ما في يده، ويَدفَعُ الأصغرُ سُبعَ ما بَقِيَ، وتصحُّ من مائةٍ وستَّةٍ وعِشْرينَ؛ لأِنَّ أصْلَ مسألتهم من ثلاثةٍ، ومسألة الأكبر من اثنَينِ، والثَّاني من ستَّةٍ، والثَّالثِ من سبعةٍ، والاِثْنانِ داخِلانِ في السِّتَّة، فتَضرِبُ ستَّةً في سبعةٍ باثْنَينِ وأربعينَ، فهذا ما في يدِ كلِّ واحِدٍ منهم، فتأخُذُ من الأكبر أحدًا وعشرين، ومن الأوسط سبعةً، وهو السُّدسُ، ومن الأصغر: ستَّةً، وهو السُّبع، فصار لها أربعةٌ وثَمانُونَ (٢). فَرْعٌ: إذا مات رجلٌ، وخلَّف ابنَينِ، فمات أحدُهما وتَرَكَ بنتًا، فأقَرَّ الثَّانِي بأخٍ له من أبيه؛ فَفِي يده ثلاثةُ أرباع المال، وهو يَزعُمُ أنَّ له رُبعًا وسُدُسًا، فيَفضُلُ في يده ثُلثٌ يَرُدُّه على المقَرِّ به، فإنْ أقرَّتْ به البنتُ وحْدَها؛ ففي يَدِها الرُّبعُ، وهي تَزعُم أنَّ لها السُّدسَ، يَفضُلُ في يَدِها نصفُ السُّدسِ، تَدفَعُه إلى المقَرِّ له.

стр. 4073

(بَابُ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ) عَقَدَ هذا البابَ لِبَيانِ إرْثِ القاتِل وعَدَمِه، وهو المقصودُ بالتَّرجمة، وكان يَنبَغِي أنْ يُعبِّرَ بالنَّفيِ. والقَتْلُ على ضَربَينِ: مَضمونٌ، وغَيرُ مضمونٍ. فالمضمونُ: مُوجِبٌ للحِرْمانِ، وهو المعبَّرُ عنه بقَولِه: (كُلُّ قَتْلٍ مَضْمُونٍ بِقِصَاصٍ، أوْ دِيَةٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ)؛ كمَن رَمَى إلى صفِّ الكفَّار فأصاب مسلِمًا، (يَمْنَعُ الْقَاتِلَ مِيرَاثَ الْمَقْتُولِ)؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا» رواهُ أبو داودَ والدَّارَقُطْنِيُّ، وعن عمرَ قال: سمعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: «لَيسَ لِقاتِلٍ مِيراثٌ» رواهُ مالِكٌ وأحمدُ، وعن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا مِثْلُه، رواهُ أحمدُ، ورَوَى النَّسائِيُّ مَعْناهُ مرفوعًا، صحَّحه ابنُ عبدِ البرِّ في الفرائض (١)، ونَقَلَ الاِتِّفاقَ عليه، وضعَّفَه غَيرُه.

стр. 4074

والمعْنَى فيه: أنَّه لو ورَّثْنا القاتِلَ؛ لم نأمنْ (١) من ذاعِرٍ (٢) مُسْتَعْجِلٍ الإرْثَ أنْ يَقتُلَ مُوَرِّثَه، فيَفْنَى العالَمُ، فاقْتَضَت المصلحةُ حِرمانَه، ولأِنَّ القَتْلَ قَطَعَ الموالاةَ، وهي سببُ الإرثِ. وظاهِرُه: أنَّ المقْتولَ يَرِثُ من قاتِلِه مِثْلَ أنْ يَجرَح مُورِّثَه، ثُمَّ يَموتُ قَبلَ المجروح من تلك الجراحة. وسَواءٌ انفرَدَ به أوْ شارَك غَيرَه، فلو شهد على مورِّثه مع جماعةٍ ظُلْمًا بقَتْلٍ؛ لم يَرِثْه. (سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا)، بالإجْماعِ (٣)، إلاَّ ما حُكِيَ عن سعيدِ بنِ المسيِّب وابنِ جُبَيرٍ: أنَّهما وَرَّثاهُ منه؛ لأِنَّ آيةَ الموارِيث تَناوَلَتْه بعُمومها، فيَجِبُ العَمَلُ بها. ولا تَعْويلَ على هذا القَولِ؛ لِشُذوذِه، وقِيامِ الدَّليل على خلافه، فإنَّ «عمرَ أعْطَى دِيةَ ابنِ قَتادةَ المَذْحِجِيِّ لأِخِيهِ دُونَ أبيه، وكان حذَفَه بسَيفٍ فَقَتَلَه» (٤)، واشْتَهَرَ ذلك في الصَّحابة، ولم يُنكَرْ، فكان كالإجماع، ولأِنَّ الوارِثَ ربُّما

стр. 4075

اسْتَعْجَلَ مَوتَ مُورِّثِه ليأخُذَ مالَه، كما فَعَلَ الإسرائيليُّ الذي قَتَلَ ابنَ عمِّه، فأنزل الله تعالى فيه قصَّةَ البقرة. (أَوْ خَطَأً)، نَصَّ عَلَيه (١)، وهو قَولُ جُمْهورِ العُلَماء. وذهب سعيدُ بنُ المسيِّب، وعَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، والأوزاعيُّ، والزُّهريُّ: أنَّه يَرِثُ من المال دُونَ الدِّية، ورُوِيَ نحوُه عن عليٍّ (٢)؛ لأِنَّ مِيراثَه ثابِتٌ بالكتاب، والسُّنَّةُ تُخَصِّصُ قاتِلَ العَمْد، فَوَجَبَ البَقاءُ على الظَّاهِر فِيما سِواهُ. وأُجِيبَ: بما تقدَّم، ولأِنَّ مَنْ لا يَرِثُ من الدِّيةِ لا يَرِثُ من غَيرها؛ كقاتِلِ العَمْد والمخالِفِ في الدِّين؛ سَدًّا للذَّريعةِ، وطَلَبًا للتَّحرُّز عنه. لكِنْ ذَكَرَ أبو الوفاء، وأبو يَعْلَى الصَّغيرُ: أنَّه يَرِثُ مَنْ لا قَصْدَ له من صبِيٍّ ومجنونٍ، وإنَّما يُحرَم من يُتَّهم، وصحَّحه أبو الوفاء، ونَصُّ أحمدَ خِلافُه (٣)؛ لأِنَّه قد يُظهِرُ الجُنونَ لِيَقْتُلَه، وقد يُحرِّضُ عاقِلٌ صبِيًّا، فحَسَمْنا المادَّةَ؛ كالخطأ. (بِمُبَاشَرَةٍ) كان الخطأُ؛ كمَنْ رَمَى صَيدًا فأصاب مُوَرِّثَه، (أَوْ سَبَبٍ)؛ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوانًا، فَسَقَطَ فيها مُوَرِّثُه، (صَغِيرًا كَانَ الْقَاتِلُ أَوْ كَبِيرًا)؛ لأِنَّه قَاتِلٌ، فتَشْمَلُه الأدلَّةُ. وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ الأبِ وغَيرِه، وسَواءٌ قَصَدَ مصلحتَه؛ كضَرْبِ الأبِ والزَّوجِ للتَّأديب، وكسَقْيِه الدَّواءَ، وبَطِّ جُرْحِه، والمعالجةِ إذا مات به. وفي «الفروع»: (ولو شَرِبَتْ دواءً، فأسقطتْ (٤) جنينَها؛ لم تَرِثْ من الغُرَّة

стр. 4076

شَيئًا، نَصَّ عليه (١). وقِيلَ: مَنْ أدَّب وَلَدَه فماتَ؛ لم يَرِثْه، وأنَّه إنْ سقاهُ دواءً أوْ فَصَدَه، أوْ بَطَّ سلْعَتَه لحاجةٍ؛ فوَجْهان، وأنَّ في الحافِر احْتِمالَينِ، ومِثلُه: نَصْبُ سِكِّينٍ، وَوَضْع حَجَرٍ، ورَشُّ ماءٍ، وإخْراج جناحٍ) انتهى. وقاله في «الرِّعاية» أيضًا، وجزم في «الحاشية»: بأنَّه إذا أدَّب وَلَدَه فمات؛ يُمنَعُ الإرْثَ، وظاهِرُ «الشَّرح»: إذا لم يَقصِدْ مصلحتَه. (وَمَا لَا يُضْمَنُ بِشَيْءٍ؛ كَالْقَتْلِ قِصَاصًا، أَوْ حَدًّا)؛ كَمَنْ قَتَلَه الإمامُ بالرَّجْم أو بالمحاربة، وكذا إنْ شَهِدَ على مُوَرِّثه بما يُوجِبُ الحَدَّ أو القصاصَ، نَقَلَ محمَّدُ بنُ الحَكَمِ (٢) في أربعةِ شُهودٍ شَهِدُوا على أخْتِهم (٣) بالزِّنى، فرُجِمَتْ، فرجمها مع النَّاس: يَرِثُونها (٤)؛ لأِنَّهم غَيرُ قَتَلةٍ، ويتوجَّهُ في تَزْكِيَة شُهودٍ كذلك. (أَوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ)؛ لأِنَّه فَعَلَ فِعْلاً مَأْذُونًا فيه، فلم يَمنَعِ المِيراثَ، كما لو أطْعَمَه وسقاه فأفْضَى إلى تَلَفِه. (وَقَتْلِ الْعَادِلِ الْبَاغِيَ، أَوِ الْبَاغِي الْعَادِلَ، فَلَا يَمْنَعُ)، صحَّحه في «الهداية» و «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ المنْعَ من العدوان حَسْمًا لِمادَّته، ونَفْيًا للقَتْل المحرَّم، فلو مُنِع هنا، لكان مانِعًا من اسْتِيفاءِ الواجِبِ، أو الحقِّ المباحِ اسْتِيفاؤه. (وَعَنْهُ: لَا يَرِثُ الْبَاغِي الْعَادِلَ، وَلَا الْعَادِلُ الْبَاغِيَ)؛ لِعُمومِ الأدِلَّة، وهاتانِ رِوايتانِ، لكِنِ الأَوْلى: لا يَرِثُ الباغِي العادِلَ، جَزَمَ بها القاضِي في

стр. 4077

«الجامِع الصَّغيرِ»، والشَّريفُ وأبو الخَطَّاب في «خلافيهما»، و «المغْنِي»، و «التَّبصرة»، و «التَّرغيب»؛ لأِنَّ الباغِيَ آثِمٌ ظالِمٌ، فناسَبَ أنْ لا يَرِثَ، مع دخوله في عموم الأدِلَّة، وهذا بخِلافِ العادِلِ؛ لأِنَّه مأْذونٌ في الفِعْل مُثابٌ عَلَيهِ، وذلك لا يُناسِبُ نَفْيَ الإرْثِ. واخْتارَ المؤلِّفُ وجَمْعٌ: إنْ جَرَحَه العادِلٌ لِيَصيرَ غَيرَ مُمْتَنعٍ؛ وَرِثَه، لا إنْ تعمَّدَ قَتْلَه ابتداءً، قال في «الفروع»: وهو متَّجِهٌ. ولأِنَّ العادِلَ إذا مُنِعَ من الإرث مع الإذْن؛ جاز أنْ يُمنَعَ منه كلُّ قاتِلٍ؛ لأِنَّ أعْلَى مراتبِه أنْ يكونَ مأْذونًا له فيه. (فَيُخَرَّجُ مِنْهُ: أَنَّ كُلَّ قَاتِلٍ لَا يَرِثُ) بحالٍ، في رِوايةٍ هي ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، وعُموم الأدلَّة يَشهَدُ (١) لها، وهذا مَبْنِيٌّ على سَدِّ الذَّريعة. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّه إنَّما حُرِمَ المِيراثَ في مَحَلِّ الوِفاق؛ لِئَلاَّ يُفْضِيَ إلى اتِّخاذ القَتْل المحرَّمِ وسيلةً، وفي مَسألَتِنا حِرْمانُ المِيراثِ يمنَعُ إقامةَ الحدود واسْتِيفاءَ الحُقوق المشروعةِ، ولا يُفْضِي إلى اتِّخاذ قَتْلٍ مُحرَّمٍ، فهو ضِدُّ ما ثَبَتَ في الأصل. مسألةٌ: أربعةُ إخْوةٍ قَتَلَ أكبرُهم الثَّانِيَ، ثُمَّ قَتَلَ الثَّالِثُ الأصغرَ؛ سَقَطَ القِصاصُ عن الأكبر؛ لأِنَّ مِيراثَ الثَّاني صار للثَّالثِ والأصغرِ نِصفَينِ، فلمَّا قَتَلَ الثَّالِثُ الأصغرَ؛ لم يَرِثْه، ورثه (٢) الأكبرُ، فَرَجَعَ إليه نصفُ دَمِ نَفْسِه، وميراثُ الأصغرِ جميعُه، فيَسقُطُ عنه القِصاصُ لمِيراثه بعضَ دم نِفْسِه، وله القِصاصُ من الثَّالث، ويَرِثُه في ظاهر المذهب، فإنْ اقْتَصَّ منه وَرِثَه، وَوَرِثَ إخْوتَه الثَّلاثةَ، واللهُ أعْلَمُ بالصَّواب (٣).

стр. 4078

(بَابُ مِيرَاثِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ) ذَكَرَ في هذا البابِ المانِعَ من الإرْثِ، وهو الرِّقُّ، مع ما تقدَّم من اخْتِلافِ الدِّين، والقَتْلِ (١) المضْمونِ، ومَن يَرِثُ بِبَعْضِه (٢). (لَا يَرِثُ الْعَبْدُ)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، قال في «المغْنِي»: لا نَعلَمُ فِيهِ خِلافًا، إلاَّ ما رُوِيَ عن ابنِ مَسعودٍ في رَجُلٍ مات وتَرَكَ أبًا مَمْلوكًا: «يُشْتَرَى من ماله ويُعتَقُ، ثُمَّ يَرِثُ» (٤)، وقالَهُ الحَسَنُ. وعن أحمدَ: يَرِثُ عِنْدَ عَدَمِ وارِثٍ، ذَكَرَه في «المُذْهب»، وأبو البَقاء في «النَّاهض». والأوَّلُ قَولُ الجمهور، ولأِنَّ فيه نَقْصًا يَمنَعُ كَونَه مَورُوثًا، فمَنَعَ (٥) كَونَه وارِثًا؛ كالمرتدِّ، ويُفارِقُ الوصيَّةَ، فإنَّها تَصِحُّ، وتَكونُ لِمَولاهُ، وقِيَاسُهم بالحَمْل يَنتَقِضُ بمخْتَلِفِي الدَّين. (وَلَا يُورَثُ) إِجْماعًا (٦)؛ لأِنَّه لا (٧) مالَ له فيُورَثُ عنه، ولأِنَّه لا يَملِكُ، وإنْ قِيلَ به؛ فملْكُه ناقِصٌ غَيرُ مُسْتَقِرٍّ، يَنتَقِلُ إلى سيِّدِه بزَوالِ ملْكِه فيه، يَدُلُّ

стр. 4079

عَلَيهِ قَولُه ﵇: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وله مالٌ … » إلى آخِرِه (١)؛ إذ السَّيِّدُ أحقُّ بمَنافِعِه وأكْسابِه، فكذا بَعْدَ مَمَاتِه. (سَوَاءٌ كَانَ قِنًّا)، قال ابنُ سِيدَه وغَيرُه: (هو وأبوه مَمْلوكانِ) (٢)، وفي اصْطِلاحِ الفقهاء: هو الرَّقيقُ الكامِلُ، الذي لم يَحصُلْ فيه شَيءٌ من أسباب العِتْق ومُقدِّماتِه، قال الجَوهَرِيُّ: (ويَسْتَوِي فيه الواحِدُ والاِثْنانِ، والجَمعُ والمؤنَّثُ، وربَّما قالوا: عَبِيد أَقْنانٌ، ويُجمَعُ على أَقِنَّةٍ) (٣)، (أَوْ مُدَبَّرًا)؛ لأِنَّ فيه جميعَ أحْكام العبودية، بدليلِ أنَّه ﵇ باعَه (٤)، (أَوْ مُكَاتَبًا)؛ لأِنَّه عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ، وهذا ظاهِرٌ فيما إذا لم يَمْلِكْ قَدْرَ ما عليه. وقال القاضي وأبو الخَطَّاب: إذا أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ كتابته، وعَجَزَ عن الرُّبع؛ عَتَقَ؛ لأِنَّه يَجِبُ إيتاؤه ذلك. وفي روايةٍ أخرى: أنَّه إذا مَلَكَ ما يُؤدِّي صار حُرًّا، يَرِثُ ويُورَثُ، فإذا مات له مَنْ يَرِثُه؛ وَرِثَ، وإنْ مات؛ فلسيِّده بقيَّةُ كتابته، والباقِي لِوَرَثَتِه؛ لأِثَرٍ سيأتي. (أَوْ أُمَّ وَلَدٍ)؛ لأِنَّها رقيقةٌ يجري فيها جميعُ أحْكامِ الرِّقِّ، إلاَّ ما استُثْنِيَ. فَرْعٌ: المعلَّقُ عِتقُه بصفةٍ إذا لم تُوجَدْ؛ كذلك. (فَأَمَّا المُعْتَقُ بَعْضُهُ؛ فَمَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ)؛ مِثْلَ أنْ يكونَ قد هَايَأَ سيِّدَه على منفعته، فاكتسب في أيَّامه أو وَرِثَ شَيئًا؛ فإنَّ المِيراثَ إنَّما يَستَحِقُّه بجُزْئِه الحُرِّ، (فَلِوَرَثَتِهِ، وَيَرِثُ) إذا مات له مَنْ يَرِثُه، (وَيَحْجُبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ

стр. 4080

الْحُرِّيَّةِ)، في قَولِ عليٍّ (١) وابنْ مسعودٍ (٢)، واخْتارَهُ جَمْعٌ؛ لِمَا رَوَى عبدُ الله بنُ أحمدَ، ثَنَا الرَّملي (٣)، عن يزيدَ بنِ هارونَ، عن عَطاءٍ، عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في العبد يَعتِقُ بعضُه: «يَرِثُ ويُورَثُ على ما عَتَقَ منه» (٤)، وفيه انْقِطاعٌ، قال أحمدُ: إذا كان العبدُ نصفُه حُرًّا ونصفُه رقيقًا؛ وَرِثَ بقَدْرِ الحُرِّيَّة (٥)، وكذلك رُوِيَ (٦) عن النَّبيِّ ﷺ ، ولأِنَّه يَجِبُ أنْ يُثبَتَ لكلِّ بَعْضٍ

стр. 4081

حكمُه، كما لو كان الآخَرُ مِثْلَه، وقِياسًا لأحدهما على الآخَرِ. وقال زَيدٌ: لا يَرِثُ ولا يُورَثُ، وأحكامُه أحكامُ العبد، وِفاقًا لِمَالِكٍ (١)، وجَعَلَ مالَه لمالِكِ باقِيهِ، قال ابنُ اللَّبَّان: وهو غلطٌ؛ لأِنَّه لَيسَ لمالِكِ باقِيهِ على ما عَتَق منه ملْكٌ، ولا وَلاءَ عَلَيهِ، ولا هو ذو رَحِمٍ. (فَإِذَا كَانَتْ بِنْتٌ وَأُمٌّ، نِصْفُهُمَا حُرٌّ، وَأَبٌ حُرٌّ؛ فَلِلْبِنْتِ بِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُ مِيراثِهَا)؛ لأِنَّها لو كانَتْ كاملةَ الحُرِّيَّةِ؛ لكان لها النِّصفُ، فَوَجَبَ أنْ يكونَ لها بنصفِ حُرِّيَّتها نصفُه، (وَهُوَ الرُّبُعُ)؛ لأِنَّه نصفُ النِّصفِ، (وَلِلْأُمِّ مَعَ حُرِّيَّتِهَا وَرِقِّ الْبِنْتِ؛ الثُّلُثُ)؛ لأِنَّه مِيراثُها حِينَئِذٍ، (وَالسُّدُسُ مَعَ حُرِّيَّةِ الْبِنْتِ، فَقَدْ حَجَبَتْهَا حُرِّيَّتُهَا عَنِ السُّدُسِ، فَبِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا تَحْجُبُهَا عَنْ نِصْفِهِ، يَبْقَى لَهَا الرُّبُعُ)، وهو نصفُ النِّصفِ، (لَوْ كَانَتْ حُرَّةً؛ فَلَهَا بِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُهُ، وَهُوَ الثُّمُنُ)؛ لأِنَّه نصفُ ما يسْتحِقُّه (٢) بالحُرِّيَّةِ الكامِلةِ، (وَالْبِاقِي لِلْأَبِ)؛ لأِنَّ له السُّدسَ بالفَرْض، وما بَقِيَ بَعدَه بالتَّعصيب؛ لأِنَّه أَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ. (وَإِنْ شِئْتَ نَزَّلْتَهُمْ أَحْوَالاً؛ كَتَنْزِيلِ الْخَنَاثَى)، فَتقولُ: إذا (٣) كانَتَا حُرَّتَينِ؛ فالمسألةُ من ستَّةٍ؛ للبنت ثلاثةٌ، وللأمِّ سَهْمٌ، والباقي للأب، وإنْ كانا رقِيقَينِ فالمالُ للأب، وإنْ كانت البنتُ وحدَها حُرَّةً؛ فلها النِّصفُ، والباقي للأب، فهي من اثْنَينِ، وإن كانت الأمُّ وحدَها حرَّةً؛ فلها الثُّلثُ، فهي من ثلاثةٍ، وكلُّها تدخُلُ في السِّتَّة، فتَضرِبُها في الأحوال الأربعةِ، تكن أربعةً وعِشْرينَ؛ للبنت ستَّةٌ، وهي الرُّبعُ؛ لأِنَّ لها النِّصفَ في حالَينِ، وللأمِّ ثلاثةٌ؛ لأِنَّ لها السُّدسَ في حالٍ، والثُّلثَ في حالٍ، والباقي للأب؛ لأِنَّ المالَ له في حالٍ، والثُّلثَ في حالٍ، والنِّصفَ في حالٍ، والثُّلثانِ في حالٍ، صار ذلك خمسةَ

стр. 4082

عَشَرَ، وترجِعُ بالاِخْتِصار إلى ثمانيةٍ. (وَإِذَا كَانَ عَصَبَتَانِ) لا يَحجُبُ أحدُهما الآخَرَ، (نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُرٌّ؛ كَالْأَخَوَينِ؛ فَهَلَ تُكَمَّلُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِمَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: تُكَمَّلُ، قالَهُ في «المستوعب»، وهو قِياسُ قَولِ عليٍّ (١)، قاله الخَبْريُّ، فتُضَمُّ الحُرِّيَّةُ من أحدهما إلى ما في الآخَر منهما، فإنْ كملَ منهما واحِدٌ؛ وَرِثَا جَميعًا مِيراثَ ابنٍ حُرٍّ (٢)؛ لأِنَّ نِصْفَيْ شَيءٍ شيءٌ كامِلٌ، ثُمَّ يُقسَمُ (٣) ما وَرِثاهُ بَينَهما على قَدْرِ ما في كلِّ واحِدٍ منهما، ففي مسألةِ الكتاب: يُكمَّلُ، وكذا إذا كان ثُلُثَا أحدِهم حرًّا، وثُلُث الآخَر كذلك، فيُقْسَمُ حينَئِذٍ ما وَرِثاهُ بَينَهما أثْلاثًا، فإنْ نَقَصَ ما فِيهِما من الحُرِّيَّة عن جُزْءٍ كامِلٍ؛ وَرِثَا بقَدرِ ما فِيهِما، وإنْ زاد على جُزْءٍ واحِدٍ، وكان الجُزآنِ فِيهِما سَواءً؛ قُسِمَ ما وَرِثاهُ بَينَهما بالسَّوِيَّة، وإن اخْتَلَفا أُعْطِيَ كلُّ واحِدٍ منهما بقَدرِ ما فيه. والثَّاني: لا تُكمَّلُ، وهو أشْهَرُ؛ لأِنَّها لو كُمِّلَتْ؛ لم يَظهَرْ للرِّقِّ فائدةٌ، وكانا في مِيراثِهما كالحُرِّيَّة، وعَلَيهِ فيه وجْهانِ: أحدُهما: لكلِّ واحِدٍ نصفُ مالِه في حالِ حرِّيَّتِهما، وهو هنا الرُّبعُ. والثَّاني: بطريق الخِطابِ، ومَعْناهُ: لو خاطَبْتَهما لقُلْتَ (٤) للحُرِّ: لكَ المالُ لو كان أخوكَ رقيقًا، ونصفُه لو كان حُرًّا، فَعَلَى هذا: لكلِّ واحِدٍ رُبعٌ وثُمنٌ. ولو كان ابنٌ وبنتٌ، نَصفُهما حُرٌّ، وعمٌّ، فَعَلَى الأوَّل: لهما ثلاثةُ أرباع المال، ونصفُه على الثَّاني، وخَمْسةُ أثْمانه على الثَّالث.

стр. 4083

ولو كان معهم أُمٌّ؛ فلها السُّدسُ على الأوْجُه، والاِبنُ والبنتُ؛ هل لهما على الأوَّل على ثلاثةٍ ثلاثةُ أرباعِ المال الباقي بَعْدَ السُّدس، أوْ ثلاثةُ أرباع المالِ؟ فيه وجْهانِ، وعلى الثَّاني: هل لهما نصفُ المال، أو نصفُ الباقي بَعْدَ السُّدس؟ على وَجْهَينِ. (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَحْجُبُ الآْخَرَ (١)، كَابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ)؛ فوجْهانِ، (وَالصَّحِيحُ: أَنَّها لَا تُكَمَّلُ)؛ لأِنَّ الشَّيءَ لا يُكمَّلُ ممَّا يُسقِطُه، ولا يُجمَعُ بَينَه وبَينَ ما يُنافِيهِ. فإنْ كان نصفُ كلٍّ منهما حُرًّا؛ فلِلاِبْنِ النِّصفُ، ولا شَيءَ لاِبْنِه على الأوسط، وعلى الأوَّل الرُّبعُ، وعلى الثَّالث النِّصفُ. قال في «الشَّرح»: (وَوَرَّثَهم بعضُهم بالخِطاب وتَنْزيلِ الأحوال، وحَجَبَ بعضَهم ببَعْضٍ على مِثالِ تنزيلِ الخَناثَى، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ). مسألةٌ: أمٌّ وأخَوانِ بأحدهما رِقٌّ، لها ثُلثٌ، وحَجَبها أبو الخَطَّاب بقَدْرِ حُرِّيَّته، فبنصفها عن نصف سُدسٍ. تنبيهٌ: يُرَدُّ على ذي فرضٍ وعَصَبةٍ لم تَرِثْ (٢) بقَدْرِ نسبةِ الحُرِّيَّة منهما، فلبنتٍ نصفُها حُرٌّ: النِّصفُ بفَرْضٍ ورَدٍّ، ولاِبْنٍ مَكانَها: النِّصفُ بالعُصوبة، والبقيَّةُ لبَيتِ المال، ولاِبْنَينِ نصفُهما حُرَّانِ لم نُوَرِّثْهما المالَ: البقيَّةُ مع عَدَمِ عَصَبةٍ، ولِبِنْتٍ وجَدَّةٍ نصفُهما حُرٌّ: المالُ نِصفَينِ بفَرْضٍ ورَدٍّ، ومع حُرِّيَّته (٣) ثلاثةِ أرْباعِهما: المالُ بَينَهما أرْباعًا بقَدرِ فَرضَيْهِما، ومع حرِّيَّةِ ثُلثِهما: الثُّلثانِ بَينَهما، والبقيَّةُ لبيت المال.

стр. 4084

ابنٌ نصفُه حُرٌّ: له نصفُ المال، فإنْ كان معه آخَرُ؛ فلهما المالُ في وَجْهٍ، وفي آخَرَ: لهما نصفُه، والباقي للعصبة، أو لبيت المال. وقِيلَ: لكلٍّ منهما ثلاثةُ أثْمانِ المال؛ لأِنَّهما لو كانا حُرَّينِ لكان لكلٍّ منهما النِّصفُ، ولو كانا رقِيقَينِ لم يكن لهما شيءٌ، ولو كان الأكبرُ حرًّا لكان المالُ له، وبالعكس، فلكلِّ واحِدٍ منهما في الأحوال الأربعةِ مالٌ ونصفٌ، فله رُبعُ ذلك، وهو ثلاثةُ أثْمانٍ. فإنْ كان معهما ابنٌ آخَرُ ثُلثُه حرٌّ؛ فعلى الوجْهِ الأوَّل: يُقسَمُ المال بَينَهم على ثمانيةٍ، كما تُقسَمُ مسألةُ المباهَلَةِ، وعلى الثَّاني: يُقسَمُ النِّصفُ بَينَهم على ثمانيةٍ، وفي وَجْهٍ: يُقسَمُ الثُّلثُ بَينَهم أثْلاثًا، ثُمَّ يُقسَمُ السُّدسُ بَينَ صاحِبَيِ النِّصفَينِ نِصْفَينِ.

стр. 4085

(بَابُ الْوَلَاءِ) أيْ: بابُ مِيراثِ الوَلاءِ؛ لأِنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ، وإنَّما يُورَثُ به، فهو من إضافةِ الشَّيء إلى سَبَبِه؛ لأِنَّ سَبَبَ المِيراث هنا: الوَلاءُ، ولا شَكَّ أنَّه من جملة الأسباب التي يُتَوارَثُ بها. والوَلاءُ: بفَتْح الواوِ مَمْدودٌ، وهو: ثُبوتُ حكمٍ شَرْعِيٍّ بالعِتْق، أوْ تَعاطِي سَبَبِه. ومَعْناهُ: أنَّه إذا أعْتَقَ رقيقًا على أيِّ جِهةٍ صار له عَصَبةً في جميعِ أحْكامِ التَّعصيب عِنْدَ عَدَمِ العَصَبة من النَّسب؛ كالمِيراث، وولايةِ النِّكاح، والعَقْل. والأصلُ فيه: قَولُه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزَاب: ٥]؛ يَعْنِي: الأدْعِياءَ، مع قَولِه ﵇: «الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» متَّفقٌ عَلَيهِ (١)، وإنَّما تأخَّر الوَلاءُ عن النَّسب؛ لقَولِه ﷺ في (٢) حديثِ عبدِ الله بنِ أبي أَوْفَى: «الوَلاءُ لُحْمةٌ كلُحْمة النَّسَب» رواه الخَلاَّلُ، ورواه الشَّافِعِيُّ وابنُ حِبَّانَ من حديثِ ابنِ عُمَرَ مرفوعًا، وفيه: «لا يُباع ولا يُوهَبُ» (٣)، شبَّهه بالنَّسب، والمشبَّه (٤) دُونَ المشبَّهِ به، وأيْضًا: فإنَّ النَّسَبَ أقْوَى منه؛ لأِنَّه تتعلَّق به المحْرَمِيَّةُ، ووُجوبُ النَّفقة، وردُّ (٥) الشَّهادةِ، ونحوُها، بخِلافِ الوَلاء. (كُلُّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا)، وفي «الفروع»: رقيقًا، وهي أَوْلَى، وسَواءٌ أعْتَقَه

стр. 4086

كلَّه أو بعضَه، فسَرَى إلى بقيَّته؛ فله عليه الوَلاءُ إجْماعًا (١)، حَيثُ لم يُعتِقْه عن نذره أو كفَّارته. وكلامُه شامِلٌ للمسلم وغيرِه، فلو أعْتَقَ الحربيُّ حربيًّا؛ فله عليه الوَلاءُ في قَولِ عامَّتهم، فإنْ جاء المعتِقُ مسلِمًا؛ فالوَلاءُ بحاله، وإنْ سُبِيَ مَولَى النِّعمة، لم يَرِثْ ما دام عبدًا، فإنْ عَتَقَ؛ فعليه الوَلاءُ لمعتقه، وله الوَلاء على عتيقه، وهل يَثبُتُ لمعتِقِ السَّيِّد وَلاءٌ على مُعْتَقِه؟ فيه احْتِمالانِ. فإنْ كان الذي اشْتَراهُ مولاهُ، فأعتقه؛ فكلُّ واحِدٍ منهما مَوْلَى صاحبه، وإنْ أسَرَه مَولاه فكذلك، وإنْ سُبِيَ المعتَقُ فاشْتَراهُ رَجُلٌ فأعْتَقَه؛ بَطَلَ وَلاءُ الأوَّل، وصار للثَّاني على المشهور. وإنْ أعْتَقَ ذِمِّيٌّ عَبْدًا، فَهَرَبَ إلى دار الحرب، فاسْتُرِقَّ؛ فالحكمُ فيه كما لو أعْتَقَه الحرُّ (٢) سَواءً. وإنْ أعتق مسلِمٌ كافِرًا، فهَرَبَ إلى دار الحرب (٣)، ثمَّ سَباهُ المسلمون؛ لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، وقال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ جَوازُه، فعلى هذا: إن اسْتُرِقَّ فالوَلاءُ للثَّانِي، وقِيلَ: للأوّل، وقِيلَ: بَينَهما. وإن (٤) أعتق مسلِمٌ مسلِمًا، أو أعْتَقَه ذِمِّيٌّ، ثُمَّ ارتدَّ ولَحِقَ بدار الحرب، فسُبِيَ؛ لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، وإن اشْتُرِيَ؛ فهو باطِلٌ، ولا تُقبَلُ (٥) منه إلاَّ التَّوبة أو القَتْلُ. (أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِرَحِمٍ)؛ يَعْنِي: إذا ملكه يَعتِقُ عليه بالملك، فكان ولاؤه له،

стр. 4087

كما لو باشَرَ عِتْقَه، وسَواءٌ مَلَكَه بشِراءٍ أو هبةٍ أوْ إرثٍ أوْ غَنِيمةٍ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١). (أَوْ كِتَابَةٍ)؛ يعني: إذا كاتَبَه، فأدَّى ما كُوتِبَ عليه؛ عَتَقَ، ولا فَرْقَ بَينَ أنْ يؤدِّيَ إلى سيِّده أو إلى ورثته؛ لأِنَّ عِتْقَه بكتابته، وهي من سيِّده. وحَكَى ابنُ سُراقةَ عن عمرِو بنِ دِينارٍ، وأبي ثَورٍ: أنَّه لا وَلاءَ على المكاتَب؛ لأِنَّه اشْتَرَى نفسَه، فلم يكن عليه وَلاءٌ، كما لو اشْتَراهُ أجْنَبِيٌّ، فأعْتَقَه، وهذا قُوَيلٌ عِندَنَا، ورُدَّ بالأحاديث المشهورةِ. فَرْعٌ: إذا اشْتَرَى العبدُ نفسَه من سيِّده بِعِوَضٍ حالٍّ؛ عَتَقَ، والولاءُ لسيِّده؛ نَصَّ عليه؛ كالمكاتَب، وفيه قَولٌ. (أَوْ تَدْبِيرٍ)؛ أي: عَتَقَ عليه بالتَّدبير؛ فولاؤه لسيِّده في قَولِ عامَّة الفقهاء. (أَوِ اسْتِيلَادٍ)؛ يعني: إذا عَتَقَتْ أمُّ الولد بِمَوتِ سيِّدها؛ فولاؤها له، يَرِثُها أقْرَبُ عَصَبَته في قَولِ الجمهور. وقال ابنُ مسعودٍ (٢): تَعتِقُ (٣) من نصيبِ ولدِها، فيكون الولاءُ له. وقال عليٌّ (٤): لا تَعْتِقُ ما لم يُعتِقْها، وله بَيعُها، واختاره جابرُ بنُ زَيدٍ.

стр. 4088

والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّها عَتَقَتْ بفِعْلِه من ماله، فكان ولاؤها له، كما لو عَتَقَتْ بقَولِه. (أَوْ وَصِيَّةٍ بِعِتْقِهِ)؛ أيْ: إذا أوصى أنْ يُعتَقَ عنه بَعْدَ مَوتِه، فأُعْتِقَ؛ فالولاءُ له، وكذا إنْ وصَّى به، ولم يَقُلْ: عَنِّي. (فَلَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ)؛ أيْ: يَثبُتُ للمُعتِق على المعتَق، إلاَّ إذا أعْتَقَ قِنٌّ قِنًّا يَملكه، نَصَّ عليه، (وَعَلَى أَوْلَادِهِ، مِنْ زَوْجَةٍ مُعْتَقَةٍ، أَوْ مِنْ أَمَتِهِ)؛ لأِنَّه وليُّ نِعمَتِهم وعِتْقُهم بسبَبِه، ولأِنَّه (١) فَرْعٌ، والفَرْعُ يَتبَعُ أصْلَه، بشَرْطِ أنْ يكونوا من زوجةٍ معتَقةٍ أو سُرِّيَّته (٢)، فإنْ كانت أمُّهم حُرَّةَ الأصل؛ فَلَا وَلاءَ على ولدها؛ لأِنَّهم يَتْبَعونَها في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، فيَتْبَعونَها في عَدَمِ الوَلاء؛ إذْ لَيسَ عَلَيها وَلاءٌ، (وَعَلَى مُعْتَقِيهِ، وَمُعْتَقِي أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ، وَمُعْتَقِيهِمْ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا)؛ لأِنَّه وليُّ نِعمَتِهم، وبسبَبِه عَتَقُوا، أشْبَهَ ما لو باشَرَهم بالعِتْق. (وَيَرِثُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَةِ مِنَ النَّسَبِ)؛ أيْ: إذا لم يكن للمعتَق عَصَبةٌ ولا ذو فَرْضٍ؛ فهو للمَوْلَى؛ لِمَا رَوَى الحَسَنُ مرفوعًا: «المِيراثُ للعَصَبة، وإنْ (٣) لم يَكُنْ عَصَبةٌ؛ فللمَولَى» (٤)، ولأنَّ النَّسَبَ أقْوَى من الوَلاء، بدليلِ: أنَّه يتعلَّق به التَّحريمُ، وسقوطُ القِصاص، وردُّ الشَّهادة، بخِلافِ الوَلاء. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان عصبةٌ أوْ ذُو فَرْضٍ يَستغْرِقُ فُروضُهم المالَ؛ فلا شَيءَ للمَولى، بغَيرِ خِلافٍ نعلمه (٥)، ولو كان ذُو فَرْضٍ لا يستغْرِقُ المالَ؛ فالباقِي للمَولَى.

стр. 4089

(ثُمَّ يَرِثُ بِهِ عَصَبَاتُهُ)، سَواءٌ كان ابْنًا، أوْ أخًا، أوْ أبًا، أوْ غَيرَه من العَصَبات، ولا فَرْقَ بَينَ كَونِ المعتِق ذَكَرًا أوْ أُنْثَى، (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ)؛ لمَا رَوَى أحمدُ، عن سعيد بنِ المسيّب مرفوعًا أنَّه قال: «الموْلَى أخٌ في الدِّين، ومَولَى نعمةٍ يَرِثُه أوْلَى النَّاس بالمعتِق» (١)، ولأِنَّه حقٌّ من حقوقه، فَوَجَبَ أنْ يَرِثَ به أقربُ عَصَباتِه؛ كالنَّسب، فإنْ لم يَكُنْ له عَصَبَةٌ؛ فلِمَولاهُ. (وَعَنْهُ فِي المُكَاتَبِ إِذَا أَدَّى إِلَى الْوَرَثَةِ: أنَّ (٢) وَلَاءَهُ لَهُمْ)؛ لأِنَّه انتقل إلَيهِم، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَوهُ، (وَإِنْ أَدَّى إِلَيْهِمَا؛ فَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا)؛ أيْ: بَينَ السَّيِّد والوَرَثةِ؛ لأِنَّ العِتْقَ يَتْبَعُ الأداءَ. وفي «التَّبصرة» وَجْهٌ: أنَّه للورثة. وفي «المبهج»: إنْ أعْتَقَ كلُّ الورثة المكاتَبَ؛ نَفَذَ، والوَلاءُ للرِّجال، وفي النِّساء روايتانِ. (وَمَنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ حُرَّ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَمَسَّهُ رِقٌّ؛ فَلَا وَلَاءَ عَلَيهِ)؛ أيْ: إذا كان أحدُ الزَّوجَينِ حرَّ الأصل؛ فلا وَلاءَ على ولدهما، سَواءٌ كان الآخَرُ عربِيًّا أوْ مَوْلًى؛ لأِنَّ الأمَّ إنْ كانَتْ حرَّةَ الأصل؛ فالولدُ يَتبَعُها فيما إذا كان الأبُ رقِيقًا في انْتِفاء الرِّقِّ والوَلاءِ؛ فَلَأنْ يَتْبَعَها في نَفْيِ الوَلاء أَوْلَى، وإنْ كان الأبُ حرَّ الأصل؛ فالوَلَدُ يَتْبَعُه فيما إذا كان عليه ولاءٌ، بحَيثُ يَصِيرُ الوَلاء عَلَيه لمَولَى أبِيهِ؛ فَلَأَنْ يَتْبَعَه في سقوط الولاء عنه أَوْلَى. وعلى هذا: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يكونَ مسلِمًا أوْ ذِمِّيًّا، معلومَ النَّسب أوْ

стр. 4090

مجهولَه، قال الأصحابُ: هذا هو الأشْبَهُ بمذهب أحمدَ، ونَصَرَه في «الشَّرح». وقال القاضي: إنْ كان مَجهولَ النَّسب؛ ثبت الولاء على ولده لمَولَى الأمِّ إنْ كانت مولاةً، وعلَّله الخَبْرِيُّ: بأنَّ مقتضَى ثبوتِه لمَولى الأمِّ مَوجُودٌ، وإنَّما امْتَنَعَ في مَحَلِّ الوفاق لحُرِّيَّة الأب، فإذا لم تكن معلومةً؛ فقد وَقَعَ الشَّكُّ في المانع، فيبقى على الأصل. وجَوابُه: بأنَّ الأبَ حُرٌّ محكومٌ بحُرِّيَّته، أشْبَهَ معروفَ النَّسب؛ إذ الأصلُ في (١) الآدَمِيِّينَ الحُرِّيَّةُ. فإنْ كانَ الأبُ مَولًى، والأمُّ مَجْهولةَ النَّسب؛ فَعَلَى الخِلاف، والمذهَبُ: لا وَلاءَ عليه. وقد عُلِمَ: أنَّ مَنْ أبوه حُرُّ الأصل وأُمُّه عتيقةٌ؛ فلا وَلاءَ عليه، كعَكْسِها، وعَنْهُ: بَلَى لمَولَى أبِيهِ. ومَنْ كانَتْ أمُّه عتيقةً، وأبوهُ مَجهولَ النَّسب؛ فلا ولاءَ عَلَيهِ، وعَنْهُ: بلى؛ لمَوْلَى أمِّه. مسألةٌ: إذا تزوَّج عبدٌ بمعتَقَةٍ (٢) لقَومٍ أوْ بحُرَّةِ الأصل، فأوْلَدَها، ثُمَّ أعْتَقَه مَولاهُ؛ فقال (٣) ابنُ أبي موسى: لا يَختَلِفُ قَولُ أحمدَ أنَّ وَلاءَ أوْلادِه لمَوْلَى أبيهم، وجَزَمَ به في «الوجيز». وفي حرِّ الأصل إذا تزوَّج أمَةً، فعَتَقَ وَلَدُها على سيِّدها؛ فله ولاؤه. (وَمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً)؛ كقَوله: أعْتَقْتُك سائِبةً، كأنَّه يجعله لله، أوْ: أعْتَقْتُك

стр. 4091

ولَا وَلاءَ لي عَلَيك، وأصْلُه من تَسْيِيبِ (١) الدَّوابِّ، ولا نِزاعَ في صحَّة العِتْق، والخِلافُ إنَّما هو في ثُبوت الوَلاء للمعتِق، وفِيهِ رِوايَتانِ، حكاهما الشَّيخانِ. فأشْهَرُهما، واختاره أكثرُ الأصحاب، حتَّى إنَّ القاضِيَ والشَّريفَ وأبا الخَطَّاب في «خِلافَيهِما» وابنَ عَقِيلٍ في «التَّذكرة» لم يَذكُرُوا خِلافًا: أنَّه لا وَلاءَ عَلَيهِ؛ لأِنَّ «ابنَ عمرَ أعْتَقَ سائبةً، فمات، فاشْتَرَى ابنُ عمرَ بماله رِقابًا، فأعْتَقَهم» (٢)، وعلَّله أحمدُ (٣): بأنَّه جَعَلَه لله، فلا يَجوزُ أنْ يَرجِعَ إلَيهِ منه شَيءٌ، ففي عَقْلِه لكَونه معتِقًا، وانْتِفاء الوَلاءِ عنه؛ روايتانِ، قاله أبو المعالي، ومالُه لبيت المال. والثَّانيةُ: أنَّه يَثبُتُ الوَلاءُ للمعتِق، وجَزَمَ بها في «الوجيز»، وقدَّمها في «الفروع»، قال المؤلِّفُ: وهو أصحُّ في النَّظر؛ لعموم الأخبار، وعن هُزَيلِ بنِ شُرَحْبِيل قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله فقال: إنِّي أعتقتُ عَبْدًا، وجَعَلْتُه سائبةً فَماتَ، وتَرَكَ مالاً، ولم يَدَعْ وارِثًا؟ فقال عبدُ الله: «إنَّ أهلَ الإسلام لا يُسَيِّبونَ، وإنَّما كان أهلُ الجاهليَّة يُسَيِّبونَ، وأنْتَ وليُّ نعمتِه، وإنْ (٤) تأثَّمْتَ وتحرَّجْتَ في شَيءٍ؛ فنَحنُ نَقبَلُه»، وجَعَلَه في بَيتِ المالِ، رواه مسلِمٌ (٥)،

стр. 4092

وقال سعيدٌ: ثَنَا هُشَيمٌ، عن منصورٍ: أنَّ عُمَرَ وابنَ مَسْعودٍ قَالَا في مِيراثِ السَّائبة: «هو للذي أعْتَقَه» (١). (أَوْ فِي زَكَاتِهِ، أَوْ نَذْرِهِ، أَوْ كَفَّارَتِهِ؛ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ): (إِحْدَاهُمَا: لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ)؛ للعُموم، ولأِنَّ عائشةَ اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ بشَرْطِ العِتْق (٢)، وهو يُوجِبُ العِتْقَ، ولم يَمنَعْ ذلك ثبوتَ الوَلاءِ لها. (والثَّانِيَةُ: لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه أعْتَقَه في الزَّكاة من غَيرِ ماله، فلم يَكُنْ له عليه الوَلاءُ، كما لو دَفَعَها إلى السَّاعِي، فاشْتَرَى بها وأعْتَقَ، وكما لو دَفَعَ إلى المكاتَب مالاً، فأدَّاهُ في كِتابَتِه، وفارَقَ الذي اشْتَرَطَ عليه العِتْقَ، فإنَّه أعْتَقَه من ماله، والعِتْقُ في الكفَّارة والنَّذر واجِبٌ عليه، أشْبَهَ العِتْقَ في الزَّكاة. (وَمَا رَجَعَ مِنْ مِيرَاثِهِ؛ رُدَّ فِي مِثْلِهِ، يَشْتَرِي بِهِ رِقَابًا يُعْتِقُهُمْ)، هذا هو المعروفُ في السَّائبة؛ لمَا رُوِيَ عن ابن عمرَ (٣)، ونَظَرًا إلى أنَّه جَعَلَه مَحْضًا لله، فيَختَصُّ بهذه الجهةِ. وهل وِلايةُ الإعْتاق للإمام؛ لأِنَّه النَّائبُ عن الله، وهو أظهرُ، أو للسَّيِّد؛ لأِنَّه المعتِقُ؟ فيه رِوايَتانِ. وقال أحمدُ في الذي يُعتِقُ مِنْ زَكاتِه: إنْ وَرِثَ منه شَيئًا جَعَلَه في مِثْلِه (٤)، وهو قَولُ الحَسَنِ وإسْحاقَ، قال في «الشَّرح»: وعلى قِياسِ ذلك: العِتْقُ في الكَفَّارة والنَّذر؛ لأِنَّه واجِبٌ عَلَيهِ. وعَنْهُ في السَّائبة والمعتَقِ في الواجِب: لا وَلاءَ عَلَيهِ، بَلْ مالُه لِبَيتِ المالِ؛ لأِنَّه لا وارِثَ له.

стр. 4093

فعلى الأوَّل: إذا خلَّف السَّائبةُ ذا فَرْضٍ لا يَستَغْرِقُ (١) مالَه؛ أخَذَ فَرضَه، واشْتَرَى بباقِيهِ رِقابًا يُعتِقُهم، ولا يُرَدُّ على أهل الفَرْض، فلو تَرَك بنتًا ومعتِقًا؛ فللبِنْت النِّصفُ، والباقِي (٢) يصرَف في العِتْق؛ إذْ جِهةُ العتْق هي المستَحِقَّةُ للوَلاء، وعلى (٣) القول بأنَّ الوَلاءَ للسَّيِّد؛ فالمالُ بَينَهما نِصْفانِ. وعلى الآخَر: الجَميعُ للبنت بالفَرْضِ والرَّدِّ؛ إذِ الرَّدُّ مُقدَّمٌ على بيت المال. (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ، بِلَا أَمْرِهِ؛ فَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ)؛ للخَبَر (٤)، ولأِنَّه أعْتَقَه بغَيرِ إذْنِ الآخَر، فكان وَلاؤُه للمُعتِق، كما لو لم يَنْوِهِ. لكِنْ ذَكَرَ في «المحرَّر»، و «الفروع»، و «الوجيز»، تَبَعًا للقاضي: أنَّه إذا أعْتَقَ عن ميِّتٍ في واجِبٍ عليه؛ أنَّ العِتْقَ يَقَعُ عن الميِّت؛ لمكانِ الحاجة إلى ذلك، وهو الاِحْتِياجُ إلى براءة الذِّمَّة، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: بِناءً على أنَّ الكفَّارةَ ونحوَها مِنْ شَرْطِها الدُّخولُ في ملْكِ المكفَّرِ عَنْهُ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ العِتْقُ. وقِيلَ: لا يَصِحُّ إلاَّ بوصيَّةٍ، قال في «التَّرغيب»: بناءً على قَولِنا: الوَلاءُ للمعتَقِ عَنْه. وإنْ تَبرَّع بعِتْقِه عنه؛ فهل يُجزِئُه كإطْعامٍ وكِسْوةٍ أمْ لا؟ جَزَمَ به في «التَّرغيب»؛ لأِنَّ مَقصودَه الوَلاءُ، ولا يُمكِنُ إثْباتُه بِدُونِ المعتَقِ عنه، فيه وَجْهانِ.

стр. 4094

وإنْ تبرَّع عنه أجنبِيٌّ؛ فثالثُها: يُجزِئُه في إطْعامٍ وكِسْوَةٍ. (وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ)؛ صحَّ؛ لأِنَّه نائِبٌ عنه، فكان (الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ) في قَولِ أكثرِهم، كما لو باشَرَه. ولِما ذَكَرَه حالاتٌ، نبَّه عَلَيها بقَولِه: (وَإِذَا قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ؛ فَفَعَلَ) قَبْلَ فِراقِه أوْ بَعْدَهُ؛ (فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا، قاله في «المغْنِي»؛ لأِنَّه أعْتَقَه عنه بشَرْطِ العِوَضِ، فيُقدَّرُ ابْتِياعُه منه، ثُمَّ تَوكيلُه في عِتْقِه لِيَصِحَّ، أشْبَهَ ما لو ابْتاعَهُ منه ثُمَّ وكَّله في عِتْقِه، وكإطْعامه (١) عنه والكِسوةِ. وذَكَر ابن أبي موسى: لا يُجزِئُه حتَّى يُملِّكَه إيَّاه، فيُعتِقُه هو، ونَقَلَهُ مهنَّى (٢). وعلى الأوّل: يُجزِئُه عن واجِبٍ ما لم يَكنْ قرينة (٣)، ويَلزَمُه عِوَضُه بالْتِزامه. وعنه: يَلزَمُه ما لم يَنْفِه. وعنه: العتقُ والوَلاء للمسؤول لا للسَّائل، إلاَّ حَيثُ الْتَزَم العِوَضَ. وفي «التَّرغيب»: لو قال: أعْتِقْه عن كَفَّارتي، ولك عليَّ مائةٌ، فأعْتَقَه؛ عَتَقَ، ولم يُجزِئْه، وتَلزَمُه (٤) المائةُ، والوَلاءُ له. قال ابن عَقِيلٍ: لو قال: أعْتِقْه عنِّي بهذا الخَمْرِ والخِنزيرِ؛ مَلَكَه، وعَتَقَ؛ كالهِبة، والملْكُ يَقِفُ على القَبْضِ في هِبَةٍ بلَفْظِها، لا بِلَفْظِ العِتْقِ، بدليلِ:

стр. 4095

أعْتِقْ عبدَك (١) عنِّي؛ يَنتَقِلُ الملْكُ قَبْلَ إعْتاقِه. ويجوزُ جَعْلُه قابِضًا من طريق الحكم؛ كقَوله: بِعْتُك، أو وَهَبْتُك هذا، فقال المشْتَرِي: هو حُرٌّ؛ عَتَقَ، وقُدِّر القَبولُ حُكْمًا. (وَإِنْ قَالَ: أَعْتِقْهُ وَالثَّمَنُ عَلَيَّ)، أوْ أعْتِقْه عنكَ وعليَّ ثَمَنُه، (فَفَعَلَ؛ فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ)؛ أي: على السَّائل؛ لأِنَّه جَعَلَ جُعْلاً على الإعتاق؛ فَلَزِمَه بالعَمَل، أشْبَهَ ما لو قال: مَنْ بَنَى لي هذا حائطًا فله كذا، استحقَّه بعَمَلِه، (وَالْوَلَاءُ) والعِتْقُ (لِلْمُعْتِقِ)؛ أي: المسؤولِ على الأصحِّ؛ لأِنَّه لم يأْمُرْه بإعْتاقه عنه، ولا قَصَدَ به المعتِقُ ذلك، فلم يُوجَدْ ما يَقتَضِي صرفَه إليه، فيَبْقَى للمسؤول؛ عَمَلاً بالخَبَرِ، ويُجْزِئُه عن واجب في الأصحِّ. وقال القاضي في مَوضِعٍ: لا يُجزِئُ عن الواجب، ويَقَعُ العِتْقُ، والوَلاءُ للسَّائل. قال في «المحرر»: وفيه بُعْدٌ. تنبيهٌ: بَقِيَ هنا صُورَتانِ: الأولى: إذا قال: أعْتِقْه عنِّي، وأطْلَق؛ فيَحتَمِلُ أنَّه يَلزَمُه العِوَضُ، كما لو صرَّح به؛ إذ الغالِبُ في انتقال الملك العِوَضُ، ويَحتَمِلُ عَدمَه؛ لأِنَّه الْتِزامُ ما لم يَلتَزِمْه. الثَّاني: إذا قال: أعْتِقْه عنِّي مَجَّانًا؛ لم يَلزَمْه العِوَضُ بلا نِزاعٍ (٢)، والوَلاءُ والعِتقُ للسَّائل في ظاهر كلام الخِرَقِيِّ وجماعةٍ. فرعٌ: لو قال: أعْتِقْ مكاتَبَك على ألْفٍ، فَفَعَلَ؛ عَتَقَ، ولَزِمَ القائلَ (٣) ألْفٌ، وولاؤه للمعتِق، وقيل: للقائل (٤)، فلو قال: اقْبَلْه على درهمٍ؛ فَلَغْوٌ،

стр. 4096

ذكره في «الانتصار»، قال في «الفروع»: ويتوجَّه وَجْهٌ. (وَإِنْ قَالَ الْكَافِرُ لِرَجُلٍ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ المُسْلِمَ عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ، فَفَعَلَ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهُما في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»: أنَّه يَصِحُّ ويَعتِقُ؛ لأِنَّه يَمْلِكُه زَمَنًا يسيرًا، فاغْتُفِرَ هذا الضَّرَرُ اليسيرُ لأِجْلِ تحصيلِ الحُرِّيَّة للأبَدِ، وهو نَفْعٌ عظيمٌ؛ لأِنَّه يصيرُ متهيِّئًا للطَّاعات وإكْمالِ القُرُباتِ، وحِينَئِذٍ الوَلاءُ للكافر، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لظاهر الخَبَرِ. والثَّاني: لا يَصِحُّ ولا يَعتِقُ؛ لأِنَّه يَلزَمُ من الصِّحَّة ثُبوتُ الملك المقدَّر، وهو كالمحقَّق، وثبوتُ المحقَّق مَنفِيٌّ؛ لمَا فيه من الصَّغار، فكذلك ثُبوتُ ما يُشْبِهُه. وحكاهما في «الرِّعاية» رِوايَتَينِ. (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا يُبَايِنُهُ فِي دِينِهِ؛ فَلَهُ وَلَاؤُهُ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّه مُعتِقٌ، فيَدخُلُ في قَوله ﵇: «الوَلاءُ لمَنْ أَعْتَقَ» (٢)، وحِينَئِذٍ: يَثبُتُ الوَلاءُ للأنثى على الذَّكَر، وبالعَكْس. (وَهَلْ يَرِثُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): (إِحْدَاهُمَا: لَا يَرِثُ)، وهو قَولُ جمهور الفقهاء، قال في «المغْنِي»: وهو أصحُّ في الأَثَر والنَّظَر؛ لِخَبَرِ أُسامةَ: «لا يَرِثُ المسلِمُ الكافِرَ ولا الكافِرُ المسلِمَ» (٣)، ولأِنَّه مِيراثٌ، فَمَنَعَه (٤) اخْتِلافُ الدِّين؛ كمِيراثِ النَّسَبِ، والمِيراثُ بالنَّسب أقْوَى، فإذا مَنَعَ الأقْوَى؛ فالأضْعَفُ أَوْلَى.

стр. 4097

والثَّانيةُ: يَرِثُه، رُوِيَ عن عمرَ (١)، وعليٍّ (٢)، وغَيرِهما، واحْتَجَّ أحمدُ (٣) بقَولِ عليٍّ: «الوَلاءُ شُعْبةٌ من الرِّقِّ» (٤)، فلم يَضُرَّ تَبايُنُ الدِّين، بخِلافِ الإرْثِ بالنَّسب. (لَكِنْ)؛ أيْ: على الأُولَى: (إِنْ كَانَ لَهُ)؛ أيْ: للسَّيِّد (عَصَبَةٌ عَلَى دِينِ المُعْتَقِ)، بفَتْحِ التَّاء؛ (وَرِثَهُ)؛ أيْ: العَصَبةُ، أشْبَهَ ما لو كان الأقربُ من العَصَبة مُخالِفًا لدينِ الميِّت وَالأبْعَدُ على دِينِه. (وَإِنْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا)؛ أيْ: من السَّيِّد والمعتَق؛ (وَرِثَ المُعْتِقُ)، بكَسْرِ التَّاء، (رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّهما اجْتَمَعا على الإسلام، فتوارَثا؛ كالمتُناسِبَينِ؛ لزَوالِ المانِعِ.

стр. 4098

(فَصْلٌ) (وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلَاءِ إِلاَّ مَا أَعْتَقْنَ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ)، وأولادَهما، ومَنْ جَرُّوا وَلاءَه، (أَوْ كَاتَبْنَ، أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ)، هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، واخْتارَه الأكْثَرُ، ورُوِيَ عن عمرَ، وعُثْمانَ، وعليٍّ (١)، وغَيرِهم، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصرِهِم، فكان كالإجماع، وسَنَدُه: ما رَوَى عَمْرُو ابنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا قال: «مِيراثُ الوَلاءِ للكُبَرِ من الذُّكور، ولا يَرِثُ النِّساءُ من الوَلاء إلاَّ وَلاءَ مَنْ أعْتَقْنَ، أوْ أعْتَقَ مَنْ أعْتَقْنَ» (٢)، ولأِنَّ الوَلاءَ مُشَبَّهٌ (٣) بالنَّسَب، والمَوْلَى المعتَق من المَولى المنْعِمِ بمَنزِلةِ أخِيهِ أو عَمِّه، فَوَلَدُه من العَتيق بمَنزلةِ وَلَدِ أخِيهِ أوْ عَمِّه، ولا يَرِثُ منهم إلاَّ الذُّكورُ خاصَّةً، ويُستثنى منه: إلاَّ عتيقُ ابنِ مُلاعَنة، فإنَّ المُلاعَنَةَ تَرِثُه على المنصوص إنْ عُدِمَ الاِبْنُ (٤)، وقُلْنا: هي العَصَبَةُ، وإلاَّ عَصَبَتُها. (وَعَنْهُ فِي بِنْتِ المُعْتِقِ خَاصَّةً: تَرِثُ)، نَقَلَها أبو طالِبٍ (٥)، وَوَهَّمَه أبو بَكْرٍ

стр. 4099

في حكايتها عنه، واخْتارَها القاضِي وأصحابُه، وإلَيها مَيْلُ المجْدِ في «المنتقى»، واحتجَّ الإمامُ أحمدُ بما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ مَولًى لِحَمزةَ تُوُفِّيَ، وتَرَكَ ابْنَتَه وابنةَ حمزةَ، فأعْطَى النَّبيُّ ﷺ ابْنَتَه النِّصفَ، وابنةَ حمزةَ النِّصفَ» ورواهُ الدَّارِقُطْنِيُّ (١)، وقد رَوَى إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، ويحيى بنُ آدَمَ، وإسْحاقُ: أنَّ المَوْلَى كان لحمزةَ. واعْتُرِضَ عَلَيهِ: بأنَّ المَوْلَى كان لاِبْنةِ حمزةَ، قالَه أحمدُ في روايةِ ابنِ القاسِمِ، وسَأَلَه: هل كان الْمَوْلَى لِحمزةَ أوْ لاِبْنَتِه؟ فقال: لاِبْنَتِه (٢)، فقد نَصَّ على أنَّ ابْنةَ حمزةَ وَرِثَتْ بِولاءِ نَفْسِها؛ لأِنَّها هي المعتِقةُ، وصحَّحه في «الكافي» و «الشَّرح»، ويرشحه: ما رَوَى ابنُ ماجَهْ، عن محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ أبي لَيلى، عن الحَكَم، عن عبد الله بنِ شَدَّادٍ، عن بنتِ حمزةَ، وهي أُخْتُ ابنِ شَدَّادٍ لأِمِّه، قالت: «مات مَولايَ، وتَرَكَ ابْنَتَه، فَقَسَمَ النَّبيُّ ﷺ مالَه (٣)، فجَعَلَ لي النِّصفَ ولها النِّصفَ» (٤). ورُدَّ: بأنَّ ابنَ أبي لَيلى ضعيفٌ، ثُمَّ يَحتَمِلُ تعدُّدُ الواقِعة، فلا مُعارَضَةَ، ولو سُلِّمَ الاِتِّحادُ؛ فيَحتمِلُ أنَّه أُضِيفَ مَولَى الوالِدِ إلى الولد، بِناءً على أنَّ الوَلاءَ يَنتَقِلُ إليه، أوْ أنَّه يَرِثُ به. وعَنْهُ: أنَّها تَرِثُ مع عَدَمِ عَصَبةٍ. وعَنْهُ: تَرِثُ مع أخيها.

стр. 4100

فلو اشْتَرَى هو وأُخْتُه أباهما، فَعَتَقَ، ثُمَّ اشْتَرَى عبدًا وأعْتَقَه، ثُمَّ مات عَتِيقُه بَعْدَ أبيه؛ وَرِثَه ابْنُه لَا بِنتُه. وعلى الثَّانية: يَرِثانِه أثْلاثًا. فلو نَكَحَتْ عَتِيقَها وأحْبَلَها؛ فهي القائلةُ: إنْ ألِدْ أنثى فالنِّصفُ، وذَكَرًا الثُّمنُ، وإنْ لم أَلِدْ فالجميعُ. (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ)؛ لِإجْماعِ الصَّحابة ومَنْ بَعْدَهم عَلَيهِ. مسائلُ: إذا خلَّف بنتَ مُعتِقه وابنَ عمِّ مُعتِقِه؛ فَلا شَيءَ للبِنْت، وجميعُ المال لاِبنِ عمِّ المعتِق على الأُولَى، وعلى الثَّانية: للبِنت النِّصفُ، والباقِي لاِبْنِ العَمِّ. ولو خلَّف المعتَقُ بِنتَه وبِنتَ مُعتِقِه؛ فالمالُ كلُّه لاِبْنَتِه على الأُولى بالفَرْض والرَّدِّ، وعلى الثَّانية: لاِبْنَتِه النِّصفُ، ولاِبْنةِ مُعتِقِه النَّصفُ. ولو كان بَدَلَ بنتِ مُعتِقه أختُ مُعتِقه؛ فلا شيء لها قَولاً واحِدًا. (وَلَا يَرِثُ) بالوَلاء (ذُو فَرْضٍ)؛ كالأخ من الأمِّ والزَّوج إذا لم يكونا ابْنَيْ عمٍّ، (إِلاَّ الْأَبُ وَالْجَدُّ، يَرِثَانِ السُّدُسَ مَعَ الاِبْنِ)، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ جماعةٍ (١)؛ لأِنَّهما يَرِثانِ ذلك في غَيرِ الوَلاء، فكذا في الوَلاء. واختار أبو إسْحاقَ: سُقوطَهما مع ابنٍ، وهو قَولُ زَيدٍ (٢) وأكثرِ الفقهاء؛ لأِنَّ الاِبنَ أقْربُ العَصَبةِ، وهما يَرِثانِ معه بالفَرْض، ولا يَرِثُ بالولاء ذُو فَرْضٍ.
следующие страницы →