← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

ذكره في «الانتصار»، قال في «الفروع»: ويتوجَّه وَجْهٌ. (وَإِنْ قَالَ الْكَافِرُ لِرَجُلٍ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ المُسْلِمَ عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ، فَفَعَلَ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهُما في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»: أنَّه يَصِحُّ ويَعتِقُ؛ لأِنَّه يَمْلِكُه زَمَنًا يسيرًا، فاغْتُفِرَ هذا الضَّرَرُ اليسيرُ لأِجْلِ تحصيلِ الحُرِّيَّة للأبَدِ، وهو نَفْعٌ عظيمٌ؛ لأِنَّه يصيرُ متهيِّئًا للطَّاعات وإكْمالِ القُرُباتِ، وحِينَئِذٍ الوَلاءُ للكافر، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لظاهر الخَبَرِ. والثَّاني: لا يَصِحُّ ولا يَعتِقُ؛ لأِنَّه يَلزَمُ من الصِّحَّة ثُبوتُ الملك المقدَّر، وهو كالمحقَّق، وثبوتُ المحقَّق مَنفِيٌّ؛ لمَا فيه من الصَّغار، فكذلك ثُبوتُ ما يُشْبِهُه. وحكاهما في «الرِّعاية» رِوايَتَينِ. (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا يُبَايِنُهُ فِي دِينِهِ؛ فَلَهُ وَلَاؤُهُ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّه مُعتِقٌ، فيَدخُلُ في قَوله ﵇: «الوَلاءُ لمَنْ أَعْتَقَ» (٢)، وحِينَئِذٍ: يَثبُتُ الوَلاءُ للأنثى على الذَّكَر، وبالعَكْس. (وَهَلْ يَرِثُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): (إِحْدَاهُمَا: لَا يَرِثُ)، وهو قَولُ جمهور الفقهاء، قال في «المغْنِي»: وهو أصحُّ في الأَثَر والنَّظَر؛ لِخَبَرِ أُسامةَ: «لا يَرِثُ المسلِمُ الكافِرَ ولا الكافِرُ المسلِمَ» (٣)، ولأِنَّه مِيراثٌ، فَمَنَعَه (٤) اخْتِلافُ الدِّين؛ كمِيراثِ النَّسَبِ، والمِيراثُ بالنَّسب أقْوَى، فإذا مَنَعَ الأقْوَى؛ فالأضْعَفُ أَوْلَى.

стр. 4097

والثَّانيةُ: يَرِثُه، رُوِيَ عن عمرَ (١)، وعليٍّ (٢)، وغَيرِهما، واحْتَجَّ أحمدُ (٣) بقَولِ عليٍّ: «الوَلاءُ شُعْبةٌ من الرِّقِّ» (٤)، فلم يَضُرَّ تَبايُنُ الدِّين، بخِلافِ الإرْثِ بالنَّسب. (لَكِنْ)؛ أيْ: على الأُولَى: (إِنْ كَانَ لَهُ)؛ أيْ: للسَّيِّد (عَصَبَةٌ عَلَى دِينِ المُعْتَقِ)، بفَتْحِ التَّاء؛ (وَرِثَهُ)؛ أيْ: العَصَبةُ، أشْبَهَ ما لو كان الأقربُ من العَصَبة مُخالِفًا لدينِ الميِّت وَالأبْعَدُ على دِينِه. (وَإِنْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا)؛ أيْ: من السَّيِّد والمعتَق؛ (وَرِثَ المُعْتِقُ)، بكَسْرِ التَّاء، (رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّهما اجْتَمَعا على الإسلام، فتوارَثا؛ كالمتُناسِبَينِ؛ لزَوالِ المانِعِ.

стр. 4098

(فَصْلٌ) (وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلَاءِ إِلاَّ مَا أَعْتَقْنَ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ)، وأولادَهما، ومَنْ جَرُّوا وَلاءَه، (أَوْ كَاتَبْنَ، أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ)، هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، واخْتارَه الأكْثَرُ، ورُوِيَ عن عمرَ، وعُثْمانَ، وعليٍّ (١)، وغَيرِهم، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصرِهِم، فكان كالإجماع، وسَنَدُه: ما رَوَى عَمْرُو ابنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا قال: «مِيراثُ الوَلاءِ للكُبَرِ من الذُّكور، ولا يَرِثُ النِّساءُ من الوَلاء إلاَّ وَلاءَ مَنْ أعْتَقْنَ، أوْ أعْتَقَ مَنْ أعْتَقْنَ» (٢)، ولأِنَّ الوَلاءَ مُشَبَّهٌ (٣) بالنَّسَب، والمَوْلَى المعتَق من المَولى المنْعِمِ بمَنزِلةِ أخِيهِ أو عَمِّه، فَوَلَدُه من العَتيق بمَنزلةِ وَلَدِ أخِيهِ أوْ عَمِّه، ولا يَرِثُ منهم إلاَّ الذُّكورُ خاصَّةً، ويُستثنى منه: إلاَّ عتيقُ ابنِ مُلاعَنة، فإنَّ المُلاعَنَةَ تَرِثُه على المنصوص إنْ عُدِمَ الاِبْنُ (٤)، وقُلْنا: هي العَصَبَةُ، وإلاَّ عَصَبَتُها. (وَعَنْهُ فِي بِنْتِ المُعْتِقِ خَاصَّةً: تَرِثُ)، نَقَلَها أبو طالِبٍ (٥)، وَوَهَّمَه أبو بَكْرٍ

стр. 4099

في حكايتها عنه، واخْتارَها القاضِي وأصحابُه، وإلَيها مَيْلُ المجْدِ في «المنتقى»، واحتجَّ الإمامُ أحمدُ بما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ مَولًى لِحَمزةَ تُوُفِّيَ، وتَرَكَ ابْنَتَه وابنةَ حمزةَ، فأعْطَى النَّبيُّ ﷺ ابْنَتَه النِّصفَ، وابنةَ حمزةَ النِّصفَ» ورواهُ الدَّارِقُطْنِيُّ (١)، وقد رَوَى إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، ويحيى بنُ آدَمَ، وإسْحاقُ: أنَّ المَوْلَى كان لحمزةَ. واعْتُرِضَ عَلَيهِ: بأنَّ المَوْلَى كان لاِبْنةِ حمزةَ، قالَه أحمدُ في روايةِ ابنِ القاسِمِ، وسَأَلَه: هل كان الْمَوْلَى لِحمزةَ أوْ لاِبْنَتِه؟ فقال: لاِبْنَتِه (٢)، فقد نَصَّ على أنَّ ابْنةَ حمزةَ وَرِثَتْ بِولاءِ نَفْسِها؛ لأِنَّها هي المعتِقةُ، وصحَّحه في «الكافي» و «الشَّرح»، ويرشحه: ما رَوَى ابنُ ماجَهْ، عن محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ أبي لَيلى، عن الحَكَم، عن عبد الله بنِ شَدَّادٍ، عن بنتِ حمزةَ، وهي أُخْتُ ابنِ شَدَّادٍ لأِمِّه، قالت: «مات مَولايَ، وتَرَكَ ابْنَتَه، فَقَسَمَ النَّبيُّ ﷺ مالَه (٣)، فجَعَلَ لي النِّصفَ ولها النِّصفَ» (٤). ورُدَّ: بأنَّ ابنَ أبي لَيلى ضعيفٌ، ثُمَّ يَحتَمِلُ تعدُّدُ الواقِعة، فلا مُعارَضَةَ، ولو سُلِّمَ الاِتِّحادُ؛ فيَحتمِلُ أنَّه أُضِيفَ مَولَى الوالِدِ إلى الولد، بِناءً على أنَّ الوَلاءَ يَنتَقِلُ إليه، أوْ أنَّه يَرِثُ به. وعَنْهُ: أنَّها تَرِثُ مع عَدَمِ عَصَبةٍ. وعَنْهُ: تَرِثُ مع أخيها.

стр. 4100

فلو اشْتَرَى هو وأُخْتُه أباهما، فَعَتَقَ، ثُمَّ اشْتَرَى عبدًا وأعْتَقَه، ثُمَّ مات عَتِيقُه بَعْدَ أبيه؛ وَرِثَه ابْنُه لَا بِنتُه. وعلى الثَّانية: يَرِثانِه أثْلاثًا. فلو نَكَحَتْ عَتِيقَها وأحْبَلَها؛ فهي القائلةُ: إنْ ألِدْ أنثى فالنِّصفُ، وذَكَرًا الثُّمنُ، وإنْ لم أَلِدْ فالجميعُ. (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ)؛ لِإجْماعِ الصَّحابة ومَنْ بَعْدَهم عَلَيهِ. مسائلُ: إذا خلَّف بنتَ مُعتِقه وابنَ عمِّ مُعتِقِه؛ فَلا شَيءَ للبِنْت، وجميعُ المال لاِبنِ عمِّ المعتِق على الأُولَى، وعلى الثَّانية: للبِنت النِّصفُ، والباقِي لاِبْنِ العَمِّ. ولو خلَّف المعتَقُ بِنتَه وبِنتَ مُعتِقِه؛ فالمالُ كلُّه لاِبْنَتِه على الأُولى بالفَرْض والرَّدِّ، وعلى الثَّانية: لاِبْنَتِه النِّصفُ، ولاِبْنةِ مُعتِقِه النَّصفُ. ولو كان بَدَلَ بنتِ مُعتِقه أختُ مُعتِقه؛ فلا شيء لها قَولاً واحِدًا. (وَلَا يَرِثُ) بالوَلاء (ذُو فَرْضٍ)؛ كالأخ من الأمِّ والزَّوج إذا لم يكونا ابْنَيْ عمٍّ، (إِلاَّ الْأَبُ وَالْجَدُّ، يَرِثَانِ السُّدُسَ مَعَ الاِبْنِ)، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ جماعةٍ (١)؛ لأِنَّهما يَرِثانِ ذلك في غَيرِ الوَلاء، فكذا في الوَلاء. واختار أبو إسْحاقَ: سُقوطَهما مع ابنٍ، وهو قَولُ زَيدٍ (٢) وأكثرِ الفقهاء؛ لأِنَّ الاِبنَ أقْربُ العَصَبةِ، وهما يَرِثانِ معه بالفَرْض، ولا يَرِثُ بالولاء ذُو فَرْضٍ.

стр. 4101

وجَوابُه: بأنَّه عَصَبةُ وارِثٍ، فاسْتَحَقَّ من الوَلاء؛ كالأخَوَينِ، ولا نُسلِّم أنَّ الاِبنَ أقربُ من الأب، بل هُمَا فيه سَواءٌ، وكِلاهُما عَصَبةٌ لا يُسقِطُ أحدُهما الآخَرَ، بل يَتَفاضَلانِ في الميراث، فكذا في الإرْث بالوَلاء. وفي «الاِنتِصار» ربَّما (١) حَمَلْنا تَوريثَ أبٍ سُدسًا بفَرضٍ مع ابنٍ على روايةِ تَورِيثِ بنتِ المَولَى، فيَجِيءُ مِنْ هذا: أنَّه يَرِثُ قَرابةُ المَوْلَى بالوَلاءِ على نَحْوِ مِيراثِهم. (وَالْجَدُّ يَرِثُ الثُّلُثَ مَعَ الْإِخْوَةِ إِذَا كَانَ أَحَظَّ لَهُ)؛ أيْ: إذا زاد عددُ البَنِينَ على اثْنَينِ؛ لأِنَّه يَرِثُ ذلك معهم في غَيرِ الوَلاء، فكذا في الوَلاء. وإنْ (٢) خلَّف المعتِقُ أخاهُ وجَدَّه؛ فالوَلاءُ بَينَهما نِصْفانِ. وعن زَيدٍ: المالُ للأخ؛ لأِنَّه ابنُ الأب، والجَدُّ أَبُوهُ، والاِبْنُ أحقُّ من الأب. ومَنْ جَعَلَ الجَدَّ أبًا: وَرَّثَه وحده. وفي «المحرَّر» و «الفروع»: أنَّ الجَدَّ كأخٍ وإنْ كثُروا، قال في «التَّرغيب»: وهو أقْيَسُ، ويُعادُّ (٣) الإخْوةُ من الأَبَوَينِ الجَدَّ بالإخْوةِ من الأب، ثُمَّ يأخُذُون ما حَصَلَ لهم كالمِيراثِ. وقال ابنُ سُرَيجٍ: هو على عددِهم، ورُدَّ: بالمِيراث. ولا يُعتَدُّ بالأخَواتِ؛ لأِنَّهنَّ لا يَرِثْنَ مُنفَرِداتٍ، وكالأخوة من الأمِّ. وَوَلَدِ الأب إذا انْفَرَدْنَ مع الجَدِّ؛ كَوَلَدِ الأَبَوَينِ. مسائلُ: إذا خلَّف جدَّ مَولاهُ، وابنَ أخِي مَولاهُ؛ فالمالُ للجَدِّ في قَولِهم جميعًا،

стр. 4102

وكما لو خلَّف جَدَّ مَولاه وعمَّ مَولاهُ، فلو تَرَكَ جَدَّ أبِي مَولاهُ، وعَمَّ مَولاهُ؛ فهو للجَدِّ في قَولِ أهلِ العراق، وقال الشَّافِعِيُّ: هو للعَمِّ وبَنِيهِ وإنْ سَفَلُوا، دُونَ جَدِّ الأب (١). فَرْعٌ: لا يَرِثُ المَولى من أسْفَلَ مُعتِقَه في قَولِ عامَّتهم. وحُكِيَ عن شُرَيحٍ، وطاوُسٍ: أنَّهما وَرَّثاه؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ، حسَّنه التِّرْمِذِيُّ (٢)، ورُوِيَ ذلك عن عمرَ (٣). وعلى الأوَّل: لا يَعقِلُ عنه. (وَالْوَلَاءُ لَا يُورَثُ، وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ)، في قَولِ الأكثرِ؛ لأِنَّه ﵇ شبَّهه بالنَّسب (٤)، والنَّسب لا يُورَثُ، وإنَّما يُورَثُ به، ولأِنَّ الوَلاءَ إنَّما يَحصُلُ بإنْعامِ السَّيِّد على رقِيقِه بالعِتْقِ، وهذا المعْنَى لا يَنتَقِلُ عن المعِتْق (٥)، فكذا الوَلاءُ. (وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ)؛ أيْ: لا يَصِحُّ؛ لأِنَّه «﵊ نَهَى عن بَيعِ الوَلاء وهِبَتِه» (٦)، ولا يَجوزُ شِراؤه، ولا وَقْفُه، ولَا أنْ يَأْذَنَ لمَولاهُ، فيُوالِيَ مَنْ شاء. لكِنْ رَوَى سعيدٌ، عن سُفْيانَ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ: «أنَّ مَيمونةَ وَهَبَتْ

стр. 4103

وَلاءَ سُلَيمانَ بنِ يَسَارٍ لاِبْنِ عبَّاسٍ، وكان مُكاتَبًا» (١)، ورُوِيَ عنها أيضًا: «أنَّها وَهَبَتْ وَلاءَ مَوالِيها للعبَّاس» (٢)، وقال ابنُ جُرَيجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أَذِنْتُ لِمَولايَ أنْ يُوَالِيَ مَنْ شاء، فيَجُوزُ؟ قال: نَعَمْ (٣). وجَوابُه: ما سَبَقَ، وبأنَّه ﵇ قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ تَوَلَّى غَيرَ مَوالِيهِ» (٤) ولأِنَّه مَعْنًى يُورَثُ به، فلا يَنتَقِلُ عنه؛ كالقرابة. فَعَلَى هذا: لا يَنتَقِلُ الوَلاءُ عن المعتِق بمَوته، ولا يَرِثُه وَرَثَتُه، وإنَّما يَرِثُونَ المالَ به مع بَقائِه، وهو للمعتِقِ. (وَهُوَ لِلْكُبَرِ خَاصَّةً)؛ أيْ: أنَّه (٥) يَرِثُ بالوَلاء أقربُ عَصَبات السَّيِّد إلَيهِ يَومَ مات عَتِيقُه، لا يَومَ ماتَ السَّيِّدُ، هذا هو المخْتارُ للأصحاب، والمشهورُ من الرِّوَايَتَينِ، قال أحمدُ في روايةِ صالِحٍ: حديثُ عمرَ عن النَّبيِّ ﷺ : «ما أَحْرَزَ الوالِدُ والوَلَدُ فهو لِعَصَبَته مَنْ كانَ» يَرْوِيهِ عمرُو بنُ شُعَيبٍ (٦)، وقد رُوِيَ

стр. 4104

عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وزيدٍ، وابنِ مَسعودٍ، أنَّهم قالوا: «الوَلاءُ للكُبَرِ» (١)، فهذا الذي نذهب إليه، وهو قَولُ أكثرِ النَّاس (٢). قُلْتُ: وقد رواهُ سعيدٌ، ثَنا هُشَيمٌ، ثَنا أشْعَثُ بنُ سَوَّارٍ، عن الشَّعْبِيِّ: «أنَّ عُمَرَ، وعَلِيًّا، وزَيدًا، وابنَ مسعودٍ: جَعَلُوا الوَلاءَ للكُبَرِ» (٣). والثَّانيةُ، ونَقَلَها حنبلٌ وابنُ الحَكَمِ: أنَّ الوَلاءَ (٤) يُورَث كالمال (٥)، وقالَهُ جَمْعٌ من الصَّحابة (٦)، ومَعْناهُ: أنَّ مَنْ مَلَكَ شَيئًا في حَياتِه؛ فهو لِوَرَثَتِه، لكِنْ

стр. 4105

يَختَصُّ به العَصَبةُ. (فَإِذَا) - هذا تفريعٌ على المسألة ويُوْضِح (١) لَها - (مَاتَ المُعْتِقُ، وَخَلَّفَ عَتِيقَهُ وَابْنَيْنِ، فَمَاتَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ بَعْدَهُ عَنِ ابْنٍ، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ؛ فَالْمِيرَاثُ لاِبْنِ المُعْتِقِ)، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ أبي طالِبٍ (٢)؛ لأِنَّ ابنَ المعْتِقِ أقْرَبُ النَّاس إليه يَومَ ماتَ المعتِقُ، قال أحمدُ: قَولُه ﵇: «أَعْطِهِ أكْبرَ خُزاعَةَ» (٣) لَيسَ أكبرَهم سِنًّا، ولكِنه (٤) أقْربُهم إلى خُزاعةَ (٥).

стр. 4106

وعلى الثَّانية: هو بَينَهما نصفانِ؛ لأِنَّه لمَّا ماتَ الموْلَى المنْعِمُ؛ وَرِثَ ابْناهُ الوَلاءَ بَينَهما نِصفَينِ، فإذا مات أحدُهما؛ انتقل نصيبُه إلى ابنه. (وَإِنْ مَاتَ الاِبْنَانِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْمَوْلَى، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا ابْنًا، وَالآْخَرُ تِسْعَةً؛ فَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ)، نَصَّ عَلَيهِ (١)، (لِكُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُهُ)، لأِنَّ الجميعَ في القُرْب إلى السَّيِّد يَومَ مات العَتيقُ سَواءٌ. وعلى الأُخْرَى، ونَصَّ عَلَيها هنا في روايةِ بَكْرِ بنِ محمَّدٍ (٢): لاِبْنِ الاِبْن النِّصفُ إرْثًا عن أبيه، والنِّصفُ الآخَرُ على بَنِي الاِبْنِ الآخَرِ على تسعةٍ، وتَصِحُّ من ثَمانيةَ عَشَرَ. فَرْعٌ: إذا لم يُخلِّفْ عَصَبَةً مِنْ نَسَب مَولاهُ؛ فَمالُه لِمَولَى أُمِّه، ثُمَّ لأِقْرَبِ عَصَباتِه، فإذا انْقَرَضَ العَصَباتُ ومَوالِي عَصَباتِهم؛ فمالُه لِبَيتِ المالِ. (وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ وَأُخْتُهُ أَبَاهُمَا، أَوْ أَخَاهُمَا، فَعَتَقَ)؛ يَعْنِي: بالملْكِ، (ثُمَّ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ)؛ فمِيراثُه بَينَهما أثْلاثًا بالنَّسب، (ثُمَّ مَاتَ مَوْلَاهُ؛ وَرِثَهُ الرَّجُلُ)؛ لأِنَّه ابنُ المعتِقِ أوْ أخُوهُ، فَوَرِثَه بالنَّسَب، (دُونَ أُخْتِهِ)؛ لأِنَّها مَولاةُ المعتِقِ، وعَصَبةُ المعتَق مُقدَّمٌ على مَولاهُ. ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّه قال: سَأَلْتُ عنها سَبْعِينَ قاضِيًا من قُضاةِ العِراق فأَخْطَؤُوا فِيهَا. قال في «المستوعب»: وهذا مِمَّا لا خِلافَ فِيهِ، إلاَّ على ما نَقَلَه الخِرَقِيُّ في بِنتِ المعتِق خاصَّة، وحِينَئِذٍ إذا اشْتَرَيَا أباهما؛ كان مِيراثُ العَبْد بَينَهما أثْلاثًا. مسألةٌ: إذا خلَّف بنتَ مَولاهُ ومَولَى أبيه؛ فمالُه لبَيتِ المال؛ لأِنَّه ثَبَتَ

стр. 4107

عَلَيهِ الوَلاءُ من جِهَةِ مُباشَرَته العِتْقَ، فلم يَثْبُتْ عَلَيهِ بإعْتاقِ أبِيهِ (١). فائدةٌ: امرأةٌ حُرَّةٌ لا وَلاءَ عَلَيها، وأبواها رقيقانِ؛ فيُتصوَّرُ: إذا كانوا كُفَّارًا، فتُسلِمُ هي ويُسْبَى أبَوَاها، ويُسْتَرَقَّانِ، وإذا كان أبوها عبدًا تزوَّج بأمَةٍ على أنَّها حُرَّةٌ، فَوَلَدَتْها ثُمَّ ماتَتْ. (وَإِذَا مَاتَتِ الْمَرْأَةُ، وَخَلَّفَتِ ابْنَهَا، وَعَصَبَتَهَا) غَيرَه، (وَمَوْلَاهَا؛ فَوَلَاؤُهُ لاِبْنِهَا، وَعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهَا)؛ لِمَا رَوَى إبراهيمُ، قال: اخْتَصَمَ عليٌّ والزُّبَيرُ في مَولَى صَفِيَّةَ، فقال عليٌّ: «مَولى عمَّتي، وأنا أعْقِلُ عنه»، وقال الزُّبَيرُ: «مَوْلَى أُمِّي وَأَنَا أَرِثُه»، فَقَضَى عمرُ على عليٍّ بالعَقْلِ، وقَضَى للزُّبَيرِ بالمِيراث، رواهُ سعيدٌ واحتجَّ به أحمدُ (٢). وظاهِرُه: أنَّ الاِبْنَ لَيسَ من العَصَبة، وهو مُقْتَضَى كلامِ الأكْثَرِينَ، ومنهم مَنْ يَجعَلُه منها كالرِّواية الأخرى، يَقولُ: الوَلاءُ له، والعَقْلُ عَلَيهِ، فإنْ بادَ بَنُوها فولاؤه لِعَصَبَتها. ونَقَلَ عنه جعفرُ بنُ محمَّدٍ: ولاؤُه لِعَصبةِ بَنِيها (٣)، وهو مُوافِقٌ للوَلاءِ يُورَثُ، ثُمَّ لِعَصَبَةِ بَنِيها (٤)، وقِيلَ: لبَيتِ المال.

стр. 4108

ولم يُفرِّق الخِرَقِيُّ وابْنُ حَمْدانَ بَينَ الرَّجلِ والمرأةِ، والأكثرُ كالمتْنِ. قال في «الشَّرح»: أمَّا الرَّجُلُ المعتِقُ فإنَّه يَعقِلُ عن مُعتَقِه؛ لأِنَّه عَصَبةٌ من أهل العَقْل، ويَعقِلُ ابنُه وأبوهُ؛ لأِنَّهما مِنْ عَصَباتِه وعَشِيرتِه، فلا يُلحَقُ ابْنُه (١) من (٢) نَفْيِ العَقْلِ بابْنِ المرأة؛ لأِنَّها لا تَعقِلُ ابْنَها.

стр. 4109

(فَصْلٌ فِي جَرِّ الْوَلَاءِ) (كُلُّ مَنْ بَاشَرَ الْعِتْقَ، أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ) لِسَبَبٍ مِنْ الأسباب؛ (لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ بِحَالٍ)؛ لقَوله ﵇: «الوَلاءُ لمَنْ أَعْتَقَ» (١)، ولأِنَّ غَيرَه لَيس مِثلَه في النِّعمة، ولأِنَّ مُقتَضَى الدَّليلِ أنْ لا يَنتَقِلَ حقٌّ عن (٢) مُستَحِقِّه، خُولِفَ فِيمَن اشْتَرَى أبَا مَنْ عليه الوَلاءُ تَبَعًا لأُمِّهم، فيَبقَى ما عَداهُ على مُقتَضَى الأصلِ. (فَأَمَّا إِنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ مُعْتَقَةً فَأَوْلَدَهَا)؛ فَوَلَدُه منها أحْرارٌ، (وَوَلَاءُ وَلَدِهَا لِمَوَالِي أُمِّهِ)؛ لأِنَّهم سببُ الإنْعام على الوَلَد؛ لكَونِه انْعَتَقَ بعِتْقِ أُمِّه. (فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ سَيِّدُهُ؛ انْجَرَّ وَلَاءُ وَلَدِهِ (٣) إِلَيْهِ)، أيْ: إلى مُعتِق العَبْد في قَولِ الجُمْهور من الصَّحابة ومَن بَعْدَهم؛ لِمَا رَوَى عبدُ الرَّحمن عن الزُّبَيرِ: «أنَّه لَمَّا قَدِمَ خَيبَرَ رأى فِتْيةً لُعْسًا (٤)، فأعْجَبَه ظرفُهم وجَمالُهم، فسأل عنهم، فقيل: مَوالِي رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، وأبُوهُم مَمْلوكٌ لآِلِ الحُرَقَة، فاشْتَرَى الزُّبَيرُ أباهم فأعْتَقَه، وقال لأِوْلادِه: انْتَسِبُوا إليَّ، فإنَّ ولاءَكم لي، فقال رافِعٌ: بل هُوَ لِي، فإنَّهم عَتَقُوا بعِتْقِ أُمِّهم، فاحْتَكَمُوا إلى عُثْمانَ، فَقَضَى بالوَلاء للزُّبَير» (٥)، وأجْمَعَت عَلَيهِ الصَّحابةُ، ولأِنَّ الأبَ لمَّا كان مملوكًا؛ لم يَصلُحْ

стр. 4110

وارِثًا ولا ولِيًّا في نكاحٍ، فكان كولد الملاعَنَة، يَنقطِعُ نَسَبُه عن أبيه، فثَبَتَ الوَلاءُ لموْلَى أُمِّه، وانْتَسَبَ إلَيها، فإذا عَتَقَ العبدُ صَلَحَ للانْتِساب، وعاد وارِثًا ولِيًّا، فعادت النِّسبةُ إليه وإلى مَوالِيهِ، كما لو اسْتَلْحَقَ الملاعِنُ وَلَدَه. فائدةٌ: اللَّعَسُ (١): سَوادٌ في الشَّفَتَينِ تَستَحْسِنُه العربُ، ومِثلُه اللَّمْياء، قال ذُو الرُّمَّة (٢): لَمْياءُ في شَفَتَيها حُوَّةٌ لَعَسٌ (٣) … وفي اللِّثَات (٤) وفي أنْيابِها شَنَبُ (وَلَا يَعُودُ إِلَى مَوَالِي الأُمِّ بِحَالٍ)؛ أي: إذا انجرَّ الوَلاءُ إلى مَوالِي الأب، ثمَّ انْقَرَضُوا؛ عاد الوَلاءُ إلى بَيتِ المال، ولم يَعُدْ إلى مَوالِي الأمِّ بحالٍ، في قَولِ أكثرِهم، وعن ابن عبَّاسٍ خِلافُه (٥). والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ الوَلاءَ يَجرِي مَجرَى الاِنتِسابِ، ولو انْقَرضَ الأبُ وآباؤه لم يَعُد النَّسَبُ إلى الأمِّ، فكذا الوَلاءُ، فعليه: لو وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِ الأبِ؛ كان ولاءُ ولدها لَموْلَى أبيه بغَيرِ خِلافٍ (٦)، فإنْ نفاه باللِّعان؛ عاد ولاؤه لموالِي الأمِّ، فإنْ عاد فاسْتَلْحَقَه؛ عاد الوَلاءُ إلى مَوالِي الأبِ. فَرْعٌ: حُكمُ المكاتَب يتزوَّج في كتابته، فيُولَد له ثُمَّ يَعتِقُ؛ حُكْمُ القِنِّ في جرِّ الوَلاء، وكذا المدبَّرُ والمعلَّقُ عِتْقُه بصفةٍ؛ لأِنَّهم عَبِيدٌ.

стр. 4111

أصلٌ: اعْلَمْ أنَّه لا يَنْجَرُّ الوَلاءُ إلاَّ بِشُروطٍ ثلاثةٍ: أحدها: أنْ يكونَ الأبُ عبدًا حِينَ الولادة، فإنْ كان حُرًّا، وزَوجتُه مَولاةً، فإنْ كان حرَّ الأصل؛ فلا وَلاءَ على وَلَدِه بحالٍ، وإنْ كان مَولًى؛ ثَبَتَ الوَلاءُ على وَلَدِه لِمَوالِيهِ أبدًا، ولا جَرَّ فيه. الثَّاني: أنْ تكونَ الأمُّ مَولاةً، فإنْ لم تكن (١) كذلك، فإنْ كانَتْ حُرَّةَ الأصل؛ فلا ولاءَ على وَلَدِها بحالٍ، وهم أحرارٌ بحُرِّيَّتها، وإنْ كانَتْ أَمَةً؛ فَوَلَدُها رقيقٌ لِسيِّدها، فإنْ أعْتَقَهم؛ فَولاؤهم له مُطلَقًا، لا يَنجَرُّ عنه بحالٍ. الثَّالِثُ: أنْ يُعتِقَ العبدَ سيِّدُه، فإنْ مات على الرِّقِّ؛ لم يَنجَرَّ الوَلاءُ بحالٍ. فإن اخْتَلَف سيِّدُ العبد ومَوْلَى الأمِّ في العبد بَعْدَ مَوتِه، فقال سيِّدُه: مات حُرًّا بَعْدَ جَرِّ الوَلاء، وأنكر ذلك مَولَى الأمِّ، قُبِلَ قَولُه؛ لأِنَّ الأصلَ بقاءُ الرِّقِّ، ذَكَرَه أبو بَكْرٍ. (وَإِنْ أُعْتِقَ الْجَدُّ) قَبلَه؛ (لَمْ يَجُرَّ وَلَاءَهُمْ (٢) فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، قال أحمدُ: الجَدُّ لا يَجُرُّ الوَلاءَ، لَيس هو كالأب (٣)، ولأِنَّ الأصلَ بقاءُ الوَلاء لِمُستَحِقِّه، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصل؛ للاِتِّفاق على أنَّه يَنجَرُّ بعِتْقِ الأب، والجَدُّ لا يُساوِيهِ، بدليلِ أنَّه لو أُعتق الأبُ بَعْدَ الجَدِّ؛ جرَّه عن مَولَى الجَدِّ إلَيهِ، ولأِنَّه لو أسْلَمَ الجَدُّ لم يَتبَعْه وَلَدُ وَلَدِه، ولأِنَّ الجَدَّ يُدلِي بغَيرِه، ولا يَستَقِرُّ الوَلاءُ عَلَيهِ، فلم يَجُرَّ الوَلاءَ؛ كالأخ. (وَعَنْهُ: يَجُرُّهُ)؛ أيْ: إلى مَولاهُ بكلِّ حالٍ، وهو قَولُ أهلِ المدينة. فإنْ أُعْتِق الأبُ بَعْدَ ذلك؛ جرَّه عن مَوالِي الجَدِّ إليه؛ لأِنَّ الجَدَّ يَقومُ مَقامَ

стр. 4112

الأب في التَّعْصِيبِ وأحْكامِ النَّسب، فكذا في جَرِّ الوَلاء، وعَلَيها: لا فَرْقَ بَينَ القريب والبعيد؛ لأِنَّ البعيدَ يقومُ مَقامَ الأب؛ كالقريب. وعنه: إنْ عَتَقَ والأبُ ميِّتٌ؛ جَرَّ الوَلاءَ، وإنْ عَتَقَ والأبُ حيٌّ؛ فلا، سَواءٌ عَتَقَ الأبُ أوْ ماتِ قِنًّا، ذَكَرَها الخَلاَّلُ. فَرْعٌ: إذا تزوَّج مُعتَقٌ بمُعتَقةٍ، فأوْلَدَها وَلَدَينِ؛ فولاؤهما لموالي أبِيهِما، فإنْ نَفاهُما باللِّعان؛ عاد الولاءُ إلى مَوالِي أمِّهما، فإنْ ماتَ أحدُهما؛ فمِيراثُه لأُمِّه ومَوالِيها، فإنْ أكْذَبَ أبوهما نَفْسَه؛ لَحِقَه نَسَبُهما، واسْتَرْجَعَ المِيراثَ من مَولَى الأمِّ. (وَإِنِ اشْتَرَى الاِبْنُ أَبَاهُ؛ عَتَقَ عَلَيْهِ) بالملْك (١)؛ للخَبَر (٢)، (وَلَهُ وَلَاؤُهُ)؛ لأِنَّه عَتَقَ عَلَيهِ بسبَبِ شِرائِه، فكان له الوَلاءُ، كما لو باشَرَه بالعِتْق، (وَوَلَاءُ إِخْوَتِهِ)؛ لأِنَّهم تَبَعٌ لأِبِيهم، (وَيَبْقَى وَلَاؤُهُ لِمَوْلَى أُمِّهِ) في قَولِ جُمهور الفقهاء؛ (لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهِ). وشَذَّ عَمْرُو بنُ دِينارٍ فقال: يَجُرُّه، وهو بعيدٌ؛ لأِنَّه يؤدِّي إلى أنْ يكونَ

стр. 4113

الوَلاءُ ثابِتًا على أَبَوَيهِ دُونَه، مع كَونِه مولودًا لهما في حالة رِقِّهما، وليس لنا مثلُ هذا في الأصول، ولا يُمكِنُ أنْ يكونَ مَولَى نفسِه يَعقِلُ عنها ويَرِثُها ويُزَوِّجُها. (وَإِنِ اشْتَرَى الْوَلَدُ عَبْدًا، فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى الْعَتِيقُ أَبَا مُعْتِقِهِ، فَأَعْتَقَهُ؛ ثَبَتَ لَهُ وَلَاؤُهُ)؛ أيْ: فإنَّه يَجُرُّ وَلاءَ سيِّده، فيكونُ لهذا الوَلَدِ على مُعتَقِه الولاءُ بإعْتاقِه إيَّاه، (وَجَرَّ وَلَاءَ مُعْتِقِهِ)؛ أيْ: وللعَتيق وَلاءُ مُعتِقه بِوَلائه على أبَوَيهِ، (وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَى الآْخَرِ)؛ لأِنَّ الوَلَدَ مَولَى المعتَق؛ لأِنَّه أعْتَقَه، والمعتَقَ مَولَى الوَلَدِ؛ لأِنَّه أعْتَقَ أباهُ، وشَرْطُه أنْ يكونَ الوَلَدُ من مُعتقه؛ لِيَنجَرَّ الوَلاءُ إلى المعتِقِ بشِراء أبِيهِ، فلو كانت حُرَّةَ الأصل، لم يكُنْ عَلَيهِ وَلاءٌ لأِحَدٍ. (وَمِثْلُهُ: لَوْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدًا، ثُمَّ سَبَى الْعَبْدُ مُعْتِقَهُ)؛ أيْ: أَسَرَ سيِّدَه، (فَأَعْتَقَهُ؛ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَاءُ صَاحِبِهِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُنْعِمٌ على الآخَر بخَلاصِ رَقَبتِه من الرِّقِّ. فإنْ سَبَى المسلِمونَ العتيقَ الأوَّلَ؛ فَرَقَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ؛ فولاؤه لمُعْتِقِه ثانِيًا، وقِيلَ: للأوَّل، وقِيلَ: لهما. فَعَلَى الأوَّل، وهو الأصح: لا يَنجَرُّ ما كان للأوَّل قَبْلَ الرِّقِّ مِنْ وَلاءِ وَلَدٍ، أوْ عتيقٍ، إلى الأخير، وكذا عَتِيقُ ذِمِّيٍّ، وقِيلَ: أوْ مسلِمٍ. مسائلُ: الأولى: إذا تزوَّج ولدُ المعتَقة بمعتَقةٍ، فأوْلَدَها، فاشْتَرَى جَدَّه؛ عَتَقَ عَلَيهِ، وله ولاؤه، وولاءُ أبِيهِ، وسائرُ أوْلادِ جَدِّه، وولاءُ المشْتَرِي لِموْلَى أُمِّ أبِيهِ في قَولِ الجُمهور. الثَّانيةُ: إذا تزوَّج عبدٌ بمعتَقةٍ، فأوْلَدَها، فتزوَّج الولَدُ بمعْتَقَة رَجُلٍ، فأوْلَدَها؛ فولاءُ هذا لِموْلَى أمِّ أبِيهِ في وَجْهٍ؛ لأِنَّ له الوَلاءَ على أبِيهِ، فكان له

стр. 4114

عَلَيهِ، كما لو كان مَولَى جَدِّه. وفي آخَرَ: ولاؤه لِموْلَى أمِّه؛ لأِنَّ الوَلاءَ الثَّابِتَ على أبِيهِ من جِهَةِ أمِّه، ومِثْلُ ذلك ثابِتٌ في حقِّ نفسه. الثَّالثةُ: تزوَّج مُعتَقٌ بمعتَقَةٍ، فأوْلَدَها بنتًا، وتزوَّج عبدٌ بمعتَقَةٍ، فأوْلَدَها ابْنًا، فتزوَّج هذا الوَلَدُ ببنتِ المعتَقَتينِ (١)، فأوْلَدَها وَلَدًا؛ فولاءُ وَلَدِها لمولَى أمِّ أبِيهِ؛ لأِنَّ له الوَلاءَ على أبيه. فإنْ تزوَّجت البنتُ المذكورةُ بِمَمْلوكٍ؛ فولاءُ ولدِها لمولَى أبِيهِا؛ لأِنَّ وَلاءَها له، فإنْ كان أبوها (٢) ابنَ مملوكٍ ومعتقة؛ فالوَلاءُ لموْلَى أمِّ أبِي الأمِّ على الوَجْه الأوَّلِ؛ لأِنَّ مَولَى أمِّ أبِي الأمِّ يَثبُتُ له الولاءُ على أبي الأمِّ مُقدَّمًا على أمِّها (٣)، وثَبَتَ له الوَلاءُ عليها.

стр. 4115

(فَصْلٌ فِي دَوْرِ الْوَلَاءِ) مَعْنَى دَوْرِ الوَلاء: أنْ يَخرُجَ من مال ميِّتٍ قِسْطٌ إلى مال ميِّتٍ آخَرَ بحُكمِ الوَلاء، ثُمَّ يَرجِعُ من ذلك القِسْطِ جُزْءٌ إلى الميت الآخَرِ بحُكْمِ الوَلاء أيضًا، فيكونُ هذا الجزءُ الرَّاجِع قد دار بَينَهما. واعْلَمْ: أنَّه لا يَقَعُ الدَّورُ في مسألةٍ حتَّى يَجتَمِعَ فِيها شُروطٌ: أنْ يكونَ المعتَقُ اثْنَينِ فصاعِدًا. وأنْ يموتَ في مسألةٍ اثْنانِ فصاعِدًا. وأنْ يكونَ الباقِي (١) منهما يَحُوزُ إرْثَ الميِّت. (إِذَا اشْتَرَى ابْنُ وَبِنْتُ مُعْتَقَةٍ أَبَاهُمَا (٢)؛ فَعَتَقَ عَلَيْهِمَا)؛ لأِنَّه ذُو رَحِمٍ محرمٍ، (وَصَارَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ عَتَقَ عَلَيهِ نِصفُه، (وَجَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ وَلَاءِ صَاحِبِهِ)؛ لأِنَّ وَلاءَ الوَلَدِ تابِعٌ لِوَلاءِ الوالِدِ، (وَيَبْقَى نِصْفُهُ لِمَوْلَى أُمِّهِ)؛ لأِنَّ الشَّخصَ لا يَجُرُّ وَلاءَ نَفْسِه. (فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ؛ وَرِثَاهُ أَثْلَاثًا)؛ لأِنَّ مِيراثَ النَّسَب مُقدَّمٌ على الوَلاءِ، ومِيراثُ النَّسب للذَّكر مِثْلُ حظِّ الأُنْثَيَينِ. (وَإِنْ مَاتَتِ الْبِنْتُ بَعْدَهُ؛ وَرِثَهَا أَخُوهَا بِالنَّسَبِ)، ومِيراثُ الأخِ من الأخت بالنَّسِب ظاهِرٌ، (ثُمَّ إِذَا مَاتَ أَخُوهَا؛ فَمَالُهُ لِمَوَالِي أُمِّهِ)؛ لأِنَّه لا مُنَاسِبَ له، (وَهُمْ أُخْتُهُ وَمَوَالِي أُمِّهِ؛ فَلِمَوَالِي أُمِّهِ النِّصْفُ، وَالنِّصْفُ الآْخَرُ لِمَوَالِي أُخْتِهِ)؛ لأِنَّ الوَلاءَ بَينَهما نِصْفانِ، (وَهُمْ أَخُوهَا وَمَوَالِي أُمِّهَا، فَلِمَوَالِي أُمِّهَا نِصْفُ ذَلِكَ، وَهُوَ الرُّبُعُ)؛ لأِنَّ وَلاءَ الأخت بَينَ الأخ ومَوَالِي الأخت نصفانِ، (يَبْقَى الرُّبُعُ، وَهُوَ الْجُزْءُ الدَّائِرُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْأَخِ، وَعَادَ إِلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ):

стр. 4116

(أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِمَوَالِي (١) الْأُمِّ)، قال أبو عبد الله الوَنِّيُّ: هو قِياسُ قَولِ أحمدَ، قال في «الشَّرح» وهو قَولُ الجُمهور، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ مُقْتَضَى كَونِه دائِرًا أنْ يَدُورَ أبدًا، وفي كلِّ دَورةٍ يَصِيرُ لمولَى الأمِّ نصفُه، ولا يَزالُ كذلك حتَّى يَنفُذَ كلُّه إلى مَوالِي الأمِّ. (وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ)، قاله القاضي، وقِياسُ قَولِ أكثرِهم، (لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ)؛ أي: مُعَيَّنٌ. وقِيلَ: يُرَدُّ على سِهامِ الموالي أثْلاثًا، لمَوَالِي أمِّه الثُّلُثانِ، ولمَوالِي أُمِّها الثُّلثُ. فإنْ كانت المسألةُ بحالها، إلاَّ أنَّ مَكانَ الاِبْنِ بنتٌ، فاشْتَرَتْ أباها؛ عَتَقَ عَلَيها، وجَرَّ وَلاءَ أُخْتِها، فإذا ماتَ الأبُ؛ فِلابْنتَيهِ الثُّلُثانِ بالنَّسب، والباقِي لمُعتِقِه بالوَلاء. فإنْ ماتت البنتُ التي لم تَشْتَرِهِ بَعْدَ ذلك؛ فمالُها لِأُخْتِها (٢)؛ نصفُه بالنَّسب، ونصفُه بأنَّها مَولاةُ أبِيها، ولو ماتت التي اشْتَرَتْه فلأُخْتِها (٣) النِّصفُ، والباقي لِمَوالِي أمِّها. فإن اشْتَرَت البنتانِ أباهما؛ عَتَقَ عَلَيهما، وجرَّ كلُّ واحِدٍ منهما نصفَ ولاءِ صاحبه، فإنْ مات الأبُ؛ وَرِثَه ابْنَتاهُ بالنسب والوَلاء. فإنْ ماتَتْ إحداهما بَعْدَ ذلك؛ فلأخْتها النِّصفُ بالنَّسب، ونصفُ الباقِي بما جرَّ الأبُ إليها من وَلاء نصفِها، [فإنْ ماتَتْ إحداهما قَبْلَ الأب، ثمَّ مات الأبُ] (٤)، فصار لها ثلاثةُ أرباع المال، والرُّبعُ الباقي لِمَوالِي أُمِّها. فإنْ ماتَتْ إحداهما قَبلَ أبيها؛ فمالُها له، ثُمَّ إذا مات الأبُ؛ فللباقِيَةِ

стр. 4117

نصفُ مِيراثِ أبيها؛ لأِنَّها بِنتُه، ونصفُ الباقِي، وهو الرُّبعُ؛ لأِنَّها مَولاةٌ (١)، يَبقَى الرُّبعُ لموالِي البنت التي ماتَتْ قَبلَه. فإنْ ماتَت الباقيةُ بَعْدَهما (٢)؛ فمالُها لموَالِيها، نصفُه لموالِي أمِّها، ونصفُه لموالِي (٣) أخْتِها الميتةِ، وهم أُخْتُها ومَوالِي أمِّها؛ فنصفُه لموالِي (٤) أمِّها، وهو الرُّبعُ، والرُّبعُ الباقِي يَرجِعُ إلى هذه الميتةِ، فهذا الجُزءُ دائِرٌ؛ لأِنَّه خَرَجَ من هذه الميتةِ، ثُمَّ دارَ إلَيها، ففيه الوَجْهانِ السَّابِقانِ.

стр. 4118

(كِتَابُ الْعِتْقِ) وهو لغةً: الخُلُوصُ، ومِنهُ عِتاقُ الخَيلِ والطَّير؛ أيْ: خالِصُها، وسُمِّيَ به البَيتُ الحرامُ؛ لِخُلوصِه من أيْدِي الجَبابِرةِ. وفي الشَّرع: تحريرُ الرَّقبة وتَخْليصُها من الرِّقِّ، وخُصَّت به الرَّقَبةُ وإنْ تَناوَلَ العِتقُ الجميعَ؛ لأِنَّ ملْكَ السَّيِّد له كالغُلِّ المانِعِ له من الخروج، فإذا أُعْتِقَ؛ فكأنَّ رَقَبَته أُطْلِقَت من ذلك. يُقالُ: عَتَقَ العبدُ، وأَعْتَقْتُه أنا؛ فهو عَتِيقٌ، ومُعْتَقٌ، وهم عُتَقاءُ، وأَمَةٌ عَتِيقٌ وعَتِيقةٌ، وإِماءٌ عَتَائِقُ وعُتَّقٌ، بمَعْنى (١): فاعِلٍ لا مَفعولٍ؛ لأِنَّه لا يُقالُ: عَتَقَ العبدُ، فهو مَعْتُوقٌ، وقِيلَ: تَسمِيَتُه مَعْتوقًا لَحْنٌ، وقِيلَ: لا. والإجماعُ على صحَّته، وحُصول القُربةِ به (٢)، وسَنَدُه قَولُه تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] و ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البَلَد: ١٣]، وقَولُه ﵇: «مَنْ أعْتَقَ امْرَأً مُسلِمًا؛ اسْتَنقَذَ اللهُ بكلِّ عُضْوٍ منه عُضْوًا منه من النَّار» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ من حديثِ أبي هُرَيرةَ (٣). (وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ) وأعْظَمِها؛ لأِنَّه تعالى جَعَلَه كفَّارةً للقَتْل، والظِّهار، والوَطْء في رَمَضانِ، والأَيمانِ، وجَعَلَه ﵇ فَكاكًا لمعتِقه من النَّار، ولأِنَّ فيه تخليصَ الآدَمِيِّ المعصومِ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ، وملْكِ نفسِه ومنافِعِه، وتَكميلَ أحكامِه، وتمكينَه من التَّصرُّف في نَفْسِه ومَنافِعِه على حَسَبِ إرادته واخْتِيارِه. وفي «التَّبصرة»: هو أحبُّها إلى الله تعالى.

стр. 4119

وأفْضَلُ الرِّقاب: أنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها، وأغْلاهَا ثَمَنًا، نَقَلَه الجماعةُ (١)، فظاهِرُه: ولو كافِرةً، ويُثابُ على عِتْقِه، قال في «الفنون»: لا يَختَلِفُ النَّاس فيه، واحتجَّ به، وبِرِقِّ الذُّرِّيَّة على أنِّ الرِّقَّ لَيسَ بِعُقوبةٍ، بل محنةٌ وبَلْوَى. فائدةٌ: الأفضلُ عِتْقُ ذَكَرٍ. وعنه: أُنْثَى لأِنثى. وعنه: أَمَتَينِ؛ كعِتْقِه رجلاً، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: وتَزويجُه بها (٢). ويَصِحُّ مِمَّنْ تَصِحُّ وصِيَّتُه، وعنه: وَهِبَتُه. (وَالمُسْتَحَبُّ: عِتْقُ مَنْ لَهُ كَسْبٌ)، فيَسْتَغْنِي (٣) به؛ أيْ: يجد ما ينفق عليه، فلا يبقى عَيلة ولا محتاجًا. (فَأَمَّا مَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ وَلَا كَسْبَ؛ فَلَا يُسْتَحَبُّ عِتْقُهُ، وَلَا كِتَابَتُهُ) هذا روايةٌ، وهو المذهَبُ؛ لأِنَّه يَتضرَّرُ بفَواتِ نَفَقَتِه الواجبةِ له، وصار كَلًّا على النَّاس. وعنه: يُستَحَبُّ، قال ابنُ حَمدانَ: ويُحملُ بِوُجوبِ نَفَقَتِه عليه (٤). وعنه: يُكرَه (٥) كِتابَتُه. وعنه: الأنثى لِخَوفِ محرَّمٍ؛ كقَطعِ طَريقٍ، أوْ جاريةٍ يُخافُ عَلَيها الزِّنى والفَسادُ، فإنْ ظُنَّ إفْضاؤه إليه؛ حَرُمَ، ويَصِحُّ عِتْقُه، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح»، قال في «الفروع»: ويتوجَّهُ؛ كَمَنْ باع أو اشْتَرَى (٦) بقَصْدِ (٧) الحَرامِ.

стр. 4120

(وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ)، فلو قال: أنت حرٌّ في هذا الزَّمان أو المكان؛ عَتَقَ مطلَقًا، (وَالْمِلْكِ)، وسيأتِي، قال في «الكافي»: والاِسْتِيلادِ. ولا يَحصُلُ بالنِّيَّة المجرَّدة في ظاهِرِ كلامِه؛ لأِنَّه إزالةُ ملكٍ، فكان كالطَّلاق. (فَأَمَّا الْقَوْلُ؛ فَصَرِيحُهُ: لَفْظُ الْعِتْقِ، وَالْحُرِّيَّةِ)؛ لأِنَّه إزالةُ ملْكٍ، فانْقَسَمَ إلى صريحٍ وكِنايةٍ كالطَّلاق، ولأِنَّهما لَفْظانِ وَرَدَا في الكتاب والسُّنَّة، فَوَجَبَ اعْتِبارُهما، (كَيْفَ صُرِّفَا)، وكذا في «المحرَّر» و «الوجيز»، والمرادُ به غَيرُ مُضارِعٍ؛ لأِنَّه وَعْدٌ، وأَمْرٍ؛ لأِنَّه لا يَصلُحُ للإنشاء، ولا هو خبرٌ فيؤاخَذَ به. وعنه: يُعتبَرُ مع ذلك نيةُ وُقوعه كالكِناية. فلو قال لاِمرأةٍ لا يَعرِفُها: تَنَحَّيْ يا حُرَّةُ، فإذا هي أَمَتُه؛ عَتَقَتْ. وعنه (١). قال السَّامَرِّيُّ: وأصلُ ذلك الرِّوايَتانِ في اعْتِبارِ النِّيَّة في صريحِ العِتْقِ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح» و «الفروع»: أنَّ الرَّجُلَ إذا قال: عَبْدِي حُرٌّ، يُرِيدُ عِفَّتَه وكَرَمَ خُلُقِه؛ أنَّه لا يَعتِقُ في ظاهر المذهَبِ. ونَقَلَ حنبلٌ: سُئِلَ أبو عبد الله عن رجلٍ قال لِعَبْده: أنت حُرٌّ، وهو يعاتِبُه، قال: إذا كان لا يريد أنْ يُعْتِقَ؛ رَجَوتُ أنْ لا يَعتِقَ، وأنا أهابُ المسألة (٢)؛ لأِنَّه نَوَى بكلامه ما يَحتَمِلُه، فانْصرَفَ إليه، وإنْ طَلَبَ اسْتِحْلافَه حَلَفَ (٣). وظاهِرُ كلامِهم: أنَّه يَعتِقُ ولو كان هازِلاً، لا مِنْ نائمٍ ونحوِه. (وَكِنَايَتُهُ نَحْوَ: خَلَّيْتُكَ، وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، وَنَحْوُها)؛ كقَولِه: أطلقْتُك، وحبلُك على غارِبِك، فهذا إنْ نَوَى به العِتْقَ؛ عَتَقَ، وإلاَّ

стр. 4121

فلا؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ غَيرَه، فلم يَرِدْ به كتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا عُرْفُ اسْتِعْمالٍ، وفي «التَّبصرة»: أوْ دلالةُ حالٍ؛ لأِنَّ فيه مَعْنَى الإزالة، فجاز أنْ يُكَنَّى به عن العتق؛ كالطَّلاق. (وَفِي قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ، وَلَا سُلْطَانَ، وَلَا مِلْكَ)، ولا خِدمةَ (لِي عَلَيْكَ، وَلَا رِقَّ لِي عَلَيْكَ، وَفَكَكْتُ رَقَبَتَكَ، وَأَنْتَ مَوْلَايَ، وَأَنْتَ لِلهِ، وَأَنْتَ سَائِبَةٌ؛ رِوَايَتَانِ)، كذا في «الكافي» و «المحرَّر» و «الفروع»: (إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ صَرِيحٌ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه يَتَضَمَّنُ العِتْقَ، وقد وَرَدَ في قَوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البَلَد: ١٣]؛ يَعْنِي: العتقَ، فكانَتْ صريحةً؛ كالعتق. (وَالْأُخْرَى: كِنَايَةٌ)، صحَّحها السَّامَرِّيُّ، وهي الأشْهَرُ؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ غَيرَ العتق. وقد ذَكَرَ القاضي وأبو الخَطَّاب الرِّوايَتَينِ في قَولِه: لا سُلْطانَ لي عَلَيكَ، ولا سبيلَ لي عَلَيك. قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ أنَّهما كِنايةٌ. وظاهِرُ «الواضح»: وَهَبْتُك لله؛ صريحٌ، وسوَّى القاضِي بَينَها وبَينَ: أنت لله، وفي «الموجز»: هي ورَفَعْتُ يَدِي عنك إلى الله؛ كنايةٌ. (وَفِي قَوْلِهِ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ)، لَيسَ بصريحٍ اتِّفاقًا، وفيه (رِوَايَتَانِ): (إِحْدَاهُمَا: كِنَايَةٌ)، جَزَمَ بها في «الوجيز»، وصحَّحها في «الشَّرح» في: أنتِ حرامٌ؛ كقَولِه: لا سَبيلَ لي عَلَيكِ. (وَالْأُخْرَى: لَا تَعْتِقُ وَإِنْ نَوَى)؛ لأِنَّ الرِّقَّ ملكٌ لا يُستَدْرَكُ بالرَّجْعة، فلم يَزُلْ بما ذُكِرَ؛ كملك بقيَّة المال. وحاصِلُه: أنَّه إذا قال لِأَمَتِه: أنتِ طالِقٌ، يَنوِي به العِتْقَ؛ أنَّها لا تَعتِقُ؛

стр. 4122

لأِنَّ الطَّلاقَ لفظٌ وُضِعَ لإزالةِ الملك عن المنفعة، فلم يَزُلْ به الملْكُ عن الرَّقَبة؛ كفَسْخِ الإجارة، وكما لو قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي. وعنه: كنايةٌ، يَعتِقُ به إنْ نَوَى؛ لأِنَّ الرِّقَّ أحدُ الملْكَينِ على الآدَمِيِّ، فيَزولُ بلَفْظِ الطَّلاق كالآخَرِ، وكالحُرِّيَّة في إزالة النِّكاح. وعنه: لا تَطلُقُ إذا أضافَ إليها الحُرِّيَّةَ. (وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ: أَنْتَ (١) ابْنِي؛ لَمْ يَعْتِقْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي)؛ كقَولِه لمَنْ لا يُمكِنُ كَونُه منه: أنتَ ابْنِي، في الأصحِّ؛ كقوله: أعْتَقْتُكَ، أو أنت حُرٌّ مِنْ ألْفِ سنةٍ، وفي «الانتصار»: إنْ قالَ لأُمَتِه: أنْت ابْنِي، ولِعَبْدِه: أنْت بنتي (٢). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَعْتِقَ)، هذا وَجْهٌ، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّه اعْتَرَفَ بما تَثْبُتُ به حُرِّيَّتُه، أشْبَهَ ما لو أقرَّ بها. والأوَّلُ المذهَبُ؛ لأِنَّه قَولٌ يُتَحَقَّقُ كَذِبُه فيه، كما لو قال لطفلٍ: هذا أبي، ولطِفْلةٍ: هذه أمِّي، ولأِنَّه لو قال لزَوجتِه وهيَ أسنُّ منه: هذه ابْنَتِي، أو قال لها وهو أسنُّ منها: هذه أمِّي؛ لم تَطلُقْ، فكذا هنا. أمَّا إذا أمْكَنَ كَونُه منه، ولو كان له نَسَبٌ معروفٌ؛ فإنَّه يَعتِقُ؛ لجَوازِ كَونِه من وَطْءِ شُبْهةٍ. وقيل: لا؛ لِكَذِبِه شرعًا. ومِثْلُه لأِصغرَ: أنت أبي. وفي «الرعاية»: وقيل: إنْ كان مِثْلُه يُولَدُ لِمِثْلِه مطلَقًا؛ عَتَقَ، وإلاَّ فَلَا. (وَإِذَا أَعْتَقَ حَامِلاً عَتَقَ (٣) جَنِينُهَا)؛ لأِنَّه تابِعٌ لأِمِّه، بدليلِ دخوله في

стр. 4123

البَيعِ، (إِلاَّ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ)، فإنَّه لا يَعتِقُ، وقاله ابن عمرَ (١) وأبو هُرَيرةَ (٢)، قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حديثِ ابنِ عمرَ في العِتْق، ولا أذْهَبُ إليه في البَيعِ (٣)، ولقَوله ﵇: «المسلِمُونَ على شُروطِهِمْ» (٤). وفيه وَجْهٌ، وذَكَرَه القاضِي روايةً: أنَّه لا يَصِحُّ استِثْناؤه كالبيع، وبه قال أكثرُهم، وكما لو اسْتَثْنَى بعضَ أعضائها. وجَوابُه: أنَّ الحَمْلَ معلومٌ، فصحَّ اسْتِثْناؤه؛ للخبرِ (٥)، بخلاف البيع؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فاعْتُبِرَ فيه العِلْمُ بصفاتِ العِوَضِ، والعِتْقُ يُعتَبَرُ فيه العِلْمُ بوُجوده، وقد وُجِدَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على بَعْضِ أعْضائِها؛ لأِنَّه لا يصحُّ انفرادُه عنها، بخِلافِه هنا. (وَإِنْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَهَا؛ عَتَقَ وَحْدَهُ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٦)؛ لأِنَّ حكمَه حكمُ الإنسان المنفَرِدِ، ولهذا نورِّثُ (٧) الجَنينَ إذا ضُرِبَ بطنُ أمِّه، فأسْقَطَتْ جنينًا؛ فإنَّه يَجِبُ غُرَّةٌ مَورُوثةٌ عنه، كأنَّه سَقَطَ حَيًّا، وكتَدْبِيرٍ وكتابةٍ. وعَنْهُ: لا يَصِحُّ حتَّى يُوضَعَ حيًّا، فيكونُ كَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُه بشَرْطٍ. وإنْ أعْتقَ مَنْ حَمْلُها لِغَيرِه؛ كالموصَى به؛ ضَمِنَ قِيمتَه، ذَكَرَه القاضي.

стр. 4124

وقدَّم في «المستوعب»: لا يَعتِقُ، وجَزَمَ به في «التَّرغيب»، واختاره في «المحرَّر». (وَأَمَّا الْمِلْكُ) - هذا شُروعٌ في بيان القِسْم الثَّاني -: (فَمَنْ مَلَكَ ذَا رِحِمٍ مَحْرَمٍ)، ولو حَمْلاً؛ (عَتَقَ عَلَيْهِ) في ظاهِر المذْهَبِ؛ لِمَا رَوَى حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن قَتادةَ، عن الحَسَنِ، عن سَمُرةَ مرفوعًا قال: «مَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ فهو حُرٌّ» رواه الخَمْسةُ، وحسَّنه التِّرمذيُّ (١)، وقال: العَمَلُ على هذا عِنْدَ أهلِ العِلْمِ، وعن قَتادةَ، عن عمرَ مَوقُوفًا مِثلُه، رواه أبو داودَ (٢)، وقَتادةُ لم يُدرِكْ عمرَ، وعن ابن عمرَ مرفوعًا مِثلُه، رواه ابنُ ماجَهْ بإسنادٍ جيِّدٍ (٣)،

стр. 4125

لكن قال أحمدُ: (لا أصلَ له)، ولأِنَّه ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فعَتَقَ عليه بالملك؛ كعَمُودَي النسب. وظاهِرُه: سَواءٌ وافَقَه في دِينِه أوْ لا، وسَواءٌ كانوا من الأولاد وإنْ سَفَلوا، أوْ مِنْ الآباء (١) وإنْ عَلَوْا، من عَمُودَي نسبِه كما قُلْنا، أوْ مِنْ غَيرِهم؛ كالأخ وأوْلادِه وإنْ نَزَلُوا، والأعمامِ والعَمَّاتِ، والأخوالِ والخالات، وإنْ عَلَوْا، دُونَ أوْلادِهم. (وَعَنْهُ: لَا يَعْتِقُ إِلاَّ عَمُودَا النَّسَبِ)، قال في «الكافي»: بناءً على أنَّه لا نَفَقةَ لغَيرِهم، وفي «الانتصار»: لنا فيه خِلافٌ، واخْتارَ الآجُرِّيُّ: لا نَفَقَةَ لغَيرِهم، وذَكَرَ أبو يَعْلَى الصَّغيرُ: أنَّه آكَدُ من التَّعليقِ، فلو علَّق عِتْقَ عبده على ملْكِه؛ عَتَقَ بملكِه، لا بتعليقه. ورجَّح ابنُ عَقِيلٍ: لا عِتْقَ بملْكٍ. وعَنْهُ: إنْ مَلَكَه بإرْثٍ؛ لم يَعتِقْ، وفي إجْباره على عِتْقِه روايتان. وعَنْهُ: لا يَعْتِقُ حَمْلٌ حتَّى يُولَدَ في ملْكِه حيًّا. فلو زَوَّجَ ابْنَهُ بأَمَتِه، فَوَلَدَتْ بَعْدَ مَوت جَدِّه؛ فهل هو مَورُوثٌ عنه أوْ حُرٌّ؟ فيه الرِّوايَتانِ.

стр. 4126

فَرْعٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ: أنَّه لا يَعتِقُ بشِراءِ رَحِمٍ غَيرِ مَحْرَمٍ، ولا مَحْرَمٍ برَضاعٍ أو مُصاهَرَةٍ، نَقَلَه الجَماعةُ (١)، وقال: على قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ فهو حُرٌّ» فالرَّضاعةُ لَيسَتْ بِرَحِمٍ، وقال الزُّهْرِيِّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ بأنْ يُباعَ» (٢)، وكَرِهَ أحمدُ بَيعَ أخِيهِ لِرضاعٍ (٣)، رُوِيَ عن ابنِ مَسْعودٍ (٤). (وَإِنْ مَلَكَ وَلَدَهُ مِنَ الزِّنَى؛ لَمْ يَعْتِقْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)، المذهَبُ: أنَّ أحكامَ الولَدِ غَيرُ ثابِتَةٍ فيه، وهي: الميراثُ، وعَدَمُ الحَجْب، والمحرَمِيَّة، ووجوبُ الإنفاق، وثبوتُ الوِلايَة عليه، ومِثلُه: لو مَلَكَ أباهُ من زِنًى، ذَكَرَه في «التَّبصرةِ». (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَعْتِقَ)؛ لأِنَّه جُزؤُه حقيقةً، وقد ثبت فيه حكمُ تحريمِ التَّزويج، بدليل أنَّه لو مَلَكَ وَلَدَه المخالِفَ له في الدِّين؛ عَتَقَ عليه مع انتفاء هذه الأحكام، لكِنْ قال أبو الخَطَّاب: قِياسُ المذهب في تحريمِ نكاحِ بنتِه من الزِّنى: أنْ يَعتِقَ عَلَيهِ. (وَإِنْ مَلَكَ سَهْمًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ مُوسِرٌ؛ عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ)، سواءٌ مَلَكَه بعِوَضٍ أوْ بغَيرِه؛ كالهِبة والاِغْتِنام والوصيَّة، باخْتِياره أو بغَيرِه، كالميراث؛ لأِنَّ كلَّ ما يَعتِقُ به الكُلُّ؛ يَعتِقُ به البَعْضُ؛ كالإعتاق بالقَولِ. (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا؛ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إِلاَّ مَا مَلَكَ)؛ لأِنَّه لو أعْتَقَه لم يَعتِقْ،

стр. 4127

واسْتَقَرَّ ذلك الجزءُ فيه، وإنْ كان مُوسِرًا، وكان الملْكُ باختياره؛ سَرَى إلى باقِيهِ، ويَعتِقُ عَلَيهِ كلُّه. (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) في قَولِ أكثرِهم؛ لأِنَّه فوَّته عَلَيهِ. وقال قَومٌ: لا يَعتِقُ عَلَيه إلاَّ ما مَلَكَ، سَواءٌ مَلَكَه بشِراءٍ أوْ غَيرِه؛ لأِنَّه لم يُعتِقْه، وإنَّما عَتَقَ عَلَيهِ بغَيرِ اختيارٍ منه، فلم يَسْرِ، أشْبَهَ ما لو مَلَكَه بالمِيراثِ. وجَوابُه: بأنَّه فَعَلَ سبَبَ العِتْق اخْتِيارًا منه، فَسَرَى، ولَزِمَه الضَّمانُ، كما لو وَكَّلَ مَنْ أعْتَقَ نَصيبَه، وفارَقَ الإرْثَ؛ فإنَّه حَصَلَ بغَيرِ فِعْلِه ولا قَصْدِه، وكما لو جَرَحَ إنْسانًا. (وَإِنْ مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ؛ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إِلاَّ مَا مَلَكَ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا)، هذا هو المذهَبُ؛ لأِنَّه لم يتسبَّبْ (١) إلى إعْتاقِه، وإنَّما حَصَلَ بغَيرِ اخْتِيارِه. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ نَصِيبُ الشَّرِيكِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا)؛ لأِنَّه عَتَقَ عَلَيهِ بعضُه وهو مُوسِرٌ، فَسَرَى إلى باقِيهِ، كما لو وَصَّى له به فَقَبِلَه. والموسِرُ هنا: القادِرُ حالةَ العِتْق على قِيمتِه، بشَرْطِ أنْ يكونَ ذلك فاضِلاً، كالفِطْرة. وإنْ (٢) قُلْنا: لا يَعتِقُ؛ فَهل يُجبَرُ على إعْتاقِه؟ فيه رِوايَتانِ. وإنْ كان مُعْسِرًا؛ لم يَعتِقْ منه إلاَّ ما مَلَكَ، وهل يُسْتَسْعَى العَبْدُ في باقِيهِ؟ على رِوايَتَينِ. فَرْعٌ: إذا وَرِثَ صبِيٌّ أوْ مَجْنونٌ جُزءًا ممَّن يَعتِقُ عَلَيهِما؛ عَتَقَ، ولم يَسْرِ إلى باقِيهِ. وكذا إنْ وُهِبَ لهما، أوْ وُصِّيَ لهما به، وهما مُعْسِرانِ؛ فعلى الوليِّ

стр. 4128

القَبولُ، وإنْ كانا مُوسِرَينِ؛ فَوَجْهانِ مَبْنِيَّانِ على أنَّه: هل يُقَوَّمُ عَلَيهِما باقِيهِ إذا مَلَكَا بَعْضَه؟ وفيه وجْهانِ. (وَإِنْ مَثلَ)؛ كضَرَب، وهو بتشديد الثَّاء (١)، وقال أبو السَّعادات: (مَثَلْتُ بالحَيوان أَمْثُل مَثْلاً: إذا قَطَعْتَ أطْرافَه) (٢)، وبالقَتْيل (٣): إذا جَدَعْتَ أَنفَه أوْ أُذْنَه ونحوَه، (بِعَبْدِهِ)، ولو عبَّر برَقِيقِه (٤)؛ لَعَمَّ، (فَجَدَعَ أَنْفَهُ، أَوْ أُذْنَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ)؛ كحَرْقِ عُضْوٍ منه، قال ابنُ حَمدانَ: أوْ حرَّقه بالنَّار؛ (عَتَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ (٥)؛ أيْ: بلا حُكْمٍ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ زِنباعًا جَدَعَ عبدًا، فأتَى العَبْدُ النَّبيَّ ﷺ ، فذَكَر ذلك له، فقال: «اذْهَبْ فأنت حُرٌّ» رواه أحمدُ وغَيرُه (٦). لا مُكاتَبٍ، قالَهُ جماعةٌ. ولا يَحصُلُ بضَرْبِه وخَدْشِه (٧). وفي اعْتِبارِ القَصْدِ وثُبوتِ الوَلاء؛ وَجْهانِ، والأشْهَرُ: ثُبوتُه.

стр. 4129

ولو زاد ثَمَنُه بجَبٍّ أوْ خِصاءٍ؛ فقال في «الفروع»: يتوجَّه حِلُّ الزِّيادة. (وَقَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ)؛ كالمُكاتَبِ؛ لأِنَّ سيِّدَه لم يُعتِقْه بلَفْظٍ صريحٍ ولا كِنايَةٍ، فلم يَزُلْ ملْكُه عنه، أشْبَهَ جنايتَه على دابَّتِه. والمذهَبُ الأوَّلُ؛ لثُبوتِ الحديث السَّابق، وحِينَئِذٍ يُترَكُ القِياسُ. فَرْعٌ: إذا وَطِئَ جارِيَتَه المباحةَ له التي لا يُوطَأُ مِثْلُها، فأَفْضاها (١)؛ عَتَقَتْ، قالَهُ ابنُ حَمْدانَ، وإنْ أَكْرَهَ رجُلاً يَزْنِي بها، فأفْضاها؛ فاحْتِمالانِ. (وَإِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ؛ فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ)، نَصَرَه في «المستوعب» و «الشَّرح» وغَيرهما، وقاله ابنُ مسعودٍ (٢) وأَنَسٌ (٣)، وهو قَولُ أكثرِهم، واحتجَّ جماعةٌ بخَبرِ ابن مسعودٍ أنَّه قال لغُلامه عُمَيرٍ: يا عُمَيرُ، سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: «أيُّما رجلٍ أعْتَقَ عبدَه؛ فمالُه للسَّيِّد» رواه الأثْرَمُ وابنُ ماجَهْ، وفيه ضعْفٌ (٤)،

стр. 4130

ولأِنَّ العبدَ ومالَه كانا للسَّيِّد، فأزال ملكَه عن أحدهما، فبَقِيَ ملْكُه في الآخَر؛ كما لو باعه. (وَعَنْهُ: لِلْعَبْدِ)، وهو قَولُ النَّخَعِيِّ؛ لِمَا رَوَى نافعٌ عن ابنْ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أعْتَقَ عبدًا وله مالٌ؛ فمالُ العَبد له، إلاَّ أنْ يَشتَرِطَه السَّيِّدُ» رواه أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجَهْ، بإسْنادٍ جيِّدٍ، لكِنْ قال أحمدُ: يَروِيهِ عُبَيدُ الله بنُ جعفرٍ من أهل مِصْرَ، وهو ضعيفٌ في الحَديث، وكان صاحبَ فقهٍ (١). حكمُ المدبَّر، وأمِّ الولد إذا مات سيِّدُها، والمكاتَبِ، ولهم أمْوالٌ؛ حكمُ العبد.

стр. 4131

(فَصْلٌ) (وَإِذَا أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ)، غَيرَ شَعْرٍ وسِنٍّ وظُفُرٍ، (مُعَيَّنًا)؛ كرأسه وإصبعه، (أَوْ مُشَاعًا)؛ كعُشره أوْ نِصفِه؛ (عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ)؛ لقَوله ﵇: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلوكٍ؛ فهو حُرٌّ من ماله» (١)، وفي «الصَّحيحَينِ» مَعْناهُ مِنْ حديثِ أبي هُرَيرةَ (٢)، ولأِنَّه إزالةُ ملْكٍ عن بعضِ رقيقِه، فزال جميعُه؛ كالطَّلاق، ويُفارِق البَيعَ، فإنَّه لا يَحتاجُ إلى السِّعاية، ولا يَنْبَنِي على التَّغليب والسِّراية. مسائلُ: الأولى: إذا حَفَرَ بئرًا عُدْوانًا، أوْ نَصَبَ سِكِّينًا، فتَلِفَ عبدُه أوْ بعضُه، أوْ داواه وهو غَيرُ حاذقٍ (٣)، أوْ حدَّه وزاد سَوطًا، أوْ ضَرَبَها على غسْلٍ مِنْ حَيضٍ لِيَطَأَها؛ فهل يَعتِقُ (٤)؟ على وَجْهَينِ. الثَّانيةُ: إذا قال لِحُرٍّ: اشترني مِنْ سيِّدي بهذا المالِ، وأعْتِقْنِي، ففعل؛ عَتَقَ، وعلى المشْتَرِي لسيِّده مِثْلُ ثَمَنِه المسمَّى، وله ولاؤه، وإن اشتراه بعَينِ المال؛ بَطَلَ العتقُ والشِّراءُ على المذهب. الثالثة: إذا قال لأمتَيْهِ: إحداكما (٥) حرَّةٌ، ولم ينوِ؛ حَرُمَ وطؤُهما معًا بدونِ قُرْعةٍ، فإنْ وطِئَ إحداهما؛ لم تَعتِق الأخرى، كما لو عيَّنها ثُمَّ نَسِيَها

стр. 4132

على المذهب. الرَّابعةُ: إذا قال لِأَمَته: إنْ صَلَّيتِ مكشوفةَ الرَّأس فأنت حرَّةٌ قَبْلَه، فصلَّتْ كذلك؛ عَتَقَتْ، وقِيلَ: لا، جزم به أبو المعالي؛ لِبُطْلانِ الصِّفة بتقديم المشروط. وإنْ قال: إنْ أقْرَرْتُ بكَ لزَيدٍ فأنت حُرَّةٌ (١) قَبْلَه، فأَقَرَّ له به؛ صحَّ إقرارُه فقط، وإنْ قال: إنْ أقررْتُ بكَ له فأنت حرٌّ ساعةَ (٢) إقْرارِي؛ لم يَصِحَّا. الخامِسةُ: إذا قال: عَبْدِي حرٌّ أوْ أمَتِي، ولم يَنوِ البَعْضَ؛ عَتَقَ الكلُّ، وقيل: أحدُهم بقُرعةٍ. وفي «المغني»: إذا قال: امرأتي طالِقٌ وأمَتِي حرَّةٌ، ولم (٣) ينوِ شيئًا؛ فقال أبو الخَطَّاب: تَطلُقُ (٤) الكلُّ ويَعتِقْنَ؛ لأِنَّ الواحدَ المضافَ يَعُمُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، رُوِيَ ذلك عن ابن عبَّاسٍ (٥). وقال جماعةٌ: يَقَعُ على واحدةٍ مُبهَمةٍ، كما لو قال: إحداكنَّ طالِقٌ أوْ حُرَّةٌ، قال المؤلِّفُ: وهو أصحُّ إنْ شاء الله تعالى. (وَإِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ)؛ أيْ: أعْتَقَ من عبدٍ مُشتَرَكٍ، (وَهُوَ مُوسِرٌ

стр. 4133

بِقِيمَةِ بَاقِيهِ؛ عَتَقَ كُلُّهُ)، بغَيرِ خِلافٍ نعلَمُه (١)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا له في عبدٍ، وكان له ما يَبلُغُ ثَمَنَ العبدِ؛ قُوِّمَ عليه العبدُ قِيمةَ عَدْلٍ، فأعْطَى شُركاءَه حِصَصَهم، وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلاَّ فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ» متَّفَقٌ عليه (٢)، وفي «المغني»: مُقتَضَى نصِّه (٣): لا يُباعُ له أصْلُ مالٍ. أوْ كاتَبه فأدَّى إليه (٤). (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ (٥) أيْ: قِيمةُ (٦) أنْصِباءِ شُرَكائه، والوَلاءُ له، قاله الجُمْهور. وقال البَتِّيُّ: لا يَعتِقُ إلاَّ حصَّةُ المعتِقِ، ونصيب الباقِينَ باقٍ على الرِّقِّ، ولا شَيءَ على المعتِقِ. وجَوابُه: حديثُ ابنِ عمرَ، وحديثُ أبي المَلِيح بنِ أُسامةَ عن أبيه: أنَّ رجلاً أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلوكٍ، فرُفِعَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فجَعَلَ خَلاصَه عليه في ماله، وقال: «لَيسَ فيه (٧) شَرِيكٌ» رواه أحمدُ، وفي لفظٍ له: «هو حُرٌّ كلُّه، لَيس لله فيه شَرِيكٌ» (٨).

стр. 4134

تنبيهٌ: القِيمةُ تعتبَرُ وقتَ العتق؛ لأِنَّه وَقْتُ الإتْلافِ، وفي «الإرشاد» وَجْهٌ: يَومَ تقويمِه، فإن اختلفا فيها؛ رُجِع إلى أهل الخِبْرة، فإنْ تعذَّرَ فيُقبَلُ فيها قَولُ المعتِق. وقيل: يَعتِقُ بدَفْع قِيمتِه، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١). فلو أعتق شريكُه قَبلَها؛ فوجْهانِ، وله نصفُ القِيمة، قاله أحمدُ (٢)، لا قِيمةُ النِّصف. وهل يُقوَّمُ كامِلاً ولا عِتْقَ فيه، أوْ قد عَتَقَ؟ فِيهِ قَولان للعلماء، الأوَّل قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣)؛ لظاهِرِ الخَبَر. (وَإِنْ أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ)، وقَبْلَ أخْذِ القيمة؛ (لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ عِتْقٌ)، في قَولِ الجمهور؛ لخَبَرِ ابنِ عمرَ، ولأِنَّه قد صار حُرًّا بعِتْقِ الأوَّلِ له. وقِيلَ: لا يَعتِقُ إلاَّ بَعْدَ أداءِ القيمة، كما تقدَّم. (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا؛ لَمْ يَعْتِقْ إِلاَّ نَصِيبُهُ) في ظاهِرِ المذْهَبِ، (وَبَقِيَ حَقُّ شَرِيكِهِ فِيهِ)؛ أيْ: باقٍ على الرِّقِّ، فإذا أعْتَقَه شَريكُه؛ عَتَقَ عليه نصيبُه في قَولِ الأكثرِ، ورُوِيَ عن عروةَ: «أنَّه اشْتَرَى عَبْدًا فأعْتَقَ نصفَه، فكان يُشاهِرُه، شَهْرٌ

стр. 4135

عَبْدٌ وشَهْرٌ حرٌّ» (١). (وَعَنْهُ: يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)، نَصَرَه في «الانتصار»، واختاره أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٢)، وقاله الأوزاعيُّ؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلوكٍ؛ فعَلَيه أنْ يُعتِقَه إنْ كان له مالٌ، وإلَّا قُوِّمَ عليه، فاسْتُسْعِيَ به غَيرَ مَشْقُوقٍ عليه» متَّفَقٌ عَلَيهِ (٣)، ولأِنَّ بها إفراز حقِّه، خرج عن يده، فيُسْتَسْعَى العبدُ في قيمته؛ لأِنَّها في ذمَّته، ويصيرُ حكمُه حكمَ الأحرار. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّ الاِسْتِسْعاءَ إعْتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يُجبَرْ عليه، كالكتابة، وحديثُ أبي هُرَيرةَ قد طَعَن فيه الأئمةُ، قال أبو عبد الله: (لَيَس في الاِسْتِسْعاء شَيءٌ يَثبُتُ عن النَّبيِّ ﷺ (٤)، وحديث أبي هريرةَ يَروِيهِ ابنُ أبي عَروبةَ، وأمَّا هِشامٌ وشُعبَةُ (٥) ومَعمَرٌ؛ فلم يَذكُرُوه، وقد ذَكَرَ هَمَّام أنَّه من قَولِ أبي قَتادةَ وفُتْياهُ. فَرْعٌ: يَعتِقُ على الموسِرِ ببَعْضه بِقَدره في المنصوص (٦). (وإِذَا (٧) كَانَ الْعَبْدُ لِثَلَاثَةٍ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ، وَلآِخَرَ ثُلُثُهُ، وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهُ، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَصَاحِبُ السُّدُسِ مَعًا)، بأنْ (٨) تلفَّظا بالعتق مَعًا، أوْ علَّقاهُ على صِفَةٍ واحِدَةٍ، أو وَكَّلَا لشَخْصٍ في عِتْقِه، (وَهُمَا مُوسِرَانِ)؛
следующие страницы →