← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

(فَصْلٌ) (وَإِذَا أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ)، غَيرَ شَعْرٍ وسِنٍّ وظُفُرٍ، (مُعَيَّنًا)؛ كرأسه وإصبعه، (أَوْ مُشَاعًا)؛ كعُشره أوْ نِصفِه؛ (عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ)؛ لقَوله ﵇: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلوكٍ؛ فهو حُرٌّ من ماله» (١)، وفي «الصَّحيحَينِ» مَعْناهُ مِنْ حديثِ أبي هُرَيرةَ (٢)، ولأِنَّه إزالةُ ملْكٍ عن بعضِ رقيقِه، فزال جميعُه؛ كالطَّلاق، ويُفارِق البَيعَ، فإنَّه لا يَحتاجُ إلى السِّعاية، ولا يَنْبَنِي على التَّغليب والسِّراية. مسائلُ: الأولى: إذا حَفَرَ بئرًا عُدْوانًا، أوْ نَصَبَ سِكِّينًا، فتَلِفَ عبدُه أوْ بعضُه، أوْ داواه وهو غَيرُ حاذقٍ (٣)، أوْ حدَّه وزاد سَوطًا، أوْ ضَرَبَها على غسْلٍ مِنْ حَيضٍ لِيَطَأَها؛ فهل يَعتِقُ (٤)؟ على وَجْهَينِ. الثَّانيةُ: إذا قال لِحُرٍّ: اشترني مِنْ سيِّدي بهذا المالِ، وأعْتِقْنِي، ففعل؛ عَتَقَ، وعلى المشْتَرِي لسيِّده مِثْلُ ثَمَنِه المسمَّى، وله ولاؤه، وإن اشتراه بعَينِ المال؛ بَطَلَ العتقُ والشِّراءُ على المذهب. الثالثة: إذا قال لأمتَيْهِ: إحداكما (٥) حرَّةٌ، ولم ينوِ؛ حَرُمَ وطؤُهما معًا بدونِ قُرْعةٍ، فإنْ وطِئَ إحداهما؛ لم تَعتِق الأخرى، كما لو عيَّنها ثُمَّ نَسِيَها

стр. 4132

على المذهب. الرَّابعةُ: إذا قال لِأَمَته: إنْ صَلَّيتِ مكشوفةَ الرَّأس فأنت حرَّةٌ قَبْلَه، فصلَّتْ كذلك؛ عَتَقَتْ، وقِيلَ: لا، جزم به أبو المعالي؛ لِبُطْلانِ الصِّفة بتقديم المشروط. وإنْ قال: إنْ أقْرَرْتُ بكَ لزَيدٍ فأنت حُرَّةٌ (١) قَبْلَه، فأَقَرَّ له به؛ صحَّ إقرارُه فقط، وإنْ قال: إنْ أقررْتُ بكَ له فأنت حرٌّ ساعةَ (٢) إقْرارِي؛ لم يَصِحَّا. الخامِسةُ: إذا قال: عَبْدِي حرٌّ أوْ أمَتِي، ولم يَنوِ البَعْضَ؛ عَتَقَ الكلُّ، وقيل: أحدُهم بقُرعةٍ. وفي «المغني»: إذا قال: امرأتي طالِقٌ وأمَتِي حرَّةٌ، ولم (٣) ينوِ شيئًا؛ فقال أبو الخَطَّاب: تَطلُقُ (٤) الكلُّ ويَعتِقْنَ؛ لأِنَّ الواحدَ المضافَ يَعُمُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، رُوِيَ ذلك عن ابن عبَّاسٍ (٥). وقال جماعةٌ: يَقَعُ على واحدةٍ مُبهَمةٍ، كما لو قال: إحداكنَّ طالِقٌ أوْ حُرَّةٌ، قال المؤلِّفُ: وهو أصحُّ إنْ شاء الله تعالى. (وَإِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ)؛ أيْ: أعْتَقَ من عبدٍ مُشتَرَكٍ، (وَهُوَ مُوسِرٌ

стр. 4133

بِقِيمَةِ بَاقِيهِ؛ عَتَقَ كُلُّهُ)، بغَيرِ خِلافٍ نعلَمُه (١)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا له في عبدٍ، وكان له ما يَبلُغُ ثَمَنَ العبدِ؛ قُوِّمَ عليه العبدُ قِيمةَ عَدْلٍ، فأعْطَى شُركاءَه حِصَصَهم، وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلاَّ فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ» متَّفَقٌ عليه (٢)، وفي «المغني»: مُقتَضَى نصِّه (٣): لا يُباعُ له أصْلُ مالٍ. أوْ كاتَبه فأدَّى إليه (٤). (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ (٥) أيْ: قِيمةُ (٦) أنْصِباءِ شُرَكائه، والوَلاءُ له، قاله الجُمْهور. وقال البَتِّيُّ: لا يَعتِقُ إلاَّ حصَّةُ المعتِقِ، ونصيب الباقِينَ باقٍ على الرِّقِّ، ولا شَيءَ على المعتِقِ. وجَوابُه: حديثُ ابنِ عمرَ، وحديثُ أبي المَلِيح بنِ أُسامةَ عن أبيه: أنَّ رجلاً أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلوكٍ، فرُفِعَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فجَعَلَ خَلاصَه عليه في ماله، وقال: «لَيسَ فيه (٧) شَرِيكٌ» رواه أحمدُ، وفي لفظٍ له: «هو حُرٌّ كلُّه، لَيس لله فيه شَرِيكٌ» (٨).

стр. 4134

تنبيهٌ: القِيمةُ تعتبَرُ وقتَ العتق؛ لأِنَّه وَقْتُ الإتْلافِ، وفي «الإرشاد» وَجْهٌ: يَومَ تقويمِه، فإن اختلفا فيها؛ رُجِع إلى أهل الخِبْرة، فإنْ تعذَّرَ فيُقبَلُ فيها قَولُ المعتِق. وقيل: يَعتِقُ بدَفْع قِيمتِه، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١). فلو أعتق شريكُه قَبلَها؛ فوجْهانِ، وله نصفُ القِيمة، قاله أحمدُ (٢)، لا قِيمةُ النِّصف. وهل يُقوَّمُ كامِلاً ولا عِتْقَ فيه، أوْ قد عَتَقَ؟ فِيهِ قَولان للعلماء، الأوَّل قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣)؛ لظاهِرِ الخَبَر. (وَإِنْ أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ)، وقَبْلَ أخْذِ القيمة؛ (لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ عِتْقٌ)، في قَولِ الجمهور؛ لخَبَرِ ابنِ عمرَ، ولأِنَّه قد صار حُرًّا بعِتْقِ الأوَّلِ له. وقِيلَ: لا يَعتِقُ إلاَّ بَعْدَ أداءِ القيمة، كما تقدَّم. (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا؛ لَمْ يَعْتِقْ إِلاَّ نَصِيبُهُ) في ظاهِرِ المذْهَبِ، (وَبَقِيَ حَقُّ شَرِيكِهِ فِيهِ)؛ أيْ: باقٍ على الرِّقِّ، فإذا أعْتَقَه شَريكُه؛ عَتَقَ عليه نصيبُه في قَولِ الأكثرِ، ورُوِيَ عن عروةَ: «أنَّه اشْتَرَى عَبْدًا فأعْتَقَ نصفَه، فكان يُشاهِرُه، شَهْرٌ

стр. 4135

عَبْدٌ وشَهْرٌ حرٌّ» (١). (وَعَنْهُ: يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)، نَصَرَه في «الانتصار»، واختاره أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٢)، وقاله الأوزاعيُّ؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلوكٍ؛ فعَلَيه أنْ يُعتِقَه إنْ كان له مالٌ، وإلَّا قُوِّمَ عليه، فاسْتُسْعِيَ به غَيرَ مَشْقُوقٍ عليه» متَّفَقٌ عَلَيهِ (٣)، ولأِنَّ بها إفراز حقِّه، خرج عن يده، فيُسْتَسْعَى العبدُ في قيمته؛ لأِنَّها في ذمَّته، ويصيرُ حكمُه حكمَ الأحرار. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّ الاِسْتِسْعاءَ إعْتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يُجبَرْ عليه، كالكتابة، وحديثُ أبي هُرَيرةَ قد طَعَن فيه الأئمةُ، قال أبو عبد الله: (لَيَس في الاِسْتِسْعاء شَيءٌ يَثبُتُ عن النَّبيِّ ﷺ (٤)، وحديث أبي هريرةَ يَروِيهِ ابنُ أبي عَروبةَ، وأمَّا هِشامٌ وشُعبَةُ (٥) ومَعمَرٌ؛ فلم يَذكُرُوه، وقد ذَكَرَ هَمَّام أنَّه من قَولِ أبي قَتادةَ وفُتْياهُ. فَرْعٌ: يَعتِقُ على الموسِرِ ببَعْضه بِقَدره في المنصوص (٦). (وإِذَا (٧) كَانَ الْعَبْدُ لِثَلَاثَةٍ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ، وَلآِخَرَ ثُلُثُهُ، وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهُ، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَصَاحِبُ السُّدُسِ مَعًا)، بأنْ (٨) تلفَّظا بالعتق مَعًا، أوْ علَّقاهُ على صِفَةٍ واحِدَةٍ، أو وَكَّلَا لشَخْصٍ في عِتْقِه، (وَهُمَا مُوسِرَانِ)؛

стр. 4136

لاِخْتِصاصه بالسِّراية؛ (عَتَقَ عَلَيْهِمَا، وَضَمِنَا حَقَّ شَرِيكِهِمَا فِيهِ نِصْفَيْنِ)؛ لأِنَّ العِتْقَ بمنزلة الإتْلافِ، وقَدْ وُجِدَ منهما؛ يَتَساوَيانِ في ضَمانِه، كما لو جَرَحَه أحدُهما جُرْحًا، وَالآخَرُ أكبرَ (١) منه. ويُفَارِقُ الشُّفْعةَ، فإنَّها تَثْبُتُ لِإِزالة الضَّرَر عن نَصيبِ الشَّريكِ الذي لم يَبِعْ، فكان اسْتِحْقاقُه على قدْر نصيبِه، ولأِنَّ الضَّمانَ ههُنَا لِدَفْعِ الضَّرر منهما، وفي الشُّفعة لِدَفْعِ الضَّرَر عنهما. (وَصَارَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا)؛ لأِنَّا إذا حَكَمْنا بأنَّ الثُّلُث مُعتَقٌ عَلَيهِما نِصفَينِ؛ فنِصفُه سُدُسٌ، إذا ضَمَمْناهُ إلى النِّصف صار ثُلَثَينِ، والسُّدسُ الآخَرُ إلى سُدسِ المعتِق؛ صارا ثُلثًا. (وَيَحْتَمِلُ) - هذا الاِحْتِمالُ لأِبي الخَطَّاب -: (أَنْ يَضْمَنَاهُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِيهِ)؛ لأِنَّ السِّرايةَ حَصَلَتْ بإعْتاقِ ملْكِهِما، وما وَجَبَ بسبب الملك كان على قَدْره؛ كالنَّفقة واسْتِحقاقِ الشُّفْعة، فعلى هذا يَصِيرُ الوَلاءُ بَينَهما أرباعًا، لصاحب السُّدس رُبعُه، ولصاحبِ النِّصف ثلاثةُ أرْباعه. ولو كان المعتِقُ صاحبَ النِّصف وصاحبَ الثُّلث؛ فعلى المذهب: لصاحب النِّصف الثُّلثُ والرُّبُعُ، ولصاحِب الثُّلثِ الرُّبعُ والسُّدسُ. وعلى الاِحْتِمال: السُّدسُ بَينَهما أخْماسًا، لصاحب النِّصف ثلاثةُ أخْماسِه، ولصاحب الثُّلث خُمساهُ، فالعَبدُ على ثلاثِينَ سهمًا، لصاحب النِّصف ثمانيةَ عَشَرَ، وهي نصفٌ ونصفُ خُمُسٍ، ولصاحب الثُّلث اثْنَا عَشَرَ، وذلك خُمُساهُ. ولو كان المعتِقُ صاحبَ الثُّلث والسُّدس؛ فَعَلَى المذهب: لصاحب الثُّلث ثُلثٌ ورُبُعٌ، ولصاحب السُّدس رُبُعٌ وسُدُسٌ.

стр. 4137

وعلى الاِحْتِمال: النِّصفُ مَقْسومٌ بَينَهما، لصاحب الثُّلُث الثُّلثانِ، ولصاحب السُّدس الثُّلثُ، والضَّمانُ والوَلاءُ تابِعانِ للسِّراية. (وَإِذَا أَعَتَقَ الكَافِرُ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، وَهُوَ مُوسِرٌ؛ سَرَى إِلَى بَاقِيهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، ذَكَرَه القاضِي، واخْتارَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لِعُمومِ: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ» (١)، ولمَا علَّل به في حديثِ أبِي المَلِيح (٢)، ولأِنَّه تقويمُ مُتلَفٍ، فاسْتَوَى فيه المسلِمُ والكافِرُ، كتَقْويمِ المُتْلَفاتِ. والثَّاني: لا يَسْرِي، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ فيه تقديرَ الملكِ، والكافِرُ لا يَجُوزُ أنْ يتملَّك المسلِمَ. ورُدَّ: بأن هذا لَيسَ بضَمانِ تمليكٍ، وإنَّما هو ضَمانُ إتْلافٍ. ولَيسَ بجَيِّدٍ؛ إذ لو صحَّ لم يكن له وَلاءٌ، والفَرْضُ: أنَّ له الوَلاءَ على ما عَتَقَ عليه، فدلَّ على أنَّه يَدخُلُ في ملْكِه، ثُمَّ يَعتِقُ، والمحْذورُ مَغْمورٌ بما حَصَلَ من مصلحة العتق. (وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَهُمَا مُوسِرَانِ؛ فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا؛ لاِعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُرِّيَّتِهِ)؛ أيْ: مُعْتَرِفٌ بحُرِّيَّة نصيبِه، شاهِدٌ على شريكه بحُرِّيِّة نصفِه الآخَر؛ لأِنَّه يَقولُ لشَريكه: أعْتَقْتَ نصيبَك، فَسَرَى العِتْقُ إلى نَصِيبِي، فَعَتَقَ كلُّه عَلَيكَ، ولَزِمَكَ قِيمةُ نَصِيبِي، فقد صار العبدُ حُرًّا؛ لاِعْتِرافِهِما بحُرِّيَّته، (وَصَارَ مُدَّعِيًا عَلَى شَرِيكِهِ قِيمَةَ حَقِّهِ مِنْهُ)، فإنْ كان لأِحدِهما بيِّنةٌ؛ حُكِمَ بها، وإنْ لم يَكُنْ بيِّنةً؛ حَلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحبه، وبَرِئَا، فإنْ نَكَلَ أحدُهما قُضِيَ عَلَيه، وإنْ نَكَلَا جميعًا سَقَطَ حقُّهما؛ لِتَماثُلِهما. (وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ لأِنَّه لا يدَّعِيهِ؛ لأِنَّه يَقُولُ لصاحبه: أنت

стр. 4138

المعتِقُ، وولاؤه لك، لا حقَّ لي فيه. ولا فَرْقَ في هذه الحالِ بَينَ المسلِم والكافِرِ؛ لِتَساوِي العَدْلِ والفاسِق في الاِعْتِراف والدَّعْوَى. فإن اعترف به أحدُهما؛ ثبت له؛ لأِنَّه لا مستَحقَّ له سِواهُ، ولَزِمَه قِيمةُ نصيبِ شريكه؛ لاِعْتِرافِهِ بها، وله ولاؤه كلُّه، وإلاَّ فلِبَيت المال. (وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ؛ لَمْ يَعْتِقْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ لأِنَّ عِتْقَ المعسِر لا يَسْرِي إلى غَيرِه، بل هو شاهِدٌ على صاحبه بإعْتاقِ نصيبِه. فإنْ كانا فاسِقَينِ؛ فلا أثَرَ لكلامِهما، وإن كانا عَدْلَينِ؛ عُمِلَ بشَهادتهما؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا يَجُرُّ إلى نفسه نفعًا، ولا يَدفَعُ عنها ضَرَرًا. وقِيلَ: في العِتق شاهِدٌ ويمينٌ. فإنْ حَلَفَ مَعَهما؛ عَتَقَ كلُّه، وإنْ حَلَفَ مع أحدهما؛ عَتَقَ نصفُه، على الرِّواية الأخرى، ويَبقَى نصفُه رقيقًا، ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى: لا يُصدَّق أحدُهما على الآخر، وذَكَرَه في «زاد المسافر»، وعلَّله: بأنَّهما خَصمانِ، ولا شَهادةَ لخَصْم على خَصمِه. (وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ؛ عَتَقَ حِينَئِذٍ)؛ لأِنَّه مُعتَرِفٌ بحرِّيَّته، (وَلَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِهِ)؛ لأِنَّ السِّرايةَ فرعُ الإعتاق، ولم يُوجَدْ منه ذلك، وإنَّما حُكِمَ عليه بالعتقِ؛ لاِعْتِرافِه أنَّ شَريكَه أعْتَقَه، ولا يَثبُتُ له عَلَيهِ ولاءٌ؛ لأنَّه لا يدَّعِي إعْتاقَه، بل يَعتَرِفُ بأنَّ المعتِقَ غَيرُه، وإنَّما هو مخلِّص له ممَّن يَسْتَرِقُّه، فهو كالأسير من أيدي الكفَّار. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَعْتِقُ جَمِيعُهُ)؛ لأِنَّه شِراءٌ حَصَلَ به الإعْتاقُ، أشْبَهَ شِراءَ بعضِ ولده. وإنْ أكْذَبَ نفسَه في شهادته؛ لم يُقبَلْ في الأصحِّ. وهل يَثبُتُ الوَلاءُ عليه إنْ أعْتَقَه؟ فيه احْتِمالانِ.

стр. 4139

فإنِ (١) اشْتَرَى كلُّ واحِدٍ منهما نصيبَ صاحِبِه؛ فقد صار العبدُ حُرًّا كلُّه، ولا وَلاءَ عَلَيهِ. (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالآْخَرُ مُعْسِرًا؛ عَتَقَ نَصِيبُ المُعْسِرِ وَحْدَهُ)؛ لأِنَّه قد صار حُرًّا بإعْتاقِ شَريكِه الموسِرِ الَّذي يَسْرِي عِتْقُه، ولم يَعتِقْ نصيبُ الموسِرِ؛ لأِنَّه يَدَّعِي أنَّ المعْسِرَ الَّذي لا يَسْرِي عِتقُه؛ أعْتَقَ نَصيبَه، فَعَتَقَ وَحْدَه. ولا تُقبَلُ شهادةُ المعْسِرِ؛ لأِنَّه يَجُرُّ نَفْعًا بها؛ لكَونِه يُوجِبُ عليه بشهادته قيمةَ حِصَّتِه، فَعَلَى هذا: إنْ لم يَكُنْ للعبد بيِّنةٌ سِواه؛ حَلَفَ الموسِرُ، وبَرِئَ من القِيمة والعِتْقِ مَعًا، ولا وَلاءَ للمعتِق في نصيبه؛ لأِنَّه لا يدَّعيهِ، ولا للمُوسِرِ كذلك (٢)، فإنْ عادَ المعْسِرُ، فأعْتَقَه وادَّعاه؛ ثبت له. (وَإِذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ، فَأَعْتَقَ الْأَوَّلُ وَهُوَ مُوسِرٌ؛ عَتَقَ عَلَيْهِ) نصيبُه بالعتق، ونصيبُ شَريكِه بالسِّراية، هذا اخْتِيارُ الأصحاب، ويُقَوَّمُ عليه نصيبُ شريكه، ولا يَقَعُ عِتْقُه؛ لأِنَّ السِّرايةَ سَبَقَتْ، فمَنَعَتْ عِتْقَ الشَّريك. قال المؤلِّفُ: ويَحتَمِلُ أنْ يَعتِقَ عَلَيهما جميعًا، وله ولاؤه كلُّه. وقِيلَ: يَعتِقُ على القائلِ كلُّه بالشَّرط، ويكونُ ولاؤه لهما. (وَإِنْ كَان مُعْسِرًا؛ عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ)؛ لأِنَّ عِتْقَ المعْسِرِ لا يَسْرِي إلى نصيبِ الشَّريك، فَوَقعَ عِتقُ الشَّريك؛ لأِنَّه وُجِدَ بشَرْطِ (٣) عِتْقِه، ولم يُوجَدْ ما يَمنَعُ وُقوعَه، ويكونُ الوَلاءُ لهما. (وَإنْ قَالَ: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِكَ، فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ؛ عَتَقَ

стр. 4140

عَلَيْهِمَا) في الأصحِّ، (مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا)، ولم يَلزَم المعتقَ شَيءٌ؛ لأِنَّ عِتْقَ شريكِه وَقَعَ مُقارِنًا للعِتْقِ المعلَّق ضرورة قوله: (فنصيبي حرٌّ مع نصيبك)، فلم تَجِدِ السِّرايةُ مَحَلًّا؛ لأِنَّها لا تُوجَدُ إلاَّ بَعْدَ عتقِ الأوَّل لنَصيبِه. وقِيلَ: يَعتِقُ كلُّه على المعتِقِ؛ لأِنَّ إعتاقَ نصيبِه شرطُ عِتْقِ نصيب شريكه، فيَلزَمُ أنْ يكونَ سابِقًا عليه. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّه أمْكَنَ العَملُ بمقتضى شَرْطِه، فَوَجَبَ العَمَلُ به. مسائلُ: الأولى: إذا قال: إذا أعتقتَ نصيبَك فنصيبي حُرٌّ قَبْلَ إعتاقِك؛ وقَعَا معًا إذا أعتق نصيبَه، هذا مُقْتَضَى قَولِ أبي بكرٍ والقاضي. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَعتِقُ كلُّه على المعتِق، ولا يَقَعُ إعْتاقُ شريكِه؛ لأِنَّه إعتاقٌ في زَمَنٍ ماضٍ. وقال السَّامَرِّيُّ: يَعتِقُ جميعُه على القائل، ويَضمَنُ لشريكه قِيمةَ نصيبِه منه. الثَّانيةُ: إذا كان له (١) نصفُ عَبدَينِ مُتَساوِيَيِ القيمةِ، لا يَملِكُ غيرَهما، فأعْتَقَ أحدُهما في صحَّته؛ عَتَقَ وسَرَى إلى نصيب شريكه، فإنْ أعْتَقَ النِّصفَ الآخَرَ عَتَقَ؛ لأِنَّ وجوبَ القيمة في ذِمَّته لا تَمنَعُ (٢) صحَّةَ عِتْقِه، ولم يَسْرِ؛ لأِنَّه مُعْسِرٌ. الثَّالثةُ: إذا قال لعَبدِه: أنت حرٌّ متى شئتَ، أو حيثُ شئتَ؛ لم يَعتِقْ حتَّى يَشاءَ بالقَول، فَورًا أوْ تراخِيًا، وكذا: أنتَ حرٌّ إنْ شِئْتَ. وقِيلَ: يتوقَّف على المجلس؛ لأِنَّه بمنزلة التَّخْيِيرِ.

стр. 4141

فإنْ قال: أنت حرٌّ كيفَ شئتَ؛ احْتَمَلَ أنْ يعتِقَ في الحال، واحْتَمَل أنْ لا يَعْتِقَ حتَّى يشاءَ. (وإنْ قال: جَعَلْتُ عِتقَك إليكَ، أوْ خيَّرتُك، ونوى تفويضَ العتق إليه، فأعْتَقَ نفسَه في المجلس؛ عَتَقَ، ويَتوجَّهُ كطلاقٍ)، قاله في «الفروع».

стр. 4142

(فَصْلٌ) (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ؛ كَدُخُولِ الدَّارِ، وَمَجِيءِ الْأَمْطَارِ)؛ لأِنَّه عِتْقٌ بصفةٍ، فصحَّ كالتَّدْبِيرِ، (وَلَا يَمْلِكُ إِبْطَالَهَا)؛ أيْ: إبطالَ الصِّفات (بِالْقَوْلِ)؛ لأِنَّه ألْزَمَ نفسَه شيئًا، فلم يَمْلِكْ إبطالَه بالقول؛ كالنَّذر. وذكر ابنُ الزَّاغُونِيِّ روايةً: أنَّ له ذلك؛ كالبيع. (وَلَهُ بَيْعُهُ، وَهِبَتُهُ، وَوَقْفُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ)؛ كإجارته؛ لأِنَّ ملْكَه باقٍ عليه؛ إذِ العِتْقُ لا يَقَعُ إلاَّ بعْدَ وجودِ الشَّرْط؛ لأِنَّ المعلَّق بشرطٍ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرط. وَلَهُ وَطْءُ الأَمَة على الأصحِّ، كالتَّدبيرِ. وعنه: لا؛ لأِنَّ ملكه غيرُ تامٍّ. والأوَّلُ هو المذْهَبُ، فمتى جاء الوقْتُ، وهو في ملْكِه؛ عَتَقَ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)، فإنْ خَرَجَ عنه ببيعٍ أو نحوِه؛ لم يَعتِقْ في قَولِ الأكثرِ. فإنْ قال: إنْ أعْطَيْتَنِي ألْفًا فأنت حرٌّ؛ فهذه صفةٌ لازِمةٌ، لا سبيلَ للسَّيِّد ولا للعبد إلى إبطالها مع بقاء الملْكِ، فإنْ أَبْرَأَه السَّيِّدُ من الأَلْفِ؛ لم تَصِحَّ البراءةُ، ولم يَعتِقْ إلاَّ بِمَجيئِها، وما بَقِيَ في يد العبد بَعْدَ الألْفِ من كَسْبِه يكونُ لسيِّده، بخلاف الكتابة. فَرْعٌ: لا يَعتِقُ قَبلَ وجودِ الصِّفة بكمالِها؛ كالجُعل في الجِعالة، وذَكَرَ القاضِي: أنَّ مِنْ أصْلِنا: أنَّ العِتْقَ المعلَّقَ بصفةٍ يُوجد (٢) بوجود بعضها، كما لو قال: أنتَ حرٌّ إنْ أكَلْتَ رغيفًا، فأكَلَ نصفَه. ولا يصحُّ ذلك لأمورٍ؛ منها: أنَّ موضوعَ الشَّرط في الكتاب والسُّنَّة

стр. 4143

وأحْكامِ الشَّريعة على أنَّه لا يَثبُتُ المشروطُ بدونِ شَرْطِه (١). (فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ) بَعْدَ أنْ خَرج منه؛ (عَادَتِ الصِّفَةُ)؛ لأِنَّ التَّعليقَ وتحقُّقَ الشَّرطِ مَوجُودانِ في ملْكِه، فَوَجَب العملُ به، كما لو لم يَزُلْ ملْكُه عنه. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ، فَهَلْ يَعُودُ بِعَوْدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): المنصوصُ عن أحمدَ: أنَّها لا تَعودُ (٢)؛ لأِنَّها انْحَلَّتْ بوجودها (٣) في ملْكِه، ولأِنَّ العِتْقَ مُعلَّقٌ بشَرْطٍ لا يَقْتَضِي التَّكرارَ، فإذا وُجِدَ مرَّةً؛ انْحَلَّتِ اليَمِينُ. والثَّانيةُ: تَعُودُ؛ لأِنَّه لم تُوجَدِ الصِّفةُ التي يَعتِقُ (٤) بها، أشْبَهَ ما لو عاد إلى ملْكِه قَبلَ وُجودِ الصِّفَة، ولأِنَّ الملْكَ مقدَّرٌ في الصِّفة، فكأنَّه قالَ: إذا دخلت الدَّارَ وأنتَ في ملْكِي فأنت حُرٌّ، ولم يُوجَدْ ذلك. وفرَّق في «المغْنِي» و «الشَّرح» بَينَ الطَّلاق والعِتْقِ، مِنْ حَيثُ إنَّ النِّكاحَ الثَّانِيَ يَنْبَنِي على الأوَّلِ، والعِتْقُ بخَلافِه. فَرْعٌ: إذا قال لعبدِه عَمْرٍو: إنْ دخلْتَ الدَّارَ فأنْتَ وعبدِي زَيدٌ حرَّانِ، فباعه، ثمَّ دَخَلَ الدَّارَ، أو قال: إنْ دخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ، وعبدِي زَيدٌ حرٌّ، ثُمَّ أبانَها، ثمَّ دَخَلَتْها؛ قال ابن حمدانَ: يَحتَمِلُ عِتْقُ زَيدٍ وعَدَمُه. (وَتَبْطُلُ الصِّفَةُ بِمَوْتِهِ)؛ لأِنَّ ملكَه زالَ، فتَبطُلُ تصرُّفاته بزواله؛ كالبيع. (فَإِنْ (٥) قَالَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي

стр. 4144

بِشَهْرٍ؛ فَهَلْ يَصِحُّ، وَيَعْتِقُ بِذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ). وفِيهِ مَسأَلَتانِ: الأُولَى، وهي الأصحُّ في «الشَّرح»: أنَّ هذه الصِّفةَ لا تَنعَقِدُ؛ لأِنَّه علَّق عِتْقَه على صفةٍ تُوجَدُ بَعْدَ زَوالِ ملْكِه، فلم يصحَّ (١)، كما لو قال: إنْ دَخَلْتَ الدَّار بَعْدَ بَيْعِي إيَّاكَ فأنتَ حرٌّ، ولأِنَّه إعْتاقٌ له بَعْدَ قرارِ ملْكِ غَيرِه، فلم يَعتِقْ، كالمنجَّز. والثَّانيةُ: يَعتِقُ، ذَكَرَه القاضي، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه صرَّح، فحُمِلَ عَلَيهِ، كما لو وَصَّى بإعْتاقِه، وبِبَيعِ سِلْعَتِه ويَتصدَّقُ بِثَمَنِها، ويُفارِقُ التَّصرُّفَ بَعْدَ البيع، فإنَّ الله تعالى جَعَلَ للإنسان التَّصرُّفَ بَعْدَ مَوتِه في ثُلُثه، بخِلافِ ما بَعْدَ البيع. الثَّانيةُ: إذا قال: أنتَ حرٌّ بَعْدَ مَوتِي بشَهْرٍ؛ فقال مُهَنَّى: سألتُ أحمدَ عن هذا فقال: هذا لا يكون شيئًا بَعْدَ مَوتِه (٢)، واخْتارَه أبو بَكْرٍ؛ لمَا ذَكَرْنا في التي قَبْلَها. والثَّانيةُ: يَعْتِقُ إذا وُجِدَت الصِّفةُ بَعْدَ الموت، ذَكَرَه القاضي وابنُ أبي موسى؛ لأِنَّ صحَّةَ التَّعليق تُوجِبُ وقوعَ العِتْقِ عِنْدَ شَرْطِه ضرورةً، فَعَلَى هذا: يكون قَبْلَ العِتْق ملكًا للوارِث، وكَسْبُه له؛ كأمِّ الولد. وعلى الأُولَى: لا يَملِكُ (٣) الورثةُ بَيعَه قَبْلَ فِعْلِه؛ كموصًى به قَبْلَ قَبوله. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَدَخَلَهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ؛ صَارَ مُدَبَّرًا)؛ لأِنَّه وُجِدَ شَرْطُ التَّدْبِير، وهو دخولُ الدَّار، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إذا لم يَدخُلْها في حياةِ السَّيِّد؛ لأِنَّه جُعِلَ ظَرْفًا لِوقوع الحُرِّيَّة، وذلك يَقتَضِي سَبْقَ

стр. 4145

دخولِ الدَّار في الحياة، أنَّه للشَّرط (١)؛ إذِ الشَّرْطُ لا بُدَّ مِنْ سَبْقِه الجَزاءَ. (فَإِنْ (٢) قَالَ) الحُرُّ: (إِنْ مَلَكْتُ فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ، أَوْ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ؛ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يَصِحُّ ولا يَعتِقُ، رُوِيَ عن عليٍّ (٣)، وابْنِ عبَّاسٍ (٤)، وجابِرٍ (٥)، وخَلْقٍ، وفي «المغْنِي»: هي ظاهر المذهَبِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ

стр. 4146

شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّه مرفوعًا: «لَا عِتْقَ لاِبْنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ، ولا طَلاقَ لاِبنِ آدَمَ فِيما لا يَملِكُ»، قال التِّرمِذِيُّ: (هذا حديثٌ حَسَنٌ، وهو أحْسَنُ ما رُوِيَ في هذا البابِ) (١)، ولأِنَّه قَولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابة، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ، فكان كالإجماع، ولأِنَّه لا يَملِكُ تَنجِيزَ العِتْقِ، فلم يَملِكْ تَعلِيقَه؛ لقَولِه ﵇: «لَا عِتْقَ قَبْلَ ملْكٍ» رواه أبو داود الطَّيالِسِيُّ (٢). والثَّانيةُ: يَعتِقُ إذا مَلَكَه، قَدَّمه في «الفروع»، ونَقَلَه الجماعةُ (٣)، واخْتارَه أصْحابُنا، قاله القاضِي وغَيرُه؛ لأِنَّ العِتْقَ مَقصودٌ من الملك، والنِّكاح لا يُقصَدُ به الطَّلاقُ. وفرَّق أحمدُ (٤): بأنَّ الطَّلاقَ لَيسَ لله، ولا فيه قُرْبةٌ إلى الله تعالى، ولأِنَّه أضاف العِتْقَ إلى حالِ ملْكِ عِتْقِه فيه، أشْبَهَ ما لو كان التَّعليقُ في ملْكِه. (وَإِنْ قَالَهُ العَبْدُ؛ لَمْ يَصِحَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّ العبدَ لا يَصِحُّ منه العِتْقُ حِينَ التَّعليق؛ لكونِه لا يَملِكُ، وإنْ مَلَكَ فهو ملْكٌ ضعيفٌ غَيرُ مُسْتَقِرٍّ، لا يَتَمَكَّنُ من التَّصرُّف فيه، وللسَّيِّد انْتِزاعُه منه، بخِلافِ الحرِّ. والثَّانِي: أنَّ العبدَ إذا قال ذلك، ثُمَّ عَتَقَ ومَلَكَ؛ عَتَقَ كالحرِّ.

стр. 4147

فَرْعٌ: إذا قال الحرُّ: أوَّلُ عَبْدٍ أمْلكُه فهو حرٌّ؛ انْبَنَى على العتق قَبْلَ الملْكِ، وفيه رِوايَتانِ. فإنْ لم يَمْلِكْ بَعْدَ واحِدٍ شيئًا؛ فَوَجْهانِ، وإنْ مَلَكَ اثْنَينِ معًا؛ فَقِيلَ: بِعِتْقِهما (١)؛ لأِنَّ الأوَّلِيَّةَ وُجِدَتْ فيهما جميعًا، كالمسابَقةِ وعَكْسِه. وقِيلَ: واحِدٌ بقُرعةٍ، قدَّمه في «الشَّرح»، ونَقَلَه مهنَّى في أوَّلِ غُلامٍ أو امرأةٍ تَطلُعُ: فهو حرٌّ أوْ طالِقٌ، وذَكَرَ المؤلِّفُ لَفْظَها: أوَّلُ مَنْ يَطلُعُ مِنْ عَبِيدِي (٢). مسألةٌ: إذا قال لعبدِ غَيرِه: إنْ كلَّمْتُك فأنتَ حرٌّ، ثُمَّ مَلَكَه، ثُمَّ كلَّمه؛ لم يَعتِقْ. (وَإِنْ قَالَ: آخِرُ مَمْلُوكٍ أشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ الصِّفَةِ)؛ أيْ: صحَّةِ التَّعليق؛ لأِنَّ الحُرِّيَّةَ عُلِّقَتْ على الاِتِّصاف بالآخِرِيَّة، وقد وُجِدَتِ في الآخِرِ، (فَمَلَكَ عَبِيدًا، ثُمَّ مَاتَ؛ فَآخِرُهُمْ حُرٌّ مِنْ حِينِ الشَّرَاءِ)؛ لأِنَّه قد تَبَيَّنَّا أنَّه كان حُرًّا حِينَ مَلَكَه، (وَ) يَكونُ (كَسْبُهُ لَهُ)، وإنْ كانَ أَمَةً كان أوْلادُها أحْرارًا من حِينَ وَلَدَتْهُم؛ لأِنَّهم أوْلادُ حُرَّةٍ، وإنْ كان وَطِئَها؛ فَعَلَيهِ مَهرُها؛ لأِنَّه وَطِئَ حرَّةً أجنبيَّةً، ولا يَحِلُّ له وطْؤُها إذا اشْتَراها حتَّى يَشْتَرِيَ غَيرَها؛ لأِنَّه إذا لم يَشْتَرِ بعدَها غَيرَها، فهي آخِرُ في الحال، فإنْ مَلَكَ اثْنَينِ؛ فكأوَّل. فَرْعٌ: إذا قال لعبدِ غَيرِه: أنت حرٌّ من مالِي، أوْ في مالِي؛ لم يَعتِقْ وإنْ رضِيَ سيِّدُه، نَصَّ عَلَيهِ (٣). فلو قال لِأَمَتِه: كلُّ مَولودٍ تَلِدِينَه فهو حرٌّ؛ عَتَقَ كلُّ وَلَدٍ وَلَدَتْه في ملْكِه في قَولِ العامَّة، فإنْ باعَها، ثُمَّ وَلَدتْ؛ لم يَعتِقْ ولدُها؛ لِوَلادتها له بَعْدَ زوالِ ملْكِه.

стр. 4148

(وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ حَيًّا ثُمَّ مَيِّتًا؛ لَمْ يَعْتِقِ الْأَوَّلُ)؛ لأِنَّه لم يُوجَدْ شَرْطُ عِتْقِه، ومُقْتَضَى قَوْلِ الشَّريف: أنَّه يَعتِقُ الحيُّ. (وَإِنْ وَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا؛ عَتَقَ الثَّانِي)؛ لوُجودِ شَرْطِه. (وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، فَأَشْكَلَ الآْخِرُ مِنْهُمَا؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّ أحدَهما اسْتَحقَّ العِتْقَ، ولم يُعلَم بعينه (١)، فوجه إخراجه بالقُرعة، كما لو قال: أحدُكما حُرٌّ. تنبيهٌ: إذا قال لأمَته: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه فهو حرٌّ، فَوَلَدتْ ميِّتًا، ثُمَّ حَيًّا؛ فعنه: يَعتِقُ الحيُّ، ذَكَرَه الشَّريفُ. وعَنْه: لا، وهو الصَّحيحُ، قال المؤلِّفُ: لأِنَّ شَرْطَ العتق إنَّما وُجِدَ من الميِّت، ولَيسَ بمَحَلٍّ للعتق، فانحلَّت اليمينُ به. وإنْ قال: آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَه فهو حرٌّ، فَوَلَدتْ حَيًّا ثُمَّ ميِّتًا، ثُمَّ لم تَلِدْ بَعْدَ ذلك شيئًا؛ ففي عِتْق الحيِّ رِوايَتانِ. وإنْ قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ، فَوَلَدت اثْنَينِ، وأشْكَلَ أوَّلُهما خُروجًا؛ عَتَقَ أحدُهما بالقُرعة. وعنه: يَعتِقانِ جميعًا. واختار في «التَّرغيب»: أنَّ معناهما (٢) أنَّ أمَدَ مَنْعِ السَّيِّد منهما هل هو القُرْعةُ، أو الاِنْكِشافُ؟ وفي «الانتصار» احْتِمالٌ: لا يَعتِقُ وَلَدٌ حَدَثَ؛ كتعليقه (٣) بملْكِه. (وَلَا يَتْبَعُ وَلَدُ المُعْتَقَةِ بِالصِّفَةِ أُمَّهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)؛ أيْ: إذا حَمَلَتْ بَعْدَ التَّعليق، وَوَضَعَتْ قَبْلَ وُجودِ الصِّفة، ثُمَّ وُجِدَتْ بَعْدَ ذلك؛ لم يَعتِق

стр. 4149

الوَلَدُ؛ لأِنَّ الصِّفةَ لم تتعلَّق به حالَ (١) التَّعليق، ولا في حال العِتْق. والوجْهُ الثَّاني: أنَّه (٢) يَتبَعُها في العتق، قِياسًا على وَلَدِ المدبَّرة. وفرَّق القاضِي: بأنَّ ولد المدبَّرة يَعتِقُ بمَوتِ سيِّدها، سواءٌ كانت الأمُّ باقيةً على ملْكِ السَّيِّد، أوْ باعَها (٣)، أوْ ماتَتْ قبلَه، ووَلَدُ المعلَّق عِتْقُها بصفةٍ لا يَعتِقُ إلاَّ بعِتْقِ أُمِّه. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً بِهِ (٤) حَالَ عِتْقِهَا، أَوْ حَالَ تَعْلِيقِ عِتْقِهَا)؛ أيْ: إذا علَّق عِتْقَ أَمةٍ بصفةٍ وهي حاملٌ؛ تَبِعَها وَلَدُها؛ كعُضْوٍ مِنْ أعضائها، فإنْ وَضَعَتْه قَبْلَ وجودِ الصِّفة، ثُمَّ وُجِدَت؛ عَتَقَ؛ لأِنَّه تابعٌ في الصِّفة، أشْبَهَ ما لو كان في البطن. وإنْ كانَتْ حامِلاً حالَ التَّعليق، ثُمَّ وُجِدت الصِّفةُ وهي حامِلٌ؛ عَتَقَتْ هي وحَمْلُها؛ لأِنَّ العِتْقَ وُجِدَ فيها وهي حاملٌ، فتَبِعَها ولدُها؛ كالمنجَّز. فَرْعٌ: إذا بَطَلَت الصِّفةُ بِبَيعٍ أوْ مَوتٍ؛ لم يَعتِق الولدُ؛ لأِنَّه لم يَصِرْ معتَقًا بصِفَةٍ. (وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْكَ أَلْفٌ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ؛ عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، ذَكَرَه المتأخِّرون مِنْ أصحابنا؛ لأِنَّه أعْتَقَه بغَيرِ شَرْطٍ، وجَعَلَ عَلَيهِ عِوَضًا لم يَقبَلْه، فلم يَعتِقْ به (٥)، ولم يَلزَمْه شَيءٌ، ونَصَرَه القاضي وأصحابُه؛ كقَوله: أنت حرٌّ، وعَلَيك مِائةٌ، على الأصحِّ.

стр. 4150

(وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْعَبْدُ؛ لَمْ يَعْتِقْ)، نقله محمَّدُ بنُ جعفرِ (١)؛ لأِنَّ السَّيِّدَ قَصَدَ المعاوَضةَ، فإذا لم يَقبَل العبدُ؛ وَجَبَ أنْ يَبْقَى المالُ على ما كان عَلَيه. (وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ: أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَقْبَلَ)، فإنْ لم يَقبَلْ لم يَعتِقْ في قَولِ الأكثرِ؛ لأِنَّه أعْتَقَه بِعِوَضٍ، فلم يَعتِقْ بِدُونِ قَبوله، كقوله: أنت حرٌّ بمائةٍ، أوْ بعتُك نفسَك بمائةٍ؛ لأِنَّ «على» تُستَعْمَلُ للشَّرْط والعِوَضِ، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف: ٦٦]، و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَجٍ﴾ [القَصَص: ٢٧]، ولو قال في النِّكاح: زوَّجْتُك فُلانةَ ابْنَتِي على خمسِمائةٍ، فَقَبِلَ الآخَرُ؛ صحَّ، وَوَجَبَ الصَّداقُ. وقَولُه لِأَمَتِه: أعْتَقْتُكِ على أنْ تُزوِّجِينِي نفسَك؛ كقوله: على مائةٍ. وإنْ أَباهُ؛ لَزِمَتْه القيمةُ. وقِيلَ: يعتِقُ بقَبولها مَجَّانًا. وَاخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ: لا يَعتِقُ إلاَّ بالأداء. فإنْ باعه نفسَه بمالٍ في يَدِه؛ صحَّ على الأصحِّ، وعَتَقَ في الحال، وفي الولاء رِوايَتانِ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي سَنَةً؛ فَكَذَلِكَ)؛ أيْ: يعتِقُ بلا قَبولٍ، وتَلزَمُه الخِدمةُ، نَصَّ عَلَيهِ. (وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَعْتِقْ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ قَصْدَ المعاوَضة فيها ظاهِرٌ، فَعَلَى هذا: إذا قَبِلَ؛ عَتَقَ في الحال، ولَزِمَتْه خِدْمَتُه سنَةً. فإنْ ماتَ السَّيِّدُ قَبْلَ كمالِ السَّنة؛ رُجِعَ على العبد بقيمةِ ما بَقِيَ من الخدمة؛ لأِنَّه إذا تعذَّر اسْتِيفاءُ العِوَضِ رُجِعَ (٢) إلى قيمته؛ كالخُلع والصُّلح

стр. 4151

عن دمِ العمد (١). وهل للسَّيِّد بَيعُها؟ فيه رِوايَتانِ، ونَقَلَ (٢) حَرْبٌ (٣): لا بأسَ بِبَيعها من العبد، أوْ ممَّن شاء، ولم يَذكُرُوا لو اسْتَثْنَى خِدمتَه مدَّةَ حياتِه، وذَكَرُوا صحَّته في الوقْف، وهذا مِثْلُه، بخِلافِ شَرطِ البائع خدمةَ المبِيعِ مدَّةَ حياتِه؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ يَختَلِفُ الثَّمَنُ لأِجْلِه. فُرُوعٌ: إذا قال: إنْ خَدَمْتَنِي سنةً فأنت حُرٌّ؛ لم يَعتِقْ حتَى يَخدُمَه، فإنْ ماتَ سيِّدُه فيها؛ لم يَعْتِقْ. وإنْ قال: أنتَ حُرٌّ بشَرْطِ أنْ تَخدُمَ زَيدًا بَعْدَ مَوتِي سَنَةً؛ صحَّ على الأصحِّ، وعَتَقَ بذلك. فإنْ أبْرَأَه زَيدٌ من الخدمة؛ عَتَقَ في الحال، وقِيلِ: بَعْدَ سَنَةٍ. فإنْ كانت الخِدمةُ لِبِيعَةٍ، وهما نَصرانِيَّانِ، فأسْلَمَ العبدُ قَبْلَ تمامها؛ عَتَقَ في الحال، وهل تَلْزَمُه القِيمةُ لبقيَّة الخدمة؟ على رِوايَتَينِ (٤). إذا قال لجاريةٍ: إنْ خَدَمْتِ ابْنِي حتَّى يَستَغْنِيَ فأنت حُرَّةٌ؛ لم تَعْتِقْ حتَّى تَخدُمَه إلى أنْ يَكْبَرَ وَيَسْتَغْنِيَ عن الرّضاع. إذا قال: إنْ أَعْطَيْتَنِي مائةً فأنت حُرٌّ؛ فتعليقٌ مَحْضٌ، لا يُبطِلُه ما دام

стр. 4152

ملْكُه، ولا يَعتِقُ بإبْراءٍ، بل بِدَفْعِها، نَصَّ عَلَيهِ (١)، وما فَضَل عنها لسيِّده، ولا يَكفِيهِ أنْ يُعطِيَه مِنْ ملْكِه؛ إذْ لا ملْكَ له على الأصحِّ. وهو كقَولِه لاِمْرأتِه: إنْ أعْطَيْتِنِي مائةً فأنت طالِقٌ، فأتتْ بمائةٍ مَغصوبَةٍ، ففي وُقوعه احْتِمالانِ، قاله في «التَّرغيب»، والعِتْقُ مِثْلُه. إذا قال: اشْتَرنِي من سيِّدي بهذا المالِ، وأعْتِقْني، فَفَعَلَ؛ عَتَقَ، ولَزِمَ مُشْتَرِيَهُ المسمَّى. وكذا إن اشْتَراه بعَينه إنْ لم تَتَعيَّن النُّقودُ، وإلاَّ بَطَلَا. وعنه: أَجْبُنُ عنه (٢).

стр. 4153

(فَصْلٌ) (وَإِذَا قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ؛ عَتَقَ عَلَيْهِ مُدَبَّرُوهُ، وَمُكَاتَبُوهُ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلادِهِ وَشِقْصٌ يَمْلِكُهُ)، وعَبْدُ عَبْدِه المأْذونِ، نَصَّ عَلَيهِ (١)، وإن اسْتَوعَبَهم دَينُ المأْذُون؛ لأِنَّ لَفْظَه عامٌّ فِيهِم، فيَعْتِقُونَ كما لو عيَّنهم. ونَقَلَ مُهَنَّى: لا يَعتِقُ شِقْصٌ حتَّى يَنوِيَه (٢)، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغَيره؛ لأِنَّه لا يَملِكُه كلَّه. فَرْعٌ: إذا علَّق بشَرْطٍ قدَّمه أوْ أخَّرَه؛ فَسَواءٌ إنْ صحَّ تعليقُه بالملْك، ذَكَرَه المؤلِّفُ في «فتاويه». (وَإِنْ قَالَ: أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّ أحدَهما اسْتَحقَّ العِتْقَ، ولم يُعلَمْ عَينُه، أشْبَهَ ما لو أعتقَ المريضُ الجَمِيعَ ولم يَخرُجُوا مِنْ ثُلُثِه، (فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ حِينَ أَعْتَقَهُ)؛ لأِنَّه تَعيَّنَ. وظاهِرُه: أنَّه لَيسَ للسَّيِّد التَّعْيِينُ، وهو الأصحُّ، ولا للوارِثِ بَعْدَه. فإنْ قال: أردتُ هذا بعَينِه؛ قُبِلَ منه، وعَتَقَ؛ لأِنَّ ذلك إنَّما يُعرَفُ مِنْ جِهَتِه. وقَولُه: (مِنْ حين أعْتَقَه)؛ يُريدُ: أنَّ العَبْدَ إنْ كان اكْتَسبَ مالاً بَعْدَ العِتْقِ؛ فهو له دُونَ سيِّدِه؛ لأِنَّا تبيَّنَّا أنَّه اكْتَسَبَ في حالِ الحرِّيَّة. (وَإِنْ مَاتَ؛ أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ)؛ لأِنَّهم يَقُومُونَ مَقامَ مُورِّثِهِمْ. (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيِّ)، فإنْ وَقَعَتْ على الميِّت؛ حَسَبْناهُ من التَّرِكة، وقَوَّمناهُ حِينَ الإعْتاقِ، سَوَاءٌ ماتَ في حياةِ سيِّده أوْ بَعْدَه

стр. 4154

قَبْلَ القُرْعة. فَعَلَيهِ: إنْ وَقَعَتْ على الحيِّ؛ نُظِرَ في الميِّت، فإنْ كان مَوتُه قَبْلَ مَوتِ سيِّده، أوْ بَعْدَه قَبْلَ قَبْضِ الوارِث له؛ لم يُحسَبْ (١) من التَّرِكة، فتَكونُ التَّرِكةُ الحيَّ وَحْدَه، فيَعتِقُ ثُلُثُه، وتُعتبَرُ قِيمةُ الإعتاق؛ لأِنَّه حِينَ الإتْلاف، وتُعتبَرُ (٢) قِيمةُ التَّرِكة بأقلِّ الأمْرَينِ من حين الموت إلى حين قبض الوارث. وقِيلَ: يُحسَب الميِّتُ من التَّرِكة. وإنْ كان مَوتُه بَعْدَ قَبْضِ الوارِثِ له؛ حُسِبَ من التَّرِكة؛ لأِنَّه وَصَلَ إلَيهِم، وجَعَلْناهُ كالحيِّ في تقويمه معه. (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أُنْسِيَهُ؛ أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ) في قِياسِ قَولِ أحمدَ، وقالَهُ اللَّيثُ؛ لأِنَّ مُستَحِقَّ العِتْقِ غَيرُ مُعيَّنٍ، أشْبَهَ ما لو عَتَقَ جميعُهم في مَرَضِ مَوتِه. فإنْ لم يُقرَعْ؛ فإنَّه يُقبَلُ قَولُه في عِتْقِ مَنْ عيَّنَه (٣) دُونَ غَيرِه، فإذا قال: أعتقتُ هذا؛ عتَقَ، ورَقَّ الباقُون. وإنْ قال: أعْتَقْتُ هذا، لا بل هذا؛ عَتَقَا جميعًا. وكذا إقرارُ وارِثٍ. (فَإِنْ عُلِمَ بَعْدَهَا)؛ أيْ: بَعْدَ القُرعة (أَنَّ المُعْتَقَ غَيْرُهُ؛ عَتَقَ)؛ لِتَبَيُّنِ (٤) أمْرِه، (وَهَلْ يَبْطُلُ عِتْقُ الْأَوَّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: أنَّه يَبطُلُ، ويُرَدُّ إلى الرِّقِّ؛ لأِنَّه تبيَّنَ له المعتَقُ، فيَعتِقُ دُونَ غَيرِه، كما لو لم يُقرَعْ.

стр. 4155

والثَّانِي، وهو مُقْتَضَى قَولِ ابنِ حامِدٍ: أنَّهما يَعتِقانِ؛ لأِنَّ الأوَّلَ تَثبُتُ الحُرِّيَّةُ فيه بالقُرعة، فلا تَزُولُ (١)؛ كسائر الأحرار، وكما لو كانت القُرعةُ بحُكْمِ حاكِمٍ.

стр. 4156

(فَصْلٌ) (وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) المخوفِ، (وَلَمْ تُجِزِ (١) الْوَرَثَةُ؛ اعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ)؛ لأِنَّه ﵇ لم يُجِزْ عِتْقَ الَّذي أعْتَقَ ستَّةَ مَمْلُوكِينَ في مَرضِ مَوتِه إلاَّ ثُلثَهم (٢)، ولأِنَّه تبرُّعٌ بمالٍ، أشْبَهَ الهِبَةَ، وكالتَّدبير، والوصيَّة بالعتق. فعلى هذا: ما زاد على الثُّلث إنْ أجازه الوارِثُ؛ جَازَ، وإنْ رَدَّه؛ بَطَلَ؛ لأِنَّ الحقَّ له. (وَإِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ، أَوْ دَبَّرَهُ)؛ بأنْ قال: إذا مِتُّ فنِصفُ عَبْدِي حرٌّ، ثُمَّ ماتَ، (وَثُلُثُه يَحْتَمِلُ جَمِيعَهُ؛ عَتَقَ جَمِيعُهُ) على المذهب، وهو قَولُ أكثرِ الفقهاء؛ لأِنَّه يَزولُ (٣) التَّدبير كالعِتْق بالسِّراية؛ لأِنَّه إعْتاقٌ لبعضِ عبدِه، فيَعتِقُ جميعُه، كما لو أعتقه في حياته. وشَرْطُه كما ذَكَرَه: أنْ يكونَ ثُلثُ المريض يَحتَمِلُه؛ لأِنَّ تصرُّف المريضِ بالمباشَرة في الزَّائد عن الثُّلث لا يَصِحُّ؛ فَلَأَنْ لا يَسْرِيَ فيه بطريقِ الأَوْلى، فلو ماتَ العبدُ قَبْلَ سيِّده؛ عَتَقَ بِقَدْر ثُلثه. (وَعَنْهُ: لَا يَعْتِقُ إِلاَّ مَا أَعْتَقَ)؛ لأِنَّه لا يَمنَعُ جَوازَ البيع، فلم يَسْرِ؛ كتعليقه بالصِّفة في الحياة. فَرْعٌ: إذا دبَّر أحدُ الشَّريكَينِ نصيبَه؛ صحَّ، ولم يَلزَمْه لشريكه في الحال شيءٌ، فإذا مات عتَق الجزْءُ المدبَّرُ إذا خرج من ثُلثه، وفي سِرايَتِه في نصيب الشَّريك الخِلافُ. (وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، أَوْ دَبَّرَهُ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ بَاقِيَهُ؛

стр. 4157

أُعْطِيَ الشَّرِيكُ)؛ أيْ: قِيمةَ باقِيهِ بتقْديرِ الحُكْم بالحرِّيَّة (١)؛ لقوله ﵇: «وَأَعْطَى شُرَكاءَه حِصَصَهم (٢)، (وَكَانَ جَمِيعُهُ حُرًّا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، ويُعْطَى الشَّريكُ قيمةَ نصيبه من الثُّلث؛ لأِنَّ ملْكَ المعتِق لِثُلث المالِ تامُّ التَّصرُّف فيه بالتَّبرُّع، فهو كمالِ الصَّحيح الموسِرِ (٣) (وَالْأُخْرَى: لَا يَعْتِقُ إِلاَّ مَا مَلَكَ مِنْهُ)؛ أيْ: حصَّتُه فقط؛ لأِنَّ ملْكَه يَزولُ إلى ورثته بمَوتِه، فلا يَبقَى شيءٌ يُقضَى منه الشَّريكُ. لكن قال القاضِي: ما أعْتَقَه في مرض موته سَرَى، وما دبَّره أو أوْصَى (٤) بعِتْقه؛ فلا، فالرِّواية في سِرايَة العِتْق في حال الحياة أصحُّ، والرِّوايةُ في وُقوفِه في التَّدبير أصحُّ؛ لأِنَّ العِتْقَ في الحياة يَنفُذُ في حالِ ملْك المعتِق وصحَّةِ تصرُّفه، وتصرُّفه في ثُلُثه كتصرُّف الصَّحيح في ماله كلِّه، وأمَّا التَّدبير والوصيَّةُ فإنَّما يَحصُلُ العِتْقُ به في حال زوالِ ملكِ المعتِق وتصرُّفاته. (وَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ، قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُمْ؛ بِيعُوا فِي دَيْنِهِ). وجُملتُه: أنَّ المريضَ إذا أعْتَقَ عَبِيدَه، أوْ دبَّرهم، وهم يَخرُجون من ثُلثه في الظَّاهِر، فأعْتَقْناهم، ثُمَّ ماتَ، فَظَهَرَ عَلَيهِ دَينٌ يَستَغْرِقُهم؛ تبيَّنَّا بُطْلانَ عِتْقِهم، فيُباعُونَ في الدَّين، ويَكونُ عِتْقُهم وصيَّةً، والدَّينُ مقدَّمٌ على الوصيَّةِ، ولأِنَّ الدَّينَ يُقدَّمُ (٥) على المِيراث بالاِتِّفاق، ولهذا يُباع في قَضاءِ الدَّينِ؛ لقَوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النِّسَاء: ١١]، ورَدَّ ابنُ أبي لَيلى

стр. 4158

عبْدًا أعْتَقَه سيِّدُه عِنْدَ الموت وعليه دَينٌ، فاسْتَحْسَن ذلك أحمدُ ﵁ (١). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَعْتِقَ ثُلُثُهُمْ)، هذا روايةٌ ذَكَرَها أبو الخَطَّاب، فَعَلَى هذا: يَعتِقُ منه بِقَدْر الثُّلث، ويُرَدُّ الباقِي؛ لأِنَّ تصرُّف المريض في ثلثِه كتصرُّف الصَّحيح في ماله، وكما لو لم يَكُنْ عَلَيهِ دَينٌ. ولأِنَّه تبرُّعٌ في مَرَض مَوتِه بما يُعتَبَرُ خُروجُه من الثُّلث، فقُدِّمَ عَلَيهِ الدَّينُ كالهبة (٢). فإنْ قال الوَرَثةُ: نحن نُمْضِي العتقَ، ونَقْضِي الدَّينَ؛ لم يَنفُذْ في وَجْهٍ؛ لأِنَّ الدَّينَ كان مانِعًا منه، فيكون باطلاً، ولا يَصِحُّ بزوال المانع بَعدَه. وفي آخرَ: يَنفُذُ العِتْقُ؛ لأِنَّه إذا سَقَطَ الدَّينُ؛ وَجَبَ نُفوذُه. وقِيلَ: أصلُهما: إذا تصرَّف الورثةُ في التَّركة ببيعٍ وغيرِه، وعلى الميِّت دَينٌ، وقُضِيَ الدَّينُ؛ هل يَنفُذُ؟ فيه وجْهانِ. فرعٌ: إذا أعْتَقَ المريضُ ثلاثةَ أعْبُدٍ لا مالَ له غَيرُهم، فأقْرَعَ الورثةُ، فأعْتَقُوا واحدًا وأرَقُّوا اثنَينِ، ثُمَّ ظَهَرَ عليه دَينٌ يَستَغْرِقُ نصفَهم؛ فوَجْهانِ: أحدهما: تَبطُل القُرعةُ. والثَّاني: لا، فيُقالُ للورثة: اقضُوا ثُلثَي الدَّينِ، وهو بقدرِ قيمةِ نصفِ العَبدَينِ اللَّذَينِ بَقِيَا، إمَّا من العبيد أو من غَيرِهم، ويَجِبُ ردُّ نصف العبد الذي عَتَقَ، فإن كان الذي أعْتَقَ العَبدَينِ؛ أَقرَعَ بَينَهما، فإذا خرجتْ لأِحدِهما، وكان بقَدر السُّدس من التَّركة؛ عَتَقَ وبِيعَ الآخَرُ في الدَّين، وإنْ كان أكثرَ منه؛

стр. 4159

عَتَقَ بقَدْر السُّدس، فإن كان أقلَّ؛ عَتَقَ، وعَتَقَ من الآخَر تمامُ السُّدسِ. (وَإِنْ أَعْتَقَهُمْ، فَأَعْتَقْنَا ثُلُثَهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يَخْرُجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ عَتَقَ مَنْ أُرِقَّ مِنْهُمْ)؛ أيْ: إذا أعْتَقَ عبيدَه في مرضه، لم يَعتِقْ منهم إلاَّ الثُّلثُ، ويَرِقُّ الثُّلثانِ إذا لم يُجِزِ الورثةُ. فإذا فُعِل ذلك، ثُمَّ ظَهَر له مالٌ بقدر ثُلثَيهم؛ تبيَّنَّا أنَّهم عَتَقُوا حِينَ أعْتَقَهم؛ لأِنَّ تصرُّفَ المريض في ثُلُثِ ماله نافِذٌ، وقد بانَ أنَّهم ثُلثُ ماله، وخَفاءُ ذلك علينا لا يَمنَعُ كَونَه مَوجُودًا، فلا يَمنَعُ كَونَ العتق واقِعًا، فعلى هذا: يكونون أحرارًا من حين أعتقهم، وكَسْبُهم لهم. وإِنْ كان تصرَّفَ فيهم ببيعٍ ونحوِه؛ كان باطِلاً، وإنْ كانوا قد تصرَّفوا؛ فحُكمُهم كالأحرار، فلو تزوَّج منهم عبدٌ بغَيرِ إذْنِ سيِّده؛ كان نكاحُه صحيحًا، وَوَجَبَ عليه المهرُ. وإنْ ظَهَرَ له بقدر قيمتهم؛ عَتَقَ ثُلثاهم؛ لأِنَّه ثلثُ جميعِ المال، وإنْ ظَهَرَ له مالٌ بقدر نصفهم؛ عَتَقَ نصفُهم، وإنْ كان بقدر ثلثِهم؛ عَتَقَ أربعةُ أتْساعِهم، وعلى هذا الحِسابُ. (وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ؛ جَزَّأْنَاهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، كُلُّ اثْنَيْنِ جُزْءًا، وَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ (١) حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ؛ عَتَقَ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ) في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عِمرَان: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصَّافات: ١٤١]، وعن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ: «أنَّ رجلاً من الأنصارِ أعْتَقَ ستَّةَ مَمْلوكَينِ في مَرضِه، لا مالَ له غَيرُهم، فجزَّأهم النَّبيُّ ﷺ ثلاثةَ أجْزاءٍ، فأعْتَقَ اثنَينِ، وأَرَقَّ أربعةً، وقال له قَولاً شديدًا» رواهُ الجماعةُ إلاَّ البُخارِيَّ (٢)، قال

стр. 4160

أحمدُ: (في القُرعة خمسُ سُنَنٍ) (١)، وأجْمَعُوا على استعمالها في القِسمة، وإذا أراد الرَّجلُ السَّفرَ بإحْدى نسائه، وكذا إذا تشاحَّ الأولياءُ في التَّزويج، أو مَنْ يتولَّى القِصاصَ (٢)، ولأِنَّه حقٌّ في تفريقه ضَرَرٌ، فَوَجَبَ جَمْعُه بالقرعة؛ كقِسمة الإجبار مع الطَّلَب. وبذلك يَبطُل قَولُ الخصم: إنَّه مخالِفٌ للقياس، ثمَّ لو سُلِّم؛ فالحجَّةُ الحديثُ مطلَقًا. فَعَلَى هذا: لا بدَّ من تساوِي القيمةِ والعَدَدِ فيهم؛ كثلاثةٍ أوْ ستَّةٍ أوْ تسعةٍ، قِيمة كلِّ واحدٍ منهم مِثْلُ قيمة الآخَر، فإنْ كانوا مُتَساوِي العَدد دُونَ القيمة؛ كستَّةِ أعْبُدٍ قيمةُ اثنَينِ ثلاثُمائةٍ ثلاثُمائةٍ (٣)، واثنَينِ مِائتانِ مِائتانِ، واثنَينِ مائةٌ مائةٌ؛ جعلتَ الاِثنَينِ اللَّذَينِ قِيمتُهما أربعُمائةٍ جزءًا، وكلَّ واحدٍ من اللَّذَينِ قِيمتُهما مائةٌ مائةٌ (٤) مع كلِّ واحدٍ من الأُولَيَينِ جزءًا. وظاهِرُ المتن: أنَّه لا فَرقَ بَينَ أنْ يُعتِقَهم في دفعةٍ واحدةٍ أوْ دفعاتٍ، وأنَّ العطايا يساوى بَينَ متقدِّمها ومتأخِّرها.

стр. 4161

فَصلٌ في كَيفيَّة القُرْعة قال أحمدُ: قال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: يُقرَع بَينَهم بالخَواتيمِ، أَقْرَعَ بَينَ اثنَينِ في ثَوبٍ، فأخرج خاتَمَ هذا وخاتَمَ هذا، ثمَّ قال: يُخرِجونَهُما، ثمَّ يَدفَع (١) إلى رجلٍ، فيُخرِجُ منهما (٢) واحدًا، قال أحمدُ: بأيِّ شَيءٍ خرجت ممَّا يتَّفِقانِ عليه؛ وقع الحكم به، سَواءٌ كان رِقاعًا أوْ خواتيمَ (٣). وقال أصحابُنا المتأخِّرون: الأَوْلى أنْ يَقطَع رقاعًا صغارًا مستويةً، ثمَّ تُجعَلَ في بَنادِقِ شَمْعٍ أو غَيرِه، متساويةَ القدر، ثُمَّ تُلْقَى في حِجْرِ واحِدٍ لم يَحضُرْ، ويُغطَّى عَليها بثَوبٍ، ثمَّ يُقالَ له: أدْخِلْ يَدَكَ، فأخْرِجْ بُندُقةً، فيَفُضُّها، ويُعلَمُ ما فيها. وفي كَيفيَّتها طُرُقٌ، وستأتي (٤) في القسمة إنْ شاء الله تعالى. (وَإِنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً؛ فَإِنْ شَاءَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمُ بَسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ، وَخَمْسَةِ رِقٍّ، وَسَهْمٍ لِمَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ)؛ لأِنَّ الغَرَضَ خُروجُ الثُّلث بالقُرعة، فكَيفَ اتَّفَقَ حصل ذلك الغَرَضُ. (وَإِنْ شَاءَ جَزَّأَهُمْ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ، وَثَلَاثَةِ رِقٍّ، ثُمَّ أَعَادَ الْقُرْعَةَ بَيْنَهُمْ لِإِخْرَاجِ مَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ)؛ لأِنَّه يَجعَلُ كلَّ اثنَينِ جُزءًا، ويُقرِعُ بَينَهم بما ذُكِرَ؛ لِيَظهَرَ الفريق (٥) المعتق من غَيرِه، ويُعيدُ القرعةَ؛ ليَظهَرَ مَنْ ثُلثاهُ حُرٌّ.

стр. 4162

(وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ جَازَ)؛ بأنْ يَجعَلَ ثلاثةً جُزءًا (١)، وثلاثةً جزءًا (٢)، واثنَينِ جُزءًا، فإنْ خَرَجَت القرعةُ على الاِثنَينِ؛ عَتَقَا، ويُكمَّل (٣) الثُّلثُ بالقُرعة من الباقِينَ، وإنْ خرجتْ لثلاثةٍ أقْرَعَ بَينَهم بسهْمَيْ حريَّةٍ وسهمِ رِقٍّ، ثُمَّ أُعِيدت القرعةُ بَينَهم، فمَن وَقَعَ له سهمُ العتق؛ عَتَقَ ثُلُثاهُ، فإنْ كان جميعُ ماله عَبدَينِ؛ أقْرَعْنا بَينَهما (٤) بسَهْمِ حرِّيَّةٍ وسَهْمِ رِقٍّ على كلِّ حالٍ. (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَتَانِ، وَالآْخَرِ ثَلَاثُمِائَةٍ؛ جَمَعْتَ قِيمَتَهُمَا، وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَجَعَلْتَهَا الثُّلُثَ)، هذا إذا لم يُجِزِ الورثةُ عِتْقَهما؛ عَتَقَ ثُلثُهما، وكَمِّل الثُّلثَ في أحدهما، فتَجمَعُ قِيمَتَهما، فتكونُ خمسَمائةٍ، (ثُمَّ أَقْرَعْتَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ ضَرَبْتَهُ فِي ثَلَاثَةٍ)؛ أيْ: تَضرِب قِيمتَه في ثلاثةٍ، ونَسَبْنَا قِيمَتَهما إلى المرتَفِع بالضَّرب، فما خَرَجَ من النِّسبةِ؛ عَتَقَ من العَبْدِ بقَدْره، (تَكُنْ سِتَّمِائَةٍ، ثُمَّ نَسَبْتَ مِنْهُ خَمْسَ المائَةِ)؛ لأِنَّها الثُّلثُ تقديرًا، (يَكُنِ الْعِتْقُ فِيهِ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ)؛ لأِنَّ خمسَمائةٍ من ستِّمائةٍ: خمسةُ أسْداسِها، (وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الآْخَرِ)، وهو الذي قيمتُه ثلاثُمائةٍ؛ (عَتَقَ مِنْهُ (٥) خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ)؛ لأِنَّك إذا ضربتَ قِيمتَه، وهي ثلاثُمائةٍ في ثلاثةٍ كانَتْ: تسعَمائةٍ، فإذا نَسَبْتَ خمسَمائةٍ كانت خمسةَ أتْساعها. (وَكُلُّ شَيْءٍ يَأْتِي مِنْ هَذَا فَسَبِيلُهُ أَنْ يُضْرَبَ فِي ثَلَاثَةٍ، لِيَخْرُجَ بِلَا كَسْرٍ)، هذا قَولُ مَنْ يَرَى جَمْعَ العِتْق في بعض العبد بالقُرعة. (وَإِنْ أَعْتَقَ وَاحِدًا)؛ أيْ: غَيرَ مُعَيَّنٍ، (مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فِي

стр. 4163

حَيَاةِ سَيِّدِهِ؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَّيْنِ)، هذا هو الأصحُّ. وقِيلَ: يُقرع بَينَهما دُونَ الميِّت. وعلى الأوَّل: (فَإِنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى المَيِّتِ؛ رَقَّ الآْخَرَانِ)؛ كما لو كانوا أحْياءً، (وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى أَحَدِ الْحَيَّيْنِ؛ عَتَقَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ)؛ لأِنَّ تصرُّفَ المريض معتَبَرٌ من الثُّلث، بخِلافِ الأُولَى، فإنَّه لم يُشرَطْ فيها؛ لأِنَّ الميِّتَ إنْ كان وَفْق (١) الثُّلثِ؛ فلا إشْكالَ فيه، وإنْ كان أكثرَ؛ فالزَّائدُ عن الثُّلث هَلَكَ على مالكه، وإنْ كان (٢) فلا يَعتِقُ من الآخَرَينِ شَيٌ؛ لأِنَّه لم يُعتِقْ إلاَّ واحدًا. (وَإِنْ أَعْتَقَ الثَّلَاثَةَ فِي مَرَضِهِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ؛ فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ)؛ أيْ: يُقْرَعُ بَينَه وبَينَ الحَيَّينِ؛ لأِنَّ الحُرِّيَّةَ إنَّما تَنفُذُ من (٣) الثُّلث، أشْبَهَ ما لو أعتق واحدًا منهم. لا يُقال: لَيس (٤) حُكمُ عتقِ الثَّلاثة لَيسَ كحكمه (٥) عِتق أحدِهم في بعض الصُّوَر؛ لأِنَّ الميِّتَ لو كانت قيمتُه أقلَّ من الآخَرَينِ؛ فمع وقوع القُرعة عليه تُكمَّل (٦) من الآخَرَينِ، والمرادُ به: التَّشبيه في نفس القرعة، من غير تعرُّضٍ للقيمة. (وَالْأَوْلَى: أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ وَيُسْقَطَ حُكْمُ المَيِّتِ)؛ لأِنَّ الاِعْتِبارَ في خروجه من الثُّلث بحالة الموت، وحالةُ الموت إنَّما كان له العَبْدانِ (٧)، وهما

стр. 4164

كلُّ مالِه، وصار بمنزلة ما لو أعْتَقَ العَبْدَينِ في مرضه، ولم يكن له مالٌ غَيرُهم. فَرْعٌ: لو وكَّلَ أحدُ الشَّريكَينِ الآخَرَ في عِتْقِ نصيبِه، فقال الوكيلُ: نصيبِي حُرٌّ؛ عتَقَ، وسَرَى إلى نصيب شريكه، والوَلاءُ له، وإنْ أعتق نصيبَ شريكه عتَقَ، وسَرَى إلى نصيبه إنْ كان مُوسِرًا، والوَلاء للموكِّل. وإنْ أعتقَ نصفَ العبد ولم يَنْوِ شيئًا؛ احْتَمَل أن ينصرِفَ إلى نصيبه؛ لأِنَّه لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، واحْتَمَلَ أن ينصرِفَ إلى نصيب شريكه؛ لأِنَّه أَمَرَه بالإعتاق، ويَحتَمِلُ أنْ ينصرِفَ إليهما لتساويهما، وأيُّهما حَكَمْنا بالعتق عليه؛ ضَمِنَ نصيبَ شريكه. وقيل: لا يَضمَن؛ لأِنَّ الوكيلَ إذا أعتق نصيبه، فسَرَى إلى الآخَر؛ لم يَضمَنْه؛ لأِنَّه مأْذونٌ له في العِتْقِ.

стр. 4165

(بَابُ التَّدْبِيرِ) سُمِّيَ تَدْبِيرًا؛ لأِنَّ الوفاةَ دُبُرَ الحياةِ، يُقالُ: دبَّرَه تَدْبيرًا؛ إذا علَّق عِتْقَه بمَوتِه، يُقالُ: أعْتَقَه عن دُبُرٍ؛ أيْ: بَعْدَ الموت، وقالَ ابنُ عَقِيلٍ: هو مُشْتَقٌّ مِنْ إدْباره مِنْ الدُّنيا، ولا يُسْتَعْمَلُ في كلِّ شيءٍ بَعْدَ الموت مِنْ وصيَّةٍ وَوَقْفٍ وغَيرِه، فهو لفظٌ يُخَصُّ به العِتْقُ بَعْدَ الموت. والأصلُ فيه: حديثُ جابِرٍ: أنَّ رجلاً من الأنصار أعْتَقَ غُلامًا له عن دُبُرٍ، لم يَكُنْ له مالٌ غَيرُه، فبَلَغَ ذلك النَّبيَّ ﷺ فقال: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فاشْتَراهُ نُعَيمٌ بن النَّحَّام بثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَها إليه، متَّفَقٌ عَلَيهِ (١)، وقالَ ابنُ المنذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نحفَظُ عنه من أهل العلم على أنَّ من دبَّرَ عَبْدَه أو أَمَتَه، ولم يَرجِعْ عن ذلك حتَّى مات، والمدبَّرُ يَخرُجُ من ثُلُثِ ماله بَعْدَ قَضاءِ الدَّين وإنفاذِ وَصَاياهُ، وكان السَّيِّدُ بالِغًا جائِزَ التَّصرُّف؛ أنَّه يَعتِقُ (٢). (وَهُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالمَوْتِ)، هذا بَيانٌ لمَعْنَى التَّدبيرِ شَرْعًا، ولا تَصِحُّ وصيَّتُه به. (وَيُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ)؛ أيْ: إنَّما يَعتِقُ إذا خَرَجَ من ثُلث المال في قَولِ أكثرِ العلماء. ورُوِيَ عن ابن مسعودٍ وغَيرِه: أنَّه من رأسِ المالِ (٣)، ونَقَلَه حَنبَلٌ عن

стр. 4166

الإمام (١)؛ قِياسًا على أمِّ الوَلَدِ. وجَوابُه: بأنَّه تبرُّعٌ بَعْدَ الموت، فكان من الثُّلث كالوصيَّة، وما نَقَلَه حنبلٌ لا عَمَلَ عليه، قال أبو بَكْرٍ: هو قَولٌ قديمٌ رَجَعَ عنه إلى ما قاله الجماعةُ، فَعَلَى هذا: إذا لم يَخرُج منه، وأجاز الورثةُ؛ عَتَق جميعُه، وإلاَّ عَتَقَ منه مِقدارُ الثُّلث. وهل يُسْتَسْعَى في قِيمةِ باقِيهِ؟ على رِوَايَتَينِ، وعَنْهُ: في الصِّحَّة مُطلَقًا. فَرْعٌ: إذا اجْتَمَع العِتْقُ في المرض والتَّدبير؛ قُدِّمَ العِتْقُ. وإنْ اجْتَمَعَ هو والوصيَّةُ بعِتْقِه؛ تساويا؛ لوجودهما بَعْدَ الموت. وقيلَ: يُقدَّم التَّدبير؛ لحصوله بلا مُهْلَةٍ. (وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ)؛ لأِنَّه تَبرُّعٌ بالمال بَعْدَ الموت، أشْبَهَ الوصيَّةَ. وقال الخِرَقيُّ: إذا جاوزَ العَشْرَ وكان يَعرِفُه، والجارِيةُ إذا جاوَزَت التِّسعَ. وجوابُه: بأنَّه يُؤمَرُ بالصَّلاة، والجاريةُ بقَولِ عائشةَ: «إذا بَلَغَت الجاريةُ تِسْعًا فهي امرأةٌ» (٢)، ولأِنَّه سِنٌّ يُمكِنُ بُلوغُها فيه. ويَصِحُّ تدبيرُ المحْجُور عليه لسفهٍ (٣)، ولا يَصِحُّ من المجنون. ويصحُّ من الكافِر ولو حربِيًّا ومُرْتَدًّا إنْ تبينَّا (٤) مِلْكَه له فأسْلَمَ، فإنْ ماتَ مُرْتَدًّا؛ بَطَلَ في الأصحِّ. (وَصَرِيحُهُ: لَفْظُ الْعِتْقِ وَالحُرِّيَّةِ المُعَلَّقَيْنِ بِالمَوْتِ)؛ كقَوله: أنْتَ حُرٌّ، أوْ

стр. 4167

عَتِيقٌ، أوْ مُعتَقٌ، أوْ مُحرَّرٌ بَعْدَ مَوتِي، فيَصيرُ بذلك مُدبَّرًا، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)، (وَلَفْظُ التَّدْبِيرِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا)، غَيرَ أمْرٍ ومُضارِعٍ، فإذا قال: أنت مُدبَّرٌ، أو دبَّرتك؛ فإنَّه يَصِيرُ مدبَّرًا بمجرَّد اللَّفظ وإنْ لم يَنوِهِ. وكناياتُ العِتْق المنجَّز يكونُ للتَّدبير إذا أضاف إلَيهِ ذِكْرَ الموت. (وَيَصِحُّ مُطْلَقًا)؛ أيْ: مِنْ غَيرِ شَرْطٍ آخَرَ، نحو: إنْ مُتُّ فأنْتَ حُرٌّ، أوْ مُدبَّرٌ. (وَمُقَيَّدًا)؛ لأِنَّه تعليقٌ للعِتْقِ على شَرْطٍ، فصحَّ مطلَقًا ومُقَيَّدًا؛ كتعليقِ العِتْق بغَيرِ الموت، (بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ مُتُّ فِي مَرَضِي هَذَا، أَوْ عَامِي هَذَا)، أوْ في بَلَدِي هذا؛ (فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ مُدَبَّرٌ)؛ لأِنَّه تقييدٌ خاصٌّ. وقد يكونُ غَيرَ خاصٍّ، مِثْلَ أنْ يُعلِّقَه على صفةٍ؛ ك: إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فأنت حُرٌّ، أو إنْ (٢) قَدِمَ زَيدٌ، أوْ شَفَى اللهُ مريضِي فأنت مدبَّرٌ، فهذا لا يصير مدبَّرًا في الحال؛ لأِنَّه علَّق التَّدبير بشرطٍ، فإذا وُجِدَ صار مدبَّرًا، وعَتَقَ بمَوتِ سيِّده. وإنْ لم يُوجَدْ في حياةِ السَّيِّد، وَوُجِدَ بَعْدَ مَوْته؛ لم يَعتِقْ؛ لأِنَّ إطْلاقَ الشَّرْط يَقتَضِي وُجودَه في الحياة، بدليلِ: ما لو علَّق عليه عِتْقًا مُنَجَّزًا. فَرْعانِ: الأوَّلُ: إذا قال: إذا قرأتَ القرآن فأنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوتِي، فَقَرأه جميعَه؛ صار مُدبَّرًا، بخِلافِ قراءةِ بعضِه، فإنْ قال: إذا قرأتَ قرآنًا فأنتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوتِي، فَقَرَأَ بَعضَه؛ صار مُدبَّرًا؛ لأِنَّه في الأولى عرَّفه باللاَّم المقتَضِيةِ لِلاِسْتِغْراق، بخِلافِ الثَّانية.

стр. 4168

الثَّاني: إذا قالا لِعبْدِهما: إنْ مُتْنا فأنْتَ حُرٌّ؛ فهو تعليقٌ للحرِّيَّة بمَوتِهما جميعًا، ذَكَرَه القاضِي وغَيره، ولا يَعتِقُ بمَوتِ أحدِهِما شَيءٌ، ولا بِبَيعِ وارِثِه حقَّه. وقال أحمدُ، واختاره المؤلِّفُ: إذا مات أحدُهما فنصيبُه حُرٌّ (١). فإنْ أراد أنَّه حُرٌّ بَعْدَ آخِرِهما مَوتًا؛ فإنْ جاز تعليقُ الحُرِّيَّة على صفةٍ بَعْدَ الموت؛ عَتَقَ بَعْدَ مَوتِ الآخَرِ منهما عَلَيهما، وإلاَّ عَتَقَ نصيبُ الآخَر منهما بالتَّدبير، وفي سِرايَته إن احْتَمَله ثُلثُه الرِّوايَتانِ. (وَإِنْ قَالَ: مَتَى شِئْتَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ، فَمَتَى شَاءَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ صَارَ مُدَبَّرًا)، يَعتِقُ بمَوته؛ لأِنَّ المشيئةَ على التَّراخِي، فَمَتَى وُجِدَت المشيئةُ وُجِدَ الشَّرطُ، كقَولِه: إذا شِئْتَ، أوْ أيَّ وقتٍ شِئْتَ، فإنْ ماتَ السَّيِّدُ قَبْلَ المشيئة؛ بَطَلَتْ. فإنْ قال: مَتَى شِئْتَ بَعْدَ مَوتِي، أوْ أيَّ وَقْتٍ شِئْتَ بَعْدَ مَوتِي؛ فهو تعليقٌ للعتق على صفةٍ. وقال القاضي: يَصِحُّ، فعليه: يكونُ على التَّراخي، وما كسبَه قَبْلَ مشيئته فهو لورثة سيِّده، بخلافِ الموصَى به، فإنَّ في كَسْبِه قَبْلَ القَبولِ وَجْهَينِ. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ؛ فَقِيَاسُ المَذْهَبِ: أَنَّهُ كَذَلِكَ)، أيْ: أنَّه على التَّراخِي؛ كَ: مَتَى شِئْتَ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ شَاءَ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ مُدَبَّرًا، وَإِلاَّ فَلَا)؛ لأِنَّ المشيئةَ كالاِختِيار. (وَإِذَا قَالَ: قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِي، أَوْ قَدْ أَبْطَلْتُهُ؛ لَمْ يَبْطُلْ) في الصَّحيح من المذْهَبِ؛ (لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ)، وكما لو قال: إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فأنْتَ حُرٌّ.

стр. 4169

(وَعَنْهُ: يَبْطُلُ؛ كَالْوَصِيَّةِ)؛ لأِنَّه جَعَلَ له نفسَه بَعْدَ مَوتِه، فكان ذلك وصيَّةً، فجاز الرُّجوعُ فيها بالقَول، كما لو وَصَّى له بعَبْدٍ آخَرَ. فلا يَصِحُّ رُجوعُه في حَمْلٍ لم يُوجَدْ، وإنْ رَجَعَ في حامِلٍ؛ ففي حَمْلِها وَجْهانِ، لا بَعْدَ وَضْعِه. والرِّوايَتانِ: إذا لم يأتِ بصريحِ التَّعليق، أو صريحِ الوصيَّة، قاله في «التَّرغيب» وغيره. وعَنْهُ: لا يَصِحُّ في الأَمَة. وإنْ أنْكَرَه؛ لم يَرجِعْ إنْ قُلْنَا: تعليقٌ، وإلاَّ فَوَجْهانِ. تنبيهٌ: إذا قال: إذا أدَّيتَ إلى وَرَثَتِي ألْفًا فأنْتَ حُرٌّ؛ فقد رَجَعَ عن تدبيره، قال ابنُ حَمْدانَ: كما لو ردَّ الوصيَّةَ ولم يَقبَلْها. وإنْ دبَّرَه كلَّه، ثُمَّ رَجَعَ في نِصْفِه؛ صحَّ إذا قُلْنَا بصحَّة الرُّجوع في جميعه. فإنْ غَيَّرَ التَّدْبيرَ فكان مطلَقًا فَجَعَلَه مُقَيَّدًا؛ صار مُقيَّدًا إنْ قُلْنا بصحَّةِ الرُّجوع، وإنْ كان مُقَيَّدًا فأطْلَقَه؛ صحَّ على كلِّ حالٍ؛ لأِنَّه زيادةٌ، فلا يُمنَعُ منه. (وَلَهُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ، وَهِبَتُهُ)، نَقَلَه الجماعةُ عنه (١)؛ لأِنَّه عِتْقٌ مُعلَّقٌ بصفةٍ، فلم يَمنَعْ مِنْ بَيعِه، وظاهِرُه: مُطلَقًا في الدَّينِ وغَيرِه، مع الحاجة وَعَدَمِها وإنْ لم يرضَ به (٢). (وَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ) بَعْدَ البيع؛ (عَادَ التَّدْبِيرُ)؛ لأِنَّه مُعلَّقٌ عِتْقُه بصفةٍ. وبَناهُ القاضِي على أصْلٍ، وهو أنَّ التَّدبيرَ هل هو تعليقٌ للعتق بصفةٍ أو

стр. 4170

وصيَّةٌ؟ فَعَلَى الأوَّل: يَعُودُ، بخِلافِ الوصيَّة، وهذا روايةٌ عن أحمدَ. (وَعَنْهُ: لَا يُبَاعُ إِلاَّ فِي الدَّيْنِ)؛ لأِنَّ الدَّينَ يُقدَّمُ (١) على العتق المحقَّق في بَعْضِ المواضِعِ؛ فَلَأَنْ يُقدَّمَ على ما انعقد فيه سبب الحُرِّيَّة بطريقِ الأَوْلَى. وعَنْهُ: لحاجةٍ، اختارَها الخِرَقِيُّ، وجَزَمَ بها في «الكافي»؛ لأِنَّه ﵇ إنَّما باعَهُ لحاجةِ صاحبِه (٢). (وَعَنْهُ: لَا تُبَاعُ الْأَمَةُ خَاصَّةً)؛ لأِنَّ في جوازِ بَيعِها إباحةً لِفَرْجِها، وتَسْلِيطَ مُشْتَرِيها على وَطْئِها، مع وقوع الخِلاف في بَيعِها وحِلِّها (٣)، بخِلافِ المدبَّر، قال المؤلِّف: لا نَعلَمُ التَّفريقَ بَينَهما عن غَيرِ إمامِنا. والصَّحيحُ الأوَّل، قال الجُوزَجانيُّ: صحَّتْ أحاديثُ بَيعِ المدبَّر باسْتقامَةِ الطُّرق، والخَبَرُ إذا صحَّ استُغْنِيَ به عن غَيرِه، ولأنَّه عِتْقٌ بصفةٍ، فلم يَمنَع البَيعَ، كقوله: إنْ دخلتَ الدَّارَ فأنْتَ حُرٌّ، وخَبرُهم لَيسَ بصحيحٍ، وإنَّما هو عن ابن عمرَ (٤)، ويَحتَمِلُ أنَّه أراد بَعْدَ الموت، أو على الاِسْتِحْبابِ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على أمِّ الوَلَدِ؛ لأِنَّ عِتْقَها ثَبَتَ بغَيرِ اختيار سيِّدِها، وإذا لم يَصِحَّ، أو دبَّر الحَمْل، ثُمَّ باع أُمَّهُ؛ فكاسْتِثنائه في البيع، قاله في «التَّرغيب». وفي «الرَّوضة»: له بَيعُ العبد في الدَّين، وفي بَيعِها فيه رِوايَتانِ. (وَمَا وَلَدَتِ المُدَبَّرَةُ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا)، الوَلَدُ الحادِثُ بَعْدَ
следующие страницы →