← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

الإمام (١)؛ قِياسًا على أمِّ الوَلَدِ. وجَوابُه: بأنَّه تبرُّعٌ بَعْدَ الموت، فكان من الثُّلث كالوصيَّة، وما نَقَلَه حنبلٌ لا عَمَلَ عليه، قال أبو بَكْرٍ: هو قَولٌ قديمٌ رَجَعَ عنه إلى ما قاله الجماعةُ، فَعَلَى هذا: إذا لم يَخرُج منه، وأجاز الورثةُ؛ عَتَق جميعُه، وإلاَّ عَتَقَ منه مِقدارُ الثُّلث. وهل يُسْتَسْعَى في قِيمةِ باقِيهِ؟ على رِوَايَتَينِ، وعَنْهُ: في الصِّحَّة مُطلَقًا. فَرْعٌ: إذا اجْتَمَع العِتْقُ في المرض والتَّدبير؛ قُدِّمَ العِتْقُ. وإنْ اجْتَمَعَ هو والوصيَّةُ بعِتْقِه؛ تساويا؛ لوجودهما بَعْدَ الموت. وقيلَ: يُقدَّم التَّدبير؛ لحصوله بلا مُهْلَةٍ. (وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ)؛ لأِنَّه تَبرُّعٌ بالمال بَعْدَ الموت، أشْبَهَ الوصيَّةَ. وقال الخِرَقيُّ: إذا جاوزَ العَشْرَ وكان يَعرِفُه، والجارِيةُ إذا جاوَزَت التِّسعَ. وجوابُه: بأنَّه يُؤمَرُ بالصَّلاة، والجاريةُ بقَولِ عائشةَ: «إذا بَلَغَت الجاريةُ تِسْعًا فهي امرأةٌ» (٢)، ولأِنَّه سِنٌّ يُمكِنُ بُلوغُها فيه. ويَصِحُّ تدبيرُ المحْجُور عليه لسفهٍ (٣)، ولا يَصِحُّ من المجنون. ويصحُّ من الكافِر ولو حربِيًّا ومُرْتَدًّا إنْ تبينَّا (٤) مِلْكَه له فأسْلَمَ، فإنْ ماتَ مُرْتَدًّا؛ بَطَلَ في الأصحِّ. (وَصَرِيحُهُ: لَفْظُ الْعِتْقِ وَالحُرِّيَّةِ المُعَلَّقَيْنِ بِالمَوْتِ)؛ كقَوله: أنْتَ حُرٌّ، أوْ

стр. 4167

عَتِيقٌ، أوْ مُعتَقٌ، أوْ مُحرَّرٌ بَعْدَ مَوتِي، فيَصيرُ بذلك مُدبَّرًا، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)، (وَلَفْظُ التَّدْبِيرِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا)، غَيرَ أمْرٍ ومُضارِعٍ، فإذا قال: أنت مُدبَّرٌ، أو دبَّرتك؛ فإنَّه يَصِيرُ مدبَّرًا بمجرَّد اللَّفظ وإنْ لم يَنوِهِ. وكناياتُ العِتْق المنجَّز يكونُ للتَّدبير إذا أضاف إلَيهِ ذِكْرَ الموت. (وَيَصِحُّ مُطْلَقًا)؛ أيْ: مِنْ غَيرِ شَرْطٍ آخَرَ، نحو: إنْ مُتُّ فأنْتَ حُرٌّ، أوْ مُدبَّرٌ. (وَمُقَيَّدًا)؛ لأِنَّه تعليقٌ للعِتْقِ على شَرْطٍ، فصحَّ مطلَقًا ومُقَيَّدًا؛ كتعليقِ العِتْق بغَيرِ الموت، (بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ مُتُّ فِي مَرَضِي هَذَا، أَوْ عَامِي هَذَا)، أوْ في بَلَدِي هذا؛ (فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ مُدَبَّرٌ)؛ لأِنَّه تقييدٌ خاصٌّ. وقد يكونُ غَيرَ خاصٍّ، مِثْلَ أنْ يُعلِّقَه على صفةٍ؛ ك: إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فأنت حُرٌّ، أو إنْ (٢) قَدِمَ زَيدٌ، أوْ شَفَى اللهُ مريضِي فأنت مدبَّرٌ، فهذا لا يصير مدبَّرًا في الحال؛ لأِنَّه علَّق التَّدبير بشرطٍ، فإذا وُجِدَ صار مدبَّرًا، وعَتَقَ بمَوتِ سيِّده. وإنْ لم يُوجَدْ في حياةِ السَّيِّد، وَوُجِدَ بَعْدَ مَوْته؛ لم يَعتِقْ؛ لأِنَّ إطْلاقَ الشَّرْط يَقتَضِي وُجودَه في الحياة، بدليلِ: ما لو علَّق عليه عِتْقًا مُنَجَّزًا. فَرْعانِ: الأوَّلُ: إذا قال: إذا قرأتَ القرآن فأنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوتِي، فَقَرأه جميعَه؛ صار مُدبَّرًا، بخِلافِ قراءةِ بعضِه، فإنْ قال: إذا قرأتَ قرآنًا فأنتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوتِي، فَقَرَأَ بَعضَه؛ صار مُدبَّرًا؛ لأِنَّه في الأولى عرَّفه باللاَّم المقتَضِيةِ لِلاِسْتِغْراق، بخِلافِ الثَّانية.

стр. 4168

الثَّاني: إذا قالا لِعبْدِهما: إنْ مُتْنا فأنْتَ حُرٌّ؛ فهو تعليقٌ للحرِّيَّة بمَوتِهما جميعًا، ذَكَرَه القاضِي وغَيره، ولا يَعتِقُ بمَوتِ أحدِهِما شَيءٌ، ولا بِبَيعِ وارِثِه حقَّه. وقال أحمدُ، واختاره المؤلِّفُ: إذا مات أحدُهما فنصيبُه حُرٌّ (١). فإنْ أراد أنَّه حُرٌّ بَعْدَ آخِرِهما مَوتًا؛ فإنْ جاز تعليقُ الحُرِّيَّة على صفةٍ بَعْدَ الموت؛ عَتَقَ بَعْدَ مَوتِ الآخَرِ منهما عَلَيهما، وإلاَّ عَتَقَ نصيبُ الآخَر منهما بالتَّدبير، وفي سِرايَته إن احْتَمَله ثُلثُه الرِّوايَتانِ. (وَإِنْ قَالَ: مَتَى شِئْتَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ، فَمَتَى شَاءَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ صَارَ مُدَبَّرًا)، يَعتِقُ بمَوته؛ لأِنَّ المشيئةَ على التَّراخِي، فَمَتَى وُجِدَت المشيئةُ وُجِدَ الشَّرطُ، كقَولِه: إذا شِئْتَ، أوْ أيَّ وقتٍ شِئْتَ، فإنْ ماتَ السَّيِّدُ قَبْلَ المشيئة؛ بَطَلَتْ. فإنْ قال: مَتَى شِئْتَ بَعْدَ مَوتِي، أوْ أيَّ وَقْتٍ شِئْتَ بَعْدَ مَوتِي؛ فهو تعليقٌ للعتق على صفةٍ. وقال القاضي: يَصِحُّ، فعليه: يكونُ على التَّراخي، وما كسبَه قَبْلَ مشيئته فهو لورثة سيِّده، بخلافِ الموصَى به، فإنَّ في كَسْبِه قَبْلَ القَبولِ وَجْهَينِ. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ؛ فَقِيَاسُ المَذْهَبِ: أَنَّهُ كَذَلِكَ)، أيْ: أنَّه على التَّراخِي؛ كَ: مَتَى شِئْتَ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ شَاءَ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ مُدَبَّرًا، وَإِلاَّ فَلَا)؛ لأِنَّ المشيئةَ كالاِختِيار. (وَإِذَا قَالَ: قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِي، أَوْ قَدْ أَبْطَلْتُهُ؛ لَمْ يَبْطُلْ) في الصَّحيح من المذْهَبِ؛ (لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ)، وكما لو قال: إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فأنْتَ حُرٌّ.

стр. 4169

(وَعَنْهُ: يَبْطُلُ؛ كَالْوَصِيَّةِ)؛ لأِنَّه جَعَلَ له نفسَه بَعْدَ مَوتِه، فكان ذلك وصيَّةً، فجاز الرُّجوعُ فيها بالقَول، كما لو وَصَّى له بعَبْدٍ آخَرَ. فلا يَصِحُّ رُجوعُه في حَمْلٍ لم يُوجَدْ، وإنْ رَجَعَ في حامِلٍ؛ ففي حَمْلِها وَجْهانِ، لا بَعْدَ وَضْعِه. والرِّوايَتانِ: إذا لم يأتِ بصريحِ التَّعليق، أو صريحِ الوصيَّة، قاله في «التَّرغيب» وغيره. وعَنْهُ: لا يَصِحُّ في الأَمَة. وإنْ أنْكَرَه؛ لم يَرجِعْ إنْ قُلْنَا: تعليقٌ، وإلاَّ فَوَجْهانِ. تنبيهٌ: إذا قال: إذا أدَّيتَ إلى وَرَثَتِي ألْفًا فأنْتَ حُرٌّ؛ فقد رَجَعَ عن تدبيره، قال ابنُ حَمْدانَ: كما لو ردَّ الوصيَّةَ ولم يَقبَلْها. وإنْ دبَّرَه كلَّه، ثُمَّ رَجَعَ في نِصْفِه؛ صحَّ إذا قُلْنَا بصحَّة الرُّجوع في جميعه. فإنْ غَيَّرَ التَّدْبيرَ فكان مطلَقًا فَجَعَلَه مُقَيَّدًا؛ صار مُقيَّدًا إنْ قُلْنا بصحَّةِ الرُّجوع، وإنْ كان مُقَيَّدًا فأطْلَقَه؛ صحَّ على كلِّ حالٍ؛ لأِنَّه زيادةٌ، فلا يُمنَعُ منه. (وَلَهُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ، وَهِبَتُهُ)، نَقَلَه الجماعةُ عنه (١)؛ لأِنَّه عِتْقٌ مُعلَّقٌ بصفةٍ، فلم يَمنَعْ مِنْ بَيعِه، وظاهِرُه: مُطلَقًا في الدَّينِ وغَيرِه، مع الحاجة وَعَدَمِها وإنْ لم يرضَ به (٢). (وَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ) بَعْدَ البيع؛ (عَادَ التَّدْبِيرُ)؛ لأِنَّه مُعلَّقٌ عِتْقُه بصفةٍ. وبَناهُ القاضِي على أصْلٍ، وهو أنَّ التَّدبيرَ هل هو تعليقٌ للعتق بصفةٍ أو

стр. 4170

وصيَّةٌ؟ فَعَلَى الأوَّل: يَعُودُ، بخِلافِ الوصيَّة، وهذا روايةٌ عن أحمدَ. (وَعَنْهُ: لَا يُبَاعُ إِلاَّ فِي الدَّيْنِ)؛ لأِنَّ الدَّينَ يُقدَّمُ (١) على العتق المحقَّق في بَعْضِ المواضِعِ؛ فَلَأَنْ يُقدَّمَ على ما انعقد فيه سبب الحُرِّيَّة بطريقِ الأَوْلَى. وعَنْهُ: لحاجةٍ، اختارَها الخِرَقِيُّ، وجَزَمَ بها في «الكافي»؛ لأِنَّه ﵇ إنَّما باعَهُ لحاجةِ صاحبِه (٢). (وَعَنْهُ: لَا تُبَاعُ الْأَمَةُ خَاصَّةً)؛ لأِنَّ في جوازِ بَيعِها إباحةً لِفَرْجِها، وتَسْلِيطَ مُشْتَرِيها على وَطْئِها، مع وقوع الخِلاف في بَيعِها وحِلِّها (٣)، بخِلافِ المدبَّر، قال المؤلِّف: لا نَعلَمُ التَّفريقَ بَينَهما عن غَيرِ إمامِنا. والصَّحيحُ الأوَّل، قال الجُوزَجانيُّ: صحَّتْ أحاديثُ بَيعِ المدبَّر باسْتقامَةِ الطُّرق، والخَبَرُ إذا صحَّ استُغْنِيَ به عن غَيرِه، ولأنَّه عِتْقٌ بصفةٍ، فلم يَمنَع البَيعَ، كقوله: إنْ دخلتَ الدَّارَ فأنْتَ حُرٌّ، وخَبرُهم لَيسَ بصحيحٍ، وإنَّما هو عن ابن عمرَ (٤)، ويَحتَمِلُ أنَّه أراد بَعْدَ الموت، أو على الاِسْتِحْبابِ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على أمِّ الوَلَدِ؛ لأِنَّ عِتْقَها ثَبَتَ بغَيرِ اختيار سيِّدِها، وإذا لم يَصِحَّ، أو دبَّر الحَمْل، ثُمَّ باع أُمَّهُ؛ فكاسْتِثنائه في البيع، قاله في «التَّرغيب». وفي «الرَّوضة»: له بَيعُ العبد في الدَّين، وفي بَيعِها فيه رِوايَتانِ. (وَمَا وَلَدَتِ المُدَبَّرَةُ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا)، الوَلَدُ الحادِثُ بَعْدَ

стр. 4171

التَّدبير لا يَخْلُو مِنْ حالَينِ: أحدهما: أنْ يكونَ مَوجُودًا حالَ تدبيرها، ويُعلَمُ ذلك، بأنْ تأتيَ به لأِقلَّ مِنْ ستَّةِ أشْهُرٍ مِنْ حِينِه، فيَدخُلُ معها بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (١)؛ كعُضْوٍ مِنْ أعضائها، فإنْ بَطَلَ التَّدبير في الأمِّ؛ لم يَبطُلْ في وَلَدِها؛ لأِنَّه ثَبَتَ أصْلاً. الثَّاني: أنْ تَحمِلَ به بَعْدَ التَّدبير، فهو يَتبَعُ أُمَّه مطلَقًا في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. ونَقَلَ حَنبَلٌ عنه: أنَّ وَلَدَها عبدٌ إذا لم يَشْرِط الولِيُّ (٢)، فظاهِرُه: أنَّه لا يَتبَعُها، ولا يعتِقُ (٣) بمَوتِ سيِّدها، ولأِنَّ عِتْقَها معلَّقٌ (٤) بصفةٍ، أشْبَهَ مَنْ عُلِّق عِتْقُها بدخول الدَّارِ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لقَولِ عمرَ وابنِه وجابرٍ: «إنَّ وَلَدَها بمنزلتها» (٥)، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ في الصَّحابة، فكان كالإجماع، ولأِنَّ الأمَّ اسْتَحَقَّت الحُرِّيَّةَ

стр. 4172

بِمَوتِ سيِّدها، فيَتْبَعُها وَلَدُها كأمِّ الولد. فَعَلَى هذا: إنْ بَطَلَ التَّدبيرُ في الأمِّ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بها فَقَطْ (١)، فإنْ لم يتبع (٢) الثُّلث لهما جميعًا؛ أُقْرِعَ بَينَهما. (وَلَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا مِنْ قَبْلِ التَّدْبِيرِ) على المذهب؛ لأِنَّه لا يَتبَعُها في العتق ولا في الاِسْتِيلاد، ففي التَّدبير أَوْلَى. وذَكَرَ أبو الخطَّاب: أنَّ حَنْبَلاً نقل عن عمِّه (٣) في الرَّجل يُدبِّرُ الجاريةَ ولها وَلَدٌ، قال: وَلَدُها مَعَها (٤)، وحَمَلَها المؤلِّفُ: على الولد بَعْدَ التَّدبير؛ تَوفِيقًا بَينَ كَلامَيهِ. وعُلِمَ: أنَّ وَلَدَ المدبَّر لا يَتبَعُ أباهُ مُطلَقًا على المذهب؛ لأِنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتبَعُ أُمَّه في الحُرِّيَّة والرِّقِّ. وعنه، وهي ظاهِرُ «المغْنِي» و «الشَّرح»: الجَزْمُ بها في ولده من أَمَتِه المأْذُونِ له في التَّسَرِّي بها يكون مُدبَّرًا؛ لأِنَّه وَلَدُه مِنْ أَمَتِه (٥)؛ فتَبِعَه كالحُرِّ. وفي «الرِّعاية»: لا يكونُ وَلَدُ المدبَّر مِنْ أَمَتِه (٦) مِثلَه في الأصحِّ، بل يَتْبَعُ أُمَّه. (وَلَهُ وَطْءُ مُدَبَّرَتِهِ)، رُوِيَ عن ابن عمرَ وابنِ عبَّاسٍ (٧)؛ كمَمْلوكَتِه، فيَدخُلُ

стр. 4173

تَحْتَ قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣]، قال أحمدُ: لا أعْلَمُ أحَدًا كَرِهَ ذلك غَيرَ الزُّهْرِيِّ (١). وعَنْهُ: لا يَجوزُ وَطْءُ بنتِ مدبَّرَتِه، وهو مَحمُولٌ على أنَّه وطِئَ أُمَّها. (فَإِنْ أَوْلَدَهَا؛ بَطَلَ تَدْبِيرُهَا)؛ لأِنَّ الاِسْتِيلادَ أقْوَى من التَّدبير، فأبْطَلَه كالنِّكاح مع الملْكِ. (وَإِذَا (٢) دَبَّرَ المُكَاتَبَ)؛ جاز، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٣)؛ لأِنَّه تعليقٌ لِعَتْقِه بصفةٍ، وهو يَملِكُ إعْتاقَه، فيَملِكُ التَّعليقَ وإنْ قِيلَ: هو وصيَّةٌ. (أَوْ كَاتَبَ المُدَبَّرَ؛ جَازَ)، وهو قَولُ ابنِ مَسْعودٍ (٤) وأبي هُرَيرةَ (٥)؛ لأِنَّ التَّدبيرَ إنْ كانَ عِتْقًا بصفةٍ لم يَمنَعِ الكتابةَ، وكذا إنْ كان وصيةً، كما لو وصَّى بعِتْقِه، ثُمَّ كاتَبَه. وذَكَرَ القاضِي: أنَّه يَبطُلُ بها إذا قُلْنَا: هو وصيَّةٌ، كما لو وَصَّى به لرجلٍ، ثُمَّ كاتَبَهُ.

стр. 4174

(فَإِنْ أَدَّى؛ عَتَقَ)؛ لأِنَّ ذلك شَأْنُ المكاتَب، (وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ؛ عَتَقَ)؛ لأِنَّ ذلك شَأنُ المدبَّر، (إِنْ حَمَلَ الثُّلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ)؛ لأِنَّ المدبَّرَ يُعتَبَرُ في عِتْقِه بالتَّدبير خُروجُه من الثُّلث، وبَطَلَت الكتابةُ. (وَإِلاَّ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ) حَيثُ لم يَخرُجْ كلُّه من الثُّلث؛ لأِنَّ ذلك لا مانِعَ له، (وَسَقَطَ مِنَ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ)؛ لاِنْتِفاءِ مَحَلِّها بالعتق، (وَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ)؛ لأِنَّ مَحلَّها لم يُعارِضْه شَيءٌ، فَعَلَى هذا: لو خرج نصفُه من الثُّلث؛ عَتَقَ نصفُه، وسَقَطَ نصفُ الكتابة، وبَقِيَ نصفُه، والذي يُحسَبُ من الثُّلث؛ إنَّما هو قِيمةُ المدبَّر وَقْتَ مَوتِ سيِّده؛ لأنَّ المدبَّرَ لو لم يَكُنْ مكاتَبًا؛ لَاعتُبِرَتْ قِيمتُه. ومَتَى عَتَقَ بالتَّدبير؛ كان ما في يده لسيِّده؛ لأِنَّه كان له قَبْلَ العتق، فكذا بَعْدَه، ذَكَرَه الأصْحابُ. قال المؤلِّفُ: وعِنْدِي أنَّه يَعتِقُ ويَتبَعُه وَلَدُه وأكْسابُه؛ لأِنَّ السَّيِّدَ لا يَملِكُ إبْطالَ كِتابَتِه؛ لِكَونِها عَقْدًا لازِمًا مِنْ جِهَتِه، وإنَّما يَملِكُ إسْقاطَ حقِّه عَلَيهِ. وعَنْهُ: له؛ كَلُبْسِه. ونَقَلَ ابنُ هانِئٍ (١): ما لا بدَّ مِنْ لُبْسِه، وكما لو ادَّعى المدبَّرُ أنَّه كَسَبَه بَعْدَ مَوتِه، وأمْكَنَ لثُبوتِ يَدِه عَلَيهِ، بخِلافِ وَلَدِه (٢). (وَإِذَا دَبَّرَ) وهو مُوسِرٌ (شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ لَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ)؛ لأِنَّه تعليقٌ للعتق بصفةٍ، فلم يَسْرِ؛ كتعليقه بدخولِ الدَّار. ويُفارِقُ الاِسْتِيلادَ، فإنَّه آكدُ، بدليلِ: أنَّه يَعتِقُ من جميعِ المال، ولو قَتَلَتْ سيِّدَها؛ لم يَبطُل اسْتِيلادُها، والمدبَّرُ بخِلافه.

стр. 4175

وإنْ ماتَ المدبِّرُ؛ عَتَقَ نصيبُه إنْ خَرَجَ من الثُّلث، وفي سِرايَتِه إلى نصيبِ شريكِه رِوايَتانِ. (فَإِنْ أَعْتَقَ شَرِيكُهُ) نصيبَه؛ (سَرَى إِلَى المُدَبَّرِ، وَغَرِمَ قِيمَتَهُ لِسَيِّدِهِ) إنْ كان مُوسِرًا؛ لِخَبَرِ ابنِ عمرَ (١)، ولأِنَّه إذا سَرَى إلى إبْطالِ الملك الذي هو آكَدُ من الوَلاء، والوَلاء أَوْلَى، ما ذُكر فيه لا أصْلَ له (٢)، ويَبطُلُ بما إذا علَّق عِتْقَ نصيبِه بصفةٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَسْرِيَ فِي الْأَوَّلِ)، ويَضمَنُ قِيمتَه؛ لأِنَّ المدبَّرَ اسْتَحَقَّ العتقَ (٣) بمَوتِ سيِّدِه، فَسَرَى كأمِّ الوَلَدِ، (دُونَ الثَّانِي)؛ أي: لا يَسْرِي؛ لأِنَّه قد انْعَقَدَ له سببٌ اسْتَحقَّ الوَلاءَ على العبد، فلم يَكُنْ لِلآخَر إبْطالُه. تنبيهٌ: إذا دبَّرا عبدَهما معًا؛ صحَّ، ولا يَعتِقُ بمَوتِ أحدِهما، ولا بِبَيْعِ (٤) وارِثِه حقَّه، ثُمَّ إنْ أعْتَقَ أحدُهما حقَّه؛ ففي وُجوبِ ضَمانِ حقِّ الآخَرِ وَجْهانِ. وفي «الشَّرح»: إذا دبَّر كلُّ واحِدٍ من الشَّرِيكَينِ حقَّه، فمات أحدُهما؛ عَتَقَ نصيبُه، وبَقِيَ نصيبُ الآخَر على التَّدبير إنْ لم يفِ ثُلثُه بقيمةِ حصَّةِ شريكه، وإنْ كان يَفِي؛ فهل يَسْرِي؟ على رِوايَتَينِ. وإنْ قال كلُّ واحِدٍ منهما: إذا متْنَا فأنْتَ حُرٌّ، فإذا مات أحدُهما فنِصفُه حُرٌّ، وقال القاضِي: هذا تعليقٌ للحُرِّيَّة بمَوتِهما جميعًا. فإنْ عَتَقَ بالتَّدبير؛ فما مَعَهُ إذِنْ إرثٌ. وعَنْهُ: بل هو له، اختاره المؤلِّفُ، كما لو بَقِيَ مُدَّةً، فادَّعاه كَسْبًا بَعْدَ مَوتِه، حَلَفَ له، فإنْ أقامَ بيِّنةً؛ قُدِّمَتْ على بيِّنةِ الورثة.

стр. 4176

وعنه: تُقدَّمُ بيِّنةُ الدَّاخِل. وإنْ أعْتَقَ عبدَه القِنَّ، أوْ كاتَبَه، أوْ أعْتَقَ مُكاتَبَه؛ فما بيده لسيِّده، وعنه: له. وعِتقه مكاتَبَه؛ قيل: إبْراءٌ مِمَّا بَقِيَ، وقِيلَ: فسخ؛ كعتقه في كفَّارةٍ. (وَإِذَا أَسْلَمَ مُدَبَّرُ الْكَافِرِ؛ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ)؛ أيْ: أَمَرْناهُ بإزالةِ ملْكِه عنه، لِئلاَّ يَبْقَى الكافِرُ مالِكًا لِمسلِمٍ؛ كغَيرِ المدبَّر، وكما لو أسْلَمَ مُكاتَبُه وعَجَزَ. وقِيلَ: لا يَلْزَمُه إن اسْتَدامَ تَدْبيرَه، ويُحالُ بَينَهما، وتَلزَمُه (١) نَفَقَتُه حتَّى يَعتِقَ بمَوتِه. (وَتُرِكَ (٢) فِي يَدِ عَدْلٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ)؛ لأِنَّه أَوْلَى النَّاسِ به، (وَمَا فَضَلَ لِسَيِّدِهِ)؛ لأِنَّه مَمْلوكُه، (وَإِنْ أَعْوَزَ؛ فَعَلَيْهِ تَمَامُهُ)؛ لأِنَّ نفقةَ المملوك على السَّيِّد إنْ لم يَكُنْ له كَسْبٌ. (إِلاَّ أَنْ يَرْجِعَ فِي التَّدْبِيرِ، وَنَقُولَ بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ، فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِه)، ولا يُترَكُ في يَدِ عَدْلٍ؛ لأِنَّ الكافِرَ لا يُقَرُّ على اسْتِقْرار ملْكِه على المسْلِمِ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّ المدبَّرَ إذا كان لم يَكُنْ له كَسْبٌ؛ أنَّه يُجبَرُ سيِّدُه على الإنْفاقِ عَلَيهِ؛ لأِنَّه مِلْكه. (وَمَنْ أَنْكَرَ التَّدْبِيرَ؛ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ)؛ أي: إذا ادَّعى العَبْدُ على سيِّدِه أنَّه دبَّره، صحَّتْ دَعْوَاهُ؛ لأِنَّه يَدَّعِي اسْتِحْقاقَ العِتْقِ، فإنْ أنْكَرَ، ولم يَكُنْ للمدبَّر بيِّنةٌ؛ قُبِلَ قَولُ السَّيِّد مع يَمِينِه؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُه، وجَحْدُه التَّدبيرَ لَيسَ رُجوعًا إنْ جُعِلَ عِتْقًا بصِفَةٍ، وإلاَّ فَوَجْهانِ. فإنْ (٣) جُعِلَ رُجوعًا؛ لم تُسمَعْ دَعْواهُ ولا بيِّنَتُه، قال ابنُ حَمْدانَ: إنْ

стр. 4177

جوَّزنا الرُّجوعَ وحَلَفَ عَلَيهِ؛ صحَّ، وإلاَّ فلا. وإنْ كان الاِخْتِلافُ بَينَ العبد وَوَرَثةِ سيِّدِه؛ فكالخِلاف مع السَّيِّد، إلاَّ أنَّ الدَّعْوَى صحيحةٌ بغَيرِ خِلافٍ (١)، وأيْمانُهم على نَفْيِ العِلْم، وتَجِبُ اليمينُ على كلِّ واحِدٍ من الورثة، فَمَنْ نَكَلَ منهم؛ عَتَقَ نصيبُه، ولم يَسْرِ إلى باقِيهِ. ويُشتَرَطُ في الشَّاهِدَينِ العدالةُ بغَيِر خِلافٍ؛ لأِنَّ ذلك شَرْطٌ فيهما (٢). (وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْعَبْدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: وَجَزَم بها في «الوجيز»: أنَّه يُحكَم به؛ قِياسًا على البيع. والثَّانيةُ: لا يُحكَمُ عَلَيه بذلك؛ لأِنَّ الغَرَضَ إثْباتُ الحُرِّيَّة وتكميلُ الأحكام، فلا يَثبُتُ ذلك إلاَّ بشهادةِ عَدْلَينِ؛ كالنِّكاح والطَّلاق. (وَإِذَا قَتَلَ المُدَبَّرُ سَيِّدَهُ؛ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ)؛ لأِنَّه قَصَدَ اسْتِعْجالَ العِتْقِ بالقَتْلِ المحرَّم، فعُوقِبَ بنَقِيضِ قَصْدِه؛ كَمَنْعِ المِيراث بِقَتْلِ المورُوث، ولأِنَّ التَّدبير وصيَّةٌ، فيَبطُلُ بالقَتْل؛ كالوصيَّة بالمال. ولا يَلزَمُ على هذا عِتْقُ أمِّ الولد؛ لكَونِها آكَدُ. وحِينَئِذٍ فلا فَرْقَ بَينَ كَونِ القَتْل عَمْدًا أوْ خَطَأً، كما لا فَرْقَ بَينَ حِرمانِ الإرْثِ وإبْطالِ وصيَّةِ القاتل، وإنْ قِيلَ: لا تَبطُلُ الوصيَّةُ بالموت؛ فالتَّدبيرُ أَوْلَى؛ نَظَرًا للعتق. فَرْعٌ: إذا جَنَى المدبَّرُ؛ لم يَبطُلْ تَدْبيرُه، ويُباعُ في الجناية، وسيِّدُه بالخِيارِ، ومَنْ لم يُجَوِّزْ بَيعَه؛ أوْجَبَ فِداءَه على سيِّده؛ كأمِّ الولد، فإنْ مات سيِّدُه قَبْلَ بيعِه؛ عَتَقَ وأَرْشُ جِنايَتِه في تَرِكةِ سَيِّدِه، وإنْ فَداهُ سَيِّدُه؛ بَقِيَ تَدبِيرُه، وإنْ باعَ بعضَه بها؛ فَبَاقِيهِ مُدَبَّرٌ.

стр. 4178

وإنْ جُنِيَ على المدبَّر؛ فأرْشُ الجِنايَة لِسَيِّده، فإنْ كانت الجِنايَةُ على نفسه؛ وَجَبَتْ قِيمَتُه لسيِّده، وبَطَلَ التَّدبيرُ بهَلاكه. لا يُقالُ: قِيمَتُه قائمةٌ مَقامَه كالعبد المرْهونِ والموْقُوف؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لازِمٌ، فتعلَّقَ الحقُّ بِبَدَلِه، والتَّدبيرُ غَيرُ لازِمٍ؛ لأِنَّه يُمكِنُه إبْطالُه بالبيع وغَيرِه، فلم يَتعَلَّق الحقُّ بِبَدَلِه.

стр. 4179

(بَابُ الْكِتَابَةِ) سُمِّيَتْ به؛ لأِنَّ السَّيِّدَ يَكتُبُ بَيْنَه (١) وبَينَه كِتابًا بما اتَّفقا عَلَيهِ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ به من الكَتْبِ، وهو الضَّمُّ؛ لأِنَّ المكاتَبَ يَضُمُّ بعضَ النُّجوم إلى بعْضٍ، ومِنْهُ سُمِّيَ الخَرْزُ: كَتْبًا، والكَتِيبةُ كَتِيبةً؛ لاِنْضِمامِ بعضِها إلى بعضٍ. وهو في الاِصْطِلاح: عِتْقٌ على مالٍ مُنَجَّمٍ نَجْمَينِ فصاعِدًا، إلى أوقاتٍ مَعْلومةٍ؛ لأِنَّ النُّجومَ هي الأوقاتُ المخْتَلِفَةُ؛ إذِ العَرَبُ كانت لا تَعرِفُ الحِسابَ، وإنَّما تَعرِفُ الأوْقاتَ بطُلوعِ النُّجوم، فَسُمِّيَتِ الأوْقاتُ نُجومًا، كما قال بعضُهم (٢): إِذَا سُهَيْلٌ أَوَّلَ اللَّيْلِ طَلَعْ فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ، وَالْحِقُّ جَذَعْ (٣) (وَهِيَ: بَيْعُ الْعَبْدِ) - لَوْ قال: الرَّقيق لَعَمَّ - (نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ)، هذا بَيانٌ لمَعْنَى الكِتابةِ شَرْعًا. ويُشتَرَطُ فيه: أنْ يكونَ مُباحًا مَعْلومًا، يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، مُنَجَّمًا، يَعلَمُ قِسْطَ كلِّ نَجْمٍ ومُدَّتَه أوْ مَنفَعَتَه مُؤجَّلةً. والإجْماعُ على مَشروعيَّتِها (٤)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ر، وقَولُه ﵇: «مَنْ أعانَ غارِمًا، أوْ غازِيًا، أوْ مُكاتَبًا في كِتابَتِه؛ أظلَّه الله في ظِلِّه (٥) يَومَ لا ظلَّ

стр. 4180

إلا ظِلُّه» رواهُ سَهْلُ بنُ حُنَيْفِ (١). فإذا كاتَبَ رقيقَه وله مالٌ؛ فهو لسيِّده، إلاَّ أنْ يَشْتَرِطَه المكاتَبُ، في قَولِ أكثرِ العلماء. وعَنْهُ: للرَّقيق. (وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ يَعْلَمُ فِيهِ خَيْرًا)؛ للنَّصِّ، (وَهُوَ الْكَسْبُ وَالْأَمَانَةُ) في ظاهِرِ المذْهَبِ، وأسْقَطَ الأمانةَ في «الواضح» و «الموجز» و «التَّبصرة». (وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، إِذَا ابْتَغَاهَا مِنْ سَيِّدِهِ) بقيمتِه (أُجْبِرَ عَلَيْهَا)، اختاره أبو بَكْرٍ، ذَكَرَه الحُلْوانِيُّ، لقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النُّور: ٣٣]، والأمرُ للوُجوب، وقد رَوَى محمَّدُ بنُ سِيرِينَ: «أنَّ أباهُ سِيرِينَ كانَ عَبْدًا لأِنَسِ بنِ مالِكٍ، فَسَأَلَه أنْ يُكاتِبَه، فأبَى عَلَيهِ، فأخَبَرَ سِيرِينُ عمرَ بنَ الخَطَّاب، فَرَفَعَ الدِّرَّةَ عَلَيهِ، وقَرَأَ الآيةَ، فكاتَبَهُ أَنَسٌ» (٢).

стр. 4181

وقدَّم في «الرَّوضة»: الإباحةَ. والمشهورُ الأوَّلُ؛ لأِنَّه إعْتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يَجِبْ عَلَيهِ؛ كالاِسْتِسْعاء، والآيةُ محمولةٌ على النَّدب، وقَولُ عمرَ يُخالِفُه فِعْلُ أَنَسٍ. قال أحمدُ: (الخَيرُ: صِدْقٌ وصلاحٌ وَوَفاءٌ بمالِ الكتابة) (١)، ونَحوُ هذا قَولُ جماعةٍ. وقال الشَّافِعِيُّ: هو قُوَّةٌ على الكَسْبِ والأمانةُ (٢)، وفسَّره به المؤلِّف وغَيرُه، وهو بمعنى الأوَّل، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «غَناءٌ (٣) وإعْطاءٌ للمال» (٤). ولا خِلافَ بَينَهم: في أنَّ مَنْ لا خَيرَ فيه لا تَجِبُ إجابتُه (٥). (وَهَلْ تُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما، وهي ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والمذْهَبُ: أنَّها تُكرَهُ، وهو قَولُ ابنِ عمرَ (٦) ومَسْروقٍ والأَوْزاعِيِّ؛ لأِنَّ فيها إضْرارًا بالمسلمين، وجَعْلَه

стр. 4182

كَلًّا وعِيالاً عَلَيهم، مع تفويتِ نَفَقَتِه (١) الواجبةِ على سيِّدِه. والثَّانية، وهي قَولُ أكثرِ العلماء: لا تُكرَهُ؛ لأِنَّ بَرِيرَةَ كاتَبَتْ ولا حِرْفةَ لها، ولم يُنكِرْ ذلك رسولُ الله ﷺ ، احْتَجَّ به ابنُ المنذِر (٢). وقال المؤلِّفُ: إنْ كان يَجِدُ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤنَتَه؛ لم تُكرَهْ، وإلاَّ كُرِهَتْ. لكِنْ ذَكَرَ ابنُ هُبَيرةَ: أنَّ الأَمَةَ إذا كانَتْ لا كَسْبَ لها؛ فإنَّها (٣) تُكرَهُ لها إجْماعًا (٤). (وَلَا تَصِحُّ إِلاَّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ)؛ لأِنَّها عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فلم يَصِحَّ (٥) مِنْ غَيرِ جائزِ التَّصرُّف؛ كالبَيعِ. (وَإِنْ كَاتَبَ المُمَيِّزُ عَبْدَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ تصرُّفَ المميِّزِ بإذْنِ وَلِيِّه صحيحٌ في غَيرِ الكتابة، فكذا فيها. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَصِحَّ (٦) لأِنَّه غَيرُ مُكلَّفٍ، كالمجْنون، وبَناهُ في «الشَّرح»: على أنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه بإذْنِ وَلِيِّه، ولأِنَّه عَقْدُ إعْتاقٍ، فلم يَصِحَّ منه، كالعْتِق بغَيرِ مالٍ، وكما لو كان بغَيرِ إذْنِ وليِّه. وإنْ كاتَبَ المكلَّفُ عبدَه الطِّفلَ أو المجنونَ؛ لم يَصِحَّ، لكِنْ إذا قال: إذا أدَّيْتُما إليَّ فأنتما حُرَّانِ؛ عَتَقَا بالأداء صفةً لا كِتابةً، وما في أيديهما لسيِّدهما، وإنْ لم يَقُلْ؛ فَوَجْهانِ، واختار القاضي العِتْقَ. (وَإِنْ كَاتَبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ المُمَيِّزَ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه مُمَيِّزٌ، والمصلحةُ له في العتق

стр. 4183

بخَلاصِه من الرِّقِّ، كالبالِغِ. فَرْعٌ: إذا كاتَبَ الذِّمِّيُّ عَبْدَه، ثُّمَّ أسْلَما؛ صحَّ؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، أوْ عِتْقٌ بصفةٍ، وكَلاهُما صحيحٌ. وإنْ أسْلَمَ مُكاتَبُ الذِّمِّيِّ؛ لم تَنفَسِخ الكِتابةُ، ولا يُجبَرُ على إزالةِ ملْكِه، فإنْ عَجَزَ؛ أُجْبِرَ. فإنِ اشْتَرَى مسلِمًا وكاتَبَه (١)؛ لم تَصِحَّ الكتابةُ؛ لأِنَّها لا تُزيلُ الملْكَ، وقال القاضي: تَصِحُّ، وإنْ دبَّرَه؛ لم يَصِحَّ. وإنْ كاتَبَ الذِّمِّيُّ عبدَه الذي أسلم في يَدِه؛ صحَّ. وإنْ كاتَبَ الحَرْبِيُّ عبدَه؛ صحَّ، سواءٌ كان في دار الحرب أو دار الإسلام. وقال بعضُ الأئمَّة: لا؛ لأِنَّ ملْكَه ناقِصٌ. وجوابه: قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ … (٢٧)﴾ [الأحزَاب: ٢٧]، وهذه الإضافةُ تَقْتَضِي صحَّةَ أمْلاكِهم، فتَقْتَضِي صحَّةَ تَصرُّفاتِهم. (وَلَا تَصِحُّ إِلاَّ بِالْقَوْلِ)؛ لأِنَّها إمَّا بَيعٌ، وإمَّا تعليقٌ للعِتْق على الأداء، وكلاهما يُشْتَرَطُ له القَولُ. (وَتَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا)؛ لأِنَّه لَفْظُها الموضوعُ لها، فانْعَقَدَتْ به كَلَفْظِ النِّكاح، ويُشتَرَطُ مَعَه قَبوله، ذَكَره في «الموجز» و «التَّبصرة» و «التَّرغيب»، وغَيرها. (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ) ذلك، بل قال: (فَإِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ)؛ لأِنَّه صريحٌ في الكتابة، فانْعَقَدَ به؛ كصريح البَيع ونحوه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُشْتَرَطَ قَوْلُهُ)، هذا وجْهٌ في «التَّرغيب»، وهو روايةٌ في

стр. 4184

«الموجز» و «التَّبصرة»، وقِيلَ: (أَوْ نِيَّتُهُ)؛ لأِنَّ الكتابةَ في المعْنَى تعليقُ العِتْق على الأداء، فلا بُدَّ من التَّلفُّظ به أوْ نِيَّتِه. ويُشتَرَطُ أنْ تكونَ في الصِّحَّة، فإنْ كاتَبَه في مَرَضِه المخُوفِ؛ اعْتُبِرَ من ثُلُثه. وقال أبو الخطَّاب في «رؤوس المسائل»: من الكُلِّ؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ كالبيع. والأوَّلُ أَوْلَى. (وَلَا تَصِحُّ (١) إِلاَّ عَلَى عِوَضٍ) مُباحٍ، (مَعْلُومٍ، مُنَجَّمٍ نَجْمَيْنِ)؛ لأِنَّها عَقْدُ مُعاوَضةٍ كالبَيعِ، ومِنْ شَرْطِه أنْ يكونَ مُؤجَّلاً؛ لأِنَّ جَعْلَه حالًّا يُفْضِي إلى العجز عن أدائه وفَسْخِ العَقْد، مع أنَّ جماعةً من الصَّحابة عَقَدُوها كذلك، ولو جازَتْ حالَّةً لَفُعِلَ، (فَصَاعِدًا)، قال الإمامُ أحمدُ: (من النَّاس مَنْ يَقولُ: نَجْمٌ واحدٌ، ومنهم مَنْ يَقولُ: نَجْمانِ، ونَجْمانِ أحبُّ إليَّ) (٢)، فظاهِرُه: أنَّه لا يَجوزُ أقلُّ مِنْ نَجْمَينِ؛ لأِنَّ الكِتابةَ مُشْتَقَّةٌ من الضَّمِّ، فَوَجَبَ افْتِقارُها إلى نَجْمَينِ؛ لِيَحصُلَ الضَّمُّ، ورُوِيَ عن عُثْمانَ (٣) وعليٍّ (٤).

стр. 4185

(يَعْلَمُ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي فِي كُلِّ نَجْمٍ)؛ لِئَلاَّ يُؤدِّيَ إلى المنازَعة، وسَواءٌ تَساوَتِ المدَّةُ أو اخْتَلَفَتْ. وعَلَيهِ: في تَوقِيتها بساعَتَينِ (١)، أمْ يُعتَبَرُ ما لَه وَقْعٌ في القُدْرة على الكَسْبِ؟ فيه خِلافٌ في «الانتصار» (٢). (وَقِيلَ: يَصِحُّ (٣) عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ)، قاله ابنُ أبي موسى، وفي «الشَّرح»: أنَّه قِياسُ المذْهَبِ؛ لأِنَّه عَقْدٌ يُشتَرَطُ فيه التَّأجيلُ، فجاز إلى أجلٍ واحِدٍ كالسَّلَم، ولأِنَّ القَصْدَ بالتَّأجيل إمْكانُ التَّسْليم عِنْدَه، ويَحصُلُ ذلك بالنَّجم الواحد. وفي «التَّرغيب» في كتابةِ مَنْ نِصفُه حُرٌّ كتابةً حالَّةً؛ وَجْهانِ. وفي «الكافي»: والأَحْوَطُ نَجْمانِ فصاعِدًا. انتهى. فإنْ قال: يُؤدِّي إليَّ مِنْ كلِّ عامٍ مائَةً؛ جاز، ويكونُ أَجَلُ كلِّ مائةٍ عِنْدَ انْقِضاء السَّنَة. وظاهِرُ قَولِ القاضي: أنَّه لا يَصِحُّ. ورُدَّ: بقَولِ بَرِيرةَ (٤): «كاتبتُ أهْلِي على تِسْعِ أواقٍ، في كلِّ عامٍ أوقيَّةٌ»، فإنَّ الأجلَ إذا تعلَّق بمُدَّةٍ تعلَّق بأحدِ طَرَفَيها، فإنْ كان بحرفِ «إلى» تعلَّق بأوَّلها؛ كقوله: إلى شهرِ رمضانَ، وإنْ كان بحرفِ «في» كان إلى آخِرِها؛ لأِنَّه جَعَلَ جميعَها وَقْتًا لأِدائها.

стр. 4186

(وَقَالَ الْقَاضِي) وأصحابُه: (تَصِحُّ عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ)، صحَّحه ابنُ حَمْدانَ؛ كمَهْرٍ؛ لأِنَّ العِتْقَ لا يَلحَقُه الفَسْخُ، فجاز أنْ يكونَ الحَيَوَانُ المطلَقُ فيه عِوَضًا؛ كالعَقْل. وذَكَرَ أبو بَكْرٍ: أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأِنَّ ما لا يَجوزُ أنْ يكونَ عِوَضًا في البيع والإجارة؛ لا يَجوزُ أنْ يكونَ عِوَضًا في الكتابة؛ كالثَّواب المطلَقِ، ويُفارِقُ العَقْلَ؛ لأِنَّه بدلُ متلفٍ مُقدَّرٌ في الشَّرعِ، وهنا عِوَضٌ مُقدَّرٌ في عَقْدٍ، أشْبَهَ البَيعَ، ولأِنَّ الحَيَوانَ المطلَقَ لا تجوز الكتابةُ عَلَيهِ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)، إنَّما الخِلافُ في العبد المطلَقِ. (وَلَهُ الْوَسَطُ)، وهو السِّنْدِيُّ؛ لأِنَّه كذلك عنده (٢) في النِّكاح والخُلْع، فكذا هنا. (وَتَصِحُّ على مالٍ وَخِدْمَةٍ)؛ لأِنَّ كُلًّا منهما يَصِحُّ أنْ يكونَ عِوَضًا في غَيرِ الكتابة، فَلْيَكُنْ فيها كذلك. (سَوَاءٌ تَقَدَّمَتِ الْخِدْمَةُ أَوْ تَأَخَّرَتْ)؛ لأِنَّ تَقَدُّمَها وتأخُّرها لا يُخرِجُها عن كَونها صالحةً للعِوَض. وظاهرُه: أنَّها تَصِحُّ على الخِدْمة الحالَّة لا المالِ، لأنَّ (٣) المنْعَ منه في المال إنَّما كان لِئَلاَّ يتحقَّقَ (٤) عَجْزُه عن أداء العِوَض، وهو مَفْقودٌ (٥) في الخدمة. فإنْ كاتَبَه في الشَّهر القابِلِ؛ صحَّ، كالمحرَّم في ذِي الحجَّة، ولو قدَّمها؛

стр. 4187

فأوَّلُها عُقَيبَ العَقْد مع الإطلاق. ولو كاتَبَه على خدمةِ شَهْرٍ ودِينارٍ، ومحلُّه (١) سَلْخُ الشَّهر، أوْ في أثنائه أوْ عَيَّناهُ؛ وَجْهانِ؛ لاِتِّحاد المدَّة. وإنْ شَرَطَه بَعْدَ الشَّهر بيومٍ أوْ أكثرَ؛ صحَّ، وإنْ شَرَطَه حالًّا فلا. (وَإِذَا أَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ)، فَقَبَضَه هو أوْ وَلِيُّ مجنونٍ، ولو من مجنونٍ، قاله في «التَّرغيب»، (أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ)، والأصحُّ: أوْ بَعض ورثته الموسر من حقِّه؛ (عَتَقَ)؛ لأِنَّه لم يَبْقَ لسيِّده عليه شَيءٌ، ولا يَعتِقُ قَبْلَ أداءِ جميعِ الكتابة في ظاهِرِ كَلامِ الخِرَقِيِّ؛ لِما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا قال: «المكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ» رواه أبو داودَ (٢)، دلَّ بِمَنطُوقِه: أنَّه لا يَعتِقُ حتَّى يُؤَدِّيَ جميعَ كتابته، وبمَفْهومه: أنَّه إذا أدَّاها لا يَبْقَى عَبْدًا، (وَمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ؛ فَهُوَ لَهُ)؛ لأِنَّه مالِكٌ له، بدليلِ صحَّةِ تصرُّفه فيه قَبْلَ العِتْقِ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي؛ صَارَ حُرًّا)؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا كان لِإحْداكُنَّ مُكاتَبٌ له ما يُؤَدِّي؛ فَلْتَحْتَجِبْ منه» رواه الخمسةُ، وصحَّحه التِّرمِذِيُّ (٣)، وهو من روايةِ نَبْهانَ مَوْلَى أمِّ سَلَمةَ،

стр. 4188

وثَّقه ابنُ حِبَّانَ (١)، وتكلَّم فيه ابنُ عبدِ البَرِّ (٢)، فَأَمَرَهُنَّ بالحِجاب بِمُجرَّدِ ملْكِه لمَا يُؤدِّيهِ، ولأِنَّه مالِكٌ لمالِ الكتابة، أشْبَهَ ما لَوْ أدَّاهُ. (وَيُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ)؛ أيْ: إذا امْتَنَعَ من الأداء، أجْبَرَه الحاكِمُ؛ كسائرِ الدُّيونِ الحالَّةِ القادِرِ عَلَيها، فإنْ هَلَكَ ما في يَدِه قَبْلَ أدائه؛ صار دَيْنًا في ذِمَّتِه مع حُرِّيَّتِه. والصَّحيحُ الأوَّلُ، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ، ولأِنَّه عَلَّقَ عِتْقَه بعِوَضٍ، فلم يَعتِقْ قَبلَ الأداء، كما لو قال: إذا أدَّيتَ إليَّ ألْفًا؛ فَعَلَيها: إنْ أدَّى عَتَقَ، وقِيمتُه لسيِّده على قاتِلِه، وإنْ لم يُؤدِّ؛ لم يَعتِقْ. وإن امْتَنَعَ من الأداء؛ فقال أبو بكرٍ: يُؤدِّيهِ الإمامُ عنه، ولا يَكونُ ذلك عَجْزًا. ولا يَملِكُ السَّيِّدُ الفَسْخَ في الأصحِّ، ويَملِكُ تَعْجِيزَ نَفْسِه مع قُدْرته على الكَسْبِ، ولا يَملِكُه إنْ مَلَكَ وَفاءً على الأصحِّ. (فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ)؛ ماتَ رقيقًا، وانْفَسَخَتِ الكِتابةُ، و (كَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ)؛ أيْ: إذا مات عن وفاءٍ، وقُلْنا: لا يَعتِقُ بملْكِه؛ انْفَسَخَت الكتابةُ في الصَّحيح عنه، وإنْ أعْتَقَ وارِثٌ مُوسِرٌ حقَّه؛ سَرَى في

стр. 4189

الأصحِّ، وضَمِنَ حقَّ بقيَّةِ الورثة، وإِنْ أُبْرِئَ من بعض النُّجوم؛ لم يَعتِقْ منه شَيءٌ في الأصحِّ. (وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ)؛ أيْ: يَعتِقُ ويَموتُ حُرًّا، فيكونُ لسيِّده بقيَّةُ كتابته، والباقِي لِوَرَثته، رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، ومُعاويةَ (١)، وهو قَولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. وقال القاضي: يكونُ حُرًّا في آخِر جُزْءٍ مِنْ حياته؛ لأِنَّها عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فلم تَنفَسِخْ بالموت كالبيع. والأوَّلُ أَوْلَى، وتُفارِقُ الكِتابةُ البَيعَ؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ من المتعاقِدَينِ غَيرُ مَعْقودٍ عَلَيهِ، ولا يتعلَّقُ بعَينه، فلم يَنفَسِخْ (٢) بتَلَفِه، بخِلافِ الكتابة. فإنْ ماتَ ولم يُخلِّفْ وَفاءً؛ فلا خِلافَ في المذْهَبِ أنَّها تَنفَسِخُ ويموتُ رقيقًا، وما في يدِه لسيِّده، وهو قَولُ أكثرِ (٣) أهلِ الفَتْوَى، إلاَّ أنْ يموتَ بَعْدَ أداءِ ثلاثةِ أرْباعِ مالِ الكتابة، ففيه خِلافٌ يأتي. (وَإِذَا عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحِلِّهَا؛ لَزِمَ السَّيِّدَ الْأَخْذُ، وَعَتَقَ)، هذا هو المنصوصُ عن أحمدَ (٤). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ)، هذا روايةٌ؛ أنَّه لا يَلزَمُه قَبولُ المال إلاَّ عِنْدَ نُجومه؛ لأِنَّ بقاءَ المكاتَب في هذه المدَّة في ملْكِه

стр. 4190

حقٌّ له، ولم يَرْضَ بِزَواله، فلم يَزُلْ؛ كما لو علَّق عِتْقَه على شَرْطٍ؛ لم يَعتِقْ قَبْلَ وُجودِه. والصَّحيحُ في المذهب الأوَّلُ، وأطْلَقَ أحمدُ والخِرَقِيُّ قَولَهما فيه، وهو مُقَيَّدٌ بما لا ضَرَرَ في قَبْضه قَبْلَ مَحِلِّه، كالذي لا يَختَلِفُ قَديمُه ولا حَديثُه، ولا يَحتاجُ إلى مُؤْنَةٍ. وقال القاضِي: المذْهَبُ عِنْدِي: أنَّ فيه تَفْصيلاً ذَكَرْناهُ في السَّلَم. واخْتارَ أبو بَكْرٍ: أنَّه يَلزَمُه قَبولُه من غَيرِ تَفْصيلٍ؛ اعْتِمادًا على إطْلاقِ أحمدَ والخِرَقِيِّ، رواه سعيدٌ عن عمرَ وعُثْمانَ (١)، ولأِنَّ الأجلَ حقٌّ لِمَنْ عَلَيهِ الدَّينُ، فإذا قدَّمه؛ فقد رَضِيَ بإسْقاطِ حقِّه، فَسَقَطَ كسائر الحقوق.

стр. 4191

لا يُقالُ: إذا علَّقَ عِتْقَ رقيقه على فِعْلٍ في وَقْتٍ، فَفَعَلَه (١) في غَيرِه لا يَعتِقُ؛ لأِنَّه مَلَكَ صفةً مجرَّدةً لا يَعتِقُ إلاَّ بِوُجودها، والكتابةُ مُعاوَضةٌ يَبْرَأُ فيها بأداء العِوَضِ، فافْتَرَقَا. فَرْعٌ: لو أحْضَرَ مالَ الكتابة أوْ بَعضَه لِيُسلِّمَه، فقال السَّيِّدُ: هو حرامٌ، وأنْكَرَه المكاتَبُ؛ قُبِلَ قَولُه، وَوَجَبَ قَبْضُه ويَعتِقُ به. وإنْ أقامَّ السَّيِّدُ بيِّنةً بتحريمِه؛ لم يَجُزْ له أخْذُه، وإلاَّ فله تحليفُ عَبْدِه أنَّه حَلالٌ، فإنْ نَكَلَ؛ حَلَفَ سيِّدُه، وله قَبْضُه مِنْ دَينٍ آخَرَ عَلَيهِ وتَعجِيزه. وفي تَعْجيزِه قَبْلَ أخْذِ ذلك عن جهةِ الدَّين وَجْهانِ. وإنْ حَلَفَ العَبْدُ؛ قِيلَ لسيِّده: إمَّا أنْ تأخُذَه أوْ تَبْرَأَ منه، فإنْ أبَى؛ أَخَذَه الحاكِمُ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ المُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ)، مِثْلَ أنْ يُكاتِبَه على نَجْمَينِ إلى سنةٍ، ثُمَّ قال: عجِّلْ لي خمسَمائَةٍ حتَّى أضَعَ عنك الباقِي، أوْ قال: صالِحْنِي على خمسِمائةٍ مُعجَّلةٍ؛ جاز ذلك، وهو قَولُ طاوُسٍ والزُّهْرِيِّ؛ لأِنَّ مالَ الكتابة غَيرُ مُسْتَقِرٍّ، ولا هو من الدُّيون الصَّحيحة؛ لأِنَّه لا يُجبَرُ على أدائه، ولا تَصِحُّ الكفالةُ به، وإنِّما جَعَلَ الشَّرعُ هذا العقدَ وسيلةً إلى العِتْق، وأوْجَبَ فيه التَّأجيلَ؛ مُبالَغَةً في تحصيل العتق، وتخفيفًا عن المكاتب، وإذا أمْكَنَه التَّعجيلُ على وَجْهٍ يَسقطُ عنه بعضُ ما عَلَيهِ، كان أبْلَغَ في حصول العتق. وإنِ (٢) اتَّفقا على الزِّيادة في الدَّين والأجلِ؛ لم يَجُزْ، وفيه احْتِمالٌ، فعلى هذا: لو اتَّفَقا على ذلك، ثُمَّ رَجَعَ أحدُهما قَبْلَ التَّعجيل؛ صحَّ رجوعُه.

стр. 4192

فَرْعٌ: إذا صالَحَ المكاتَبُ سيِّدَه عمَّا في ذِمَّته بغَيرِ جِنْسه؛ صحَّ، إلاَّ أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُصالِحَه على شَيءٍ مُؤجَّلٍ؛ لأِنَّه يكونُ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ. وإنْ صالَحَه عن أحدِ النَّقْدَينِ بالآخَر، أو عن الحِنْطة بشَعِيرٍ؛ لم يَجُزِ التَّفرُّقُ قَبْلَ القَبْض؛ لأِنَّه بَيعٌ في الحقيقة. وقال القاضِي: لا تَصِحُّ هذه المصالَحةُ مُطلَقًا؛ لأِنَّ هذا دَينٌ من شَرْطِه التَّأجيلُ. وقال ابْنُ أبي مُوسَى: لا يَجْرِي الرِّبا بَينَ المكاتَبِ وسيِّدِه، فَعَلَى قَولِه: تَجوزُ المصالحةُ كَيفَ ما كانت؛ كعبده القِنِّ وسيِّده. والأوَّلُ أَوْلَى. (وَإِذَا أَدَّى وَعَتَقَ، فَوَجَدَ السَّيِّدُ بِالْعِوَضِ عَيْبًا؛ فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ)، إذا بانَ بالعِوَض عَيبٌ فأمْسَكَه؛ اسْتَقَرَّ العِتْقُ؛ لأِنَّ إمْساكَه المعيبَ راضِيًا به؛ رِضًى منه بإسْقاطِ حقِّه، فَجَرَى مَجْرَى إبْرائِه. وإنِ (١) اخْتارَ إمْساكَه وأخْذ أرْش العَيبِ؛ فله ذلك، وإنْ ردَّه أَخَذَ عِوَضَه، وهو المرادُ بقَولِه: أوْ قِيمته، قال أبو بكرٍ: وقِياسُ قَولِ أحمدَ: أنَّه لا يَبطُلُ العِتْقُ؛ لأِنَّه إتْلافٌ، فإذا حُكِمَ بوقوعه؛ لم يَبطُلْ، أشْبَهَ الخُلْعَ. وقال القاضي: يتوجَّه أنَّ له الرَّدَّ، ويُحكَمُ بارْتِفاع العِتْقِ؛ لأِنَّ الكتابةَ عَقْدُ مُعاوَضةٍ يَلحَقُه الفَسْخُ بالتَّراضِي؛ كالمبيع، أمَّا إذا دَفَعَ مالَ الكتابةِ، فَبَانَ مُسْتَحَقًّا تبيَّنَّا أنَّ العِتْقَ لم يَقَعْ؛ لأِنَّ وُجودَ هذا الدَّفْعِ كَعَدَمِه؛ لأِنَّه لم يؤدِّ (٢) الواجِبَ عَلَيهِ.

стр. 4193

(فَصْلٌ) (وَيَمْلِكُ المُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ، وَمَنَافِعَهُ، وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ)، بالإجْماع (١)؛ لأِنَّ عَقْدَ الكتابة لتحصيلِ العِتْق، ولا يَحصُلُ إلاَّ بأداءِ عِوَضِه، وهو مُتَعذِّرٌ إلَّا بالاِكْتِساب، والبيعُ والشِّراءُ مِنْ أقْوَى جِهاتِ الاِكْتِسابِ، فإنَّه قد جاءَ في الأثَرِ: «أنَّ تسعةَ أعْشارِ الرِّزْق في التِّجارة» (٢)، (وَالْإِجَارَةَ، وَالاِسْتِئْجَارَ)؛ كالبَيعِ، (وَالسَّفَرَ)، قَريبًا كان أوْ بعيدًا؛ لأِنَّه من أسبابِ الكَسْبِ، وقد أطْلَقَ القَولَ فيه. وقِياسُ المذْهَبِ: أنَّ له مَنْعَه مِنْ سَفَرٍ تَحِلُّ نُجومُ كتابته قَبْلَ قُدومِه؛ كالغَريمِ الذي يَحِلُّ الدَّينُ عَلَيهِ قَبْلَ مُدَّةِ سَفَرِه. (وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ)، واجبةً كانَتْ أوْ مُستَحَبَّةً؛ لأِنَّ الله تعالى أَذِنَ للمُكاتَبِينَ الأخْذَ من الواجِبة، فالمستَحَبَّةُ أَوْلَى. (وَالْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَرَقِيقِهِ)؛ لأِنَّ ذلك مِمَّا لا غِنَى عنه، والمرادُ بالولد؛ أي: التَّابع له؛ كَوَلِده مِنْ أمَته، فإنْ عَجَزَ، ولم يَفسخْ سيِّدُه كِتابَتَه؛ فتَلزَمُ (٣) النَّفقةُ لسيِّده (٤)، وللمُكاتَبِ النَّفقةُ على وَلَدِه مِنْ أَمَةٍ لسيِّده، وفِيهِ من

стр. 4194

مكاتَبَةٍ (١) لسيِّده احْتِمالانِ. (وَكُلَّ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْمَالِ)؛ أيْ: يَملِكُ كلَّ تصرُّفٍ فيه صلاحُ المال؛ كأداء أرْشِ الجناية، وجَرَيانِ الرِّبا بَينَهما؛ لأِنَّه صار لِمَا بَذَلَه من العِوَضِ كالحرِّ، وله المطالبة بالشُّفْعة، والأخْذُ بها من سيِّده ومِنْ غَيرِه، وعَكْسُه لو اشْتَرَى المكاتَبُ شِقْصًا لسيِّده فيه شِرْكٌ (٢)؛ فله الأخْذُ بالشُّفعة من المكاتَب. (وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَافِرَ، وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ؛ فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: إذا شَرَط عليه أنْ لا يُسافِرَ، فهو شرطٌ باطلٌ، قاله القاضي وجَمْعٌ؛ لأِنَّه يُنافِي مُقتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ شَرْطُه؛ كشَرْطِ تَرْكِ الاِكْتِساب. والثَّاني، وقاله أبو الخَطَّاب، وهو الأصحُّ: أنَّه يَصِحُّ شَرْطُه؛ لأِنَّ له فيه فائدةً، فَلَزِمَ كما لو شَرَطَ نَقْدًا معلومًا، فَعَلَيهِ لسيِّده مَنْعُه منه، فإنْ سافَرَ فله ردُّه إنْ أمْكَنَه، وإلاَّ مَلَكَ تعجيزَه وردَّه إلى الرِّقِّ؛ لأِنَّه لم يَفِ بشَرْطه. وقِيلَ: لا يَملِكُ ذلك؛ كإمْكانِه ردَّه. وأمَّا إذا شَرَطَ عليه أنْ لا يسأل النَّاس؛ فقال أحمدُ (٣): قال جابِرُ بنُ عبد الله: «هم على شُروطِهم» (٤)، فظاهِرُه: أنَّ الشَّرْطَ لازِمٌ، وهو الأصحُّ، وأنَّه إنْ خالَفَ مَرَّةً؛ لم يُعجِّزْه، بخلاف المرَّتَينِ فأكثرَ، قال أبو بَكْرٍ: إذا رآه يَسألُ النَّاسَ (٥) مرَّةً في مرَّةٍ؛ عَجَّزه، كما إذا حلَّ نجمٌ في نَجْمٍ، ولأِنَّ فيه

стр. 4195

غَرَضًا صحيحًا، وهو أنْ لا يكونَ كَلًّا على النَّاس، ولا يُطعِمَه من صدقتهم وأوْساخهم. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب: أنَّه لا يَصِحُّ الشَّرْطُ؛ لأِنَّه تعالى جَعَلَ لهم سَهْمًا من الصَّدقة، فلا يَصِحُّ الاِشْتِراطُ حِينَئِذٍ، كما لا يَصِحُّ شَرْطُ نَوعٍ من التِّجارة. فَرْعٌ: إقْرارُ المكاتَب بالبيع والشِّراء والعَيب والدَّين؛ صحيحٌ؛ لأِنَّ مَنْ مَلَكَ شَيئًا مَلَكَ الإقْرارَ به، ويتعلَّقُ دَينُه بِذِمَّته (١)؛ لأِنَّه في يَدِ نَفْسِه، فَلَيسَ من السَّيِّد غُرورٌ، بخِلافِ المأْذونِ له. (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَلَا يَتَسَرَّى، وَلَا يَتَبَرَّعَ، وَلَا يُقْرِضَ، وَلَا يُحَابِيَ، وَلَا يَقْتَصَّ مِنْ عَبْدِهِ الْجَانِي عَلَى بَعْضِ رَقِيقِهِ، وَلَا يُكَاتِبَ إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)، وفِيهِ مَسائِلُ: الأولى: لَيس للمكاتَبِ أنْ يَتزَوَّجَ إلاَّ بإذْنِ السَّيِّد في قَولِ عامَّتهم. وقِيلَ: له ذلك، بخلاف المكاتَبَةِ؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ كالبيع. ورُدَّ: بأنَّه يَدخُلُ في قَوله ﵇: «أيُّما عبدٍ تزوَّجَ بغَيرِ إذْنِ سيِّده؛ فهو عاهِرٌ» (٢)، ولأِنَّ على السَّيِّد في ذلك ضَرَرًا؛ لأِنَّه يَحتاجُ أنْ يؤدِّيَ المهرَ

стр. 4196

والنَّفقةَ مِنْ كَسْبه، وربَّما عَجَزَ فيُرَقُّ، ويَرجِعُ إليه ناقِصَ القيمة. أمَّا إذا أَذِنَ سيِّدُه؛ جاز؛ لمفهومِ الخَبَرِ، ولأِنَّ المنْعَ لِحَقِّه، فإذا أَذِنَ فقد أسْقَطَ حقَّه، مع أنَّه لو أَذِنَ للقنِّ لَصَحَّ، فالمكاتَبُ أَوْلَى. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يُزوِّجُ عَبدَه ولا أَمَتَه إلاَّ بإذْنِ سيِّده على الأصحِّ. وعن القاضي: له تزويجُ الأَمَة فَقَطْ؛ لأِنَّه يأخُذُ عِوَضًا في تَزْويجِها. ولنا: أنَّ على السَّيِّد فيه ضَرَرًا، ويَلزَمُه نفقةُ امْرَأَتِه ومَهْرُها، وهي تُملِّك (١) الزَّوجَ بُضْعَها وتَنقُص قِيمتها، وتسلِّم نفسَها لَيْلاً، وكَسْبُها لسيِّدها. الثَّانيةُ: إذا أذِنَ له في التَّسرِّي جاز؛ لأِنَّ ملكَهُ ناقِصٌ، قال الزُّهْرِيُّ: لا يَنبَغِي لأِهْلِه أنْ يَمنَعُوه من التَّسرِّي. وعن أحمدَ: المنْعُ. وعنه: عَكْسُه. ورُدَّ: بأنَّ على السَّيِّد ضرَرًا، فمُنِعَ (٢) منه كالتَّزويج، لكِنْ لا يَعتِقُ عَلَيهِ؛ لأِنَّ ملْكَه غَيرُ تامٍّ، ولَيسَ له بَيعُه؛ لأِنَّه وَلَدُه، ويكونُ مَوقُوفًا على كتابته، فإنْ أدَّى؛ عَتَقَ، وعَتَقَ الولدُ؛ لأِنَّه يَملِكُ، أشْبَهَ الحرَّ، وإنْ عَجَزَ؛ عاد إلى الرِّقِّ. الثَّالِثةُ: لَيسَ له اسْتِهْلاكُ ماله ولا هِبَتُه بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٣)؛ لأِنَّ حقَّ السَّيِّد لم يَنقَطِعْ عنه؛ لأِنَّه قد يَعجِزُ فيَعودُ إلَيهِ، ويَجوزُ بإذْنِ سيِّده؛ دَفْعًا لِضَرَرِه. الرَّابِعةُ: أنَّه لا يُقرِضُ إلاَّ بإذْنِ سيِّده؛ لأِنَّه بعَرَضِيَّة أنْ لا يعودَ إليه بفَلَسِ أو مَوتِ المقْتَرِض، ولا شَيءَ معه، ولم يَذكُرُوا قَرْضَه بِرَهْنٍ. الخامِسةُ: أنْ لا يُحابِيَ بالمال إلاَّ بإِذْن سيِّدِه؛ لأِنَّه تبرُّعٌ، فمُنِعَ منه كالْهِبَة، ولأِنَّ في ذلك ضَرَرًا على السَّيِّد.

стр. 4197

السَّادسةُ: لَيسَ له أنْ يَقْتَصَّ من عَبْدِه الجاني على بعضِ رقيقِه إلاَّ بإذْنِ سيِّده؛ لأِنَّه إتْلافٌ لماله باخْتِياره، ولِمَا في ذلك من الضَّرَر. وقال القاضي: له ذلك؛ لأِنَّه من مصالِحِ ملْكِه؛ لأِنَّه إذا لم يَسْتَوْفِ منه؛ صار وسيلةً إلى إقْدامِ بعضِهم على بعضٍ. السَّابِعةُ: لَيسَ له أنْ يُكاتِبَ بعضَ رقيقِه إلاَّ بإذْنِ سيِّده؛ لأِنَّه لَيسَ له أنْ يُعْتِقَ، فلم يَكُنْ له أنْ يُكاتِبَ؛ كالمأْذُونِ له في التِّجارة. (وَوَلَاءُ مَنْ يُعْتِقُهُ وَيُكَاتِبُهُ لِسَيِّدِهِ)؛ لأِنَّه إذا ثَبَتَ له الوَلاءُ على المكاتَبِ؛ فَلَأَنْ يَثبُتَ على مَنْ أنْعَمَ عَلَيهِ المكاتَبُ بطَريقِ الأَوْلَى. وقِيلَ: له إنْ عَتَقَ. (وَلَا يُكَفِّرُ بِالْمَالِ)؛ لأِنَّه عَبْدٌ لا تَلزَمه (١) زَكاةٌ ولا نفقةُ قَرِيبٍ. (وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ)، صحَّحها في «المغْنِي»، وقدَّمها في «الفروع»؛ لأِنَّ الحقَّ للسَّيِّد، وقد أَذِنَ فيه. قال ابنُ المنَجَّى: وهذا الخِلافُ في الجَواز لا الوُجوبِ؛ لأِنَّه لو وَجَبَ عليه التَّكفيرُ بالمال؛ لكان عليه في ذلك ضَرَرٌ؛ لِما فِيهِ من إفْضائه إلى تفويتِ الحُرِّيَّة، فلم يَجِب التَّكْفِيرُ بالمال؛ كالتَّبرُّع. (وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ، أَوْ يُضَارِبَ بِمَالِهِ؟) أوْ يَبِيعَ نَساءً ولو بِرَهْنٍ، وهِبَتُه بعِوَضٍ، وقَوَدُه من بعض رقيقه الجاني على بعضه إذا كَفَلَ بعضٌ بعضًا وَحْدَه، وعِتْقُه بمالٍ في ذِمَّته، وقَوَدُه لنفسه ممَّن جَنَى على طَرَفِهِ بلا إِذْنٍ؟ (يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ)؛ كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: لا يَجُوزُ، وجَزَمَ (٢) به في «الوجيز»؛ لِمَا في ذلك من الضَّرَر

стр. 4198

على السَّيِّد، ورُبَّما فيه غَرَرٌ مِنْ حَيثُ إنَّه سلَّم مالَه لغَيرِه. والثَّاني: بَلَى؛ لأِنَّ ذلك قد يكون سببًا للرِّبْح، أشْبَهَ الاِسْتِدانةَ من غَيرِ رَهْنٍ. مسائلُ: الأولى: لَيسَ له أنْ يَحُجَّ إن احْتاجَ إلى إنفاق ماله فيه، ونَقَلَ الميمُونِيُّ: له أنْ يَحُجَّ ما لم يَحلَّ نَجْمٌ (١)، وهو محمولٌ على أنَّه لا يَحُجُّ إلاَّ بإِذْنِ سيِّده، قاله في «المغْنِي»، فإنْ أمْكَنَه الحجُّ من غَيرِ إنْفاقِ مالِه؛ فيَجوزُ إذا لم يأتِ نَجْمُه. الثَّانيةُ: لا تَجوزُ هديَّةٌ (٢) للمأْكولِ، وإعارةُ دوابِّه، والتَّوسعةُ عليه في النَّفقة. ويَحتَمِلُ الجَوازُ، ولا يَضمَنُ، قال الحُلْوانِيُّ: له إطعامُ الطَّعام لِضِيفانِه، وإعارةُ أواني منزلِه مطلَقًا. الثَّالثة: إذا شَرَطَ الخِدْمةَ؛ فله ذلك، وإلاَّ فلا، نَقَلَه الميْمُونِيُّ (٣)، وفي «الاِنتصار»: يَستَمْتِعُ بجارِيَته، ويَستَخْدِمُها، ويَتَصرَّفُ بمَشيئَتِه إلاَّ بتبرُّعٍ. (وَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ ذَا رَحِمِهِ إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)، اختاره أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه تصرُّفٌ يُؤدِّي إلى إتْلافِ مالِه، فإنَّه يَخرُجُ مِنْ ثُلثه، فلم يَجُزْ كالهِبة. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ)، رجَّحه في «الشَّرح»، وصحَّحه ابنُ حَمْدانَ؛ كتملُّكهم بالوصيَّة والهِبة؛ إذْ لا ضَرَرَ في ذلك، فإنَّه إنْ عَجَزَ؛ فهم عبيدٌ، وإنْ عَتَقَ لم يَضُرَّ السَّيِّدَ عِتْقُهم.

стр. 4199

ومِثلُه الفِداءُ، قالَهُ في «المنتخب»، وفيه: في «التَّرغيب»: يَفْدِيهِ بقِيمَتِه. ويَصِحُّ شِراءُ مَنْ يَعتِقُ على سيِّده، ذَكَرَه في «الانتصار» و «التَّرغيب»، فإنْ عَجَزَ عَتَقُوا. (وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهُمْ إِذَا وُهِبُوا لَهُ، أَوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ بِمَالِهِ)؛ لأِنَّه لَيسَ في القَبول إتْلافُ مالٍ ولا ضَرَرٌ، مع أنَّه سببٌ لِتَحْصِيلِ الحُرِّيَّة بتقديرِ الأداء، وذلك مطلوبٌ شَرْعًا. (وَمَتَى مَلَكَهُمْ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُمْ)، ولا إخْراجُهم عن ملْكِه؛ لأِنَّ مَنْ يَعتِقُ عَلَيهِ يُنزَّلُ مَنزِلةَ جُزْئِه، فلم يَجُزْ ذلك كبَعْضِه، (وَلَهُ كَسْبُهُمْ)؛ لأِنَّهم مَمالِيكُه. (وَحُكْمُهُمْ حُكْمُهُ)؛ لأِنَّهم تَبَعٌ له، (فَإِنْ عَتَقَ؛ عَتَقُوا)؛ أيْ: لأِنَّه إذا أدَّى عَتَقَ وكمُلَ ملْكُه فيهم، فَعَتَقُوا حِينَئِذٍ، وولاؤهم له دُونَ سيِّده، واخْتارَ في «المغْنِي»: أنَّهم يَعتِقُونَ بإعْتاقِ سيِّده لهم، وإنْ أعْتَقَهم المكاتَبُ بإذْنِ سيِّده عَتَقُوا، (وَإِنْ رَقَّ؛ صَارُوا رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ)، ونَفَقتُهم على المكاتَب؛ لأِنَّهم عَبِيدُه، فإنْ أعْتَقَهم السَّيِّدُ؛ لم يَعْتِقُوا؛ لأِنَّهم لَيسُوا عَبِيدًا له. (وَكَذَلِكُ الْحُكْمُ فِي وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ)؛ لأِنَّه مِنْ ذَوِي رَحِمِه، فكان حكمُه حكمَه. (وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الذِي وَلَدَتْهُ فِي الْكِتَابَةِ يَتْبَعُهَا)؛ لأِنَّ الكتابةَ سببٌ للعِتْق، فَسَرَى إلى الولد كالاِسْتِيلادِ، فإنْ عَتَقَتْ بالأداء أو الإبْراء؛ عَتَقَ، وسَواءٌ كان حَمْلاً حالَ الكتابة أوْ حَدَثَ بَعْدَها، فأمَّا قَبْلَ الكتابة فلا يَتْبَعُها؛ لأِنَّه لو باشَرَها بالعتق لم يَتْبَعْها وَلَدُها؛ فَلَأَنْ لا يَتْبَعَها في الكتابة بطَريقِ الأَوْلَى. فَرْعٌ: قِيمةُ الولَدِ إنْ تَلِفَ، وكَسْبُه، وأَرْشُ الجناية عَلَيهِ؛ لأِمِّه، ونَفَقَتُه عَلَيها، وإنْ ماتَتْ أُمُّه؛ عاد رقيقًا، فإنْ خلَّفَ وَفاءً؛ انْبَنَى على فَسْخِ الكتابة. وإنْ عَتَقَتْ بغَيرِ الأداء أو الإبراء؛ لم يَعتِقْ وَلَدُها في الأصحِّ.

стр. 4200

وإنْ أعْتَقَ السَّيِّدُ وَلَدَها دُونَها صحَّ، نَصَّ عليه (١)، وقال القاضي: لَا. وَوَلَدُ بِنْتِها؛ كبِنْتِها، وولد ابْنِها؛ حُكمُه حُكمُ أُمِّه. (وَإِنِ اشْتَرَى الْمُكاتَبُ زَوْجَتَهُ)، أو المكاتبَةُ زَوجَها؛ صحَّ؛ لأِنَّه يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه، وإذا مَلَكَ أحدُهما صاحبَه؛ (انْفَسَخَ نِكَاحُهَا)؛ لأِنَّه لا يَجتَمِعُ ملْكُ اليَمِينِ وملْكُ النِّكاح. ولو زَوَّج ابْنَتَه من مكاتَبِه، فمات السَّيِّدُ قَبْلَ عِتْقِه؛ انْفَسَخ النِّكاحُ. (وَإِنِ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ، فَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): المذْهَبُ: أنَّها تصيرُ أمَّ وَلَدٍ له، يَمتَنِعُ عليه بَيعُها؛ لأِنَّها مُسْتَوْلَدَتُه، أشْبَهتْ مَسْتَوْلَدَةَ الحُرِّ. والثَّاني: لَا؛ لأِنَّها حَمَلَتْ بمَمْلوكٍ في غَيرِ ملْكٍ تامٍّ.

стр. 4201

(فَصْلٌ) (وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيئًا مِنْ كَسْبِهِ)؛ لأِنَّه اشْتَرى نفسَه، ولا يَبقَى ذلك لبائعه؛ كسائر المبِيعات، ولأِنَّ الملْكَ الواحِدَ لا يَتَوَارَدُ عليه مالِكانِ في وقتٍ واحدٍ. (وَلَا يَبِيعُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ)؛ لأِنَّ المكاتَبَ مع سيِّده كالأجْنَبِيِّ، فيَحرُمُ الرِّبا بَينَهما في الأصحِّ، إلاَّ في مالِ الكتابة. (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ)؛ فلا قِصاصَ، لكِنْ يَجِبُ (عَلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ)؛ لأِنَّه معه كالأجنبيِّ، ولا يَجِبُ إلاَّ بِانْدِمالِ الجُرْحِ، فإنْ قُتِلَ؛ فَهَدَرٌ. (وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً)، وظاهِرُ كلامِ المؤلِّف: أوْ مَنَعَه مُدَّةً؛ (فَعَلَيْهِ)؛ أيْ: على السَّيِّد (أَرْفَقُ الْأَمْرَيْنِ بِهِ مِنْ إِنْظَارِهِ مِثْلَ (١) تِلْكَ الْمُدَّةِ)؛ لأِنَّ ذلك نَظِيرُ ما فاتَه، (أَوْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ)؛ لأِنَّه فَوَّتَ مَنافِعَه، فَلَزِمَه عِوَضُها كالعبدِ. وقِيلَ: يَلزَمُه أرْفَقُهما بمُكاتَبِهِ؛ لأِنَّه وُجِدَ سببُها، فكان له أنْفَعُهما. فإنْ قَهَرَه أجنبيٌّ؛ لَزِمَه أجْرةُ مِثْلِه، وإن قَهَرَه أهلُ الحرب؛ لم يَلزَم السَّيِّدَ إنْظارُه؛ لأِنَّ الحَبْسَ لَيسَ من جِهَتِه. (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ)؛ لأِنَّه زالَ ملْكُه عن اسْتِخْدامها، وأَرْشُ الجناية عَلَيها، فمُنِعَ مِنْ وَطْئِها؛ كالمعتَقَة، (إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ) فله ذلك، نَصَّ عليه (٢)، ونَصَرَهُ في «الشَّرح»؛ لِبَقاءِ أصلِ الملْكِ؛ كراهِنٍ يَطَأُ بِشَرْطٍ، ذَكَرَه في «عيون المسائل» و «المنتخب». وعنه: لا، اخْتارَه أبو الخَطَّاب واختاره ابنُ عَقِيلٍ.

стр. 4202

وفي «الشَّرح»: وقِيلَ: له وَطْؤُها في الوقت الذي لا يَشغَلُها عن الكَسْبِ. (فَإِنْ (١) وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أَوْ وَطِئَ أَمَتَهَا؛ فَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ)؛ لأِنَّه عِوَضُ شَيءٍ مُستَحَقٍّ للكتابة، فكان لها؛ كبقيَّة مَنافِعِها، وسَواءٌ أكْرَهَها عليه أوْ طاوَعَتْه؛ لأِنَّه عِوَضُ مَنفَعَتِها، فَوَجَبَ لها؛ كأجْرةِ خِدمَتِها. وقِيلَ: إنْ طاوَعَتْه فلا. (وَيُؤَدَّبُ)؛ لأِنَّه وَطِئَ وطْئًا مُحرَّمًا، (وَلَا يُبْلَغُ بِهِ الْحَدُّ)؛ لأِنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبهات، والمكاتَبةُ مَمْلوكةٌ في قَولِ عامَّتهم، وإنْ كان أحدُهما عالِمًا تحريمَ ذلك والآخَرُ جاهِلاً؛ عُزِّرَ العالِمُ، وعُذِرَ الجاهِلُ. (وَإِنْ شَرَطَ وَطْأَهَا؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ)؛ لِما تقدَّم من صحَّةِ اشْتِراطه، وكذا لا تعزيرَ عَلَيه؛ لأِنَّه وَطِئَ ملْكَه، فإنْ أوْلَدَها بشرط صارَتْ أمَّ ولدٍ له، وهو حُرٌّ يَلحَقَه نَسَبُه، ولا يَلزَمُه قِيمتُه؛ لأِنَّها وَضَعَتْه في ملكِه، ولا تَبطُلُ كتابتُها بذلك. أصلٌ: لَيسَ له وَطْءُ بنتِ مكاتَبَتِه، فإنْ وَطِئَها عُزِّر، ومَهرُها حُكمُه حُكمُ كَسْبِها، يكونُ لأُمِّها تَستَعِينُ به في كتابتها. فإنْ أحْبَلَها؛ صارتْ أُمَّ وَلَدٍ له، والولَدُ حرٌّ، يَلحَقُه نَسَبُه، ولا تَجِبُ (٢) عَلَيهِ قِيمتُها، ولا قِيمةُ وَلَدِها على الأَشْهَرِ. ولَيسَ له وَطْءُ جاريةِ مُكاتَبَتِه، ولا مُكاتَبِه اتِّفاقًا (٣)، فإنْ فَعَلَ عُزِّر، وَوَلَدُه حُرٌّ، يَلحَقُه نَسَبُه، وتَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له، وعَلَيهِ قِيمتُها، ومَهْرُها لسيِّدها، ولا تَجِبُ قِيمةُ وَلَدِها على الأصحِّ.

стр. 4203

(فَإِنْ أَدَّتْ؛ عَتَقَتْ) بالكتابة؛ لأِنَّها عَقْدٌ لازِمٌ من جِهةِ سيِّدها، وما فَضَلَ من كَسْبِها فهو لها، وإنْ عَجَزَتْ، ورُدَّتْ إلى الرِّقِّ؛ بَطَلَ حُكمُ كتابتها، وبَقِيَ حُكْمُ الاِسْتِيلادِ مُنفَرِدًا، وما في يَدِها لورثةِ سيِّدها. (فَإِنْ مَاتَ) السَّيِّدُ قَبْلَ عَجْزِها و (قَبْلَ أَدَائِهَا؛ عَتَقَتْ)؛ لأِنَّها أمُّ وَلَدِه، وقد اجْتَمَع لها شَيئانِ يَقتَضِيانِ العِتْقَ، فأيُّهما سَبَقَ عَتَقَتْ به، (وَسَقَطَ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهَا)؛ لأِنَّها عَتَقَتْ بغَيرِ الكتابة. (وَمَا فِي يَدِهَا لَهَا)، ذَكَرَه القاضي وابنُ عَقِيلٍ؛ لأِنَّ العِتْقَ إذا وَقَعَ في الكتابة لا (١) يُبطِلُ حُكمَها، ولأِنَّ الملْكَ كان ثابِتًا لها، والعِتْقُ لا يَقتَضِي زوالَه عنها، أشْبَهَ ما لو عَتَقَتْ بالإبْراء من مالِ الكتابة، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ (٢) بَعْدَ عَجْزِهَا)، فيكونُ (٣) للسَّيِّد؛ لأِنَّها قد عادتْ إلى ملِكِه بالعجز. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) - أيْ: أكثرُهم -: (هُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا)؛ لأِنَّها عَتَقَتْ بحُكمِ الاِسْتِيلادِ، فأشْبَهَ غَيرَ الكتابة. (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا أَعْتَقَ المُكَاتَبَ سَيِّدُهُ)؛ لأِنَّ عِتْقَه بالمباشَرَة كعِتْقِها بالاِسْتِيلادِ، فَوَجَبَ اسْتِواؤهما في الحُكمِ. لكِنْ في «المغْنِي» و «الكافي»: يَحتَمِلُ أنْ يُفرَّقَ بَينَهما من حَيثُ إنَّ الإعْتاقَ يَكونُ بِرِضًى في العتْقِ، فيكونُ رِضًى منه بإعْطائها مالَها، والعِتقُ بالاِسْتِيلاد يَحصُلُ بغَيرِ رِضى الورثة واخْتِيارهم، فلا يُتبَعُ المكاتَبُ شَيئًا من ماله. (وَإِنْ كَاتَبَ اثْنَانِ جَارِيَتَهُمَا (٤)، ثُمَّ وَطِئَاهَا؛ فَلَهَا الْمَهْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ

стр. 4204

مِنْهُمَا)؛ لأِنَّ الوَطْءَ يُوجِبُ المهْرَ، وقد وُجِدَ ذلك منهما، فإنْ كانَتْ بِكْرًا حِينَ وطِئَها الأوَّلُ؛ فعليه مَهْرُ بِكْرٍ، وعلى الآخَر مَهْرُ ثيِّبٍ. فإنْ أفْضاها أحدُهما بِوَطْئِه؛ فعليه لها ثُلثُ قيمتِها. وقِيلَ: يَلزَمُه قَدْرُ نَقْصِها. وقال القاضي: يَلزَمُه قِيمَتُها. وهذا مَبْنِيٌّ على الواجِبِ في إفْضاءِ الحُرِّ. (وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا)؛ أُدِّبَ، ولا حدَّ عَلَيهِ لشبهةِ الملك، ثُمَّ إِنْ وَلَدَتْ منه (صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ)؛ لأِنَّها عَلِقَتْ بحرٍّ في (١) شَيءٍ يَملِكُ بعضَه، وذلك مُوجِبٌ للسِّراية؛ لأِنَّ الاِسْتِيلادَ أقْوَى من العِتْقِ، بدليلِ صحَّتِه من المجْنون، ويَنفُذُ من جاريةِ ابنِه، ومن رأس المال في المرض، (وَيَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا) قِنًّا؛ لأِنَّه فَوَّتَ عَلَيهِ رِقَّها بصَيرُورَتِها أُمَّ وَلَدٍ، فإنْ كان مُوسِرًا؛ أدَّاه، وإنْ كانَ مُعْسِرًا؛ ففي ذِمَّته، هذا ظاهِرُ الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ الإحْبالَ أَقْوَى من العِتْقِ. وفي ضَمان نصفِ مَهْرِها وَجْهانِ، والوَجْهُ الثَّاني (٢): عليه نصفُها مكاتَبًا، ولها كلُّ المهر. (وَهَلْ يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظْهَرُهما: لا يَلزَمُه؛ لأِنَّها وَضَعَتْه في ملْكِه والولدُ حُرٌّ. والثَّانيةُ (٣)، وصحَّحَها القاضِي على المذهب؛ لأِنَّه كان من سبيل هذا النِّصفِ أنْ يكون مَمْلوكًا لشريكه، فقد أتْلَفَ رقَّه عليه.

стр. 4205

واختار أبو بكرٍ: أنَّها إنْ وَضَعَتْه بَعْدَ التَّقويم؛ فلا شَيءَ على الواطِئِ، وإنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ التَّقويم؛ غَرِمَ نصفَ قِيمَتِه. (وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ فَأُلْحِقَ بِهِمَا؛ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا)؛ لأِنَّ الوَلَدَ مَنْسوبٌ إلَيهِما، (يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَبَاقِيهَا بِمَوْتِ الآْخَرِ)؛ لأِنَّه الَّذي يَمْلِكُه كلٌّ مِنْهُما. (وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا يَسْرِي اسْتِيلَادُ أَحَدِهِمَا إِلَى نَصِيبِ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يَعْجِزَ)؛ لأِنَّ المكاتَبةَ انَعْقَدَ فيها سببُ الحرِّيَّة، ولِمكاتِبِها عليه الوَلاءُ، وفي السِّرايَة إبْطالٌ لذلك. (فَيُنْظَرُ حِينَئِذٍ)؛ لأِنَّ له حالةً يَسْرِي فيها، وحالةً لا يَسْرِي فيها؛ (فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا؛ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ)؛ لأِنَّ اسْتِيلادَ الموسِرِ مُوجِبٌ للسِّراية في الرَّقيق، وحِينَئِذٍ فنصفُها أمُّ ولدٍ ونصفُها مَوقُوفٌ، فإنْ أدَّتْ عَتَقَتْ، وإنْ عَجَزَتْ فُسِخت الكتابةُ، وقُوِّمَتْ على الواطِئِ، وصار جميعُها أُمَّ ولدٍ، (وَإِلاَّ فَلَا) أيْ: إذا كان الواطِئُ مُعسِرًا؛ لم يَسْرِ إحْبالُه إلى نصيبِ شريكِه؛ لأِنَّه إعْتاقٌ، فلم يَسْرِ مع الإعْسار كالقَول، ويَصِيرُ نصفُها أُمَّ ولدٍ، فإنْ عَجَزَت اسْتَقرَّ الرِّقُّ في نصفِها، وثَبَتَ حُكمُ الاِسْتِيلادِ لِنِصفِها.
следующие страницы →