← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ، والإسْفَرايِينِيُّ، والباجِيُّ، وابنُ بَطَّالٍ، والبَغَوِيُّ، الإجماعَ على أنَّه لا يَجوزُ (١). (ثُمَّ إِنْ وَلَدَتْ) أمُّ الولد بعدَ ثُبوت حكمِ الاِسْتِيلاد (مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا)، من زوجٍ أو غَيرِه؛ (فَلِوَلَدِهَا حُكْمُهَا)؛ أيْ: في جميع الأحكام، إلاَّ أنَّه لا يَجوزُ للسَّيِّد أن يَستَمْتِعَ بِبَناتها؛ لأِنَّه دَخَلَ بأُمِّهنَّ، قال أحمدُ: (قال ابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ وغَيرُهما: «وَلدُها بمَنزِلتها») (٢)، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا بَينَ القائلين بثُبوتِ حكمِ الاِسْتِيلاد، إلاَّ أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز قال: هم عَبِيدٌ (٣)، (فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا)؛ لأِنَّ الولدَ تَبَعٌ لأُمِّه في الحرِّيَّةِ والرِّقِّ، فتَبِعها في سبب الحرِّيَّة، (سَوَاءٌ عَتَقَتْ) الأمُّ (أَوْ مَاتَتْ قَبْلَهُ (٤)؛ لأِنَّ سبب الحرِّيَّة قد انْعَقَدَ، وهو شَبِيهٌ بنفس العتق، فكما لا يَرتَفِعُ العِتْقُ بعدَ وُقوعه؛ فكذلك لا يَرتَفِعُ السبب بعدَ وقوعه، وكذلك ولدُ المدبَّرة، بخِلافِ ولدِ المكاتَبة، فإنْ أعْتَقَ أمَّ الولد أو المدبَّرة لم يعتِقْ ولدُها، وإنْ أعْتَقَ ولدَهما؛ لم يعتِقا بعِتْقِه، وإنْ أعْتَقَ المكاتَبةَ (٥)؛ عَتَقَ ولدُها، نَصَّ عليهِ (٦).

стр. 4237

(وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ؛ فَهَلْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، هذا مَبْنِيٌّ على الخلافِ في نفقة الحامِلِ، فإنْ قُلْنا: هي للحملِ؛ فلا نفقةَ لها؛ لأِنَّ الحَمْلَ له نصيبٌ في الميراث، فتَجِبُ نفقتُه في نصيبِه. وإنْ قُلْنا: للحاملِ؛ فلها النَّفقةُ، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه شَغَلَها بحَمله، فكانَ عِوَضُ ذلك عليه، كمَا لو استأْجَرَ دارًا؛ كانَتْ أُجْرتُها عليه. وفي «الرِّعاية»: هل تَجِبُ نَفَقَتُها في الكلِّ، أو في حِصَّةِ ولدها؟ على روايَتَينِ. (وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ)؛ تعلَّق أرْشُ جِنايَتها برَقَبتها؛ كالقِنِّ، (فَدَاهَا سَيِّدُهَا)؛ لأِنَّه امْتَنَعَ عليه بَيعُها، (بِقِيمَتِهَا أَوْ دُونِهَا)؛ أيْ: بالأقلِّ منهما، فإنْ ماتَتْ قَبْلَ فِدائها؛ فلا شَيءَ على سيِّدها، وإنْ نَقَصَتْ قِيمتُها قَبلَه أيضًا؛ وَجَبَ فِداؤها بقِيمتها يَومَ الفِداء، وإنْ زادَتْ قِيمتُها؛ زاد فِداؤها، وإنْ كَسَبَتْ بعدَ جِنايتها شَيئًا؛ فهو لِسيِّدها، وكذلك ولدُها، وإنْ فَداها حالَ حَمْلِها؛ فعليه قِيمتُها حامِلاً، وإنْ أتْلَفَها سيِّدُها؛ فعليه قِيمتُها، وإنْ نقصها؛ فعليه نَقْصُها. (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدَاؤُهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ)؛ كالْقِنِّ في روايةٍ، بالِغةً ما بَلَغَتْ؛ لِمَنْعه (١) من تسليمها بسببٍ مِنْ جِهته. والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ لأِنَّه لا يُمكِنه تسليمُها للبيع، بخلافِ الْقِنِّ. (وَإِنْ عَادَتْ فَجَنَتْ؛ فَدَاهَا أَيْضًا)، نَقَلَه ابنُ منصورٍ (٢)، واختاره الأصحابُ، حتَّى قال أبو بكرٍ: ولو أَلْفَ مرَّةٍ؛ لأِنَّها أمُّ ولدٍ جانِيةٌ، فَلَزِمَه فداؤها؛ كالأوَّل. (وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّتِهَا)؛ أيْ: يُتبَعُ (٣) به بعدَ العتقِ، قدَّمه في

стр. 4238

«التَّرغيب»؛ حِذارًا مِنْ إضرار السَّيِّد بتَكرارِ الفداء مع مَنْعه مِنْ بَيعها، ولأِنَّها جانيةٌ، فلم يَلزَمِ السَّيِّدَ أكثرُ مِنْ قِيمتِها؛ كما لو لم يَكُنْ فَداها. وعلى هذه: قال ابنُ حَمْدانَ: قلتُ: يَرجِعُ الثَّاني على الأوَّل بما يَخُصُّه مِمَّا أَخَذَه، كذا أطْلَقهما الأكثرُ، وقيَّدها القاضِي في رِوايَتَيهِ، والمؤلِّفُ في «المغْنِي»، حاكيًا له عن أبي الخَطَّاب: بما إذا فَداها أوَّلاً بقيمتها. ومُقتضَى (١) هذا: أنَّه لو فَداها أوَّلاً بالأَرْش؛ لَزِمَه فِداؤها ثانيًا بما بَقِيَ من قيمتها بلا خِلافٍ. فَرْعٌ: إذا جَنَتْ جِناياتٍ قَبْلَ الفِداء؛ تعلَّق أرشُ الجميع برَقَبتها، ولم يَكُنْ عليه فيها كلِّها إلاَّ الأقلُّ من قيمتها أو أَرْشِ جميعِها، ويَشتَرِكُ الجميعُ في الواجِبِ لهم. فإنْ أَبْرَأَ بعضُهم من حقِّه؛ توفَّر الواجِبُ على الباقين، إذا كانت كلُّها قَبْلَ الفِداء، وإنْ كان المعفوُّ عنها بعدَ فِدائه؛ توفَّر أرْشُها على سيِّدها. (وَإِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا؛ فَعَلَيْهَا الْقِصَاصُ) إنْ لم يَكُنْ له منها وَلَدٌ، وإنْ كان له منها ولدٌ، وهو الوارِثُ وحدَه؛ فلا قِصاصَ، وكذا إنْ كان معه غيرُه على الأصحِّ؛ لأِنَّه وَرِثَ بعضَ الدَّم، وحِينَئِذٍ إذا لم يَجِب القِصاصُ؛ فَعَلَيها قيمةُ نَفْسِها، وقد توقَّف أحمدُ في هذه المسألةِ في رِوايةِ مُهَنَّى (٢)، وعَنْهُ: يَقتُلُها أوْلادُه مِنْ غَيرِها. (فَإِنْ عَفَوْا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً؛ فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا)، كذا أطْلَقَه الخِرَقِيُّ والقاضِي وأصحابُه، وهو روايةٌ؛ لأِنَّ الجنايةَ وُجِدتْ منها، وهي مملوكةٌ، فَوَجَبَ عليها قيمةُ نَفْسِها. وقال أبو الخَطَّاب، والمجْدُ، وابنُ حَمْدانَ: عَلَيها الأقلُّ من قِيمتِها أو

стр. 4239

أَرْشِ جِنايتها، ولعلَّ إطلاقَ الأُولى محمولٌ على الغالِبِ؛ إذِ الغالِبُ أنَّ قيمةَ الأَمَةِ لا تزيد (١) على دِيَةِ الحُرِّ. وفي «الرَّوضة»: في قَتْلِ الخَطَأ الدِّيةُ على العاقِلَة؛ لأِنَّ عندَ آخِرِ جُزْئِيَّات (٢) المقتول عَتَقَتْ، وَوَجَبَ الضَّمانُ. (وَتَعْتِقُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ)؛ لأِنَّ المقتضِيَ لِعِتْقها قد زال، لا يُقالُ: يَنبغِي أنْ لا تعتِقَ كالقاتِل لا يَرِثُ؛ لأِنَّه يَلزَمُ نَقْلُ الملك فيها، وأنَّه يَمْتَنِعُ، وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّ الاِسْتِيلادَ كما هو سببٌ للعتق بعدَ الموت؛ كذلك النَّسبُ سببٌ لِلازِمِه، فكما جاز تخلُّفُ الإرْثِ مع قيام السَّبب بالنَّصِّ؛ فكذلك يَنبَغِي أنْ يتخلَّفَ العِتْقُ مع قِيامِ سَبَبِه؛ لأِنَّه مِثْلُه. قال السَّامَرِّيُّ: إذا قَتَلَتْ أمُّ الولد سيِّدَها؛ عَتَقَتْ قَولاً واحِدًا، بخِلافِ المدبَّرة في أحدِ الوَجْهَينِ. (وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا) على المذهب؛ كالمدبَّرة؛ لأِنَّ الحدَّ يُحتاطُ لِإِسْقاطِه، ويُدرَأُ بالشُّبهة. (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ (٣) الْحَدُّ)، نَقَلَها أبو طالِبٍ، قال: إذا كان لها ابْنٌ، واحتجَّ بحديثِ ابنِ عمرَ (٤)، ولأِنَّ لها معنًى (٥) مَنَعَ بيعَها وإرثها، أشْبَهَت الحرَّةَ.

стр. 4240

وأكثرُ الأصحاب كالمؤلِّف أطْلقوا هذه الرِّوايةَ، وظاهرُها التَّقييدُ، فيكون المذهبُ: عدمَ حدِّه روايةً واحدةً. ولعلَّ الخِلافَ بما إذا كان لها ابنٌ حرٌّ؛ لأنَّها لا تصيرُ أمَّ ولدٍ إلاَّ بذلك. ويَنبَغِي (١) إجراءُ الخِلاف بما إذا كانَ لها زَوجٌ حرٌّ. ونظيرُه: لو قَذَفَ أمةً (٢) أو ذِمِّيَّة لها ابنٌ أوْ زَوجٌ مُسلِمانِ؛ فهل يُحَدُّ؟ على روايتَينِ ذَكَرَهما المجْدُ وغَيرُه.

стр. 4241

(فَصْلٌ) (وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ)، وظاهِرُه: ولو كان حَربِيًّا؛ لأِنَّه يَصِحُّ عِتقُهم، (أَوْ مُدَبَّرَتُهُ؛ مُنِعَ مِنْ غِشْيَانِهَا)؛ حِذارًا مِنْ أنْ يَطَأَ مُشْرِكٌ مسلمةً؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية [المُمتَحنَة: ١٠]. وظاهِرُه: أنَّ ملكَه يُقَرُّ عَلَيها، وهو المختارُ؛ لأِنَّ عِتْقَها مَجَّانًا فيه إضْرارٌ بالسَّيِّد، وبالسِّعايَة فيه إضْرارٌ بها؛ لإلزامِها (١) الكَسْبَ بغَيرِ رضاها، وهو مَنفِيٌّ شَرْعًا. (وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا)؛ لِئَلاَّ يتلذَّذَ بها، ولا يَخْلُو بها؛ لأِنَّ ذلك يُفْضِي إلى الوطء المحرَّمِ. (وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ)؛ لأِنَّه مالِكٌ لها. (فَإِنْ أَسْلَمَ؛ حَلَّتْ لَهُ)؛ لِما ذَكَرْنَا، (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا؛ عَتَقَتْ)، نَصَرَه في «الشَّرح» وغيره، وتُسَلَّمُ إلى امرأةٍ ثقةٍ تكونُ عِنْدَها، وتقومُ بأمْرها. وإنِ احْتاجَتْ إلى أَجْرٍ أو أجرةِ (٢) مَسكَنٍ؛ فعلى سيِّدها. وذَكَرَ القاضي: أنَّ نَفَقتَها في كَسْبها، والفاضِلَ منه لسيِّدها. وإنْ (٣) عَجَزَ كَسْبُها عن نفقتها؛ فهل يَلزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَتُها؟ على رِوايتَينِ، قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ: أنَّ نَفَقتَها على سيِّدها وكَسْبَها له. ونَقَلَ مُهَنَّى: أنَّها تعتِقُ بمجرَّد الإسلام (٤)؛ لأِنَّه لا سبيلَ إلى بَيعِها، ولا إقْرارِ ملْكِه عَلَيها.

стр. 4242

قالَ الزَّركشيُّ: ولا أعْلَمُ له سَلَفًا في ذلك، على أنَّ أبا بكرٍ لم يُثْبِت الثَّانيَ أيضًا، فقال (١): أظنُّ أنَّ أبا عبد الله أطْلَقَ ذلك لمُهَنَّى على سبيل المناظَرَةِ. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُسْتَسْعَى فِي حَيَاتِهِ وَتَعْتِقُ)، نَقَلَها مُهَنَّى، قاله القاضي؛ لأِنَّ بَيعَها وعِتْقَها مَجَّانًا مَنفِيَّانِ، وكذلك (٢) إقرارُ الملك عليها؛ لِمَا فيه من إقْرارِ الكافِر على المسلِم، فَسَلَكَ بها طَريقَه، وهو الاِسْتِسْعاءُ. (وَإِذَا وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ)؛ حَرُمَ بغَيرِ خلافٍ نعلمُه (٣)، وأُدِّبَ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: وقُدِحَ في عَدالَتِه (٤)، ولا حدَّ عليه في قَولِ أكثرِهم. فإنْ لم تَحمِلْ منه؛ فهي باقيةٌ على ملكهما، وعليه نصفُ مهرِ مِثلِها لشريكه، طاوَعَتْه أوْ لا. ونقلَ حَرْبٌ (٥): إنْ كانتْ بِكْرًا فقد نَقَصَ منها، فعليه العقرُ، والثَّيِّبُ لم تَنقُصْ، وفيه اخْتِلافٌ. (فَإِنْ أَوْلَدَهَا؛ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ)؛ أيْ: إذا وَضَعَتْ ما يتبيَّنُ فيه بعضُ خَلْقِ الإنسان، كما لو كانت خالصةً له، وتَخرُج (٦) بذلك من مِلكِ الشَّريك، مُوسِرًا كان الواطِئُ أوْ مُعْسِرًا؛ لأِنَّ الإيلادَ أقْوَى من الإعتاقِ، بدليلِ نُفوذِه من رأسِ مالِ المريض والمجنون. (وَوَلَدُهُ حُرٌّ)، يَلحَقُ نَسبُه بوالده؛ لأِنَّه وَطْءٌ في محلٍّ له فيه ملْكٌ، أشْبَهَ ما لو وَطِئَها في الإحرام.

стр. 4243

وقال القاضي وأبو الخَطَّاب: يَحتَمِلُ أنْ يكونَ الولدُ حُرًّا، ويَحتَمِلُ أنْ يكونَ نصفُه حُرًّا ونصفُه رقيقًا؛ كأُمِّه، وكَوَلَدِ المعتَقِ بعضُها، وبهذا تبيَّنَ أنَّه لم يستحلَّ انعقاد الولد من حرٍّ وقِنٍّ. (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ)؛ لأِنَّه أتْلَفَه عَلَيهِ، بدَفْعه (١) إليه إنْ كان مُوسِرًا، (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا؛ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ)؛ كما لو أتْلَفَها. وعنه: ونصفُ مَهرِها. وعنه: ونصفُ قِيمةِ الولد. (فَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَوْلَدَهَا؛ فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا)؛ لأِنَّه وطِئَ أَمَةَ غَيرِه؛ لأِنَّ نصفَه انْتَقَلَ إلى الواطِئِ الأوَّلِ بالاِسْتِيلاد. (فَإِنْ كَانَ عَالِمًا؛ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ)؛ كَوَطْءِ الأَمَة الأجْنَبيَّة؛ لأِنَّ الوَطْءَ حرامٌ، والولدُ تَبَعٌ لأِمِّه. (وَإِنْ جَهِلَ إِيلَادَ شَرِيكِهِ، أَوْ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ فَوَلَدُهُ حُرٌّ)؛ لأِنَّه مِنْ وَطْءِ شُبْهةٍ. (وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)؛ لأِنَّه فوَّتَ رِقَّه على مالِكِ أُمِّه، وقَبْلَ الولادة لا يُمكِنُ تقويمُه، وإلاَّ فَهُمْ رقيقٌ. وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يكونَ مُوسِرًا أوْ مُعْسِرًا. (وَعِنْدَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ: إِنْ كَانَ الأوَّلُ مُعْسِرًا؛ لَمْ يَسْرِ اسْتِيلَادُهُ)؛ كالعِتْق، ولِمَا فيه من الضَّررِ اللاَّحِق بالمالِك، ولأِنَّه لو أعْتَقَ نصفَه من العبد المشْتَرَك؛ لم يَسْرِ مع الإعْسار، فكذلك مع الاِسْتِيلاد. (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا)؛ لأِنَّ ذلك نصيبُه، وقد ثبت له حكمُ الاِسْتِيلاد، ويَكْمُلُ عِتْقُهَا بِمَوْتِ الآْخَرِ، ولم يَذكُرْه المؤلِّفُ لِظُهورِه.

стр. 4244

(وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ مُوسِرٌ؛ فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: لا يَسْرِي عِتْقُه؛ لأِنَّه يُبطِلُ حقَّ صاحِبِه الذي انْعَقَدَ سبَبُه بالاِسْتِيلاد. والثَّاني: يُقوَّم عليه؛ لحديثِ ابنِ عمرَ (١)، وهو أَوْلَى وأصحُّ؛ كما لو أعتقَ أحدُ الشَّريكَينِ نصيبَه مِنْ الأمَةِ القِنِّ، ولأِنَّ الاِسْتِيلادَ أقْوَى من الإعتاق. وظاهِرُه: ولو قلَّ ملْكُه منها. خاتمةٌ: إذا وطِئَ حرٌّ أو والدُهُ أمةً لأِهْلِ الغنيمة وهو منهم، أوْ لمكاتَبه؛ فالمهْرُ، فإنْ أحْبَلَها؛ فأمُّ ولدِه، وَوَلَدُه حرٌّ، ويَلزَمُه قِيمتُها. وعَنْهُ: ومَهرُها (٢). وعَنْهُ: وقِيمةُ (٣) الولد. وكذا الأبُ يُولِدُ جاريةَ ابْنِه. وذَكَرَ جماعةٌ هنا: لا يَثبُتُ له في ذِمَّته شَيءٌ، وهو ظاهِرُ كلامِه. وتقدَّم حكمُ التَّعزير والحَدِّ. فإنْ كان الاِبنُ وَطِئَها؛ لم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ في المنصوص، ويُحَدُّ في الأصحِّ بِوَطْءِ أَمَةِ أبِيهِ وأُمِّه عالِمًا تحريمَه، ولا يَلحَقُه الولدُ، نَقَلَه حنبلٌ وغَيرُه، ونَقَلَ الميمونيُّ خِلافَه (٤). فإنْ وَطِئَ أَمَتَه وهي مُزوَّجةٌ؛ عُزِّرَ ولم يُحدَّ. فإنْ أوْلَدَها صارَتْ أمَّ وَلَدٍ، وَوَلَدُه حُرٌّ، ولا يَلحَقُه النَّسبُ، خِلافًا للقاضي.

стр. 4245

فإنْ كانَتْ حامِلاً من غَيرِه؛ حَرُمَ بَيعُ الولد، ويُعتِقُه. ونقل الأثرمُ: يَعْتِقُ عليه، وجَزَمَ به في «الرَّوضة»، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ويُستَحَبُّ، وفي وُجوبِه خِلافٌ (١). ونقلَ ابنُ منصورٍ (٢): إذا تزوَّج بِكْرًا، فدَخَلَ بها، فإذا هي حُبْلَى؛ قال النَّبيُّ ﷺ : «لها الصَّداقُ بما اسْتَحْلَلْتَ منها، والولدُ عَبْدٌ لك (٣)، فإذا وَلَدَت فاجْلِدوها، ولها الصَّداقُ، ولا حَدَّ؛ لَعلَّها اسْتُكْرِهَتْ»، رواهُ أبو داودَ بمَعْناهُ من طُرقٍ (٤)، قال الخَطَّابيُّ: لا أعْلَمُ أحَدًا من الفُقَهاء قالَ به، وهو مُرسَلٌ (٥). وفي «الهَدْيِ»: (قِيلَ: لَمَّا كان وَلَدَ زِنًى، وقد غَرَّتْه من نفسها، وغَرِمَ صَداقَها؛ أخْدَمَه وَلدَها، وجَعَلَه له كالعبد.

стр. 4246

ويَحتَمِلُ: أنَّه أرَقَّه عُقوبةً لأمِّه على زِناها وغُرورِها، ويكونُ خاصًّا بالنَّبيِّ ﷺ . ويَحتَمِلُ: أنَّه منسوخٌ. وقِيلَ: كان في أوَّلِ الإسلام يُسْتَرَقُّ الحُرُّ في الدَّينِ، واللهُ أعْلَمُ) (١).

стр. 4247

(كِتَابُ النِّكَاحَ) النِّكاحُ في كلامِ العرب: الوَطْءُ، قالَهُ الأَزْهَرِيُّ (١)، وسُمِّيَ التَّزويجُ نكاحًا؛ لأِنَّه سببُ الوَطْءِ. وقال أبو عَمْرٍو غُلامُ ثَعلَبٍ (٢): الذي حصَّلْناهُ عن ثَعلَبٍ عن الكُوفِيِّينَ، وعن المبرِّد عن البصريِّينَ: أنَّه الجمعُ. قال الشَّاعِرُ (٣): أيُّها الْمُنكِحُ الثُّريَّا سُهَيلاً … عَمْرُكَ اللهُ كَيفَ يجتمعان؟ وقال الجَوهَرِيُّ: هو الوَطْءُ، وقد يكونُ العَقْدَ (٤). وعن الزَّجَّاجِيِّ: أنَّه بمعناهما جميعًا (٥). وقال ابنُ جِنِّيْ عن شَيخه أبي عليٍّ الفارِسِيِّ: فَرَّقَت العربُ فَرْقًا لَطِيفًا، فإذا قالوا: نَكَحَ فُلانةَ؛ أرادوا تزويجَها، وإذا قالوا: نَكَحَ امرأتَه؛ أرادوا مُجامَعتَها (٦). وفي الشَّرع: هو عَقْدُ التَّزويج، فعندَ إطلاقِ لفظِه يَنصرِفُ إلَيهِ، ما لم

стр. 4248

يَصرِفْه دليلٌ. وهو حقيقةٌ في العقد، جَزَمَ به أكثرُ الأصْحاب؛ لأِنَّه الأَشْهَرُ في الكتاب والسُّنَّة، ولهذا قِيلَ: لَيسَ في القرآن العظيم لفظُ النِّكاح بمَعْنَى الوَطْءِ، إلاَّ قَولُه تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]، ولصحَّة نفيِه عن الوطء، وهو دليلُ المجاز، ولقَولِ العرب: أنْكَحْنَا الفَرَى (١) فَسَتَرَى؛ أي: أضْرَبْنا فَحْلَ حُمُرِ الوَحْش أُتنَه (٢)، فَسَترَى ما يتولَّد منهما (٣)، فضُرِب مثلاً للأمر يَجتَمِعونَ عَلَيه ثُمَّ يتفرَّقونَ عنه. وقال القاضِي في «العِدَّة»، وأبو الخَطاب، وأبو يَعْلَى الصَّغيرُ: هو حقيقةٌ في الوَطْءِ؛ لمَا تقدَّمَ عن ثَعلَبٍ، والأصلُ عَدَمُ النَّقل، قال أبو الخَطَّاب: وتحريمُ مَنْ عَقَدَ عَلَيها الأبُ اسْتَفَدْناهُ بالإجماع. والأَشْهَرُ: أنَّه مُشتَرَكٌ، قاله في «الوسيلة»، و «الفروع». وقِيلَ: حقيقةٌ فيهما، اختاره جماعةٌ. ثُمَّ قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ ما قُلْنا؛ لأِنَّ الأَشْهَرَ اسْتِعْمالُ لَفْظةِ (٤) النِّكاح بإزاء العَقْدِ في الكتاب، والسُّنَّة، ولسانِ أهلْ العَرَبِ، والاِشْتِراكُ خلافُ الأصل، ولو قدَّمَ (٥) كَونُه مَجازًا في العقد؛ لكان اسْمًا عُرْفِيًّا، يَجِبُ صرْفُ اللَّفظ إليه عند الإطلاق. ونَصر القاضي: أنَّه حقيقةٌ فيهما؛ لقَولِنا بتحريمِ مَوطوءَةِ الأب مِنْ غَيرِ

стр. 4249

تَزْويجٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٢٢]، وذلك لِوُرودهما في الكتاب والسُّنة. والمعْقودُ عَلَيهِ: المنفعةُ؛ كالإجارة. وهو مشروعٌ بالإجماع (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٣]، ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النُّور: ٣٢]، وقَولُه ﵇: «يا مَعْشَرَ الشَّباب، مَنْ اسْتَطاعَ مِنكم الباءَةَ فَلْيَتزوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ للبَصَر، وأَحْصَنُ للفَرْج، ومَنْ لم يَسْتَطِعْ؛ فعَلَيهِ بالصَّوم، فإنَّه له وِجاءٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢)، وغَيرُ ذلك من الأدلَّة. (النِّكَاحُ سُنَّةٌ (٣)، وهو مَنْ له شَهوةٌ ولا يَخافُ الزِّنى؛ لأِنَّ فِعْلَه راجحٌ على تَرْكه؛ لأِنَّه ﵇ عَلَّقه بالاِسْتِطاعة، والواجِبُ لا يُعلَّقُ عَلَيها. (وَالاِشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ)؛ كصَومٍ وصَلاةٍ ونحوِهما. (إِلاَّ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ)؛ أي: الزِّنى (بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ)، في قَولِ عامَّة الفقهاء، ويُقدَّمُ على حجٍّ واجبٍ، نَصَّ عليه (٤). قال ابنُ هُبَيرةَ: اتَّفَقُوا على أنَّ مَنْ تاقَتْ نَفْسُه إليه، وخاف العَنَتَ، فإنَّه يَتأكَّدُ في حقِّه، ويكونُ أفضلَ له من الحجِّ، والجِهاد، والصَّلاة، والصَّوم

стр. 4250

المتطوَّعِ بها (١)، وزاد أحمدُ، فبَلَغَ به إلى الوجوب مع الشَّرطَينِ، وهما (٢): أنْ تَتُوقَ نَفْسُه، ويَخافَ العَنَتَ، روايةً واحدةً. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ)، اختاره أبو بَكْرٍ، وأبو حَفْصٍ؛ لِظاهِرِ النُّصوص، ومرادُهم: إذا كان ذا شَهوةٍ. الثَّالثُ: مَنْ له شَهوةٌ، ولم تَتُقْ نَفْسُه إليه، فيُستَحَبُّ له التَّزويجُ (٣)، وهو أفضلُ من نَوافِلِ الطَّاعات، قال أحمدُ: مَنْ دعاكَ إلى غَيرِ التَّزويج، فقد دَعاكَ إلى غَيرِ الإسْلامِ، ولَيست العُزْبَةُ مِنْ أمْرِ الإسلام في شَيءٍ (٤). الرَّابِعُ: مَنْ لا شَهوةَ له، وهو مَنْ لم تَتُقْ نفسُه إليه، خِلْقَةً أوْ لِكِبَرٍ ونحوِه، فمُباحٌ له في الأَشْهَر؛ لأِنَّه لا يُحصِّلُ منه مَصلحةَ النِّكاح، ويُلْزِمُ نفسَه واجباتٍ وحُقوقًا لَعَلَّه يَعجِزُ عنها. وعَنْهُ: يُستَحَبُّ، قال السَّامَرِّيُّ: اخْتارَها القاضِي؛ لدخوله في عمومِ الأخبار. وقِيلَ: يُكرَهُ. وحُكِيَ عنه: يَلزَمُ، وهو وَجْهٌ في «التَّرغيبِ». والمنْصوصُ: حتَّى لِفَقيرٍ (٥). وجَزَمَ في «النَّظْم»: لا يَتزَوَّجُ فقيرٌ إلاَّ ضَرورةً، وكذا قيَّدها ابنُ رَزِينٍ

стр. 4251

بالمُوسِر، ونَقَلَ صالِحٌ: يَقتَرِضُ ويَتزَوَّج (١). قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: فيه نِزاعٌ في مذْهَبِ أحمدَ وغَيرِه (٢). وذَكَرَ أبو الفَتْحِ بن المَنِّيِّ: أنَّ النِّكاحَ فَرضُ كفايةٍ، فالاِشْتِغالُ به أَوْلَى؛ كالجهاد، وكان القِياسُ يَقتَضِي وُجوبَه على الأعيان، تَرَكْناهُ للحَرَجِ والمشقَّة، ومَنع أنَّه ليس بعبادةٍ؛ لأِنَّه يُتلَّقى من الشارِع، وإنَّما صحَّ من الكافِر؛ لِمَا فيه (٣) من عمارة الدُّنيا؛ كعمارةِ المساجد. وفي «الواضح»: إذا قُلْنا بِوجوبه؛ هل يَجِبُ الوَطْءُ؟ فيه وَجْهانِ، والأَشْهَرُ: لا يُكتَفَى بمرَّةٍ. وفي «المُذهب» وغيره: بلى لرجلٍ وامرأةٍ، نَقَلَ ابنُ الحَكَم: المتَبَتِّلُ الذي لم يتزوَّجْ قطُّ (٤). قال أبو الحُسَين: وفي الاِكْتِفاء بتَسَرٍّ وَجْهانِ، أصحُّهما: أنَّه يُجزِئُ عنه. ولا يَلزَمُ نكاحُ أمةٍ، وقال القاضِي وجمعٌ: يُباحُ، والصَّبرُ عنه أَوْلَى. وأوْجَبَه أبو يَعْلَى الصَّغيرُ، والمخالِفُ استحبَّه؛ فلهذا جوابُه عن الآية: ما لم يَقُلْ به صار كالمسكوت عنه. فَرْعٌ: له النِّكاحُ بدار حَرْبٍ ضَرورةً، وبِدونِها وَجْهانِ، وكَرِهَه أحمدُ، وقال: لا يَتزوَّجُ ولا يَتَسرَّى، إلاَّ أنْ يَخافَ على نفسِه، وقال: لا يَطلُبُ الولدَ، ويَجِبُ عَزْلُه إن حَرُمَ نِكاحُه بلا ضرورةٍ، وإلاَّ اسْتُحِبَّ (٥)، ذَكَرَه في «الفصول».

стр. 4252

(وَيُسْتَحَبُّ تَخَيُّرُ ذَاتِ الدِّينِ، الوَلُودِ، البِكْرِ، الحَسِيبَةِ، الْأَجْنَبِيَّةِ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «تُنكَحُ المرأةُ لأِرْبَعٍ: لمالِها، وجَمالِها، وحَسَبِها، ودِينِها، فاظْفَرْ بذاتِ الدِّين، تَرِبَت يَداكَ» متَّفقٌ عليه (١). ودليلُ الأوْصاف: قَولُه ﵇: «تزوَّجُوا الوَلودَ؛ فإنِّي مُكاثِرٌ بكم يومَ القيامة» رواه النَّسائيُّ (٢)، وقَولُه ﵇: «عَلَيكُم بالْأَبْكار، فإنَّهنَّ أعْذَبُ أفْواهًا، أَفْتَحُ (٣) أرْحامًا، وأرْضَى باليَسِيرِ» رواه أحمدُ (٤)، وقَولُه ﵇:

стр. 4253

«تخيَّروا لِنُطَفِكم، فانْكِحُوا الْأَكْفاءَ» رواهُ ابنُ ماجَهْ (١)، ولأِنَّ وَلَدَ الحَسِيبة ربَّما أشْبَهَ أهْلَها (٢)، ونَزَعَ إلَيهِم، ويُقالُ: إذا أَرَدتَ أنْ تَتزَوَّجَ امْرأةً فانْظُرْ إلى نَسَبِها؛ أيْ: حَسَبِها. وأمَّا الأجنبيَّةُ؛ فَلْأَنَّ وَلَدَها أنْجَبُ، ولهذا يُقالُ: اغْتَرِبْ (٣)؛ أي: انكِحُوا الغَرائِبَ، ولأِنَّه لا يُؤمَنُ العَداوةُ في النِّكاح، وإفْضاؤه إلى الطَّلاق، فيُؤَدِّي إلى قطيعة الرَّحِم المأمورِ بِصِلَتِها، ويُقالُ: الغَرائِبُ أنْجَبُ، وبَناتُ العمِّ أصْبَرُ. ويَختارُ الجَميلةَ؛ لِلأثَر (٤)، ولأِنَّه أسْكَنُ لنفْسِه، وذاتَ العَقْل،

стр. 4254

ويجْتَنِبُ (١) الحَمْقاءَ، وأنْ يكونَ لها لَحْمٌ وشَعَرٌ حَسَنٌ، وكان يُقالُ: النِّساءُ لُعَبٌ. وقال ابنُ الجَوزيِّ: يَتخيَّرُ ما يَلِيقُ بمَقصده (٢)، ولا يَحتاجُ أنْ يُذكَرَ له ما يَصلُحُ للمحبَّة، من بيتٍ معروفٍ بالدِّين والقَناعة. وقال السَّامَرِّيُّ والمجْدُ: ولا يَزيدُ على واحِدةٍ، وقِيلَ عَكسُه، وهو ظاهِرُ نَصِّه، فإنَّه قال: يَقتَرِضُ ويَتَزوَّجُ، لَيتَ إذا تَزوَّجَ ثِنْتَينِ يُفلِتُ (٣). مُهِمَّاتٌ: أحْسَنُ ما تكونُ الزَّوجةُ: بنتُ أربعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلى العِشْرينَ، ويَتِمُّ نُشُوُّها إلى الثَّلاثِينَ، ثُمَّ تَقِفُ إلى الأربعين. وأحْسَنُها التركيات، وأصلحهنَّ الجَلَب التي (٤) لم تَعرِفْ أحَدًا. ولْيَعزِلْ (٥) عن المملوكة إلى أنْ يَتَيَقَّنَ جَودةَ دِينِها، وقُوَّةَ مَيلِها إليه. وإيَّاكَ والاِسْتِكْثارَ مِنْهُنَّ، فإنَّهنَّ يُشتِّتْنَ الشَّمْلَ (٦)، ويُكثِرْنَ الهمَّ. ومن التَّغْفيل أنْ يَتزوَّجَ الشَّيخُ صبِيَّةً. وأصْلَحُ ما يَفعَلُه الرَّجلُ: أنْ يَمنَعَ المرأةَ من المخالَطةِ للنِّساء فإنَّهنَّ يُفسِدْنها عليه، ولا يَدخُلُ بَيتَه مُراهِقٌ، ولا يَأْذَنُ لها في الخُروج. (وَيَجُوزُ) - وجَزَم جماعةٌ بالاِسْتِحْباب - (لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا) فقطْ، قدَّمه في «المستوعب» و «الرِّعاية»، لأِنَّه مَجمَعُ المَحاسِن،

стр. 4255

ويُكرِّرُ النَّظَرَ إلَيها، ويَتأمَّلُ مَحاسِنَها مُطلَقًا إذا غَلَبَ على ظَنِّه إجابتُه، لا نَظَرَ تَلَذُّذٍ وشَهْوةٍ، ولا لِرِيبةٍ، ولا خِلافَ في إباحةِ النَّظَر إلى الوَجْه (١)؛ لأِنَّه لَيسَ بعَورةٍ. (مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ بِهَا)؛ لمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا، قال: «لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلاَّ مع ذِي مَحرَمٍ» مُتَّفَقٌ عليه، ولَفْظُه للبخاريِّ (٢)، ولأِنَّه لا يُؤمَنُ مع الخلْوة مُواقَعةُ المحظور؛ لقَوله ﵇: «لَا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلاَّ كان الشَّيطانُ ثالِثَهما» رواه أحمدُ (٣). (وَعَنْهُ: لَهُ النَّظَرُ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا؛ كَالرَّقَبَةِ، وَاليَدَيْنِ، وَالقَدَمَينِ)، قَدَّمه في «المحرَّر» و «الفُروع»؛ لمَا رَوَى جابِرٌ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا خَطَبَ أحدُكم المرأةَ فإن اسْتَطاعَ أنْ يَنظُرَ إلى ما يَدعُوهُ إلى نِكاحِها فَلْيَفْعَلْ» رواه أحمدُ وأبو داودَ، من روايةِ ابنِ إسْحاقَ (٤).

стр. 4256

قال أحمدُ: لا بأْسَ أنْ يَنظُرَ إلى ما يدعوه إلى نكاحها مِنْ يَدٍ أوْ جِسْمٍ أوْ نحوِ ذلك (١)؛ لأِنَّه ﵇ لمَّا أَذِنَ في النَّظَر إلَيها مِنْ غَيرِ عِلْمِها؛ عُلِمَ أنَّه أَذِنَ في النَّظر إلى ما يَظهَرُ غالِبًا؛ إذْ لا يُمكِنُ إفْرادُ الوَجْه بالنَّظر مع مُشارَكةِ غَيرِه له في الظُّهور. وقِيلَ: ورأسٍ وساقٍ. وعنه: وَكَفٍّ. وقال أبو بكرٍ: لا بَأْسَ أنْ يَنظُرَ إلَيها عِنْدَ الخِطبة حاسِرةً. (وَلَهُ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَى الرَّأْسِ، وَالسَّاقَيْنِ مِنَ الْأَمَةِ المُسْتَامَةِ)؛ لأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، ولأِنَّ رُؤيةَ ما ذُكِرَ يَحصُلُ المقصودُ به؛ لأِنَّها تُرادُ لِلاِسْتِمْتاع وغَيرِه من التِّجارة، وحُسْنُها يَزيدُ في ثَمَنِها. وعَنْهُ: سِوَى عَورةِ الصَّلاة. وقِيلَ: كمَخطوبَةٍ. نَقَلَ حنبلٌ: لا بَأْسَ أنْ يَقلِبَها إذا أرادَ الشِّراء من فَوقِ الثَّوب؛ لأِنَّه لا حُرمةَ لها (٢)، قال القاضي: أجاز تَقْلِيبَ الصَّدْر والظَّهر، بمَعْنَى: لمْسِه مِنْ فَوقِ الثِّياب. وظاهِرُه: أنَّ الأمةَ إذا لم تَكُنْ مُسْتامَةً؛ أنَّه لا يَجوزُ النَّظَرُ إليها، وهو وَجْهٌ. (وَ) له النَّظَرُ إلى ذلك (مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ)؛ أي: الصَّحيحُ إباحةُ النَّظر

стр. 4257

إلى ما يَظهَرُ غالِبًا منهنَّ؛ للحاجة، ولأِنَّ امرأةَ أبي حُذَيفةَ قالت: «إنَّ سالِمًا يَرانِي» (١). (وَعَنْهُ: لَا يَنْظُرُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلاَّ إِلَى الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ)؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ في قَولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النُّور: ٣١]: «يَعْنِي: وَجْهَها وكَفَّيها» (٢)، مع الاِخْتِلاف في العَورة. وذَواتُ المحارِمِ: مَنْ حَرُمَ نكاحُها على التَّأبيد؛ بِنَسَبٍ، أوْ رَضاعٍ، أوْ تحريمِ مُصاهَرَةٍ، فأمَّا أمُّ المزْنِيِّ (٣) وابْنَتُها فلا يَحِلُّ له النَّظرُ (٤)، وإنْ حَرُمَ نِكاحُهنَّ؛ كالمحرَّمة باللِّعان، وكذا بِنتُ الموْطُوءَة بشُبْهةٍ وأُمُّها، فإنَّها لَيستْ مِنْ ذَواتِ مَحارِمِه. فَرْعٌ: ظاهِرُ كَلامِهم: لا يَنْظُرُ عبدٌ مُشتَرَكٌ، ولا يَنْظُرُ الرَّجلُ مُشتَرَكةً؛ لعُمومِ النَّظَر، إلاَّ مِنْ عَبدِه وأَمَتِه، ونَصُّه: أنَّه يَحرُمُ نَظَرُ خَصِيٍّ ومَجْبوبٍ إلى أجْنَبيَّةٍ (٥). (وَلِلْعَبْدِ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا)؛ أيْ: إلى الوجْه والكَفَّينِ (مِنْ مَوْلَاتِهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [النور: ٣١] (٦)، ولمَا رَوَى أنَسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتى فاطِمةَ بعَبْدٍ وَهَبَه لها، قال: وعلى فاطِمةَ ثَوبٌ، إذا قَنَّعتْ به رأْسَها لم يَبلُغْ

стр. 4258

رِجْلَيها، وإذا غَطَّتْ رجْلَيها لم يَبلُغْ رأْسَها، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «إنَّه لَيسَ عَلَيكِ بَأْسٌ، إنَّما هو أبوكِ وغُلامُكِ» رواه أبو داودَ (١). وكَرِهَ أحمدُ النَّظَرَ إلى شَعْرِها (٢)، رواهُ أبو بَكْرٍ، عن جابِرٍ (٣)، وأباحَهُ ابنُ عبَّاسٍ (٤)، ورجَّحه في «المغْنِي»، وجَعَلَه مِنْ ذَواتِ المحارِم. وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ في (٥) النَّظَرِ إلى الوَجْه والكَفَّينِ للحاجة، ولا يَخْلُو بها؛ لأِنَّه لَيسَ بمَحْرَمٍ لها على الأصحِّ. (وَلِغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ؛ كَالكَبِيرِ، وَالعِنِّينِ، وَنَحْوِهِمَا: النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ)؛ أيْ: إلى (٦) الوَجْه والكَفَّينِ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ﴾ [النُّور: ٣١]؛ أيْ: غَيرِ أُولِي الحاجة، وعن مُجاهِدٍ وقَتادةَ: (هو الذي لا أَرَبَ له في النِّساء) (٧)،

стр. 4259

وعن ابنِ عبَّاسٍ نحوُه (١). (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ)؛ كالذي له أَرَبٌ. (وَلِلشَّاهِدِ وَالمُبْتَاعِ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ المَشْهُودِ عَلَيْهَا)؛ لِتكونَ الشَّهادةُ على عَينِها، (وَمَنْ تُعَامِلُهُ)؛ لِيَعرِفَها بِعَينِها، فيَرجِعَ عَلَيهَا بالدَّرك، ونصُّه: وكَفَّيها، مع الحاجة، وفي «مختصر ابنِ رَزِينٍ»: يَنظُرانِ إلى (٢) ما يَظهَرُ غالِبًا. ونقل حربٌ وغيرُه: يَنْظُرُ البائعُ إلى وَجهها وكَفَّيها إنْ كانَتْ عجوزًا، وإنْ كانَتْ شابَّةً تُشتَهَى أَكرَهُ ذلك (٣). (وَلِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إِلَى مَا تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَى نَظَرَهِ)، ولمْسُه، حتَّى داخِلَ الفَرْج؛ لأِنَّه ﵇ لمَّا حَكَّمَ سَعْدًا في بَنِي قُرَيظةَ، فكان يَكشِفُ عن مُؤتزرهم (٤)؛ لأِنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، وظاهِرُه: ولو كان ذِمِّيًّا.

стр. 4260

وفي «الفروع»: يَجوزُ أنْ يَسْتَطِبَّ ذِمَّيًّا إذا لم يَجِدْ غَيرَه، ولم يُجوِّزْه صاحِبُ «النَّظمِ» في وَجْهٍ. وكَرِهَ أحمدُ أخْذَ دواءٍ مِنْ كافِرٍ لا يَعرِفُ مُفْرَداتِه (١)، قال القاضي: لأِنَّه لا يُؤمَنُ أنْ يَخلِطُوه سُمًّا أَوْ نَجسًا، وإنَّما يَرجِعُ إليه في دواءٍ مُباحٍ، وكَرِهَه في «الرِّعاية»، وأنْ يَسْتَطِبَّه بلا ضرورةٍ. خاتمةٌ: مَنْ يَلِي خِدمةَ مريضٍ ومريضةٍ في اسْتِنجاءٍ، ووُضوءٍ، وغيرِها؛ كطبيبٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وكذا حالِقٌ لِمَنْ لا يُحسِنُ حَلْقَ عانَتِه نَصًّا (٣). (وَلِلصَّبِيِّ المُمَيِّزِ غَيْرِ ذِي الشَّهْوَةِ النَّظَرُ إِلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ)؛ لأِنَّه لا شَهوةَ له، أشْبَهَ الطِّفلَ، ولأِنَّ المحرِّمَ للرُّؤية في حقِّ البالِغ كَونُه مَحَلًّا للشَّهوة، وهو معدومٌ هنا. وقال في «الشَّرح»: الطِّفلُ غَيرُ المميِّز لا يَجِبُ الاِسْتِتارُ منه في شَيءٍ. (فَإِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ؛ فَهُوَ كَذِي الْمَحْرَمِ) على المذْهَب؛ لأِنَّ الله تعالى فرَّق بَينَ البالِغ وغَيرِه بقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النُّور: ٥٩]، ولو لم يَكُنْ له النَّظَرُ؛ لمَا كان بَينَهما فَرْقٌ. (وَعَنْهُ: كَالْأَجْنَبِيِّ)؛ لأِنَّه في مَعْنَى البالِغ في الشَّهوة. ومِثلُه: بنتُ تِسْعٍ، وذَكَرَ أبو بَكْرٍ قَولَ أحمدَ روايةً عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا بَلَغَت الحَيْضَ؛ فلا تَكشِفُ إلاَّ وَجْهَها» (٤)، ونَقَلَ جَعفَرٌ في الرَّجُلِ عِندَه

стр. 4261

الأرْمَلةُ واليتيمةُ: لا يَنظُرُ، وأنَّه لا بَأْسَ بِنَظَرِ الوَجْه بِلَا شَهْوةٍ (١). (وَلِلْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ: النَّظَرُ إِلَى مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ)، - ولو أمْرَدَ -، نَظَرُ غَيرِ العَورة؛ لأِنَّ النِّساءَ الكَوافِرَ كُنَّ يدخُلْنَ على نِساء النَّبيِّ ﷺ فلم يكُنَّ يَحتَجِبْنَ، ولا أُمِرْنَ بحجابٍ (٢)؛ لأِنَّ الحَجْبَ بَينَ الرِّجال والنِّساء (٣) لا يُوجَدُ بَينَ المسلِمة والذِّمِّيَّة، ولأِنَّ تخصيصَ العَورة بالنَّهيِ؛ دليلٌ على إباحة النَّظَر إلى غَيرِها. (وَعَنْهُ: أَنَّ الْكَافِرَةَ مَعَ الْمُسْلِمَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ)؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النُّور: ٣١] يَنصرِفُ إلى المسْلِمات، فلو جاز للكافرة النَّظَرُ؛ لم يَبق للتَّخصيص فائدةٌ. وعنه: مَنْعُها من مسلمةٍ مِمَّا لا يَظهَرُ غالِبًا، وعلى ذلك: تُقبِّلُها (٤) لضرورةٍ. (وَيُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ النَّظَرُ مِنَ الرَّجُلِ إِلَى غَيْرِ الْعَوْرَةِ)، نَصرَه في «الشَّرح»

стр. 4262

وغيره؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لفاطمةَ: «اعْتَدِّي في بيتِ أمِّ مَكْتومٍ (١)» (٢)، ولحديثِ عائشةَ: «أنَّها كانت تَنظُرُ إلى الحبشة وهم يَلعَبُون بِحِرابِهم في المسجد، والنَّبيُّ ﷺ يَستُرُها بردائه» متَّفَقٌ عليهما (٣)، ولأِنَّه لو مُنِعْنَ النَّظرَ؛ لَوَجَبَ على الرِّجال الحِجابُ؛ لِئلاَّ يَنظُرْنَ إليهم كما تُؤمَرُ (٤) النِّساءُ به. (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ) لها النَّظَرُ إلاَّ إلى مِثْلِ ما يَنْظُرُ (٥) إليه منها، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وابنُ حمدانَ، واختاره أبو بكر؛ لحديثِ نَبْهانَ عن أمِّ سلمةَ مرفوعًا، قال: «أَفَعَمْيَاوانِ أنْتُما لا تُبصِرانِه!» رواه أبو داودَ والتِّرمِذِيُّ وصحَّحه (٦)، لكِنْ قال أحمدُ: هو ضعيفٌ (٧)، وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: نَبْهانُ مَجْهولٌ، وحديثُ فاطمةَ

стр. 4263

أصحُّ (١)، والحُجَّةُ به لازِمةٌ، ولأِنَّ المعنى المحرِّمَ على الرِّجال: خَوفُ الفتنة، وهو في المرأة أبْلَغُ، فإنَّها أشدُّ شهوةً، وأقلُّ عَقْلاً. وقِيلَ: تَنظُرُ (٢) ما يَظهَرُ غالِبًا. وقِيلَ: لا وَقْتَ مَهْنته أوْ غَفْلةٍ. تنبيهٌ: نَقَلَ الأثْرَمُ: يَحرُمُ على أزواجِ النَّبيِّ ﷺ (٣)، ونقل في «الفنون» عن أبي بكرٍ أنَّه قال: لا تَختَلِفُ الرِّوايةُ أنَّه لا يجوز لهنَّ، وقال في الرِّوايتَينِ: يجوز لهنَّ روايةً واحدةً؛ لأِنَّهنَّ في حكم الأمَّهات في الحرمة والتَّحريم، فجاز مُفارَقَتُهنَّ بقيَّةَ النِّساء في هذا. وقال بعض الفقهاء: فَرْضُ الحجاب مختصٌّ بهنَّ، فُرِضَ عليهنَّ بلا خلافٍ في الوجه والكَفَّينِ، لا يجوز كَشْفُها لشهادةٍ ولا غيرها، ولا يجوز إظهارُ شُخوصهنَّ ولو مُسْتَتِراتٍ إلاَّ لضرورةِ البَراز. وجوَّز جماعةٌ - وذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين روايةً -: نَظَرَ رجلٍ من حرَّةٍ ما ليس بعورةٍ (٤)، والمذهبُ: لا. ويَجوزُ نَظَرُ غيرِ عورةِ صلاةٍ من أَمَةٍ، ومن لا تُشْتَهَى. وفي تحريم تكرارِ نَظَرِ وَجْهٍ مُستحْسَنٍ وَجْهانِ. (وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الغُلَامِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ)؛ لأِنَّه ذَكَرٌ، أشْبَهَ الملتَحِيَ، وظاهِرُه: أنَّه يَحرُمُ لشهوةٍ، فإنْ خاف ثَوَرانَها فَوَجهانِ، وهما في كراهته إلى أمردَ، ذَكَرَه في «التَّرغيب». (وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا لِشَهْوَةٍ)؛ لِمَا فِيهِ من الفتنة، ومَعْنى

стр. 4264

الشَّهوة: أنْ يتلذَّذَ بالنَّظر إليه، ومَن استحلَّه كَفَرَ إجْماعًا، ونصُّه: وخَوفها، اختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١). وحرَّم ابنُ عَقِيلٍ - وهو ظاهر كلام غيره - النَّظَرَ مع شهوةِ تخنيثٍ وسِحاقٍ ودابَّةٍ يشتهيها (٢) ولا يَعِفُّ عنها. مسائل: صَوتُ الأجنبيَّة لَيسَ عورةً على الأصحِّ، ويَحرُم التَّلذُّذُ بسماعه، ولو بقراءةٍ. واللَّمْسُ؛ قِيلَ: كالنَّظر، وقِيلَ: أَوْلَى. وإذا شُبِّهَ خُنْثَى بذَكَرٍ أو أنثى؛ فله حكمُه، وإلاَّ فهو مع رجلٍ كامرأةٍ، ومع امرأةٍ كرجلٍ. وتَحرُمُ الخلوةُ لغَير مَحرَمٍ في الكلِّ مطلَقًا، ولو بحَيوانٍ يَشتَهِي المرأةَ، أو تَشتَهِيهِ كالقِرْد، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغيره. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: الخَلوةُ بأمْردَ حَسَنٍ ومُضاجَعتُه؛ كامرأةٍ، ولو لمصلحةِ تأديبٍ (٣) وتعليمٍ (٤). (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الآخَرِ، وَلَمْسُهُ)، بلا كراهةٍ، حتَّى فَرجها؛ لحديثِ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، عَوراتُنا ما نَأتِي منها وما نَذَرُ؟ قال: «احْفَظْ عَورتَك إلاَّ من زَوجتك أوْ ما ملكتْ يمينُك» (٥).

стр. 4265

قال السَّامَرِّيُّ: حتَّى الفَرْج، إلاَّ في حال الطَّمْث، فإنَّه يُكرَهُ النَّظَرُ فيه. واعتبر ابنُ عَقِيلٍ فيه الشَّهوةَ عادةً (١). سأل أبو يوسفَ أبا حَنيفةَ عن مسِّ الرَّجل فَرْجَ زَوجته، وعَكسِه، فقال: لا بَأْسَ، أرجو أنْ يَعظُمَ أجْرُهما (٢). نقل الأثرم في الرَّجل يَضَعُ الصَّغيرة في حِجْره ويُقبِّلُها: إن لم يَجِدْ شَهوةً فلا بَأْس (٣). (وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ أَمَتِهِ)؛ لأِنَّها في مَعْنَى الزَّوجة، فتَدخُلُ (٤) في عموم الخبر. وفيه نظرٌ، فإنَّه يَدخُل فيه: أَمتُه المزوَّجةُ والمجوسيَّةُ ونحوُهما. وجَعَلَ بعضُهم: (سُرِّيَّتَه) بدل (أَمَتِه) (٥)؛ لأِنَّه يُخرِجُها إذا لم تكن سُرِّيَّةً،

стр. 4266

فإنَّ له النَّظرَ إليها ولَمْسَها. وقال ابن المنجى: وجَعَلَ بعضُهم (أَمَتَه المباحةَ له)، وهو أجْوَدُها؛ لِسَلامته عمَّا ذُكِرَ. فإنْ زوَّجها؛ نَظَرَ غَيرَ عَورةٍ، وفي «الترغيب»: كمَحرَمٍ، ونقل حنبلٌ: كأَمَةِ غيره (١). وفي «الترغيب»: يُكرَه نَظَرُ عَورته، وفي «المستوعب» وغيره: ويُستحَبُّ أنْ لا يَسْتَديمَه. مسألةٌ: يَحرُمُ نَظَرُ الرَّجل إلى الأجنبيَّة من غَيرِ سببٍ. وقال القاضي: له النَّظرُ إلى الوجه والكَفَّينِ فقط مع الكراهة، إذا أَمِنَ الفتنةَ، ونَظَرَ بغَيرِ شهوةٍ. والأوَّلُ ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ونَصرَه في «الشَّرح». قال ابن أبي موسى: لا حَرَجَ في النَّظر إلى وجه العجوز، والبَرْزةِ الهِمَّة (٢)، وفي مَعْنَى ذلك: الشَّوهاء الَّتي لا تُشتَهَى، وهو معنى كلامِ ابنِ حمدانَ، وزاد: يُباحُ نَظَرُ ما لَيسَ بعورةٍ منها، ومضاجَعتُها، والسَّلامُ عَلَيها.

стр. 4267

(فَصْلٌ) (وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ) - وهو ما لا يَحتمِلُ إلاَّ النِّكاحَ - (بِخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ (١) بالإجْماع (٢)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]، ولأنَّه لا يُؤمَنُ أنْ يَحمِلَها الحِرْصُ على النِّكاح الإخبارَ بانْقضاء عِدَّتها قَبْلَ انقضائها. والتَّعريضُ بخِلافِه. (وَلَا) يَجوزُ (التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ)؛ لأِنَّها في حُكمِ الزَّوجات. (وَيَجُوزُ) التَّعريضُ (فِي عِدَّةِ الوَفَاةِ، وَالبَائِنِ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ)، أو فَسْخٍ؛ لتحريمها على زوجها، كالفسخ بالرَّضاع أو اللِّعان؛ للآية الكريمة، ولحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ (٣). فأمَّا البائنُ بغَيرِ الثَّلاث؛ كالمخْتَلعة، والبائنِ بفَسْخٍ لعيبٍ، أو إعْسارٍ، ونحوِه؛ فلِزَوجها التَّصريحُ بخِطبتها والتَّعريضُ؛ لأِنَّه مُباحٌ له نكاحُها في عِدَّتها. (وَهَلْ يَجُوزُ فِي عِدَّةِ البَائِنِ بِغَيْرِ الثَّلَاثِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: يجوز؛ لعموم الآية، وكالمطلَّقة ثلاثًا. والثَّاني: لا، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الزَّوج يَملِكُ أنْ يَستبيحَها؛ أشْبَهَت الرَّجْعيَّةَ. وهي في الجواب كهو، فيما يَحِلُّ ويَحرُم.

стр. 4268

فإنْ صرَّح بالخِطبة، أو عرَّض في مَوضِعٍ يَحرُم، ثمَّ تزوَّجها بعد حلِّها؛ صحَّ النِّكاحُ في قَولِ الجمهور. (وَالتَّعْرِيضُ نَحْوُ قَوْلِهِ: إِنِّي فِي مِثْلِكَ لَرَاغِبٌ، وَلَا تُفَوِّتِينِي بِنَفْسِكِ (١)؛ لحديثِ فاطمةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها لمَّا طلَّقها زَوجُها ثلاثًا: «فإذا حَلَلْتِ فآذِنِينِي»، وفي لفظٍ: «لا تَسْبِقِينِي بنفسكِ» (٢). (وَتُجِيبُهُ: مَا يُرْغَبُ عَنْكَ، وَإِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ، وَنَحْوَهُ)؛ لأِنَّ ذلك كافٍ في الغَرَضِ، وشَبِيهٌ بالتَّعريض. (وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ (٣)، الخِطبةُ بالكَسْر: خِطبةُ الرَّجل المرأةَ، وبِالضَّمِّ: حمدُ (٤) الله تعالى، ولو ذِمِّيًّا في ذِمِّيَّةٍ (٥)، (إِنْ أُجِيبَ) تصريحًا؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَخطُب أحدُكم على خِطبة أخيه» متفَّقٌ عليه (٦)، ولأِنَّ فيه إيقاعَ العداوة بَينَ النَّاس. وقال أبو حفصٍ العُكْبريُّ: هي مكروهٌ، كأنَّه ذهب إلى قولِ أحمدَ في رواية صالحٍ: أكرهه (٧). وردَّ: بأنَّ ظاهر النَّهي التَّحريمُ، ولذلك حمله القاضي عليه؛ لتصريحه به

стр. 4269

في رواية ابن مَشِيشٍ (١). فإن ارتكب النَّهيَ؛ صحَّ العَقْدُ على الأصحِّ؛ كالخِطبة في العِدَّة. وقِياسُ قولِ أبي بكرٍ: لا يصحُّ؛ كالبيع. وردَّ: بأنَّ المحرم لم يقارن (٢) العقد، فلم يؤثِّر في صحَّته. وكذا الأشهر: لو أُجيب تعريضًا، إنْ علِمَ؛ لعموم النَّهي. والثَّانية: يجوز؛ لحديث فاطمةَ، قال في «الشَّرح»: ولا حجَّةَ فيه. (فَإِنْ رُدَّ؛ حَلَّ)؛ لِمَا رَوَتْ فاطمةُ بنتُ قَيسٍ: أنَّها أتت النَّبيَّ ﷺ فذكرت له أنَّ معاويةَ وأبا جَهْمٍ خَطَبَاهَا، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أمَّا معاويةُ فصُعْلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو جَهْمٍ فلا يَضَعُ العصا عن (٣) عاتقه، انكِحِي أسامةَ بنَ زَيدٍ» متَّفقٌ عليه (٤). (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْحَالَ (٥) هل أُجِيبَ أمْ لا؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: لا يجوز؛ لعموم النَّهي. والثَّاني: بَلَى، وهو ظاهر نقْلِ الميمونيِّ (٦)، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ الإجابة. ومِثلُه: لو ترك الخِطبةَ، أو أَذِنَ له، أو سكت عنه. وظاهره: أنَّه لو كان الأوَّلُ ذِمِّيًّا لم تَحرُم الخِطبةُ على خِطبَتِه، نَصَّ

стр. 4270

عليه (١)، كما لا يَنصَحُه. وقال ابن عبد البرِّ: هو حرامٌ أيضًا؛ لأِنَّه خرج مَخرَجَ الغالب. ورُدَّ: بأنَّ لفظَ النَّهي خاصٌّ بالمسلمين، وإلحاقُ غَيره به إنَّما يصحُّ إذا كان مثلَه، وليس الذِّمِّيُّ كالمسلم، ولا حُرْمته كحُرْمته. وظاهِرُ كلامهم يقتضي جوازَ خِطبة المرأة على خِطبة أختها، وصرَّح في «الاختيارات» بالمنع (٢)، ولعلَّ العِلَّةَ تُساعِدُه. (وَالتَّعْوِيلُ فِي الرَّدِّ وَالإِجَابَةِ عَلَيْهَا، إِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً)؛ لأِنَّها أحقُّ بنفسها مِنْ وَلِيِّها، ولو أجاب الوليُّ ورغبت هي عن النِّكاح؛ كان الأمرُ أمْرَها. (وَإِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً؛ فَعَلَى الوَلِيِّ)؛ لأِنَّه يَملِكُ تزويجَها بغَيرِ اخْتِيارِها، فكان العِبْرةُ به لا بِها. وفي «المغني»: إذا كَرِهت المجبَرة المجابَ، واختارت غيرَه؛ سقط حكمُ إجابةِ وَلِيِّها؛ لأِنَّ اختيارَها مقدَّمٌ على اختياره. وإنْ كَرِهَتْه (٣)، ولم تَخْتَرْ سِواه؛ فيَنبَغِي أنْ تَسقُطَ الإجابةُ أيضًا. قال ابن الجَوزِيِّ في قولِ عمرَ: «فلَقِيتُ عُثْمانَ، فعَرَضْتُ عليه حفصةَ» (٤): يَدلُّ على أنَّ السَّعيَ من الأب للأيِّم في التَّزويج، واختيارِ الأكْفَاء؛ غَيرُ مكروهٍ، بل هو مُستَحَبٌّ. (وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ مَسَاءَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ مَرفوعًا قال: «امْسُوا بالأمْلاك، فإنَّه أعْظَمُ للبركة» رواه أبو حفصٍ (٥)، ولأِنَّه أقْربُ

стр. 4271

إلى مقصوده، وأقلُّ لاِنتِظاره، وقد استحبَّه جماعةٌ من السَّلَف هذا اليوم؛ لأِنَّه شريفٌ ويومُ عِيدٍ، وفيه خُلِقَ آدمُ؛ لقوله ﵇: «خَيرُ يومٍ طَلَعَتْ فيه الشَّمسُ يَومُ الجمعة» (١). وفي «الغُنْية»: الخميسُ والجمعةُ، والمساءُ به أَوْلَى. (وَأَنْ يَخْطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ)، قال: «علَّمنا رسولُ الله ﷺ التَّشهُّدَ في الحاجة، وهو: إنَّ الحمدَ لله، نَحمَدُه، ونَستَعِينُه، ونَسْتَهْدِيهِ، ونَعوذُ بالله من شُرورِ أنفسنا، وسيِّئاتِ أعمالنا، مَنْ يهد الله فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشْهَدُ أن لاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، ويَقرأُ ثَلاثَ آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النِّسَاء: ١]، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [الأحزَاب: ٧٠] الآياتِ» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمِذِيُّ وحسَّنه (٢). وظاهِرُه: خُطبةٌ واحدةٌ، ولَيستْ واجبةً، خِلافًا لِداودَ، وإنْ (٣) أُخِّرتْ عنه جاز، وأنَّه يُستَحَبُّ أنْ يُضيفَ إليها: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ … ﴾ الآية [النُّور: ٣٢]، وقَبلَها: إنَّ الله أَمَرَ بالنِّكاح، ونهى عن السِّفاح، وكان أحمدُ إذا لم

стр. 4272

يَسمَع الخُطبةَ، انصرَفَ (١). (وَأَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ: بَارَكَ اللهُ لَكُمَا، وَعَلَيْكُمَا، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ)؛ لمَا روى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رأى إنسانًا تزوَّج (٢) قال: «بارَكَ اللهُ لكَ، وبارك عَلَيكَ، وجَمَعَ بَينَكما في خَير (٣)» رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (٤). (وَإِذَا زُفَّتْ إِلَيْهِ)؛ أيْ: أُهْدِيَتْ إليه (قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا)؛ أيْ: خَلَقْتَها (عَلَيْهِ)، وطَبَعْتَها (٥)، (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ)، رواهُ أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابن ماجَهْ ولفظُه له، عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا، ولَفْظُه قال: «إذا أَفادَ أحدُكم امْرأةً أوْ خادِمًا أوْ دابَّةً، فلْيأْخُذْ بناصِيَتِها، ولْيَقُلْ» إلى آخِره (٦).

стр. 4273

(بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِه) أرْكانُ الشَّيء: أجْزاءُ ماهِيَّته، فالماهِيَّة (١) لا تُوجَدُ بدُونِ جُزئِها، فكذا الشَّيءُ لا يَتِمُّ بدونِ رُكْنِه. والشَّرْطُ: ما يَنتَفِي المشروطُ بانْتِفائِه، ولَيسَ جُزْءًا للماهِيَّة. (فَأَرْكَانُهُ: الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ)؛ لأِنَّ ماهيَّةَ النِّكاح مُرَكَّبةٌ منهما، ومُتوَقِّفةٌ عليهما. (وَلَا يَنْعَقِدُ الإِيجَابُ إِلاَّ: بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا (٢)، إجْماعًا (٣)؛ لِوُرُودهما في نَصِّ القرآن في قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزَاب: ٣٧]، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٢]. ولا يَنعَقِدُ بغَيرهما؛ إذ العادِلُ عنهما مع معرفته لهما عادِلٌ عن اللَّفظ الَّذي وَرَدَ القرآن بهما مع القُدْرة. فإنْ قُلْتَ: قد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ زوَّج رجلاً امرأةً (٤) فقال: «مَلَّكْتُك بما معك من القرآن» رواه البخاريُّ (٥). قُلْتُ: وَرَدَ فيه: «زوَّجْتُكها» (٦)، و «زوَّجْناكَها» (٧)، و «أنْكَحْتُها» (٨) من طُرقٍ

стр. 4274

صحيحةٍ، فإمَّا أنْ يكونَ قد جَمَعَ بَينَ الألفاظ، أوْ يُحمَلَ على أنَّ الرَّاوِيَ روى بالمعْنَى ظَنًّا منه أنَّهما بمَعْنًى واحِدٍ، أوْ يكون خاصًّا به، وعلى كلِّ تقديرٍ: لا يَبقَى حجَّةٌ. وكذا يَنعَقِدُ بقوله لِأَمَتِه (١): أعْتَقْتُها، وجَعلْتُ عِتْقَها صداقَها. (أَوْ بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهُمَا)؛ لأِنَّ ذلك في لُغَته نَظِيرُ (٢) الإنكاح والتَّزويج في العربيَّة. (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهِمَا بِالعَرَبِيَّةِ (٣)؛ لَمْ يَلْزَمْهُ) التَّعلُّمُ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ)، اختاره المؤلِّفُ، ونصره في «الشَّرح»، وجزم به في «التَّبصرة» و «الوجيز»؛ لأِنَّ النِّكاحَ عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فصحَّ بغَيرِ العربيَّة؛ كعاجِزٍ. والثَّاني، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ وابنُ حَمْدانَ: يَلزَمُه؛ كالتَّكبير. (وَالْقَبُولُ) من الزَّوج أوْ وَكيلِه: (قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ)؛ كَرَضِيتُه (فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ)، ولو هازِلاً وتَلْجِئَةً؛ كالإيجاب. وقِيلَ: وبكِتابةٍ. وذَكَرَ ابنُ عقيلٍ عن بعضهم: أنَّه خَرَّجَ صحَّتَه بكلِّ لفظٍ يَقتَضِي التَّمليكَ، وخرَّجه هو في «عمد الأدلَّة» من جَعْلِه عِتْقَ أَمَتِه مَهرَها. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَنعَقِدُ بما عدَّه النَّاسُ نِكاحًا، بأيِّ لغةٍ ولَفْظٍ وفِعْلٍ كان، وإنَّ مِثْلَه كلُّ عَقْدٍ، وإنَّ الشَّرطَ بَينَ النَّاس ما عَدُّوهُ شُروطًا، فالأسماءُ تُعرَفُ حدودُها تارةً بالشَّرع، وتارةً باللُّغة، وتارةً بالعُرْف، وكذلك العُقودُ (٤).

стр. 4275

(فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ: قَبِلْتُ)، أوْ تزوَّجتُ، (أَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلِلْمُتَزَوِّجِ: أَقَبِلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ صَحَّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، في المنصوص فيهما (١)، ونَصَره في «الشَّرح» وغيره. أمَّا في الأُولى؛ فَلأِنَّه صريحٌ في الجواب، فصحَّ (٢) النِّكاح؛ كالبيع. وأمَّا في الثَّانية؛ فَلأِنَّ المعنى: نَعَمْ زوَّجتُ، نَعَمْ قَبِلْتُ هذا التَّزويجَ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعرَاف: ٤٤]، كان إقْرارًا منهم بوِجْدانِ ما وعدهم ربُّهم حقًّا، وبدليلِ الإقْرارِ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَصِحَّ)؛ لأِنَّ لَفْظَ: زوَّجتُ وقَبِلتُ هذا النِّكاحَ؛ رُكْنٌ في العقد، فلم يَصِحَّ بدونهما. واختاره ابنُ عَقِيلٍ في الثَّانية (٣). فَرعٌ: يَنعَقِدُ نكاحُ أخْرَسَ بإشارةٍ مُفهِمةٍ، نَصَّ عليه (٤)، أو كتابةٍ. وذكر في «المحرَّر»: أنَّ في كتابة القادِر على النُّطق وَجْهَينِ؛ أَوْلَاهما: عَدَمُ الصِّحَّة، قاله في «الشَّرح». وإنْ أَوْجَبَ، ثُمَّ جُنَّ قَبْلَ القَبول؛ بَطَلَ؛ كمَوته، نَصَّ عليه (٥)، وفي إغْمائه وَجْهانِ، وإنْ نامَ؛ لم يَبطُل الإيجابُ. (وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الإِيجَابَ؛ لَمْ يَصِحَّ)، سواءٌ كان بلفظ الماضي: كتزوَّجتُ ابنتَك، فيقول: زوَّجْتُك، أو بلفظ الطَّلَبِ: زوِّجْنِي ابنتَك، فيقول زوَّجْتُكها؛ لأِنَّ القَبولَ إنَّما يكون للإيجاب، فإذا وُجِدَ قَبْلَه؛ لم يكن قَبولاً؛ لِعَدَمِ معناه، وكما لو تقدَّم بلفظ الاستفهام.
следующие страницы →