← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

إلى مقصوده، وأقلُّ لاِنتِظاره، وقد استحبَّه جماعةٌ من السَّلَف هذا اليوم؛ لأِنَّه شريفٌ ويومُ عِيدٍ، وفيه خُلِقَ آدمُ؛ لقوله ﵇: «خَيرُ يومٍ طَلَعَتْ فيه الشَّمسُ يَومُ الجمعة» (١). وفي «الغُنْية»: الخميسُ والجمعةُ، والمساءُ به أَوْلَى. (وَأَنْ يَخْطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ)، قال: «علَّمنا رسولُ الله ﷺ التَّشهُّدَ في الحاجة، وهو: إنَّ الحمدَ لله، نَحمَدُه، ونَستَعِينُه، ونَسْتَهْدِيهِ، ونَعوذُ بالله من شُرورِ أنفسنا، وسيِّئاتِ أعمالنا، مَنْ يهد الله فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشْهَدُ أن لاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، ويَقرأُ ثَلاثَ آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النِّسَاء: ١]، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [الأحزَاب: ٧٠] الآياتِ» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمِذِيُّ وحسَّنه (٢). وظاهِرُه: خُطبةٌ واحدةٌ، ولَيستْ واجبةً، خِلافًا لِداودَ، وإنْ (٣) أُخِّرتْ عنه جاز، وأنَّه يُستَحَبُّ أنْ يُضيفَ إليها: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ … ﴾ الآية [النُّور: ٣٢]، وقَبلَها: إنَّ الله أَمَرَ بالنِّكاح، ونهى عن السِّفاح، وكان أحمدُ إذا لم

стр. 4272

يَسمَع الخُطبةَ، انصرَفَ (١). (وَأَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ: بَارَكَ اللهُ لَكُمَا، وَعَلَيْكُمَا، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ)؛ لمَا روى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رأى إنسانًا تزوَّج (٢) قال: «بارَكَ اللهُ لكَ، وبارك عَلَيكَ، وجَمَعَ بَينَكما في خَير (٣)» رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (٤). (وَإِذَا زُفَّتْ إِلَيْهِ)؛ أيْ: أُهْدِيَتْ إليه (قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا)؛ أيْ: خَلَقْتَها (عَلَيْهِ)، وطَبَعْتَها (٥)، (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ)، رواهُ أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابن ماجَهْ ولفظُه له، عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا، ولَفْظُه قال: «إذا أَفادَ أحدُكم امْرأةً أوْ خادِمًا أوْ دابَّةً، فلْيأْخُذْ بناصِيَتِها، ولْيَقُلْ» إلى آخِره (٦).

стр. 4273

(بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِه) أرْكانُ الشَّيء: أجْزاءُ ماهِيَّته، فالماهِيَّة (١) لا تُوجَدُ بدُونِ جُزئِها، فكذا الشَّيءُ لا يَتِمُّ بدونِ رُكْنِه. والشَّرْطُ: ما يَنتَفِي المشروطُ بانْتِفائِه، ولَيسَ جُزْءًا للماهِيَّة. (فَأَرْكَانُهُ: الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ)؛ لأِنَّ ماهيَّةَ النِّكاح مُرَكَّبةٌ منهما، ومُتوَقِّفةٌ عليهما. (وَلَا يَنْعَقِدُ الإِيجَابُ إِلاَّ: بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا (٢)، إجْماعًا (٣)؛ لِوُرُودهما في نَصِّ القرآن في قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزَاب: ٣٧]، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٢]. ولا يَنعَقِدُ بغَيرهما؛ إذ العادِلُ عنهما مع معرفته لهما عادِلٌ عن اللَّفظ الَّذي وَرَدَ القرآن بهما مع القُدْرة. فإنْ قُلْتَ: قد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ زوَّج رجلاً امرأةً (٤) فقال: «مَلَّكْتُك بما معك من القرآن» رواه البخاريُّ (٥). قُلْتُ: وَرَدَ فيه: «زوَّجْتُكها» (٦)، و «زوَّجْناكَها» (٧)، و «أنْكَحْتُها» (٨) من طُرقٍ

стр. 4274

صحيحةٍ، فإمَّا أنْ يكونَ قد جَمَعَ بَينَ الألفاظ، أوْ يُحمَلَ على أنَّ الرَّاوِيَ روى بالمعْنَى ظَنًّا منه أنَّهما بمَعْنًى واحِدٍ، أوْ يكون خاصًّا به، وعلى كلِّ تقديرٍ: لا يَبقَى حجَّةٌ. وكذا يَنعَقِدُ بقوله لِأَمَتِه (١): أعْتَقْتُها، وجَعلْتُ عِتْقَها صداقَها. (أَوْ بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهُمَا)؛ لأِنَّ ذلك في لُغَته نَظِيرُ (٢) الإنكاح والتَّزويج في العربيَّة. (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهِمَا بِالعَرَبِيَّةِ (٣)؛ لَمْ يَلْزَمْهُ) التَّعلُّمُ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ)، اختاره المؤلِّفُ، ونصره في «الشَّرح»، وجزم به في «التَّبصرة» و «الوجيز»؛ لأِنَّ النِّكاحَ عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فصحَّ بغَيرِ العربيَّة؛ كعاجِزٍ. والثَّاني، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ وابنُ حَمْدانَ: يَلزَمُه؛ كالتَّكبير. (وَالْقَبُولُ) من الزَّوج أوْ وَكيلِه: (قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ)؛ كَرَضِيتُه (فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ)، ولو هازِلاً وتَلْجِئَةً؛ كالإيجاب. وقِيلَ: وبكِتابةٍ. وذَكَرَ ابنُ عقيلٍ عن بعضهم: أنَّه خَرَّجَ صحَّتَه بكلِّ لفظٍ يَقتَضِي التَّمليكَ، وخرَّجه هو في «عمد الأدلَّة» من جَعْلِه عِتْقَ أَمَتِه مَهرَها. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَنعَقِدُ بما عدَّه النَّاسُ نِكاحًا، بأيِّ لغةٍ ولَفْظٍ وفِعْلٍ كان، وإنَّ مِثْلَه كلُّ عَقْدٍ، وإنَّ الشَّرطَ بَينَ النَّاس ما عَدُّوهُ شُروطًا، فالأسماءُ تُعرَفُ حدودُها تارةً بالشَّرع، وتارةً باللُّغة، وتارةً بالعُرْف، وكذلك العُقودُ (٤).

стр. 4275

(فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ: قَبِلْتُ)، أوْ تزوَّجتُ، (أَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلِلْمُتَزَوِّجِ: أَقَبِلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ صَحَّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، في المنصوص فيهما (١)، ونَصَره في «الشَّرح» وغيره. أمَّا في الأُولى؛ فَلأِنَّه صريحٌ في الجواب، فصحَّ (٢) النِّكاح؛ كالبيع. وأمَّا في الثَّانية؛ فَلأِنَّ المعنى: نَعَمْ زوَّجتُ، نَعَمْ قَبِلْتُ هذا التَّزويجَ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعرَاف: ٤٤]، كان إقْرارًا منهم بوِجْدانِ ما وعدهم ربُّهم حقًّا، وبدليلِ الإقْرارِ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَصِحَّ)؛ لأِنَّ لَفْظَ: زوَّجتُ وقَبِلتُ هذا النِّكاحَ؛ رُكْنٌ في العقد، فلم يَصِحَّ بدونهما. واختاره ابنُ عَقِيلٍ في الثَّانية (٣). فَرعٌ: يَنعَقِدُ نكاحُ أخْرَسَ بإشارةٍ مُفهِمةٍ، نَصَّ عليه (٤)، أو كتابةٍ. وذكر في «المحرَّر»: أنَّ في كتابة القادِر على النُّطق وَجْهَينِ؛ أَوْلَاهما: عَدَمُ الصِّحَّة، قاله في «الشَّرح». وإنْ أَوْجَبَ، ثُمَّ جُنَّ قَبْلَ القَبول؛ بَطَلَ؛ كمَوته، نَصَّ عليه (٥)، وفي إغْمائه وَجْهانِ، وإنْ نامَ؛ لم يَبطُل الإيجابُ. (وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الإِيجَابَ؛ لَمْ يَصِحَّ)، سواءٌ كان بلفظ الماضي: كتزوَّجتُ ابنتَك، فيقول: زوَّجْتُك، أو بلفظ الطَّلَبِ: زوِّجْنِي ابنتَك، فيقول زوَّجْتُكها؛ لأِنَّ القَبولَ إنَّما يكون للإيجاب، فإذا وُجِدَ قَبْلَه؛ لم يكن قَبولاً؛ لِعَدَمِ معناه، وكما لو تقدَّم بلفظ الاستفهام.

стр. 4276

وفيه احْتِمالٌ؛ لأِنَّه وُجِدَ الإيجابُ والقَبولُ منه (١)، فصحَّ؛ كما لو تقدَّم الإيجابُ. والفَرْقُ بَيْنَه وبَيْنَ البيع: أنَّه لا يُشْتَرَطُ فيه هذه الصِّيغةُ، وأنَّه لا يتعيَّن فيه هذا اللَّفظُ، بل يصحُّ بأيِّ لفظٍ أدَّى المعنى. والفَرْق بَينَ الخُلْعِ والنِّكاح: أنَّ الخُلْعَ يَصِحُّ تعليقُه على شَرطٍ، بخلاف النِّكاح. (وَإِنْ تَرَاخَى) القَبولُ (عَنْهُ)؛ أي: عن الإيجاب (صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ)؛ لأِنَّ حكمَ المجلس حكمُ حالةِ العَقْد، بدليلِ صحَّة العَقْد فيما يُشتَرَطُ القَبْضُ فيه، وثُبوت الخيار في عُقودِ المعاوَضات، ولأِنَّه مع التَّشاغُلِ يُعَدُّ كالمعْرِضِ عن الإيجاب، فلم يَصِحَّ بَعدَه؛ كما لو ردَّه. (وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ)؛ أيْ: قَبْلَ القَبول؛ (بَطَلَ الْإِيجَابُ)؛ لأِنَّه لم يُوجَدْ معناه، فإنَّ الإعراضَ قد وُجِد من جهته بالتَّفرُّق. (وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ)، نَقَلَها أبو طالِبٍ (٢)، واختارها أبو بكرٍ، فعليها: لا بدَّ أنْ يَقبَلَ في المجلس. وأصْلُ هذه الرِّواية: أنَّه قِيلَ للإمام أحمدَ: إنَّ رجلاً مَضَى إليه قَومٌ، فقالوا له: زوِّجْ فلانًا، قال (٣): زَوَّجْتُه على ألْفٍ، فرَجَعُوا إلى الزَّوج، فأخْبَرُوه، فقال: قد قَبِلتُ؛ يكون هذا نكاحًا ويَتوارَثانِ؟ قال: نعم. قال القاضي: هو مَحْمولٌ على أنَّه وَكَّلَ مَنْ قَبِلَ العَقْدَ. وفِيهِ نَظَرٌ.

стр. 4277

(فَصْلٌ) (وَشُرُوطُهُ خَمْسَةٌ): (أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ (١)؛ لأِنَّ كلَّ عاقِدٍ ومَعقُودٍ عليه يتعيَّن تعيِينُهما (٢)؛ كالمشْتَرِي والمبِيع، ولأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فلم يَصِحَّ بدونِ التَّعيين؛ كالبيع. تنبيهٌ: المعقودُ عليه المنفعةُ؛ كالإجارة، لا في حُكْم المعيَّن، وفيه قال أبو الوفاء: ما ذَكَرُوه أنَّ الأعْيانَ مملوكةٌ لِأَجْلِها يَحتَمِلُ المنْعَ؛ لأِنَّ الأعيانَ لله، وإنَّما يَملِكُ التَّصرُّفاتِ، ولو سُلِّم في الأطعمة والأشربة؛ فمِلْكُه إتْلافُها، ولا ضَمانَ، بخلاف ملْكِ النِّكاح. (فَإِنْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، وَلَهُ بَنَاتٌ؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّ التَّعيينَ شرطٌ، ولم يُوجَدْ، (حَتَّى يُشِيرَ إِلَيْهَا، أَوْ يُسَمِّيَهَا، أَوْ يَصِفَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ)؛ لِوجودِ التَّعيين. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ عدمَ التَّعيين إنَّما حصل من التَّعدُّد، وهو معدومٌ هنا، وظاهِرُه: ولو سمَّاها بغَيرِ اسْمِها، وهو اخْتِيارُ القاضي، فلو قال: زوَّجتك فاطمةَ، وهو اسْمُها، ولم يَقُلْ مع ذلك: ابْنَتِي؛ لم يَصِحَّ، فإنْ قال: زوَّجْتُك فاطمةَ بنتَ فُلانٍ؛ احتاجَ أنْ يَرفَعَ نسبَها حتَّى يَبلُغَ ما تتميَّزُ به عن النِّساء. فَرْعٌ: إذا كان له ابْنَتانِ؛ كُبرى اسمُها عائشةُ، وصُغْرى اسْمُها فاطمةُ، فقال: زوَّجتُك ابنتي عائشةَ، وقَبِلَ الزوجُ، وهما يَنوِيانِ الصُّغرى؛ لم يَصِحَّ،

стр. 4278

نَصَّ عليه. وقال القاضي: يصحُّ في التي نَوَيَاها، ولَيسَ بصحيحٍ. وإنْ كان الوليُّ يريدُ الكبرى، والزَّوجُ يَقصِد الصُّغرى؛ لم يَصِحَّ، كما إذا خَطَبَ امرأةً وزُوِّج بغَيرها؛ لأِنَّ القَبولَ وُجِدَ في غَيرِ مَنْ وُجِدَ الإيجابُ فيه. وقِيلَ: يَصِحُّ إذا لم يتقدَّمْ ذلك ما يَصرِفُ القَبولَ إلى الصُّغرى، من خِطبةٍ وغَيرِها. ولو نَوَى الوليُّ الصُّغرى، والزَّوجُ الكبرى، أو نَوَى الوليُّ الكبرى، ولم يَدْرِ الزَّوجُ أيّتَهما هي؛ فعلى الأوَّل: يَصِحُّ التَّزويجُ؛ لِعَدَم النِّيَّة فيهما في التي تَناوَلَها لَفظُهما، وعلى الآخَرِ: يَصِحُّ في المعيَّنة فقط. (وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَضَعَتْ زَوْجَتِي ابْنَةً فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّه تعليقٌ للنِّكاح على شرطٍ، وهو مجرَّدُ وَعْدٍ، كقوله: زوَّجْتُك حملَ هذه المرأةِ.

стр. 4279

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: رِضَا الزَّوْجَيْنِ)، أوْ مَنْ يَقومُ مَقامَهما؛ لأِنَّ العَقْدَ لهما، فاعْتُبِر تراضيهما به؛ كالبيع، (فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا، أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّ الرِّضا شرطٌ ولم يُوجَدْ. (إِلاَّ الْأَبَ، لَهُ تَزْوِيجُ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ)؛ أيْ: للأب خاصَّةً تَزويجُ ابنِه الصَّغير العاقِلِ، أَذِنَ أو كَرِه، وِفاقًا (١)؛ لِمَا رَوَى الأثْرَمُ: «أنَّ ابنَ عمرَ زوَّج ابنَه وهو صغيرٌ، فاخْتَصَموا إلى زيدٍ، فأجازاه جميعًا» (٢)، ولأِنَّه يَتصرَّفُ في ماله بغَيرِ تَولِيَةٍ، فكان له تزويجُه؛ كابنتِه الصَّغيرة. وذَكَرَ القاضي: في إجباره مُراهِقًا نَظَرٌ. ويتوجَّه: كأنثى أو عبدٍ مميِّزٍ. وإنْ أقرَّ به؛ قُبِل، ذَكَرَه في «الإيضاح». (وَالْمَجَانِينِ)؛ لأِنَّه لا قَولَ لهم، فكان له وَلاءُ تزويجهم؛ كأولاده الصِّغار، وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ البالغ وغيرِه، وصرَّح به في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لاِسْتِوائهما في المعْنَى الَّذي جاز التَّزويجُ من أجله. وقال القاضي: لا يُزَوِّج بالِغًا إلا إذا ظهرت منه أَماراتُ الشَّهوة باتِّباع النِّساء؛ للمصلحة.

стр. 4280

وقِيلَ: بمَهْر المِثْل. وظاهر المذهب: واحدةً، وفي أربعٍ وَجْهانِ. وقال أبو بكرٍ: ليس له تزويجُه بحالٍ؛ لأِنَّه رجلٌ، فلا يَملِكُ إجْبارَه؛ كالعاقل. والأوَّلُ أَوْلى؛ لأِنَّه إذا جاز تزويجُ الصَّغير مع عدم حاجته إليه؛ فالبالِغُ أَوْلى. وظاهِرُه: أنَّه لا يجوز تزويجُ مَنْ يُخْنَقُ في الأحيان إلاَّ بإذْنِه. فَرْعٌ: يُزوِّجُهما حاكِمٌ لحاجةٍ، وظاهِرُ «الإيضاح»: لا، وإلاَّ فوجْهانِ، وفي «الفصول» وغَيرِه: حاجة نكاحٍ فقطْ، وأطْلَقَ غَيرُه، وصرَّح به في «المغني»، وهو أظْهَرُ. (وَبَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ)؛ أيْ: له تزويجُ ابنتِه الصَّغيرةِ التي لم تَبلُغْ تِسْعَ سِنِينَ، بغَيرِ خِلافٍ، إذا زوَّجَها بكُفْءٍ، قاله ابنُ المنذر (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ … (٤)﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ٤]، فدلَّ على أنَّها تُزوَّجُ ثُمَّ تُطلَّقُ، ولا إذْنَ لها فيُعتَبَر (٢)، وعن عائشةَ قالت: «تزوَّجَنِي رسولُ الله ﷺ وأنا ابنةُ ستِّ سِنِينَ، وبَنَى بي وأنا ابنةُ تِسْعٍ» متَّفَقٌ عَلَيهِ (٣). وكذا له تزويجُ ابنةِ تسعِ سِنينَ، نَصَّ عَلَيهِ (٤). وعن عائشةَ قالت: «إذا بلغت الجاريةُ تسعَ سِنينَ فهي امرأةٌ» رواه أحمد (٥)، ورواه القاضي عن ابنِ عمرَ مرفوعًا (٦).

стр. 4281

فإنْ كانت بالِغةً عاقِلةً؛ فله إجْبارُها في أظْهَرِ الرِّوايتَينِ؛ لحديث: «الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسها مِنْ وَلِيِّها، والبِكْرُ يُزَوِّجُها أبوها» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١). فإنْ أُجْبِرتْ؛ أُخِذَ بتَعيِينها كُفُؤًا، لا بتعيين (٢) المجبِر في ظاهر المذهب. وقد صرَّح (٣) بعض العلماء أنَّه يُشترَط للإجبار شروطٌ: أن يُزوِّجَها من كُفْءٍ بمهر المثل، وألاَّ يكونَ الزوجُ معسِرًا، وأنْ لا يكونَ بَينَهما وبَينَ الأب عداوةٌ ظاهرةٌ، وأن يُزوِّجَها بنقدِ البلد. والثَّانية: لا، اختاره أبو بكرٍ؛ لِمَا رَوَى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأْمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكْرُ حتَّى تُستَأْذَنَ»، فقالوا: يا رسول الله، كيف إذْنُها؟ قال: «أنْ تَسكُتَ» متَّفقٌ عليه (٤). (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ إِلاَّ بِإَذْنِهَا)؛ لأنَّها بَلَغَتْ سنًّا يَصلُحُ (٥) للبلوغ، أشْبَهت البالِغةَ، ولها بَعْدَ التِّسع إذْنٌ صحيحةٌ، نقله واختاره الأكثرُ (٦).

стр. 4282

وعنه: لا إِذْنَ لها؛ كمالٍ. ويَحتَمِلُ في ابن تسعٍ: يُزَوَّجُ بإذنه، قاله في «الانتصار» وإذْنُه نُطْقٌ، ولا يَكفِي صَمْتُه. (وَهَلْ لَهُ تَزْوِيجُ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): المذهَبُ كما ذكره ابنُ عَقيلٍ، واختاره ابنُ حامِدٍ وابنُ بطَّةَ، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»: أنَّه لا يجوز؛ كالثَّيِّب (١) الكبيرة. والثَّاني: الجوازُ، اختاره أبو بكرٍ، ورجَّحه في «الشَّرح»؛ كولده الصَّغير. وفي ثالثٍ: تُزَوَّج (٢) ابنةُ تسعِ سنين بإذْنها. وعُلِمَ منه: أنَّه لا تُزوَّجُ الثَّيِّبُ (٣) الكبيرةُ إلاَّ بإذْنِها في قَولِ العامَّة، إلاَّ الحسن، قال إسماعيل بن إسحاق: لا أعلم أحدًا قال بقوله، وهو قَولٌ شاذٌّ؛ لقوله ﵇: «الأَيِّمُ أحقُّ بنفسها من وَلِيِّها» (٤)، ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا، قال: «لَيسَ للوليِّ مع الثَّيِّب أَمْرٌ» رواهما النَّسائيُّ (٥)، ولأِنَّها عالمةٌ بالمقصود من النِّكاح، فلم يَجُزْ إجْبارُها عليه كالرَّجل.

стр. 4283

ويُستَحَبُّ أنْ يُرسَلَ إليها نسوةٌ ثِقاتٌ يَنظُرْنَ ما في نفسها، والأمُّ بذلك أَوْلَى. (وَالسَّيِّدُ لَهُ تَزْوِيجُ إِمَائِهِ الْأَبْكَارِ، وَالثُّيَّبِ، وَعَبِيدِهِ الصِّغَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ)، وفِيهِ مَسائِلُ (١): الأولى: أنَّ السَّيِّدَ له تزويجُ إمائه الأبكارِ بغَيرِ إذْنِهم، هذا المذهبُ المجزومُ به؛ لأِنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ على منفعتها وهي مملوكةٌ، أشْبَهَت الإجارةَ. ونَقَلَ أبو عبد الله النَّيسابُوريُّ، عن أحمدَ أنَّه سُئل: هل يُزوِّجُ الرَّجل جاريتَه من غلامه بغَيرِ مَهْرٍ؟ قال: لا يُعجِبُنِي إلاَّ بمَهْرٍ وشُهودٍ، قِيلَ: فإنْ أَبَتْ؟ قال: يُزوِّجُها السَّيِّدُ بإذْنِها (٢). قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (وظاهِرُ هذا أنَّ السَّيِّدَ لا يُجبِرُ الأمةَ الكبيرةَ بِناءً على أنَّ مَنافِعَ البُضْع لَيسَتْ بمالٍ، بدليلِ (٣) المعْسِرة لا تُلزَمُ بالتَّزوُّج، ولا تُضمَنُ باليد اتِّفاقًا، ومِلْكُ السَّيِّد لها كملْكِه لمنفعةِ بُضْعِ زَوجته) (٤). وظاهِرُ الأوَّل يَشمَلُ: المدبَّرةَ، والمعلَّقَ عِتْقُها بصفةٍ، وأمَّ الولد؛ لِمُساواتِهِنَّ لِلأَمَةِ. وفي ملْكِه إجْبارَ المكاتَبةِ وَجْهانِ، ولو كان بعضُها حُرًّا لم يَمْلِكْه (٥)، ولا إنكاحها وحدَه، ويُعتَبَرُ إذْنُها وإذِنُ مالِكِ البقيَّة؛ كأمَةٍ لاِثنَينِ، ويَقولُ كلٌّ منهما: زوَّجْتُكها. الثَّانية: وهي المذهَبُ المنصوصُ: أنَّ له إجبارَه (٦)؛ قياسًا على

стр. 4284

الابن الصَّغير، بل أَوْلَى؛ لِثُبوتِ الملك له عليه. (وَلَا يَمْلِكُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الْكَبِيرِ)؛ لأِنَّه خالِصُ حقِّه، فلم يَملِكْ إجْبارَه عليه؛ كالطَّلاق. (وَيَحْتَمِلُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ أَيْضًا)، هذا وَجْهٌ حكاه في «الانتصار»؛ كالكبير، والمذهَبُ: إجبارُه؛ كالمجنون، نَصَّ عليه (١)، وهو قَولُ أكثرِهم. والمهرُ والنَّفقةُ على السَّيِّد مُطلَقًا، نَصَّ عليه (٢). وعنه: يتعلَّق بكَسْبِه. (وَلَا يَجُوزُ لِسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ)؛ كالجَدِّ والأخ ونحوِهما، (تَزْوِيجُ كَبِيرَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِهَا)؛ لأِنَّ غَيرَ الأب لا يُساوِيهِ، وفي تزويج الأبِ الكبيرةَ البالِغةَ خِلافٌ، فَلَزِمَ أنَّه لا يجوز لغيره قَولاً واحِدًا. وفيه وَجْهٌ: أنَّ الجَدَّ كالأب يُجبِرُ. (إِلاَّ الْمَجْنُونَةَ) في اخْتِيار أبي الخَطَّاب والشَّيخَينِ، (لَهُمْ تَزْوِيجُهَا إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا الْمَيْلُ إِلَى الرِّجَالِ)؛ لحاجتها لدَفْعِ ضررِ الشَّهوة، وصِيانتِها عن الفُجور، مع ما فيه من تحصيلِ المهْرِ والنَّفقة وغَيرِ ذلك، وكحاكِمٍ في الأصحِّ. وفي «المغني»: يَنبَغِي أنْ تُزوَّجَ إذا قال أهلُ الطِّبِّ: تَزولُ عِلَّتُها (٣) بالتَّزويج كالشَّهوة؛ لأِنَّ ذلك من أعظم مصالحها. وقِيلَ، وهو ظاهِرُ «الخِرَقِيِّ»: لَيسَ لهم ذلك؛ لأِنَّ هذه وِلايَةُ إجْبارٍ، فلا تَثبُتُ لغَيرِ الأب؛ كالعاقِلة. ومَحَلُّ الخِلاف: إذا لم يكن مُوصًى له في النِّكاح، أمَّا مع وجوده؛ فحُكمُه كالأب.

стр. 4285

(وَلَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةُ تَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ بِحَالٍ)، نَصَّ عليه في رواية الأثْرَم (١)؛ لِمَا رُوِيَ: أنَّ قُدامةَ بنَ مَظْعونٍ زوَّج ابنة أخيه من عبدِ الله بنِ عمرَ، فرُفِعَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: «إنَّها يتيمةٌ، ولا تُنكَحُ إلاَّ بإِذْنِها» (٢)، والصَّغيرةُ لا إذْنَ لها؛ كمالٍ. (وَعَنْهُ: لَهُمْ ذَلِكَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٣]، دلَّت بمَفهومِها: أنَّ تزويجَها إذا أقْسَطُوا جائزٌ، وقد فسَّرتْه عائشةُ بذلك (٣)، قال في «الفروع»: (كحاكِمٍ)، ولعلَّه: كالأب، بل في «المستوعب» و «الرِّعاية» ما يُخالِفُه. وذَكَرَ في «المجرَّد»: للحاكِمِ تزويجُه؛ لأِنَّه يَلِي مالَه، والمرادُ: أنَّه يُزوِّجُها عِنْدَ عَدَمِهم، بدليلِ ما نَقَلَ ابنُ هانِئٍ: أنَّ الإمامَ أحمدَ سئِلَ عن صبيَّةٍ بنتِ ثمانِ سِنِينَ، مات أبوها، ويُريدُ العَصبةُ أنْ يزوِّجوها، قال: لا أرى أنْ تُستأْمَرَ، ولا يُزوِّجُها إلاَّ عمٌّ، أو ابنُ عمٍّ، أوْ عَصَبةٌ، فإنْ لم يكُنْ زوَّجها السُّلطانُ (٤)، فعلى هذا: يُفِيدُ الحِلَّ وبقيَّةَ أحكامِ النِّكاح الصَّحيح من الإرث ونحوِه.

стр. 4286

وفي «الفُصول»: لا. ونَقَلَ أبو داودَ في يتيمةٍ زُوِّجَتْ قَبْلَ أنْ تُدرِكَ، فمات أحدُهما، هل يَتوارَثانِ؟ قال: فيه اختلافٌ، قال قَتادةُ: لا يَتوارَثانِ (١). ومِثْلُه: كلُّ نكاحٍ لُزومُه مَوقُوفٌ، ولَفْظُ القاضي: فَسْخُه مَوقُوفٌ، وكلُّ نِكاحٍ صحَّتُه مَوقوفةٌ على الإجازة، فالأحكام من الطَّلاق وغَيرِه مُنتَفِيةٌ فيه. (وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ)؛ لِتَستَدْرِكَ (٢) ما فاتَها، وظاهِرُ كلامِ ابنِ الجَوزِيِّ في صغيرٍ مِثلُها، وقاسه المؤلِّفُ وجماعةٌ عَلَيها، فدلَّ على التَّسوية، ونقل صالحٌ في صغيرٍ زوَّجَه عمُّه، قال: إنْ رَضِيَ به في وقت من الأوقات جازَ، وإن لم يَرْضَ فَسَخ (٣). (وَعَنْهُ: لَهُمْ تَزْوِيجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنَينَ بِإِذْنِهَا)، نَصَّ عَلَيه (٤)، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقاله جَمْعٌ؛ لقوله ﵇: «تُستأمَرُ اليتيمةُ في نَفْسها، فإنْ سَكَتَتْ فهو إذْنُها، وإنْ أَبَتْ فلا جَوازَ عَلَيها» رواه الخمسةُ إلاَّ ابنَ ماجَهْ، من حديثِ أبي هُريرةَ (٥)، وهذه الرِّوايةُ أقْوَى دليلاً؛ لأِنَّ في (٦) القَولِ بها جمعًا بَينَ الآيةِ والأَخْبارِ، وقُيِّدَتْ بالتِّسع؛ لأِنَّها تَصِيرُ عارِفَةً بما يَضُرُّها ويَنفَعُها، فتَظْهَرُ (٧)

стр. 4287

فائدةُ اسْتِئْذانِها، ولقول عائشةَ (١). فَعَلَى هذا: لا خِيارَ لها إذا بَلَغَتْ، جَزَمَ به في «المغْنِي» و «الرِّعاية»، وذَكَرَه نَصًّا، وإنْ لم يَصِحَّ (٢) إذْنُها فلها الخِيارُ. (وَإِذْنُ الثَّيِّبِ: الْكَلَامُ)، بلا خِلافٍ (٣)، (وَإِذْنُ الْبِكْرِ: الصُّمَاتُ)؛ للأخبار، وقد رَوَى أحمدُ، وابنُ ماجَهْ، عن عديٍّ الكِنْدِيِّ مرفوعًا، قال: «الثَّيِّبُ تُعرِبُ عن نفسها، والبِكْرُ رضاها صُماتُها» (٤)، فإنْ ضَحِكَتْ أوْ بَكَتْ فكذلك (٥)، ونُطْقُها (٦) أبْلَغُ؛ لحديث أبي هُرَيرةَ، رواه أبو بَكْرٍ. (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثُّيُوبَةِ بِوَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ مُحَرَّمٍ (٧) على الأصحِّ؛ لعُموم الخَبَرِ؛ لأِنَّ الحِكمةَ الَّتي اقْتَضَت التَّفْرِقةَ بَينَها وبَينَ البكر مُباضَعةُ الرِّجال ومُخالَطَتهم،

стр. 4288

وهذا مُوجودٌ في المُصابَةِ بالزِّنى، ولهذا قال المؤلِّف: لو أوْصَى لِثَيِّبٍ دَخَلَا. (فَأَمَّا زَوَالُ الْبَكَارَةِ بِإِصْبَعٍ، أَوْ وَثْبَةٍ؛ فَلَا تُغَيِّرُ صِفَةَ الْإِذْنِ (١)؛ لِعَدَم المباضَعة والمخالَطة، وكما لو وُطِئَتْ في الدُّبُر. وعَكْسُ هذا لو عادَتْ بَكارتُها بَوطْءٍ بَعْدَ زوالها؛ فهي في حُكْم الثَّيِّب، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب وِفاقًا؛ لوجود المباضَعة. وعنه: زَوالُ عُذْرَتها مُطلَقًا، ولو بِوَطْءِ دُبُرٍ. وظاهِرُ كَلامِه: يَشمَلُ الأبَ وغَيرَه، نَصَّ عليه في روايةِ الميمونِيِّ (٢). وقال في «التَّعليق»: إنَّ مِنْ أصْلِنا: أنَّ إِذْنَ البِكْرِ في حقِّ غَيرِ الأب النُّطق. والمذهَبُ الأوَّل. ويُعتَبَرُ في الاِستِئْذانِ: تسميةُ الزَّوج على وَجْهٍ تَقَعُ (٣) معرفتُها به، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤).

стр. 4289

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: الْوَلِيُّ، فَلَا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ)، هذا هو المذهبُ المعروفُ للأصحاب؛ لِمَا رَوَى أبو موسى الأشعريُّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا نِكاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ» رواهُ الخَمْسةُ (١)، وصحَّحه ابنُ المَدِينِيِّ، وهو لِنَفْيِ الحقيقة الشَّرعيَّة، بدليلِ ما رَوَى سُلَيمانُ بن موسى، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : «أيُّما امْرأةٍ نَكَحَتْ نَفْسَها بغَيرِ إذْنِ وَلِيِّها؛ فنِكاحُها باطِلٌ باطِلٌ باطِلٌ، فإنْ دَخَلَ بها؛ فلها المهرُ بما اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجها، فإنِ اشْتَجَرُوا (٢)؛ فالسُّلْطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ له» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ وصحَّحه (٣)،

стр. 4290

وادَّعَى القاضِي أنَّه إجْماعُ الصَّحابة (١). لا يُقالُ: يُمكِنُ حَمْلُ الأوَّل على نَفْيِ الكمال؛ لأِنَّ كلامَ الشَّارِع محمولٌ على الحقائق الشَّرعيَّة؛ أيْ: لا نِكاحَ شرعيٌّ، أوْ مَوجودٌ في الشَّرع إلاَّ بوليٍّ. والثَّاني: يدلُّ على صحَّته بإذْنِ الوليِّ، وأنْتُم لا تَقولونَ به، مع أنَّ قَولَه تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٢] يدلُّ على صحَّةِ نكاحها لنفسها؛ لأِنَّه أضافه إليهنَّ، ولأِنَّه خالِصُ حقِّها، فصحَّ منه؛ كبَيعِ أَمَتِها. قِيلَ: لا مَفهومَ له، كقوله تعالى: الآية ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ … ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]؛ لأِنَّ المخاطَبِينَ بالنَّهيِ عن العَضْلِ هم الأولياءُ، ونَهْيُهم عنه دليلٌ على اشتراطهم؛ إذ العَضْلُ لغةً: المنْعُ، وهو شامِلٌ للعَضْل الحِسِّيِّ والشَّرعيِّ؛

стр. 4291

لأِنَّه اسمُ جنسٍ مُضافٌ، ففي ذلك دليلٌ على أنَّ العَضْلَ منهم يصحُّ دُونَ الأجانب. ثُمَّ إنَّ الآيةَ نَزَلَتْ في مَعقِلِ بنِ يَسارٍ حِينَ امْتَنَعَ من تزويجِ أُخْتِه، فدعاه النَّبيُّ ﷺ فزوَّجها (١)، ولو لم يَكُنْ لمعْقِلٍ وِلايةٌ وأنَّ الحكمَ مُتوَقِّفٌ عليه؛ لمَا عُوتِبَ عليه (٢)، وأمَّا الإضافةُ إليهنَّ؛ فلأِنَّهنَّ مَحَلٌّ له. (فَإِنْ زَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، أَوْ غَيْرَهَا؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لِعَدَمِ وجودِ شَرْطِه، ولأِنَّها غيرُ مأمونةٍ على البُضْعِ؛ لِنَقْصِ عَقْلِها، وسرعةِ انْحِدارها، فلم يَجُزْ تَفويضُه إليها؛ كالبذْر في المال. (وَعَنْهُ: لَهَا تَزْوِيجُ أَمَتِهَا)؛ لأِنَّها (٣) مالكتها، ووِلايَتُها (٤) عليها لها، فكان لها تزويجُها؛ كالسَّيِّد، (وَمُعْتَقَتِهَا)؛ لأِنَّ الوِلايةَ كانت لها عليها، فَوَجَبَ استِصْحابُها، ولأِنَّ الولاءَ كالملك. (فَيُخَرَّجُ مِنْهُ)؛ أيْ: من هذا القولِ: (صِحَّةُ تَزْوِيجِ نَفْسِهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا، وَتَزْوِيجِ غَيْرِهَا بِالوَكَالَةِ)؛ لأِنَّها إذا كانَتْ أهْلاً لمباشَرَةِ تزويجِ أَمَتِها ومُعتَقَتِها؛ فَلَأَنْ تكونَ أهْلاً لِمُباشَرَةِ تَزويجِ نَفْسها وغيرِها بالوكالة بطريق الأَوْلى، يَدُلُّ عليه: «أنَّ عائشةَ تولَّتْ نكاحَ بنتِ أخيها عبد الرَّحمن» (٥)، ولأِنَّها شَخْصٌ يتصرَّف في ماله بنفسه (٦)، فيتولَّى عَقْدَ النِّكاح لنفسه؛ كالغلام.

стр. 4292

وعنه: تُزوِّج نفسَها مطلَقًا، وخصَّه المؤلِّفُ بحالِ العُذْر؛ كما إذا عُدِمَ الوليُّ أو السُّلطانُ، واختُلِف في مَأْخَذِها، فابنُ عَقِيلٍ أخَذَها من قول الإمام أحمدَ في دِهْقانِ القرية: يزوِّج مَنْ لا وليَّ لها (١)، فهو بمنزلة حاكمها، وغلَّطه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٢). وأخَذَها ابن أبي موسى ممَّا أخذه المؤلِّفُ، واستدلَّ له بالآية، وبقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ (٣)، فأباح فِعْلَها في نفسها من غير شرط الوليِّ، وبدليل خِطبته (٤) ﵇ أمَّ سَلَمةَ (٥)، فإنَّ أهلَ التَّاريخ قالوا: إنَّه كان ابْنَ (٦) ستِّ سِنينَ، ومِثْلُه لا تصحُّ وِلايتُه. وقد سُئِل أحمدُ عن حديث «لا نِكاحَ إلاَّ بوليٍّ»: يَثبُتُ فيه شَيءٌ عن النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: (لا) (٧)، ثمَّ هو محمولٌ على نَفْيِ الكمال، وسُلَيمانُ بن موسى ضعَّفه البخاريُّ، قال في رِوايةِ المرُّوذِيِّ: ما أراهُ صحيحًا؛ لأِنَّ عائشةَ فَعَلَتْ بخِلافه (٨)، وقال ابنُ جُرَيجٍ: لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ فسألْتُه عنه، فقال: لا أعْرِفُه، ويُقوِّيهِ أنَّ الزُّهْرِيَّ قال بخلاف ذلك، قاله أحمد (٩). (وَالْأَوَّلُ المَذْهَبُ)؛ لِمَا ذَكرْنا، وصَونًا لها عن مباشَرةِ ما يُشعِرُ بوَقاحَتِها (١٠)، ورُعونَتها، ومَيلِها إلى الرِّجال، فَوَجَبَ أنْ لا تُباشِرَ النِّكاحَ؛

стр. 4293

تحصيلاً لذلك. والجوابُ عن الآية تقدَّم، وهو جَوابُ البائنة (١) في أنَّها لا تَحِلُّ للأوَّل إلاَّ بَعْدَ نكاحٍ، وتَزويجه (٢) أمُّ سَلَمةَ كان من خصائصه، كما لا تُشترَطُ الشَّهادةُ في حقِّه. وحديثُ أبي موسى الصَّحيحُ المشهورُ عن إمامنا تصحيحُه، والحملُ على نفيِ الكمال خلافُ الظَّاهر. وحديثُ عائشةَ، من رواية (٣) سليمان بن موسى، وهو ثقةٌ كبيرٌ، قال التِّرمِذِيُّ: لم يتكلَّمْ فيه أحدٌ من المتقدِّمينَ إلاَّ البخاريُّ؛ لأِحاديثَ انْفَرَدَ بها، ومِثْلُ هذا لا يُرَدُّ به الحديثُ. وقد ذكر جماعةٌ في قوله ﵇: «أيُّما امْرأةٍ … » إلى آخره: لا يجوز حملُه على المصير إلى البُطلان؛ لأِنَّ المجازَ من القول لا يجوز تأكيدُه، ذكره ابنُ قُتَيبةَ وغيرُه. فعلى هذا: إذا تزوَّجت بغير إذْنِ وليِّها؛ فكفُضُولِيٍّ، فإنْ أبى فَسَخَه حاكِمٌ، نَصَّ عليه (٤). فرعٌ: إذا حَكَمَ بصحَّة هذا العقدِ حاكِمٌ، أو كان المتولِّي له حاكِمًا؛ لم يَجُزْ نقْضُه؛ كسائر الأنكِحة الفاسدةِ. وقيل: يُنقَضُ هنا، واختاره الإصْطَخْرِيُّ. فإنْ وَطِئَ فيه؛ فلا حدَّ عليه في ظاهر كلام أحمدَ؛ لأِنَّه وَطْءٌ مختلَفٌ في حِلِّه.

стр. 4294

وقال ابنُ حامِدٍ: يَجِبُ؛ لأِنَّه وَطْءٌ في نكاحٍ منصوصٍ على بُطْلانِه. (وَأَحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ: أَبُوهَا) على المذهب؛ لقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبيَاء: ٩٠]؛ لأنَّ الولدَ مَوهوبٌ لأِبيه، وقال إبراهيمُ ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وقال ﵇: «أنت ومالُكَ لِأَبيكَ» (١)، وإثْباتُ وِلايَةِ الموهوب له على الهِبة أَوْلَى من العكس؛ لأِنَّ الأبَ أكْمَلُ نَظَرًا، وأشدُّ شَفَقةً، بخلاف الميراث، بدليلِ أنَّه يجوز أنْ يَشتَرِيَ لها من ماله، وله من مالها. وقِيلَ: يُقدَّمُ الاِبنُ عليه؛ كالميراث، وأخَذَه في «الانتصار» من نَقْلِ حنبلٍ: العَصَبةُ مَنْ أحْرَزَ المالَ (٢). (ثُمَّ أَبُوهُ، وَإِنْ عَلَا) على الأَشْهَر؛ لأِنَّ الجَدَّ له إيلادٌ وتعصيبٌ، أشْبَهَ الأبَ. (ثُمَّ ابْنُهَا، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ)؛ لِمَا تقدَّمَ في الميراث، وللابن ولايةٌ، نَصَّ عليه في روايةِ جماعةٍ (٣)؛ لحديثِ أمِّ سلمةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرسل إليها، فقالت: لَيسَ أحدٌ مِنْ أوْلِيائِي شاهِدًا، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لَيسَ أحَدٌ من أوْلِيائِكِ شاهِدٌ ولا غائبٌ يَكرَهُ ذلك» رواه أحمدُ والنَّسائيُّ (٤)، فدلَّ على أنَّ لها وليًّا

стр. 4295

شاهِدًا؛ أي: حاضِرًا، ويَحتَمِلُ أنَّها ظنَّتْ أنَّه ابنُها عمرُ، ولا ولايةَ له؛ لأِنَّ وُجودَه كالعدم؛ لصِغَرِه، فإنَّه ﵇ تزوَّجَها سنةَ أرْبَعٍ، وقال ابنُ الأثير: كان عُمْرُ عُمَرَ حِينَ وَفاتِه ﵇ تِسْعَ سِنِينَ، وإنَّه وُلِدَ سنة اثْنَينِ من الهجرة (١)، وعلى هذا: يكونُ عمرُه حِينَ التَّزويج: سنَتَينِ. (ثُمَّ أَخُوهَا لِأَبَوَيْهَا)؛ كالميراث، (ثُمَّ لِأَبِيهَا)، في روايةٍ اختارها أبو بكرٍ، وصحَّحها في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ كالإرث، وعلى استِحْقاقه بالولاء، وأنَّه (٢) يُقدَّم الأخ من الأَبَوَينِ على الأخ من الأب. وإنْ كان النِّساء لا مَدخَلَ لهنَّ فيه. (وَعَنْهُ: تَقْدِيمُ الاِبْنِ عَلَى الْجَدِّ)، اخْتارَه الشِّيرازيُّ، وابنُ أبي موسى، والسَّامَرِّيُّ، وغيرُهم كالميراث. وعنه على هذه: يُقدَّم الأخ على الجَدِّ؛ لإدْلائه بالبُنُوَّة. وعَنْهُ: سَواءٌ؛ لاِمتياز كلِّ واحدٍ منهما بمُرجِّحٍ. (وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأَخِ)؛ لاِسْتِوائهما في الميراث والتَّعصيب، (وَبَيْنَ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ (٣) وَالْأَخِ مِنَ الْأَبِ)، نَصَّ عَلَيهِ في روايةِ صالِحٍ وحَرْبٍ وأبي الحارث (٤)، وهو المذهَبُ عند الخِرَقيِّ، والقاضي ومُعظَمِ أصحابه؛ لأنَّهما اسْتَوَيا في الجهة الَّتي تُستَفادُ (٥) منها الولايةُ، وهي العُصوبة الَّتي من

стр. 4296

جهة الأب، فاسْتَوَيا في النِّكاح؛ كما لو كانا من أبٍ. وقرابةُ الأمِّ لا مَدخَلَ لها في النِّكاح. (ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ وَإِنْ سَفَلُوا)؛ كالميراث، وعلى الثَّانية: ابنُ الأخ من الأب مُساوٍ لاِبنِ الأخ من الأَبَوَينِ. (ثُمَّ العَمُّ، ثُمَّ ابْنُهُ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. فإنْ كانا أبناءَ عمٍّ، أحدهما أخٌ لأِمٍّ؛ فقال القاضي وطائفةٌ: هما على ما تقدَّم من الخلاف في ابنيْ عمٍّ أحدهما من الأبَوَينِ والآخَرُ من الأب. وقال المؤلِّفُ: هما سواءٌ؛ لأِنَّهما اسْتَوَيا في التَّعصيب والإرث به، وجهةُ الأمِّ يُورَثُ بها مُنفَرِدةً، ولا تَرجيحَ بها. (ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنَ الْعَصَبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ)؛ لأِنَّ الوِلايةَ مَبْناها على النَّظَر والشَّفقة، ومَظِنَّةُ ذلك القرابةُ، والأحقُّ بالميراث هو الأقربُ، فيكونُ أحقَّ بالولاية، قال ابنُ هُبَيرةَ: اتَّفَقوا على أنَّ الولايةَ في النِّكاح لا تَثْبُتُ إلاَّ لِمَنْ يَرِثُ بالتَّعصيب، وعلى هذا: لا يلي بنو أبٍ أعلى مع بني أبٍ أقربَ منه، وإنْ نَزَلَتْ درجتُهم، وأَوْلَى ولدِ كلِّ أبٍ أقربُهم إليه، لا نَعلَمُ فيه خلافًا (١). (ثُمَّ الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ)؛ أي: المعتِقُ، (ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ)؛ لأِنَّهم عَصَباتٌ، يَرِثون ويَعقِلونَ، فكذلك يُزوِّجون، وقُدِّم هنا المناسِبونَ كالميراث، فيُقدَّم ابنُ (٢) المعتِق على أبيه؛ لأِنَّه إنَّما قُدِّم هناك لزيادة شَفَقَته وكمالِ نَظَرِه، وهنا النَّظَرُ لأِقربِ العصبة. وقيل: يقدَّم أبوها على ابنها؛ كالأصل.

стр. 4297

(ثُمَّ السُّلْطَانُ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، وهو الإمامُ أوْ نائبُه، قال أحمدُ: (والقاضي أحبُّ إليَّ من الأمير في هذا) (١) انتهى، وظاهِرُه: ولو من بُغاةٍ (٢) إذا استَولَوا على بلدٍ. فإنْ عُدِمَ وكَّلَتْ، قاله في «الفروع»، وهو ظاهر كلامهم، أنَّه لا ولايةَ لغَيرِ مَنْ ذُكِرَ، فيَدخُلُ فيه مَنْ أسْلَمَتْ على يَدَيهِ، فإنَّه لا يلي نكاحَها على الأشْهَرِ. وفيه روايةٌ: كالإرث. ولا والي البلد، وعنه: عند عدمِ القاضي، وحملها القاضي على أنَّه أذِنَ له في التَّزويج. وذكر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: الجوازَ مطلَقًا؛ للضَّرورة (٣). تنبيهٌ: إذا لم يكن للمرأة وليٌّ؛ فظاهر كلامهم: أنَّه لا بُدَّ منه مطلَقًا، قال أبو يَعْلَى الصَّغيرُ في رجلٍ وامرأةٍ في سَفَرٍ، ليس معها وليٌّ ولا شُهودٌ: لا يجوز أنْ يتزوَّج بها، وإنْ خافَ الزِّنى بها. وعنه: يُزوِّجها عَدلٌ بإذْنها، قال ابن عقيل: أخَذَ قَومٌ من أصحابنا على أنَّ النِّكاحَ لا يَقِفُ على وليٍّ، ونصوص أحمدَ تَمنَعُه، وأخذه المؤلِّفُ من دِهْقانِ القرية. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤): تزويجُ الأيامى فرضُ كفايةٍ، فإنْ أباه حاكِمٌ إلاَّ بظُلمٍ؛ كطَلَبه جُعْلاً لا يستحقُّه، صار وجودُه كالعدم، فقيل: تُوكِّل مَنْ يُزوِّجُها، وقيل: لا تتزوَّج، والصَّحيحُ ما نقل عن أحمد: يزوِّجها ذو السُّلطان في ذلك المكان؛ كالعَضْلِ.

стр. 4298

(فَأَمَّا الْأَمَةُ) - حتَّى الآبِقةُ -؛ (فَوَلِيُّهَا سَيِّدُهَا) إذا كان من أهل الولاية، بغَيرِ خلافٍ نعلَمُه (١)؛ لأِنَّه عَقْدٌ على منافعها، فكان إليه؛ كإجارتها، ولو مكاتَبًا أو فاسقًا، فإنْ كان لها سيِّدانِ؛ لم يَجُزْ إلاَّ بإذْنِهما. (فَإِنْ كَانَتْ لاِمْرَأَةٍ؛ فَوَلِيُّهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا)، هذا هو المختارُ من الرِّوايات، صحَّحه القاضي، وقَطَعَ به أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ الأصلَ أن (٢) الولاية لها؛ لأِنَّها مالُها، وإنَّما امتَنَعَتْ في حقِّها لاِنتفاء عبارتها في النِّكاح، وحِينَئِذٍ تثبُتُ لأِوليائها، يؤيِّدُه: ما احتجَّ به أحمدُ من حديث أبي هُرَيرةَ، قال: «لا تُنكِحُ المرأةُ نَفْسَها، ولا تُنكِحُ مَنْ سواها»، ورُوِيَ عنه مرفوعًا بمَعناهُ، رواه ابن ماجَهْ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وصحَّحه (٣)، والنَّهْيُ دليلُ الفسادِ، وهو قَولُ جُمْهورِ الصَّحابة (٤). (وَلَا يُزَوِّجُهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا)؛ أيْ: شَرْطُه إذْنُها لوليِّها؛ لأِنَّ الأمةَ لها، والتَّصرُّفُ في مال الرَّشيدة لا يكون إلاَّ بإذنها.

стр. 4299

فإنْ كانت سيِّدتُها غَيرَ رشيدةٍ، أوْ لغُلامٍ، أو مجنونٍ؛ فوليُّها مَنْ يَلِي مالَه؛ لأِنَّه تصرُّفٌ في نَفْعِها؛ كإجارتها. ويُعتبَرُ في إذْنها: النُّطقُ وإنْ كانَتْ بِكْرًا، قالَهُ المؤلِّفُ وغَيرُه؛ إذ الصُّماتُ إنَّما اكْتُفِيَ به في تزويجها نفسَها؛ لِحَيائها، وهي لا تَستحيي مِنْ تزويجِ أَمَتِها. وعَنْهُ: أيُّ رجلٍ أَذِنَتْ له سيِّدتُها من غَيرِ أنْ تُباشِرَه هي؛ لأِنَّ سببَ الولاية الملْكُ، وإنَّما امْتَنعت المباشَرةُ لِنَقْصِ الأنوثة، فَمَلَكَت التَّوكيلَ؛ كالمريض والغائب. وعنه: تَعقِدُه هي، فعِبارتُها على هذه مُعتَبَرةٌ؛ بأنَّ (١) التَّزْويجَ على الملك لا يَحتاجُ إلى أهليَّةِ الولاية، بدليل تزويجِ الفاسق مملوكتَه. فرعٌ: عتيقتُها كأَمَتها إنْ طَلَبَتْ وأَذِنَتْ، وقُلْنا: تَلِي عليها في روايةٍ. ولو عَضَلت المولاةُ؛ زوَّج وليُّها، ففي إذْنِ سلطانٍ (٢) وَجْهانِ، ويُجبِرُها مَنْ يُجبِرُ الموْلاةَ. (وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ: الْحُرِّيَّةُ)، فلا وِلايةَ لعبدٍ، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّه لا وِلايةَ له على نفسه، فعلى غيره أَوْلى. وفي «الانتصار» وجْهٌ: يَلِي (٤) على ابنته، ثُمَّ جوَّزه بإذْنِ سيِّده. وفي «الروضة»: هل للعبد ولايةٌ على الحرَّة؟ فيه روايتانِ. (وَالذُّكُورِيَّةُ)، فلا ولايةَ لاِمرأةٍ؛ لِعَدَمِ تزويجها نفسَها، وقد سبق.

стр. 4300

(وَاتِّفَاقُ الدِّينِ)، ومَعْناهُ: أنْ يكونَ مسلِمًا إنْ كانت الزَّوجةُ مسلِمةً، والعَكْسُ بالعكس؛ إذ الكافِرُ لا ولايةَ له على المسلم في قول عامَّة العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التّوبَة: ٧١]، وحكاه ابنُ المنذر إجماعَ مَنْ يحفَظ عن (١)، قال أحمدُ: (بَلَغَنا أنَّ عليًّا أجاز نكاحَ أخٍ، وردَّ نكاحَ أبٍ، وكان نصرانيًّا) (٢)، والمسلِمُ لا ولايةَ له على كافرةٍ (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفَال: ٧٣]. (وَالْعَقْلُ)، بغَيرِ خلافٍ (٤)؛ لأِنَّ الولايةَ ثبتت نظرًا للمُولَّى عليه عند عَجْزه عن النَّظَر لنفسه، ومَنْ لا عَقْلَ له لا (٥) يمكِنُه النَّظَرُ، ولا يَلِي على نفسه، فغَيرُه بطريقِ الأَوْلَى، وسواءٌ فيه الصَّغيرُ، ومَنْ ذَهَبَ عَقْلُه بجُنونٍ، أوْ كِبَرٍ كالشَّيخ الهمِّ (٦).

стр. 4301

فأمَّا المُغْمَى عليه، ومَنْ يُجَنُّ في بعض الأوقات؛ فلا تزولُ ولايتُهما على الأشْهَر؛ لأِنَّ المغْمَى عليه مدَّتُه يسيرةٌ؛ كالنَّوم، ولذلك لا تَثبُتُ الولايةُ عليه، ويَجوزُ (١) على الأنبياء ﵈. وفي «الفروع»: إنْ جُنَّ أحيانًا، أو أُغْمِيَ عليه، أوْ نَقَصَ عقلُه بنحوِ مَرَضٍ، أو أَحْرَمَ؛ انتُظِرَ، نقله ابنُ الحَكَم في مَجْنونٍ (٢). (وَهَلْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ وَعَدَالَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): ظاهِرُ المذهب: يُشترَطُ البلوغُ؛ لأِنَّ الولايةَ يُعتبَرُ لها كمالُ الحال، ومَنْ لم يَبلُغْ قاصِرٌ؛ لثُبوتِ الوِلاية عليه. والثَّانيةُ: لَيسَ بشرطٍ، فعلى هذا: يُزوِّجُ ابنُ عَشْرٍ؛ لأِنَّه تَصِحُّ (٣) وصيَّتُه وطَلاقُه، فتثبتُ (٤) له الولايةُ كالبالغ. وعنه: اثْنَتَيْ عشرةَ سنةً. وأمَّا العدالةُ؛ فليست بشرطٍ في روايةٍ (٥)، وهي ظاهِرُ (٦) «الخِرَقِيِّ»، فعليها: يُزَوِّجُ فاسِقٌ؛ لأِنَّه يلي نكاحَ نفسه، فغيره أَوْلَى. والثَّانيةُ، وهي أَنَصُّهما: تُشترَطُ (٧)، واختارها ابنُ أبي موسى، وابنُ حامِدٍ، والقاضي وأصحابُه؛ لِمَا رَوَى الشَّالَنْجِيُّ بإسْنادِه عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: «لا نِكاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، أوْ سُلْطانٍ» (٨)، وعن جابِرٍ

стр. 4302

معناه مرفوعًا رواه البَرْقانِيُّ (١)، ولأِنَّها إحْدَى الوِلايتَينِ، فَنَافَاهَا الفِسْقُ؛ كولاية المال. وعليها: يُكتَفَى بمستورِ الحال على ما جزم به الشَّيخانِ، ويُستَثْنَى منه: السُّلطانُ الرَّشيدُ. وحَكَى ابنُ حَمْدانَ ثالثةً: أنَّ الفاسِقَ يَلِي نكاحَ عَتِيقتِه فَقَطْ، كما قَبْلَ العتق. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (إذا قُلْنا: الولايةُ الشَّرطيَّةُ تَبْقَى (٢) مع الفسق؛ فالولاية الشَّرعيَّةُ أَوْلَى) (٣)، قال الزَّركشِيُّ: وفيه نَظَرٌ؛ إذ الولايةُ الشَّرطيَّة يُلحَظُ فيها حظُّ الموصِي ونَظَرُه، بخلافه هنا. أصلٌ: يُشترَطُ فيه الرُّشْدُ؛ بأنْ يَعرِفَ مصالِحَ النِّكاح، ومعرفةِ الكُفؤِ، فلا يَضَعُها عِنْدَ مَنْ لا يَحفَظُها ولا يُكافِئُها. وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما: يُشترَطُ معرفتُه بالمصالح، وهو أظْهَرُ (٤). وفي «شرح المحرَّر»: هو ضِدُّ السَّفيه.

стр. 4303

ولا يُشتَرَطُ نُطقُه إذا فُهِمَتْ إشارتُه، والأصحُّ: ولا بَصَرُه؛ لأِنَّ شُعَيبًا زوَّجَ ابْنَتَه وهو أعمى، ولحصول المقصود بالبحث والسَّماع. (وَإِذَا كَانَ الْأَقْرَبُ طِفْلاً، أَوْ كَافِرًا، أَوْ عَبْدًا؛ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ) مِنْ عَصَبتها؛ لأِنَّ وجودَهم كالعدم. وقوله: «طفلاً» يَحتَمِلُ أنْ يُريدَ به غَيرَ المميِّزِ، وهو ظاهر العُرْفِ، فَعَلَيهِ تَصِحُّ ولايةُ المميِّز، وهو إحْدَى الرِّوايَتَينِ تقييدًا بابنْ عَشْرٍ، أشْبَهَ البالِغَ، ويَحتَمِلُ أَنْ يُريدَ به غَيرَ البالِغِ، وهو ظاهِرُ كلامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا … (٥٩)﴾ الآية [النُّور: ٥٩]. (وَإِنْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ)، فلم يُزوِّجْها بكُفؤٍ رَضِيَتْه، ورَغِبَ كلٌّ منهما في صاحبه بما صحَّ مَهْرًا؛ (زَوَّجَ الْأَبْعَدُ)، نَصَّ عليه (١)، كما لو جُنَّ، وحديثُ مَعقِلِ بنِ يَسارٍ شاهِدٌ بذلك، وفيه نزل قولُه تعالى: الآيةَ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ … (٢٣٢)﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٣٢]، قال: «وكفَّرْتُ عن يميني، وأنْكَحْتُها إيَّاهُ» (٢). لكِنْ لو رَضِيَتْ بغَيرِ كُفؤٍ؛ كان للوليِّ مَنْعُها منه، فلو اخْتَلَفا في تَعْيِينِ الكُفؤ قُدِّمَ (٣) تَعْيِينُها عليه، حتَّى إنَّه يُعضَّلُ بالمنْع ويُفسَّقُ به إنْ تكرَّرَ منه، ولم يَذكُر المؤلِّفُ التَّكرُّرَ (٤).

стр. 4304

(وَعَنْهُ: يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ)، اختاره أبو بَكْرٍ؛ لقوله: «فإنِ اشْتَجَرُوا؛ فالسُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ له» (١)، والحاكِمُ نائبٌ عنه، وكما لو كان عَلَيهِ دَينٌ وامْتَنَعَ من قضائه. والأوَّلُ أصحُّ، والحديثُ المذكورُ لا حُجَّةَ فيه، والفَرْقُ بَينَ الولاية والدَّين من أوْجُهٍ: أحدُها: أنَّ الولايةَ حقٌّ للمولى، والدَّينَ حقٌّ عَلَيهِ. وثانِيهَا (٢): أنَّ الولايةَ تَنتَقِلُ عنه بفِسْقٍ ونحوِه، بخِلافِ الدَّين. وثالثُها: أنَّ الولايةَ يُعتبَرُ في بقائها العدالةُ، وقد زالتْ بالعَضْلِ، والدَّينَ لا يُعتبَرُ فيه ذلك، نَعَمْ إذا اشْتَجَروا جميعًا؛ زوَّجَ الحاكِمُ. (وَإِنْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً؛ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ)؛ لأِنَّه قد تعذَّرَ التَّزويجُ من الأقرب، فوجب أنْ يَنتَقِلَ (٣) إلى مَنْ يَلِيهِ؛ كما لو جُنَّ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لَيسَ فيه سَلْبُ الأقرب من الولاية، لكِنْ مُشتَرَكٌ بَينَهما، بدليلِ ما لو زوَّج الأقربُ الغائبُ في مكانه، أو وكَّل فيه، فإنَّه يَصِحُّ، وكذا لو وكَّل ثُمَّ غاب، بخلافِ ما لو وَكَّلَ ثُمَّ جُنَّ. وفي «التَّعليق»: إذا زوَّج أوْ وَكَّلَ في الغَيبة؛ فالولايةُ باقيةٌ؛ لاِنْتِفاء الضَّرَر، وإلاَّ سَقَطَتْ، وحَكَى قَولاً كالأوَّل. وذَكَرَ في «الاِنتِصارِ» وجهًا: لا تَنتَقِلُ ولايةُ مالٍ إليه بالغَيبة. ويُسْتَثْنَى منه: ما لم تكُنْ أَمَةً، فيُزوِّجُها الحاكِمُ.

стр. 4305

(وَهِيَ: مَا لَا تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ (١)، نَصَّ عليه (٢)، واختاره أبو بَكْرٍ والشَّيخانِ؛ لأِنَّ أهلَ العرف (٣) يَعُدُّونَ ذلك مُضرًّا، قال المؤلِّفُ: وهذا القَولُ أقْرَبُ إلى الصَّواب، فإنَّ التَّحديدَ بابُه التَّوقِيفُ، ولا تَوقِيفَ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْكِتَابُ)؛ كَمَنْ هو في أقْصَى بلادِ الهند، (أَوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ)، قد أَوْمَأَ أحمدُ إلى هذا في روايةِ الأثْرَمِ، قال: المنقَطِعُ الَّذي لا تَصِلُ إليه الأخبارُ (٤)؛ لأِنَّ مِثْلَ ذلك تتعذَّرُ مُراجَعَتُه، فيَلْحَقُ الضَّرَرُ بانْتِظارِه. (وَقَالَ الْقَاضِي) في «تعليقه»، وأبو الخَطَّاب في «خِلافِه الصَّغيرِ»، وهو رِوايةٌ: (مَا لَا تَقْطَعُهُ الْقَافِلَةُ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً)؛ كسَفَرِ الحِجاز؛ لأِنَّ الكُفُؤَ ينتَظرُ سنةً، ولا ينتَظرُ أكثرَ منها، فيَلْحَقُ الضَّرَرُ بتَرْكِ تَزْويجِها. (وَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كَانَ الْأَبُ بَعِيدَ السَّفَرِ؛ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ)؛ لأِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَه بَعِيدًا، وعلَّق عليه رُخَصَ السَّفر. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب والمجْدُ روايةً: أنَّ الحاكِمَ يُزوِّجُ؛ كما في العَضْلِ؛ إذِ الأبْعَدُ مَحجُوبٌ بالأقْرَبِ، والوِلايةُ باقِيَةٌ، فقامَ (٥) الحاكِمُ مَقامَه (٦) فيها. وقِيلَ: ما تَستَضِرُّ به الزَّوجةُ. وقيل: فَوتُ كُفُؤٍ راغِبٍ. ويَلحَقُ بذلك: ما لو تعذَّرَتْ مُراجَعَتُه؛ كأسيرٍ، أوْ لم يُعلَمْ مَكانُه، (أوْ

стр. 4306

كان مجهولاً لا يُعلَمُ أنَّه عَصَبَةٌ ثمَّ عُلِمَ)، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١)، أوْ زُوِّجَتْ بنتُ مُلاعَنَةٍ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَها أبٌ؛ فكبعيدٍ. وإنْ زوَّجَ الأبعدُ بدونِ ذلك؛ فكفُضولِيٍّ، وإنْ تَزَوَّج لغَيرِه؛ فقيلَ: لا يَصِحُّ كذمَّته، وقِيلَ: كفُضولِيٍّ. ومَن تزوَّج أَمَةَ غَيرِه، فمَلَكها مَنْ يَحرُم (٢) عليه، فأجازه؛ فوَجْهانِ. (وَلَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ)، حكاهُ ابنُ المنذِر إجْماعًا (٣)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ١٤١]. (إِلاَّ إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ فِي وَجْهٍ)، وكذا مُكاتَبَتُه أوْ مُدبَّرتُه؛ لأِنَّها ملْكُه، أشْبَهَ المسلِمَ، وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ وابنُ رَزِينٍ: وبِنتُه. والثَّاني: لا يَلِيهِ، وهو أَوْلى؛ للإجماع. وعلى الأوَّل: هل يُباشِرُ تَزويجَ المسلِمِ، أو يُباشِرُه بإذْنه مسلِمٌ أو الحاكِمُ؟ فيه أَوجُهٌ. (وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ)؛ للنَّصِّ، ولأِنَّه لا يَرِثُ أحدُهما الآخرَ، ولا يَعقِلُ عنه، فلم يَلِهِ؛ كما لو كان أحدُهما رقيقًا. (إِلاَّ سَيِّدَ الْأَمَةِ)، فله تزويجُها؛ لأِنَّها لا تَحِلُّ للمسلمين، (أَوْ وَلِيَّ سَيِّدَتِهَا)؛ لأِنَّها وِلايةٌ بالملك، ولأِنَّها تحتاجُ إلى التَّزويج، ولا وليَّ لها غَيرُ سيِّدها، (أَوِ السُّلْطَانَ)؛ لأِنَّ له الوِلايةَ على مَنْ لا وليَّ لها، وَوِلايَتُه عامَّةٌ على أهلِ دار الإسلام، فالكافِرةُ مِنْ أهل الدَّار، فتَثْبُتُ الوِلايةُ عليها كالمسْلِمة.

стр. 4307

(وَيَلِي الذِّمِّيُّ نِكَاحَ مَوْلِيَّتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ)؛ لأِنَّه مُساوٍ لها، فَوَلِيُّهُ كالمسلِم، ويُشترَطُ فيه الشُّروطُ المعتَبَرةُ، وعبَّر في «المحرر» و «الفروع»: بالكافِرِ. (وَهَلْ يَلِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَلِيهِ؛ للآية، والمساواة. والثَّاني: لا يُزوِّجُها إلاَّ الحاكِمُ، قاله القاضي؛ لأِنَّ فيه صَغارًا على المسلم، وعلى هذا: لا يَلِي مالَها، قاله القاضِي. وفي تعليقِ ابنِ المَنِّيِّ في وِلايةِ الفاسق: لا يَلِيهِ كافِرٌ إلاَّ عَدْلٌ في دينه، ولو سلَّمْنا، فلِئَلاَّ يُؤدِّي إلى القَدْح في نَسَبِ نَبِيٍّ أوْ ولِيٍّ، ويَدُلُّ عليه وِلايةُ المال. (وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ)، نَصَّ عليه في مَواضِعَ، وهو الأصحُّ؛ لقَوله ﵇: «أيُّما امرْأةٍ» الخبرَ (١)، ولأِنَّه نكاحٌ لم تَثبُتْ أحكامُه من الطَّلاق والخُلْع والتَّوارث، فلم يَنعَقِدْ؛ كنكاحِ المعْتَدَّة. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ جارِيةً بِكْرًا أتَت النَّبيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ أنَّ أباها زَوَّجَها وهي كارِهةٌ، فخَيَّرَها النَّبيُّ ﷺ » رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، قال: وهو حديثٌ مُرسَلٌ، رواهُ النَّاسُ عن عِكْرَمَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، لم يَذكُرُوا ابنَ عبَّاسٍ (٢).

стр. 4308

وحِينَئِذٍ؛ فالشَّهادةُ تُعتَبَرُ حالةَ العَقْدِ؛ لأِنَّها شَرْطٌ له، فتُعتَبَرُ معه؛ كالقَبول، ولو كان في الصَّداق نَماءُ (١) ملْكِ؛ من حِينِ العَقْد، ولا تَوارُثَ قَبْلَ الإجازة. وقِيلَ: إنْ كان ما لو رُفِعَ إلى الحاكِمِ أجازه؛ وَرِثَه الآخَرُ؛ لأِنَّه عَقْدٌ تَلزَمُه الإجازةُ، فهو كالصَّحيح. فَرْعٌ: إذا زُوِّجتْ مَنْ يعتبر (٢) إذنُها بغَيرِ إذنها، وقُلْنا: يَقِفُ على إجازتها؛ فهي بالنُّطق أو ما يَدُلُّ على الرِّضا، بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا. وقال ابن أبي موسى: إذا زَوَّجَ أجنبيَّةً ليس من العَصبات؛ بَطَلَ النِّكاحُ مِنْ أصْلِه، قَولاً واحِدًا. (وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا)؛ لتَوكيله ﵇ أبا رافِعٍ في تزويجِ مَيمونةَ، وعَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ في تزويجِ أمِّ حَبِيبةَ (٣)، ولأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فصحَّ التَّوكيلُ فيه؛ كالبيع. وَعَلَى هَذا: فلا فَرْقَ بَينَ أنْ يكونَ الموكِّلُ حاضِرًا أوْ غائبًا، مُجبِرًا أوْ غَيرَ

стр. 4309

مُجبِرٍ، ولا يُعتبَرُ إذْنُها في التَّوكيل، سَواءٌ كان الموكِّلُ أبًا أوْ غَيرَه، ذَكَرَه في «المغْنِي» وغَيره. وقِيلَ: لا يُوكِّلُ غَيرُ مُجبِرٍ بلا إذْنٍ، إلاَّ حاكِمٌ، وقِيلَ: ولا مجيز (١)، وخرَّجه القاضي على الخلاف في تَوكيل الوكيل، ولا خلافَ أنَّ الحاكِمَ يَملِكُه مطلَقًا. ويجوز في تزويجِ معيَّنٍ، أو مَنْ شاء، أو مَنْ يرضاه. وقيل: يُمنَعُ من التَّوكيل المطلَق. وقيل: يعتَبرُ التَّعْيينُ لغَيرِ مُجبِرٍ. وقِيلَ: وله، فلو مَنَعَت الوليَّ من التَّوكيل امتَنَعَ، قاله في «التَّرغيب». وعلى الأشْهَرِ: يَثبُتُ للوكيل ما هو ثابِتٌ للمُوكِّلِ؛ لأِنَّه قائمٌ مَقامَه، ومَنْ لم تَثبُتُ له الوِلايةُ؛ لا يَصِحُّ تَوكيلُه. وقِيل: يصحُّ توكيلُ العبد ونحوه؛ لأِنَّهم من أهل القرابة، بدليل قَبولهم النِّكاح لأنفسهم. فإنْ وكَّل الزَّوجُ في قَبول النِّكاح؛ صحَّ، وقِيلَ: لا؛ كالإيجاب. وبالجملة: يتقيَّد وكيلٌ أوْ وليٌّ مطلَقٌ بالكُفُؤِ إن اشْترِطَ، ذَكره في «الترغيب». ولَيسَ لوكيلٍ أنْ يتزوَّجها لنفسه. ويَصِحُّ توكيلُه مطلَقًا؛ ك «زَوِّجْ مَنْ شِئْتَ»، ومقيَّدًا؛ ك «زَوِّجْ فُلانًا بعَينه». (وَوَصِيُّهُ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ) على المذهب؛ لأِنَّها وِلايةٌ ثابِتةٌ، فجازت الوصيَّةُ بها؛ كولاية المال، ولأنَّ له أنْ يَستَنِيبَ في حياته، فكذا بعدَ مماته؛ كالمال، فعلى هذا: يُجبِر مَنْ يُجبِرُه مِنْ ذَكَرٍ أو أنثى. (وَعَنْهُ: لَا تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ بِالوَصِيَّةِ)، اختاره أبو بكرٍ وغَيرُه؛ لأِنَّها

стр. 4310

وِلايةٌ تَنتَقِلُ إلى غيره شَرْعًا، فلم يَجُزْ أنْ يُوصِيَ بها؛ كالحضانة، يُحقِّقه: أنَّه لا ضَرَرَ على الوصيِّ في وَضْعِها عندَ غيرِ كُفْئِها، فهو كالأجنبيِّ، وكولاية الحاكم. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ، إِلاَّ أَنْ لا (١) يَكُونَ لَهَا عَصَبَةٌ)، هذا روايةٌ حكاها القاضي في «الجامع الكبير» والحُلْوانيُّ؛ لأِنَّه إنْ كان عصبةٌ؛ لم يَستقِرَّ (٢)؛ حذارًا من إسقاط حقِّهم، وإلاَّ اسْتُفِيدَتْ؛ لعدَمِ ذلك. والأوَّلُ هو المنصورُ عند جمهور الأصحاب، فعلى هذا: تجوزُ الوصيَّةُ بالنِّكاح من كلِّ ذي وِلايةٍ. وهل للوصيِّ الوصيَّةُ بها، أو يُوكِّلُ؟ فيه رِوايتانِ، ظاهِرُ المذهب: جوازُه، ذَكَرَه في «النَّوادر». وظاهره: أنَّ له تزويجَ صغيرٍ بوصيَّةٍ؛ كصغيرةٍ، وفي «الخِرَقِيِّ»: أو وصيٌّ ناظِرٌ له في التَّزويج، وظاهر كلام القاضي و «المحرَّر»: الوصيُّ مطلَقًا، وجزم به الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣)، وأنَّ وَصِيَّ المال يُزوِّج الصَّغيرَ؛ لأِنَّه يَلِي مالَه، أشْبَهَ الأبَ، وخُرِّج منه: أنَّ الجَدَّ يُزوِّجُ الصَّغيرَ إنْ قُلْنا: يَلِي مالَه، والأوَّلُ أظْهَرُ، كما لا يُزوِّجُ الصَّغيرةَ. (وَإِذَا اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ)؛ كالإخْوة أوْ بَنِيهم؛ (صَحَّ التَّزْوِيجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ)، إذا أَذِنَتْ لكلٍّ منهم؛ لأِنَّ سَبَبَ الوِلاية مَوجودة في كلِّ واحدٍ منهم. (وَالْأَوْلَى: تَقْدِيمُ أَفْضَلِهِمْ)؛ لأِنَّه أكملُ من المفضول، (ثُمَّ أَسَنُّهُمْ)؛ لقَوله ﵇ في حديثِ حُوَيِّصةَ ومُحَيِّصةَ، لَمَّا تكلَّم عبدُ الرَّحمن وكان أصغرَهم:
следующие страницы →