← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(وَعَنْهُ: يَوْمٌ)، اختارها أبو بكر؛ لأنَّ الشَّرع علَّق على الحيض أحكامًا، ولم يبيِّنه، فعُلم أنَّه ردَّه إلى العُرف؛ كالقَبْض والحِرْز، وقد وُجِد حَيضٌ معتادٌ يومًا، ولم يوجد أقل منه، قال عَطاءٌ: (رأيت من تحيض يومًا) رواه الدَّارقطني (١)، وقال الشَّافِعِيُّ: (رأَيْتُ امرأة قالت (٢): إنَّها لم تزل تحيض يومًا لا يزيد) (٣)، وقال أبو عبد الله الزُّبيرِيُّ: (كان في نسائنا من تحيض يومًا) (٤). فمن قال به أخذ بظاهر الإطلاق، يؤيده قول الأوزاعي: (عندنا امرأةٌ تحيض بُكرةً، وتطهُر عَشيَّةً). ومن قال باليوم واللَّيلة، قال: إنَّه المفهوم من إطلاق اليوم، ومن ثَمَّ قال القاضي: يمكن حمل كلام أحمد: (أقلُّه يوم)؛ أي (٥): بليلته، فتكون المسألةُ روايةً واحدةً، وهذه طريقة الخلَّال، ولكن الأكثر على خلافها. (وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) في ظاهر المذهب، قال الخلَّال: لا اختلاف فيه؛ لقول عطاء: «رأيت من تحيض خمسة عشر يومًا» (٦)، يؤيِّده ما رواه عبد الرَّحمن (٧) بن أبي حاتم في «سننه» عن ابن عمر مرفوعًا أنَّه قال: «النِّساء ناقصات عقلٍ ودينٍ»، قيل: وما نُقصانُ دينِهِنَّ؟ قال: «تمكث (٨) إحداهنَّ شطر عمرها لا تصلِّي»، وذكر ابن المُنَجَّى: (أنَّه رواه البخاري)، وهو خطأ، قال

стр. 457

البيهقي: (لم أجده في شيء من كتب الحديث)، وقال ابن منده: (لا يثبُت هذا بوجه من الوجوه عن النَّبيِّ ﷺ (١). (وَعَنْهُ: سَبْعَةَ عَشَرَ)، قال ابن المنذر: (بلغني أن نساء الماجِشُون كن يحضن سبع عشرة، وحكاه ابن مهدي عن غيرهن) (٢). وقيل عليهما: وليلة، لا عشرة بلياليها، هـ (٣). وقال م (٤): لا حدَّ لأقلِّه، فلو رأت دَفعة واحدةً كان حيضًا، وأكثره خمسة عشر يومًا. (وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لِحَمْنَةَ بنتِ جحْش لما سألته: «تحيَّضي في علم الله ستَّة أيَّام أو سبعة، ثمَّ اغتسلي، وصلِّي أربعًا وعشرين ليلةً، أو ثلاثًا وعشرين ليلةً وأيَّامها، فإنَّ ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كلِّ شهر كما تحيض النِّساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهنَّ» رواه أبو داود والنَّسائي وأحمد والتِّرمذي وصحَّحاه، وحسَّنه البخاري (٥). (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا)، هذا هو المختار من (٦)

стр. 458

المذهب، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى أحمد واحتجَّ به عن عليٍّ: أنَّ امرأةً جاءته، وقد طلَّقها زوجها، فزعمت أنَّها حاضت في شهر ثلاث حِيَضٍ، فقال عليٌّ لشُرَيح: «قل فيها»، فقال شريح: إن جاءت ببيِّنة من بِطانةِ أهلها ممَّن يُرضى دينُه وأمانتُه فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة (١). فقال عليٌّ: «قَالُون»؛ أي: جيِّد بالرُّوميَّة (٢)، وهذا لا يقوله إلَّا توقيفًا، وهو قول صحابي انتشر ولم يُعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر دليل على أنَّ الثَّلاثة عشر طهرٌ صحيحٌ يقينًا، قال أحمد: (لا يُختلف أنَّ العدَّة يصحُّ أن تنقضي في شهر إذا قامت به البيِّنة) (٣). وظاهره: أنَّ الطُّهر في أثناء الحيضة لا توقيت فيه، وسيأتي. (وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ)، هذا (٤) رواية عن أحمد حكاها في «المحرَّر» و «الفروع»، وهي قول أكثر العلماء؛ لما تقدَّم من قوله: «تمكث إحداكنَّ (٥) شطر عمرها لا تُصلِّي» (٦). وذكر أبو بكر: أنَّهما مبنيان على أكثر الحيض؛ فإن قيل: خمسة عشر يومًا فأقلُّ الطُّهر مثله، وإن قيل: سبعةَ عشر يومًا فأقله ثلاثة عشر يومًا.

стр. 459

والمشهور عند الأصحاب: لا بِنَاءَ، فأكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأقلُّ الطُّهر ثلاثة عشر، ثمَّ إنَّما يلزم ذلك أن لو كان شهرُ المرأة لا يزيد على ثلاثين يومًا، فإذا زاد تُصوِّر أن يكونَ حيضُها سبعةَ عشَرَ، وطهرُها خمسةَ عشرَ وأكثر. وقيل: يزاد على كل عدد ليلة. وعنه: لا توقيتَ فيه، وهو على ما تعرفه من عادتها، اختاره بعض أصحابنا. وعنه: إلَّا في العدة؛ أي (١): إذا ادَّعت انقضاءها في شهر كُلِّفت البينة، وإن كان في أكثر منه؛ صُدِّقتْ. (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ)؛ أي: الطُّهر؛ لأنَّ التَّحديد من الشَّرع ولم يرد به، ولا نعلم له دليلًا، ولأنَّه قد وجد من لا تحيض أصلاً، لكنَّ غالبَه بقية الشهر (٢).

стр. 460

(فَصْلٌ) (وَالْمُبْتَدَأَةُ): هي التي رأت دمَ الحيض ولم تكن حاضت، في زمن يمكن أن يكون حيضًا. وظاهره: لا فرق بين الأسود والأحمر، وهو الأصحُّ. وقال ابن حامد وابن عقيل: لا تلتفت أوَّل مرَّةٍ إلا (١) إلى الأسود، قدَّمه في «الرِّعاية». فإن كان صُفرةً أو كُدْرةً؛ فظاهره أنَّها تجلسه، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»، وظاهر كلام الإمام خلافه. (تَجْلِسُ)؛ أي: تدَع برؤيته - نقله الجماعة (٢) - الصَّلاة والصِّيام ونحوهما؛ لأنَّ دم الحيض جِبِلَّةٌ وعادةٌ، ودمُ الاِستحاضة لعارض من مرَضٍ ونحوِه، والأصل عدمه، (يَوْمًا وَلَيْلَةً) نصَّ عليه في رواية ابنَيْه والمَرُّوذِيِّ (٣)؛ لأنَّ العبادةَ واجبةٌ في ذمَّتها بِيَقِينٍ، وما زاد على أقلِّ الحيض مشكوك فيه، فلا نسقطها (٤) بالشَّكِّ، ولو لم نُجْلِسْها (٥) الأقل؛ لأدَّى إلى عدم جلوسها أصلًا. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان أقلَّ من يوْمٍ وليلةٍ؛ لا تلتَفِت (٦) إليه؛ لأنَّه دم فساد، إلَّا إذا قلنا: أقلُّه يوم. قال القاضي وابن عَقيل: إنَّ المبتدَأة لا تجلس فوق الأقلِّ بلا خلاف،

стр. 461

وإنَّما موضع ذلك إذا اتَّصل الدَّم وحصلت مستحاضة في الشهر الرابع. (ثُمَّ تَغْتَسِلُ)؛ لأِنَّهُ آخِر حيْضها حُكْمًا، أشبه آخره حِسًّا، (وَتُصَلِّي)؛ لأنَّ المانِع منها هو الحيض، وقد حكم بانقطاعه، وعدم الغسل، وقد وُجِد حقيقةً. ولا يحل وطؤها حتَّى ينقطع أو يجاوز أكثرَ الحيض؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه حيض، وإنَّما أمرناها بالعبادة احتياطًا لبراءة ذمَّتها، فتعيَّن ترك وطئها احتياطًا. وعنه: يُكره. وقيل: يباح مع خوف العَنَتِ. فإن انقطع واغتسلت؛ أبيح؛ لأنَّها رأت النَّقاء الخالص. وعنه: يكره؛ لاحتمال عوده كالنُّفَساء. وعنه: إن أمِن العَنَت. وإن عاد بعد الانقطاع؛ حرُم الوطء إلى أكثر الحيض. (فَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرَهِ فَمَا دُونُ) - هو بضم النُّون؛ لقطعه عن الإضافة -؛ (اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ)؛ لاحتمال أن يكون آخرَ حيضها، فلا تكون طاهرةً بيقين إلَّا بالغسل (١). (وَتَفْعَلُ ذَلِكَ)؛ أي: مثل جلوسها يومًا وليلةً، وغسلها عند آخرهما، وعند الانقطاع؛ (ثَلَاثًا)؛ لأنَّ العادة لا تثبت إلَّا بها في المشهور من المذهب؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «دعِي الصَّلاة أيَّام أقْرائِكِ» (٢)، وهي صيغة جمع، وأقلُّه ثلاث، ولأنَّ ما اعتبر له (٣) التَّكرار اعتُبر فيه الثَّلاثُ؛ كالأقراء في عدَّة الحرَّة والشُّهور وخيار المُصرَّاة ومهلة المرتدِّ، فعلى هذا؛ تجلس في الشَّهر

стр. 462

الرَّابع، وقال القاضي: في الثَّالِث. (فَإِنْ كَانَ فِي) الأشهر (الثَّلَاثِ عَلَى قَدْرٍ)؛ أي: مقدار (١) (وَاحِدٍ؛ صَارَ عَادَةً)؛ لما ذكرناه (٢)، فلو تكرَّر مختلفًا؛ كخمسة في (٣) الأوَّل، وسبعة في الثَّاني، وعشرة في الثَّالث؛ فالمتكرِّر حيض دون غيره، (وَانْتَقَلَتْ إِلَيْهِ)؛ أي: لزِمَها جلُوسه، (وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنَ (٤) الْفَرْضِ فِيهِ)؛ لأنَّا تبيَّنَّا فعله في زمن الحيض، وكذا حكم غيره من اعتكافٍ واجِبٍ وطَوافٍ، لكن إن ارتفع حيضها ولم يَعُدْ، أو أيِسَتْ قبل التَّكرار؛ لم تَقْضِ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ)؛ أي: الدَّم (يَصِيرُ عَادَةً) بتكرُّره (مَرَّتَيْنِ (٥)؛ لأنَّ العادة مأخوذة من المعاوَدَة، وقد عاودها في المرَّة الثَّانية، فتجلس في الشَّهر الثَّالث. وقال القاضي: بل في الثَّاني، واختاره الشَّيخ (٦) تقِيُّ الدِّين، فإنَّ كلام أحمد يقتضيه (٧). وعُلم منه: أنَّ العادة لا تثبت بمرَّة، قال في «المغني» وغيرِه: لا يَختلِف المذهبُ فيه. (فَإِنْ جَاوَزَ) الدَّمُ (أَكْثرَ الْحَيْضِ؛ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما ذلك عِرْقٌ، وليس بالحَيضة» متَّفق عليه (٨)، ولأنَّ الدَّم كلَّه لا يصلح أن يكون حيضًا.

стр. 463

والاستحاضةُ: سَيَلانُ الدَّم في غير وقته من العِرق العاذِل - بالذَّال المعجمة، وقيل: المهملة حكاهما ابن سِيدَهْ (١)، والعاذِرُ لغةٌ فيه - من أدنى الرَّحم دون قعره؛ إذ المرأة لها فرجان، داخل بمنزلة الدبر، منه الحيض، وخارج كالأليتين، منه الاستحاضة (٢). وظاهره: أنَّها لا تحتاج (٣) إلى تكرار، صحَّحه في «الشَّرح»؛ لظاهر حديث حَمْنَةَ (٤). والمنصوص (٥): أنَّه لا يثبت حكمها قبل تكرارها ثلاثًا أو مرَّتين على الخلاف. ثمَّ هي لا تخلو من حالين: إمَّا أن يكون متميزًا (٦) أو غيرَه. فقال: (فَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا؛ بَعْضُهُ ثَخِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ؛ فَحَيْضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ)، ما لم يَزِدْ (٧) على أكثر الحيض، ولم ينقص (٨) عن أقلِّه، قال ابن تميم: ولا ينقُص غيره عن أقل الطهر؛ لما روت عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيش فقالت: يا رسول الله! إنِّي أُستحاض فلا أَطهرُ،

стр. 464

أفأدع الصَّلاة؟ فقال: «إنَّما ذلك عِرْق، وليس بالحَيضة، فإذا أقبلت الحَيضة فدعي الصَّلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدَّم، وصلِّي» متَّفق عليه (١)، وفي لفظ للنَّسائي: «إذا كان الحيض فإنَّه أسودُ يُعرف، فأمسكي عن الصَّلاة، وإذا كان الآخَر فتوضَّئي وصلِّي؛ فإنَّما هو دَمُ عِرْقٍ» (٢)، ولأنَّه خارج من الفرْج يوجِب الغسل، فرجع إلى صفته (٣) عند الاشتباه؛ كالمَنِيِّ والمَذْيِ. وظاهره: أنَّها إذا عرفت التمييز؛ جلسته من غير تكرار، وهو ظاهر كلام أحمد والخِرَقِيِّ (٤)، واختاره ابن عقيل؛ لأنَّ معناه أن يتميَّز (٥) أحد الدَّمَينِ عن الآخَر في الصِّفة، وهذا يُوجَد بأوَّل مرَّة. والتَّمييز يحصل بأحدِ أمورٍ ثلاثةٍ، واعتبر أبو المعالي اللَّون فقط، فالأسود أقوى، ثمَّ الأحمر، ثمَّ الأشقر، وكَرِيه الرائحة أقوى، والثخين أقوى من الرقيق، فإن تعارضت الصِّفات؛ فذكر بعض الشَّافعيَّة: أنَّه (٦) يرجَّح بالكثرة، فإن استوت، رجِّح بالسَّبق. (وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ)، فيصير حُكمُها حُكمَ الطَّاهرات؛ لما ذكرناه، فتغتسل عند انقطاع الأوَّل وتصوم، وتتوضَّأ لكلِّ صلاة كما يأتي. تنبيه: تقدَّم أنَّ دلالة التَّمييز لا تحتاج إلى تكرار. وقال القاضي وأبو الحسن (٧) الآمِدِيُّ: تجلس المميِّزةُ (٨) من التَّمييز ما تكرَّر.

стр. 465

فعلى هذا: إذا رأت في كلِّ شهر خمسةً أحمرَ، ثمَّ خمسةً أسود، ثمَّ أحمر، واتَّصل؛ جلست زمان الأسود، وهل تجلسه في الشهر الثَّاني أو الثالث أو الرابع؟ يخرَّج على الخلاف (١). ولا يُعتبر ألا تزيد (٢) مدَّة الدَّمَينِ على شهر في وجه، فلو رأت عشرةً أسود، ثمَّ ثلاثين أحمرَ؛ فحيضها زمن الأسود. وفي آخر: متى زادت مدَّتهما على شهر؛ بطلت دلالة التَّمييز، ولا يلتفت إلى الأسود. فإن نقص التَّمييز عن الأكثر؛ فطهرها بعده إلى الأكثر مشكوكٌ فيه، تفعل فيه كالمعتادة، ولا قضاء عليها. وهل يباح وطؤها؟ فيه روايتان. قال ابن تميم: (والصَّحيح أنَّه طهر بيقين، فإن رأت ستَّة عشر يومًا أحمرَ، ثمَّ باقي الشَّهر أسود؛ فحيضها زمن الأسود في الأصحِّ. والثَّاني: تجلس من الأحمر يومًا وليلةً، ثمَّ تجلس الأسود. ومتى بطلت دلالة التَّمييز، فهل تجلس ما تجلسه منه، أو من أول الدَّم؟ فيه وجهان. وعنه: لا تسقط دلالة التَّمييز وإن عبر الأكثر). قال ابن تميم: (فعلى هذا؛ ينبغي ألا تجلس زيادة على الأكثر، وتأوَّلها القاضي). (وَإِنْ (٣) لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا؛ قَعَدَتْ مِنْ (٤) كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيْضِ) في ظاهر

стр. 466

المذهب، واختاره الخِرَقِيُّ وابن أبي موسى والقاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لما رُوِي أنَّ حَمْنةَ بنت جحش قالت: يا رسول الله إنِّي أُستحاض حَيضةً شديدةً كبيرةً، قد (١) منعتني الصَّوم والصَّلاة، فقال: «تحيَّضي في علم الله ستًّا أو سبعًا، ثمَّ اغتسلي (٢)» رواه أحمد وغيره (٣)، وعملًا بالغالِب، ولأنَّها تُرَدُّ إلى غالِب الحيض وقتًا، فكذا قدْرًا (٤). فعلى هذا؛ تجتهد في السِّت والسَّبع. وقيل: تخيَّر. وتُفارق المبتدأة في جلوسها الأول: من حيث إنَّها أوَّل ما ترى الدَّم ترجو انكشاف أمرها عن قرب، ولم يتيقَّن لها دم فاسد، وإذا علم استحاضتها؛ فقد اختلط الحيض بالفاسد يقينًا، وليس قرينة، فلذلك رُدَّت إلى الغالِب؛ عملًا بالظَّاهر. (وَعَنْهُ: أَقَلَّهُ)، اختارها أبو بكر، وابن عقيل في «التَّذكرة»؛ لأنَّه اليقين، وكحالة الابتداء. (وَعَنْهُ: أَكْثَرَهُ)، اختاره (٥) في «المغني»؛ لأنَّه زمان الحيض، فإذا رأت الدَّم فيه جلسته كالمعتادة. (وَعَنْهُ: عَادَةَ نِسَائِهَا؛ كَأُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا)؛ لأنَّ الغالب شبهها بهنَّ، وقياسًا على المهر، وتُقدَّم القُربى فالقُربى. فإن اختلفتْ عادتُهنَّ؛ جلست الأقل. وقيل: الأكثر. وقيل: تتحرَّى.

стр. 467

فإن عُدِم الأقاربُ؛ اعتُبر الغالب، زاد ابن حمدان: من نساء بلدها. (وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ) في «هدايته» وتبعه في «الكافي»، (فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ): الأولى: أنَّها تجلس الأقلَّ؛ لأنَّه اليقين. والثَّانية: تجلس سِتًّا أو سَبْعًا؛ لأنَّه الغالب. والثَّالثة: تجلس عادة نسائها؛ لأنَّ الظَّاهر شبهها بهن. والرَّابعة: تجلس ما تراه من الدَّم ما لم يُجاوِزْ أكثرَه؛ قياسًا على أقلِّه. ولمَّا فرغ من الكلام على المستحاضة المبتدَأة؛ شرع في أقسام المستحاضة المعتادة، ولها أربعة أحوال فأشار بقوله: (إِنِ (١) اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ)، وهي التي تعرِف شهرَها ووقت حيضها منه وطُهرِها، وشهرُها عبارة عن المدَّة التي ترى فيه حيضًا وطُهرًا، وأقلُّه أربعةَ عشرَ يومًا على المذهب، وغالِبُه الشَّهرُ المعروفُ؛ (رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا) إلى القسم الأول، وهي ما إذا كانت ذاكِرَةً لعادتها، وهي غير متميِّزة، أو يكون (٢) الدَّم الذي يصلح للحيض ينقص عن أقلِّه، أو يزيد على أكثره، فهذه تجلس قدر عادتها، ثمَّ تغتسل بعدها، وتتوضَّأ (٣) لوقت كلِّ صلاة وتصلِّي (٤)؛ لقول النبي ﷺ : «دعي الصَّلاة قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها، ثمَّ اغتسلي وصلِّي» متَّفق عليه (٥). واعلم أنَّ العادة على ضربين: متَّفِقة، ومختلِفة.

стр. 468

فالمتَّفقة: أن تكون أيَّامًا متساوية؛ كسبعة في كل شهر، فإذا استحيضت؛ جلستها فقط. والمختلفة قسمان: إمَّا أن تكون (١) على ترتيبٍ، مثل أن ترى في شهر ثلاثةً، وفي الثَّاني أربعةً، وفي الثَّالث خمسةً، ثمَّ تعود إلى مثل ذلك، فهذه إذا استُحيضت في شهر، فعرفت ترتُّبه؛ عملت عليه، وإن نسيت ترتُّبه؛ جلست الأقل (٢)، وهو ثلاثةٌ، ثمَّ تغتسل، وتصلِّي بقيَّة الشَّهر. وإن علمت أنَّه غير الأوَّل (٣)، وشكَّت هل هو الثَّاني أو الثالث؟ جلست أربعةً؛ لأنَّها اليقين، ثمَّ تجلس في الشَّهرين الأخيرين ثلاثةً ثلاثةً، وفي الرَّابع أربعةً، ثمَّ تعود إلى الثَّلاثة كذلك أبدًا. ويكفيها غسل واحد عند انقضاء المدَّة التي جلستها كالنَّاسية (٤)، وصَحَّح في «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه يجب عليها الغُسل أيضًا عند مُضِيِّ أكثرِ عادتِها. وإمَّا أن يكون على غير ترتيب، مثل أن تحيض في شهرٍ ثلاثةً، وفي الثَّاني خمسةً، وفي الثَّالث أربعةً، فإن أمكن ضبطُه بحيث لا يختلف فهو كالأوَّل، وإن لم يمكن ضبطه؛ جلست الأقلَّ من كل شهر، واغتسلت عقيبه. وذكر ابن عقيل: أنَّها تجلس أكثر عادتها في كل شهر؛ كالنَّاسية للعدد. وبعَّده المؤلِّف رحمه الله تعالى؛ إذ فيه أمرها بترك الصَّلاة، وإسقاطها عنها مع يقين

стр. 469

الوجوب، بخلاف النَّاسية؛ فإنَّا لا نعلم عليها صلاة واجبةً يقينًا، والأصل بقاء الحيض. ثمَّ أشار إلى الثَّاني، وهو (١) إذا اجتمعت العادة والتَّمييز بقوله: (وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً (٢)؛ أي: تقدِّم العادة عليه في ظاهر كلام أحمد وأكثر الأصحاب، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روت أم حَبِيبةَ: أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ عن الدم (٣) فقال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثمَّ اغتسلي وصلِّي» رواه مسلم (٤)، وهو عامٌّ في كلِّ مستحاضة، ولأنَّ العادة أقوى؛ لكونها لا تَبطُل دلالتُها بخلاف اللَّون؛ فإنَّه إذا زاد على أكثر الحيض؛ فإنَّه تبطل دلالته. (وَعَنْهُ: تُقَدِّمُ (٥) التَّمْيِيزَ) على العادة بشرطه، (وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ)، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لقوله ﵇ لفاطمةَ: «فإنَّه أسود يُعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصَّلاة» (٦)، ولأنَّ صفة الدَّم أَمَارةٌ قائمةٌ به، والعادة بخلافه، ولأنَّه خارج يوجب الغسل، فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمنِيِّ وغيره. وظاهره: لا فرق بين أن يكون أكثر من العادة أو أقل، ويصلح أن يكون حيضًا، فلو اتَّفقت العادة والتَّمييز؛ عمل بهما. ويتفرَّع على الخلاف مسائل: منها: إذا كان حيضها خمسة أيَّام في كل شهر، فاستُحيضت، وصارت

стр. 470

ترى ثلاثة (١) دمًا أسودَ في أوَّلِ كل شهر؛ فمن قدَّم العادة قال: تجلس الخمسة كما كانت قبل الاستحاضة، ومن قدَّم التَّمييز قال: تجلس الثَّلاثةَ التي فيها الأسود في الشَّهر الثَّاني. ومنها: إذا كان حيضها سبْعًا من أول كل شهر، فاستُحيضت، وصارت ترى سبعةً أسودَ، ثمَّ يصير أحمرَ ويتَّصل؛ فالأسود حيض عليهما؛ لموافقته (٢) العادة والتَّمييز. وإن رأت مكان الأسود أحمرَ، ثمَّ صار أسودَ وعَبَر؛ سقط حكم الأسود؛ لعبوره أكثر الحيض، وحيضها الأحمر؛ لموافقته (٣) العادة. وإن رأت مكان العادة أحمر، ثمَّ رأت خمسةً أسودَ، ثمَّ صار أحمرَ واتَّصل؛ فمن قَدَّم العادةَ أجلسها أيَّامها، ومن قدم التَّمييز جعل الأسود وحده حيضًا. (وَإِنْ نَسِيَتِ الْعَادَةَ)، هذا هو القسم الثَّالث من أقسام المستحاضة، وهي التي لها تمييزٌ وعادةٌ، وقد أُنسِيَتْها؛ (عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ) بشرطه؛ لما سبق من حديث فاطمة (٤). وظاهره: لا فرق بين أن يكون المتميِّز متَّفِقًا، مثل أن ترى في كل شهر ثلاثةً أسودَ، ثمَّ يصير أحمر ويَعبُر أكثر الحيض، أو مختلِفًا، مثل أن ترى في الأوَّل خمسةً أسودَ، وفي الثَّاني أربعةً، وفي الثَّالث ثلاثةً، أو بالزِّيادة فيهما، فالأسود حيض على كل حال. وظاهره: لا يعتبر فيه تَكرار، وهو كذلك على المذهب، وذكر في

стр. 471

«الرِّعاية» فيها الرِّواياتِ الأربعَ. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ؛ جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيْضِ)، هذا هو القسم الرابع من أقسام المستحاضة، وهي النَّاسية للعادة ولا تمييز لها (١)، ولها ثلاثة أحوال: أحدُها: أن تكون ناسية لوقتها وعددها، وهذه تسمَّى المتحيِّرةَ؛ لأنَّها قد تحيَّرت في حيضها، وحكمها: أن تجلس غالِب الحيض في ظاهر المذهب، اختاره الخِرَقِيُّ، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه غيرُ واحد؛ لحديث حَمْنةَ بنت جَحْش (٢)، ولأنَّه لم يستفصلها هل هي مبتدَأة أو ناسية؟ ولو افترق (٣) الحال لسألها، وكونها ناسية أكثر، فإن حمنةَ امرأةٌ كبيرةٌ، قاله أحمد (٤)، ولم يسألْها عن تمييزها ولا عادتها، فلم يبقَ إلَّا أن تكون ناسيةً. فعلى هذا؛ إن كانت تعرف شهرَها؛ جلست ذلك منه؛ لأنَّه عادتها، فترد إليها كما ترد المعتادة إلى عادتها، إلَّا أنَّه متى ما كان شهرُها أقلَّ من عشرين يومًا؛ لم تَجلس منه أكثر من الفاضِلِ عن ثلاثةَ عشرَ يومًا أو خمسة عشر؛ لئلا (٥) ينقص الطهر عن أقلِّه. وإن لم تعرف شهرَها؛ جلست من الشهر المعتاد؛ للخبر، ولأنَّه غالب عادات النساء، فالظَّاهر أنَّه حيضها. وتجتهد في الست والسبع، فما غلب على ظنِّها جلسته، صحَّحه في «المغني» وغيره. وذكر القاضي في موضع: أنَّها تُخيَّر بينهما؛ كالوطء فيه، يتخيَّر في (٦)

стр. 472

التَّكفير بين دينار ونصفه؛ لأنَّ «أو» للتَّخيير. وأجيب عنه: بأنَّها قد تكون للاِجتهاد؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محَمَّد: ٤]، و «إمَّا» ك «أو» (١). ولم يتعرَّض لوقت إجلاسها، وفيه وجهان، والأشهر: أنَّه من أول كل شهر. (وَعَنْهُ: أَقَلَّهُ)؛ لأنَّه اليقين، وما زاد مشكوكٌ فيه، فلا تَدَعُ العبادةَ لأجله، وجعله في «الكافي» مخرَّجًا، وليس كذلك، بل هو منصوصٌ عليه (٢). (وَقِيلَ: فِيهَا الرِّوَايَاتُ الْأَرْبَعُ)، لو اقتصر في حكاية هذا القول على الرِّوايتَين الأخيرتَين لكان أولى، ولهذا قال القاضي: يتخرَّج فيها الرِّوايتان الأخيرتان كالمبتدَأة؛ لأنَّ بنسيان (٣) العادة صارت عادِمةً لها، فهي كمن عدمت العادةَ، وهما (٤): تجلس عادةَ نسائها، أو الأكثر، والمشهور: انتفاؤهما. وظاهِرُه: أنَّ استحاضتها لا تحتاج إلى تكرار، وهو الأصحُّ. وحكى القاضي وجهًا: أنَّها لا تجلس شيْئًا، بل تغتسل لكلِّ صلاة، وتصلِّي وتصوم، ويُمنع الزَّوج من وطئها، وتقضي الصَّوم الواجِبَ. (وَإِنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا، وَنَسِيَتْ (٥) مَوْضِعَهَا)، هذا هو الحال الثَّاني من أحوال النَّاسية، وهي تنقسم قسمين: أحدهما: أن تعلمَ العددَ، ولا تعلمَ الوقت أصلًا، مثل أن تعلم أنَّ حيضها خمسة أيَّام - مثلًا - من النِّصف الأوَّل؛ (جَلَسَتْهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ)

стр. 473

هِلالِيٍّ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، اختاره الأكثر، وجزم به في «الوجيز»، ولم يفرِّقوا؛ لأنَّه ﵇ جعل حيض حَمْنة من أوَّل الشَّهر، والصَّلاة في بقِيَّته، ولأنَّ دم الحيض جِبِلَّةٌ، والاِستحاضةَ عارِضةٌ، فإذا رأته وجب تغليبُ دم الحيض. وقيل: تجلس في (١) تمييز لا يعتد به إن كان؛ لأنَّه أشبه بدم الحيض، وهو ظاهر كلام ابن تميم. (وَفِي الآخَرِ: تَجْلِسُهَا بِالتَّحَرِّي)، قيل: هو الصواب، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّه ﵇ ردَّها إلى الاجتهاد في العدد، فكذا في الوقت، ولأنَّه لا أثر للهلال في أمر الحيض بوجه. وذكر المَجْدُ وغيرُه: إن ذكرت أوَّلَ الدَّم؛ كمعتادة انقطع حيضها أشهرًا، ثمَّ جاء الدَّم خامس يومٍ من الشَّهر مثلًا، واستمر، وقد أُنْسِيَت العادة؛ فالوجهان الأخيران. والثَّالث: تجلس مجيء الدَّم في خامِس كلِّ شهر، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنَّه ﵇ أمر حَمْنةَ ابتداءً بجلوس سِتٍّ أو سبع، ثمَّ تصوم وتصلِّي ثلاثًا وعشرين أو أربعًا وعشرين (٢)، وقال: «فافعلي في كلِّ شهر كما تحيض النِّساء، وكما يَطْهُرْنَ» (٣)، وليس حيضُ النساء عند رؤوس الأهلَّة غالبًا. ومتى تعذَّر التَّحرِّي، بأن يتساوى عندها الحال، ولم تَظُنَّ شيئًا، أو تعذَّر الأوَّليَّة؛ عمِلت بالآخَر. وقال ابن حامد والقاضي: إذا علِمت قدرَ عادتِها وجهِلت موضعَها، بأن قالت: حيضتي أحد أعْشار الشَّهر؛ فإنَّها لا تترك الصَّوم ولا الصَّلاة، وعليها

стр. 474

أن تغتسل كلَّما مضى قَدْرُ عادتها، ويمنع وطؤها، وتقضي من الصَّوم الواجب بقدرها، وكذا الطَّواف. وعنه: لا تجلس شيئًا. (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ حَيْضِ مَنْ لَا عَادَةَ (١) وَلَا تَمْيِيزَ)، يعني: أنَّ فيهما الوجهيْن اللَّذين ذكرهما؛ لأنَّ من لا عادة لها ولا تمييز تشارك من نسيت موضع حيضها في تعذُّر الجلوس في زمن محقَّقٍ، فوجب أن يثبت لها كحكمها؛ لأنَّ الاشتراك يوجب المساواة. وفيها (٢) وجوهٌ أُخَرُ. والمذهب كما جزم به في «الوجيز»: أنَّها تجلس في أول الشهر. (وَإِنْ عَلِمَتْ أَيَّامَهَا فِي وَقْتٍ مِنَ الشَّهْرِ؛ كَنِصْفِهِ الْأَوَّلِ)، هذا هو القسم الثَّاني، وهي أن تعلم أنَّها كانت تحيض أيَّامًا معلومةً من العشر (٣) الأُولِ؛ (جَلَسَتْهَا)؛ أي: الأيَّامَ (فِيهِ)؛ أي: من (٤) ذلك الوقت دون غيرِه؛ لأنَّ ما عداه طُهْرٌ بيقين؛ (إِمَّا مِنْ أَوَّلِهِ) وصحَّحه جمْعٌ، (أَوْ بِالتَّحَرِّي، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ) المتقدِّمِ ذكرُهما فيمن نسيت موضع حيضها. ثمَّ اعلم: أنَّه لا يخلو عددُ أيامها؛ إمَّا أن يكون زائدًا على نصف ذلك الوقت، أو يكون نصفَ المدَّة فأقلَّ. أمَّا الأول (٥): فإنَّك تضمُّ الزَّائد إلى مثله ممَّا قبله، فهو حيض بيقين، فإذا قالت: حيضتي سبعة أيَّام من العشر الأول، فقد زادت يومين على نصف

стр. 475

الوقت، فتضمُّها إلى مثلها، فيصير لها أربعة أيَّام حيضًا بيقين، وهي من أوَّل الرَّابع إلى آخر السَّابع، ويبقى لها ثلاثة أيام تجلسها من أوَّل العشر. أو بالتَّحرِّي، فيكون ذلك حيضًا مشكوكًا فيه، وحكمه كالمتيقَّن في ترك العبادات، ويبقى لها ثلاثةٌ طهرًا مشكوكًا فيه، حكمه كالمتيقَّن في وجوب العبادات، وسائر الشَّهر طهر. وأمَّا الثَّاني: فليس لها حيض بيقين؛ لأنَّها متى كانت تحيض خمسة أيَّام؛ احتمل أن تكون الخمسة الأولى، وأن تكون الثَّانية، وأن تكون بعضها من الأولى وباقيها من الثَّانية، فحينئذ تجلسها على الخلاف. ولا يُعتبر التَّكرارُ في الثَّانية، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّها عرفت استحاضتها في الشَّهر الأوَّل، فلا معنى للتَّكرار. (وَإِنْ عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا، وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ)، هذا هو الحالُ الثَّالثُ من أحوال النَّاسية، وهي النَّاسية (١) لعددها دون وقتها؛ (جَلَسَتْ فِيهِ)؛ أي: في ذلك الموضع دون غيره، كمن تعلم أنَّ حيضها في العشر الأول، فهي في (٢) قدر ما تجلسه كالمتحيِّرة، فإنَّها تجلس (غَالِبَ الْحَيْضِ أَوْ أَقَلَّهُ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ) المنصوصتَين، والأكثر وعادة نسائها على المخرَّجتين (٣). والصَّحيح: أنَّها تجلس الغالب من العشر. وهل هو من أوَّله أو بالتَّحرِّي؟ على الخلاف. فإذا علمت ابتداءه؛ بأن قالت: حيضي كان من أول يوم من الشهر؛ فذلك اليوم حيض يقينًا، فإن قلنا برواية الأقلِّ؛ لم تزد عليه، وإن قلنا

стр. 476

بالغالب؛ جلست تمامه من النِّصف الأوَّل، فيكون حيضًا مشكوكًا فيه، وبقيَّة النِّصف طهرٌ مشكوكٌ فيه. وقال القاضي في شرحه: تغتسل عقيب اليوم، ثمَّ تغتسل لكل صلاة إلى الخامس عشر، ولا يأتيها زوجها، ثمَّ تتوضَّأُ لكل صلاة إلى آخر الشَّهر. وإن علمت آخره؛ بأن قالت: كان آخر حيضي مع آخر الشَّهر، ولا أعلم أوَّله؛ فاليوم الأخير (١) حيض بيقين، ويكتفى به على الأقلِّ، وعلى الغالب تضيف إليه من النِّصف الأخير (٢) تمام ستٍّ أو سبع، فيكون حيضًا مشكوكًا فيه، وبقيَّة النِّصف طهرًا مشكوكًا فيه. وقال القاضي: من (٣) أوَّل النِّصف الثَّاني إلى التَّاسع والعشرين؛ طهرٌ مشكوكٌ فيه، تصوم (٤) وتُصلِّي، وتقضي الصَّوم، وتتوضَّأ لكلِّ صلاة من غير غسل، ولا يقربها زوجها. وإن جهلت طرفي حيضها؛ بأن قالت: كنتُ أوَّلَ يوم من الشَّهر حائضًا لا أعلم هل هو طرف الحيضة أو وسطها، ولا أعلم هل هو كلُّها أو بعضها؛ فاليوم الأوَّل حيض يقينًا، والسادس عشر طهر يقينًا، وبقية النِّصف مشكوكٌ فيه؛ فعلى الأقلِّ (٥) تجلسه فقط، وعلى الغالب تضيف إليه تمام ستٍّ أو سبع، إن قلنا: تجلس من أوَّل الشَّهر أو بالتَّحرِّي. مسألة: إذا ذكرت النَّاسيةُ عادتَها؛ رُدَّت إليها، والمعتادة كما تقدَّم: من علمت أيَّام حيضها وطهرها، فإن جهلتهما، أو الطُّهرَ وحدَه؛ رُدَّت إلى الشَّهر الهلالي؛ عملًا بالغالِب، ولأنَّ تركها لعارض النِّسيان، وقد زال.

стр. 477

وإن تبيَّن أنَّها تركت الصَّلاة في (١) غير عادتها؛ لزِمها إعادتها، وقضاء ما فعلته من الصَّوم الواجب ونحوه في (٢) عادتها. (وَإِنْ (٣) تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ)؛ مثل أن يكونَ حيضُها خمسةً من كل شهر؛ فتصير سِتَّةً ونحوه، (أَوْ تَقَدُّمٍ)؛ مثل أن تكون عادتها من أول الشَّهر ستَّة فتصير يومين من الشَّهر السَّابق، وأربعة من الثَّاني، وهو الذي تحيض فيه، (أَوْ تَأَخُّرٍ)؛ مثل أن يكون حيضها خمسة من أول الشَّهر فتصير خمسة في ثانيه، (أَوِ انتِقَالٍ)؛ مثل أن يكون حيضُها الخمسةَ الأُوَلَ، فيصيرُ الخمسةَ الثَّانية، لكن لم يذكره في «المحرَّر» و «الوجيز» ولا «الفروع»؛ لأنَّه في معنى ما تقدَّم؛ (فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى مَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ) نصَّ عليه (٤)؛ لقوله ﵇: «اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» رواه مسلم (٥)، ولأنَّ لها عادة، فتردُّ إليها كالمستحاضة، وتصوم وتصلِّي في الخارج عن العادة، ولا يأتيها زوجها؛ لاحتمال أن يكون حيضًا، فيجب ترك وطئها احتياطًا كما وجبت العبادة احتياطًا، لكنَّها تغتسل عَقيب العادة وعند انقضاء الدَّم؛ لاحتمال أن يكون حيضًا كما قلنا في المبتدَأة. وعنه: لا يجب الغسل عَقيب الخارج عن العادة. وفي «الرِّعاية»: لا يجب الغسل على الأصحِّ لما زاد عن العادة إن اعتبر تكراره، ولم يعبُرْ أكثرَ الحيض. وفي كراهة الوطء فيه وجهان.

стр. 478

وعلى ما ذكره؛ إن ارتفع حيضُها ولم يَعُدْ، أو يئست قبل التَّكرار؛ لم تقض. (حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا)، جزم به في «الوجيز»، وهو الأشهر، فعلى هذا تجلس في الشَّهر الرَّابع، (أَوْ مَرَّتَيْنِ)، فتنتقل في (١) الشَّهر الثَّالث، وقيل: الثَّاني، (عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ)، نقلهما عنه الفضل بن زياد (٢). فعليها: إذا تكرَّر صارَ عادةً، وأعادت ما فعَلَتْه من الصِّيام والطَّوافِ الواجبِ، لكن قال ابن تميم: في وجوب إعادته قبل التَّكرار وجهان. وعن أحمد: الزَّائد لا يحتاج إلى تكرار وحده (٣). وظاهره: أنَّ العادة لا تثبت بمرَّة، زاد في «الرِّعاية» على الأصحِّ، وقيل: إلَّا في التَّمييز. (وَعِنْدِي: أَنَّهَا تَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ)، قال ابن تميم: وهو أشبه، وحكاه في «الرِّعاية» قولًا، وفي «المستوعب» رواية وش (٤)؛ لأنَّ النِّساء كنَّ (٥) يبعثن إلى عائشة بالدُّرجة فيها الصُّفرة والكُدرة، فتقول: «لا تعجلْنَ حتَّى تَرَيْن القَصَّةَ البيضاءَ» رواه مالك (٦)، ومعناه: لا تعجَلن بالغسل، ومعنى

стр. 479

القَصَّة: أن تدخلَ القطنة في فرجها فتخرج بيضاء نقية، وقال أحمد: (هو ماء أبيض يتبع الحَيضة) (١)، ولم يقيِّده بالعادة، فالظَّاهر: أنهنَّ كن يعددن ما يرينه من الدم حيضًا من غير افتقار (٢) عادة، والظَّاهر أنهنَّ جرين على العرف في اعتقاد ذلك حيضًا، ولم يرد من الشرع تغييره، وذلك أنَّه أجلسنا المبتدأة من غير سبق عادة، ورجعنا في أكثر أحكام الحيض إلى العرف. (وَإِنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا؛ اغْتَسَلَتْ، وَصَلَّتْ)، وصامَت؛ لقول ابن عباس (٣): «أمَّا ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل» (٤). وظاهره: أنَّه لا فرق بين قليل الطهر وكثيره، ونقله في «الشرح» عن الأصحاب، لكن أقل الطهر في (٥) خلال الحيض: ساعة، فلو كان النقاء أقل منها؛ فقال في «الكافي» و «الشرح»: (الظَّاهر أنَّه ليس بطهر). وعن أحمد: أقله يوم، صحَّحه المؤلف وابن تميم وابن حمدان؛ لأنَّ الدم يجري تارة، وينقطع أخرى، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعةً؛ حَرَجٌ، فيكونُ منفيًّا، قال في «الشرح» وغيره: (فعلى هذا؛ لا يكون أقل من يوم طهرًا، إلَّا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القَصَّةَ البيضاء)، ولأنَّ الله تعالى وصف الحيض بكونه أذًى، فإذا ذهب الأذى؛ وجب زوال الحيض. وظاهره: إباحة وطئها. وعنه: يكره، وخرَّجه القاضي وابن عقيل على الخلاف في المبتدَأة، وأنَّه لا قضاء عليها فيما فعَلَتْه فيه من صوم واجب

стр. 480

ونحوِه إذا عاوَدَها في العادة على الأصحِّ. (فَإِنْ (١) عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي العَادَةِ) ولم يتجاوزْها؛ (فَهَلْ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصحُّهما: أنَّها تلتفِت إليه، بمعنى أنَّها تجلِسه؛ لأنَّه صادف زمنَ العادة، أشبه ما لو استمر (٢). والثَّانية: لا تلتفِت إليه حتَّى يتكرر، اختاره ابن أبي موسى، وهو ظاهر (٣) الخرقي، قال أبو بكر: هو الغالب في الرِّواية عن أبي عبد الله؛ لأنَّه عاد بعد طهر صحيح، أشبه ما لو عاد بعد العادة، فعليها: حكمه حكم ما لو عاد بعدها. وعنه: مشكوكٌ فيه، كدَم نفساءَ عادَ. فعلى الأولى؛ إذا عاد في العادة وغيرها، ولم يجاوز أكثرَ الحيض فأوجه: أحدها: الجميعُ حيضٌ. والثَّاني: ليس بحيض حتَّى يتكرر. والثالث: ما في العادة حيضٌ، وما زاد ليس بحيض حتَّى يتكرر (٤)، فإن جاوز أكثرَه فمستحاضةٌ؛ لأنَّ بعضَه ليس بحيض، فيكون كلَّه استحاضَةً لاتصاله به، وانفصاله عن الحيض. ولم يتعرَّض المؤلف لعودِه بعدَ العادة، وهو ينقسم إلى قسمين: تارةً يتعذَّر كونُه حيضًا، وهو إذا عبَرَ أكثرَه، وليس بينه وبين الدم الأوَّل أقلُّ الطُّهرِ، فيكون استحاضةً ولو تكرَّر.

стр. 481

وتارة يمكن كونُه حَيضًا، وذلك في حالين: أحدهما: أن يكون بضَمِّه إلى الدم الأوَّل لا يكون بين طَرَفَيْها أكثر من خمسة عشر يومًا، فإذا تكرَّر جعلناهما حيضة واحدة تلفق أحدهما إلى الآخر، ويكون الطهر الذي بينهما طهرًا في خلال الحيضة، كما لو كانت عادتها عشرة أيام من أوَّلِ الشهر، فرأت منها خمسة دمًا، وطهُرت خمسةً، ثمَّ رأت خمسة دمًا، فلو رأت الثَّاني ستة أو أكثر، امتنع ذلك لما ذكرناه. والثَّاني: أن يكون بينهما أقلُّ الطهر، وكل من الدَّمَيْن يصلُح حيضًا بمفرده؛ كيوم وليلة فصاعدًا؛ فهذا إذا تكرَّر يكون الدَّمان حَيْضَتَين، وإن نقص أحدهما عن أقلِّ الحيض؛ فهو دم فساد. (وَالصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ) - وهي شيءٌ كالصَّديد يعلوه صُفرة وكُدرة - (فِي أَيَّامِ الحَيْضِ) أي: زَمَن العادة؛ (مِنَ الحَيْضِ)؛ لدخولهما في عموم النص؛ ولقول عائشة (١). وظاهره: أنَّه إذا رأته بعد العادة والطهر؛ أنَّها لا تلتفت إليه، نصَّ عليه (٢)؛ لقول أم عطية: «كُنَّا لا نَعُدُّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيْئًا» رواه أبو داود، والبخاري ولم يذكر: «بعد الطهر» (٣). وعنه: بلى إن تكرَّر؛ لقول أسماء (٤)، واختاره جماعة.

стр. 482

وشرط آخرون: اتِّصالها بالعادة. ثم شرع في بيان التلفيق فقال: (وَمَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا (١)، ويَوْمًا طُهْرًا)، وكذا في «المحرر» و «الوجيز»، وذكر في «الشرح»: لا فرق بين كون زمن الدم مثلَ زمن الطُّهر أو أكثرَ أو أقَلَّ، فلو رأت نصفَ يومٍ دمًا، ونصفَه طُهرًا، أو ساعة وساعة، فقال الأصحاب: هو كالأيام في الضِّمِّ إذا بلغَ المُجتمِعُ أَقَلَّ الحيضِ، ولهذا في «الفروع»: (ومن رأت دمًا متفرِّقًا يبلغ مجموعه أقل الحيضِ)؛ (فإنَّها تَضُمُّ الدَّمَ إِلَى الدَّمِ فَيَكُونُ حَيْضًا)، فتجلسُه؛ لأنَّه أمكنَ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ من الدَّم حيضةً ضرُورةَ أنَّ أقل الطهر بينهما ثلاثة عشر أو خمسة عشر يومًا، فتعيَّن الضم؛ لأنَّه دم في زمن يصلُح كونُه حيضًا، أشبه ما لو لم يفصِل بينهما طهر، (وَالْبَاقِي) أي: النَّقاء؛ (طُهْرًا)؛ لما تقدم من أنَّ الطهر في أثناء الحيضة صحيح، فتغتسل في زمانه، وتصلِّي؛ لأنَّه طُهر حقيقةً، فيكون حُكمًا، وشرطُه: ألا يجاوِز مجموعُهما أكثرَ الحيضِ. وعنه: أيامُ الدَّم والنقاءِ حيض. وفيه وجه: لا تجلس ما ينقص (٢) عن الأقلِّ إلَّا أن يتقدم ما يبلغ الأدنى (٣) مُتَّصِلًا. ومتى انقطع قبل بلوغ الأقل؛ ففي وجوب الغُسل إذَن وجهان. (إلَّا أَنْ يُجَاوِزَا (٤) أي: يَعْبُرَا (٥) (أَكْثَرَ الحَيْضِ)، مثلَ أن تَرى يومًا دمًا

стр. 483

ويومًا طُهرًا إلى ثمانيةَ عشرَ؛ (فَتَكُونُ مُسْتَحَاضَةً)؛ لقول علي ﵁ (١). وقال القاضي فيمن لا عادة لها: طهرها في السادس عشر يمنع (٢) كونَها مستحاضةً في زمن الأكثر، فتجلس ما تراه من الدم فيه إذا تكرَّر. والأوَّل أصحُّ، فعلى هذا: إن كانت معتادة بغير تمييز؛ جلست ما تراه في زمن عادتها في الأصحِّ، والثَّاني: تجلس قدرَ العادة أو ما أمكنَ منها في زمنِ الأكثر، قال ابن تميم: (والوجهان فرع على قولنا: الطهر في (٣) العادة لا يَمنَعُ ما بعدَها أن يكون حيضًا، فإن قلنا: يمنع، لم تجلس غير الدم الأول). فإن نقص عن أقله، فقال في «المغني»: يضم إليه مما (٤) بعده ما يبلغ به الأقل، ومنع منه آخرون، وأنَّه لا حيض لها، قال ابن تميم: (وهو أظهر). وإن كانت عادتها بتلفيق؛ جلسَت على حسَبِها، وإن لم تكن (٥) لها عادة، ولها تمييز صحيح؛ جلسَت زمنَه. فإن لم يكونا، فإن قلنا: تجلس الغالب، فهل تلفِّق ذلك من أكثر الحيض، أو تجلس أيام الدم من الست والسبع؟ وإن قلنا: تجلس الأقل جلسته من أول يوم.

стр. 484

فصل (وَالْمُسْتَحَاضَةُ) هي التي ترى دمًا لا يصلُح أن يكون حيضًا ولا نفاسًا؛ حُكمُها حكمُ الطَّاهراتِ في وجوبِ العباداتِ وفِعلِها؛ لأنَّها نجاسةٌ غيرُ مُعتادَةٍ، أشبهت سَلَسَ البَولِ، (تَغْسِلُ فَرْجَهَا)؛ لإزالة ما عليه من الدَّم، (وتَعْصِبُهُ) بما يمنع الدم على حسبِ الإمكان من حَشْوٍ بقطن (١)، أو شَدٍّ بخِرقةٍ طاهرةٍ مَشقُوقةِ الطَّرفين؛ لقول حمنة (٢): «أنعَتُ لكِ الكُرسُف - يعني: القطن - تحشين به المكان»، قالت: إنَّه أكثر، قال: «فتلجمي» (٣). وظاهره: ولو كانت صائمة، لكن يتوجه أن تقتصر على التعصيب فقط (٤). والأصحُّ: أنَّه لا يلزمها غسل الدم، وإعادة شدِّه لكل صلاة. فإن خرج الدم بعد الوضوء لتفريطٍ في الشد؛ أعادتِ الوضوءَ؛ لأنَّه حدَثٌ أمكنَ التَّحرُّز منه، وإن خرج لغير تفريط؛ فلا شيء عليها. (وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لفاطمة: «توضَّئي لكل صلاة حتَّى يجيء (٥) ذلك الوقت» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذي وصحَّحه، وفي لفظ قال لها: «توضئي لوقت كل صلاة»، قال التِّرمذي: (حديث حسن صحيح) (٦).

стр. 485

لا يقال: ورد (١) في غالب الروايات: «وتوضئي لكل صلاة»؛ لأنَّه مقيد، فيجب حمله على المقيد به، ولأنَّها طهارة عُذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتَّيمُّم. وظاهره: يجب ولو لم يخرج شيء، وهو ظاهر كلام جماعة، لكن قال في «الشرح» و «الفروع»: (إنَّه لا يجب إذا لم يخرج شيء، نصَّ عليه فيمن به سَلَسُ البول) (٢). وعليه: إذا توضأت قبل الوقت؛ بطل بدخوله كالتَّيمُّم؛ لأنَّه لا حاجة إليه إذَن. واقتضى ذلك: صحَّةَ طهارتِها بعد دخول الوقت، فتنوي استباحة الصَّلاة، لا رفعَ الحدثِ، فإن نوَتْه فقال في «التلخيص»: لا أعلم لأصحابنا فيه قولًا، وقياس المذهب: أنَّه لا يكفي، ولا تعيين النِّيَّة للفرض في ظاهر كلامهم. (وَتُصَلِّي) بوضوئها (مَا شَاءَتْ مِنَ الصَّلَوَاتِ)، أداء كانت (٣) أو قضاء، أو جمعًا أو نذرًا، ما لم يخرج الوقت، كما يجمع بين فرض ونوافل اتفاقًا؛ لأنَّها متطهرة، أشبهت المتيمم. وعنه: يبطل (٤) بدخوله، وهو اختيار المجد. وعنه: لا يجمع به (٥) بين فرضين، أطلقها جماعة، وقيدها في «المحرر»

стр. 486

بوضوء؛ للأمر به لكل صلاة. قال القاضي في «الخلاف»: تجمع بالغسل، لا تختلف الرِّواية فيه، وفي «الجامع الكبير»: تجمع وقت الثَّانية، وتصلي عقب طهرها. وظاهره: أنَّ لها التأخير، فإن أخَّرت لحاجة، وقيل: لمصلحة، وفي «الرعاية»: أو تنفُّل؛ جاز. فإن كان لغير ذلك؛ صلَّت به في وجه، صحَّحه (١) ابن تميم؛ كالمتيمم. وفي آخر: لَا؛ لأنَّه إنَّما أبيح لها الصَّلاة بهذه الطَّهارة مع وجود الحدث للضرورة، ولا ضرورة هنا. ومحل هذا: ما إذا كان دمُها مُستمرًّا، فلو كان لها عادةٌ بانقطاعِه زمنًا يتَّسع للفعل؛ تعيَّن فيه، فإن توضَّأت زمن انقطاعه، ثمَّ عاد؛ بطل (٢). ولو عرض هذا الانقطاع لمن عادتها الاتصال؛ ففي بقاء طهارتها وجهان. وعنه: لا عِبرةَ بانقطاعِ الدَّمِ مع بقاء الاستحاضة (٣) بحالٍ؛ لعَدَم وُرود الشرع به؛ وللمشقَّة، قال في «الشرح»: وهو أولى، وصحَّحه ابن تميم. (وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ والْمَذْيِ وَالرِّيحِ، وَالجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ (٤)، يعني: أنَّ حُكمَ هؤلاء حكمُ المستحاضة؛ لتساويهم معنًى، وهو عدم التَّحرُّز من (٥) ذلك، فوجب المساواة حُكمًا، قال إسحاق بن راهويه: «كان بزيد بن ثابت سَلَسُ البول، وكان يداويه (٦) ما استطاع، فإذا

стр. 487

غلبه صلَّى ولا يبالي ما أصاب ثوبَه» (١)، ولم ير أحمد حشوَ الذكرِ في ظاهر ما نقله عبد الله (٢)، وأنَّه لو احتشى فصلَّى، ثمَّ أخرجه فوجد بللًا، فلا بأس ما لم يظهر خارجًا، ونقل الميموني فيمن به رعاف دائم: أنَّه يحتشي (٣)، ونقل ابن هانئ خلافَه (٤). فإن كان ممَّا (٥) لا يمكن عَصْبُه؛ كالجُرح الذي لا يمكن شدُّه، أو من (٦) به باسور أو ناصورٌ، ولا يُمكن عَصْبُه؛ صلَّى على حسَب حالِه؛ لفعل عمر، رواه أحمد (٧). فإن قدَر على حبسه حال القيام وحدَه؛ ركع وسجد، وأجزأته صلاته،

стр. 488

نصَّ عليه (١)، كالمكان النَّجس. وقال أبو المعالي: يومئ؛ لأنَّ فوات الشرط لا بدَلَ له، قال: ولو امتنعت القراءة، أو لحِقَه السَّلَس إن صلَّى قائمًا؛ صلَّى قاعدًا، قال: ولو كان قام وقعد لم يحبسه، ولو استلقى حبسه؛ صلَّى قائمًا وقاعدًا؛ لأنَّ المستلقيَ لا نظير (٢) له اختيارًا (٣). (وَهَلْ يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ العَنَتِ؟ عَلَى روَايَتَيْنِ): إحداهما: يحرم إلَّا لخوف العَنَتِ، قدَّمه غير واحد، وذكر في «الكافي» و «الفروع» أنَّه قول الأصحاب، قيل (٤): وبعدم الطَّول لنكاح حُرَّة، أو ثمن أَمَة، ذكره في «الرعاية»؛ لقول عائشة: «المستحاضة لا يغشاها زوجها» (٥)؛ ولأنَّ بها أذىً، فحرم وطؤها كالحائض، فإن وطئ أثِم، ولا كفَّارة عليه في الأشهر. والثَّانية: يباح مطلقًا، وهو (٦) قول أكثر العلماء؛ لأنَّ «حمنة كانت تُستحاض، وكان زوجها طلحة بن عبيد الله يجامعُها» (٧)، و «أم حبيبة

стр. 489

تُستحاض، وكان زوجها عبد الرحمن بن عوف يَغشاها» رواهما أبو داود (١)، وللعُموم في حِلِّ الوطء للزوجة، وقد قيل: وطء الحائض يتعدى إلى الولد فيكون مجذومًا. وعنه: يكره. وظاهره: إذا خاف العَنَتَ أو خافَتْه هي، وطلبته منه أبيح له؛ لأنَّ حكمه أخفُّ من حُكم الحيض، ومدَّته تطول. فائدة: لا بأس بشرب دواء مباح لقطع الحيض إذا أُمِن ضرَرُه، نصَّ عليه (٢)، واعتبر القاضي إذن الزوج كالعزل. ويجوز شربه لإلقاء نطفة، ذكره في «الوجيز». ويجوز لحصول الحيض، إلَّا قرب رمضان لتفطره، ذكره أبو يعلى الصغير.

стр. 490

فصل (وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ) - وهو دم يُرخيه الرَّحِم للولادة وبعدَها إلى مدَّة معلومة، وهو بقية الدم الذي احتبَس في مُدَّة الحملِ لأجلِه، وأصلُه لغة من التنفس، وهو الخروج من الجوف، أو نفَّس الله كربته؛ أي: فرَّجها -؛ (أَرْبَعُونَ يَومًا)، هذا هو المذهب، والمختار للأصحاب؛ لما روت مُسَّة (١) الأزدية عن أم سلمة قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا، وكنَّا نطلي (٢) وجوهنا بالورس من الكَلَف» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذي وقال: (لا نعرفه إلَّا من حديث مسة (٣)، وإسناده إليها حسن، وقال الخطابي: (أثنى البخاري على هذا الحديث) (٤)، ومعناه: كانت تُؤمر أن تجلسَ، وإلَّا كان الخبر كذِبًا، مع أنَّه إجماع سابق أو كالإجماع، وقد حكاه إمامُنا (٥) عن عمر (٦)،

стр. 491

وعلي (١)، وابن عبَّاس (٢)، وأنس (٣)، وعثمان بن أبي العاص (٤)، وعائذ بن عمرو (٥)، وأم سلمة (٦)، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم، ومن ثمَّ قال الطحاوي: (لم يقل بالستين أحد من الصَّحابة، وإنَّما قاله من بعدهم) (٧)،

стр. 492

وقال أبو عبيد: (وعلى هذا جماعة الناس) (١)، وقال إسحاق: (هو السُّنَّة المجمع عليها) (٢). وعنه: أكثره ستون؛ اتِّباعًا للوجود. وأول مُدَّتِه من الوضع، إلَّا أن تراه قبل ذلك بيومين أو ثلاثة؛ فإنَّه نفاس، ولا يحسب من المدَّة. وإن خرج بعضٌ؛ فالدم قبل (٣) انفصاله؛ نفاسٌ، يحسب من المدَّة على الأصحِّ. ويثبت حكمه بوضع شيء فيه خلق الإنسان على الأشهر. فعلى المذهب: إن جاوز الدم الأكثر (٤)، وصادفَ عادةَ حيضِها، ولم يجاوز أكثرَه؛ فحيض، وإلَّا فاستحاضةٌ إن لم يتكرر، ولا مدخل لحيض (٥) واستحاضة في مدَّة نفاس. (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ)؛ لأنَّه لم يرد في الشرع تحديدُه، فيُرجع فيه إلى الوجود، وقد وُجد قليلًا عَقِبَ (٦) سَبَبِه، فكان نفاسًا كالكثير. وعنه: أقله يوم. وقال أبو الخطاب: قطرة. وقدم في «التلخيص»: لحظةً. (أَيُّ وقْتٍ رأَتِ الطُّهْرَ؛ فَهِيَ طَاهِرٌ)؛ لانقطاع دم النَّفاس، كما لو انقطع دم الحائض في عادتها، يؤيده ما روت أم سلمة: أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ : كم (٧) تجلس المرأة إذا ولدت، قال: «أربعين يومًا، إلَّا أن ترى الطهر قبل

стр. 493

ذلك» (١)، قال التِّرمذي: (أجمع أهل العلم من الصَّحابة، ومن بعدهم على أنَّ النفساء تدع الصَّلاة أربعين يومًا، إلَّا أن ترى الطهر قبل ذلك) (٢)، وحكى البخاري في «تاريخه»: أن امرأة ولدَت بمكةَ، فلم ترَ دمًا، فلقيت عائشة فقالت: أنتِ امرأة طهرك الله» انتهى (٣). فعلى هذا: لو وَلَدَتْ ولم تر دمًا؛ فهيَ طاهر لا نفاسَ لها، صرَّح به في «المغني» وغيرِه؛ لأنَّ النَّفاس هو الدَّم، ولم يوجد. (تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي)؛ لقول علي: «لَا يَحِلُّ لِلنُّفَسَاءِ إذا رأتْ الطهرَ إلَّا أن تُصليَ» (٤)؛ ولأنَّه حكم بانقضاء نفاسِها، وذلك معلَّقٌ (٥) على مُطلقِ الطُّهر، لكن قال في «الشرح»: (إذا كان أقلَّ من ساعةٍ ينبغي ألا تَلتفِتَ إليه، وإن كان أكثرَ من ذلك، فظاهره أنها تغتسل وتصلي). (وَيُسْتَحَبُّ إلَّا يَقْرَبَهَا زَوْجُهَا فِي الفَرْجِ) بعد طُهرِها وتطهرها (حَتَّى تُتِمَّ الأَرْبَعِينَ) قال أحمد: (ما يعجبني أن يأتيها زوجها على حديث عثمان بن

стр. 494

أبي العاص) (١)، ولأنَّه لا يأمن عود الدَّم في زمنِ الوطء، فيكون واطئًا في نفاسٍ. وفي كراهته روايتان، أصحُّهما: الكراهة؛ لما روى ابن شاهين من حديث معاذ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في النفساء: «لا يأتيها زوجها إلَّا بعد الأربعين» (٢)، قال ابن شهاب العكبري: واحتجَّ أحمد بأنَّه إجماع الصَّحابة (٣). وعنه: لا؛ لأنَّه حُكِمَ بطهارتها. وظاهره: أنَّه لا يحرم، وهو الصَّحيح؛ لأنَّ المانع منه الدم، ولا دم. وعنه: يحرم، ذكرها في «المجرد» (٤)؛ لظاهر قول الصَّحابة. وقيل: مع عدم (٥) العَنَتِ. وفرق القاضي بينه وبين دم المبتدَأة إذا انقطع؛ بأنَّ تحريم النَّفاس آكد؛ لأنَّ أكثرَه أكثرُ من أكثرِ الحيض، فجاز أن يلحَقَه التغليظُ في الامتناع من

стр. 495

الوطء. وفيه نظر. وظاهره: أنَّه (١) يقربها في غير الفرج، وهو كذلك؛ كالحائض. (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الأَرْبَعِينَ)؛ فالنَّقاءُ طُهرٌ على الأصحِّ، (ثُمَّ عَادَ فِيهَا؛ فَهُوَ) أي: العائد (نِفَاسٌ)، قدَّمَه في «الكافي» و «المحرر» وابن تميم، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه في مدته أشبه الأول. (وَعَنْهُ: أنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ)، قال في «المغني» و «الشرح»: (هي المشهورة نقلها عنه الأثرم)، وقدَّمها في «الفروع»، وذكر أنَّه نقَلَها واختارَها (٢) الأكثر، كما لو لم ترَه ثمَّ رأته في المدَّة في الأصحِّ، (تَصُومُ، وَتُصَلِّي) أي: تتعبد؛ لأنَّها واجبة في ذمَّتها بيقين، وسقوطُها بهذا الدم مشكوكٌ فيه. وفي غُسلها لكلِّ صلاة روايتان. (وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ) ونحوَه احتياطًا، ولوجوبه يقينًا، لا يقال: إنَّها لا تقضي الصوم قياسًا على النَّاسية إذا صامَت في الدَّم الزائدِ على السِّتِّ والسَّبْع؛ لأنَّ غالب حيض النساء كذلك، وما زاد عليه نادر، والغالب من النَّفاس، وما نقص نادر، والحيض يتكرر، فيشق (٣) القضاء بخلاف النِّفاس. وعنه: تقضي الصوم مع عوده، بخلاف الطواف، اختارها الخلَّال. وظاهره (٤): أنَّه لا يأتيها زوجُها فيه، وصرَّح به في «المغني» وغيرِه. وقال ابن تميم وغيره: وعلى الأُولى في وجوب قضاء ما صامتْه فيه، أو طافَتْه أو سعَتْه، أو اعتكفَتْه في الطهر بينهما من واجب؛ روايتان. فرع: حكم النِّفاس كالحيض، وفي وطئها ما في وطء حائض، نقله
следующие страницы →