← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

كان مجهولاً لا يُعلَمُ أنَّه عَصَبَةٌ ثمَّ عُلِمَ)، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١)، أوْ زُوِّجَتْ بنتُ مُلاعَنَةٍ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَها أبٌ؛ فكبعيدٍ. وإنْ زوَّجَ الأبعدُ بدونِ ذلك؛ فكفُضولِيٍّ، وإنْ تَزَوَّج لغَيرِه؛ فقيلَ: لا يَصِحُّ كذمَّته، وقِيلَ: كفُضولِيٍّ. ومَن تزوَّج أَمَةَ غَيرِه، فمَلَكها مَنْ يَحرُم (٢) عليه، فأجازه؛ فوَجْهانِ. (وَلَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ)، حكاهُ ابنُ المنذِر إجْماعًا (٣)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ١٤١]. (إِلاَّ إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ فِي وَجْهٍ)، وكذا مُكاتَبَتُه أوْ مُدبَّرتُه؛ لأِنَّها ملْكُه، أشْبَهَ المسلِمَ، وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ وابنُ رَزِينٍ: وبِنتُه. والثَّاني: لا يَلِيهِ، وهو أَوْلى؛ للإجماع. وعلى الأوَّل: هل يُباشِرُ تَزويجَ المسلِمِ، أو يُباشِرُه بإذْنه مسلِمٌ أو الحاكِمُ؟ فيه أَوجُهٌ. (وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ)؛ للنَّصِّ، ولأِنَّه لا يَرِثُ أحدُهما الآخرَ، ولا يَعقِلُ عنه، فلم يَلِهِ؛ كما لو كان أحدُهما رقيقًا. (إِلاَّ سَيِّدَ الْأَمَةِ)، فله تزويجُها؛ لأِنَّها لا تَحِلُّ للمسلمين، (أَوْ وَلِيَّ سَيِّدَتِهَا)؛ لأِنَّها وِلايةٌ بالملك، ولأِنَّها تحتاجُ إلى التَّزويج، ولا وليَّ لها غَيرُ سيِّدها، (أَوِ السُّلْطَانَ)؛ لأِنَّ له الوِلايةَ على مَنْ لا وليَّ لها، وَوِلايَتُه عامَّةٌ على أهلِ دار الإسلام، فالكافِرةُ مِنْ أهل الدَّار، فتَثْبُتُ الوِلايةُ عليها كالمسْلِمة.

стр. 4307

(وَيَلِي الذِّمِّيُّ نِكَاحَ مَوْلِيَّتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ)؛ لأِنَّه مُساوٍ لها، فَوَلِيُّهُ كالمسلِم، ويُشترَطُ فيه الشُّروطُ المعتَبَرةُ، وعبَّر في «المحرر» و «الفروع»: بالكافِرِ. (وَهَلْ يَلِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَلِيهِ؛ للآية، والمساواة. والثَّاني: لا يُزوِّجُها إلاَّ الحاكِمُ، قاله القاضي؛ لأِنَّ فيه صَغارًا على المسلم، وعلى هذا: لا يَلِي مالَها، قاله القاضِي. وفي تعليقِ ابنِ المَنِّيِّ في وِلايةِ الفاسق: لا يَلِيهِ كافِرٌ إلاَّ عَدْلٌ في دينه، ولو سلَّمْنا، فلِئَلاَّ يُؤدِّي إلى القَدْح في نَسَبِ نَبِيٍّ أوْ ولِيٍّ، ويَدُلُّ عليه وِلايةُ المال. (وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ)، نَصَّ عليه في مَواضِعَ، وهو الأصحُّ؛ لقَوله ﵇: «أيُّما امرْأةٍ» الخبرَ (١)، ولأِنَّه نكاحٌ لم تَثبُتْ أحكامُه من الطَّلاق والخُلْع والتَّوارث، فلم يَنعَقِدْ؛ كنكاحِ المعْتَدَّة. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ جارِيةً بِكْرًا أتَت النَّبيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ أنَّ أباها زَوَّجَها وهي كارِهةٌ، فخَيَّرَها النَّبيُّ ﷺ » رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، قال: وهو حديثٌ مُرسَلٌ، رواهُ النَّاسُ عن عِكْرَمَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، لم يَذكُرُوا ابنَ عبَّاسٍ (٢).

стр. 4308

وحِينَئِذٍ؛ فالشَّهادةُ تُعتَبَرُ حالةَ العَقْدِ؛ لأِنَّها شَرْطٌ له، فتُعتَبَرُ معه؛ كالقَبول، ولو كان في الصَّداق نَماءُ (١) ملْكِ؛ من حِينِ العَقْد، ولا تَوارُثَ قَبْلَ الإجازة. وقِيلَ: إنْ كان ما لو رُفِعَ إلى الحاكِمِ أجازه؛ وَرِثَه الآخَرُ؛ لأِنَّه عَقْدٌ تَلزَمُه الإجازةُ، فهو كالصَّحيح. فَرْعٌ: إذا زُوِّجتْ مَنْ يعتبر (٢) إذنُها بغَيرِ إذنها، وقُلْنا: يَقِفُ على إجازتها؛ فهي بالنُّطق أو ما يَدُلُّ على الرِّضا، بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا. وقال ابن أبي موسى: إذا زَوَّجَ أجنبيَّةً ليس من العَصبات؛ بَطَلَ النِّكاحُ مِنْ أصْلِه، قَولاً واحِدًا. (وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا)؛ لتَوكيله ﵇ أبا رافِعٍ في تزويجِ مَيمونةَ، وعَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ في تزويجِ أمِّ حَبِيبةَ (٣)، ولأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فصحَّ التَّوكيلُ فيه؛ كالبيع. وَعَلَى هَذا: فلا فَرْقَ بَينَ أنْ يكونَ الموكِّلُ حاضِرًا أوْ غائبًا، مُجبِرًا أوْ غَيرَ

стр. 4309

مُجبِرٍ، ولا يُعتبَرُ إذْنُها في التَّوكيل، سَواءٌ كان الموكِّلُ أبًا أوْ غَيرَه، ذَكَرَه في «المغْنِي» وغَيره. وقِيلَ: لا يُوكِّلُ غَيرُ مُجبِرٍ بلا إذْنٍ، إلاَّ حاكِمٌ، وقِيلَ: ولا مجيز (١)، وخرَّجه القاضي على الخلاف في تَوكيل الوكيل، ولا خلافَ أنَّ الحاكِمَ يَملِكُه مطلَقًا. ويجوز في تزويجِ معيَّنٍ، أو مَنْ شاء، أو مَنْ يرضاه. وقيل: يُمنَعُ من التَّوكيل المطلَق. وقيل: يعتَبرُ التَّعْيينُ لغَيرِ مُجبِرٍ. وقِيلَ: وله، فلو مَنَعَت الوليَّ من التَّوكيل امتَنَعَ، قاله في «التَّرغيب». وعلى الأشْهَرِ: يَثبُتُ للوكيل ما هو ثابِتٌ للمُوكِّلِ؛ لأِنَّه قائمٌ مَقامَه، ومَنْ لم تَثبُتُ له الوِلايةُ؛ لا يَصِحُّ تَوكيلُه. وقِيل: يصحُّ توكيلُ العبد ونحوه؛ لأِنَّهم من أهل القرابة، بدليل قَبولهم النِّكاح لأنفسهم. فإنْ وكَّل الزَّوجُ في قَبول النِّكاح؛ صحَّ، وقِيلَ: لا؛ كالإيجاب. وبالجملة: يتقيَّد وكيلٌ أوْ وليٌّ مطلَقٌ بالكُفُؤِ إن اشْترِطَ، ذَكره في «الترغيب». ولَيسَ لوكيلٍ أنْ يتزوَّجها لنفسه. ويَصِحُّ توكيلُه مطلَقًا؛ ك «زَوِّجْ مَنْ شِئْتَ»، ومقيَّدًا؛ ك «زَوِّجْ فُلانًا بعَينه». (وَوَصِيُّهُ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ) على المذهب؛ لأِنَّها وِلايةٌ ثابِتةٌ، فجازت الوصيَّةُ بها؛ كولاية المال، ولأنَّ له أنْ يَستَنِيبَ في حياته، فكذا بعدَ مماته؛ كالمال، فعلى هذا: يُجبِر مَنْ يُجبِرُه مِنْ ذَكَرٍ أو أنثى. (وَعَنْهُ: لَا تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ بِالوَصِيَّةِ)، اختاره أبو بكرٍ وغَيرُه؛ لأِنَّها

стр. 4310

وِلايةٌ تَنتَقِلُ إلى غيره شَرْعًا، فلم يَجُزْ أنْ يُوصِيَ بها؛ كالحضانة، يُحقِّقه: أنَّه لا ضَرَرَ على الوصيِّ في وَضْعِها عندَ غيرِ كُفْئِها، فهو كالأجنبيِّ، وكولاية الحاكم. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ، إِلاَّ أَنْ لا (١) يَكُونَ لَهَا عَصَبَةٌ)، هذا روايةٌ حكاها القاضي في «الجامع الكبير» والحُلْوانيُّ؛ لأِنَّه إنْ كان عصبةٌ؛ لم يَستقِرَّ (٢)؛ حذارًا من إسقاط حقِّهم، وإلاَّ اسْتُفِيدَتْ؛ لعدَمِ ذلك. والأوَّلُ هو المنصورُ عند جمهور الأصحاب، فعلى هذا: تجوزُ الوصيَّةُ بالنِّكاح من كلِّ ذي وِلايةٍ. وهل للوصيِّ الوصيَّةُ بها، أو يُوكِّلُ؟ فيه رِوايتانِ، ظاهِرُ المذهب: جوازُه، ذَكَرَه في «النَّوادر». وظاهره: أنَّ له تزويجَ صغيرٍ بوصيَّةٍ؛ كصغيرةٍ، وفي «الخِرَقِيِّ»: أو وصيٌّ ناظِرٌ له في التَّزويج، وظاهر كلام القاضي و «المحرَّر»: الوصيُّ مطلَقًا، وجزم به الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣)، وأنَّ وَصِيَّ المال يُزوِّج الصَّغيرَ؛ لأِنَّه يَلِي مالَه، أشْبَهَ الأبَ، وخُرِّج منه: أنَّ الجَدَّ يُزوِّجُ الصَّغيرَ إنْ قُلْنا: يَلِي مالَه، والأوَّلُ أظْهَرُ، كما لا يُزوِّجُ الصَّغيرةَ. (وَإِذَا اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ)؛ كالإخْوة أوْ بَنِيهم؛ (صَحَّ التَّزْوِيجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ)، إذا أَذِنَتْ لكلٍّ منهم؛ لأِنَّ سَبَبَ الوِلاية مَوجودة في كلِّ واحدٍ منهم. (وَالْأَوْلَى: تَقْدِيمُ أَفْضَلِهِمْ)؛ لأِنَّه أكملُ من المفضول، (ثُمَّ أَسَنُّهُمْ)؛ لقَوله ﵇ في حديثِ حُوَيِّصةَ ومُحَيِّصةَ، لَمَّا تكلَّم عبدُ الرَّحمن وكان أصغرَهم:

стр. 4311

«كَبِّرْ كَبِّرْ»؛ أيْ: يُقدَّمُ الأكبرُ، فتكلَّم حُوَيِّصةُ (١)، (وَإِنْ تَشَاحُّوا؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ)؛ لأِنَّهم تَساوَوْا في الحقِّ، فلُجِئَ إلى القُرعة؛ كالمرأتَينِ في السَّفر. وفي مختصَرِ ابنِ رَزِين: يُقدَّمُ أعْلَمُ، ثُمَّ أسنُّ، ثُمَّ أفضلُ، ثُمَّ يُقرَعُ. (فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، فَزَوَّجَ، صَحَّ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ)، صحَّحه في «الرِّعاية» و «الفروع»؛ لأِنَّه تزويجٌ صَدَرَ من وليٍّ كامِلِ الوِلاية؛ كالمنفَرِد، وإنَّما القُرعةُ لإزالةِ المشاحَّة. والثَّاني: لا يَصِحُّ (٢)؛ لأِنَّه بالقُرعة صار أَوْلَى، فلم يَصِحَّ؛ كالأبْعَدِ مع الأقرب. أمَّا إذا أذِنَتْ لواحِدٍ؛ فإنَّه يتعيَّنُ، ولا يُعدَلُ عنه. (وَإِنْ زَوَّجَ اثْنَانِ) لاِثنَينِ بإذنها، وعُلِمَ السَّابِقُ؛ فالنِّكاحُ له في قَولِ أكثرِهم؛ لِمَا رَوَى الحَسَنُ عن سَمُرةَ مرفوعًا، قال: «أيُّما امْرأةٍ زوَّجَها وَلِيَّانِ؛ فهي للأوَّل منهما» رواه الخمسةُ، وحسَّنه التِّرمِذِيُّ (٣)، ورُوِيَ عن عليٍّ أنَّه قال (٤).

стр. 4312

إنْ دَخَلَ بها الثَّاني، وهو لا يَعلَمُ أنَّها ذاتُ زَوجٍ، فُرِّقَ بَينَهما بغَيرِ طلاقٍ (١). ولها عَلَيهِ مَهْرُ مِثْلِها، اختاره الخِرَقِيُّ، وهو الصَّحيحُ، وقال أبو بكرٍ: لها المسمَّى، قال القاضي: هو قِياسُ المذهب، ولم يُصِبْها زَوجُها حتَّى تعتدَّ من الثَّاني، وإنْ أتَتْ بوَلَدٍ منه لَحِقَ به. (وَ) إِنْ (٢) (لَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ)؛ أي: جُهِلَ السَّابِقُ منهما؛ (فُسِخَ النِّكَاحَانِ)؛ أيْ: فَسَخُهما حاكِمٌ؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَحتَمِلُ أنْ يكونَ نكاحُه هو الصَّحيحَ، والجَمْعُ مُتعذِّرٌ، فلُجِئ (٣) إلى الفسخ لإزالة الزوجيَّة. وقال ابنُ عَقِيلٍ والسَّامَرِّيُّ: للزَّوجَينِ الفَسْخُ، ولعلَّه يُريدونَ بإذْنِه. وقال أبو بكرٍ: يُطلِّقانِها. ونصُّه: لها نِصفُ المهْر، يَقتَرِعانِ عليه في الأَشْهَرِ (٤).

стр. 4313

وعنه: النِّكاحُ مَفْسوخٌ، ذَكَرَه في «النَّوادِر»، وقدَّمه في «التَّبصرة»؛ لأِنَّه تعذَّرَ إمْضاؤهما. وتتزوَّجُ مَنْ شاءَتْ منهما، أو مِنْ غَيرِهما. (وَعَنْهُ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّها تُزيلُ الإبْهامَ، (فَمَنْ قَرَعَ؛ أُمِرَ الآْخَرُ بِالطَّلَاقِ (١)، ثُمَّ يُجَدِّدُ الْقَارِعُ نِكَاحَهُ) بإذْنِها؛ لأِنَّها إنْ كانَتْ زَوجَتَه؛ لم يَضرُّه ذلك، وإلاَّ قد صارتْ له بالتَّجديد. وعنه: تكونُ (٢) لِمَنْ تَخرُج له القُرعةُ، اختاره أبو بكرٍ والنَّجَّادُ، ونَقَلَه ابنُ منصورٍ (٣). والأصحُّ: أنَّه يُعتبَرُ طلاقُ الآخَرِ لها، فإنْ أبى؛ طَلَّق الحاكِمُ عليه. وقِيلَ: إنْ جُهِلَ وقوعُهما معًا؛ بطَلَا؛ كالعِلْم به، وإنْ عُلِمَ سَبْقُه ونُسِيَ؛ فقيل: كجَهْله، وقال أبو بكرٍ: يَقِفُ لِيُعلَمَ. وإنْ أقَّرَتْ لِأَحدِهما بالسَّبق؛ لم يُقبَلْ على الأصحِّ، وإن (٤) ادَّعَى عِلْمَها (٥) بالسَّبق، فأنْكَرَتْ؛ لم تُستَحْلَفْ (٦). أَصْلٌ: إذا ماتَتْ؛ فلأِحدِهما نصفُ مِيراثها بقُرعةٍ من غَيرِ يَمِينٍ، وإنْ ماتَ الزَّوجانِ؛ فإنْ كانَتْ أقرَّتْ بالسَّبق لأِحدِهما؛ فلا مِيراثَ لها من الآخَرِ، وهِيَ تَدَّعِي مِيراثَها مَمَّنْ أقرَّتْ له، فإنْ كان ادَّعَى ذلك أيضًا؛ دُفِعَ إليها، وإلاَّ فلا إنْ أنْكرَ الورثةُ، وإنْ لم تكُنْ أقرَّتْ بالسَّبق؛ فلَها مِيراثُ أحدِهما بقُرعةٍ.

стр. 4314

مسألةٌ: يُقدَّمُ أصلحُ الخاطِبين مطلَقًا، نَقَلَه ابنُ هانِئٍ (١)، وفي «النَّوادر»: يَنبَغِي أنْ يَختارَ لمَوْلِيَّتِه شابًّا حَسَنَ الصُّورة. (وَإِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ مِنْ أَمَتِهِ)، أوْ بِبنتِه، أوْ زوَّج ابنَه بِبِنتِ أخيه، أوْ زوَّج وصِيٌّ في نكاحٍ صغيرًا بصغيرةٍ تحتَ حِجْره؛ (جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ) في قَولهم جميعًا؛ لأِنَّه مَلَكَه بحُكْم الملك أو الوِلاية. (وَكَذَلِكَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ، مِثْلُ: ابْنِ الْعَمِّ، وَالْمَوْلَى، وَالْحَاكِمِ، إِذَا أَذِنَتْ لَهُ فِي نِكَاحِهَا؛ فَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ)؛ لقَولِ عبدِ الرَّحمن بنِ عَوفٍ لِأُمِّ حَكيمٍ بنتِ قارِظٍ: «أتَجْعَلِينَ أمْرَكِ إليَّ؟ قالت: نَعَمْ، قال: قد تَزَوَّجْتُكِ» رواه البخاريُ تعليقًا (٢)، ولأِنَّه عَقْدٌ وُجِدَ فيه الإيجابُ والقَبولُ، فصحَّ؛ كما لو كانا من رجلَينِ، وكما لو زوَّج عبدَه بأَمَتِه. والأَشْهَرُ: أنَّه يَكفِي الإيجابُ، فيقولُ: زوَّجتُ فلانًا فلانةَ، أوْ تزوَّجْتُها إنْ كان هو الزَّوجَ؛ لِفِعْلِ عبدِ الرحمن. وقِيلَ: يُعتبَرُ معه القَبولُ. وقِيلَ: يوليه (٣) طَرَفَيهِ تَختَصُّ بمجْبِرٍ. (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُوَكِّلَ غَيْرَه فِي الطَّرَفِ الآْخَرِ)، نَقَلَها ابنُ منصورٍ (٤)؛ لأِنَّ «المغِيرةَ بن شعبةَ خَطَبَ امرأةً هو أَوْلَى النَّاس بها، فأمر رجلاً فزوَّجه» رواه البخاري تعليقًا (٥)، ولأِنَّه عَقْدٌ مَلَكَه بالإذن، فلم يَجُزْ أنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيهِ؛

стр. 4315

كالبيع، وبهذا فارَقَ ما إذا زوَّج أمَتَه بعبده الصَّغير. وعلى هذه: إنْ وَكَّلَ مَنْ يَقبَلُ له النِّكاحَ، وتولَّى هو الإيجابَ؛ جاز، كالإمام الأعظم. أو وكَّله الوليُّ في الإيجاب، والزَّوج في القَبول؛ فوجهان. وعلى الأُولى: إلاَّ بنتَ عمِّه وعتيقتَهُ المجنونتَينِ، فيُشتَرَط وليٌّ غَيرُه أوْ حاكِمٌ. مسألةٌ: إذا أذِنَتْ له في تزويجها، ولم تعيِّن الزَّوجَ؛ لم يَجُزْ أنْ يُزوِّجَها نفسَه؛ لأِنَّ إطلاقَ الإذْنِ يَقتَضِي تزويجَها غَيرَه؛ كولده مثلاً، فإنْ كان الاِبنُ كبيرًا قَبِلَ لنفسه، وإنْ كان صغيرًا؛ فالخِلافُ في تولِّي طَرَفَي العَقْدِ. (وَإِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ) بحضرةِ شاهِدَينِ، نَصَّ عليه (١): (أَعْتَقْتُكِ، وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ؛ صَحَّ) العتقُ والنِّكاحُ، نَصَّ عليه في روايةِ جماعةٍ (٢)، وهو المذْهَبُ؛ لِمَا رَوَى أنسٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعْتَقَ صفيَّةَ وتزوَّجها»، فقال له ثابِتٌ: ما أصْدَقَها؛ قال: «نفسَها، أعْتَقَها وتزوَّجها» متَّفَقٌ عليه، وفي لَفْظِ للبخاريِّ (٣): «وجَعَلَ عِتْقَها صداقَها» (٤)، ولم يُنقَلْ أنَّه ﵇ اسْتأْنَفَ عَقْدًا، ومتى ثبت العتقُ صداقًا ثبت النِّكاحُ، إذ الصَّداقُ لا يتقدَّم عليه، ورواه (٥) الأثرم عن عليٍّ (٦)،

стр. 4316

وفَعَلَه أنَسٌ (١)، ولأِنَّ منفعةَ البُضْع إحدى المنفعتَينِ، فجاز أنْ يكونَ العتقُ عِوَضًا عنه، دليلُه منفعةُ الخدمة، كقوله: أعتقتُكِ على خِدمةِ سنةٍ. لا يُقال: هذا من خصائصه، إذْ مِنْ خصائصه النِّكاحُ بغَيرِ مَهْرٍ ولا شهودٍ؛ لأِنَّا نقول: الغَرَضُ (٢) أنَّه ﵇ عَقَدَ بمَهْرٍ (٣) وإذْنٍ، فحُكْمُ أُمَّتِه حكمُه في صفيَّةَ (٤). ومِثله: جعلتُ عِتْقَ أَمَتِي صداقَها، أو عكس، أو: على أنَّ عِتْقَها صداقُها، أو: على أنْ أتزوَّجك وعِتْقِي صداقُك. وقال ابن حامِدٍ: يُشترَط مع قوله: وتزوَّجْتُها. وظاهِرُه: أنَّه لا يُشتَرَط قَبولُ الأَمَة، نَصَّ عليه (٥)، وأنْ يكونَ متَّصِلاً، وأنْ يَقصِدَ بالعتق جَعْلَه صداقًا. تنبيهٌ: أُورِدَ على القاضي إذا قال: جَعَلْتُ عتقَ أَمَتِي صداقَ ابنَتِك؛ لا يَصِحُّ النِّكاحُ، فكذا في نفسه، فأجاب: لا يَصِحُّ؛ لتقدُّم القَبول على الإيجاب، فلو قال الأبُ ابتداءً: زوجتُك ابنتِي على عِتْقِ أمتِكَ، فقال: قَبِلْتُ؛ لم يَمتَنِعْ أنْ يَصِحَّ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إذا قال: زوَّجتُ أَمَتِي من فُلانٍ، وجَعلْتُ عتْقَها

стр. 4317

صداقَها، قياسُ المذهب: صحَّتُه؛ لأِنَّهم قالوا: الوقت الذي جَعَلَ العِتْقَ صداقًا كان يَملِكُ إجْبارَها في حقِّ الأجنبيِّ (١). (فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا؛ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا)، نَصَّ عليه (٢)؛ إذ التَّسميةُ صحيحةٌ، وذلك يُوجِبُ الرُّجوعَ في نصفها كغيرها، ولَمَّا لم يكُنْ سبيلٌ إلى الرُّجوع في الرِّقِّ بَعْدَ زواله؛ رَجَعَ في بَدَلِه، وهو القيمةُ، وهي معتبَرَةٌ يومَ عِتْقه. فإنْ لم يَقدِرْ؛ فهل يَنتَظِرُ القُدْرةَ أوْ يُسْتَسْعَى؟ فيه رِوايتانِ مَنصوصَتانِ (٣)، قال القاضي: أصْلُهما: المفلِسُ إذا كان له حِرفةٌ، هل يُجبَرُ على الاكتساب؟ على روايتَينِ. (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا)، نَقَلَ المرُّوذِيُّ: أنَّه يُوَكِّلُ رجلاً (٤)، فأَخَذَ القاضِي وأتْباعُه من ذلك روايةً: أنَّ النِّكاحَ لا يَصِحُّ بهذا اللَّفظ، واخْتارَه القاضِي في «خلافه»، وأبو الخَطَّاب، وابنُ عَقِيلٍ، وزَعَمَ أنَّه الأشْبَهُ بالمذهب؛ إذ بالعتق تَملِكُ نفْسَها، فيُعتَبَرُ رِضاها؛ كما لو فَصَل بَينَهما، ولأِنَّه لم يُوجَدْ إيجابٌ ولا قَبولٌ، وهما رُكْناهُ، ولا يَصِحُّ إلاَّ بهما، ولأِنَّ العِتْقَ لَيسَ بمالٍ ولا يَجُرَّه (٥)، أشْبَهَ رَقبةَ الحُرِّ. وتورَّع ابنُ أبي مُوسَى من حكايةِ روايةٍ بعدَمِ الصِّحَّة، وجَعَلَ الرِّوايةَ: أنَّه يُستَأْنَفُ العَقْدُ عليها بإذْنِه بِدونِ رضاها؛ إذ العتقُ وَقَعَ على هذا الشَّرط.

стр. 4318

وأُجِيبَ عن ملْكِها نَفْسَها: بأنَّ الكلامَ المتَّصِلَ لا يَثبُتُ له حكمُ الانفصال قَبْلَ تمامه، فلم يَستَقِرَّ ملْكُها على نفسها إلاَّ بَعْدَ النِّكاح، والسَّيِّد كان يَمْلِكُ إجبارَها على النِّكاح في حقِّ الأجنبيِّ، فكذا في حقِّ نَفْسِه. وعن فقد الإيجاب والقَبول: بأنَّ العتقَ لَمَّا خَرَجَ مَخرَجَ الصَّداق؛ صار الإيجابُ كالمضمَر فيه، والقابِلُ (١) هو الموجِبُ، فلا يَحتاجُ إلى الجمع بَينَهما. وعن العتق ليس بمالٍ: بأنَّه (٢) يترتَّب عليه حصولُ مالٍ، وهو تمليكُ الرَّقيق مَنافِعَ نفسه، وهو المقصودُ. (فَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ؛ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهَا)؛ لأِنَّه أزال ملكَه بعِوَضٍ لم يسلَّم له، فَرَجَعَ إلى القيمة؛ كالبيع الفاسِدِ. فَرْعٌ: إذا ارْتَدَّتْ، أوْ فَعَلَتْ ما يُفسَخُ به نكاحُها قَبْلَ الدُّخول؛ رَجَعَ عَلَيها بجميعِ قيمتِها. وعلى الثَّانية: يستأنِفُ (٣) نكاحَها بإذْنِها. وعلى قولِ ابنِ أبي موسى: لا يعتَبَرُ إذنُها، ومهرُها العتقُ. فعلى مُختارِ القاضي: إن امْتَنَعَتْ؛ لَزِمَها قِيمةُ نفسِها. واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّه لا يَلزَمُها شَيءٌ إذا لم يَلزَمْ بالنِّكاح، ولم ترْضَ (٤) بالشُّروط (٥)؛ كما لو أعْتَقَها على ألْفٍ فلم تَقْبَلْ، بل أَوْلَى (٦).

стр. 4319

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: الشَّهَادَةُ)، وهي من الشُّروط لصحَّته، نَصَّ عليه (١)، واختاره الأصحابُ، وقاله عمرُ (٢)، وعليٌّ (٣)، وابنُ عبَّاسٍ (٤)؛ لِمَا رَوَتْ عائشةُ مرفوعًا، قال: «لا نكاحَ إلاَّ بوليٍّ، وشاهِدَيْ عَدْلٍ» رواه ابنُ حِبَّانَ وصحَّحه، وفي بعض طُرقه: «أيُّما امرأةٍ نَكحَتْ نفْسَها بغَيرِ إذْنِ وليِّها وشاهدي عدل (٥)؛ فنكاحُها باطِلٌ»، ذَكرَه الدَّارَقُطْنِيُّ عن يونسَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن سليمانَ بنِ موسى، عن الزَّهريِّ، عن عُروةَ عنها مرفوعًا (٦)، وعن ابن عبَّاسٍ قال:

стр. 4320

«البَغَايَا اللاَّئِي يُنكِحْنَ أنفُسَهُنَّ بغَيرِ بيِّنةٍ» رواه التِّرمذيُّ، وقال: لم يَرفَعْه عبدُ الأعلى ووثَّقه (١)، قال: والوقْفُ أصحُّ (٢)، وعن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا بُدَّ في النِّكاح من أربعةٍ: الوليُّ، والزَّوجُ، والشَّاهِدانِ» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، والمعْنَى فيه: الاِحْتِياطُ للأبْضاع، وصيانةُ الأنْكِحة عن الجُحود. (فَلَا يَنْعَقِدُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ)، دُونَ غَيرِه من العُقود؛ لِمَا فيه من تعلُّقِ حقِّ غَير المتعاقِدَينِ، وهو الولدُ؛ لئلاَّ يَجحَدَه أبوهُ، فيَضيعَ نَسَبُه. (عَدْلَيْنِ)؛ للأخبار، والأشْهَرُ: أنَّه يَكْفِي مستورُ الحال، وإنْ لم نقبَلْه (٤)

стр. 4321

في الأموال؛ لتعذُّر البحث عن عدالةِ الشُّهود في الباطن غالِبًا؛ لوقوعِ النِّكاح في البَوادِي وبَينَ عوامِّ النَّاس. والثَّاني: أنَّه لا بُدَّ من العدالة الباطِنة؛ كغيره، وهو احتمالٌ للقاضي في «التَّعليق» بعد أنْ أقرَّ أنَّه لا يَعرِفُ الرِّواية عن الأصحاب في ذلك. (ذَكَرَيْن)؛ لقول الزُّهريِّ: (مَضَت السُّنَّةُ أنَّه لا تَجوزُ شهادةُ النِّساء في الحدود، ولا النِّكاح والطَّلاق) رواه أبو عُبَيدٍ في الأموال (١)، ولأِنَّه عَقْدٌ لَيسَ بمالٍ، ولا يُقصَدُ به، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ غالِبًا، فلم يَنعَقِدْ بهنَّ؛ كالحدود. (بَالِغَيْنِ) على المذهب؛ لأِنَّ الصَّبِيَّ لا شَهادةَ له، (عَاقِلَيْنِ)؛ لأِنَّ المجنونَ والطِّفْلَ لَيسا من أهْلِ الشَّهادة. (وَإِنْ كَانَا ضَرِيرَيْنِ)؛ لأِنَّها شهادةٌ على قَولٍ، فصحَّتْ من الأعمى؛ كشهادةِ الاِسْتِفاضة، ويُعتَبَرُ أنْ يَتيَقَّنَ الصَّوتَ على وجْهٍ لا يَشُكُّ فيه. وظاهِرُه: أنَّه لا يُشتَرَطُ فيه الحُرِّيَّةُ، وهو كذلك. والمُرادُ: حُضورُهما، سَواءٌ حَضَرَا قَصْدًا (٢) أو اتِّفاقًا، فلو حَضَرَا وسَمِعَا الإجابةَ (٣) والقَبولَ؛ صحَّ، وإنْ لم يَسمَعا الصَّداقَ. (وَعَنْهُ: يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ فَاسِقَيْنِ)؛ لأِنَّه تَحمُّلٌ، فلم تُعتَبَرْ (٤) فيه العدالةُ؛ كسائر التَّحمُّلات.

стр. 4322

والأوَّلُ أصحَّ؛ لأِنَّ مَنْ لا يَثبُتُ النِّكاحُ بقَوله؛ لا يَنعَقِدُ بشَهادته؛ كالصَّبيِّ، فلو بانا بَعْدَ العقد أنَّهما فاسِقانِ؛ فالعَقْدُ صحيحٌ، ذَكَرَه المؤلِّفُ؛ لاِشْتِراط العدالة ظاهِرًا فقطْ، وقِيلَ: لا؛ لِعَدَمِ شَرْطِه. (وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ)؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، أشْبَهَ البَيعَ، (وَمُرَاهِقَيْنِ عَاقِلَيْنِ)؛ بِناءً على أنَّهما من أهل الشَّهادة، ولأِنَّه يَصحُّ تحمُّلُه، فصحَّتْ شهادتُه؛ كالبيع. (وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، ولعُمومِ قَولِه ﵇: «وشاهَدِيْ عَدْلٍ» (١)، ولأِنَّه نِكاحُ مسلِمٍ، فلم يَنعَقِدْ بشهادةِ ذِمِّيَّينِ؛ كنِكاحِ المسلمين. ولا فَرْقَ بَينَ أنْ يكونَ الزَّوجانِ مُسْلِمَينِ، أو الزَّوجُ وحدَه، نَصَّ عليه (٢)، وهو قَولُ الأكثر. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً)؛ بِناءً على الرِّواية بقَبولِ شهادةِ بعضهم على بعضٍ. (وَلَا يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ أَصَمَّيْنِ)؛ لأِنَّه لا يَسمَعُ العَقْدَ لِيَشهَدَ به، (وَلَا أَخْرَسَيْنِ)؛ لأِنَّ النُّطْقَ شَرْطٌ، وهو لا يَتمَكَّنُ من أداء الشَّهادة، فوُجودُه كعَدَمه. (وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّيْنِ (٣)، أَوِ ابْنَيِ الزَّوْجَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا)، أو الوليِّ، أو مُتَّهَمٍ لِرَحِمٍ من أحدهم؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَنعَقِدُ؛ لأِنَّه يَنعَقِدُ بهما نكاحُ غَيرِ هذا الزَّوجِ، فانْعَقَدَ بهما نِكاحُه؛ كسائر العُدول.

стр. 4323

والثَّاني: لا؛ لأنَّ العدوَّ لا تُقبَلُ شَهادتُه على عَدوِّه، وكذا الاِبْنُ. وكذا الخلافُ في أهل الصَّنائع الرَّذيلة؛ كالحجَّام ونحوِه. (وَعَنْهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ)، بل تُسَنُّ فيه؛ كعقدِ غَيرِه، فيَصِحُّ بدونِها، وهو قَولُ ابنِ عمرَ، وابنِ الزُّبَير، والحَسَنِ بنِ عليٍّ (١)؛ لأِنَّه «﵊ تزوَّج بغَيرِ مَهْرٍ ولا شُهودٍ» (٢)، قال ابن المنذِر: (لا يَثبُتُ في الشَّاهِدَينِ في النِّكاح خَبَرٌ) (٣)، وكذا قاله أحمدُ في روايةِ المرُّوذِيِّ، ولأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ كالبيع. ويُجابُ عنه: بأنَّ ذلك من خصائصه، وقضيَّةُ الموْهوبة نفسها قضيَّةُ عَينٍ (٤)، والأحاديثُ يَتَقَوَّى بعضُها ببعضٍ. والجمهور قد أطْلَقُوا هذه الرِّوايةَ، وقيَّدَها المجْدُ وجماعةٌ: بما إذا لم

стр. 4324

يَكتُموهُ، وإلاَّ لم يَصِحَّ، وذَكَرَه بعضُهم إجماعًا (١). وعلى الأوَّل: لا يُبطِلُه التَّواصِي بكِتْمانه. وعنه: بلى، اختاره أبو بكرٍ. مسألةٌ (٢): قال ابنُ أبي موسى: لا يَختَلِفُ قَولُ أحمدَ: إنَّ المرأةَ إذا زوَّجَتْ نفسَها بغَيرِ شهودٍ؛ أنَّ النِّكاحَ باطِلٌ. قال: واخْتَلَفَ قَولُه: هل لها أنْ تتزوَّجَ بغَيرِ هذا الزَّوج قَبْلَ أنْ يُطلِّقَها، أو يُفرِّقَ بَينَهما حاكِمٌ؟ فيه روايتان. قال: ولم يَختلِفْ قَولُه: أنَّه إذا مات أحدُهما؛ لم يَرِثْه الآخَرُ. قال: فإنْ زوَّجَتْ نفسَها بحضرةِ شهودٍ؛ فلا يَختلِفُ قَولُه: أنَّها لا تتزوَّج بغَيرِه إلاَّ أنْ يُطلِّقَها، أو يُفرِّقَ بَينَهما حاكِمٌ، مع قوله: إنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ. قال السَّامَرِّيُّ: كلُّ ذلك يتخرَّجُ على الاختلافٍ (٣) في الشَّهادة؛ هل هي شرطٌ أمْ لَا؟

стр. 4325

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: كَوْنُ الرَّجُلِ كُفْئًا لَهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، هي ظاهِرُ المذهب، والمشهورةُ عندَ عامَّة الأصحاب؛ لِمَا روى أبو هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا خَطَبَ المسلِم من تَرضَونَ (١) دينَه وخُلُقَه فزوِّجوه، إلاَّ تَفْعَلوا؛ تكُنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ» رواه التِّرمذِيُّ، ورُوِيَ مُرسَلاً، قِيلَ: هو أصحُّ (٢)، وقال عمر: «لأمنعنَّ فأُزوِّج (٣) ذوات الأحساب إلاَّ من الأكْفاء» رواه الخَلاَّلُ والدَّارَقُطْنِيُّ (٤)،

стр. 4326

ورواه (١) جابِرٌ مرفوعًا: «لا يَنْكِحُ النِّساءَ إلاَّ الأَكْفاءُ»، ضعَّفه ابنُ عبد البَرِّ (٢)، وقال سَلْمانُ لجَريرٍ: «إنَّكم مَعْشَرَ العرب لا نتقدَّم في صلاتكم، ولا نَنكِحُ نساءَكم؛ لأِنَّ (٣) الله فضَّلَكم عَلَينا بمحمَّدٍ» رواه البَيهَقِيُّ بإسْنادٍ حَسَنٍ، واحْتَجَّ بهما أحمدُ في روايةِ أبي طالِبٍ (٤)، ولأِنَّه تصرُّفٌ في حقِّ مَنْ يأتي من الأولياء، فلم يَصِحَّ؛ كما لو زوِّجت بغَيرِ إذْنِها. فإنْ عُدِمَ حالَ العَقْد؛ فحُكمُه حكمُ العقود الفاسِدة.

стр. 4327

وإنْ وُجِدتْ حالَ العقد، ثُمَّ عُدِمَتْ بعدَه؛ لم يَبطُل النِّكاحُ، وللمرأة الفسخُ؛ كعتقها تحتَ عبدٍ. وقِيلَ: لا؛ كوليِّها، وكطَولِ حُرَّةٍ مَنْ نَكَحَ أَمَةً. وفي ثالثٍ: لهم الفَسْخُ؛ كما لو كانت معدومةً قَبْلَ العَقْد. (فَلَوْ رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ بِغَيْرِهِ)؛ أيْ: بغَيرِ كُفُؤٍ؛ (لَمْ يَصِحَّ)؛ لفَوات الشَّرط، ولأِنَّها حقٌّ لله تعالى ولهم، واحتجَّ جماعةٌ بِبَيعِه مالَها بِدونِ ثَمَنِه، مع أنَّ المالَ أخفُّ من النِّكاح؛ لدُخولِ البَدَلِ فيه والإباحةِ والمحاباةِ، ويُحكَمُ بالنُّكول فيه، وبأنَّ مَنْعَها تزويجَ نفسها كَيْلا يَضَعَها في غَيرِ كُفُؤٍ، فبَطَلَ العَقْدُ؛ لِتَوَهُّمِ العار فيه، فهنا أَوْلَى، ولأِنَّ لله فيه (١) نَظَرًا، ولأِنَّ الوليَّ إذا زوَّجها بغَيرِ كُفُؤٍ يكون فاسِقًا. (وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ) للصِّحَّة، بل لِلُّزومِ، (وَهِيَ أَصَحُّ)، اختارها أبو الخَطَّاب في «خلافه» (٢)، وقدَّمها في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»، قال ابن حَمْدانَ: وهي أَوْلى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجرَات: ١٣]، وزوَّج النَّبيُّ ﷺ ابْنَتَيهِ من عثمانَ وأبي العاص (٣)، ولا شكَّ أنَّ نَسَبَه فَوقَ نسَبِهما، وفي «الصَّحيحَينِ»: «أنَّه ﷺ أمَرَ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ أنْ تَنْكِحَ أسامةَ بنَ زَيدٍ مَولاهُ»، وهي قُرَشِيَّةٌ (٤)، وفي «البخاريِّ»: «أنَّ

стр. 4328

أبا حُذَيفةَ تبنَّى سالِمًا، وأنْكَحَه ابنةَ أخِيهِ هندَ ابنةَ الوليد، وهو مَولًى لاِمرأةٍ من الأنصار» (١)، وتزوَّجَ زَيدُ بنُ حارثةَ زَينبَ بنتَ جَحْشٍ (٢)، وفي «الدَّارَقُطْنِيِّ»: «أنَّ أخْتَ عبدِ الرَّحمن بنِ عَوفٍ كانت تَحتَ بِلالٍ» (٣)، وما رُوِيَ فيها يَدُلُّ على اعتبارها في الجملة، ولا يَلزَمُ منه اشْتِراطُها. (لَكِنْ إِنْ لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ؛ فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ)، ويكونُ النِّكاحُ صحيحًا؛ لِمَا رَوَى عبدُ الله بنُ بُرَيدةَ، عن أبيه، قال: «جاءت فتاةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ أبي زوَّجَنِي من ابن أخيه؛ لِيَرفَعَ بي خَسيسَتَه، قال: فجعل الأمرَ إليها، فقالت: قد أَجَزْتُ ما صَنَعَ أبي، ولكن أردتُ أنْ أُعْلِمَ النِّساءَ أنْ لَيْسَ للآباء من الأمر شَيءٌ» رواه أحمدُ والنَّسائيُّ (٤). ويكونُ الفَسْخُ فَورًا، وكذا وتراخِيًا، ذَكَرَه القاضي، وذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ

стр. 4329

الدِّين ظاهِرَ المذهب (١)؛ لأِنَّه لنقصٍ في المعقود عليه، فهي حقٌّ للأولياء والمرأةِ. وللأبْعَد الفَسخُ مع رضا الأقرب؛ لِمَا يَلحَقُه من العار في الأَشْهَر، يُؤيِّدُه قَولُه: (فَلَوْ زَوَّجَ الْأَبُ بِغَيْرِ كُفُؤٍ بِرِضَاهَا؛ فَلِلْإِخْوَةِ الْفَسْخُ، نَصَّ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ الأخَ وليٌّ في حالٍ يَلحَقُه العارُ بفَقْد الكفاءة، فمَلَكَ الفَسْخَ؛ كالوليِّ المساوِي. وقياسُ المذهب: أنَّ الفَسْخَ يَفتَقِرُ إلى حاكِمٍ. فَرْعٌ: الكفاءةُ المعتبَرةُ في الرَّجل فقطْ؛ لأِنَّه ﵇ لا مُكافِئَ له، وقد تزوَّج من أحياء العرب. وفي «الانتصار» احتمالٌ: يخيَّرُ معتَقٌ تحتَ أمةٍ. وفي «الواضح» احتمالٌ: يَبطُلُ؛ بناءً على الرِّواية إذا اسْتَغْنَى عن نكاح الأمة بحُرَّةٍ؛ بَطَلَ، قال الكسائيُّ: قَولُهم: (لا أصلَ)؛ أي: لا حَسَبَ ولا فَضلَ (٢)؛ أيْ: لا مالَ، وهي حقٌّ لله تعالى. وعلى الثَّانية: حقٌّ للأولياء والمرأةِ فقط. (وَالْكَفَاءَةُ: الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ)، هذا إحْدَى الرِّوايتَينِ، وإليها مَيلُ المؤلِّفِ، أمَّا الدِّينُ فلقوله تعالى: الآيةَ ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً … (١٨)﴾ [السَّجدَة: ١٨]، ويَلزَمُ منه نفيُ الاِسْتِواء من كلِّ وجْهٍ، صرَّح به القاضي وغيرُه؛ لأِنَّ الفاسِقَ مردودُ الشَّهادةِ والرِّوايةِ، غَير مَأْمونٍ، مسلوب الولاية، ناقِصٌ عند الله وعند خَلْقه، قليلُ الحظِّ في الدُّنيا والآخرة. وأمَّا المنْصِبُ فهو النَّسب؛ لحديث عمرَ: ما الأكْفاءُ؟ قال: «في الحَسَبِ»

стр. 4330

رواه أبو بكرٍ (١)، ولأِنَّ العربَ يَعُدُّونَ الكفاءةَ في النَّسب، ويَأنَفونُ من نكاح الموالي، ويَرَونَ أنَّ ذلك نَقْصٌ وعارٌ. (فَلَا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ، وَلَا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ)؛ لِفَقْدِ العِفَّة والمنصِب. (وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ) على المذهب؛ لأِنَّه ﵇ زوَّج ابنتَيهِ عُثمانَ وأبا العاص (٢)، وزوَّج عليٌّ عمرَ ابنَتَه أمَّ كُلْثومٍ (٣)، وتَزوَّج عبدُ الله بن عمرَ فاطمَةَ بنتَ الحُسَينِ بنِ عليٍّ (٤)، وتزوَّج مُصعَبُ بنُ الزُّبَير أختْها سُكَينةَ (٥)، وتزوَّج المقدادُ بن الأسود ضُباعةَ بنتَ الزُّبَير بنِ عبدِ المطَّلِب (٦)، وهذا يَدُلُّ على أنَّ العربَ كلَّهم في مرتبةٍ واحدةٍ، وفي «مُسنَدِ البزَّار» عن خالد بن مَعْدانَ، عن معاذِ بن جَبَلٍ مرفوعًا، قال: «العَرَبُ بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ، والموالي بعضُهم لبعْضٍ أكْفاءٌ»، إلاَّ أنَّ خالدًا لم يَسمَعْ مِنْ مُعاذٍ (٧).

стр. 4331

(وَسَائِرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ)، وإنْ تفاضَلُوا في الشَّرف؛ كالعرب. (وَعَنْهُ: لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لِغَيْرِ قُرَشِيٍّ، وَلَا هَاشِمِيَّةٌ لِغَيْرِ هَاشِمِيٍّ)، حكاها القاضي في «الجامع الكبير»، وأبو الخَطَّاب، والشَّيخانِ؛ إذ العَرَبُ فَضَلَتِ النَّاسَ برسول الله ﷺ ، وقُرَيشٌ أخَصُّ به من سائر العرب، وبنو هاشِمٍ أخصُّ به من قُرَيشٍ، يَدُلُّ عليه قولُه ﵇: «إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (١). وردَّ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين هذه الرِّوايةَ، وقال: لَيسَ في كلامِ أحمدَ ما يدلُّ عليه، وإنَّما المنصوص عنه - كما ذكره ابن أبي موسى، والقاضي -: أنَّ قريشًا بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ومَنْ قال: الهاشميَّةُ لا تُزوَّج (٢) بغير هاشِمِيٍّ؛ بمعنى أنَّه لا يَجوزُ؛ مارِقٌ من دين الإسلام؛ إذْ قصَّةُ (٣) تزويجِ الهاشِمِيَّات من بنات النَّبيِّ ﷺ وغيرِهنَّ بغَيرِ (٤) الهاشِمِيِّينَ ثابِتٌ في السُّنَّة ثُبوتًا لا يَخفَى (٥). (وَعَنْهُ: أنَّ الْحُرِّيَّةَ، وَالصِّنَاعَةَ، وَالْيَسَارَ؛ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ)؛ أيْ: مع الدِّين والنَّسب، فتكونُ (٦) خمسةً، قال ابن هُبَيرةَ: هذا هو المشهورُ عن أحمدَ، واختارها القاضي في «تعليقه»، والشَّريفُ، وأبو الخَطَّاب، والمجْد، وصحَّحها المؤلِّفُ في الحرِّيَّة، والشِّيرازيُّ في اليَسار.

стр. 4332

أمَّا الحرِّيَّة؛ فَلِأَنَّ «النَّبيَّ ﷺ خيَّر بَرِيرَةَ حينَ عَتَقَتْ تحتَ عبدٍ» (١)، وإذا ثبت الخيارُ في الاستدامة؛ ففي الابتداء أَوْلَى، ولأِنَّ الرِّقَّ نَقصُه كثيرٌ، وضَرَرُه بيِّنٌ، فإنَّه مشغولٌ عن امرأته بخدمةِ (٢) سيِّده، ولا يُنْفِقُ نفقةَ الموسِرِينَ، ولا على ولده. وأمَّا الصِّناعةُ؛ فلِأَنَّ ذلك نقصٌ في عُرْف النَّاس، أشْبَهَ نَقْصَ النَّسَب، وقد رُوِيَ: «العَربُ بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ، قبيلةٌ لقبيلةٍ، وحيٌّ لحيٍّ، ورجلٌ لرجلٍ، إلا حائكٌ أوْ حجَّامٌ»، ذَكَرَه ابنُ عبد البَرِّ في «التَّمهيد» (٣)، وذكر أنَّه حديثٌ مُنكَرٌ (٤)، وأنَّ أحمدَ قال: العملُ عليه، لَمَّا سأله مُهنَّى (٥). وأمَّا اليَسارُ؛ فلِأَنَّ في عرف النَّاس التَّفاضُل في ذلك، ولقوله ﷺ لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ حين أخبرته بخُطَّابها، فقال لها: «أمَّا مُعاوِيةُ فصُعْلوكٌ لا مالَ له» (٦)، ولأِنَّ على الموسِرة ضَرَرًا في إعْسار زَوجها؛ لإخْلاله بنَفَقتها ونفقةِ ولدها.

стр. 4333

(فَلَا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بِعَبْدٍ)؛ لاِنْتِفاء الحرِّيَّة فيه، ولا بمَن (١) بعضُه رقيقٌ. واخْتُلِف فِيمَن مسَّه أو مسَّ آباءه الرِّقُّ، هل يكون كفء الحرَّةِ الأصلِ؟ فيه رِوايَتانِ. (وَلَا بِنْتُ بَزَّازٍ)؛ بَيَّاع البَزٍّ، (بِحَجَّامٍ)؛ لاِنتِفاء الاِستواءِ في الصَّنعة، (وَلَا بِنْتُ تَانِئٍ) بالهمز بغَيرِ خَلافٍ (٢)، وهو صاحب العَقار والمال، (بِحَائِكٍ)؛ لاِنْتِفاء اليَسَار، وإن وُجِدَ فيه كثرةُ المال؛ فالعِبرةُ بالغالب. (وَلَا مُوسِرَةٌ بِمُعْسِرٍ)، وظاهره: ولو كان متولِّيًا، وقاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣)، وعلى هذا بقيَّة الصَّنائع المزْرِيَة (٤)؛ كالقيِّم والحَمَّامِيِّ؛ لأِنَّ ذلك نقصٌ (٥) في عُرْف النَّاس. وعنه: لا؛ لأنَّه لَيسَ بنقصٍ لازِمٍ كالمرض. وقِيلَ: نَسَّاجٌ كحائِكٍ. وولدُ الزِّنى؛ قيل: هو كُفُؤٌ لذات نَسَبٍ. وعنه: لا؛ كعربيَّة، زاد الشَّافعيَّةُ على ذلك: أنَّ غَيرَ المنتَسِب إلى العلماء والصُّلحاء المشهورِينَ لَيس كفؤًا للمنتَسِب إليهما (٦). تنبيهٌ: اختُلِف في الكَفاءة، هل هي شرطٌ للصِّحَّة أو لِلُّزوم؟ وأنَّها هل تُعتبَرُ في اثنَينِ أوْ جهةٍ؟ قد سبق، وقال القاضي، وأبو الخَطَّاب، والمؤلِّفُ، وجَمْعٌ: كما في الشُّروط الخَمْسة.

стр. 4334

وقال في «المجرد»: محلُّهما (١) في الدِّين والمنصب، وأمَّا الثَّلاثة الباقية فلا يَبطُل (٢) روايةً واحدةً. وجَمَعَ المجْدُ بَينَهما، فجعل فيها ثلاثَ رواياتٍ، يَختصُّ البُطْلانُ بالدِّين والمنصب. وقال في «المجرد»: يختصُّ (٣) البُطْلانُ بالنَّسب فقط. وقال الشَّيخُ تقي الدين (٤): (لم أجِدْ عن أحمدَ نَصًّا ببطْلان النِّكاح لفقرٍ أو رِقٍّ، ولم أجِدْ عنه نَصًّا بإقرار النِّكاح مع عَدَمَ الدِّين والمنصب، ونصَّ على التَّفريق بالحِياكَة في روايةِ حنبلٍ). فَرْعٌ: يجوز للعجميِّ أنْ يتزوَّجَ مَواليَ بني هاشِمٍ، نَصَّ عليه، وقال في قوله: «مَولَى القَوم من أنفُسهم» (٥): هو في الصَّدقة (٦)، وفي روايةِ مهنَّى: المنعُ. ومَن أسلم؛ كفءٌ لمن له أبوان في الإسلام، نَصَّ عليه (٧). وأهل البدع، قال أحمد في الرَّجل يزوِّج الجَهْمِيَّ: يُفرَّق بَينَهما، وكذا الواقِفيُّ إذا كان يُخاصِمُ، وقال: لا يُزوِّج بنتَه من حَرُورِيٍّ، ولا رافِضِيٍّ، ولا قَدَريٍّ، فإنْ كان لا يدعو؛ فلا بأسَ (٨). مسألةٌ: لا تُشترَط الشَّهادةُ بخُلوِّها عن الموانع الشَّرعيَّة، قال في

стр. 4335

«التَّرغيب» وغيره: ولا الإشهاد على إذنها، وقيل: بلى. ولا يزوِّجها العاقِدُ نائبُ الحاكم بطريق الولاية حتَّى يَعلَمَ إذنها. وإن ادَّعى زوجٌ إذْنَها، وأنكرتْ؛ صُدِّقتْ قَبلَ الدُّخول لا بعدَه. وفي «عيون المسائل»: تُصدَّقُ الثَّيِّبُ؛ لأِنَّها تزوَّج بإذنها ظاهرًا، بخلاف البِكْر، فإنَّه يزوِّجها أبوها بلا إذنها، وفي دعوى الوليِّ إذنَها كذلك، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: قَولُها (١). وإن ادَّعت الإذنَ فأنكر ورثته صُدِّقت (٢).

стр. 4336

(بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ) (وَهُنَّ (١) ضَرْبَانِ): (مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْأَبَدِ)؛ أي: التَّأْبيد، (وَهُنَّ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ): (أَحَدُهَا: الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ)، ولا فَرْقَ بَينَ النَّسب الحاصِلِ بنكاحٍ، أوْ ملْكِ يمينٍ، أو وَطْءِ شُبْهةٍ، أوْ حَرامٍ، وَسَنَذْكُرُهُ، (وَهُنَّ سَبْعٌ)، يَجمَعُها قَولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ … (٢٣)﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. (الْأُمَّهَاتُ)، وهنَّ كلُّ مَنْ انْتَسَب إليها بولادةٍ، سواءٌ وقع عليها اسمُ الأمِّ حقيقةً وهي التي وَلَدَتْكَ، أوْ مجازًا وهي التي وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ وإنْ عَلَتْ، ثُمَّ بيَّن ذلك بقَولِه: (وَهُنَّ الْوَالِدَةُ، وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَإِنْ عَلَوْنَ)، وهُنَّ جَدَّتاكَ؛ أمُّ أمِّكِ وأمُّ أبيك، وجَدَّتا أمِّك، وجدَّتا أبيك، وجَدَّتا جَدَّتَيك، وجَدَّتا أجْدادك، وارِثاتٍ كنَّ أمْ غَيرَ وارِثاتٍ، كلُّهنَّ محرَّماتٌ. وفي «الصَّحيح»: «أنَّ أبا هُرَيرةَ ذَكَرَ هاجَرَ أمَّ إسماعيلَ، وقال: تلك أمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماء» (٢)، وفي الدُّعاء المأثور: «اللَّهم صلِّ على أَبِينَا آدَمَ وأمِّنا حَوَّاءَ» (٣).

стр. 4337

(وَالْبَنَاتُ مِنْ حَلَالٍ)، وهنَّ (١) كلُّ أنثى انْتَسَبَتْ إليك (٢) بولادتك؛ كابنةٍ، (أَوْ حَرَامٍ)، شَمِلَ: ابنتَه من الزِّنى؛ لقوله ﵇ في امرأةِ هِلالِ بنِ أميَّةَ: «انظُروه، فإنْ جاءت به على كذا؛ فهو لشريكِ بنِ سَحْماءَ» (٣) يعني: الزَّانيَ، واستدلَّ أحمدُ: بأمْرِ النَّبيِّ ﷺ سودةَ أنْ تَحتَجِبَ من ابنِ زَمْعةَ (٤)؛ للشَّبَهِ الذي رأى بعتبةَ، ويَكفِي في التَّحريم: أنْ يَعلَم أنَّها بنتُه ظاهِرًا، وإنْ كان النَّسبُ لغيره، قاله في «التَّعليق»، وظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّ الشَّبهَ كافٍ، ولأِنَّها مخلوقةٌ من مائه، فحَرُمَتْ؛ كتحريم الزَّانية على ولدها، وكالمنفيَّة باللِّعان. لا يُقالُ: لا يَجرِي التَّوارُثُ بَينَهما، ولا تَعتِقُ عليه إذا مَلَكَها، ولا يَلزَمه؛ لأِنَّ تخلُّفَ بعضِ الأحكام لا يُوجِبُ (٥)، كما لو كانت رقيقةً، أو مخالِفةً لدينه. (وَبَنَاتُ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلْنَ)، مِنْ مِلكٍ أو شُبهةٍ؛ لصحَّة تَناوُل الاسم للجميع. (وَالْأَخَوَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ)؛ أي: الأخواتُ من الأبَوَينِ، أو من (٦) الأب ومن الأمِّ؛ لشُمولِ الآية لهنَّ. (وَبَنَاتُ الْأَخِ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ)، مِنْ أيِّ جهةٍ كانوا، (وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا)؛ للآية. (وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ)، فيدخُل في العَمَّات كلُّ أختٍ لأِبٍ، وإنْ بعدَتْ من جهةِ أبيه ومن جهةِ أمِّه، وفي الخالات كلُّ أختٍ لأِمٍّ، وإنْ

стр. 4338

بعُدَتْ من جهةِ أبيه ومن جهة أمِّه، وإذا ثبت أنَّ كلَّ جَدٍّ أبٌ، وكلَّ جدَّةٍ أمٌّ، فكلُّ أختٍ لها عمَّةٌ وخالةٌ، ويُستَثْنىَ منه خالةُ العمَّة لأِبٍ، وعمَّةُ الخالة لأِمٍّ. (وَلَا تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ … (٥٠)﴾ الآيةَ [الأحزَاب: ٥٠]، والأصلُ المساواة، لا سِيَّما وقد دخلت (١) في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٤]. وضابِطُه: أنَّ كلَّ امرأةٍ حرُمَتْ؛ حَرُمَتِ ابْنَتُها، إلاَّ خَمْسًا: أمُّ الزَّوجة، والعَمَّة، والخالة، وحليلة الاِبْن، وحليلة الأب. ومَنْ حَرُمَتْ؛ حَرُمَتْ أمُّها، إلاَّ خَمْسًا: البنتُ، والرَّبيبةُ، وبنتُ الأخ، وحليلةُ الابن، وحليلةُ الأب. أصلٌ: تَحرُمُ (٢) زَوجاتُ النَّبيِّ ﷺ فقطْ على غَيرِه ولو مَنْ (٣) فارَقَها، وهنَّ زَوجاتُه (٤) دُنْيَا وأُخْرَى. (الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ، وَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، والبقيَّةُ بالقياس، بغير خلافٍ، حكاه ابنُ حَزْمٍ والمؤلِّفُ (٥)، ولقوله ﵇: «يَحرُمُ من الرَّضاع ما يَحرُمُ من النَّسَبِ» مُتَّفَقٌ عليه (٦). نَقَلَ حنبلٌ: نكاح ابن الرَّجل مِنْ لَبَنِه؛ بمنزلة نكاح ابنِه (٧) من صلبه (٨).

стр. 4339

وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: لم يَقُل الشَّارعُ ما يَحرُمُ بالمصاهَرَة، فأمُّ امْرأتِه برضاعٍ، وامرأةُ ابنه أو أبيه من الرَّضاعة التي لم تُرْضِعْه، وبنت امرأته بلَبَنِ غَيرِه؛ حَرُمْنَ بالمصاهَرة لا بالنَّسب، ولا نسبَ ولا مُصاهَرةَ بَينَه وبَينَهنُّ، فلا تحريمَ (١). وقد اسْتَثْنَى من كلامه بعضُ أصحابنا: إلاَّ أمَّ أخته وأخت ابنه، فإنَّهما لا يَحرُمان، والصَّواب عِنْدَ الأكثر: عَدَمُ استثنائهما؛ لأِنَّ أمَّ أخته إنَّما حَرُمَتْ في غير هذا الموضِعِ؛ لكَونِها زوجةَ أبيه، وهو تحريمٌ بالمصاهرة لا تحريمَ نَسَبٍ، وأخت ابنه؛ لأِنَّها ربيبتُه (٢). فَرْعٌ: ظاهِرُ كلامِه: لا فَرْقَ بَينَ الرَّضاع (٣) والمحظور، ذَكَرَه القاضي في «تعليقه» بأنَّه إجماعٌ. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ أَرْبَعٌ: أُمَّهَاتُ نِسَائِهِ)؛ أيْ: إذا تزوَّج امرأةً حَرُمَ عليه كلُّ أُمٍّ لها من نَسبٍ أوْ رضاعٍ، قريبةً أوْ بعيدةً، بمجرَّد العَقْد، نَصَّ عليه (٤)، وهو قَولُ عمرَ، وابنِ مسعودٍ (٥)،

стр. 4340

وجابِرٍ (١). وعن عليٍّ: أنَّها لا تَحرُمُ إلا بالدُّخول بابنتها (٢). ولنا (٣): قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، وهو عامٌّ، وعن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا قال: «مَنْ تزوَّج امرأةً، فطلَّقها قَبْلَ أنْ يَدخُلَ بها؛ لا بأس أنْ يتزوَّج ربيبتَه، ولا يَحِلُّ له أنْ يتزوَّج أمَّها» رواه ابنُ ماجَهْ وأبو حَفْصٍ (٤). (وَحَلَائِلُ آبَائِهِ)؛ سُمَّيَت امرأةُ الرَّجل: حليلةً؛ لأِنَّها محلُّ إزار زَوجها، وهي مُحلَّلةٌ له؛ أي: فيَحرُم عليه امرأةُ أبيه، قريبًا كان أو بعيدًا، من نسبٍ أوْ رضاعٍ، وارثًا كان أوْ غَيرَ وارِثٍ، دخَلَ بها أوْ لَا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٢٢]، وقال البَرَاءُ: لَقِيتُ خالي ومعه الرَّايةُ قال: «أرْسَلَني النَّبيُّ ﷺ إلى رجلٍ تزوَّج امرأةَ أبيه مِنْ بَعدِه؛ أنِ اضْرِبْ

стр. 4341

عُنُقَه» رواه أحمد، وأبو داود، وقال (١): حسَنٌ غَرِيبٌ (٢). وسواءٌ في هذا امرأةُ أبيه، وامرأةُ جَدِّه لأبيه، وجدِّه لأمِّه، قريبٍ أوْ بعيدٍ، ولا فَرْقَ (٣) بَينَ مَنْ وَطِئَها (٤) بملكٍ أوْ شُبْهةٍ. (وَأَبْنَائِهِ)؛ أيْ: يَحرُم عليه أنْ يتزوَّجَ بامرأةِ ابنه، وابن بنته، من نَسَبٍ أوْ رضاعٍ، قريبًا كان أوْ بعيدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٥). (فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ)؛ لعُمومِ ما تقدَّم، ولو كان نكاحُ الأب الكافر فاسِدًا، ذَكَرَه الشَّيخ تقيُّ الدِّين إجْماعًا (٦). وظاهِرُه: لا فَرْقَ فيه بَينَ العَقْد الصَّحيح المفيدِ للحِلِّ، والفاسِدِ، على ظاهرِ كلامِ القاضي في «المجرد»؛ لأِنَّ حُكمَه كالصَّحيح، إلاَّ الحِلَّ والإحْلالَ والإحْصانَ والإرْثَ وتَنَصُّفَ الصَّداق قَبْلَ المسيس، وظاهر كلامه في

стр. 4342

«التعليق» خلافُه. (دُونَ بَنَاتِهِنَّ)؛ أيْ: يَحِلُّ له نكاحُ ربيبةِ أبيه وابنِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ … ﴾ الآية [النِّسَاء: ٢٤]. (وَالرَّبَائِبُ: وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللاَّتِي دَخَلَ بِهِنَّ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ … ﴾ الآية [النِّسَاء: ٢٣]، (دُونَ اللاَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ)؛ لأِنَّ تقييدَه بالحِجْر خَرَجَ مَخرَجَ الغالِبِ، وما كان كذلك لا مَفْهومَ له، اتِّفاقًا (١)، ولا فَرْقَ فيها بَينَ أنْ تكونَ قريبةً أوْ بعيدةً، وارِثَةً أوْ غَيرَ وارِثَةٍ، مِنْ نَسَبٍ أوْ رِضاعٍ، فإذا دَخَلَ بالأمِّ؛ حَرُمَتْ عليه، سواءٌ كانَتْ في حِجْرِه أوْ لَا. وحُكِيَ عن ابنِ عَقِيلٍ، وهو مَرْوِيٌّ عن عمرَ وعليٍّ (٢): أنَّه يُرخَّصُ فيها إذا لم تَكُنْ في حِجْرهِ.

стр. 4343

(فَإِنْ مُتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ)، أوْ بانتْ؛ (فَهَلْ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظْهَرُهما: أنَّها لا تَحرُمُ، وهو قَولُ عامَّة العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، وكالطَّلاق، والموت لا يَجرِي مَجْرَى الدُّخول في الإحْلال والإحْصان. والثَّانيةُ: بلى، اخْتارَه أبو بكرٍ؛ قياسًا على تكميلِ الصَّداق. (وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ (١) بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ)، اتِّفاقًا (٢)، (وَالْحَرَامِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٢٢]، وفيها دَلالةٌ تَصرِفُه إلى الوطء دُونَ العقد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ٢٢]، وهذا التَّغليظُ إنَّما يكونُ في الوطْءِ، وعن ابن مسعودٍ قال: «لا يَنْظُرُ الله إلى رجلٍ نَظَرَ إلى فرجِ امرأةٍ وابْنَتِها» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنادٍ ضعيفٍ (٣)، ولأِنَّ ما تعلَّق بالوطء المباحِ تعلَّق بالمحظور؛ كوطْءِ الحائِضِ، ولأِنَّ النِّكاحَ يُفسِدُه الوطءُ بالشُّبهة، فأفْسَدَه (٤) الوطءُ الحرامُ كالإحرام. وذَكَرَ في «المستوعب» و «المغْنِي» و «التَّرغيب»: ولو بوَطْءِ دُبرٍ، وقِيلَ: لَا.

стр. 4344

ونَقَلَ بشرُ بن موسى (١): لا يُعجِبُنِي. ونَقَلَ الميمونيُّ: إنَّما حرَّم الله الحَلالَ على ظاهِرِ الآية، والحَرامُ مُبايِنٌ للحَلال (٢). (فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيْتَةً، أَوْ صَغِيرَةً) لا يُوطَأُ مِثلُها؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَنشُرُ الحُرمةَ؛ كالرَّضاع. والثَّاني، وهو ظاهِرُ «الوجيز» وغَيره: أنَّه لا يَنشُرُها؛ لأِنَّ التَّحريمَ يتعلَّق باسْتِيفاءِ منفعةِ الوطءِ، وذلك يُبطِلُها. وفي «المُذهب»: هو كنِكاحٍ، وفيه: بشبهة وجهان. (وَإِنْ بَاشَرَ امْرَأَةً، أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا)، أوْ قبَّلها، (أَوْ خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ)، وفيه مَسائِلُ: الأولى: إذا باشَرَها دُونَ الفرج لشهوةٍ؛ فالأشْهَرُ: أنَّه لا يَنشُرُها، كما لو لم يكن لشهوةٍ، والثَّانية: بلى، وهو قَولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عَمْرٍو (٣)؛ كالوطء، والفَرْقُ بَينَ الوطء وغيرِه ظاهِرٌ. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا باشَرَها دُونَ الفرج لغَيرِ شهوةٍ؛ أنَّه لا يَنشُرُ الحُرْمةَ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٤). الثَّانية: إذا نَظَرَ إلى فَرجِها لشهوةٍ؛ ظاهِرُ المذهب: أنَّه لا يَنشُرُها (٥)؛ كالنَّظَر إلى الوجه، والثَّانيةُ: يَنشُرُها في كلِّ مَوضِعٍ يَنشُرُها اللَّمْس، رُوِيَ عن

стр. 4345

جماعةٍ من الصَّحابة (١). وعنه: لا فَرْقَ بَينَ النَّظَر إلى الفَرْج وإلى بقيَّةِ البَدَن، ذَكَرَها أبو الحُسَين، ونَقَلَه الميمونيُّ وابنُ هانِئٍ (٢)، منها أو منه إذا كان لشهوةٍ، والأصحُّ خِلافُه؛ فإنَّ غَيرَ الفرج لا يُقاسُ عليه. وإنْ وَقَعَ ذلك من غَيرِ شهوةٍ؛ لم يَنشُرْها بغَيرِ خلافٍ فيه (٣)، وهذا فِيمَنْ بَلَغَتْ تِسْعَ سنينَ فما زاد، وعنه: وسبعٌ، إذا أصابَها حَرُمَتْ عليه أمُّها. الثَّالثة: إذا خَلَا بها لشهوةٍ قَبْلَ الوَطْء؛ فرِوايَتانِ؛ إحداهما: وهي اخْتِيارُ القاضي وابنِ عَقِيلٍ، والمؤلِّفِ: لا يَنشُرُ (٤)؛ بِناءً على أنَّ النَّظَرَ كِنايَةٌ عن الدُّخول. والثَّانية: بلى؛ لأِنَّه تعالى أطْلَقَ الدُّخولَ، وهو شامِلٌ للخلوة، والعُرْفُ على ذلك، يُقالُ: دَخَلَ بزوجته، إذا كان بَنَى بها وإنْ لم يَطَأْ، وأمَّا إذا فَعَلَتْ
следующие страницы →